تسجيل الدخول

شرح كتاب رسالة المسترشدين 4

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

والله ما في هذه الدنيا لك من اشتياق العبد للرحمن، هم يسمعون كلامهم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

وبعد، أحيّاكم الله وبياكم وسدد على طريق الحق خطانا وخطاكم، ونسأل الله العظيم رب العرش العظيم كما جمعنا في هذا المكان الطيب المبارك أن يجمعنا عنده في مستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وما زلنا نعيش في أفياء هذه الرسالة المباركة للإمام الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى، رسالة المسترشدين لكل من يطلب طريق الرشاد إلى رب العالمين. واليوم بإذن الله سبحانه وتعالى في معالم هذا الطريق، وكان الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى قد صدّر رسالته بذكر صفات أهل الرشاد، ثم أتبعها بذكر الأسس التي يقوم عليها منهج المسترشدين، ثم بعد ذلك عرّفنا المنطلق من أين يكون، من كتاب الله سبحانه وتعالى الذي منه نستخلص معالم هذا الطريق.

ثم اليوم لا بد وأن نقلع أو نبدأ المسير في طريق المسترشدين إلى الله سبحانه وتعالى، ونبدأ الكلام عن هذا الطريق؛ فطريق المسترشدين فيه منازل، كل منزل لا بد أن نعرفه وندرسه ونعيش في هذه اللحظات قبل أن ننتقل إلى منزل آخر. ومن اليوم لا بد أن تبدأ الوظائف عليك أيها الطالب، من اليوم تبدأ الوظائف على الطالب؛ لأن هذا الدرس، مثل هذه الدورات، ليس المراد منها التنظيم، وليس المراد منها الكلام العام أو الترف الفكري، وإنما المراد منها التطبيق والعمل. وهذا هو منهج المسترشدين، منهج تطبيقي عملي.

وكل منزل من المنازل تأخذه اليوم أو تأخذه في الدروس القادمة لا بد عليك وأن تبدأ بتطبيقه في حياتك، حتى تكون هذه الدروس وهذه المواعظ هي موعظة لنا أولاً وللسامعين للوصول إلى رب العالمين بالتطبيق العملي ومجاهدة النفس؛ لأن الكلام ميسور، لكن الإشكال في التطبيق والعمل والمجاهدة حتى يرزقنا الله عز وجل الاستقامة والوصول إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

يقول الحارث المحاسبي رحمه الله في أول منزل من منازل هذا الطريق، وهو المنزل الذي لا بد أن ينطلق منه، وهو إخلاص النية لله سبحانه وتعالى. يقول الحارث المحاسبي رحمه الله: فافحص عن النية وعليك الإرادة، فإن المجازاة بالنية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى. النية أيها الأحبة التي يتكلم عنها العلماء على نوعين؛ هناك نية يتكلم عنها في مباحث الفقه، وهناك نية يتكلم عنها في مباحث السلوك والتزكية.

فالنية الأولى التي يتكلم عنها في الفقه هي النية التي تميز عبادة عن عبادة أخرى. فما الذي يميز مثلاً صلاة الظهر من صلاة العصر؟ النية، أن تأتي تنوي هذه الصلاة التي أريد أن أصليها هي الظهر وليست العصر. فهناك نية يتكلم عنها الفقهاء وهي النية الأولى، وهي تمييز العبادات بعضها عن بعض وتمييز العبادة عن العادة كذلك. فمثلاً الغسل، قد يغتسل الإنسان قد ينوي به مجرد تبرد من الحر، وقد ينوي به التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بغسل من جنابة أو غسل جمعة، ما الذي فرّق بين هذا الغسل وهذا الغسل؟ الهيئة واحدة، لكن الذي فرّق بينهما النية؛ هذا نوى التقرب إلى الله، وهذا لم توجد عنده النية، فهذا حصل الثواب وهذا أضاع الثواب لوجود النية.

فهذا الأول الذي يميّز عبادة عن عبادة، يميّز صلاة الظهر عن صلاة العصر، صيام الفرض عن صيام النفل، أو يميّز عبادة عن عادة، هذا في كتب الفقهاء يُدرّس. لذلك تجدون يقولوا مثلاً: أول شرط من شروط الوضوء النية، كذلك في الصلاة لا بد من نية، كذلك الزكاة مثلاً عند الحنابلة لا بد في إخراجها من نية، وكذلك الحج وما شابه ذلك، فهذا ليس موطنه علم السلوك. أما علم السلوك فهو يبحث في النوع الثاني أو المفهوم الثاني للنية، وهي التي تميز المقصود من العمل؛ من قصدت في هذا التصرف؟ فالنية إذاً في علم السلوك هي النوع الثاني وليست هي النوع الأول، فلا بد للطالب أن يميّز حتى لا يختلط كلام الفقهاء عليه بكلام علماء السلوك.

إذاً النية عند علماء السلوك وهي التي تهمنا يتكلم فيها أهل التزكية عن ماذا؟ عن ما هو المقصود بالعمل، تميّز من قصدت بهذا التصرف وبهذا السلوك. وهذا النوع هو الذي يتكلم فيه العارفون في كتبهم وتجدونه كثيراً في كلام السلف رحمهم الله تعالى، ويُعبّر عنه في القرآن الكريم وفي كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم كثيراً بالإرادة. فالنية والإرادة والقصد بالمفهوم الثاني عند علماء السلوك نستطيع أن نقول هي مترادفة، سواء قلنا هي نية، قلنا هي إرادة، قلنا هي قصد، المعاني متقاربة.

مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا هذه نية، مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا، وقال سبحانه وتعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ. ومن كان يريد -يعني يقصد وينوي- الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب. إذاً النية بالمعنى الثاني هو الذي يهمنا، يعبّر عنه في القرآن كثيراً بالإرادة، وكذلك يمكن أن يعبّر عنه بلفظ النية.

فما هي النية عند علماء السلوك بالمعنى الثاني الذي ذكرناه؟ يقولون: النية هذا بشكل عام انبعاث من القلب، انبعاث القلب إلى ماذا؟ انبعاث القلب إلى ما يراه موافقاً لغرضه في جلب منفعة أو دفع مضرة، أما في الحال وأما في المآل في المستقبل. نعيد، يقول علماء التزكية رحمهم الله تعالى: النية انبعاث القلب، إذا تصرف من القلب، ينبعث قلبك لماذا؟ إلى شيء يوافق غرضك، ويوافق ميلك، هذا الغرض وهذا الميل الأصل أنه يجلب لك منفعة أو يدفع عنك مضرة، أما في الحال وأما في المآل، أما في هذه الدنيا وأما في المآل عند لقاء الله سبحانه وتعالى.

طبعاً هذا تعريف النية أيها الأحبة بالمعنى العام. لذلك يقول العلماء رحمهم الله تعالى قبل أن ندخل في الكلام عن هذه النية وتطبيقها في علم السلوك: نقول كل شيء يُتصور أن يشوبه شيء آخر، كل شيء يُتصور أن يشوبه شيء، إذا خَلُص وإذا نُقّي وهُذّب من هذا الشوب نسميه ماذا؟ خالصاً. الآن عندك شيء، هذا الشيء تشوبه أشياء، إذا نقّيناه من هذه الأشياء، إذا هذّبناه منها يصبح هذا الشيء ماذا؟ خالصاً. لذلك قال الله سبحانه وتعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا.

لماذا وصف اللبن بأنه خالص؟ لأن اللبن وهو بداخل الأنعام وبداخل البهيمة قد يختلط بالدم والفرث وما شابه ذلك، الله سبحانه وتعالى بقدرته العظيمة يخرج لنا هذا اللبن بعد أن ينقّيه من جميع الشوائب، فيخرج لنا لبناً خالصاً سائغاً للشاربين. وكذلك النية أيها الأحبة، النية والقصد يشوبه كثير من الأشياء، إذا هذّبها الإنسان ونقّاها من جميع البواعث -قلنا النية ما هي؟ هي انبعاث القلب، صحيح؟- الآن إذا الإنسان جاء على نيته فطهرها وهذّبها ونقّاها من جميع البواعث إلا من باعث واحد، نقول: فلان أخلص نيته، خلّصها من جميع الشوائب ومن جميع البواعث إلا من باعث واحد.

إذاً إذا كانت النية أو كانت الإرادة مبعثها للتصرف أو لشيء واحد نقول هذه نية ماذا؟ خالصة؛ لأن مبعثها شيء واحد لا يشوبه شيء آخر ولا يخالطه شيء آخر. فهناك مثلاً من يدفع الزكاة ولا يكون مبعثه لدفع الزكاة إلا المراءاة، نقول هذا نيته خالصة، لكن خالصة لمن؟ للناس ولهواه ولشيطانه، هذا أخلص النية لكن أخلصها لهواه ولشيطانه. هناك من يطلب العلم ونيته في طلب العلم أن يُصرف وجوه الناس إليه، ألم يخلص النية فقط؟ ولم يرد إلا هذا الفاعل، نقول: نعم، فلان أخلص النية، لكن أخلصها لمن؟ لهواه ولشيطانه ولرغباته.

وهناك من يفعل التصرف ويفعل العبادة ولا يريد بها إلا وجه الله، هذا هو فقط هو الباعث له إلى العمل، نقول: نعم، وهذا أيضاً أخلص النية، ولكن أخلصها لمن؟ لوجه الله سبحانه وتعالى، وشتان ما بين هذا الإخلاص وما بين ذاك الإخلاص؛ هذا يخلص ولكن لهواه ولنزواته وشهواته من حب الدنيا وحب الثناء وأن تُصرف وجوه الناس إليه، وذاك يخلص ولكن لله سبحانه وتعالى.

وهناك نوع ثالث، نوع هو يريد وجه الله سبحانه وتعالى، ولكن تأتي خطرات على قلبه، وتتمكن من هذه الخطرات، كان باعثه وجه الله وتأتي خطرة يريد كذلك أن يرى الناس صلاحه ووقاره، يريد كذلك أن يُذكر بالمجالس ويُثنى عليه بالخير، يريد أن يُشار إليه بالبنان؛ فهنا هذه النية لا تسمى خالصة، لماذا؟ لأن هناك باعثاً آخر غير مقصد وجه الله، وهناك أيضاً بواعث من النفس، فهذا الإنسان إذا كانت هذه الخواطر هي التي تسهل عليه العمل، هي التي تسهل عليه العمل، فتجد مثلاً يقول: أنا أطلب العلم أريد وجه الله أو أطيل قيام الليل أريد وجه الله، ولكن تجد العمل عليه صعباً عسراً، إذا جاءت هذه الخواطر، مثلاً رأى إنساناً ينظر إليه أحب أن يذكره هذا الإنسان أمام الناس، إنسان يطلب العلم يحب، هو يقول لك: أريد وجه الله سبحانه وتعالى، ولكن رأى الناس ينظرون إليه بإعجاب، فهذه نظرة الناس بإعجاب هي التي هوّنت عليه طول المجلس، قال: يعني خل الناس تشوف الرجال يحضر مجالس العلم.

إذاً هنا النية ليست خالصة لوجه الله، هناك وجه الله سبحانه وتعالى وهناك كذلك خواطر أخرى دافعتها وشاركتها، فهذه النية ليست خالصة، لم تخلص للناس ولم تخلص لوجه الله سبحانه وتعالى، وإنما فيها شراكة، والله عز وجل يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك. فهذه النية كذلك فاسدة، أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك به معي غيري تركته وشركه، الله سبحانه وتعالى لا يقبل أن يزاحمه شيء، فإذا فعلت الفعل وأردت أن يكون مقبولاً لا بد أن تفعله لوجه الله سبحانه وتعالى خالصاً.

لذلك أيها الأحبة، كل حظ من الحظوظ تستريح إليه النفس ويميل إليه القلب إذا تطرّق إلى العمل فإنه يكدّر صفوه، ما يعود هذا العمل نقياً طاهراً، يصبح فيه شوائب. والإنسان أيها الأحبة في الحقيقة مرتبط بهذه الحظوظ، منغمس فيها وفي هذه الشهوات، فلا يكاد ينفك عمل من أعماله ولا عبادة من عباداته عن الالتفات لهذه إلا من وفّقه الله سبحانه وتعالى. لذلك يقول بعض السلف: من خلصت له لحظة واحدة لوجه الله سبحانه وتعالى نجا. من خلصت له لحظة واحدة لوجه الله نجا، لماذا؟ لأنهم يعلمون أن هذا الأمر عسير، بعض الناس يظن أن القضية سهلة، أصلي أطلب العلم، أتعلم، فقط أنا لا أريد إلا وجه الله عز وجل، ويظن أنه حاز مرتبة اليقين والنية لم يخالطها أي شيء.

السلف رحمهم الله تعالى كما سيأتي معنا كانوا يخشون من النية، ويخشون أشد الخشية منها، ويرون أنها أصعب من طول العمل، يمكن الإنسان أن يطيل عمله، ولكن يصعب عليه ماذا؟ أن يعالج نفسه، يعالج نيته. لذلك أيها الأحبة لا يوفّق إلى إخلاص النية ومعالجة النفس إلا شخص محب لله سبحانه وتعالى، استغرق همه في الدار الآخرة، ولا يطلب من هذه الدنيا شيئاً. ومما يحزن القلب ومما يجعل الإنسان يموت كمداً أن يصرف الساعات الطويلة في تعلم علم أو في عبادة وتقرب فيما يظن، ولكنه لم يعالج النفس، ولم يراقب الآفات التي يمكن أن تتطرّق إلى عمله، فيأتي يوم القيامة يجد عمله سراباً، يجد عمله سراباً، وهؤلاء يدخلون في قوله تعالى: وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ.

هم كانوا يظنون أن الأمور في السليم، ولكن لأنهم لم يعالجوا أنفسهم ولم ينظروا في آفات القلوب، لم يراقبوها، بدا لهم من الله يوم القيامة ما لم يكونوا يحتسبون وبدا لهم سيئات ما كسبوا. وقال سبحانه وتعالى: الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ وَهَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا والمشكلة أين؟ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا. فهذا خذلان من الله للعبد أن يتركه مع أهوائه ومع شهواته، وهذا العبد يظن أنه على خير. طبعاً الإشكال أن العبد هو الذي لم يعالج قلبه، الله عز وجل إذا رأى العبد متجهاً إلى وجهه الكريم فقط يساعده ويعينه ويردّه، ولكن العبد الذي لا يعالج القلب ولا ينظر إلى الآفات ولا إلى مداخل الشيطان وإنما همه مجرد العمل، نعم هذا الشيطان يستولي على عمله ويدافعه بالخطوات فيكون من الغافلين عن هذه القلوب، نسأل الله السلامة والعافية.

لذلك يروى من قصص السلف أن أحدهم قال: صليت ثلاثين عاماً في الصف الأول، قال: انظر إلى هذه المحاسبة أو هذا إشكال في عدم مراقبة القلوب، وصليت ثلاثين عاماً في الصف الأول، ثم بعد ثلاثين عاماً كأنه انشغل في يوم من الأيام، قال: فتأخرت إلى الصف الثاني، قال: فلما سلّم الناس من الصلاة شعرت بالاستحياء من الناس. قال: فعرفت أن صلاتي الثلاثين عاماً في الصف الأول كانت من أجل إعجاب الناس من النظر إليه. انظر، ثلاثين عاماً وهو في الصف الأول، عندما تأخر لم يستحِ من الله سبحانه وتعالى، ها لو استحى من الله عز وجل لآخر، قال: استحيت من نظر الناس إليه. يقول فلان: قال في الصف الثاني فقط، انظروا إلى كيف يحاسبون أنفسهم وكيف ينظرون إلى الرياء وإلى النفاق؟ قال: لما رأيتهم ينظرون إلي بهذه النظرة خشيت على نفسي وعرفت أن عملي في الثلاثين عاماً كان مشوباً ولم يكن خالصاً لوجه الله سبحانه وتعالى.

وتعالى، لذلك كان هناك حقيقة فقط الغزالي رحمه الله تعالى أعجبتني لأن المجلس هو لطلبة العلم، فأحببت أن أذكرها بنصها لأنها مفيدة لنا ولهم، ونسأل الله أن يعيننا على الإخلاص. يقول الغزالي رحمه الله تعالى في إحياء علوم الدين: وينتبه طالب العلم والواعظ والمتكلم والمتصدر إلى هذا المسلك الدقيق الذي يدخل فيه الشيطان على العبد من حيث لا يشعر.

يقول: وأشد الخلق تعرضاً لهذه الفتنة، اللي هي فتنة الرياء، قال العلماء وأنا أضفت وطلبة العلم، كل داعية إلى الله سبحانه وتعالى، قال: فإن الباعث للأكثرين على نشر العلم لذة الاستيلاء والفرح استتباع، يعني أن ينظر أن له أتباع يتبعونه وينصرونه ويصفقون له، والفرح بالاستصباغ والاستبشار بالحمد، يعني هو يحب أن يحمده الناس وهذا مقصده، والشيطان يلبس عليهم ذلك.

يعني هنا الإنسان ينبغي أن يراقب الشيطان، لا يأتي مباشرة يقول لك اجعل عملك للناس، لا الشيطان يدخل عليك هذا الأمر من أبواب لا تشعر بها. قال: والشيطان يلبس عليهم ذلك ويقول غرضكم نشر دين الله سبحانه، والنضال عن الشرع الذي شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترى الواعظ يمن على الله سبحانه وتعالى بنصيحة الخلق، ويفرح بقبول الناس قوله وإقبالهم عليه.

وهو يدعي، يعني هذا كثير لو إنسان تأمل في نفسه، يدعي أنه لا أنا فرحي مش لأن الناس ينظرون إلي، أنا فرحي لأن الناس تقبل الخير وتريد وجه الله سبحانه وتعالى، ولكن هو في الحقيقة شيء دفين. من الذي يعلمه؟ نحن لم نعلمه، ولكن الذي يعلمه الله سبحانه وتعالى.

وهو يدعي أنه يفرح بما يسر له من نصرة الدين، ولو ظهر من أقرانه من هو أحسن منه وعظاً وانصرف الناس عنه وأقبلوا على قرينه ساءه ذلك وغمه. انظر هنا كيف تبدأ تظهر أمراض القلوب، إذا وجد واعظ آخر، وجد معلم آخر، وجد طالب علم آخر أفضل حالاً منه، إذا وجد هذا الطالب الأول في نفسه غماً وهماً بنشوفه مباشرة، لأن الأصل في الإنسان أن لا يحسد الآخرين.

وإذا وجد من صَدّره الله عز وجل للكلام عنه والإفتاء أن يفرح بذلك، لأنه كفاه هذه المؤنة، وهذه حال الصحابة، لا يتدافعون إلى الفتيا، كلهم يصرفوها عن نفسه، فإذا وجد من يعظ الناس ويكلمهم ويذكرهم ويكفيه هذه تجده مستبشراً، هذا المخلص. وأما الذي في قلبه شوط تجده حزيناً مغموماً.

ثم الشيطان مع ذلك لا يخليه، انظر الشيطان ما تركه حتى في هذه اللحظة، ثم الشيطان مع ذلك لا يخليه ويقول: إنما غمك، يعني هذا الهم أنت تشعر بالهم لأن فلان تصدر عليك، ولأن الداعية الفلاني يدخل التلفاز والجمهور أكبر، ولأن صفحته متابعة أكثر، ولأن الناس تحبه وتقبل إليه أكثر. انظر إلى هذه المآخذ، الشيطان أنت الآن حزين، الشيطان أثناء حزنك يحاول أن يترجم الحزن بمعنى آخر تستروح له النفس.

فماذا يقول؟ قال حزنك لانقطاع الثواب عنك، وانصراف وجوه الناس عنك إلى غيرك، إذ لو اتعظوا بقولك لكنت أنت المثاب، واهتمامك لفوات الثواب المحمود، يعني كأنك المشكلة فقط في الحزن والغم أنه فاتك هذا الثواب نصيحة الناس، أما مش مشكلتك أنه ظهر واحد داعية آخر أفضل منك.

قال: وقد ينقطع بعض أهل العلم بغرور الشيطان، فيحدث نفسه، يعني هو الآن في الوضع ما في أحد ينافسه في الميدان، فهو يقول لو ظهر من هو أولى منه بالأمر والله لفرحت به، وإخباره بذلك عن نفسه، يعني هذا الإخبار أنت الآن تخبر لكن قبل أن يقع بك الاختبار، تخبر إذا خرج داعي والله أنا أشد الناس فرحاً بهذا، وبالعكس أحب أن يأتي الدعاة وينشغلون بتعليم الناس حتى ولو الناس، هذا عندما لا يكن منافس في الميدان الكلام سهل.

الكلام سهل لكن وقت التطبيق، قال: وإخباره بذلك عن نفسه قبل التجربة والامتحان محض الجهل والغرور، فإن النفس سهلة القياد في الوعد، يعني بتوعد نفسها بالخير سهلة، أنه أنا راح أفعل كيد وأبداً لن يكون في قلبي أي شوط من الأفعال والمراءاة لغير وجه الله سبحانه وتعالى وأفرح ببروز الدعاة.

قال: فإن النفس سهلة القياد في الوعد بأمثال ذلك قبل نزول الأمر، ثم إذا دهاه الأمر خرج رجل ينافسه في الميدان تغير ورجع ولم يفِ بالوعد، وذلك لا يعرفه إلا من عرف مكائد الشيطان والنفس، وطال اشتغاله بامتحانها ومعرفة حقيقة الإخلاص والعمل به بحر عميق يغرق فيه الجميع إلا الشاذ النادر، الله سبحانه وتعالى هو الموفق.

لذلك من أقوال السلف رحمهم الله تعالى أيها الأحبة في النية، يعني الإنسان يستروح إلى كلام السلف ويشعر فيه مع أنه قليل لكنه جمع خيراً عظيماً، يقول يوسف بن أسباط رحمه الله تعالى: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد. يعني الإنسان قد يستر عليه الاجتهاد ويبدو أنه يقوم الليل ويدرس الساعات الطويلة للعلم ويريد أن يتقرب إلى وجه الله سبحانه وتعالى فيما يظن، لكنه لم يعالج، الآن إذا جاء وقت المعالجة للنية يجد أن المعالجة من أشد الأشياء عليه.

يعني يمكن يجلس خمس ساعات، سبع ساعات، ثمان ساعات ما بين عبادة وطالب علم وتقرب فيما يظن، لكن قل له اجلس ساعة فقط لمعالجة النية وإخلاصها لله سبحانه وتعالى يجد الأمر صعباً ثقيلاً. كذلك يقول رحمه الله: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب.

وانظروا إلى هذا الكلام، يعني لماذا الإخلاص صعب؟ لماذا؟ إخلاص عملك لله سبحانه وتعالى من أشد الأمور، لأن النفس لا تأخذ منه أي نصيب، لا يوجد مدح من الناس، لا يوجد إشارة إليك بالبنان، لا أحد يذكرك بالمجالس، لا تريد ولا شيء من هذه الأمور، وإنما تريد فقط وجه الله سبحانه وتعالى وما عنده في الدار الآخرة من الغيب، فهذا الأمر في الحقيقة صعب، لأن النفس تريد أن تخلص من جميع حظوظها وأغراضها وتتجرد بعض التجرد لله سبحانه وتعالى، وهنا الصعوبة.

ويقول يوسف بن الحسين الرازي رحمه الله تعالى: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وانظر ماذا يتكلم عن نفسه؟ قال: وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على لون آخر، يعني هذا الرجل إمام من أئمة السلف رحمهم الله، يقول أجاهد النفس على إسقاط الرياء، تسد هذا الباب من الرياء ينبت لي وجه آخر من الرياء من طريق آخر، ثم آتي أصد هذا الباب ينبت لي الرياء من وجه آخر.

لأن الشيطان أيها الأحبة اشتغل من سنوات طويلة، من أيام آدم وهو يعمل، رجل عنده احترافية في العمل، يعرف المداخل وكيف يأتيك، وبأي النية؟ لا فلان تصلح له هذه النية، أفسدوه من هنا، لا فلان لا تصلح له، يدخل من مدخل آخر، وهكذا الشيطان لن يتركك حتى تخرج هذه الروح من الجسد، فمن ظن أنه سليم من الشيطان وأنه سليم من هذا بداية الخذلان.

اعرف أن الشيطان يستحيل أن يترك طالب علم عابد زاهد، فكم من عابد وقع في المعاصي؟ وكم من طالب علم انتكس على عقبيه؟ فلا الإنسان في نفسه السلامة ولا يؤمن على حي فتنة. الآن أصبحت النية ربما هي جانب مرغوب لنا من خلال ما أعطيناه أنه الأمر صعب، لكنها من الجانب الآخر لو نظرنا من ناحية أخرى هي ميدان رحب لاكتساب الأجور والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

ففي حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها، فقط الهم، من هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة، فقط النية تؤجر عليها حتى لو لم يصدر منك فعل، ومن هم بحسنة فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة.

ومن هم بسيئة، الآن جاي بالمقابل، من هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، انظر، هم السيئة إذا تركته لوجه الله، هذا قيد، يعني قد إنسان يهم بسيئة يتركه ليس لوجه الله، وإنما لانقطاعه وعجزه ما تيسر له الوصول إلى الحرام، فهذا لا يثاب بل هذا عليه وزر، أما الكلام رجل تيسر له الحرام وهم به لكن تركه لوجه الله سبحانه وتعالى فإن الله يكتب له الحسنة، ومن هم بسيئة فعملها كتبها الله له سيئة واحدة.

لذلك الإمام أحمد بن حنبل يوصي ابنه عبد الله فيقول له: انوِ الخير، يقول له ماذا؟ انوِ الخير، فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير. ابن مفلح رحمه الله في الآداب الشرعية يعلق على هذه الوصية، وربما يعني هي كلمتان لكن في ضمنها علم جَم من الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، يقول ابن مفلح: قال وهذه وصية عظيمة، سهلة على المسؤول، سهلة الفهم والامتثال على السائل، ثوابه دائم مستمر، وهي صادقة على جميع الأعمال المطلوبة شرعاً، سواء تعلقت بالخالق أو بالمخلوق وأنها يثاب عليها.

فبمثل هذا تكون وصايا أئمة المسلمين، يعني تخيل نفسك أنك دائم في أي تصرف تفعله في الحياة يقول لك انوِ الخير، ذهبت إلى المدرسة تعلم أنه الخير، ذهبت إلى عملك تريد أن تفعل شيء، أي عمل تفعله في هذه الدنيا بأي وظيفة كنت انوِ الخير. القضية سهلة لكن من يستحضرها؟ القضية سهلة والحسنات التي يمكن أن تقودها فقط من النيات من دون أن تفعل أي جهد بدني، كثيرة جداً ولكن من يستحضر هذا الأمر؟

لذلك يقول ابن مفلح: وهكذا تكون وصايا أئمة المسلمين. قال صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى. كما ذكر المحاسبي هذا الحديث، وهذا الحديث أيها الأحبة من أعظم الأحاديث في بيان خطر النية ومنزلتها في دين الله سبحانه وتعالى، لذلك يرد العلماء هذا الحديث حديث عمر بن الخطاب إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى نوع من أصول الدين.

لذلك الشافعي رحمه الله يقول: هذا الحديث إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ثلث العلم ويدخل في ستين باباً من الفقه، وكذلك الإمام أحمد بن حنبل الشيباني يقول: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث، حديث إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ، وحديث النعمان بن بشير الذي تقدم معنا في الدرس الماضي: الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ.

لذلك هذا الحديث عندما يقول النبي صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، ما معنى هذا المقطع؟ هناك مقطعان ذكرهما المحاسبي، نشرحهما سريعاً قال إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى. ما الفرق بين المقطع الأول والمقطع الثاني؟ المقطع الأول إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ يتكلم أيها الأحبة عن الحكم الطبع العادي في أحوال الناس، المقصود أي فعل اختياري يفعله الإنسان بالاختيار ويقبل عليه لا يقبل عليه إلا بنية مهما كانت هذه النية.

الآن الإنسان إذا أكل له نية في الأكل، يريد قصد إشباع البطن، يريد التقوى على الطاعة، المهم يوجد نية. كذلك إذا نكح، إذا باع، إذا اشترى، إذا صلى، إذا، طبعاً فهذا إخبار عن الحكم الطبعي والعادي في تصرفات الناس، أن كل فعل يصدر باختيار الإنسان إنما يصدر بماذا؟ بنية، مهما كانت هذه النية، المهم لابد من وجود نية وباعث.

ثم في المقطع الثاني وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، هذا إخبار عن ماذا؟ عن الحكم الشرعي، أن المجازاة بالنية كما قال المحاسبي، فالإنسان مجازاته وثوابه أو عقابه على نيته، وهذا من رحمة الله، وكذلك فيه نوع خوف، يعني هو الإنسان إذا فعل من غير نية ومن غير قصد هذا من رحمة الله أنك لا تجازى عليه لأنه صَدَر منك من غير قصد، وكذلك من فعل فعلاً يريد مما يراد به وجه الله لكنه لم يقصد به وجه الله فإنه يحاسب على ذلك وعلى نيته.

فالمجازاة إذاً أيها الأحبة بالنية، من حسنت نيته حسن ثوابه، ومن فسدت نيته فسد ثوابه. يقول الحارث المحاسبي بعد ذلك قال: والزم تقوى الله، فإن المسلم مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، والمؤمن من أمن الناس بوائقه. قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: اتق الله بطاعته وأطع الله بتقواه، وكف يدك عن دماء المسلمين، وبطنك عن أموالهم، ولسانك عن أعراضهم.

الآن هذا منزل آخر من منازل الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، وهو مرتبة التقوى، وهذه هي أعظم الخصال، لذلك تذكر في بداية طريق الرشاد؛ لأن كل ما بعدها من المنازل هي تعود إلى هذه المرتبة أو طريق موصل إليها. يقول رحمه الله تعالى في وصف التقوى قبل أن ندخل في تعريف وبيان ما هي، يقول رحمه الله: التقوى كنز عزيز، فإن ظفرت به كم تجد فيه من جوهر شريف وخير كثير ورزق كريم وفوز كبير وغنم جسيم وملك عظيم.

فكأن خيرات الدنيا والآخرة جمعت فجعلت تحت هذه الخصلة الواحدة التي هي تقوى الله، وتأمل ما في القرآن من ذكرها، فكم علق بها من خير؟ وكم وعد عليها من خير؟ وكم أضيف إليها أو وكم أضاف إليها من سعادة؟ فأهل التقوى هم ملوك الدنيا كما أنهم ملوك الآخرة، وهم أهل السعادة الحقيقية والشرف العظيم في الدنيا والآخرة.

كما قال الله عز وجل: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ.

للمتقين. وقال سبحانه وتعالى: وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. انظر توصيف الغزالي رحمه الله تعالى لهذه المنزلة العظيمة. طيب، ما تعريف التقوى عند العلماء؟ الآن نتطرق إلى أكثر من تعريف من كلام أهل العلم رحمهم الله تعالى حتى نتصور مفهوم التقوى تصور العالم.

يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: وأصل التقوى ما معنى التقوى؟ قال أصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ماذا؟ وقاية، وقاية تقيه هذا الشيء المخوف. أصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه وقاية تقيه منه. طيب الآن هذا معنى التقوى في اللغة، أي شيء تخاف منه تجعله بينك وبينه ساتر، وإذا أنت تخاف من العدو تجعل بينك وبينه مثلاً ترس يقيك منه. لذلك كما جاء في حديث علي: كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني أي جعلناه ساتراً بيننا وبين العدو. فهذا مفهوم التقوى في اللغة.

أما التقوى لله سبحانه وتعالى لو أخذناها من اللغة وطبقناها في الشرع، هو أن تجعل بينك وبين ما تخاف من الله سبحانه وتعالى وقاية. أنت ماذا تخاف من الله؟ تخاف غضبه وسخطه وعذابه وعقابه ووعيده، فأن تجعل بينك وبين ما تخاف من الله سبحانه وتعالى وقاية، كأنك تجعل حاجزاً. طب ما هذا الحاجز؟ طبيعة هذا الحاجز تكون بفعل الطاعات واجتناب المعاصي والمنكرات، هذه هي التقوى. أن تجعل بينك وبين عذاب وسخط الله وعقاب الله حاجزاً وقاية. ما هي هذه الوقاية أيها الأحبة؟ قال: هي فعل الطاعات واجتناب المعاصي. يعني هي كلمة كثيراً ما نرددها، الطاعات فقط؟ نعم فقط تحصل تقوى الله، لكن العبرة من يثبت على هذا الطريق ومن يلتزم بطاعة الله ومن يترك المعاصي والشهوات مرضاة الله سبحانه وتعالى.

ابن القيم رحمه الله تعالى يذكر تعريفاً آخر من كلام طلق بن حبيب رحمه الله تعالى، سئل طلق بن حبيب أحد السلف عن التقوى فقال يا إمام ما التقوى؟ قال: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله. يقول ابن القيم هذا أحسن ما ذكر في تعريف التقوى. نعيده سريعاً، قال: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله. يقول ابن القيم رحمه الله هذا من أجود التعاريف للتقوى. الآن ابن رجب رحمه الله تعالى يقول: التقوى أن تجعل بينك وبين ما تخاف من الله وقاية بفعل الطاعات واجتناب المعاصي والمنكرات. الآن كلام طلق بن حبيب في الحقيقة هو تفصيل لما ذكره ابن رجب ولم يخرج عن كلام ابن رجب.

فيقول التقوى أن تفعل الطاعة، لكن أي طاعة؟ لا بد لها من مبدأ ولا بد لها من غاية، كذلك أي ترك لمعصية لا بد له من مبدأ ولا بد له من غاية. فمبدأ الطاعة هو الإيمان الخالص بأن ما أفعله لوجه الله سبحانه وتعالى، والغاية هي ماذا؟ هي عبادة وجهه سبحانه وتعالى، فلا بد من إيمان في مبدأها ولا بد من غاية وهي وجه الله سبحانه وتعالى. كذلك المعصية عندما تتركها لا تتركها من أجل الهوى، إذ هناك نعم يترك معصية لأنها ربما تخل بمروءته، هذا الترك للمعصية في الحقيقة لا يُذم لأنه لم يتركه لوجه الله، تركوه لأنه يخل بمروءته وهيبته أمام الناس. لا، الترك للمعاصي الذي يريده الله أن تترك المعصية لأنك تؤمن، هناك إيمان في المبدأ، هناك إيمان بأن الله عز وجل لا يرضى عن هذا الفعل، والغاية في تركها هو أن يرضى الله سبحانه وتعالى عنك. فكل طاعة لا بد لها من مبدأ وهو الإيمان ولا بد لها من غاية وهو وجه الله، وكذلك ترك المعاصي لا بد فيه من مبدأ، وهو أن تتركها لوجه الله سبحانه وتعالى، والغاية هي وجه الله أولاً وآخراً.

أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أيها الأحبة سئل عن التقوى ففسرها عملاً تطبيقياً، فقال لهذا السائل: هل أخذت طريقاً ذا شوك؟ قال: نعم. قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عزلت عنه، يعني إذا رأيت الشوك في الطريق ابتعدت عنه، قال: أو جاوزته، يعني قفزت عنه، أو قصرت عنه، يعني ابتعدت عنه وتأخرت عنه. يعني باختصار هو يقول لهذا السائل: إذا أنت رأيت شوكاً في طريقك كيف تفعل؟ هل تدوس على هذا الشوك وتؤلم قدميك؟ قال له: لا. إذا رأيت هذا الشوك إما أن أبتعد وآخذ طريقاً آخر وإما أن أتجاوز عنه وإما أن أقصر فلا أتقدم إلى هذا الشوك، أذهب وأنصرف إلى شيء آخر، المهم أني لا أدوس على هذا الشوك. قال له: فذاك التقوى.

لذلك ابن المعتمر رحمه الله تعالى أخذ هذا المعنى فقال: خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واعمل كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى

لذلك ابن عساكر رحمه الله تعالى في ترجمة سعيد بن مسلم قال: سعيد بن مسلم حدثني سليمان بن المغيرة أنه عمل ذنباً فاستصغره، هذا أحد الأئمة يقول عملت ذنباً فاستصغره، يعني نظرة يا شيخ بتطلعنا، سمعنا أغنية وانتهى الأمر، يعني عملت ذنباً فاستصغره، فأتاه آتٍ في منامه، أتاه آتٍ وهو نائم، ماذا قال له؟ قال: لا تحقرنَّ من الذنوب صغيرةً إنَّ الصغير غداً يعودُ كبيراً إنَّ الصغير ولو تقادمَ عهده عند الإلهِ مسطَّراً تسطيراً فازجر هواك عن البطالة لا تكن صعبَ القيادي وشمِّرنَّ تشميرا إنَّ المحبَّ إذا أحبَّ إلهه طار الفؤادُ وألهمَ التفكير فاسأل هدايتكَ الإلهَ فتتَّئد فكفى بربكَ هادياً ونصيرا

طيب، ما هي فضيلة التقوى أيها الأحبة؟ عرفنا التقوى، عرفنا مفهومها، ما هي فضيلتها؟ هناك مجموعة من الفضائل نشير إليها سريعاً، أول فضيلة من فضائل التقوى أن الله سبحانه وتعالى أوصى بها الأولين والآخرين، أن ربنا سبحانه وتعالى أوصى بها الأولين والآخرين، فماذا قال سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ. يقول الغزالي رحمه الله تعالى: أليس الله سبحانه وتعالى أعلم بصلاح العبد من كل أحد؟ أوليس هو أنصح له وأرحم وأرأف من كل أحد؟ ولو كانت في العالم خصلة هي أصلح للعبد وأجمع للخير وأعظم للأجر وأجل في العبودية وأعظم في القدر وأولى وأنجح في المآل من هذه الخصلة التي هي التقوى، لكان الله أمر بها عباده وأوصى خواصه بذلك لكمال حكمته وسعة رحمته.

يعني هو يقول لك لو كان هناك شيء أنفع من التقوى لكان الله عز وجل وصى به الأولين والآخرين، فلما ادخر الله عز وجل الوصية بالتقوى للأولين والآخرين عرفنا أن التقوى هي أشرف شيء وأعظم شيء يمكن أن يقصده الإنسان ويبذله لوجه الله سبحانه وتعالى. قال فلما أوصى بهذه الخصلة الواحدة وجمع الأولين والآخرين من عباده في ذلك واقتصر عليها، علمت أنها الغاية التي لا متجاوز عنها ولا مقصود دونها، وأنه عز وجل قد جمع كل نصح ودلالة وإرشاد وتنبيه وتأديب وتعليم وتهذيب في هذه الخصلة التي هي التقوى، هي الجامعة لخير الدنيا والآخرة.

وكذلك من فضائل التقوى أنها وصية الله للأولين والآخرين، كذلك هي وصية النبي صلى الله عليه وسلم خصوصاً لهذه الأمة. فالأحاديث من الوصايا للنبي صلى الله عليه وسلم للصحابة بالتقوى كثيرة، فمثلاً قال لأبي ذر: اتق الله حيثما كنت، وقال في حجة الوداع: صلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم، وكذلك قال لأبي أمامة: اتق الله فإن تقوى الله رأس الأمر. إذاً الوصية من النبي صلى الله عليه وسلم بتقوى الله كثيرة متكررة في الأحاديث النبوية إلى ما يصل إلى حد التواتر، فهذا يدل على عظمها وعلى خطر منزلتها وعلى خطرها بالشريعة الإسلامية.

ومما يبين كذلك فضيلة التقوى أنها زاد المسترشدين، يقول الله سبحانه وتعالى في الحج: فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ، قال: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى. يقول ابن كثير: لما أخبرهم زاد السفر في الدنيا، أخبرهم بزاد السفر إلى الآخرة، أخبرك الله عز وجل بزاد السفر في الدنيا الطعام والشراب، فما زاد التي تتزود به إلى سفر الدار الآخرة هو التقوى. وكذلك قال سبحانه وتعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وقال سبحانه وتعالى: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ. لما أخبرهم باللباس الدنيوي الحسي أخبرهم أن الله عز وجل أنزل علينا اللباس الذي نأخذه من الأوبار والأشعار، ثم بعد ذلك ينبه الله دائماً إلى ما الكمال في الإنسان، أن يلتفت إلى اللباس المعنوي الأخروي الروحاني، قال: ولباس التقوى خير. وكذلك أيها الأحبة مرتبة الولاية في الدين لا تنال إلا بالتقوى، والدليل على ذلك قوله تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. إذاً هذه هي منزلة التقوى أو فضيلة التقوى من خلال استقراء النصوص الشرعية، فضائل كثيرة تدرك بالتتبع.

السؤال الآن أيها الأحبة، ما الثمرات المرجوة من التقوى؟ نعم أنا فعلت التقوى لله سبحانه وتعالى، ما الثمرة المرجوة إذا اتقيت الله عز وجل، ما الشيء الذي سأحصّله؟ يعني الإنسان إذا عرف غاية الشيء والثمرة التي سيحصلها اندفع للامتثال، أما إذا لم يدرك الماهية أو الأثر المترتب عليه ربما تقصر همته عن فعله وعن التقرب إلى الله سبحانه وتعالى به. فأولاً نقول بالتقوى أيها الأحبة المخرج من كل ضيق والرزق من حيث لا تحتسب، هذا وعد الله، يقول سبحانه وتعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ. فكم من بلية وكم من ضيق وقع العبد به في هذه الدنيا فوجد الله سبحانه وتعالى بقربه يطمئنه ويثبته وينزل عليه السكينة، بل يسخر الأسباب الكونية كلها من أجل أن يخرج هذا العبد من هذا الضيق ومن هذا التعب ومن هذا البلاء الذي وقع فيه.

ولكن متى يصل العبد إلى هذه الولاية من الله عز وجل؟ لا بد أولاً من تحقيق الشرط، ماذا قال تعالى: وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ. إذاً اعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله. كذلك أيها الأحبة التقوى هي سبب في نزول البركات من السماء والأرض، قال سبحانه وتعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. لذلك متى فقدت التقوى أيها الأحبة في المجتمعات جاء الضيق في المعايش وجاء الضنك في الأقوات وجاء الدمار الاقتصادي كما يقولون إذا فقدت التقوى. الله عز وجل قال: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. لذلك مهما حاول أرباب الاقتصاد والدهاه والمفكرون السياسيون أن يحلوا مشاكل الاقتصاد ويضعوا الحلول لها، في النهاية لن يصلوا إلى شيء. لماذا؟ لأن الأمر سنة كونية، أنت تتعامل مع الله سبحانه وتعالى، هناك سنة إلهية. فقدت التقوى، إذاً هناك فساد، هناك ضيق في الأقوات، هناك ضيق في معايش الناس.

فكل من حاول أن يحل مشكلة الاقتصاد من غير محلها وفي غير موضعها الحقيقي هو يضيع الوقت. المشكلة في الاقتصاد ليست قلة الموارد وليست قلة في الأيدي العاملة وليست قلة في أو ضعفاً في العقول، المشكلة هي ماذا؟ هي فقط تقوى الله عز وجل في المجتمعات، هذه هي السبب. الله عز وجل وضع سنة كونية من عنده سبحانه وتعالى لا بد أن نفعلها، لذلك إذا خالفنا هذه السنة جاءت السنة التي ذكرها في سورة الروم: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ. إذاً فالبداية في حل المشاكل الاقتصادية وفي توسعة الرزق على الناس وفي أن يجد الإنسان الاطمئنان والأمان المعيشي كما يقولون ماذا؟ هي تقوى الله عز وجل. لكن الإشكال ومتى نؤمن نحن بهذه الحقيقة؟ ومتى تؤمن المجتمعات بأن حلولها وجميع المشاكل يمكن أن تحل فقط بهذا الشيء الواحد؟

فمثلاً الإنسان إذا وقع في ضيق في الراتب أو فقد الوظيفة تجده يلجأ إلى طرق الحرام والكسب المحرم وينسى تقوى الله سبحانه وتعالى. الشاب الذي لا يجد مثلاً ما يتزوج به تجده يلجأ إلى الأفلام وإلى المحرمات وإلى ما يشبع غريزته من دون أن يتقي الله سبحانه وتعالى. الشعوب التي تتعرض للظلم إذا التجأت إلى غير الله سبحانه وتعالى لن تتحرر من هذا الظلم الذي وقع عليها، لذلك قال سبحانه وتعالى: وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا. فعلق الأمر، قال: لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا، هناك شرط، متى؟ قال: إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا. لم يقل أن ينسلخ الإنسان من مبادئه وعقيدته، قال: وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا. الثمرة كذلك إذا ذكرنا نزول البركات من السماء والأرض إنما هو يكون بتقوى الله سبحانه وتعالى.

كذلك هناك خصلة أو ثمرة مهمة للتقوى وهي من أهم الثمار التي تعنينا كأفراد، وهي أن ينال العبد البصيرة في دينه. أن ينال العبد البصيرة في دينه، لذلك يقول الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا. يجعل لكم فرقاناً، وهذه النعمة أيها الأحبة نعمة البصيرة في الدين من أعظم النعم التي إذا حازها الإنسان حاز خير الدنيا وخير الآخرة. إذا أعطاه الله عز وجل البصيرة في دينه يعرف ما هو الحق وما هو الباطل، ما هو الخير ما هو الشر، يعرف ما يصح أن يكون عبادة يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، وماذا يصح أن يكون عبادة يتقرب بها إليه عز وجل.

لذلك الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى من خلال الآثار التي ذكرها في التقوى هو ذكر حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ماذا قال؟ المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. وذكر وصية لأبي بكر الصديق لسيدنا عمر بن الخطاب: اتق الله بطاعته، وأطع الله بتقواه، إلى آخرها. فكأنه رحمه الله تعالى يشير إلى ملامح التقوى. متى يكون الإنسان متقيًا لله عز وجل؟ هناك ملامح أراد المحاسبي أن يشير إليها لكن ضمنًا في هذه الأحاديث. فنحن نأتي إلى هذين الحديثين.

الحديث الأول حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ورواه غيره قال صلى الله عليه وسلم: المسلم من سلم المسلمون من لسانه، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم. وكذلك الوصية التي ذكرها من كلام الصديق، وهي في الحقيقة وصية من أبي بكر الصديق لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عندما أراد أن يستخلفه بعده. ذكر الطبراني رحمه الله تعالى في المعجم الكبير، فذكر قال حدثنا عمرو بن أبي الطاهر بن السرح المصري، حدثنا يوسف بن عدي الكوفي، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي مالك قال: لما أراد أبو بكر رضي الله عنه أن يستخلف عمر بعث إليه فدعاه فأتاه، فقال له أبو بكر: إني أدعوك إلى أمر متعب لمن وليه. فاتق الله يا عمر بطاعته، وأطع الله بتقواه، فإن المتقي آمن محفوظ. فإن أنت وليت عليهم أمرهم، فإن استطعت أن تجف يدك من دمائهم، وأن تضمر بطنك من أموالهم، وأن يجف لسانك عن أعراضهم فافعل، ولا قوة إلا بالله. هذه وصية نفيسة من أبي بكر الصديق لعمر بن الخطاب، وهذا السند منقطع فالحديث ضعيف في أصله، ولكن علماء السلوك يستنبطون حتى من الأحاديث الضعيفة معالم الطريق.

ما الذي يشير إليه المحاسبي رحمه الله تعالى من خلال ذكره لهذين الحديثين في التقوى؟ ما هي المعالم التي يريد أن يرسمها المحاسبي لتقوى الله عز وجل؟ نأخذها سريعًا. أول معلم من معالم المتقي: أولًا أنه لا يجترئ على دماء المسلمين المعصومة، وهذا نستفيد من قول ماذا؟ المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. ومن قوله: فإن استطعت أن تجف يدك من دمائهم، أو كما كتبنا في النص أمامكم. فهذا أول شيء من علامات المتقين أنه لا يجترئ على الدماء المعصومة. لذلك في حديث ابن عمر الذي رواه البخاري رضي الله تعالى عنه، أنه أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير، ابن الزبير كان عنده مشكلة مع الخلافة الأموية، أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقال له: يا ابن عمر، إن الناس صنعوا وأنت ابن عمر وصاحب رسول الله، فما يمنعك أن تخرج؟ شارك في هذه الفتنة، ادخل، ما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن الله حرم دم أخي. فقال له: ألم يقل الله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ؟

قال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله؟ وفي رواية أخرى في الحديث أنه أتاه رجل فقال له: يا ابن أخي، أنا أعتز بهذه الآية ولا أقاتل، يعني خليني مغرور ما بدي أقاتل، أحب إلي من أن أغتر بهذه الآية التي يقول الله فيها: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا. لذلك من تتبع كلام السلف يعلم أن الذي يجترئ على الدماء المعصومة هو أحد رجلين؛ إما إنسان جاهل بالشرع، وإما إنسان يفقد تقوى الله سبحانه وتعالى ولا يستحضر وقوفه بين يدي ربه عز وجل؛ لأن من استحضر الوقوف بين يدي الله كيف يجترئ على دم معصوم؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لأن تنقض الكعبة حجرًا حجرًا أهون عند الله عز وجل من أن يسفك دم امرئ مسلم. فالأمر جلل والأمر خطير، ونسأل الله السلامة من دماء المسلمين.

الخصلة الثانية التي يشير إليها المحاسبي رحمه الله: أن يتقي الله في أموال المسلمين. فكل من استؤمن على شيء من أمر المسلمين فخانهم في أموالهم وأعملها لصالحه، فإنه يأكل سحتًا، وجسده ينبت من السحت والحرام. فأي إنسان أكل المال الحرام، هذا أنى يرضى الله عنه؟ فضلًا أن تستجاب دعوته، فضلًا أن يبلغ درجة المتقين. وكذلك الأمر، طبعًا هذه الخصلة استفدناها من وصية أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه لعمر بن الخطاب عندما أمره أن يكف يده عن أموال المسلمين.

الخصلة الثالثة والأخيرة: قال أن يتقي الله في أعراض المسلمين. فمن شغل لسانه أيها الأحبة في عباد الله سبحانه وتعالى في الغيبة والنميمة والبهت والتفريق وإفساد ذات البين، هذا من المخذولين. وهذا الإنسان يعني لو كان فعل ذلك على وجه الزلل وعلى وجه معصية مع اعترافه بالتقصير، فإنه يُرجى له التوبة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يوفق العاصي إلى التوبة إذا وجدت شروطها. أما إذا فعل هذه الأفعال وهو يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، ويستهويه الشيطان أن ما يفعله من الغيبة والنميمة وإفساد ذات البين هذا شيء نتقرب به إلى الله، ويظن أنه على منهج السلف الصالح، فهذا مخدوع، وهذا قل أن يوفق إلى التوبة؛ لأن المبتدع أيها الأحبة كما ذكر السلف قل أن يوفق إلى التوبة. العاصي يوفق إلى التوبة في كثير من الأحيان، أما المبتدع إشكاله أنه يعتقد أن بدعته في الدخول في أعراض المسلمين وفيهم وتبديعهم وتفسيقهم بالتشهي والهوى يقربه إلى الله. فهذا الإشكال، كيف يخلص من هذا الهوس؟ وكيف يخلص من هذه البدعة التي تشربها قلبه؟ لذلك هذا قل أن يوفق للتوبة. فنسأل الله أن يحيينا على منهج الكتاب والسنة.

لذلك أيها الأحبة هذه هي الخصال الثلاث التي أراد المحاسبي رحمه الله تعالى أن يشير إليها من خلال هذين الأثرين. فمن وفق لتحصيل هذه الخصال وغيرها أعطاه الله عز وجل البصيرة في الدين. فمن أعطي البصيرة في الدين يعرف متى يتقدم ومتى يتأخر، ومتى يصمت ومتى يتكلم، وماذا ينفع وماذا يضر. ومن حرم هذه الخصلة، أي البصيرة في الدين، يعني يخشى على نفسه أن يقع في المهالك وهو لا يدري. واتق الله، ترى تقوى الله ما جاورت قلب امرئ إلا وصل، ليس من يقطع طرقًا بطلًا، إنما من يتق الله البطل، كما ذكر ابن الوردي رحمه الله تعالى.

ونتكلم اليوم عن المعلم الأخير من المعالم التي نذكرها في هذا الدرس، وهي محاسبة النفس. السؤال طبعًا، المحاسبة للنفس التي يتكلم عنها المحاسبي رحمه الله تعالى هي في الحقيقة جواب لسؤال: عرفنا التقوى، عرفنا أهميتها، عرفنا فضلها، عرفنا ثمارها، كيف نحصل التقوى؟ هذا الآن شيء عملي تطبيقي نريد أن نطبقه في حياتنا. يقول الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى مبينًا كيفية تحصيل التقوى: وحاسب نفسك في كل خطرة، وراقب الله في كل نفس. قال عمر رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر، يوم لا تخفى منكم خافية. إذًا، كما يقول ميمون بن مهران رضي الله تعالى عنه أحد التابعين: لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد مما يحاسب شريكه، يعني شريكه في العمل وفي التجارة. لن تبلغ درجة المتقين التي تكلمنا عنها حتى تحاسب نفسك وتعاقبها وتلومها وتراقبها كما يحاسب الإنسان شريكه في التجارة.

وعندما الآن سنتكلم في المسألة، مسألة الخطرات ومسألة حساب النفس مع إمامين جليلين، نتكلم ونعلق سريعًا على كلامهما. الوقفة الأولى مع الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في كتابه الفوائد، فقد أحسن الكلام عن الخطرات. يقول ابن القيم، وتأمل النص وأحب منك أن تطبق على نفسك. دعونا الآن نكون عمليين، طبق على نفسك وانظر في حالك، هل أنت فعلًا كما يقول ابن القيم؟ يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: دافع الخطرة. الآن مبدأ الخير أيها الأحبة من ماذا؟ من الخطرات. الخطرات هو أول وارد يأتي في العقل، قد يكون هذا الوارد من ملك، من خير، من توفيق، وقد يكون هذا الوارد من شيطان ومن هوى. فالخطرة ما هي؟ أول وارد يأتي في عقلك. إذا كان هو يتكلم الآن ابن القيم عن الوارد الشيطاني والخطرات الشيطانية الخبيثة، يقول لك: دافع الخطرة، فإن لم تفعل، إذا ما دفعت الخطرة وجعلتها تستقر في العقل، صارت فكرة، يعني أصبحت الآن إنسان جاء على عقله معصية سريعة، بقي مع هذه الخطرة، أصبح الأمر يتحول إلى أفكار، وفكر العقل يشغل نفسه في هذه المعصية. قال: فدافع الفكرة، ما هو مهم، أصبحت فكرة، دافعها.

قال: فإن لم تفعل صارت شهوة، إذا تركت النفس مع الأفكار تحلق وتسبح، تصبح بعد ذلك شهوات في الجسد تشعر بها. قال: فإن لم تفعل صارت شهوة، فحاربها، مع ذلك ما زال هناك مجال للمحاربة. قال: فإن لم تفعل، ما حاربت الشهوة، صارت عزيمة. الآن الإنسان عنده شهوة، شهوة من أي أنواع الشهوة؟ شهوة رياضة، شهوة في النكاح، شهوة في الحرام، شهوة ما شابه ذلك مما يغضب الله سبحانه وتعالى طبعًا. قال: فإن لم تفعل صارت عزيمة وهمة، الآن أصبح هناك، الآن بدأ الإنسان رويدًا رويدًا يقترب من ماذا؟ من المعصية ومن تجاوز حدود الله سبحانه وتعالى. قال: فإن لم تدافعها، إن لم تدافع العزيمة والهم، صارت فعلًا، الآن للأسف هنا الإنسان اجترأ على معصية الله، اجترأ على معصية الله وتترجم في أرض الواقع، صارت فعلًا. الآن ماشي، زل الإنسان مرة، أخطأ نظر، فعل، الآن إذا ما دافع الإنسان الأفعال الآن خلاص فعلت، تب مباشرة. هو يقول لك فدافع حتى الفعل إذا وقع منك، فإن لم تفعل صار عادة، أصبح ماذا؟ عادة وإصرارًا على المعصية والعياذ بالله، فيصعب حينئذ عليك الانتقال منها.

فيعني لو أتينا إلى الواقع العملي، كل شاب مثلًا تعلق بفتاة، أو كل فتاة تعلقت بشاب، أو كل شاب تعلق بالغناء المحرم أو السماع المحرم أو العادات المحرمة، أو كل رجل تعلق بالكسب الحرام وبالقروض وبالفوائد. كل إنسان مثلًا اعترق في قلبه شبهة من الشبهات في العقائد. الأمر ليس فقط شهوات، قد تكون شبهات في العقائد في الدين في الغيب فيما يتعلق بوجود الله، كل هذه الأمور منشؤها؟ منشؤها خطرة ابتداءً، إنسان سمح لخطرة أن تأتي في عقله، بدأت هذه الخطرة تنبت رويدًا رويدًا وتؤتي أكلها. إما أن تكون هذه الخطرة من الخير، هذا أنعم به وأكرم، الإشكال إذا كانت من الشهوات والمعاصي، فإنها تؤتي ثمرًا خبيثًا والعياذ بالله. لذلك ابن القيم يترجم لك هذا الواقع والإشكال كما سيأتي معنا، يعني سنعرف كيف نعالج هذه الخطرات، لكن نتبع كلام ابن القيم ماذا يقول؟ قال: فصلاح هذه المراتب، الآن هذه مراتب، عندك خطرة، الخطرة إذا تركتها تصبح أفكارًا، الأفكار إذا تركتها تصبح شهوات، الشهوة تصبح عزائم، ثم تصبح فعلًا ثم تصبح عادة. كيف نعالج هذه المراتب؟ قال: فإصلاح هذه المراتب في صلاح البداية، وهي صلاح الخواطر والأفكار، وفساد هذه المراتب بماذا؟ بفساد الخواطر. وصلاح الخواطر، الآن يبين لك كيف تكون الخواطر التي في عقلي، دائمًا أحاول أن أشغل نفسي بالخواطر الصحيحة الإيمانية، وأبتعد عن الخواطر السيئة. قال: فصلاح الخواطر بأن تكون مراقبة لوليها وإلهها، صاعدة إليه، دائرة على مرضاته ومحابه؛ فإنه سبحانه به كل صلاح، ومن عنده كل هدى، ومن توفيقه كل رشد، ومن توليه لعبده كل حفظ، ومن إعراضه عنه كل ضلال وشقاء. فيظفر العبد بكل خير وهدى ورشد بقدر إثبات عين فكرته في آلائه ونعمه وتوحيده وطرق لمعرفته وطرق عبوديته وإنزاله إياه.

هنا يهمني الكلام، قال: وإنزاله إلى أن ينزل الله سبحانه وتعالى من نفسه حاضرًا معه، مشاهدًا له، ناظرًا إليه، رقيبًا عليه، مطلعًا على خواطره. يعني انظر الإنسان الذي ينزل ربه منه هذه المنزلة، أنه في كل خطرة، هذه الخطرة التي خطرت الآن، الله سبحانه وتعالى يراها، ربما نحن لا نراها لكن من الذي يراها؟ الله سبحانه وتعالى، وهذا الأمر كله يعود لمعرفة الله سبحانه وتعالى. إذًا مطلعًا على خواطره وإرادته، فحينئذ، إذًا من أنزل الله منه هذه المنزلة قال: يستحيي منه ويجله أن يطلعه منه على عورة يكره أن يطلع عليها مخلوقًا مثله. يعني الإنسان الآن في خاطرة في قلبك مثلًا، نظر إلى فتاة، وقعت في قلبه خاطرة من الخواطر، الآن هل تحب أنت هذه الخاطرة تدرس إذا المجتمع يراها الناس؟ نتخيل أن هناك شاشة مرتبطة بعقل الإنسان، كل ما خطرت خاطرة اشتغلت هذه الشاشة، فلان في قلبه هذه الخاطرة، نظرة حرام، ستشعر بالحياء، نكد، تعب. فإذا أنت كنت تنظر إلى المخلوقين بهذه العين وتخشى أن الخاطرة التي وقعت في خلدك أن تنكشف ويعرفوها عنك، ألا يستحق الله أن يكون أعظم الناظرين إليه؟ إذًا فالإشكال هو أن الله عز وجل هو أهون الناظرين إلى هذه الخطرات والعياذ بالله. إذًا فعليه أن يجله وأن يطلعه منه على عورة يكره أن يطلع عليها مخلوق مثله، أو يري نفسه خاطرة ينقضه سبحانه وتعالى عليه. فمتى أنزل ربه هذه المنزلة رفعه سبحانه وتعالى وقربه منه وأكرمه. ثم يقول: قال واعلم أن الخطرات والوساوس، ردها من مبادئها أسهل من قطعها. الآن هو يتكلم بشكل عملي، ويقول لك طبعًا ابن القيم خبير في هذه القضايا.

يقول لك أنا بدي أعطيك شيئاً أو حلاً عملياً. إذا صار الأمر شهوة أو صارت عزيمة، الرجوع إلى الوراء صعب، فأسهل شيء وأيسر شيء يمكن أن تفعله ماذا؟ الخاطرة. الحقيقة المشكلة في الإنسان أيها الأحبة عندما يجازف في هذا الموضوع؛ يعني الإنسان تأتيه خواطر يبدأ يسبح ويفكر معها، يقول يا أخي هذا إنسان يتقي الله عز وجل، يعني لو فكرت شوي لو سمحنا شوي في هذه الشهوات إيش اللي يضر؟ فقط هي ما دارت في الخاطر، لكن في الحقيقة إذا فتحت فتحت المصائب على نفسك. عليك من أول الخاطر أن تغلق الباب، بمجرد فتح باب الخاطرة على النفس للتفكير في الحرام، هنا ابتدأت المصائب عليك. هذا الحرام ليس بالضرورة أن يكون شهوة، أجلكم الله مثلاً في الجنس أو ما شابه ذلك، قد يكون شهوة وقد يكون شبهة، قد يكون شهوة مال، قد يكون شهوة دنيا، قد يكون شهوة رئاسة، هناك الشهوات كثيرة، فسواء كانت هذه أو هذه الخاطرة هي بداية الإشكال ومنها تستطيع أن تغلق الباب. والشيطان لن يدرك من الخطوات كما سيأتي معي، قال واعلم الخطوات والوساوس ردها من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوتها وتمامها.

ومعلوم أنه لم يعطَ الإنسان، طيب الآن عرفنا أنه رد الخواطر هو الأصل، الإنسان هل يستطيع أن يقطع الخواطر؟ لا يأتي على قلب أي خاطر، هو يقول لك يستحيل ذلك. قالوا معلوم أنه لم يعطَ الإنسان إماتة الخواطر، لن تستطيع أن تميتها، ولا القوة على قطعها، لن تستطيع أن تقطعها، الشيطان يعمل أربعة وعشرين ساعة. قال فإنها تهجم عليه هجوم النفس؛ الهجوم في الخواطر في الشهوات يعني انظر إلى واقعنا الشهوات والشبهات الغناء الإعلام وسائل التواصل الاجتماعي شهوات كثيرة وخواطر عظيمة ترد على القلب الضعيف على هذا العقل المسكين. قال إلا، طيب إيش الحل؟ قال إلا أن قوة الإيمان والعقل تعينه على قبول أحسنها ورضاه ومساكنته له، وعلى رفض أقبحها أو رفع أقبحها وكراهته له. إذاً عندنا عقل وإيمان، من كان عقله سليماً وزاد الوازع الإيماني فيه هو الذي يستطيع أن يتعامل مع هذه الخواطر بمهارة، ما وجد منها موافقاً لله سبحانه أسكنه في قلبه، وما وجده مخالفاً لما يرضي الله عز وجل أبعده عنه.

ثم يقول، انظر إلى هذا التوصيف الدقيق، يقول وقد خلق الله سبحانه النفس شبيهة بالرحى، يقول نفس الإنسان كرحى التي تدور تطحن القمح والشعير وما شابه ذلك، كالرحى الدائرة التي لا تسكن لا تتوقف ولا بد أنها من شيء تطحنه، هذه الرحى لا بد تطحن شيئاً، ما في مجال كما قلنا أن يترك الإنسان عقله من دون خاطر يخطر عليه. قال فإذا وضع فيها حب، وإن وضع فيها الحب هو النافع، وإن وضع فيها تراب أو حصى يعني شيئاً لا ينفع كذلك ستطحنه، طحنته، فالأفكار والخواطر أيها الأحبة التي تجول في النفس هي الحبوب. الآن إذا كانت الخواطر ممتازة وجيدة ستطحن النفس ماذا؟ هذه الخواطر، فسيكون إنتاجك مميزاً، وإذا الخواطر التي ترد على بابك شهوة وحرام وعلاقة محرمة وسماع أغاني ومال حرام هذه كلها خواطر ستدخل تحت هذه الرحى وستطحن، فماذا سيكون الإنتاج؟ قال والخواطر التي تجول في نفسه بمنزلة الحب الذي يوضع في الرحى ولا تبقى تلك الرحى معطلة قط؛ يعني لا بد تؤمن الرحى والنفس لا تكون معطلة من الخواطر، لا بد لها من شيء يوضع فيه. فمن الناس من تطحن رحاه حباً يخرج دقيقاً ينتفع به الناس أو ينفع به نفسه وغيره، وأكثرهم وللأسف وأكثر الناس قال يطحن رملاً وحصى وتبناً ونحو ذلك، فإذا جاء وقت، شنو هو الخبز؟ متى هذا؟ عندما نلقى الله سبحانه وتعالى. إذا جاء وقت الإنسان ينظر ما الذي أنتجته هذه الرحى؟ تبين له حقيقة طحينه، والله سبحانه هو المالك والمصرف لهذه الرحى، وقد أقام لها ملكاً، أو مَلَكاً عفواً يلقي فيها ما ينفعها فتدور، وشيطاناً يلقي فيها ما يضرها.

الإنسان هو قريب من الملائكة وقريب من الشيطان، الآن الشيطان يدفع مادته، والملك يدفع مادته، مادة الشيطان متى تستطيع أن تدخل متى تستطيع مادة الشيطان أن تدخل إلى الرحى وتبدأ تطحن خواطره؟ إذا كانت الرحى فارغة من مادة الملك، إذا كان الإنسان ما عنده مادة يطحنها من الخير والإيمان والعلاقة بالله والتفكير بتوحيد الله وآلائه، أو ما عنده مادة يطحنها من طلب العلم والفقه، وقراءة دراسة التفسير والعقيدة وما شابه ذلك من العلوم، لا يوجد خواطر إيجابية، الآن هنا الآن لن تتوقف كما وصفها ابن القيم، ستبدأ تطحن لكن ستطحن الخواطر الشيطانية تدخل في عملية الطحن. قال وصاحب الحب المضر لا يتمكن من إلقائه إلا إذا وجد الرحى فارغة من الحب النافع، إذاً جماع إصلاح ذلك أن تشغل فكرك في باب العلوم والتصورات بمعرفة ما يلزمك من التوحيد وحقوقه. يعني هو يقول لك اجعل خاطرك إيمانية اجعلها مع الله سبحانه وتعالى إذا أردت النجاح، اجعلها في توحيد الله سبحانه، اجعلها في التفكر بالموت وما بعد الموت، اجعلها في حقوق الله عز وجل، أو اجعلها في طلب العلم، اجعلها في كل ما يعود عليك بالصلاح والنفع والعافية.

من هنا أعجبتني كلمة في الحقيقة للأستاذ مصطفى السباعي رحمه الله تعالى، يقول الأستاذ مصطفى السباعي في قضية الخواطر: إذا همت نفسك بالمعصية فذكرها بالله سبحانه وتعالى، قال فإن لم ترتدع قال فذكرها بأخلاق الرجال، قال فإن لم ترتدع فذكرها بالفضيحة بين الناس، قال فإن لم ترتدع اعلم أنك في تلك الساعة انقلبت إلى حيوان. لأنه هو يعطيك المراتب، أول شيء الوازع الديني، عاد الوازع الديني ما نفع، أقل شيء الوازع الأخلاقي، المروءة أن الإنسان يترك الشيء لمروءة النفس، قال فإن لم ترتدع الحد الأدنى خوف الفضيحة من الناس أن تترجم هذه الخواطر إلى واقع تفتضح فيه بين الناس، الآن ما نفعت هذه الأمور فأنت لا تستحق أن تكون إنساناً، لأن هذا هو الإنسان عنده مروءة عنده أخلاق عنده شيء يردعه، إذا لا يوجد أي شيء يردعه فيصبح الإنسان كما ترون في واقعنا الغربية مثل البهائم التي كلها تقفز على شهواتها وأهوائها من دون وعي ومن دون تفكر.

وأكبر المشاكل في الحقيقة أيها الأحبة للشاب أو للفتاة وفي المجتمع هي الفراغ، يعني الشاب أو الموظف أو ما شابه ذلك أنهى وظيفته وأنهى عمله، الشاب أنهى وظيفته أنهى عمله بعد ذلك يجد نفسه بعد انتهاء الوظيفة والعمل في فراغ كبير، أين يقضيه الشاب؟ إذا لم يقضه في طلب العلم والاشتغال بالدروس النافعة وتحصيل الشيء النافع والقراءة سيقضيه إما أمام التلفاز أو أمام وسائل التواصل الاجتماعي ست سبع ثمان ساعات يجلس أمام أي شيء يقضي فيه هذا الفراغ القاتل، الفراغ القاتل هو منشأ الخواطر القاتلة. تجلس الفتاة في بيتها ساعات طويلة مع نفسها في غرفتها تبدأ تفكر في ذاك الشاب في مفاتنه وفي محاسنه، وكذلك الشاب الآخر في الجامعة يبدأ يفكر في تلك الفتاة التي ربما أعطته نظرة وأعطته شيئاً من متاع هذه الحياة الدنيا ويبدأ يجول ويتفكر ويتخيل أنه أصاب منها وحصّل ما يشتهيه، ثم بعد ذلك يستيقظ كما يقول ابن القيم ويده في الحصير ما حصل شيئاً، وإنما هي فقط خواطر وأفكار تمر على القلب ثم تنقضي. هذه الخواطر التي يفكر فيها الشاب أو الفتاة عندما يذهب إلى الجامعة اليوم الثالث تبدأ تنتقل كما يقول ابن القيم إلى فكرة، ثم تبدأ بعد ذلك تنتقل إلى شهوة ثم عزيمة ثم تبدأ العلاقات المحرمة، هذا هو مشهد له علاقات، هو تظن الأمر أن الإنسان ذاهب إلى الجامعة مباشرة والتقى بالفتاة وتعرف، هناك خطرات سابقة وإنتاج وفكر جعل الإنسان يطحن ويخبز كيف ينشئ وكيف يفعل، ويتخيل ويتصور أن اللذة والمتاع كله في هذا الوصول المحرم، ثم بعد ذلك أيها الأحبة كما يقول ابن القيم واللذة ممزوجة بالقبح أثناء تناولها موردة للألم بعد تناولها، كل لذة كم ستستمر؟

ربع ساعة نصف ساعة ثم هذا الجسد سينهب، ولكن هناك قبح في أثناء التناول يجد نفسه دنيئاً رذلاً، وبعد التناول يجد الألم في القلب، لأن الله عز وجل لا يدخل السرور بالحرام، من كان يظن أن أصحاب المحرمات في سعادة هذا محروم، إبراهيم بن أدهم كان جالساً على النهر ولم يكن معه شيء من الدنيا ويقول نحن في سعادة لو عرفها الملوك لجالدونا عليها، عابد زاهد ما في شيء من الدنيا هو يريد فقط وجه الله سبحانه وتعالى، ارتاح قلبه وهمه لأنه يشعر أنه مع الله، أما أصحاب المحرمات لذة فقط في ربع ساعة نصف ساعة مهما بلغت نصف ساعة بعد ذلك تنقلب نكداً وهماً وتعباً فنسأل الله أن ينجينا من هذه الحياة.

يقول الغزالي، أعطوا لنا وقفتان، الوقفة الأولى مع الإمام ابن القيم، الوقفة الثانية ستكون مع الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، الغزالي رحمه الله تعالى ينظر إلى قضية النفس مع المحاسبة ومع المراقبة، ولأنه المحاسب يتكلم عن قضية محاسبة الخطرات والمراقبة، لذلك أنا أتيت بكلام الغزالي لأن الغزالي توصيفاته دقيقة. الغزالي يقول رحمه الله تعالى: قال العقل بالنسبة للنفس أو بالنسبة للإنسان قال هو تاجر، انظر إلى هذا يقول لك العقل هو تاجر من التجار، يريد ربحاً، ما هو الربح الذي يريده العقل في هذه التجارة؟ أن يحصل تزكية النفس. الآن العقل جاء إلى شريك أراد أن يشاركه في هذه التجارة، ما هي؟ هي النفس بذاتها، جاء العقل وأتى بشريك وهي النفس يشاركه في هذا المشروع الأخروي، وهو الوصول إلى تزكية النفس وتطهيرها وتنقيتها.

فيقول لك العقل الآن مع الوقت الإنسان في تجارته إذا أتى بشريك إذا بدأت التجارة تنجح ويبدأ يخاف من الشريك أن يبدأ عملية الالتفاف الخلفي أنه الشريك يريد تجارة ناجحة وقِلّة ورع وقِلّة دين يبدأ الشريك ينزع الشريك الأصلي، الآن أنا رجل صاحب مال أتيت بشريك يساعدني، هذا رجل أتيت به من الحضيض من لم يكن معه شيء، عندما بدأت التجارة تنجح ووجد المال يدور بدأ يفكر هذا الشريك الدنيء في أن يتخلص من رأس المال ومن صاحب الشركة ويستولي هو على كل الأمور، قال كذلك حال العقل مع النفس، العقل يأتي بالنفس لتساعده في عملية التزكية والمعالجة والتنقية، الآن العقل السليم يبقى ابتداءً وفي جميع أحواله على توجس من النفس، لأنه يخشى أن تنقلب عليه في لحظة التجارة وتملك النفس زمام المبادرة. يقول العقل هو التاجر في طريق الآخرة وإنما ربحه تزكية النفس لأن بذلك فلاحها، قال الله تعالى قد أفلح من زكاها، قال والعقل يستعين بالنفس في هذه التجارة إذ يستعملها ويستسخرها فيما يزكيها كما يستعين التاجر بشريكه وغلامه الذي يتجر في ماله، قال وكما أن الشريك في لحظة من اللحظات بعد أن الشركة تطمئن وتصبح العلاقة جيدة يصير في النهاية خصماً يجاذبه في الربح يريد أن يأخذ شيئاً زيادة من الربح، ويريد كذلك أن يستولي على الشركة ابتداءً، فيحتاج العقل، الإنسان أنت كشريك حتى تحفظ حقوقك المالية كما يقولون يعني حتى تحفظ خط الرجعة مع هذا الشريك الذي أدخلته تضع شروطاً في البداية، تحصل لنفسك الأمان من هذا الإنسان بحيث لو خطر في باله في لحظة من اللحظات أن ينقلب عليك تعرف كيف تقلب الأمور عليه وتظهر المناقض عليه من خلال ماذا؟

تضع شروطاً في البداية معه تقول له حدود تصرفك كذا وتتصرف كذا وتفعل كذا فقط، هذه الشروط هي التي تحصن هذه الشركة وتحميها، فيقول كذلك هكذا يجب أن تكون علاقة العقل مع النفس، يأتي العقل، يعقل الإنسان بعقله، طبعاً هذا الكلام عن العاقل، الكلام عن الإنسان العاقل يأتي لنفسه يضع معها شروطاً، ويضع معها خطوطاً عريضة في التصرفات وفي التعامل. لذلك يقول: فكذلك العقل يحتاج إلى مشارطة النفس أولاً فيوثق عليها الوظائف يقول عليك هذه الوظيفة وهذه الوظيفة وهذه الوظيفة، ويشترط عليه الشروط ويرشدها إلى طريق الفلاح ويحزن عليها الأمر بسلوك تلك الطرق.

طيب، الخطوة الثانية الآن عملت مشارطة، الآن للشريك أو وصاحب رأس المال ينبغي أن ينظر هل هذا الشريك الذي أدخلته ينفذ هذه الشروط، هي عملية ماذا؟ مراقبة، عملية مراقبة وهذه المراقبة الإيمانية سننتقل بها، فهناك إذاً عملية مراقبة بعد وضع الشروط. إذاً ثم لا يغفل عن مراقبتها، الآن أنت كعاقل شاركت نفسك، قلت لها حدودك كذا وكذا وكذا لا تتجاوزي هذا الحد، عليك أن تقوم بالوظيفة الثانية وهي المراقبة، تبدأ تراقب هل هذه النفس عم تتخطى الحدود؟ ولا ملتزمة بالشروط والوظائف التي وضعتها لها، ثم لا يغفل عن مراقبتها لحظة، فإنه لو أهملها لم يرَ منها إلا الخيانة، كذلك الشريك إذا أنت أهملته وتركته الشرك في لحظة تجد أن الشركة أصبحت خارجها من ناحية الثلاث أشهر، فكذلك ينبغي على النفس أو العقل أن يراقب النفس في تصرفاتها، ممتاز، طيب الآن الخطوة الثالثة راقبت، تنظر في نهاية الدوام أو في نهاية العام تبدأ عملية ماذا؟ المحاسبة، هناك إذاً شروط مشارطة، ثم بعد ذلك مراقبة، ثم بعد المراقبة للعمل تبدأ عملية المحاسبة، قال ثم بعد الفراغ ينبغي أن يحاسبها ويطالبها ينظر، إيش حصلنا من المال في هذا اليوم؟ إيش حصلنا من الخير.

في هذا اليوم بما شرط عليها، فإن هذه التجارة ربحها الفردوس. ويقول لك أنا في تجارة الدنيا، فما بالك في تجارة ربحها الفردوس الأعلى وبلوغ سدرة المنتهى؟ الأمر جليل، أنت تتاجر الآن بدينك وبحياتك وبمستقبلك الأبدي. أنت لا تتاجر بسلعة؛ يعني التجارة في الدنيا لو خسرت لم تنتهِ الدنيا، يمكن تفعل مشروعاً آخر، لكن التجارة مع الله لو كسبت، إيش الإشكال؟ خسرت الدنيا والآخرة. كلمة الأبد نعود إليها، خسارة الأبد انتهت حياتك تماماً. في أبد الآبدين في نار جهنم والعياذ بالله وأنت لا تشعر، أو في أبد الآبدين في سعادة مع الله. فالتجارة في الحقيقة هذه رابحة أو كاسدة، والأمر خطير وجلل.

قال الأنبياء والشهداء، فتدقيق الحساب في هذا مع النفس أهم كثيراً من تدقيقه في أرباح الدنيا. فحتم على كل ذي حزم، من كلام ابن قدامة الغزالي الله تعالى قال: فحتم على كل ذي عزم آمن بالله واليوم الآخر ألا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وخطراتها وخطواتها. فإن كل نفس من أنفاس العمر، انظر الدقة والأمر الخطير، ترى هذا كلام العلماء. وهذا الذي يهمنا عندما نقرأ كلامهم أن نفهم ما المرامي التي يرمون إليها؟ ما المقاصد التي هناك ضرر في كلامهم؟ لابد أن نستخلصها إذا أردنا أن نكون سعداء مثلهم، نحسبهم والله حسيبهم.

قال: فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة، هذه جوهرة تمتلكها الآن، إذا خرج النفس أو خرج اليوم وانتهى، أنت فقدت جوهرة، فكل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة الذي وضع عنها يمكن أن يُشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد. فإن ضاعت هذه الأنفاس ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلب خسران عظيم هائل لا تسمح به نفس العاقل ولا يسمح به العاقل.

طيب ما هي خطوات العمل؟ يعني قبل أن أدخل في خطوات العمل يعني أولاً سنشير إليها حسب الدرس ومدته، لكن لابد أتكلم سريعاً عن المراقبة كمفهوم حتى لا نتجاوز هذه النقطة من دون أن نفهم ما معنى المراقبة، هذا من كلام الغزالي رحمه الله تعالى بتهذيب يقول الغزالي حقيقة المراقبة قال: هي ملاحظة الرقيب؛ يعني ما معنى المراقبة؟ أن تشعر أن هناك من يراقبك في تصرفاتك. إذاً حقيقة المراقبة هي ملاحظة الرقيب وانصراف الهم إليه. فمن احترز من أمر من الأمور بسبب غيره يقال إنه يراقب فلاناً. إذاً المراقبة أيها الأحبة كما يراها الغزالي هي حالة قلبية. المراقبة حالة قلبية، شعور قلبي نتج من ماذا؟ من معرفة وجود مراقب.

طيب وما الثمرة الذي ينتجه هذا الشعور القلبي؟ ينتج صيانة والابتعاد عن أي شيء يمكن أن يغضب هذا المراقب. لذلك نقول المعرفة التي تثمر هذه الحالة يعني ما الذي يورث كما قلنا هذا الانبعاث القلبي بالمراقبة؟ قال: العلم بأن الله مطلع على الضمائر، عالم بالسرائر، رقيب على أعمال العباد. يعني من وصل إلى هذه الحقيقة؛ يعني نحن مشكلتنا في الحياة أيها الأحبة في المعاصي في المنكرات، لماذا نقع فيها؟ لأن قضية الشعور بأن الله عز وجل يراقب، أن هناك كل شيء محسوب، مراقب، مسجل، ضعيفة جداً بل تكاد تكون معدومة عند كثير من الناس، نسأل الله العافية. بقدر زيادة هذا الوازع وبقدر وجود هذا الشعور وهذه المعرفة أن هناك مراقباً والله سبحانه وتعالى هذه الخطوة وهذه الخطوة وهذا العمل لم يمر الله عز وجل راقبه ونظر إليه وسجله، بقدر إدراكك لهذا الأمر، بقدر ما يجد عندك أو يثمر هذه حالة المراقبة. إذا وجدت حالة المراقبة وشعرت بالهيبة من المراقب سبحانه وتعالى، هذا يثمر صيانة الجوارح عما يغضب الله عز وجل. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم جعل منزلة المراقبة فوق منزلة الإسلام والإيمان، كما جاء في حديث جبريل، مرتبة المراقبة هي مرتبة الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

هذه قضية المراقبة، أما المحاسبة أيها الأحبة فذكرنا أن المحاسبة تكون بعد نهاية العمل، لكن في الحقيقة هناك نوعان من المحاسبة: هناك محاسبة قبل العمل، وهناك بعد العمل. المحاسبة التي قبل العمل أن يجلس الإنسان مع نفسه في الصباح، ينظر يقول له هذه الأفعال لا تقترب لا تقتربي منها. وهو قريب، يعني المحاسبة التي يذكرها قريبة من منزلة المشارطة التي ذكرناها قبل قليل. فمشارطة النفس قبل ابتدائك في يومك وأن تضع لها الحدود هي محاسبة قبل العمل، ثم في نهاية اليوم هناك محاسبة بعد العمل تحاسب النفس على ما صدر منها في الصباح. يقول الغزالي: اعلم أن العبد كما يكون له في أول النهار يشارط فيه نفسه على سبيل التوصية بالحق، فينبغي أن يكون له في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على حركاتها وسكناتها، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنة أو شهر أو يوم، حرصاً منهم على الدنيا وخوفاً من أن يفوتهم منها ما لو فاتهم لكان الخير لهم في فواته، ولو أصل ذلك لهم فلا يبقى إلا أياماً قلائل. فكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلق به خطر الشقاوة والسعادة أبد الآباد؟ ما هذه المساهلة إلا عن الغفلة والخذلان؟

لذلك الحسن البصري رحمه الله تعالى يقول: المؤمن قوام على نفسه يحاسبها لله، وإنما خف الحساب على يعني يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة. ثم فسر المحاسبة رحمه الله تعالى فقال: إن المؤمن شيء يفجعه، شيء يعجبه، فيقول والله إنك لتعجبني، وإنك من حاجتي، ولكن هيهات، حيل بيني وبينك. الآن أي شبهة أي معصية، هذه اسمها المحاسبة قبل العمل. ينظر الإنسان في التصرف الذي يريد أن يقبل عليه، وجده مرضاة لله عز وجل يقبل، وجد فيه معصية وجد فيه شبهة، يصرف النفس. هذه كلها من أنواع المحاسبات. الذي يغفل وتعيش الحياة وتستمر معه على غفلة، يدخل نفسه في كل أمر، يفعل كل تجارة، يدخل في كل معصية، لا يراقب، لا، هذا يوم القيامة عندما يأتي سيجد هناك سجلات كبيرة تنتظره، هناك سجلات سيحاسب عليها لحظة لحظة.

لذلك يقول: خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا؛ لأن من حاسب نفسه في هذه الحياة الدنيا السجلات عنده ستصغر، لأن هناك محاسبة مراقبة، لن يعود إلى فعل المعاصي، لكن الذي لا يحاسب، الأمور عنده هكذا تسري في الدنيا، نظر وفعل وارتكب وسمع، وكل هذه الأمور سيجدها يوم القيامة مسجلة. ويوم القيامة عندما يأتي ملك الموت ليأخذ هذه الروح، يبدأ شريط الحياة يمر عليك، ساعتها كما يقولون لا ساعة مندم، لا تندم، أنت الذي فرطت، كان بإمكانك أن تحاسب نفسك، عند لحظة الموت يبدأ شريط الحياة يمر عليك: لَّقَد كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.

ونختم بما قاله علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قال: النفس تبكي على الدنيا وقد علمت أن السعادة فيها ترك ما فيها لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت بانيها فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيها لكل نفس وإن كانت على وجل من المنية آمال ترجيها. قل نفس كانت على وجل من الخوف ومن على وجل وخوف من الموت ومن المنية، وأنه سيأتي يوم تدفن، لكن ما الذي يجعل الإنسان يعني لو سألنا كل إنسان فينا هل الموت هل تؤمن بالموت؟ يقول نعم. طيب ما الذي يجعل الإنسان يدخل في المعاصي؟ ما الذي يجعله يشتري ما إنه يعلم أنه سيموت؟ الآمال. الشيطان يمنيك، يسوف لك، ستعيش عشرين ثلاثين أربعين، تتوب، تأتي موعد التوبة، لا تخف، ادخل في هذه المعاصي. إذاً لكل نفس وإن كانت على وجل من المنية آمال ترجيها، المرء يبسطها والدهر يقبضها والنفس تنشرها والموت يطويها. واعمل غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن ناشيها. فمن يشتري الدار في الفردوس يعمرها بركعة في ظلام الليل يحييها. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعيننا على طاعته، وأن يجعلنا ممن راقب نفسه وحاسبها، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.