تسجيل الدخول

شرح كتاب رسالة المسترشدين 6

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد من مدارس رسالة المسترشدين لكل من يطلب سبيل الرشاد إلى رب العالمين للإمام الحارث بن المحاسبي رحمه الله تعالى، وموعدنا اليوم مع منازل جديدة من منازل هذا الطريق الذي نسلكه إلى الله سبحانه وتعالى.

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعيننا على رعايته بعد درايته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. يقول الإمام الحارث بن المحاسبي رحمه الله تعالى: وراعِ همك، واشتغل بإصلاح نفسك عن عيب غيرك، فإنه كان يقال: كفى بالمرء أن يستبين له من الناس ما يخفى عليه من نفسه، أو يمقت الناس فيما يأتي مثله، أو يؤذي جليسه، أو يقول في الناس ما لا يعنيه. واستعمل لله عقلك بترك التدبير، واستعن بالله على صرف المقادير.

قال علي رضي الله عنه: يا ابن آدم، لا تفرح بالغنى، ولا تقنط بالفقر، ولا تحزن بالبلاء، ولا تفرح بالرخاء، فإن الذهب يجرب بالنار، وإن العبد الصالح يجرب بالبلاء، وإنك لا تنال ما تريد إلا بترك ما تشتهي، ولن تبلغ ما تأمل إلا بالصبر على ما تكره. وابذل جهدك لرعاية ما افترض عليك، وارض بما أرادك الله له.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: ارضَ بما قسم الله لك تكن من أغنى الناس، واجتنب ما حرم الله عليك تكن من أورع الناس، وأدِّ ما افترض الله عليك تكن من أعبد الناس، ولا تشكُ من هو أرحم بك إلى من لا يرحمك، واستعن بالله تكن من أهل خاصته.

قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه في وصيته لابنه: أظهر اليأس مما في أيدي الناس فإنه الغنى، وإياك والطمع وطلب الحاجات فإنه الفقر، وإذا صليت فصلِّ صلاة مودع، واعلم أنك لن تجد طعم الإيمان حتى تؤمن بالقدر كله خيره وشره.

بدأ رسالته أو بدأ هذه الفقرة بقوله رحمه الله تعالى: وراعِ همك، وراعِ همك واشتغل تلاحي عيبك عن عيوب الآخرين وعن عيوب غيرك. اعلم أيها الحبيب أن العبد إذا رزقه الله سبحانه وتعالى بصيرة أشغله بمراعاة همومه وما يعود على قلبه بالصلاح في الدنيا وبالآخرة؛ فصاحب البصيرة النافذة هو الذي يرى عيوب نفسه اشتغلوا بإصلاحها فلا تخفى عنه عيوبه، لأن الإنسان إذا أدرك عيوب نفسه عرف بوجودها فاشتغل بإصلاحها. ولكن أكثر الناس للأسف أيها الأحبة منشغلون بعيوب الآخرين عن عيوبهم، يرى القذاة في عين أخيه وينسى الجذعان في عينه.

يقول عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: انتهى عجبي إلى ثلاث، انتهى عجبي إلى ثلاث، قال: المرء يفر من القدر وهو لاقيه، ويرى في عين أخيه القذاة فيعيبها، ويكون في عينه مثل الجذع فلا يعيبه. هذا الفقر أو معنى هذا النص أن الإنسان يرى في عين أخيه عيباً صغيراً عبر عنه بالقذى، يرى في أخيه عيباً صغيراً فيذمه عليه ويجتهد في التثريب عليه، ويكون في عينه جذع كبير، ويكون في عينه جذع وهو لا يراه، لماذا لا يراه؟ لأنه اشتغل بعيب أخيه عن عيب نفسه.

وقال: ويكون في دابته الظفر فيقومها جهده، ويكون في نفسه الظفر فلا يقومها؛ أي يكون فيها التغير والفساد في الدابة فيسعى إلى تقويم دابته، ويكون في نفسه من الفساد الشيء الكثيف لا يسعى إلى تقويمه. لذلك قال سفيان بن الحسين: ذكرت رجلاً عند إياس القاضي إياس القرني رحمه الله تعالى، ذكرت رجلاً عنده بسوء، فقال لي إياس: هل غزوت الروم؟ فقلت لا. طيب. فقال إياس: هل غزوت السند والهند والترك؟ قال: لا. قال: أفَسَلِمَ منك الهند والسند والترك ولم يسلم منك أخوك المسلم؟ قال: فانكففت عن ذكر الناس معايبهم.

لذلك أيها الأحبة يعني كما يقول الشاعر: لسانك لا تذكر به عورة امرئ، فكلك عورات وللناس ألسنُ. والإنسان لا يغفل عن عوراته إلا إذا غفل عن التفتيش عنها، وإنما يغفل الإنسان عن التفتيش عن عيوب نفسه إذا رضي عنها، فالرضا عن النفس هو الذي يسبب غفلة الإنسان عن التفتيش عن عيوبه. لذلك يقول السكندري رحمه الله تعالى: أصل كل معصية وشهوة الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها. فأصل عيوب النفس من المعاصي والشهوات أن يرضى الإنسان عن نفسه؛ إذا رضي الإنسان عن نفسه فإنه يرى كل ما يصدر من هذه النفس مستحسناً ويحاول أن يخبئ جميع العيوب، أما الإنسان الذي ينظر إلى نفسه بعين التقصير ويعلم أن هذه النفس من العورات وأنها مذنبة ومفرطة فإنه ينكب على نفسها في تفتيشها، ينظر ويحاول أن يستخلص العورات الموجودة، يبرزها لنفسه ليسعى بعد ذلك في علاجها.

إذاً أصل الرضا عن النفس هو أصل للمعاصي والشهوات، وأصل عدم الرضا عن النفس هو أصل الآية: انتقاد النفس ولبيان عوراتها. لذلك أيها الأحبة يعني يأتي سؤال عملي: كيف أكتشف العيوب في نفسي؟ هذا السؤال الذي نريد أن نجاوبه في هذه الفقرة، كيف أكتشف العيوب في نفسي؟ علماء السلوك رحمهم الله تعالى كرروا طرقاً يكتشف بها الإنسان ويستخلص بها الإنسان العيوب المركوزة في النفس.

الطريقة الأولى وهي أسمى الطرق: أن يذهب الإنسان إلى من هو بصير بآفات النفوس، بصير بمداخل الشيطان إلى القلوب، يحكمه في نفسه، يطرح عليه الخلجات والخواطر القلبية التي يفكر بها ويعرضها عليه، فيقوم هذا المعلم البصير بتشخيص هذا المرض وبتقديم العلاج المناسب لهذا المريض. الإنسان أيها الأحبة إذا أصابه آفة في البدن أين يذهب؟ ألا يذهب إلى أطباء الدنيا؟ فيذكر لهم الأعراض التي تعرض على بدنه فيأتي هذا الطبيب يبين له هذا المرض ويشخص له المرض ويعطيه العلاج المناسب، أفليست قلوبنا بأحق من أن نعرضها على أطبائها؟ هناك دعاة ومعلمون اهتموا بأعمال القلوب واهتموا بإدراك مداخل الشيطان وآفات النفوس، فهؤلاء يقصدهم الإنسان إذا وجد في نفسه خلجات ووجد خواطر يخشى أن تكون عيبة، يقصدهم إذا وجد في تصرفاته عيباً لا يستطيع أن ينفك عنه، لعلهم يقدمون له الدواء الناجح في هذه الحالة.

وهذا كان دأب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كان أحدهم إذا شعر بعيب، إذا شعر بخطرات يخشى أن تكون مخالفة لمراد الله سبحانه وتعالى، إذا توهم أن شيئاً أو أن تصرفاً من تصرفاته فيه نقص، يذهب مباشرة إلى المربي المعلم صلى الله عليه وسلم يعرض عليه حاله، والنبي صلى الله عليه وسلم الرؤوف الرحيم كما قال الله سبحانه وتعالى بالمؤمنين رؤوف رحيم، يقدم لهم العلاج لهذه الأمراض القلبية التي يعانونها.

فهذا حنظلة رضي الله تعالى عنه يلقى أبا بكر الصديق في الطريق، فيقول له أبو بكر الصديق: كيف يا حنظلة؟ أي كيف حالك يا حنظلة؟ فيقول له: نافق حنظلة، يقول لأبي بكر الصديق: نافق حنظلة، فيقول أبو بكر: سبحان الله، ما تقول؟ ما هذا الذي تقول؟ تتهم نفسك؟ فيقول له حنظلة: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا الجنة والنار كأن رأي العين، فإذا ذهبنا إلى الأزواج والذرية والضيعات نسينا كثيراً؛ يعني نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة ويعظنا ويخوفنا من النار فنكأننا نراها رأي العين أمامنا، ثم إذا عدنا إلى منازلنا عند أزواجنا وذرياتنا وإلى مشاغلنا في الضيعات نسينا كثيراً.

فقال أبو بكر الصديق: والله إني لأجد مثل ذلك، فانطلقت -يقول حنظلة- فانطلقت أنا وأبو بكر الصديق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فدخلنا عليه فقلت: يا رسول الله نافق حنظلة، يا رسول الله نافق حنظلة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟ ما الذي حدث؟ فقال: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالجنة والنار كأن رأي العين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً.

فقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده -انظروا هنا الطبيب كيف يقدم لهم ويبين لهم أن ما وقعتم فيه ليس من قبيل العيوب لأن هذا أمر جبلت عليه النفس البشرية أنها ساعة وساعة- فقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو تدومون كما عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة. أنا يعني أنا أريد أن أرسخ المنهج الذي كان يعيشه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ما الهم الذي كانوا يحيون به؟ الإنسان منهم لا يراقب تجاراته الدنيوية فقط، لا يراقب أعماله في هذه الحياة وينسى قلبه وينسى عيوبه ولا يفتش عنها، انظر إلى هم حنظلة، همه هل نافق حنظلة؟ يذهب إلى المعلم وإلى الطبيب صلى الله عليه وسلم يبين له حالته، هل هي فعلاً حالة صحيحة تحتاج إلى علاج؟ أم هو ليس بعيب ولكنه توهمه عيباً.

لذلك أيها الأحبة يقولون إن كثيراً يعني آفات النفس التي تمر بالإنسان كثيرة جداً، على الإنسان أن يحاول ويذهب في معالجتها قبل أن تتفشى في الإنسان ولا يستطيع بعد ذلك الخروج منها، لذلك أغلب الناس إذا حاولوا أن يعالجوا هذه القضايا بأنفسهم ربما وقعوا في النقيض، يعني تجد إنساناً يريد أن يعالج آفة في قلبه فلا يذهب إلى معلم يسترشده وإنما يحاول أن يعالجها بنفسه، فيقع في أثناء المعالجة في خطأ أكبر. لذلك عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه أراد أن ينقطع للعبادة، فأراد أن يخصي نفسه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم هذا وبين له أنه ليس هذا هو المسلك الذي يرضاه الله سبحانه وتعالى.

كذلك أيها الأحبة عبد الله بن عمرو بن العاص كان يختم القرآن في كل ليلة وكان يقوم الليل حتى يصبح وكان يصوم النهار، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاته ونصحه وأرشده إلى ما يصلحه، وأخبره أن لنفسك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً، ولعينك عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً، ولزورك عليك حق الزائر، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم المنهج الذي ينبغي أن يقود به نفسه في هذه الحياة، لذلك ابن عمرو لما كبر في السن أجهدته العبادة، أصر على البقاء على العبادة الشديدة، فلما كبر في السن أجهدته العبادة فلم يستطع أن يقوم بها فكان يقول: ليتني أخذت بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لأن منهج محمد صلى الله عليه وسلم هو المنهج الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، فمن سلكه واعتمده في حياته رزقه الله عز وجل الوصول إليه، وأما من فرط أو كان عنده غلو وإفراط فيه فهذا الرجل سيضيع في بنيات الطريق. إذاً هذا هو المنهج الأول وهذا أفضل السبل لأن يبين للإنسان عيوب نفسه.

المنهج الثاني أيها الأحبة هو الطريق الثاني الذي ينبغي عليه أن يسلكه إذا لم يتأتَّ له المسلك الأول: أن يذهب إلى صديق صدوق ناصح، هذا الصديق الناصح أيها الأحبة يوقفه على أعماله وعلى أقواله، يقول له: إذا رأيت من تصرفاتي ما يعجبك أخبرني أن هذا تصرف جيد، وإذا رأيت من تصرفاتي ما يشين وما يعيب أمام الناس فبصرني بعيوب نفسي، وهذا كان أيضاً دأب السلف رحمهم الله تعالى، فعمر بن الخطاب يقول: رحم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي، رضي الله تعالى عنه عمر بن الخطاب لقي سلمان فقال له: يا سلمان ما الذي بلغك عني؟ لقي سلمان الفارسي فقال له: يا سلمان ما الذي بلغك عني؟ فقال له سلمان: أعفني، يعني لا أريد الجواب، لا يريد أن يتكلم أمير المؤمنين في عيوبه، هذا أمير المؤمنين! فعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أصر أن يبين له عيوبه.

فقال له سلمان: انظروا ما العيب الذي وجده سلمان على عمر بن الخطاب؟ أو ما الذي كانوا يعدونه عيباً؟ يقول له: يعني بلغني أنك جمعت بين إدامين، كنت تأكل إيداماً واحداً فقط، بلغني أنك جمعت بين إيدامين مثلاً، كان يأكل زيت وحده جمع معه شيئاً آخر، بلغني أنك جمعت بين إدامين يعني طعام مع طعام آخر، وبلغني أن لك حلتين، وبلغني أن لك حلتين، حلة تلبسها في النهار وحلة تلبسها في الليل، يعني عندك ثوب زيادة عن الحاجة، فعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: أما هذان فقد كفيتهما، خلاص. إذاً هذا هو العيب أن يكفيك إياه، انظروا كيف كانوا رحمهم الله تعالى يحيون في حياتهم وما الذي كانوا يعدونه عيباً. لذلك يقولون: كل من كان أعقل وأعلى منصباً كان أقل إعجاباً وأعظم اتهاماً لنفسه.

لكن في الحقيقة أيها الأحبة، أين الصديق الذي يبين للإنسان عيوب نفسه؟ أكثر الأصدقاء في هذا الزمن إما صديق مداهن يخشى أن يبين لك عيوب نفسك حتى لا تهجره، وإما حسود يخبرك بما ليس فيك، وإما حسود يخبرك بما ليس فيك؛ هذان هما الأصدقاء، هذا في جانب الصداقة، أما في جانبنا وفي أنفسنا إذا أدنى صديقاً يبين لنا عيوبنا فإننا نهجره، فإننا سرعان ما نهجره ونقول فلان مباشرة نتهمه بأنه حاسد أو حاقد أو عنده شيء يريده أو هناك شيء في القلب.

لذلك أيها الأحبة، في الحقيقة لو أن إنساناً أخبرك أن تحت ثيابك عقارب تريد أن تلدغك، وهناك حيات تحت هذه الثياب ستصل إليك، الإنسان العاقل أيها الأحبة هل ينشغل بإزالة هذه العقارب وهذه الحيات التي تسعى لأن تنال من هذا الشخص، أم يشتغل بالشخص الذي نصحه وبين له وجود هذه العقارب؟ فيقول له: وأنت كذلك فيك كيت وكيت وكيت، وفيك عقارب.

إذا اشتغل بالآخرين وغفل عن هذه العقارب ستلدغه هذه العقارب وينتهي. فهذا إنسان جاهل. الإنسان العاقل أيها الأحبة إذا عرف بوجود عيب في نفسه، حتى لو كان من صديقه، وحتى ولو كان من عدوه كما سيأتي معنا، فإنه ينشغل بإزالة هذه العقارب حتى لا تصل إليه.

لذلك يقولون: الإنسان الذي يشتغل بعيوب الآخرين هذا عنده قسوة قلب، سببها كثرة المعاصي وهي أمارة على ضعف الإيمان. الذي يشتغل بعيوب الآخرين ما السبب أن الإنسان لا يحب أن يبحث عن عيوبه ويحب أن يبحث عن عيوب الآخرين؟ النتيجة لا يصل إليها الإنسان إلا إذا قسا قلبه، وقسوة القلب سببها كثرة الذنوب، وذلك ينبئ عن ضعف الإيمان. نسأل الله السلامة والعافية. إذاً هذا هو الطريق الثاني الذي تكتشف به عيوب نفسك: أن توقف صديقاً يبين لك هذه العيوب.

الآن إذا لم تجد هذا الصديق، فلك طريق، وهو أن تنظر في كلام أعدائك. الإنسان في هذه الدنيا له خصوم، وخصومه يسعون لالتقاط أي عيب من عيوبه ليشهروا به. الإنسان الموفق أيها الأحبة لا ينشغل بالنظر إلى أن هؤلاء خصوم ويريدون أن يعيبوني، لا، ينظر إلى الجانب المشرق كما يقولون، فعلاً قد يكون الذي ذكروه عيباً موجوداً، فينبغي عليَّ أن أشتغل بإصلاح نفسي. طبعاً هذه المرتبة لا يصلها إلا أصحاب المقامات العالية؛ لأن الإنسان جُبل على محبة المداهن وعلى بغض العدو، فأن يتقبل الإنسان من عدوه هذا أمر ربما يكون فيه نوع صعوبة، ولكنه لا يوفق إليه إلا من وفقه الله سبحانه وتعالى. وقد ينتفع الإنسان في الحقيقة من عدوه أكثر من انتفاعه من صديقه. يعني أيهما أفضل؟ عدو يبين لك العيوب أم صديق يداهنك؟ في الحقيقة الأفضل والأصلح في الآخرة عدو يبين لك عيوب نفسك، هذا أفضل من صديق يداهنك عن العيوب حتى تتفشى في جسدك.

إذاً هذا هو المسلك الثالث. المسلك الرابع والأخير لبيان عيوب النفس أيها الأحبة هو أن ينظر في مجتمعه، أن ينظر الإنسان في المجتمع، فينظر في الأخلاق المذمومة عند الناس، ما الذي يبغضه الناس ويكرهونه وينصرفون عن صاحبه فيراه أمراً مذموماً فيبتعد عنه، وما يراه عند الناس مقبولاً ومحبوباً ومرغوباً فإنه يقبل عليه. فهذه هي الطرق التي يمكن للإنسان أن يتخلص منها من العيوب. أفضل الطرق وأكملها هو أن يتخذ معلماً كما قلنا عارفاً بأعمال القلوب وعارفاً بالخبايا والآفات. إن لم يجده ينطلق إلى صديق نصوح صادق يبين له عيوب نفسه. إذا فقده ينظر في كلام خصومه وعدوه، ثم بعد ذلك نهاية المطاف أن ينظر في المجتمع، فما وجده مقبولاً ومحبوباً رغب فيه، وما وجده مذموماً انصرف عنه. إذاً هذه هي العيوب أو هذه منزلة العيوب التي يتكلم عنها الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى.

ثم بعد ذلك انتقل إلى أمر آخر مهم للسالكين، فقال رحمه الله: واستعمل عقلك بترك التدبير، واستعن بالله على صرف المقادير. يتكلم رحمه الله تعالى الحارث المحاسبي في هذه الفقرة أن الإنسان العاقل الذي يستعمل عقله حق الاستعمال هو الإنسان الذي يسلم ويفوض تدبير شؤون حياته ومصالحه إلى الله سبحانه وتعالى، ويستعين بالخالق عز وجل مولاه على تدبير هذه الأمور وعلى جلب المقادير الخيرة وعلى صرف المقادير السيئة. ولكن منزلة التفويض والتسليم لله سبحانه وتعالى، أو ما يسميه الحارث المحاسبي ترك التدبير، يعني التفويض المطلق لله سبحانه وتعالى يشترط معه شرط مهم، ما هو؟ أن يبذل الإنسان الأسباب الشرعية. يعني هل يعقل للإنسان أن يترك التدبير مطلقاً؟ بمعنى أنه لا يأخذ بالأسباب التي خلقها الله سبحانه وتعالى، فلا يسعى في رزقه، ولا يتداوى عند الأطباء، ولا يأخذ بطلب العلم وما شابه ذلك، يظن أن كل هذه الأمور ستأتيه وحدها، هذا لا يعقل.

لذلك فقوله رحمه الله تعالى: واستعمل عقلك بترك التدبير، نقول: ترك التدبير هذه المرتبة أيها الأحبة إنما تكون بعد الأخذ بالأسباب الشرعية التي أوجدها الله سبحانه وتعالى؛ لأن الناس في هذه الحياة الدنيا على ثلاثة أصناف أو الفرق التي خرجت في الإسلام على ثلاثة أصناف. فرقة أيها الأحبة تركت الأسباب مطلقاً، فرقة هناك فرق تترك الأسباب مطلقاً وتفوض أو ما تسميه التفويض المطلق لله سبحانه وتعالى وهو في الحقيقة العجز. يسمون العجز تفويضاً لله عز وجل، التواكل توكلاً، وهو في الحقيقة عجز وتواكل بترك الأسباب كلياً والاعتماد على الله سبحانه وتعالى، وهذا سلكه غلاة الصوفية المتأخرين، عندما من يقرأ كتب هذه الطائفة تجدهم يسلمون مطلقاً للأقدار ولا ينازعونها.

الآن سنتكلم بعد قليل أن الأقدار سائر على نوعين: هناك أقدار ينبغي للإنسان أن ينازعها، مثلاً فالجوع قدر، ينبغي للإنسان أن ينازعه بماذا؟ بتناول الطعام، كذلك العطش، كذلك الشهوة ينبغي للإنسان أن ينازعها بالنكاح، وعلى ذلك فقس. قلنا هناك طائفة من غلاة المتأخرين من الصوفية يفهمون التفويض وترك التدبير على معناه السلبي، أن الإنسان يترك جميع التحكمات، إذا حل به قدر فإنه يستسلم له استسلاماً كلياً من دون الأخذ بالأسباب، حتى وصل الحال في بعضهم أنه قال: يجب علينا ألا ندعو الله سبحانه وتعالى إذا حل بنا شر أن يدفعه؛ لماذا؟ لأن هذا الشر هذا قدر من الله، فلا ننازع الله عز وجل فيه. بل شيخ الإسلام ابن تيمية يقول لما حل التتار ببلاد الإسلام وفي بلاد العراق والشام، كان هناك طائفة من هؤلاء المتصوفة يقولون: التتار هؤلاء قدر من الله سبحانه وتعالى، يجب علينا ألا ندافعهم، حتى ولو هتكوا الأعراض وسفكوا الدماء. انظروا إلى هذه النظرة السلبية في التعامل مع القضاء والقدر وأثرها على دمار المجتمعات. هل يعقل في الإنسان أن يترك الأقدار التي يستطيع أن يدافعها ولا يبذل الأسباب في مدافعتها؟ هذا لا يقوله عاقل.

إذاً هذا المنهج كما قلنا منهج مخالف لما يرضاه الله سبحانه وتعالى، ولما يرضاه نبيه صلى الله عليه وسلم، ولما سلكه أئمة السلف وعلماء التزكية الذين كانوا على المنهج الصحيح. هناك نظرة أخرى مقابلة، النظرة الأولى هناك من يترك الأسباب تماماً ويقول ويدعي أنه يفوض أمره لله تفويضاً كلياً، وفي الحقيقة توكله تواكل وتسليمه عجز ولا يسمى استسلاماً لله سبحانه وتعالى بالمعنى الصحيح الشرعي. النوع الثاني أيها الأحبة وهم أغلب الناس، هم الذين يعتمدون على الأسباب اعتماداً كلياً، فتجدهم غافلين عن الله سبحانه وتعالى. فإذا نظرت في أحوالهم في السعي في الرزق، رأيتهم يظنون أن أعمالهم هي التي بذاتها تجلب لهم الأرزاق. إذا رأيتهم في حال مرض، تجدهم ينظرون إلى أن الطبيب أو أن الدواء هو بذاته، وإن لم يصرح بهذا الكلام، من ينظر في تصرفه وفي جزعه وفي وزعه يعلم أن هذا الرجل يثق بالدواء وبالطبيب أكثر من ثقته بالله سبحانه وتعالى.

إذاً فالطائفة الثانية طائفة اعتمدت على الأسباب الأرضية اعتماداً كلياً وتركت الاعتماد على الله سبحانه وتعالى أو تناست ذلك أو أغفلته. لذلك أيها الأحبة هذه الطائفة أيضاً مذمومة، وكما قلنا أغلب الناس هم من هذه الطائفة، عندما تنظر في أحوالهم في معاشهم وعندما ينهمكون في المعاملات المحرمة تعلم أنهم يشعرون أن هذه المعاملات هي مصدر الرزق، وكأنهم يرزقون أنفسهم بأنفسهم، وغفلوا عن قول الله سبحانه وتعالى: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ. إذا استيقظوا في الحسابات المالية، إذا ناموا في الحسابات المالية، إذا صلوا تجدهم في الحسابات المالية، وبعد الصلاة تخرج الحسابات جاهزة. الآن هذا الإنسان، هل هذا فعلاً يعني عنده اعتماد على الله سبحانه وتعالى؟ الإنسان الذي يفكر في الأسباب الأرضية بحيث تشغله في أغلب وقته عليه أن يراجع نفسه. هذا الإنسان عليه أن يراجع نفسه؛ إذا وجد نفسه في الصلاة لا يستحضر الوقوف بين يدي الله بسبب تجارتهم وأمواله عليه أن يراجع نفسه، إذا وجد نفسه وهو يذهب ويأتي دائم التفكير بالمال عليه أن يراجع نفسه. هل فعلاً أنا أعتمد على الله سبحانه وتعالى؟ هل عندي تفويض حقيقي لله عز وجل؟ كذلك هذا ليس فقط في جانب المعاش، كذلك إذا نزل بالإنسان مرض، هل الإنسان إذا مرض يقبل على الله عز وجل يسجد بين يديه يدعوه أن يرفع عنه هذا المرض، أم يقبل مباشرة على الدواء أو يقبل على الطبيب يطلب منه أن يحل هذا الإشكال تجده فزعاً جزعاً؟ كذلك الإنسان مثلاً إذا حل به بلاء وتسلط عليه ظالم، هل تجده مباشرة يبحث عمن يستشفع له ويرفع عنه هذا الظلم، أم تجده فعلاً في الحقيقة يلتجئ ويطرق باب الرجاء لله سبحانه وتعالى قبل أن يلتفت إلى الأسباب الأرضية؟ هذا هو محك النظر.

إذاً الطائفة الثانية أيها الأحبة كما قلنا طائفة اعتمدت على الأسباب الأرضية اعتماداً كلياً وأغفلت التسليم لله عز وجل والتفويض إليه، فإنشغالهم بتدبير شؤون حياتهم أوقعهم في التقصير في حق الله سبحانه وتعالى. لذلك ابن عطاء الله السكندري يقول: اجتهادك فيما ضُمِن لك، وتقصيرك فيما طُلِب منك، دليل على انطماس البصيرة عنك. يعني الإنسان الذي يجتهد اجتهاداً في الأشياء التي ضمنها الله عز وجل له، فالرزق في النهاية مكتوب، والسعادة في الحياة الدنيا مكتوب لك فيها نصيب محدد، وكذلك البلاء مكتوب لك فيه نصيب محدد، فالذي يجتهد في الأشياء التي ضُمِنت له بحيث يخرجه ذلك الاجتهاد ويجعله مقصراً في حق الله عز وجل وفي أداء العبادات المفروضة، هذا إنسان مطموس البصيرة. لماذا؟ لأنه لو نظر بعين قلبه لرأى الله سبحانه وتعالى هو المدبر، وهو الباسط، وهو المعطي، وهو المانع، وهو الخافض، وهو الرافع. عين القلب هي التي تري الإنسان عظمة الله عز وجل، التدبير المطلق لله في هذا الكون، وأن كل شيء في هذه الحياة مهما بذل الإنسان من الأسباب للوصول إليه إذا لم يكن هناك توفيق من الله سبحانه وتعالى وإذا لم يكن هناك إرادة إلهية فإن هذه الأسباب لن تؤتي أكلها؛ لأن من الذي خلق الأسباب؟ الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يستطيع أن يسلبها في لحظة ويجعلها غير مؤثرة.

فالإنسان، يعني المنهج الثالث أو المسلك الثالث ندخل إليه، هم أهل السنة والجماعة وأصحاب السلوك الشرعي الذين أخذوا الأمور بالمرتبة الوسط. فلا هم فوضوا لله التفويض السلبي بمعنى التعاجز وبمعنى الكسل وبمعنى ترك الأخذ بالأسباب، ولا هم كذلك في نفس الوقت اعتمدوا على الأسباب اعتماداً كلياً مغفلين النظر عن الله سبحانه وتعالى. يعني هنا أيها الأحبة أهل السنة والجماعة لا يلقون أنفسهم في بحور الأقدار من دون منازعة ومن دون مدافعة، بل يركبون السفينة التي تقيهم من الأخطار. فالإنسان لا يلقي نفسه في بحور الأقدار كما يقول الصوفية، يكون كالريشة مع الهواء ويكون كالميت بين يدي مغسله. هذه الكلمات لها معنى سلبي عندهم، وهي أن الإنسان كما قلنا ينبغي أن يكون عنده مع الأقدار استسلام مطلق من دون مدافعة، لا. الإنسان المؤمن أيها الأحبة الذي يسلك الطريق السني عليه أن يركب السفينة في بحر الأقدار، هذه السفينة تقيه بإذن الله من الأخطار التي يمكن أن تحل به، ولكن إذا انكسرت هذه السفينة ووقع في البحر، في النهاية هذا قدر الله سبحانه وتعالى.

لذلك الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى، وهو من أئمة الحنابلة ورجل معروف عند الصوفية له مرتبة عالية عندهم، ولكنه صاحب سلوك شرعي صحيح، يقول رحمه الله تعالى: كثير من الرجال إذا دخلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، وأنا انفتحت لي فيه روزنة فنازعت أقدار الحق. يبين رحمه الله تعالى المنهج الذي ينبغي أن يسلكه المؤمن مع أقدار الله سبحانه وتعالى، يقول: فنازعت أقدار الحق حقاً للحق؛ يعني نازعت أقدار الله سبحانه وتعالى بالحق، أي بالأسباب الحق الشرعية التي أوجدها الله تعالى، للحق، أي ابتغاء لمرضاة الله سبحانه وتعالى. لذلك يكمل رحمه الله فيقول: والولي، يعني الولي لله سبحانه وتعالى، من يكون منازعاً للقدر لا من يكون موافقاً له. غلاة الصوفية يرون أن الولي الحقيقي هو الذي كما قلنا يكون كالريشة في الهواء وكالميت بين يدي مغسله، هذا الإمام السني صاحب السلوك الصحيح يبين له أن هذه الفكرة خاطئة، ليس الولي هو الذي يسلم للأقدار التسليم السلبي، بل الولي هو الذي ينازع الأقدار ويدافع الأقدار بالأقدار ما وجد لذلك سبيلاً، إذا انتهى الأمر وما هناك مجال للمدافعة، نعم في هذه الحالة يسلم لله سبحانه وتعالى.

لذلك يقول ابن تيمية معلقاً على كلام الشيخ عبد القادر: وهذا الذي قاله الشيخ تكلم به على لسان المحمدية، أي على منهج محمد صلى الله عليه وسلم، أي أن المسلم مأمور أن يفعل ما أمره الله به ويدفع ما نهى الله عنه، فيدفع قدر الله بقدر الله كما جاء في الحديث عند الترمذي: قيل يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال صلى الله عليه وسلم: هي من قدر الله. جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، يعني هل الدواء وهل الرقية التي نفعلها ترد أقدار الله عز وجل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هي من أقدار الله. هي نفس الدواء والتداوي والأخذ بالأسباب الشرعية هو من أقدار الله سبحانه وتعالى التي أوجدها. فالولي الحقيقي، المؤمن الحقيقي، يدافع القدر بالقدر. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: ولا تتم مصالح العباد في معاشهم إلا بدفع الأقدار بعضها ببعض. هذه سنة الله سبحانه وتعالى أن مصالح الدنيا لا تتم إلا بأن يدافع الإنسان الأقدار بالأقدار، فالفقر أنت تدافعه بالسعي في الرزق، والجوع تدافعه بالأكل وتناول الطعام، وشهوة النكاح تدفعها عن نفسك بالنكاح، وعلى ذلك.

فقس، قال: فكيف في معادهم؟ يعني كذلك في أمور الآخرة، يعني في الدنيا تدفع الأقدار بالأقدار، وكذلك في أمور المعاد. فالله سبحانه وتعالى أمر أن تدفع السيئة وهي من قدره، الله عز وجل ماذا قال؟ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ. فالسيئة هذا قدر قدره الله عز وجل على العبد، لكن هل يستسلم العبد لها؟ وهل يبقى معها؟ لا، يقول لك السيئة تدفعها بماذا؟ بالحسنة، أمر أن تدفع السيئة وهي من قدره بالحسنة وهي من قدره.

وكذلك الجوع من قدره، وأمر بدفعه بالأكل الذي هو من قدره، ولو استسلم العبد لقدر الجوع مع قدرته على دفعه بقدر الأكل حتى مات، مات عاصياً آثماً. يعني الإنسان الذي يقول أنا أريد أن أستسلم للأقدار وأفوض لله فلا آكل شيئاً والله عز وجل سيشبعني، قال: إذا مات هذا الإنسان مات آثماً؛ لأن هذا الإنسان غير عاقل. الله عز وجل هو الذي خلق الأسباب حتى نوظفها، فترك هذه الأسباب كما سيأتي هو إخلال بالعقل. قال: وكذلك البرد والحر والعطش كلها من أقداره، وأمر بدفعها بأقدار ردها، والدافع والمدفوع والدفع من قدره. قال رحمه الله: فهذا شأن العارفين، وشأن الأقدار لا الاستسلام لها وترك الحركة والحيلة، فإنه عجز، يعني انظر تعبير ابن القيم، يقول: الاستسلام للأقدار التي يمكن للإنسان أن يدافعها ماذا؟ قال: هذا عجز، قال: فإنه عجز والله سبحانه وتعالى يلوم على العجز.

فإذا غلب العبد وضاقت به الحيل ولم يبقَ له مجال، فهنالك الاستسلام للقدر والانطراح كالميت بين يدي المغسل الذي يقوله علماء التصوف. لذلك أيها الأحبة يعني نستطيع أن نستخلص من كلام ابن القيم أن القدر على نوعين: هناك قدر لا يستطيع الإنسان أن يدفعه عن نفسه ولا أن ينازعه، كالمصائب التي يوقعها الله عز وجل بعبيده من فقد حبيب، من حادث في الطريق، من خسارة في تجارة أو ما شابه ذلك. فإذا كانت الأقدار لا يستطيع الإنسان أن يدفعها ولا أن ينازعها مثل هذه المصائب، فإن فرض العبد معها ماذا؟ التسليم المطلق لله سبحانه وتعالى، وهي التي يقول فيها المحاسبي رحمه الله تعالى: وارضَ بما أرادك الله له.

وقال: واعلم أنك لن تجد طعم الإيمان حتى تؤمن بالقدر كله خيره وشره، هو يتكلم إذاً عن هذه المرتبة. فمن رضي بما قسمه الله عز وجل له في هذه الحياة الدنيا، رزقه الله هدوء البال ورزقه الله الطمأنينة في القلب ورزقه الله كذلك الغنى عن كل المخلوقين، فهو يعلم أيها الأحبة أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله، جفت الأقلام ورفعت الصحف.

لذلك هنا يعني قصة يذكرها الحميدي رحمه الله تعالى في جذوة المقتبس يقول: إن الوزير أبا عمر، هذه قصة تدل على أن الإنسان أيها الأحبة يعني الأقدار بيد الله سبحانه وتعالى. فإذا الله عز وجل أراد الله عز وجل أن يصرف عنك قدراً من الأقدار، فإنه سيصرفه ولو اجتمعت كل الأمة على أن يقع بك، ولو أراد الله عز وجل ألا يقع بك لو اجتمعت الأمة بأسرها أن يقع بك فإنه لن يقع. يذكر الحميدي في كتاب جذوة المقتبس أن الوزير أبا عمر أحمد بن سعيد كان جالساً بين يدي الأمير المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر، يعني أحمد بن سعيد كان وزيراً لمن؟ لهذا الأمير الأندلسي أبي عامر. قال: فرفعت إليه، إلى هذا الأمير، رقعة استعطاف لأم لرجل مسجون كان المنصور اعتقله، كان هناك رجل مسجون عند هذا الأمير، فجاءت هذه الأم بورقة تستعطف بها الأمير أن يطلق سراح ابنها، كان المنصور اعتقله حنقاً عليه، يعني كان المنصور هذا حقد على أبي عامر، حقد على هذا الشاب فسجنه استعظمه منه.

فلما قرأها اشتد غضبه لما قرأ هذا الاستعطاف زاد حقده على حنقه على هذا الشاب وقال: ذكرتيني، يعني أنت ذكرتني بالفتاة، أريد أن أكمل عليه. وأخذ القلم وأراد أن يكتب: يسلب. الآن المنصور أراد أن يكتب ماذا؟ أن هذا الفتى يسلب، كان هذه المرأة جاءت تستعطف المنصور حتى يخرج ابنها فأرادت أن تقضي على ابنها بفعل المنصور، فجاء المنصور كما قلنا أبو عامر وكتب على الورقة: يسلب. فبدل أن يكتب يسلب، كتبه الله سبحانه وتعالى: يطلق. الآن رمى الورقة إلى وزيره المذكور الذي كان بجانبه أحمد بن سعيد، أخذ الوزير القلم وتناول الورقة وجعل يكتب بمقتضى التوقيع إلى صاحب الشرطة. الآن الأمير أخذ هذه الورقة، نظر فيها، ماذا كتب فيها؟ يطلق. فكتب إذاً إلى صاحب الشرطة المسؤول عن السجن: أنا فلان الفلاني يطلق، الآن يقول المنصور نظر في هذا الكتاب الذي يكتبه الوزير قال له: ماذا كتبت؟ قلت: كتبت لصاحب الشرطة أن يطلق فلان فلان كما كتبت لي. فغضب شد غضبه، قال: أنا كتبت لك يسلب ولم أكتب لك يطلق. فأراه الورقة، فنظر فيها فوجد فيها يطلق فعلاً.

فأخذ الورقة مرة ثانية وكتب فيها، أراد أن يكتب فيها يصلب، حذف الكلمات يطلق وأراد أن يكتب يصلب. الآن دفع الورقة إلى هذا الوزير، الوزير أخذ الورقة نظر فيها ووجدها يطلق مرة أخرى. فأخذ هذه الورقة وأراد أن يكتب إلى صاحب الشرطة أن فلان الفلاني يطلق، الآن نظر المنصور قال: ماذا كتبت؟ قلت: كتبت له يطلق كما أمرتني. فقال: أنا كتبت لك يطلق، أنا كتبت لك يصلب. فقال له: انظر في الورقة، فأخذ الورقة فنظر فيها فإذا فيها يطلق. أخذ الورقة المرة الثالثة قال: هذه المرة الثالثة والأخيرة. أخذها ونظر حذف كلمة يطلق وكتب يسلب، دفعها إلى الوزير فالوزير نظر في المرة الثالثة فوجدها يطلق، قال له: ماذا وجدت فيها؟ قال: وجدت فيها يطلق. قال: إذاً سيطلق، رغم أنفي أراد الله عز وجل أن يطلقه.

انظروا أيها الأحبة كيف الله عز وجل، هذا الرجل أراد الأمير أن يصلبه وأراد الله سبحانه وتعالى أن يطلقه، فأي الإرادتين نفذت؟ إرادة الله سبحانه وتعالى. لذلك يقول الإمام إبراهيم الحربي رحمه الله: أجمع عقلاء كل أمة أن من لم يجرِ مع القدر لم يهنأ بعيش. هذا كما قلنا كله في النوع الأول من أنواع الأقدار وهي الأقدار التي لا يستطيع الإنسان أن ينازعها ولا أن يدافعها، فليس هناك حيلة للإنسان إلا أن يرضى ويرضى بما قسمه الله عز وجل له وبما أعطاه في هذه الدنيا.

النوع الثاني كما قلنا هي الأقدار التي أوتي العبد قدرة على منازعتها وعلى مدافعتها، فكيف يتصرف العبد معها؟ وكيف يكون موقفه معها؟ كما ذكرنا قبل قليل، فرضه أن يبذل الأسباب الظاهرة ويعتمد على الله سبحانه وتعالى في الأمور الباطنة، هذا فرضه معها: الأخذ بالأسباب الظاهرة والاعتماد على الله سبحانه وتعالى في الباطن، ثم بعد ذلك ما تؤول إليه الأمور فهو يرضى بما قسمه الله سبحانه وتعالى له. لذلك أيها الأحبة من القواعد في باب القضاء والقدر يقولون: ترك الأسباب هذا فيه قدح في العقل. إذا ترك الإنسان الأخذ بالأسباب كما يقول غلاة التصوف هذا فيه قدح في العقل، لأن الإنسان إذا وجد جوعاً يأكل وإذا وجد عطشاً يشرب، فالإنسان العاقل لا يترك الأسباب، فترك الأسباب بالكلية واعتماداً على الله، وإن لم يكن في الحقيقة اعتماداً على الله، هذا قدح في العقل، والاعتماد على الأسباب بالكلية وإغفال الإنسان النظر إلى الله سبحانه وتعالى هذا فيه قدح في الشرع؛ لأن الإنسان إذا اعتمد من نظر إلى الأسباب أنها المؤثرة في هذا الكون، إذاً أنت تغفل وجود الله سبحانه وتعالى.

لذلك جاء في الحديث المتفق عليه أن الصحابة استيقظوا في ليلة ذات مطر، فالنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن صلى الصبح بأصحابه التفت إليهم وقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته -وفي رواية: وبرزق الله- فذلك مؤمن كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا، انظر الإحالة إلى الأسباب لأن هذه الأنواء هي التي أمطرتنا وبسببها مطرنا وليس الله، فقال: ذلك كافر بي مؤمن بالكوكب. فالإنسان الذي يقف مع الأسباب ولا يلتفت إلى من أوجدها وخلقها وهو الله سبحانه وتعالى هذا يقدح في الشرع، والإنسان الصحيح والمسلم السوي هو الذي يجمع بين الأخذ بالأسباب وبين الاعتماد على الله سبحانه وتعالى فيجمع بين العقل والشرع.

بعد ذلك ذكر المحاسبي رحمه الله تعالى قول علي رضي الله عنه: يا ابن آدم، لا تفرح بالغنى ولا تقنط من الفقر، ولا تحزن بالبلاء ولا تفرح بالرخاء؛ فإن الذهب يجرب بالنار، وإن العبد الصالح يجرب بالبلاء، وإنك لا تنال ما تريد إلا بترك ما تشتهي، ولن تبلغ ما تأمل إلا بالصبر على ما تكره، وابذل جهدك لرعاية ما افترض عليك. هذا المقطع لسيدنا علي بن أبي طالب الذي نقله المحاسبي رحمه الله تعالى بحروفه يخبرنا عن حقيقة هذه الحياة الدنيا أيها الأحبة، أنها دار ابتلاء، بل الله سبحانه وتعالى إنما أوجدنا في هذه الحياة ليبتلينا، فقال سبحانه وتعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وقال سبحانه وتعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ. إذاً هذه هي حقيقة الحياة الدنيا أنها دار ابتلاء.

هذه الحقيقة أيها الأحبة ربما تكون مرة على النفس، ولكن في النهاية يجب علينا أن نؤمن بها، وأن ترسخها في وجداننا، كما أننا في نفس الوقت نحسن الظن بالله سبحانه وتعالى أنه لا يبتلينا إلا من أجل أن يرفع درجاتنا وليطهرنا من ذنوبنا وخطايانا. كما أن الثوب الدنس القذر يطهر بالحت والقرص من الخبث، كذلك هذه القلوب وهذه الأبدان إنما تطهر من الخطايا والذنوب بماذا؟ بالبلاء. لذلك يقولون ثمانية أمور لا بد وأن تجري عليك أيها العبد، وفي هذه الحياة الدنيا لا ينفك إنسان عنها لأن الله فطر هذه الدنيا عليها، ثمانية تجري على الناس كلهم ولا بد يلقى ثمانية: سرور وحزن، واجتماع وفرقة، وعسر ويسر، ثم سقم وعافية.

هذه الأمور الثمانية لا بد للإنسان أن يمر في شيء منها، فلا بد للإنسان أن يسر، ثم بعد ذلك يحزن، كما قال ابن مسعود: ما ملئت دار أفراحاً إلا ملئت أتراحاً، هذه سنة الله. إذاً لا بد من سرور ولا بد من حزن، ولا بد من اجتماع مع الأهل والخلان والأحباب، ثم لا بد بعد ذلك من فراق، وكذلك أيام هناك فيها عسر وضيق على الإنسان وأيام فيها يسر ورخاء، وأيام فيها سقم وأمراض وأيام فيها عافية. هل يوجد إنسان انفك عن هذا في حياته؟ لا يوجد إنسان انفك عن هذه الأمور الثمانية في حياته. ومن ظن أيها الأحبة أن البلاء في هذه الدنيا هو فقط بالمكروهات فهذا أخطأ الفهم، الله سبحانه وتعالى كما يبتلي العبد بالحزن يبتليه بالسرور، وكما يبتليه بالفرقة يبتليه بالاجتماع، وكما يبتليه باليسر يبتليه بالعسر، وكما يبتليه بالسقم يبتليه بالمعافاة، فكلاهما بلاء.

كلاهما بلاء، الله سبحانه وتعالى يبتلي العبد بالمنح ويبتليه بالمحن. لماذا يبتلي الله عز وجل العبد بالمنح؟ بالخيرات، ينظر ما الذي سيقوم به العبد مع هذه المنح وهذه النعم التي أنعمها الله عز وجل عليه؟ هل سيؤدي وظائفها الحقيقية؟ هل سيصرف هذه المنح إلى ما يرضي الله عز وجل من الأقوال والأفعال؟ وكذلك كما قلنا يبتليه بالبلايا لينظر كيف سيقوم العبد مع هذا، هل سيصبر ويفوض لله سبحانه وتعالى؟ وهل سيرضى بما قسمه الله عز وجل له؟ إذاً فمقام المنح ومقام المحن، كل واحد له عبودية تتعلق به، فالمنح مقامها في العبودية الشكر والتصرف فيها وفق ما يرضي الله سبحانه وتعالى، والمحن مقامها في العبودية الصبر، وأن يرضى الإنسان بما قسمه الله عز وجل له في هذه الدنيا.

قال سبحانه وتعالى: وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً. لم يقل الله عز وجل ونبلوكم بالشر فتنة، لا، قال: وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً. إذاً البلاء كما يكون في الأشياء المبغضة المكروهة للنفس، كذلك يكون في الأمور المحبوبة للنفس، بل ذكر أئمة السالكين أن البلاء في المنح أشد من البلاء في المحن. البلاء في المنح أشد من البلاء في المحن، يقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر. هذا عمر بن الخطاب يقول: لما كان في الضيق والضنك في أول البعثة ابتلينا بالضراء فصبرنا، لما انفتحت علينا الدنيا وأقبلت علينا بحذافيرها ابتلينا بالسراء فلم نصبر.

لذلك يقول علي رضي الله تعالى عنه: من وسع في دنياه فلم يعلم أنه مستدرج فهو مخدوع. من وسع عليه في دنياه فلم يعلم أنه مستدرج أو قال مكر به فهو مخدوع. فالإنسان أيها الأحبة لا يظن أن الإمداد الكثير من الله سبحانه وتعالى دليل على الرضا، بعض الناس يفهم السراء أن الله عز وجل راضٍ عني تمام الأمور، وإذا ابتلي معناته أن هنا في إشكال، لا، أحياناً الله عز وجل يعطي الإنسان من الخير والنعم يكون هذا باب استدراج له، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ. هنا أذكر حديثاً ذكره الأئمة الكبار الطبراني والبيهقي رحمهم الله تعالى عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليجرب أحدكم.

بالبلاء. هذه الكلمة موجودة في كلام علي بن أبي طالب، وهي ثابتة في الطبراني والبيهقي من حديث أبي أمامة، قال صلى الله عليه وسلم: إن الله ليجرب أحدكم بالبلاء وهو أعلم به. إذاً الله عز وجل يجرب عبده بالبلاء. هل الله عز وجل يجربه لأنه يجهل حاله؟ حاشاه سبحانه. لكن ليظهر له حاله، أي ليظهر للعبد حاله؛ فالله سبحانه وتعالى لا يحاسبنا على علمه الأزلي السابق، وإنما يحاسبنا على ما يظهر منا.

لذلك قال صلى الله عليه وسلم: إن الله ليجرب عبده بالبلاء وهو أعلم به، كما يجرب أحدكم الذهب بالنار. قال: فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز، يعني الذهب الصافي. فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز من هذا البلاء، فذلك الذي نجاه الله من السيئات. الآن الذهب أيها الأحبة عندما يعرض على النار فإنه يخلص من الشوائب، كذلك العبد المؤمن عندما يعرض على البلاء فإن الله سبحانه وتعالى يخلصه من الشوائب ولكن بالشروط، وهي أن يسلم العبد لله سبحانه وتعالى، وأن يرضى بما قسمه الله عز وجل له.

قال: فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز، فذلك الذي نجاه الله من السيئات، ومنهم من يخرج كالذهب دون ذلك. يعني المرتبة الثانية يخرج إنسان ليس ذهباً صافياً، ولكن يخرج ذهباً فيه نوع دخن وفيه نوع شوائب، فذلك الذي يشك بعض الشك، ومنهم من يخرج كالذهب الأسود، هذا أسوأ أنواع الذهب، قال: فذلك الذي قد افتتن. رواه الطبراني والبيهقي وصححه الإمام الذهبي رحمه الله تعالى.

وهنا السؤال أيها الأحبة الذي ربما يدور في كثير من الناس: لماذا يبتلي الله عز وجل عباده المؤمنين؟ ولماذا يمهل للكافرين في هذه الدنيا؟ الإنسان ربما يعني يكلم نفسه ويحدثها: إني أنا اخترت طاعة الله سبحانه وتعالى، واخترت الإيمان، واخترت التوحيد، لماذا يبتليني الله سبحانه وتعالى بينما ذاك الكافر، ذلك الذي أعرض عن الله سبحانه وتعالى، تجده منعماً في خيرات هذه الحياة الدنيا؟

يجيب ابن تيمية رحمه الله تعالى فيقول: من تمام نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده المؤمنين أن ينزل بهم من الشدة والضرر ما يلجئهم إلى توحيده. انظروا كيف يتكلم ابن تيمية عن البلاء من تمام النعمة. الإنسان المؤمن لا ينظر إلى البلاء كأنه عقوبة؛ نعم قد يكون عقوبة بسبب المعاصي، لكن الإنسان العاقل يحاول أن يفهم عن الله سبحانه وتعالى مراده في البلاء.

يقول: من تمام نعمة الله على عباده المؤمنين أن ينزل بهم من الشدة والضرر ما يلجئهم إلى توحيده، فيدعونه مخلصين له الدين، ويرجونه لا يرجون أحداً سواه، وتتعلق قلوبهم به لا بغيره، فيحصل لهم من التوكل عليه والإنابة إليه وحلاوة الإيمان وذوق طعمه والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض، اللي هي البلاء، من زوال المرض والخوف والجهد، أو حصول اليسر، أو زوال العسر في المعيشة.

فالله سبحانه وتعالى أيها الأحبة يحب أن يظهر على عباده المؤمنين أعمال القلوب. الآن أعمال القلوب؛ التوكل والرجاء والاستغفار في الأسحار، وأن يقرع الإنسان باب الله عز وجل وأن يرجو مولاه، أعمال القلوب لن تظهر على الإنسان، لن تظهر على المؤمن إلا بأن ينزل بهم الأمور التي توجب فعلها. يعني كيف الإنسان سيقرع باب الرجاء ويرجو الله عز وجل أن يفك عنه الكروب وهو لم يقع في كرب؟ فالله سبحانه وتعالى يحب أن يظهر على عباده المؤمنين أعمال القلوب، فيوقعهم في نوع بلاء حتى تظهر هذه الأعمال.

لذلك يقول: تتعلق قلوبهم به لا بغيره سبحانه وتعالى، فيحصل لهم من التوكل عليه والإنابة إليه وحلاوة الإيمان وذوق طعمه والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمة من زوال نفس البلاء. قال: فإن ذلك لذة بدنية، أي زوال البلاء عنك أيها العبد إنما هو لذة بدنية، زال عنك المرض، زال عنك الخوف، زال عنك الضيق في المعيشة، فإن ذلك لذة بدنية ونعمة دنيوية قد يحصل منها للكافر أعظم مما يحصل للمؤمن. الأمور الدنيوية من الأموال والأرزاق والمعايش والزوجة والذرية، هذه يحصل عليها الكافر أحياناً أكثر مما يحصل عليه المؤمن. قال: وأما ما يحصل لأهل التوحيد المخلصين لله والدين فأعظم من أن يعبر عنه بمقال.

انظروا كيف كان رحمهم الله تعالى يتعاملون مع البلاء. المؤمن الذي يقع في البلاء فيتعامل معه بهذه الروح هو الذي يستطيع أن يتجاوز البلاء. أما المؤمن الذي يتعامل مع البلاء باليأس والقنوط من رحمة الله سبحانه وتعالى، مع أنه لابد له منه، يعني البلاء سنقع، كيف سنقع فيه؟ هي سنة الله سبحانه وتعالى. فانظر كيف يفهم ابن تيمية وكيف يفهم السلف رحمهم الله تعالى البلاء وينظرون إليه بهذه النظرة الإيجابية، وكيف يفهم الإنسان البعيد عن الله سبحانه وتعالى، البعيد عن تعقل هذه المعاني للبلاء، وكيف ينظر إليه؟

لذلك يقول: وأما ما يحصل لأهل التوحيد المخلصين لله والدين فأعظم من أن يعبر عنه بمقال، أو يستحضر تفصيله بالبال، ولكل مؤمن من ذلك نصيب بقدر إيمانه. ولهذا قال بعض السلف: يا ابن آدم، لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها من قرع باب سيدك. وقال بعض الشيوخ: إنه ليكون لي إلى الله الحاجة، فأدعو فيفتح لي من لذيذ معرفته وحلاوة مناجاته ما لا أحب معه أن يعجل قضاء حاجتي، أو أن يعجل قضاء حاجتي خشية أن تنصرف نفسي عن ذلك.

يعني إنسان كان في بلاء فقرع باب الرجاء لله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل عندما رأى هذا العبد في البلاء التفت إليه وقرع بابه وانكسر بين يدي مولاه، يعطيه الله عز وجل من لذة المناجاة ومن حلاوة القلب ومن حلاوة الإيمان ما يتمنى به العبد بقاء هذا البلاء فترة قصيرة زيادة حتى تبقى هذه اللذة موجودة معه. هذا من نعم الله سبحانه وتعالى التي ينعم بها على عباده، ومن المنح التي تكون في ضمن المحن.

وفي بعض الآثار الإسرائيلية يقولون: يا ابن آدم، البلاء يجمع بيني وبينك، والعافية تجمع بينك وبين نفسك. البلاء يجمع بينك وبين الله، لأنك إذا وقعت في بلاء ستفزع إلى الله سبحانه وتعالى، أما العافية فالإنسان في العادة وكثير منا ينسى الله سبحانه وتعالى ويقبل على نفسه وعلى الاهتمام بشؤونها.

إذاً البلاء أيها الأحبة للمؤمن ينبغي علينا أن نعرف إذا ابتلانا الله عز وجل ليس هذا عذاب، لا يريد الله عز وجل أن يشقي عباده المؤمنين، ولكنه يريد أن يقرب بعيدهم، وأن يمحص ذنوبهم، وأن يظهر معادنهم، معادن التقوى. إذاً البلاء كذلك يعني كما يقول أهل العلم لم يأتِ ليفزع الإنسان منه إلى المخلوقين كذلك. يعني هذه نظرة أخرى، يعني بعض الناس أيها الأحبة إذا وقع في البلاء تجده ابتداء يفزع إلى المخلوقين ويلتجئ إليهم، يشكو إليهم ضيق العيش، ويشكو إليهم المرض الذي حل به، ويشكو إليهم الخوف الذي أوقعه به غيره. هل تصرفك صحيح أنت عندما تشكو البلاء إلى غير الله سبحانه وتعالى؟

أنت لمن تشكو؟ أنت تشكو الله سبحانه وتعالى إلى غيره. لذلك قال أحدهم: وإذا اعترتك مصيبة فاصبر لها، صبر الكريم فإنه بك أكرم. وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحمه. فالإنسان أيها المؤمن، أيها الأحبة، إذا وقع به البلاء هل الصحيح أن يفزع إلى المخلوقين يشكو إليهم ضيق الدنيا ويترك الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى؟ هل هذا هو الإيمان الذي يريده الله عز وجل من العبد؟

الله عز وجل نعم إذا وقع فيك بلاء يأمرك بأن تأخذ الأسباب، ولكن أن تشكو إلى المخلوقين شكوى الإنسان الذي يريد منهم أو شكوى الإنسان الذي يريد منهم أن يلقوا إليه فتاتاً من فتات هذه الحياة، ولا يبذل الإنسان الأسباب الشرعية في الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى أولاً، وقرع باب الرجاء والفزع إلى الله عز وجل، هذا إنسان مذموم غير محبوب إلى الله سبحانه وتعالى.

لذلك ماذا يقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه كما ذكر ذلك المحاسبي: ارضَ بما قسم الله لك تكن من أغنى الناس، واجتنب ما حرم الله عليك تكن من أورع الناس، وأدِّ ما افترض عليك تكن من أعبد الناس. وكذلك نقل الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى وصية عبادة بن الصامت لابنه: يا بني، أظهر اليأس مما في أيدي الناس. يعني لا يكن همك ما في أيدي الناس، دائماً تتطلب إليه وترغب فيه، إذا وقعت في بلية تفزع إلى ما في أيديهم وتنسى أن تطلب ممن بيده ملكوت كل شيء سبحانه وتعالى، يا أظهر اليأس مما في أيدي الناس فإنه الغنى، وإياك والطمع وطلب الحاجات منهم فإنه الفقر.

وإذا صليت، فصلِّ صلاة مودع. انظر هذه الوصية من الأب المشفق لابنه، يعني يعطيه خير الدنيا والآخرة: أن يترك الاعتماد على الناس والالتفات إليهم والطمع بما بين أيديهم، ويأمره بأن يصلي صلاة مودع. لأن الإنسان إذا صلى صلاة مودع، هذه الصلاة يكون فيها من الخشوع والاستحضار ما لو دعا فيه الإنسان لله سبحانه وتعالى بكشف كربته لانكشفت كربته، لأن صلاة المودع أيها الأحبة صلاة لا يشعر الإنسان أنه سيحيا بعدها أبداً. صلى الإنسان صلاة المودع، كيف سيكون استحضاره لله سبحانه وتعالى؟ سيكون أعلى درجات الاستحضار. فإذا دعا الله عز وجل في هذه الصلاة في الحاجات فإنه قريب ما يستجاب له، لأن الإنسان كلما كان قلبه أجمع على الله سبحانه وتعالى في الدعاء كلما اقتربت الإجابة. لذلك كانت هذه الوصية من عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه لابنه.

والإنسان أيها الأحبة في الحقيقة كلما ازداد بلاؤك، كلما ازداد إيمانك، وكلما ازداد رسوخاً في مقام العبودية، كلما ازداد بلاؤك. هذه قاعدة ينبغي عليك أن تعرفها: كل من ازداد إيمانه وكل من ازدادت قدمه في العبودية رسوخاً لابد وأن يزداد بلاؤه. لذلك أيها الأحبة من أكثر الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. الله سبحانه وتعالى يبتلي العبد بقدر إيمانه، فإذا كانت قدمه في مقام العبودية راسخة ثابتة، فالله سبحانه وتعالى يجربه ببلاء أشد ممن سواه.

لذلك هي حكمة الله سبحانه وتعالى، حكمة الله أيها الأحبة أنه يسلط على عباده الأبرار الأتقياء ثلة من الفجار الأشقياء، يستخرج به معادن البلاء من قلوب أحبابه. هؤلاء العباد الذين يختارون الصبر على أقدار الله سبحانه وتعالى طوعاً باختيارهم، هؤلاء يباهي بهم الله سبحانه وتعالى ملائكته؛ هم صبروا أياماً قليلة لعقبة طويلة عند الله سبحانه وتعالى. فإذا عرف الإنسان سنة الله عز وجل فإنه لن يفزع إذا سلك طريق المسترشدين. هو يسلك هذا الطريق ويتوقع البلاء، لكن ما الذي يصبره؟ يصبره الشوق إلى الله سبحانه وتعالى والعشق لجنات الله عز وجل. ومن يقرأ في قصص العشاق الذين يعشقون لقاء الله سبحانه وتعالى ويعشقون الرحيل إلى الدار الآخرة يجد العجب العجاب.

جاء في صحيح مسلم من حديث صهيب الرومي رضي الله تعالى عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، كبر هذا الساحر فجاء إلى الملك فقال له: قد كبرت، فابعث لي غلاماً أعلمه السحر. فبعث إليه هذا الملك غلاماً ليعلمه السحر. هذا الغلام كان عندما يأتي إلى الساحر يمر في طريقه على راهب، هذا الراهب كان متعبداً لله سبحانه وتعالى ولم يكن مشركاً به، جلس الغلام عند هذا الراهب فسمع كلامه فأعجبه، فكان كلما ذهب إلى طريقه إلى الساحر ليتعلم منه يمر على الراهب يجلس معه يسمع كلامه، ثم بعد ذلك يذهب إلى الساحر. فإذا قدم إلى الساحر عنفه وضربه وقال له: ما الذي أخرك عني؟

فالغلام شكا للراهب بهذا الأمر، قال له: إذا تأخرت عن الساحر نهرني وضربني، وإذا تأخرت عن أهلي نهروني وضربوني. فقال له الراهب: إذا أتيت الساحر فقل له: حبسني أهلي، وإذا أتيت أهلك فقل لهم: حبسني الساحر. وانتهى الموضوع. الغلام كان يجلس فترات طويلة عند الراهب. الآن الغلام في أحد الأيام وهو ذاهب إلى الساحر مر أو أتى على دابة قد حبست الناس، دابة كبيرة أغلقت طريق الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل؟ يعني هذا الغلام ما زال يريد أن يصل إلى اليقين، هل فعلاً الساحر هو الذي على الحق أم الراهب الذي هو على الحق؟

فأخذ حجراً وقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس. فرمى الغلام الحجر فوقع على الدابة فقتلها ومضى الناس، فعرف هذا الغلام أن الطريقة التي يرضاها الله سبحانه وتعالى هي طريقة الراهب. فجاء إلى الراهب فأخبره، فالراهب عندما عرف ما فعله هذا الغلام وعرف منزلته من الإيمان وكيف أن الله استجاب دعاءه، قال له: يا بني، أنت اليوم خير مني، وإنك ستبتلى.

الآن عرف الراهب الطريق، قال: هذا الغلام إذا بقي يذهب إلى الساحر وإلى الملك وأصبح يمتثل الأمور التي له لابد وأن يبتلى، قال له: وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تخبر عني، استر عليَّ ستر الله عليك. الغلام أيها الأحبة كان يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من الأمراض بإذن الله سبحانه وتعالى، فكان هناك جليس للملك، أحد أعوان الملك، كان قد عمي، فسمع أن هذا الغلام يبرئ الأكمه والأبرص، فجاء إليه وجمع له هدايا وقال له: يا غلام، ما هاهنا لك إن أنت شفيتني. فقال له الغلام: إني لا أشفي أحداً، وإنما يشفي الله سبحانه وتعالى، فإذا أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك.

فقام هذا الرجل فأسلم لله، ودعا له الغلام فشفاه الله سبحانه وتعالى ورد إليه بصره. فجاء هذا الرجل الذي هو من أعوان الملك، جلس عند الملك كما كان يجلس كل يوم، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ فقال له: ربي. قال: ألك رب غيري؟ هنا الرجل، يعني انظر الإيمان عندما يقارض بشاشة القلوب، ربما الإنسان يجلس ستين وسبعين سنة يزعم أنه يقول لا إله إلا الله ولا يستطيع أن يجهر بها، ويستحي من أن يجهر بها، وأن يظهر وأن يجهر دينه والتزامه لله سبحانه وتعالى ابتغاء لمرضاته. هذا الرجل ربما في أيام معدودة يجهر بإيمانه أمام حاكم ظالم يعلم أنه سيستأصله، فجاء إليه فقال له: ولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله.

عرف هذا الملك أن هذا الكلام الذي قاله هذا الرجل ليس من عنده، ولابد وأن هناك من علمه هذا الأمر، فأخذه فعذبه حتى دل على من؟ على الغلام. فجيء بالغلام، فقال له الملك ابتداءً بعد أن يستعطفه: يا بني لقد بلغ من أمرك ما تبرئ الأكمه والأبرص. يعني تداوي الناس من العمى وتداويهم من البرص وما شابه ذلك. فقال له الغلام، الآن انتهى الأمر، أراد أن يعلنها فقال له: أنا لا أشفي أحداً، وإنما الذي يشفي الله سبحانه وتعالى. قال له: أنا لا أشفي وإنما الذي يشفي هو الله سبحانه وتعالى. الملك عرف أن هذا الغلام كذلك لم يأتِ بهذا الأمر من عنده، فأخذه فعذبه حتى دل على الراهب. الراهب قال له: إذا ابتليت فلا تخبر عني، لكن الإنسان إذا وصل في البلاء إلى مرحلة لا يستطيع أن يتحملها رفع عنه هذا الأمر، الله سبحانه وتعالى يعفو عنه.

فأوتي بالراهب، فقال له الملك، الآن الراهب كان خائفاً أن يمسك لكنه مسك في النهاية، الآن ماذا يفعل الراهب؟ فليتراجع عن عقيدته؟ هل يقول للملك: نعم ماذا تريد؟ نحن نقول لا. الراهب صحيح هو أخذ بالأسباب، ولكن عندما حل به القدر ووقع بين يدي الحاكم ثبت على عقيدته. قال له الملك: ارجع عن عقيدتك، فأبى. فأوتي بالمنشار، فوضع على رأسه فشقه نصفين. انظروا كيف الثبات، من أجل فقط أن يداهن، نحن الآن الله عز وجل قال: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، هذا أشد أنواع الإكراه، لكن هذا الرجل أخذ بالعزيمة وثبت على دين الله سبحانه وتعالى. فأوتي بالمنشار فوضع على رأسه فشقه نصفين. ثم جيء بمساعد الملك، أتي بهذا الرجل الذي كان يجلس معه ورد الله عليه بصره، فقال له الملك: ارجع عن دينك، فأبى. فوضع المنشار على رأسه فشقه نصفين.

ثم أوتي بالغلام، الملك لم يرد أن يعامل الغلام لأنه صغير بمعاملة هؤلاء الرجال، فدفعه إلى جماعة من أصحابه وقال لهم: اذهبوا اصعدوا به إلى جبل، فإن لم يرجع عن دينه فاطرحوه. انطلقوا به إلى الجبل، لما صعدوا الجبل قال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت. فارتج الجبل فسقطوا، وعاد الغلام إلى الملك. الملك رأى، قال: ما فعل أصحابك؟ يعني أنت رجعت وحدك، أين الجماعة؟ قال له: كفانيهم الله سبحانه وتعالى. فأعاد الملك مرة أخرى، فدفعه إلى جماعة من أصحابه فقال لهم: احملوه في قرقور، أي في قارب صغير، واذهبوا به إلى وسط البحر، فإن عاد عن دينه أو رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه. فذهبوا به، فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت. فعندما كانوا في منتصف البحر انقلب أو انكفأ القارب أو السفينة فغرقوا جميعاً إلا الغلام، وعاد الغلام يمشي إلى الملك، فقال له: ما فعل أصحابك؟ فقال لهم: كفانيهم الله سبحانه وتعالى.

فالغلام أراد أن يريح الملك من هذا الموضوع، قال له: أيها الملك إنك لن تقتلني حتى تفعل ما آمرك به. قال: ما هو؟ قال: تصلبني أو تجمع الناس ابتداءً في صعيد واحد، ثم تصلبني على جذع، ثم تأخذ سهماً من كنانة، فتضع هذا السهم في كبد القوس، ثم تقول: بسم الله رب الغلام، ثم بعد ذلك ترمي، فإنك إن فعلت ذلك قتلتني. فقال له الملك: أنعم بي وأكرم. يعني الملك يريد أن ينتهي ويخلص من هذا الشاب الذي عكّر عليه صفو حياته، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلب الغلام على الجذع، ثم أخذ سهماً من كنانة الغلام، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم رماه على الغلام، فوقع السهم في صدغ الغلام فمات الغلام. فعندما رأى الناس هذا المشهد العظيم، كيف أن هذا الملك بكل جبروته وتسلّطه لم يستطع أن يقتل غلاماً، وهذا الغلام عندما أمر الملك أن يقول له: بسم الله رب الغلام استطاع أن يقتله، عرفوا إذاً أن هذا الملك ليس إلهاً حقيقياً؛ لأنه لا يستطيع أن ينفذ تصرفاته في هذا الكون، وأن الإله الحقيقي من هو؟ هو رب الغلام. فقالوا: آمنا برب الغلام.

المشهد في الحقيقة لم ينتهِ بعد، وهناك مشهد يعني أروع من مشاهد الصبر على البلاء من أجل الله سبحانه وتعالى. الملك أيها الأحبة جاءه حواشيه وملأه، قالوا له: قد وقع ما حذرت. الملك ماذا كان يحذر؟ هو يخشى أن يؤمن الناس برب الغلام. فقالوا له: الأمر الذي كنت تريد أن تقتل الغلام من أجله حتى لا يمشوا الإيمان قد انتشر وحدث ما يسوؤك. فأمر بحفر الأخاديد في الأرض وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها. فجاء الناس ينكبون في هذه الأخاديد ولم يرجعوا عن دينهم، حتى جاءت امرأة أيها الأحبة ومعها صبي لها صغير. الآن انظر إلى شفقة المرأة وإلى هذه الأم التي معها ابنها الصغير ماذا ستفعل؟ هل ستلقي بنفسها أو بابنها في النار؟ أم تتقاعس وتقول للملك وتجهر للملك بما يريده؟

هذه المرأة أيها الأحبة عندما جاءت إلى النار رأت أن معها ابنها الصغير، فأشفقت عليه وأرادت أن تتقاعس، أنطق الله عز وجل ولدها الصغير فقال لها: يا أماه اصبري فإنك على الحق. انظروا كيف الله عز وجل يثبت عباده الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. غلام صغير يقول لأمه: نلقي أنفسنا في هذه النار، ولكن اصبري فإنك على الحق. هذا خبر من أخبار الذين يريدون اللحاق بالله سبحانه وتعالى وزهدوا في هذه الدنيا.

خبر آخر ننهي به هو ماشطة ابنة فرعون. النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء والمعراج أيها الأحبة وجد رائحة طيبة في السماء، فقال لجبريل: ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال له: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون. فقال له: وما خبرها؟ فقال له جبريل: هذه ماشطة ابنة فرعون كانت تمشط شعر ابنة فرعون، فوقع منها المِدرى أي المشط، فلما أخذته أو نزلت لتتناوله قالت: بسم الله. فسمعتها الفتاة الصغيرة فقالت لها: تقصدين أبي؟ يعني فرعون؟ يعني بسم الله يعني باسم فرعون؟ قالت: لا، إنما ربي ورب أبيك هو الله سبحانه وتعالى. فقالت الصغيرة: إذاً سأخبر أبي. فقالت لها: أخبري. فذهبت هذه الصغيرة إلى والدها فرعون المتجبّر فأخبرته بالخبر. ففرعون هنا اشتد غضبه وأتى بهذه المرأة، وكان لهذه المرأة أطفال، فأتى بها وقال لها: من ربك؟ فقالت: ربي وربك الله.

فهنا قال فرعون أو أمر فرعون بأن يؤتى بقدر كبير من نحاس، ثم حُمي هذا القدر، ووضعت فيه المرأة، وأراد أن يضع فيه هذه المرأة بأبنائها. قالت المرأة لفرعون: أريد منك حاجة قبل أن تضعني في هذا القدر. قال: وما هي؟ قالت: أريد منك أن تجمع عظامي مع عظام أبنائي في قبر واحد. انظروا في ماذا تفكر؟ لا، انتهت الحياة الدنيا وهي مقبلة إلى من تشتاقه، وإلى من بذلت روحها من أجله سبحانه وتعالى. فقالت له: أمنيتي الأخيرة أن تجمع رفاتي ورفات أبنائي في هذا القبر الذي ستدفننا فيه. فقال لها فرعون: يعني هذا من حاجتك، سأقضي لك هذه الحاجة. وبدأ يضع أبناءها أمامها واحداً تلو الآخر، حتى بقي طفل في المهد.

فنفس الشيء، نفس شعور تلك الأم، أرادت أن تتقاعس وبدأت هنا مشاعر الأمومة تغلب على الإنسان في هذا الأمر. هناك إنسان تغلب عليه هذه المشاعر من دون أمومة، فما بالك في مشاعر الأمومة؟ أم ترى أبناءها يُلقون أمامها واحداً تلو الآخر، وما الذي يصبّرها على هذا البلاء؟ في الحقيقة الذي يصبّرها الله سبحانه وتعالى، حتى تبقى هذه القصص عبرة خالدة في ذاكرة التاريخ. عندما يقوم الناس إلى رب العالمين سيباهي بهؤلاء البشر ملائكته، هذا صنف مميز من البشر أيها الأحبة ليس ككل البشر، هذا صنف مميز اختارهم الله سبحانه وتعالى ابتلاهم ببلاء شديد، يريد أن يظهر فضلهم على العبيد.

فعندما جاء فرعون ليأخذ طفلها الصغير تشبثت به وتعلقت به، ثم بعد ذلك أنطقه الله سبحانه وتعالى، فقال لها، هذا من الأطفال الذين تكلموا في المهد، يعني الصبي في قصة أصحاب البروج أو قصة الأخدود فيما يظهر أنه لم يكن في المهد وإنما كان صغيراً، لكن أنطقه الله بالحكمة. هذا الصبي صبي امرأة أو ماشطة فرعون كان في المهد، كان مرضعاً ما زال، أنطقه الله سبحانه وتعالى الذي ينطق كل شيء، فقال لها: يا أماه اصبري فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. انظروا إلى هذه القصص أيها الأحبة التي يخلدها الله سبحانه وتعالى لعباده حتى يعرفوا أن ما يصيبنا من البلاء ما زال قليلاً ويسيراً في ذات الله سبحانه وتعالى.

ويعني وكما قال الشاعر: أوما رأيتم عين المهى فيها علم قمرًا أراها أنها بدر إذا ما البدر تم كم عاشق في دربها يهوى الألم عجباً لهم من أجلها تركوا المفارش والنعم عجباً لهم من أجلها تركوا المفارش والنعم تلك العقيدة مقصدي هلا وعيتم من أرم يا سائلي عن مصعب سيجيب عن سؤل علم يا سائلي عن مصعب، ما المقصود بمصعب؟ مصعب بن عمير، يا سائلي عن مصعب سيجيب عن سؤل علم، ترك الغنى، مصعب بن عمير كان من أغنى الناس، ترك الغنى ولنفسه أغنى من البحر الخضم، من أجل عشق عقيدة، وبنصف ثوب قد دفن. قل لي بربك يا أخي ممن قريش تنتقم؟ هذه سمية مُزّقت وبحربة الباغي الأثم، هزئت بفرعون الذي قد حار واستعصى الكلم، ما أعجب العشق الذي جعل المعذب يبتسم.

إذاً هذا هو العشق الحقيقي، هو أن يعشق الإنسان لقاء الله سبحانه وتعالى، ويكون عاشقاً للجنان، عاشقاً للمكوث بين يدي ربه سبحانه وتعالى زاهداً في هذه الدنيا، فمهما بلغ به البلاء، ومهما حاول خصومه أن يسلبوا منه نعمة الإيمان، يتشبث بها ويقبض على الجمر حتى يصل إلى الله سبحانه وتعالى.

إذاً أيها الأحبة، كما قال علي بن أبي طالب: وإن العبد الصالح ليُجرب بالبلاء، وإنك لا تنال ما تريد إلا بترك ما تشتهي، ولن تبلغ ما تأمل إلا بالصبر على ما تكره، وابذل جهدك لرعاية ما افترض عليك. هذه هي طريقة السعادة لمن أراد أن يطرقها، أن يصبر الإنسان على ما يبتليه الله عز وجل به في الإيمان، ويصبر على المكروهات، ويصبر على الشهوات، ويؤدي ما افترض الله سبحانه وتعالى عليه، حتى ينال الدرجة الرفيعة والمنزلة السامية عند الله سبحانه وتعالى. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يعيننا على الثبات في هذه الدنيا، وأن ندعوه: يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.