تسجيل الدخول

شرح كتاب رسالة المسترشدين 5

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

والله ما في هذه الدنيا لك من اشتياق العبد للرحمن، أعني هم يسمعون كلامهم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى إمام المسترشدين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. وبعد، أيها الأحبة، فحياكم الله وبياكم، وسدد على طريق الحق خطانا وخطاكم، ونسأل الله العظيم رب العرش العظيم الذي جمعنا في هذا المكان الطيب المبارك أن يجمعنا عنده في مستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

يعني نكمل ما شرعنا فيه في شرح رسالة المسترشدين للإمام الحارث بن أسد المحاسبي رحمه الله تعالى، وكنا قد شرعنا في منازل هذا الطريق وذكرنا جملة منها: من النية، وتقوى الله سبحانه وتعالى، والمحاسبة، والمراقبة. وعلى الإنسان كما قلنا أن يراعي هذه الأمور ولا يكتفي بدرايتها، فالعلم علمان: علم دراية، ثم بعد ذلك يأتي علم الرعاية، والرعاية هي التطبيق. لأن بقاء هذه الأمور نظرية عند طالب العلم أو عند الداعية أو عند المسلم هو الذي يخرجه عن حيز الفائدة والمقصود منها، خاصة علم التزكية، فالمقصود منه هو الثمرة المرجوة؛ أن يزكي قلبه وأن يطهر عمله وسلوكه.

أعمال القلوب بشكل عام أيها الأحبة تحتاج إلى مجاهدة وبذل، تحتاج إلى سنة وسنتين وأربع سنوات، ربما مثل هذه الشجرة الخيزران، ربما لن تؤتي أكلها في البداية، ولكن متى ستجد أثر هذه الأعمال بعد ذلك؟ ستجد نفسك تكامل الشخصية وتكامل العلاقة مع الله سبحانه وتعالى. أكثر ما يقطع الإنسان في الطريق أنه يجد المشقة في غرس أعمال القلوب، وأعمال القلوب أيها الأحبة تحتاج إلى مجاهدة في الأسحار، وتحتاج إلى مجاهدة بعد الفجر في الذكر، وتحتاج إلى إكثار من قراءة القرآن، وتحتاج إلى الدعاء بصدق لله سبحانه وتعالى، وتحتاج إلى مراقبة النيات، وتحتاج إلى محاسبة ومتابعة.

القضية ليست فقط قضية يعني شعور روحاني في لحظات تأخذ هذا الدرس ثم بعد ذلك يزول الأثر، لا، نحن نريد أن نغرس هذه الثمار أو ما نأخذه في قلوبنا. أنا أقول لك لن تجد هذه الثمرات ربما بعد شهر أو شهرين، لكن إذا استمررت في المتابعة، استمررت في المجاهدة، في محاسبة النفس، في متابعة أعمال القلوب، ستجد أثرها ولو بعد حين. واجعل هذه الشجرة دائما هي عنوانك، اجعلها هي عنوانك في هذا الأمر، إن هذه الشجرة أيها الأحبة أولا تتثبت في الأرض وجذورها تمتد، وعندما تبرز بعد ذلك تكون متينة ويكون أثرها ملحوظاً بشكل سريع، وكذلك أعمال القلوب لا بد أن تثبت جذورها في قلب الإنسان، وثبات هذه الجذور لا يكون كما قلنا بموعظة أو بموعظتين ثم بعد ذلك ينتهي هذا الأثر، بل يحتاج إلى إصرار ومتابعة حتى يرزقك الله عز وجل هذه الثمرة اليانعة التي تؤتي أكلها ليس فقط على مستوى الإنسان، بل على مستوى المجتمع وعلى مستوى الأمة. فنسأل الله أن يعيننا على أنفسنا.

نشرع اليوم بإذن الله عز وجل في إكمال هذه الرسالة المباركة، يقول الإمام الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى: وخف الله في دينك وارجوه في جميع أمورك واصبر على ما أصابك. قال علي رضي الله عنه: لا تخف إلا ذنبك، ولا ترجو إلا ربك، ولا يستحي الذي لا يعلم أن يسأل حتى يعلم، ولا يستحي من سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم. واعلم أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس ذهب الجسد كله، فإذا سمعت كلمة تغضبك في عرضك فاعف واصفح، فإن ذلك من عزم الأمور. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من خاف الله لم يشفي غيظه، ومن اتقاه لم يصنع ما يريد، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون.

في هذا المقطع الذي سنقرأه اليوم بإذن الله ونتذاكره، مع أنه تكلم رحمه الله تعالى عن جملة من الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، تكلم عن الخوف وعن الرجاء، وتكلم عن الصبر، وتكلم عن تواضع الإنسان في العلم: أن يتكلم بما يعرف، وأن يسكت عما لا يعرف، وأن يسأل عما يجهل من أمور دينه وما يقربه من الله سبحانه وتعالى. وكلامه رحمه الله أيها الأحبة نجده أحيانا، من يقرأ هذه الرسالة يجد عدم تنظيم أحيانا في طرح الأفكار، لأن التصنيف في علم التزكية والسلوك كان على ضربين؛ الضرب الأول كان عند المتقدمين من علماء التزكية والسلوك، كانت طريقتهم في التصنيف هي بث رسائل سريعة موجهة، هذه الرسائل عادة ما تكون مبعثرة، ترى لذلك أحيانا تجده يتكلم عن الخوف والرجاء، ثم بعد عشر صفحات يعود يتكلم كذلك كلمة عن الخوف والرجاء، يتكلم عن الصبر في موضع، ثم يكرر الكلام في موضع آخر، لأن هذه الأمور هي خطرات تأتي على المحاسبي رحمه الله تعالى يتكلم بها سريعا ولم يقصد التنظيم بهيئة معينة كما هي طريقة المتأخرين.

أما طريقة المتأخرين فأغلبهم تأثروا حقيقة بالطريقة كما يقولون الأرسطية في كتابة علم النفس، لذلك تجد مثلا الغزالي في إحياء علوم الدين، وكذلك مسكويه في تهذيب الأخلاق، وهؤلاء الأئمة الكبار على طريقة المتأخرين، يذكرون أولا النفس والقلب وما يتعلق بها وحدود هذه الأمور، وكيف يلجم الإنسان نفسه وقلبه وما هي أشد الأمراض التي يتعرض لها، ثم بعد ذلك يذكرون أعمال القلوب ومنازل الطريق منزلة منزلة بشكل مرتب. لذلك ينبغي عليك إذا قرأت في كتب التزكية أن تعرف هل صاحب الكتاب على طريقة المتقدمين أم كان على طريقة المتأخرين؟ لأنه كما قلنا التصنيف يختلف، لذلك كما سنقرأ في رسالة المحاسبي سنجد أحيانا كما قلنا تكرارا في كثير من المواضع، وسنجد أحيانا يؤخر النص الذي يستشهد به على المسألة بعد في مجموعة من أعمال القلوب وأحيانا يقدم، لذلك أنا سأسعى في المواضع المتشابهة أن أحصرها مع بعضها البعض، ولن أتبع طريقته حتى يعني نخلص من هذا الكتاب الفائدة المرجوة بإذن الله سبحانه وتعالى.

ونبدأ بقوله رحمه الله تعالى: خف الله في دينك وارجوه في جميع أمورك. إذا هو الآن أيها الأحبة تكلم عن منزلتين من منازل الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، وهما الخوف والرجاء، وهما أيها الأحبة هذان المنزلان، الخوف والرجاء، هما كجناحي الطائر يحلق بهما السالكون إلى الله سبحانه وتعالى إلى كل مقام محمود. وكذلك الخوف والرجاء نستطيع أن نشبههما بمطيتين يركبهما الإنسان إلى الدار الآخرة يقطع بهما هذا الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، فلن يصل الإنسان إلى الرحمن، وكذلك لن يصل إلى الجنان -مع أن هذا الطريق محفوف بماذا؟ بالمكاره- إلا بحبل الرجاء. وكذلك لن يدفع الإنسان عن النار ولن يصده عن عذاب الله سبحانه وتعالى -مع أن طريق النار محفوف بماذا؟ طريق النار محفوف بالشهوات- فلن يدفعك عن النار ويصدك عنها إلا شيء واحد، ما هو؟ هو منزلة الخوف، لذلك الخوف هو الذي يبعدك عن نار الله سبحانه وتعالى، والرجاء هو الذي يدنيك من جنة الله سبحانه وتعالى.

لذلك لا يمكن للسالك أن يحلق في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى إلا بين الجناحين، فمن اقتصر على الرجاء أوقعه في المهالك، ومن اقتصر على الخوف أوقعه في اليأس والقنوط من رحمة الله، فلا بد أن يجمع بينهما. طيب، السؤال الآن: ما هو الخوف والرجاء؟ يعني حتى نعطي تعريفا عاما يصل إلى كل مسلم وإلى كل مسترشد، فنقول ابتداء أيها الأحبة: الإنسان إذا كان ينتظر شيئا في المستقبل، أنت الآن تنتظر وقوع شيء في المستقبل، هذا الشيء الذي تنتظر وقوعه إما أن يكون محظورا للنفس مكروها لها، لا ترغب في أن يقع، لا ترغب في وقوعه، تترقب الوقوع لكنها لا ترغب في وقوعه، فيسمى هذا الانتظار وهذا الترقب المملوء بالألم والخوف يسمى خوفاً.

النوع الثاني من أنواع الانتظار أن ينتظر الإنسان وقوع شيء في المستقبل ولكنه يترقبه بفارغ الصبر، ويتعلق به ويتشبث ويتمنى أن يحصل ويتأمل في أن يقع في أي لحظة، الآن هذا الانتظار الذي تستروحه النفس وتميل إليه يسمى رجاء. لذلك الخوف إذا أردنا أن نعرفه فنقول: هو ألم القلب واحتراقه خشية من حلول سخط الله سبحانه وتعالى وعقابه بعبده، هذا هو الخوف، هو ألم في القلب واحتراق بسبب ماذا؟ بسبب خشيته من أن يحل به غضب الله سبحانه وتعالى وسخطه. لذلك أيها الأحبة كان من أعظم الأمور التي نالها أهل الجنة من النعيم ما هو؟ أن يحل الله عز وجل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدا.

لذلك عندما يدخل أهل الجنة الجنة، وينعمهم الله سبحانه وتعالى في القصور، ويعطيهم من الملذات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثم يسألهم الله سبحانه وتعالى: هل تريدون شيئا آخر؟ يخاطبهم الآن، هم في أحلى الملذات وفي أجمل الأمور، أمور لم يروها ولم يكونوا يتوقعون أن تكون بهذه الروعة والجمال، فقالوا: كفينا يا رب، يعني ما أكثر من هذا؟ فالله عز وجل يعطيهم ما هو أعظم من هذا، ما هو؟ الشيء الذي كانوا يخافون منه في الدنيا، مما كان يخاف السالكون؟ يخافون منه من غضب الله سبحانه وتعالى ومن سخطه، فيعطيهم الله عز وجل الأمان الأبدي، فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا. هذه أعظم نعمة ينالها السالكون، وأعظم جائزة ينالها العبد عند الله سبحانه وتعالى.

لذلك أيها الأحبة الله سبحانه وتعالى يعني هذه الكلمة عندما تسمع كلمة الله بكل عظمتها وجلالها وهيبتها، عندما تفكر في هذه الكلمة وفي مدلولها وفي العظمة التي تحتويها تجد الأمر عظيما. الله سبحانه وتعالى أيها الأحبة أوجدنا في هذا الكون لنؤدي وظيفة ودورا مهما، الله عز وجل أوجدنا وخلقنا من العدم، ولو شاء لعدمنا، ولو شاء لجعلنا هملا، ولكنه سبحانه خلق وقدر ونهى، لماذا؟ حتى نسلك الطريق الذي يريده سبحانه وتعالى منا. الآن هذه الحقيقة، أننا خلقنا في هذا الكون لمقصد ولغاية ولهدف، نحن لم نخلق لنحصل المال، ولم نخلق للنكاح، ولم نخلق لأن نأكل ونشرب، خلقنا من أجل أن نخدم الله سبحانه وتعالى وفق ما يرضيه، هذه الحقيقة ينبغي علينا دائما أن نجعلها أمامنا حتى ترزقنا الخوف منه سبحانه وتعالى، والخوف من أن نقصر في أداء هذا الواجب الذي خلقنا من أجله. وبقدر نسياننا لهذه الحقيقة بقدر ما ندفع ثمنا باهظا، ما هو الثمن الباهظ؟ أن نسيت هذه الحقيقة في الدنيا فالله سبحانه وتعالى سينساك في الآخرة.

لذلك أيها الأحبة الخوف كما يقول علماء السلوك هو ثمرة المراقبة. تكلمنا في الدرس الماضي عن ماذا؟ عن مراقبة الله سبحانه وتعالى. المراقبة المستمرة لله عز وجل ومراقبة القلب لمولاه وشعوره بأنه معه في همساته ولحظاته وخطراته هو الذي يرثه الخوف من الله سبحانه وتعالى. لذلك كما قلنا أعمال القلوب مترابطة، لا يمكن أن الإنسان يحيا بالخوف من دون مراقبة ومن دون محاسبة، ولا يمكن أن يحيا بالخوف من دون المحبة ومن دون الرجاء. فإذا أراد الإنسان أن يكون متكاملا لا بد أن يربط بينها، فكما قلنا الخوف مرجعه إلى ماذا؟ إلى مراقبة الله سبحانه وتعالى. من غفل عن مراقبة الله عز وجل نسي الله، ومن نسي الله ينساه الله سبحانه وتعالى، فقد جاء في الحديث عند مسلم رضي الله تعالى عنه أن الله عز وجل يوم القيامة يلقى العبد فيقول: أي فلان، ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأجعلك ترأس وتربع؟ فيقول: أي ربي بلى يا رب، فيقول الله سبحانه وتعالى: أفظننت أنك ملاقي؟ توقعت سيأتي يوم تقف فيه بين يدي؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: اليوم أنساك كما نسيتني.

انتهى الأمر، ما أعظم من هذا الخسران أيها الأحبة، هذا خسران عظيم، أن يعيش الإنسان هذه الحياة يعني محفوفا بالشهوات ومحفوفا بالأهواء وبالملذات، ثم بعد ذلك في لحظة ينقضي كل شيء، وتنتهي الأمور وتطوى الصحائف، ويصبح الإنسان في القبر، ثم بعد ذلك رحلة الأبد إلى الله سبحانه وتعالى. هل أيها الأحبة يستحق الإنسان أن يحيا هذه الحياة؟ وهل هذه الحياة تستحق أن يحياها بالشهوات والملذات ثم يلقى الله عز وجل فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني؟ ماذا حصلت من كل هذه الدنيا؟ من كل هذه الشهوات التي اقترفتها؟ لم تحصل شيئا، وأنت الآن بينك وبين الله سبحانه وتعالى لا يوجد شفيع ولا يوجد خلة ولا يوجد إنسان يستطيع أن ينقذك من هذا الموقف. فمن تذكر الله عز وجل في الدنيا وراقبه أورثه ذلك الخوف، ومن أورثه ذلك خوفا رزقه الله عز وجل حسن اللقاء عنده في جنات النعيم.

الآن أيها الأحبة يعني هناك سؤال، ما الذي يجعل الإنسان وما الذي يورث الإنسان الخوف؟ كما قلنا الخوف مرجعه إلى المراقبة، والمراقبة مرجعها إلى العلم بشيئين، الشيء الأول أيها الأحبة الذي يجعلك تخاف علمك بالشيء المخوف والمحذور، أن تعلم الشيء المخوف المحذور وهو غضب الله وسخطه، غضب الله وسخطه هو الشيء الذي نحذره، فينبغي عليك أولا أن تعرف الشيء المخوف المحذور، ثم بعد ذلك أن تعرف السبب المفضي إلى الوقوع في هذا الشيء المخوف أو أن يحل عليك هذا الشيء المخوف. فهناك أمران ينبغي عليك أن تعلمهما حتى تحصل الخوف، الأمر الأول أن تعلم ما هو الشيء المخوف، ما الذي تخاف منه؟ أنت تخاف من الله سبحانه وتعالى من غضبه وعقابه وسخطه، الأمر الثاني ينبغي عليك أن تعرف السبب الذي يفضي إلى سخط الله عز وجل على عبده، لذلك إذا اختل هذان الجانبان أو اختل أحدهما.

ينقص جانب الخوف عند العبد؛ فالعبد الذي لا يعرف الله سبحانه وتعالى بكبريائه وعظمته لن يورثه ذلك خوفًا منه، وهذا هو حالنا ونسأل الله السلامة والعافية. نحن حقيقة أيها الأحبة نجهل الله عز وجل، وما قدروا الله حق قدره. الله عز وجل دائمًا في كتابه العزيز يدللنا على قدرته وعلى عظمته بآثاره في هذا الكون، وبمواقفه العظيمة في هذه الدنيا وفي الآخرة، يورثنا خشية ونحاول أن نستحضر هذه المهابة العظيمة؛ لأن بقدر جهالتك بالله سبحانه وتعالى يذهب خوفك منه. لذلك من أكثر الناس خوفًا من الله سبحانه وتعالى من الخلق هم الأنبياء والرسل، الأنبياء والرسل هم أكثر الناس خوفًا من الله، مع أنهم هم أقل الناس معاصي وذنوب إذا جوزنا عليهم المعاصي والذنوب. لماذا هم أخوف الناس من الله سبحانه وتعالى؟ لأنهم أعرف الناس بالله عز وجل.

لذلك أيها الأحبة، يوم القيامة عندما يأتي الناس لطلب الشفاعة يأتون إلى من؟ يأتون إلى آدم فيقولون له: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأكرمك الله عز وجل، ويذكرونه ويمدحونه. فيقول آدم ماذا؟ يقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وأنه قد نهاني عن شجرة فعصيته. انظروا ماذا يذكر أيها الأحبة؟ يذكر ماذا؟ ذنبًا واحدًا: وأنه قد نهاني عن شجرة فعصيته، نفسي نفسي. انظر هذا الخوف! اذهبوا إلى نوح، يذهبون إلى نوح: يا نوح، أنت أول رسل الله إلى الأرض، وقد سماك الله عبدًا شكورًا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وأنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي، لما دعا على قومه ألا يبقي الله عز وجل منهم أحدًا؛ ظنها معصية في حقه يخشى أن يحاسبه الله عليها.

ثم يذهبون إلى إبراهيم، ماذا يقول إبراهيم؟ إني قد كانت لي ثلاث كذبات، مع أن العلماء قالوا هي في الله سبحانه وتعالى لكنه احتسبها على نفسه كذبات عليه السلام. ثم يذهبون إلى موسى فيقولون: يا موسى، اشفع لنا إلى الله سبحانه وتعالى، ماذا يقول موسى؟ يقول: إني قد قتلت نفسًا لم أومر بقتلها. ثم يذهبون إلى من؟ إلى عيسى، عيسى أيها الأحبة في الأحاديث لم يذكر ذنبًا، ومع ذلك ماذا قال عيسى؟ نفسي نفسي. عيسى لم يذكر ذنبًا وقال نفسي نفسي. أيها الأحبة، إذا كان هؤلاء الأنبياء يتكلمون عن ذنب وعن ذنبين، ألسنا نحن بأحق أن نخشى من الله سبحانه وتعالى وأن نقف بين يديه؟ هؤلاء الأنبياء بعظمتهم وبتضحيتهم وببذلهم، ومع ذلك يحسبون الذنب والذنبين إذا صح كما قلنا تسميتها ذنوبًا، فما بالنا بسجلات عظيمة من النظرات والخطرات والكلام والمعاصي التي فعلناها، ومع ذلك نأمن ونظن أننا قد بلغنا شأنًا عظيمًا عند الله سبحانه وتعالى، ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.

فينبغي على المؤمن دائمًا أن يكون محتاطًا، وأن يكون دائمًا مراقبًا لله عز وجل حتى يورثه الله الخوف، لذلك قلنا: من لم يعرف الله سبحانه وتعالى لم يورثه ذلك خوفًا منه. والأمر الثاني الذي ذكرناه: من لم يعرف الأسباب المفضية إلى سخط الله عز وجل كذلك ضل وأوبق نفسه. لذلك كان من أعظم علوم الشريعة علم الفقه؛ لأنه به يعرف الإنسان الحلال الذي يرضي الله سبحانه وتعالى، وبه يعرف الحرام الذي يسخطه عز وجل. فكيف تعرف أنت الأسباب المفضية إلى سخط الله؟ من خلال معرفتك ما الذي يريده الله عز وجل مني وما الذي حرمه علي ونهاني عنه، وهذا لا يمكن إلا من خلال علم الفقه، وأن يتفقه الإنسان في دينه، فكان تفقهه في دينه فرض عين إذا أراد النجاة عند الله سبحانه وتعالى.

هذا هو الخوف، ننتقل إلى الجناح الآخر ما هو؟ الرجاء. ما هو الرجاء؟ عرفنا الخوف ما هو، كما قلنا هو ألم القلب واحتراقه خشية من أن يحل به سخط الله سبحانه وتعالى عليه. هذا الخوف يقابل ذلك الرجاء؛ الرجاء هو ارتياح القلب لأنه يترقب ماذا؟ يترقب عفو الله سبحانه وتعالى ورضوانه. لكن الرجاء أيها الأحبة، قبل أن ندخل في الكلام عليه نقول: أرباب القلوب أيها الأحبة ينظرون إلى الإنسان في هذه الدنيا أن الدنيا هي مزرعة الآخرة، هذه الدنيا هي مزرعة نزرع فيها للدار الآخرة. القلب هو الأرض، نقول قلب الإنسان هو هذه الأرض، والبذر الذي يغرسه الإنسان في هذه الأرض ما هو؟ هو الإيمان والطاعات، هذا إذا كان من أهل التوفيق. وإذا كان من أهل الخذلان ماذا سيزرع؟ وماذا سيبذر؟ سيبذر المعاصي والكفر والنفاق وغير ذلك، نسأل الله السلامة والعافية.

إذاً كما قلنا القلب هو الأرض والبذر هو الشيء الذي ستضعه فيها، فأهل الإيمان هم الذين يبذرون الخيرات ويضعون الإيمان ويضعون الأعمال الصالحة، وأهل الفجور يبذرون ما يبعدهم عن الله سبحانه وتعالى. الآن أيها الأحبة، هل يعقل في الإنسان في المزارع مثلاً أن يضع أرضًا ولا يغرس فيها بذرًا ثم بعد ذلك ينتظر من الله سبحانه وتعالى أن ينبت له الزرع؟ هل يعقل إنسان يشتري أرضًا ويستأجرها ثم بعد ذلك لا يبذر فيها شيئًا، وينتظر يقول: أنا أرجو أن الله عز وجل يخرج لي الثمار اليانعة؟ ماذا نقول عن هذا الرجل؟ أحمق، هذا رجل أحمق. طيب، مثلاً شخص آخر أخذ هذه الأرض ووضع فيها بذورًا لكنه لم يتعاهدها بالماء ولم يزل عنها الشوك وما شاء الله من النباتات التي تؤذيها ولم يستصلحها، ثم بعد ذلك قلنا له: يا فلان استصلحها، اسق الزرع، اسق هذه البذور حتى تنبت، فقال له: أنا عندي رجاء بالله سبحانه وتعالى، هل هذا إنسان عاقل؟ هذا إنسان غير عاقل، هو يريد أن الله عز وجل يخرج له الشيء من دون أسبابه.

وكذلك الرجاء أيها الأحبة، علاقة الإنسان مع الرجاء كعلاقة هذا المزارع بأرضه. هذا القلب أرض، الآن يأتي العبد منغمس في الشهوات وفي الأهواء ويقول لك: أنا أرجو رحمة الله سبحانه وتعالى. نص علماء السلوك أن الإنسان الذي يرجو رحمة الله سبحانه وتعالى من غير أن يبذل الأسباب الموصلة إليها هذا إنسان ما يسمى في علمهم مغرور، يسمى ماذا؟ مغرورًا. إذا قيل لك ما الفرق بين الرجاء والغرور؟ الآن تقول الإنسان مغرور بالله عز وجل، ما الفرق بين الرجاء والغرور؟ الغرور أن الإنسان يطمع ويرجو رحمة الله سبحانه وتعالى وهو لم يبذل أي سبب من الأسباب التي يستحق بها هذه الرحمة.

وأما الرجاء الشرعي الذي تكلم عنه الأئمة والذي ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه وتكلم عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، الرجاء الذي ينبني على بذل الأسباب الموصلة إليه كما قلنا، ينبغي على الإنسان إذا أراد أن يصل إلى مرتبة الرجاء أن يبذل السبب أولاً. نحن لن ندخل الجنة بأعمالنا وإنما ندخلها برحمة الله سبحانه وتعالى، فنحن نرجو رحمة الله ولكن ينبغي علينا أن نبذل حتى نستحق أن نصل إلى الرجاء. طب ما الدليل على هذا الأمر؟ الدليل على هذا الأمر أيها الأحبة أن الله عز وجل قال في كتابه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ. أولئك ماذا قال؟ يرجون رحمة الله، هذا ليس إخبارًا أيها الأحبة، يعني هو لا يخبرنا أن الذين آمنوا والذين هاجروا هؤلاء فقط يرجون رحمة الله، لا، هذا بيان لمن يستحق، أن الآية تقديرها: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك الذين يستحقون أن يرجوا رحمة الله سبحانه وتعالى، فليس المراد هو مجرد الإخبار أن هؤلاء يرجون رحمة الله.

كذلك قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ. هؤلاء هم الذين يستحقون أن يكون عندهم رجاء، هؤلاء الذين يستحقون وجود الرجاء لديهم لأنهم بذلوا الأسباب، أقاموا الصلاة، تلو كتاب الله سبحانه وتعالى، قاموا الليل، هناك أسباب فعلوها، هاجروا، بذلوا وقدموا، ضحوا في سبيل الله، فهؤلاء هم الذين يستحقون أن يرجوا رحمة الله عز وجل. أما يأتيك الإنسان منغمس في أهوائه وشهواته: يا شيخ، إن الله غفور رحيم، لا، هذا رجل مغرور أيها الأحبة، وهو ممن فيه قوله تعالى: وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ.

فهذا هو الغرور، والإنسان المؤمن العاقل يكون دائمًا مستيقظًا ويكون متنبهًا ويبذل الأسباب إذا أراد أن يحصل الثمار. فكما أن الإنسان ينبغي عليه أن ينقي أرضه في هذه الدنيا مما يضرها من الأشواك المؤذية، وأن يبذل الماء ويغرس البذر حتى تنبت، كذلك هذا القلب ينبغي عليك أن تبذر فيه الإيمان وينبغي عليك أن تغرس فيه شجرات الطاعة وشجرات الإقبال على الله سبحانه وتعالى، وأن تتعاهدها، وأن تنقي وتزيل الشوك؛ شوك القلب بالأخلاق الدنيئة وسفاسف الأمور والشهوات، هنا نعم، هذا القلب ينبت أكله ويعطي أُكُلَه ثمرة باسقة بإذن الله سبحانه وتعالى.

يقول يحيى بن معاذ أيها الأحبة كلمة عن الاغترار أعجبتني، يقول يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى: من أعظم الاغترار عندي، من أعظم الاغترار عندي التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة، هذا هو الاغترار. التمادي في الذنوب، سيتتمادى في الذنوب، مع الوقت تزداد ذنوبه وتزداد أهواؤه وشهواته، ومع ذلك يرجو العفو، قال: هو هذا هو الاغترار، من أعظم الاغترار عندي التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة، وتوقع القرب من الله سبحانه وتعالى بغير طاعة. لذلك ماذا يقول الشاعر؟ ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تمشي على اليبس أنت ترجو النجاة ولم تسلك المسالك التي توصل إليها، هل يمكن للسفينة أن تمشي على اليابسة؟ لا يمكن، لا بد إذًا من بذل الأسباب.

لكن المصنف رحمه الله تعالى عندما نتابع قوله، ماذا قال؟ قال: ورجه في جميع أمورك. إذاً، هل الرجاء بالله سبحانه وتعالى فقط في نيل رضوان الله عز وجل والمغفرة والجنة، يعني في أمور الآخرة، ولا نرجو الله عز وجل في أمور حياتنا؟ لا، لذلك هو عمم، قال: وارجُ في جميع أمورك. ففي أي شيء وقع فيه الإنسان في هذه الدنيا، أي شيء يخاف وقوعه أو يرجو حصوله، عليه أن يرجو من؟ عليه أن يرجو الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، وأن يستغني بقلبه عن المخلوقين. إذا استغنى الإنسان بالله سبحانه وتعالى عن جميع المخلوقين، هذا هو الإنسان الذي وصل إلى الرجاء الحقيقي بالله عز وجل.

طيب كيف أنا أريد حلاً عمليًا؟ كيف أستطيع أن أصل إلى مرتبة الرجاء بالله سبحانه وتعالى، أملي هو الله عز وجل في أي شيء يصيبني في هذه الدنيا؟ نقول هذه المرتبة أيها الحبيب لا تنالها إلا إذا نلت سلوكًا من سلوكيات القلب وهو الثقة بالله عز وجل. تقول: أريد أن أكون عندي هذا الخلق أن أرجو الله سبحانه وتعالى، كثير منا إذا نزل به بلاء رجع إلى المخلوقين، إذا حل به مرض قلبه ورجاؤه بالمخلوقين، إذا ضاق عليه رزقه قلبه ورجاؤه بالمخلوقين. الحارث المحاسبي يقول لك ماذا: اجعل رجاءك بالله سبحانه وتعالى وحده. طب أريد شيئًا عمليًا يعينني على أن أجعل رجائي بالله سبحانه وتعالى، عليك أن تزيد ثقتك بالله سبحانه وتعالى، وهذه الثقة تعود إلى ماذا؟ إلى التعرف على الله.

لذلك أنا دائمًا أكرر قضية التعرف على الله سبحانه وتعالى؛ لأن جميع منازل السائرين وجميع الأفعال التي سنتكلم عنها وأعمال القلوب مدارها أيها الأحبة على معرفة الله. أتعرف على الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا وأفعاله، واقرأ كتابه وانظر في آثاره، إذا لم تتعرف على الله فكل ما سيأتي من أعمال القلوب لن يثمر. إذا عرفت الله عز وجل بإذن الله ستبحر في أعمال القلوب وفي طريق الراشدين إلى الله عز وجل. لذلك ينبغي كما قلنا أن تزيد ثقتك بالله، كيف أزيد الثقة؟ أن أتعرف على الله سبحانه وتعالى، أن أتعرف على أسمائه، على إحسانه، وأن أنظر في حكمته وعلى لطفه وحسن معاملته لعبده.

لذلك يقول ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى: إن لم تحسن ظنك بربك لأجل جميل وصفه، فأحسن ظنك به لأجل معاملته معك، فهل عودك إلا حسنًا؟ وهل أسدى إليك إلا مننًا؟ يعني إذا لا تريد أن تحسن الظن بالله عز وجل من أجل ذاته من دون أن يحسن إليك، فعلى الأقل حسن ظنك به لأنه سبحانه أسدى إليك النعم. يعني الله عز وجل يحسن الظن به حتى ولو لم يفعل للعبد أي نعمة؛ لذاته ولجلاله ولكبريائه، فما بالكم والنعم مستمرة من الله عز وجل في كل لحظة وفي كل حين، وتوفيق الله عز وجل ونعمه السابقة في الأنفاس واللحظات والخطرات تطرى على الإنسان، هذه الأنفاس وهذا السمع وهذا البصر وهذه الأمور وهذا نبض القلب، هذه نعم من الله سبحانه وتعالى تغمرنا. لو فكر الإنسان فقط في هذه النعم التي في جسده، أن هذا القلب ما زال ينبض، ما زال عنده فرصة للعمل، وهذه العين ترى وهذا السمع وهذا اللسان ينطق، هذه النعم فقط لو لم تعط أي شيء آخر، ولو ضاقت عليك الدنيا بأسرها، هذه النعم تجعلك تحسن الظن بالله، فما بالنا بنعم كثيرة.

متتالية من الله عز وجل. لذلك ويقول أيضاً: لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك. هذا يتكلم عن إنسان لا يرجو إلا الله سبحانه وتعالى، فيقول السكندري: لا ترفعن إلى غيره حاجة هو موردها عليك، فكيف يرفع غيره ما كان هو له واضعاً؟ أي فيستطيع البشر أن يرفعوا شيئاً الله عز وجل هو الذي وضعه؟ طبعاً هو الكلام الآن عن الأمور التي تخرج عن ماذا؟ عن طاقة البشر. الإنسان يبذل الأسباب ويحاول أن يستعين إذا استطاع أن يستعين بالبشر، لكن لا يجعل هذا القلب رجاؤه وهمه بهم.

الإنسان إذا تعود العلاقة مع البشر في أي شيء يصيبه في الدنيا، يفزع مباشرة إلى المخلوقين؛ هنا يضعف رجاؤه بالله سبحانه وتعالى. متى يكمل الرجاء؟ تأخذ بالأسباب، ولكن القلب دائماً يرجو الله عز وجل. حاول أن إذا أصابتك بلية أو أصابك شيء من هذه الدنيا ومن لأوائها، حاول أن تتصبر، حاول أن تعطي نفسك فترة للرجاء من الله سبحانه وتعالى حتى تعود هذا القلب. الفزع دائماً إلى الله، يفزع، يلتجئ إليه، يطلب منه، ثم بعد ذلك ابذل الأسباب. أما أول ما يأتي بك المرض مباشرة على الطبيب، أو أول ما يصيب بك بلاء مباشرة أول ما يخطر في بالك من يجادلني ومن يرفع عني هذا البلاء، هذا نوع ضعف ونوع ركة، نسأل الله أن يعيننا على أنفسنا.

لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث عن الله عز وجل: عند ظن عبدي بي. أنا الله عز وجل يقول في الحديث الصحيح: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني. الله عز وجل يقول: أنا عند ظن عبدي بي. لذلك جاء كما في رواية أخرى: فليظن بي عبدي ما شاء. يعني إذا ظننت بالله عز وجل ظناً أن الله سيفرج الهم ويرزقك من حيث لا تحتسب ستجد الله عز وجل عند هذا الظن، وسيكون الله عند حسن ظنك. وأما من ظن بالله ظن السوء، وأن الله سيخذله، وأن هذه الدنيا ستضيق عليه، وأنه لن يجد معيناً من الله عز وجل، فهذا نعم يكون الله عز وجل عند سوء ظنه. فالله عز وجل يقول: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء.

أنت أيها العبد تختار: هل تريد السعادة؟ أحسن ظنك بالله سبحانه وتعالى. هل تريد الفرج من الكروب؟ هل تريد السعة في الرزق؟ هل تريد سعادة القلب؟ ماذا تفعل؟ تحسن ظنك بالله، المعادلة سهلة. وإذا أردت البلاء وإذا أردت أن تبقى في ضيق هذه الدنيا وكدرها، أسئ ظنك بالله عز وجل فتجد الله عز وجل كما ظننت به. لذلك يقولون على هذا الحديث رويت قصة عن يحيى بن أكثم رحمه الله تعالى أنه بعد موته رؤي في النوم، قيل له: ما فعل الله بك؟ الإمام يحيى بن أكثم توفي، فرؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك يا إمام؟ فقال: أوقفني الله بين يديه، وقال: يا شيخ السوء فعلت وفعلت، وقال: فأخذني من الرعب ما يعلم الله به. يعني ارتعبت؛ موقف بين يدي الله عز وجل، طيب الله عز وجل يقول فعلت وفعلت يذكرك بالغدرات وبالهمسات وبالخطرات التي جاءت عليك في هذه الدنيا، ثم قلت: يا رب ما هكذا حُدِّثت عنك.

الآن يحيى بن أكثم يقول: خاطبت الله عز وجل فقلت: يا رب ما هكذا حُدِّثت عنك. فقال: وما حُدِّثت عني؟ الله عز وجل يخاطب يعني ما حُدِّثت عني؟ إيش كنت تظن عني في الدنيا؟ فيقول: حَدَّثني -ذكر الحديث الذي يحفظ، انظروا أثر الحديث، كانوا يحفظون الأحاديث وينقلونها للناس- انظر هذه النعمة أنقذه الله عز وجل بها، يقول: حَدَّثني عبد الرزاق -هو يخاطب الله عز وجل قلت يا الله- قلت: حَدَّثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس عن نبيك صلى الله عليه وسلم، عن جبريل عليه السلام، أنك قلت: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء، وكنت أظن بك ألا تعذبني، وكنت أظن بك ألا تعذبني. فقال الله عز وجل: صدق جبريل، وصدق نبيي، وصدق أنس، وصدق الزهري، وصدق معمر، وصدق عبد الرزاق، وصدقت، فألبسني ومُشي بي بين الولدان إلى الجنة، فقلت: يا لها من فرحة.

انظروا كان فقط يعلم الناس هذا الحديث، يقول: أحسنوا الظن بالله سبحانه وتعالى، وفي النهاية نحن بشر كلنا أصحاب معاصي وذنوب، لكن لا تعرف ما هي الحسنة التي تدخلك الجنة، لا تعرف أين هي الحسنة التي يرزقك الله عز وجل بها السعادة الأبدية؟ هذا الرجل، طبعاً هذه القصص طبعاً يعني يستأنس بها، نحن لا نذكرها للاستدلال في هذه القضية، لكن يستأنس بها وينظر في مآلها كيف هذا الرجل نفعه هذا الحديث. لذلك لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق.

طيب، ننتقل إلى المنزلة الثالثة التي تكلم عنها المحاسبي رحمه الله تعالى، وأنا جمعت كلامه المتناثر، قال المحاسبي: واصبر على ما أصابك. نتكلم الآن عن منزل آخر من منازل الطريق إلى منزلة الصبر، قال رحمه الله تعالى: واصبر على ما أصابك، واعلم أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس ذهب الجسد كله، فإذا سمعت كلمة تغضبك في عرضك فاعف عنها واصفح، فإن ذلك من عزم الأمور. وسنتكلم بعد ذلك عن سكوت الإنسان عما لا يعلم، وأن يسأل عما يجهل.

إذاً هذا موقف جديد ومنزل من منازل السائرين إلى الله سبحانه وتعالى، وهو منزلة الصبر. أحمد رحمه الله تعالى يقول: ذكر الله عز وجل الصبر في القرآن في تسعين موضعاً، في تسعين موضعاً من كتاب الله عز وجل ذكر الله فيها الصبر، والشيء إذا تكرر ذكره هذا يدل على ماذا؟ على عظم منزلته وعلى أهميته ومكانته عند الله سبحانه وتعالى. فما هو الصبر أيها الأحبة؟ نقول الصبر في اللغة هو الكف والحبس، الكف والحبس، تكف نفسك عن الشيء، تحبس نفسك عن هذا الشيء لا تفعله، نقول: صبر عنه. لذلك مثلاً يقول: قتل فلان صبراً، أي وثق بحيث منع من الحركة ثم قتل. لذلك الصبر أصله الحبس والكف، أما الصبر في اصطلاح أهل العلم يقولون: هو كف النفس عن المكاره، أو على المكاره، نقول: كف النفس عن المكاره، وكف اللسان عن التسخط، هذا هو الصبر.

الآن نتكلم عن شرح هذا التعريف: حبس النفس على المكاره وحبس اللسان عن التسخط. من خلال هذا التعريف أيها الأحبة نستطيع أن نستخلص أن هناك أنواعاً للصبر، هناك صبر على طاعة الله سبحانه وتعالى، هذا نوع، وهناك صبر عن ماذا؟ عن معصية الله عز وجل، هذا نوع ثان، وهناك صبر على الأقدار والبلاء الذي يوقعه الله سبحانه وتعالى بعبده، صبر على الأقدار والبلاء التي يوقعها الله عز وجل بعبده. طيب كيف أخذنا هذه الأنواع من هذا التعريف؟ قلنا ما تعريف الصبر؟ حبس النفس على المكروهات وحبس اللسان عن التسخط.

الآن أيها الأحبة، مكروهات النفس كثيرة، الإنسان يكره مثلاً أن يستيقظ الفجر يجد الماء بارداً، يتوضأ ويسبغ الماء على أعضاء الوضوء ثم يخرج في الجو القارص إلى الصلاة، هذا مكروه للنفس، كذلك مثلاً الإنسان يكره أن يمسك عن الطعام والشراب شهراً كاملاً، طيب الإنسان يكره أثناء أن يخرج من ماله جزءاً يقتطعه يبذله إلى غيره، الإنسان يكره مشقة السفر مسافات بعيدة مثلاً للحج، هذه انظر هذه عناصر الإسلام أو أركان الإسلام، هل هذه تسمى مكاره للنفس؟

الآن أيها الأحبة، تسميتها مكاره هذا يكون في أول السلوك إلى الله عز وجل، لأن الإنسان يجد نفسه تحتاج إلى معالجة ومدافعة لهذه القضية، يحتاج إلى مدافعة حتى يقوم الليل، يحتاج إلى مدافعة حتى يستمر على قراءة القرآن، فيجد هناك صعوبة، القلب والنفس ما زالت لا تتقبل هذه الطاعات وهذه الأفعال، فنقول هي بهذا المعنى ما زالت مكروهة للنفس. ولكن من صبر عليها وأدام الصبر على هذه المكاره وحبس نفسه عليها، هذا هو الصبر، وحبس نفسه على هذه قلبها الله عز وجل في حقه ماذا؟ لذات وأنس مع الله سبحانه وتعالى. لذلك كما يقول علماء التزكية هي مكروهات لمن لم يعرف الله بعد، فإذا كان الإنسان يشعر بأن هذه التكاليف الشرعية التي أمرنا الله بها من الصلاة والزكاة والصيام وقيام الليل مشاقة وتكاليف ومكروهات للنفس، لكن صبر النفس عليها، نقول هذا الرجل ما زال لم يرزق الأنس بالله سبحانه وتعالى، لأن من صبر عليها وصبر، الله عز وجل يقلبها أنساً.

لذلك العبادة والتعلق بالله سبحانه وتعالى ليست تكاليف، في الحقيقة هي غذاء الأرواح وغذاء الأجساد كذلك، غذاء الروح والجسد هي العبادات، وسعادة الإنسان وأنسه في هذه الدنيا هي بتقربه من مولاه عز وجل. لذلك كل من ابتعد عن الله وانغمس في الشهوات لذته ظاهرة ممزوجة بالقبح أثناء تناولها مورثة للألم بعد تناولها، وأما من كان مع الله عز وجل يشعر في قلبه بأنس وسعادة وقرب من الله عز وجل، ويشعر أن هناك من يحفظه ويرعاه، فالعبادات أيها الأحبة ليست تكاليف، وإن كان مثلاً علم الأصول في علم الأصول يقول التكاليف، لكن هي في الحقيقة ليست تكاليف بل هي تشريف وتقرب وغذاء وقوت للأرواح. ولكنها في البداية نعم فيها مدافعة، فيها مشقة، يحتاج الإنسان أن يبذل شيئاً حتى يستعلي على هواه، ثم بعد ذلك يعينه الله عز وجل عليه. إذاً هذا هو النوع الأول، الصبر على الطاعات حتى يورثك الله عز وجل حلاوة وأنساً بعدها.

النوع الثاني هو الصبر عن ماذا؟ عن المعاصي. الآن المعاصي الشهوات، النظر الحرام، السماع الحرام، مجالس الغيبة والنميمة، الكلام الذي يغضب الله عز وجل، المال الحرام والسرقة والنهب والغش ومثل هذه الأمور هي كذلك محبوبات للنفس، ومكروه النفس فيها ماذا؟ هو تركها، مكروه النفس هو تركها، النفس تكره أي شيء يمنعها من الانطلاق، الهوى والنفس الأمارة بالسوء تحب دائماً الانطلاق، إلا المحرمات إذا وجدت من يمنعها تكرهه، إذا وجدت من يمنعها من الإقبال تكرهه وترى ذلك مكروهاً لديها، فالآن حبس النفس على هذه المكروهات ومنعها من الإقدام على المعاصي والشهوات والأهواء، كذلك هذا نوع مهم من أنواع الصبر. لذلك قال أو قلنا في تعريف الصبر حبس النفس على المكروهات، فهذا يشمل حبسها على الدوام على الطاعات، ويشمل كذلك حبسها عن الشهوات وعما يغضب الله سبحانه وتعالى.

ثم قلنا والنوع الثالث حبس اللسان عن التسخط، حبس اللسان عن التسخط أين يكون هذا؟ في النوع الثالث من أنواع الصبر وهو الصبر على أقدار الله عز وجل، بما يوقعه الله عز وجل من إذاً هذه الدنيا هي مزرعة، يقعد الإنسان فيها من الأقدار ومن الأمور ومن الأشياء الكثيرة التي تأتي من غير حسبان، فإذا كان الإنسان يستقبل هذه الأقدار بقلب مطمئن، يتذكر دائماً الله سبحانه وتعالى، وينظر إلى عظم المبتلي، وكما يقول السكندري: إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه. لماذا يؤلمك المنع؟ ولماذا يؤلمك البلاء؟ لأنك لم تفهم مراد الله عز وجل فيه، ولو وقفت لفهم مراد الله عز وجل في البلاء الذي يوقعه بك، لو لو توقفت فقط نزل بك البلاء، ما اشتغلت يعني كيف أدفع البلاء؟ يعني هذا مقصود لكن ما كان فقط دائراً ضمن هذه الدائرة الضيقة، لا، نظرت لماذا ابتلاني الله عز وجل؟ ما الذي يريده الله عز وجل من هذا البلاء؟ هل يريد مني أن أفعل شيئاً؟ هل ربما قصرت؟ هل ربما أخطأت في حق الله؟ نعم، هذا هو النافع في مثل هذه الأمور، أما التسخط والاعتراض على قضاء الله عز وجل فإنه لا يدفع المصيبة بل يزيدها.

طيب لو سألنا أيها الأحبة ما أعظم هذه المراتب أو ما أشق هذه المراتب؟ الآن قلنا هناك الصبر على الطاعة، وهناك صبر عن المعصية، وهناك صبر على البلاء، أيها أشد؟ يعني هذا سؤال، من يجيب؟ من يجيب عن هذا السؤال؟ الصبر على الطاعة، الصبر على البلاء، هل هناك إجابة أخرى؟ نعم. الصبر على البلاء، وأن الأشخاص لا يصبروا على الطاعة أصلاً. طيب في مجمل الناس راح نتكلم عن العرف العام، يقول علماء التزكية أن أشد أنواع الصبر هو الصبر على طاعة الله سبحانه وتعالى، أشد من الصبر على البلاء. لماذا أيها الأحبة؟

الآن الإنسان إذا وقع به بلاء ليس له حيلة في أن يدفعه، هو مقهور عليه قدراً، لذلك يعني هو بين أمرين: إما أن تتحمل ما وقع بك وتصبر، وإما أن تتسخط، تجزع بعد ذلك، تفزع ويصيبك أمراض وتهلك، إذاً انتهى الأمر، لذلك أنت بين أمرين لا ثالث لهما. لذلك تجد حتى مثلاً من الكفار من يصبر عند البلاء، ماذا سيفعل؟ ماتت زوجته، مات والده، يحزن، يفزع، بعد ذلك سيصبر جبراً. لذلك الصبر على البلاء هذا أمر أنت مقهور عليه، عفواً أمر مقهور عليه، إما أن تصبر عليه وتتحمل، وإما أن تفزع وتجزع ثم بعد ذلك تهلك، لذلك الصبر عليه تجده عند كثير من الناس، بل حتى ممن ليس له علاقة بالله عز وجل، حتى يعني إذا لم يرد وجه الله بالصبر يريد ماذا؟ المحافظة على نفسه في هذه الدنيا، أقول إذا بقيت أجزع وأبكي وأتسخط أذهب كل ملذات الدنيا، خلنا نصبر وربك يعين. الآن، لذلك يفضل علماء التزكية رحمهم الله تعالى الصبر على الطاعة، ويفضلونه كذلك عن الصبر.

الشهوات والصبر عن المعاصي، لأن الصبر على الطاعة يكون باختيارك. الصبر على الطاعة يكون بماذا؟ باختيارك، أنت الذي تختار أيها العبد أن تصبر على هذا الطريق وأن تقتحمه باختيارك. وكذلك الصبر عن الشهوات، أليس باختيارك؟ كذلك باختيارك، لكن يقولون: الطاعة هي المقصودة، والمناهي التي نهانا الله عز وجل عنها إنما نهى عنها لحماية جناب الطاعة؛ فالطاعة هي المقصود ابتداءً من الله عز وجل، والأوامر هي التي أرادنا الله بها ابتداءً، أما المناهي فإنما نهانا عنها حماية لجناب الطاعة، لذلك فضل العلماء الصبر على الطاعة عن الصبر على المعصية.

وهنا يعني أحب أن أنقل نقلاً لشيخ الإسلام ابن تيمية ترونه أمامكم يتكلم فيه عن سيدنا يوسف عليه السلام، ماذا يقول ابن تيمية؟ يقول: كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب. الآن يوسف عليه السلام ابتلي بعدة بلاءات منها واضطر أن يصبر في عدة مواقف، لكن لم تكن هذه المواقف كلها من قبيل البلاء القهري الحسي، لا، كان هناك بلاء في ماذا؟ في المعاصي، وكان هناك بلاء قهري حسي. فيوسف عليه السلام يقول لك ابن تيمية: أين كان صبره أعظم وأشق؟ هل كان صبره أعظم عندما مسكه إخوته وألقوه في البئر؟ لا، يقول: كان صبره على امرأة العزيز وعلى شهوتها وشأنها أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه؛ فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره، يعني هو في النهاية أجبر، إذا ألقي في الجب ماذا سيفعل؟ سيصبر، هذا جرى بغير اختيار يوسف عليه السلام.

وأما صبره عن المعصية، أي عن امرأة العزيز وعن تلبية شهوتها، فصبر اختيار ورضا ومحاربة للنفس، ولا سيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة؛ فإنه كان شاباً وداعية الشباب إليها قوية، وعزباً ليس له ما يعوضه ويرد شهوته، وغريباً والغريب لا يستحي في بلد غربته مما يستحي منه بين أصحابه ومعارفه وأهله، ومملوكاً والمملوك أيضاً ليس وازعه كوازع الحر، والمرأة جميلة وذات منصب وهي سيدته، وقد غاب الرقيب. يعني هو يصف لك الوضع الذي وضع فيه يوسف، كل الأمور مهيئة ومجهزة لارتكاب المعصية، إذاً مقدار المحاربة، يعني هناك إنسان مثلاً تتهيأ له المعصية نوع تهيؤ، لكن ربما يكون في بلده في مجتمعه ما يمنعه من الوقوع في العرف والمجتمع ويخشى من أن يشهر بين الناس، ليس مخافة الله سبحانه وتعالى. يوسف عليه السلام انتفت في حقه جميع الموانع ما بقي فقط إلا شيء واحد، وهي ماذا؟ مخافة الله سبحانه وتعالى، لا يوجد أي شيء يمنعه، لذلك المعالجة والمحاربة للنفس شديدة جداً جداً في هذه الحالة، أشد من صبر الإنسان على البلاء.

إذا قلنا: والمرأة جميلة وذات منصب وهي سيدته، وقد غاب الرقيب أي زوجها، وهي الداعية له إلى نفسها، هذا أمر أشد، يعني ليس هو الذي يطلب، هي التي تطلب والعياذ بالله، وهي الحريصة على ذلك أشد الحرص، ومع ذلك توعدته إن لم يفعل بالسجن والصغار. يعني كذلك نستطيع أن نقول الآن في عرف الفقهاء السجن يعتبر ماذا؟ إكراهاً، توعدته بالصغار والذل إذا لم يلبِّ طلبها. انظر إلى هذه الأمور وإلى هذه الظروف الصعبة التي وضع فيها يوسف، ومع هذه الدواعي كلها صبر اختياراً وإيثاراً لما عند الله عز وجل، وأين هذا من صبره في الجب؟ يعني أين هذا الصبر من صبره لما ألقي في الجب؟ هذا هو الصبر الحقيقي.

أن يصبر الإنسان في هذا العالم الذي نحيا به، نجد الآن كل العالم يحاول أن ينزع منك الإيمان، كل العالم بكل أدواته يحاول أن ينزع منك الإيمان، وأقل شيء يحذفك عن الطريق إلى الله سبحانه وتعالى. صبر الإنسان على نفسه وعلى تربية مجتمعه وتربية أسرته وزوجته وأبنائه، تحمل هذه الرحلة حتى يلقى الله عز وجل، هذا هو الصبر الحقيقي. قد يقع بك بلاء فتصبر كما قلنا قهراً، لكن الصبر على الطريق إلى الله سبحانه وتعالى هذا هو الصبر الذي يحتاج إلى مجاهدة ومدافعة، وهنا يظهر الرجال من المؤمنين: رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ. قضى نحبه وانقضى عهده مع الله، صبر حتى آتاه الله عز وجل نصيبه من الثبات، ويتلقى الله عز وجل وهو راضٍ عنه، ومنهم من ينتظر، وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. نسأل الله أن يجعلنا منهم.

الآن أريد أن أتكلم قبل أن أنهي الكلام عن الصبر، ولا يتكلم يعني أعظم رحلة صبر أيها الأحبة -كوننا نتكلم في أجواء طلبة علم ودعاة إلى الله- أعظم شيء يصبر عليه الإنسان هي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، لذلك أنا أركز على هذه القضية؛ لأن الصبر في الدعوة إلى الله عز وجل يشمل الصبر على الطاعة ويشمل الصبر عن المعصية ويشمل الصبر عن البلاء؛ لأن الدعوة إلى الله عز وجل فيها هذه الأمور الثلاثة: فيها طاعة وهي أساسها أنك تدعو إلى الله عز وجل وتضيع كثيراً من الأمور خلفك كما يظن الناس. طبعاً هي في مفهوم الناس ضياع، يقول: ضاع وقته ولم يأخذ نصيبه من هذه الدنيا ولم يستفد منها، فلان بنى وفلان أسس وفلان غرس وفلان أصبح عنده شركات، وهذا الرجل مسكين يدعو إلى الله عز وجل، الله يعينه يا شيخنا. الآن هذه الدعوة إلى الله عز وجل تحتاج إلى ماذا؟ إلى صبر.

إذاً الدعوة إلى الله عز وجل فيها صبر على الطاعة، وفيها صبر عن المعصية كذلك، لأنك في دعوتك إلى الله عز وجل ستأتيك مغريات، سيأتيك من يعرض عليك المبالغ الطائلة من أجل أن تترك هذا الطريق، سيأتي من يعرض عليك أي شهوة أو أي شيء، يريد منك أو يريد أن يسلب منك هذا الطريق الذي تسلكه إلى الله عز وجل بالدعوة ونصح الناس والإرشاد والذكر وتخويف الناس بالله عز وجل، فهناك كذلك صبر عن معاصي الله؛ تصبر عن الإغراءات، شهوات وفلل ومساكن وقصور، فقط اترك الدعوة إلى الله عز وجل، كما فعل كفار قريش بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بدأوا معه بالإغراءات بالشهوات وبالدنيا وبالنساء وبالمال والأمور الكثيرة، فهذا يحتاج إلى صبر. والصبر كذلك في ماذا؟ في البلاء الذي سيحل بك، وهذه ضريبة لا بد من أن يدفعها الإنسان إذا اختار السلوك في طريق الدعاة إلى الله عز وجل.

وهنا يعني أحب أن أقف كذلك مع نص لابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الفوائد، وهذا النص يعني تفقهوا فيه أيها الأحبة. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في الفوائد: إذا كان الله ورسوله في جانب فاحذر أن تكون في الجانب الآخر؛ يعني إذا كان دين الله وشرعه ومنهاجه في جانب احذر أن تكون مع الجانب الآخر، فإن ذلك يفضي إلى المشاقة والمحادة، وهذا أصلها ومنه اشتقاقها؛ فإن المشاقة في أصل اللغة أن يكون في شق ومن يخالفه في شق، وكذلك المحادة. الله عز وجل نهانا عن المشاقة: وَلَا تَشَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ. ما معنى المشاقة والمحادة؟ ابن القيم ابتداءً يبين لك مفهوم المشاقة والمحادة؛ المشاقة أن يكون الله ورسوله في شق، وتكون أنت أو من يتبع الضالين في شق آخر، وكذلك المحادة، المحادة من الحدّ، أناس في حدّ مع الله عز وجل ورسوله ومع أوليائه وهناك من في الحدّ الآخر، وكن في الجانب، المحاد أن نكون في حدّ وهو في حدّ، ولا تستسهل هذا فإن مبادئه تجر إلى غايته وقليله يدعو إلى كثيره.

يقول لك: لا تستسهل هذا، يعني هناك أناس يقول لك: يا شيخ، طيب نكون بين الطرفين، محاولة مقاربة مع فلان، يوم مع هؤلاء ويوم مع هؤلاء، ما المانع؟ فيقول لك: إذا استجرك هذا الأمر وبدأت في هذا الطريق، تنسحب الرجل وأنت لا تشعر، القدم ستبدأ قليلاً قليلاً تبتعد عن جانب الله ورسوله لتكون مع الجانب الآخر والعياذ بالله. قال: وكونوا في الجانب الذي يكون فيه الله ورسوله، وإن كان الناس كلهم في الجانب الآخر. يعني لو وجدت الناس كلهم في الجانب الآخر أين تكون أنت؟ هل تنظر إلى الكثرة ولا تنظر مع منهاج الله عز وجل ورسوله؟ تنظر إلى منهاج الله عز وجل ورسوله، وليس للعبد أنفع من ذلك في دنياه قبل آخرته.

وأكثر الخلق الآن يكمل ابن القيم، قال: أكثر الخلق إنما يكونون من الجانب الآخر، هو أعطاك القاعدة، يعني إذا أردت أن تحسب الأمور وأن الأكثر، أنا أريحك ابتداءً: أكثر الخلق في الجانب الآخر، ليس في جانب الله ورسوله، ولا سيما إذا قويت الرغبة والرهبة؛ قويت الرغبة في ملذات الدنيا وأهوائها، والرهبة من أن يحل بسبب سلوكهم طريق الدعوة إلى الله عز وجل من لأواء الطريق ومصائبها، فهناك لا تكاد تجد أحداً في هذا الجانب بسبب هذه الرغبة والرهبة، قل أن يسلك الناس طريق الدعوة إلى الله عز وجل لأنهم يعلمون أن هناك ضريبة. إذاً فهناك لا تكاد تجد أحداً في الجانب الذي فيه الله ورسوله، بل يعده الناس، انظر لهذه الكلمة، قال: بل يعده الناس ناقص العقل سيئ الاختيار لنفسه؛ يعني الناس تقول لك: هذا الشيخ رجعي، هذا الشيخ يودي نفسه في المهالك، يريد يدعو إلى الله عز وجل، يتمسك بالالتزام، إنسان يعيش حياته أيها الأحبة، وانتهت الأمور مثل هذه الناس وانقضت القضية.

هو يقول لك ماذا؟ يقول: لو عنك الناس إذا اخترت جناب الله ورسوله، قال: سيتهمونك بأنك ناقص العقل، سيئ الاختيار لنفسه، ما هو عارف دبر أمور حياته الشيخ، هذا تمام، ربما نسبوه إلى الجنون كما نسبه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ألم ينسبوه إلى الجنون ونسبوه إلى السحر لأنه اختار طريقاً مخالفاً لكفار قريش؟ فإنهم نسبوه إلى الجنون لما كانوا في شق وجانب والناس في شق وجانب آخر، ولكن من وطن نفسه على ذلك، إذاً القضية فيها صبر أيها الأحبة، تحتاج إلى هو الصبر الحقيقي الذي تبذل فيه المهج والأرواح. ولكن من وطن نفسه على ذلك فإنه يحتاج إلى ماذا؟ إلى علم راسخ، يعني الإنسان الجاهل الذي لا يعرف دين النبي صلى الله عليه وسلم، حتى لو أراد مسلكاً في طريق الدعوة لجهله، سيوقعه جهله في المهالك، فابتداء الطريق وبداية سلوك الدعوة إلى الله تحتاج إلى ماذا؟ إلى أن يحصن الإنسان نفسه بالعلم، حتى يعرف متى يسكت ومتى يتكلم، ومتى يتقدم ومتى يتأخر، ويكون على علم بدين نبيه صلى الله عليه وسلم.

فإنه يحتاج إلى علم راسخ بما جاء به الرسول، يكون يقيناً له لا ريب عنده فيه؛ لأن الإنسان أيها الأحبة الآن، أنت تقرأ الشرعية، تقرأ النصوص فيها الذكر بالجنة والوعد بها لأولياء الله عز وجل، الآن إذا دخل في قلبك شك في صحة هذا النص انتهيت تماماً، إذا دخل في قلبك أدنى أنواع الشك والريب بأن هذا النص قد لا يكون صحيحاً، وهذا الذي سيسعى الشيطان أن يقذفه فيك، انتهت طريق الدعوة؛ أنت لماذا تبذل ولماذا ترضى بدفع ثمن الباهظ في الدنيا والصبر على مشاق الطريق؟ لأنك ترجو الثواب الأخروي، وهذا الثواب أين تقرؤه؟ قرأته في كتاب الله وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فبمجرد دخول الشك فيك في هذا الطريق ستجد نفسك ضائعاً تائهاً، وتحاول الرجوع وتنازع حتى أخرج من هذا الموج من هذه الظلمة. يكون يقيناً له لا ريب فيه، وإلى صبر تام على معاداة من عاداه ولو من لامه، ولا يتم له ذلك إلا برغبة قوية في الله والدار الآخرة، بحيث تكون الآخرة أحب إليه من الدنيا وآثر عنده منها، ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.

وليس شيء أصعب على الإنسان من ذلك في مبادئ الأمر؛ فإن نفسه وهواه وطبعه وشيطانه وإخوانه ومعاشريه من ذلك الجانب يدعونه إلى العاجل، كل الناس، كل وسائل الإعلام، كل من حولك يريد أن يأخذ بقدمك ويدك إلى الجانب الذي هم فيه، فإذا خالفهم تصدوا لحربه، فإن صبر وثبت جاءه العون ممن؟ من الله سبحانه وتعالى، وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا. وصار ذلك الصعب سهلاً، وذلك الألم لذة، فإن الرب شكور. فلا بد، انتبه إلى هذه العبارة: فلا بد أن يذيقه لذة تحيزه إلى الله وإلى رسوله، ويريه كرامة ذلك. نعم الله عز وجل يبتليه ويوقعك في البلاء حتى ينظر ويمحص: هل دخولك في هذا الطريق دعوة إلى الله عز وجل على علم ودراية وعلى صبر وطلب لله عز وجل، أم كان هذا الدخول متزعزعاً متقلباً؟ وجدت إنساناً قال شيئاً دخلت معه ثم عندما بان لك البلاء في هذا الطريق رفعت يدك. إذاً لا بد من البلاء، لكن إذا رأى الله منك صبراً ينقلب هذا البلاء لذةً وأنساً بالله سبحانه وتعالى، تصبح تتلذذ بالبلاء، تتلذذ بالبلاء بمعنى هذا المفهوم، يشعر الإنسان أنسه بالله.

لذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى ماذا كان يقول؟ يقول: أنا جنتي في صدري، إذا قتلوني فقتلي شهادة، وإذا نفوني فنفي سياحة، وإذا سجنوني فسجني خلوة، إذاً هو ينظر إلى البلاء على أنه لذة، لماذا؟ لأننا نحسبهم، والله حسيبهم، هؤلاء الأئمة ثبتوا على لأواء الطريق، ثبتوا على الصبر وعلى الدعوة إلى الله عز وجل.

فأدالهم الله عز وجل الإمامة في الدين، والإمامة في الدين لا تنال إلا بماذا؟ بالصبر واليقين، كما ذكر أهل العلم. إذاً لا بد أن يذيق تحيزه إلى الله وإلى رسوله، ويريَه كرامة ذلك، فيشتد به سروره وغبطته، ويبتهج به قلبه، ويظفر بقوته وفرحه وسروره، ويبقى من كان محاربًا له على ذلك بين هائب له ومسالم. الآن إذا رزقك الله اللذة، يصبح كل من يخاصمك في طريق الدعوة إلى الله ما بين مسالم لك يقول لك خلاص الشيخ يفعل ما تريد، وما بين مساعد وتارك، ويقوى جنده ويضعف جند العدو. ولا تستصعب مخالفة الناس والتحيز إلى الله ورسوله ولو كنت وحدك، فإن الله معك وأنت بعينه وكلاءته وحفظه لك.

وإنما فقط اهتم بهذه الجملة، ما الذي يريده الله؟ لذلك كما قلنا قال السكندري: إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه. حاول أن تفهم لماذا يقع بك البلاء وأنت في طريق الدعوة إلى الله؟ قال: وإنما امتحن يقينك وصبرك. القاعدة اليقينية التي ينبغي أن نؤمن بها، وبقدر إيماننا بها بقدر ما يكون هناك نفس في الدعوة ونفس في العطاء والبذل لله عز وجل، وبقدر ما يكون إيماننا ونشعر بأن البلاء يقع علينا بأن الله عز وجل يريد أن يسخطنا أو يريد أن يحل علينا غضبه، إذا كنا نتعامل بهذا النفس ونتسخط على أقدار الله عز وجل في طريق الدعوة، إذاً سنخسر كل شيء ولن نؤدي هذه الرسالة.

لذلك الأنبياء والرسل هم أكثر الناس صبرًا، لماذا اختار الله هؤلاء الأنبياء؟ لأن الله عز وجل امتحن قلوب عباده فرأى أن قلوب الأنبياء هي أكثر القلوب تهيئة لتسلك هذا الطريق، مهيؤون للصبر ولتحمل اللأواء، هذه النفوس مهيأة، والدعوة إلى الله عز وجل في الأنبياء تحتاج إلى هذه الخصلة، وكذلك في كل من يرث ميراث الأنبياء يحتاج إلى أن يتحلى بهذه الخصلة. لذلك قال المحاسبي -يعني نقرأ نصه سريعًا- قال: واصبر على ما أصابك واعلم أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإن قطع الرأس ذهب الجسد كله. ما معنى هذا الكلام؟ يقول: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، إذا ذهب الرأس ما عاد قيمة للجسد، كذلك الصبر من الإيمان إذا ذهب الصبر لم يعد هناك قيمة لإيمان الإنسان، لأن الصبر هو الذي يوصلك إلى الله عز وجل.

فإن سمعت كلمة تغضبك -ويتكلم الآن عن الدعوة إلى الله- المحاسبي يتكلم: أنت في دعوتك إلى الله ستسمع كلمة تغضبك، وأنت في سلوكك على طريق المسترشدين ستسمع من يستهزأ بك، من يقول إنك متخلف رجعي سيء الاختيار، كما ذكر ابن القيم. قال: فإن سمعت كلمة تغضبك في عرضك فاعف واصفح إن ذلك من عزم الأمور، وهذه هي وصية لقمان الحكيم لمن؟ لابنه: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.

ونختم بالكلام عن الخصلة الأخيرة سريعًا، وهي قول: ولا يستحيي الذي لا يعلم أن يسأل حتى يعلم، ولا يستحي من يسأل عما لا يعلم، أو أن يقول لا أعلم. وهذا أيها الأحبة كذلك أصل عظيم من أصول السالكين؛ أن الإنسان إذا سلك هذا الطريق وازداد معرفة ازداد علمًا بجهله وازداد علمًا بقصوره. لذلك العلماء هم أكثر الناس سكوتاً في المواقف، والجهال هم أكثر الناس كلاماً فيها؛ لأن العالم لشدة علمه أو لسعة علمه يعرف أن هناك مسائل لم يصل إليها علم، وأن هذه المسائل تحتاج إلى تدقيق وتوقف، أما الجاهل لأنه لا يعرف الشريعة ولا يعرف كيف تُبنى تجده يتكلم في كل مسألة، لا تُفتح مسألة من المسائل إلا ما شاء الله يدلي بدلوه.

لذلك من أصول المسترشدين أن تلزم نفسك بالقصور والجهل، ولا تتكلم إلا بما أحطت به خبرًا. لذلك يقول السكندري رحمه الله تعالى: من رأيته مجيبًا عن كل ما سُئل، وذاكرًا كلما علم، ومعبرًا عن كل ما ورد، فاستدل بذلك على وجود جهله. أي إنسان يتكلم أو يفتي في كل مسألة وأي شيء يخطر على باله يتكلم به، استدل بذلك على وجوده هذا إنسان جاهل، لا يمكن إنسان عاقل أن يفتي في كل المسائل ولا يتكلم في جميع أمور الدين. والإنسان أيها الأحبة إنما يأنف عن السؤال عما يجهل ويأنف أن يقول لا أدري والله أعلم مثلًا فيما يجهل إذا سُئل واستُفتي؛ لماذا؟ لقلة دينه ورقته. لذلك الإمام المناوي رحمه الله تعالى يقول: وإنما يأنف من ذلك -أي من أن يقول لا أدري ولا أعلم فيما جهل علمه- من ضعفت ديانته وقلت معرفته؛ لأنه يخاف من سقوطه من أعين الحاضرين. ما الذي يمنعك أن تقول لا أدري فيما جهلت؟ أنك كل الناس تقول فلان لا يدري والله عيب، هل يعقل لا أدري؟ أدلِ بدلوك، تكلم، ما حدا محاسب، الكلام ببلاش الأيام هذي، ما حدا محاسب.

آه الآن هذا يدل على ماذا؟ يقول المناوي: يدل على رقة في الدين؛ لأن الإنسان الذي يحسب وقوفه بين يدي الله عز وجل يعلم أنه يوقع عن الله عز وجل. لذلك من أعظم الأمور قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. هذه من أعظم الأمور كما ذكر أهل العلم، لماذا نص الله عليها في كتابه؟ قالوا: هذه من أكبر الكبائر أن يقول الإنسان عن الله بما لا يعلم؛ فمن أفتى في دين الله أو تكلم أو خاض في دين الله بما لا يعلم فهو داخل في هذا التهديد والوعيد وفي هذه الكبائر الخمس.

لذلك هذه ظاهرة أيها الأحبة في وقتنا المعاصر ينبغي على الإنسان أن يتحرز، يعني ألا يظهر التعالم فيما لا يعلم، فيكون كَلابس ثوب زور، المتشبه بما لم يُعطَ كلابس ثوب زور. إذا عرفت شيئًا تكلم به وأفد الناس، وإذا لم تعرف شيئًا لا تخض فيه حتى لا يُحسب عليك عند الله عز وجل فتكون من الخاسرين. لذلك عندما تنظر إلى السلف الصحابة، هل هناك أعلم من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم؟ أبو بكر الصديق يُسأل عن آية فيقول: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله بما لا أدري أو بما لا أعلم؟ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه يقول: وما أبردها على القلب إذا سُئل أحدكم فيما لا يعلم أن يقول الله أعلم، وإن العالم من عرف أن ما يعلم فيما لا يعلم قليل. هذا هو العالم؛ الذي يعرف أن دائرة الجهل عنده أوسع بكثير من دائرة العلم، ويقول ابن عباس: إذا ترك العالم قول لا أدري أُصيبت مقاتله.

لذلك نختم بكلمة للجاحظ رحمه الله تعالى -طبعًا الجاحظ كان معتزليًا، والجاحظ عند أهل العلم يعني غير مرغوب كثيرًا لأنه كان عنده بعض الشطحات في بعض قضايا الاعتقاد، لكن له من الفوائد الكثيرة، ونسأل الله أن يكون تاب مما كان عليه وأن يتغمده بواسع رحمته- يقول في كتاب البيان والتبيين، ماذا يقول؟ قال: اللهم إنا نعوذ بك -هذا الدعاء دعاه وأنا أختم به ندعو به-: اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن، يتكلف الإنسان شيء يقوله أو يعمله وهو لا يحسنه، ليس من أهله، يتكلف الإفتاء وهو ليس من أهله، يتكلف الخوض في قضايا الأمة وهو ليس من أهلها، فنعوذ بك من فتنة العمل ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن، كما نعوذ بك من العجب بما نحسن، وهذا أمر خطير.

الإنسان كما يتعوذ من هذا، يتعوذ من ماذا؟ يتعوذ من هذا؛ لأن هناك من إذا عرف معلومة أو عرف شيئًا أو أُتي شيئًا من العلم طار به فرحًا، وأعجب بنفسه وظن أن هذا قائل: ما أوتيته من علم عندي، فإذا ما سألته قال: دعاء، بعد ذلك إذا آتاه الله عز وجل من العلم قال: إنما أوتيته على علم. ماذا قال تعالى؟ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ. هذا الإنسان إذا مباشرة رأيت رجل يقول هذا أوتيته بجهدي وبتعلمي وبدراستي وبتحصيلي، ويعيد المنة إلى نفسه، الله عز وجل أخبرنا عن حاله، قال: هذا هو المفتون من قال إنما هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون، ونعوذ بك من شر السلاطة والهذر كما نعوذ بك من شر العِيّ والحصر. آمين آمين، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.