والله ما في هذه الدنيا لك؛ من اشتياق العبد للرحمن هم يسمعون كلامهم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وأصلي وأسلم على خير البرية وعلى أزكى البشرية، على نبينا وعلى قرة أعيننا سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد في شرح رسالة المسترشدين لكل من يطلب الرشاد إلى رب العالمين، هذه الرسالة المباركة التي صنفها الإمام الحارث بن أسد المحاسبي، إمام من أئمة السالكين والعارفين بالله سبحانه وتعالى. نسأل الله أن ينفعنا بها، وأن يجعلها ذخراً لنا يوم لقائه، آمين آمين.
انتهينا إلى قول الحارث رحمه الله تعالى: وكن قائلاً بالحق عاملاً به، يزدك الله نوراً وبصيراً، ولا تكن ممن يأمر به وينأى عنه، فتبوء بإثمه وتتعرض لمقت الله. قال الله عز وجل: كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من وعظ ولم يتعظ، وزجر ولم ينزجر، ونهي ولم ينتهِ، فهو عند الله من الخائبين.
هذا معلم جديد أيها الأحبة من معالم طريق المسترشدين، وسمة بارزة من سماتهم. هذه السمة تضعف عندها الهمم، وتقصر عنها أرباب العجز والكسل. هذه السمة أيها الأحبة لا يوفق لها إلا من اختاره الله عز وجل لدرب السعادة، ألا وهي القول بالحق والعمل به، القول بالحق والعمل به.
وكلمة الحق أيها الأحبة، هذه الكلمة العظيمة التامة التي من أجلها خُلقت السماوات والأرض، قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ. مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. أكثر الناس يظنون أن هذه الدنيا بسماواتها وبأرضها وببرها وببحرها إنما خُلقت من أجل أن يقضوا اللذات، ويأخذوا الشهوات، ثم يموتوا كما تموت البهائم. ولكن الله عز وجل لم يُرد ذلك، أراد الله عز وجل هذه الدنيا لمقصد عظيم سامٍ، ألا وهو عمارة هذه الأرض وفق منهج الله سبحانه وتعالى.
هذا المنهج الذي يقوم أساسه على توحيد الله عز وجل في جميع مناحي الحياة. منهج الله عز وجل أساسه ما هو؟ هو توحيد الله عز وجل في جميع مناحي الحياة. فكلمة الحق أيها الأحبة إذاً هي منهج الله سبحانه وتعالى الذي اختاره لهذه البشرية، وأرسل الرسل ليدعوا إليه. فهو يشمل جميع المعتقدات، ويشمل جميع الأقوال والأفعال التي يرضاها الله سبحانه وتعالى. لذلك كل ما يشمله هذا الحق أو كل ما يشمله منهج الله سبحانه وتعالى فإنه يوصف بأنه حق، وكل ما يؤدي ويوصل إلى منهج الله عز وجل فإنه يوصف بالحق.
لذلك عندما تتأمل في كتاب الله وصف الله عز وجل الدين بأنه حق، وقل: جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا. وعندما وصف الله نبيه أو كتابه، فماذا قال؟ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا. والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل فاستفتح الصلاة ماذا يقول؟ يقول: اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيام السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، وقولك حق، ووعدك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، والشفاعة حق. انظروا إذاً كلمة الحق ماذا تشمل؟ إذاً هي تشمل كل ما يوصل إلى منهج الله سبحانه وتعالى، وكل ما يرضاه الله عز وجل من الأقوال والأفعال.
إذاً هذا تأصيل لكلمة الحق، وعرفنا ما هو الحق، هو منهج الله عز وجل بهذا الشمول وبهذا العموم الذي يشمل جميع مناحي حياة المسلم على مستوى الفرد وعلى مستوى الجماعة. إذا عرفت الحق فما وظيفتي أنا في هذه الحياة؟ عرفت أن الله سبحانه وتعالى خلق السماوات والأرض لإقامة هذا الحق، فما وظيفتي أنا كمؤمن؟ وظيفة المؤمن أيها الأحبة تتمثل في التالي: أولاً أن يؤمن بهذا الحق، هذه الوظيفة الأولى، أن تؤمن بهذا الحق وأن تتعرف عليه وأن تتعرف على ملامحه. ثانياً أن تعمل بهذا الحق، إذاً هناك علم، ثم بعد العلم يأتي العمل؛ أن تعمل بهذا الحق بحذافيره وأن تجاهد نفسك على هذا العمل. الثالثة أن تدعو الناس إليه، هذه هي المرتبة الثالثة؛ تدعو الناس إلى التمسك بهذا الحق. بعد أن منحك الله العلم ومنحك العمل، تدعو الناس إلى التمسك بهذا الحق والعمل به. والمرتبة الرابعة والأخيرة هي مرتبة الصبر على الأذى فيه. الآن هذا الحق الذي دعوت الناس إليه سيأتي من يعاديك ليمنعك من إقامته في واقع الحياة وفي واقع الأمم. إذاً هناك صبر وهناك ضريبة ستدفعها نتيجة لتمسكك بهذا الحق.
وهذا يشمله قوله تعالى، يعني هذه المراحل التي تكلمنا عنها وهذه الخطوات نجدها في سورة صغيرة من كتاب الله عز وجل وهي سورة العصر. قال الله سبحانه وتعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ. انظروا، الله عز وجل يقسم بماذا؟ بالعصر بالزمن بالدهر. كل من يعيش في هذا الدهر وفي هذا الزمن فهو في خسر. كل إنسان لفي خسر إلا هذا الصنف، هذا الصنف الراقي الرائع الذين اختارهم الله سبحانه وتعالى واجتباهم. ما سمات هذا الصنف؟ آمنوا بالحق وعملوا بالصالحات، والصالحات هي الحق؛ إذاً آمنوا بالحق وعملوا بالحق، ثم تواصوا به، وهو الدعوة إلى الحق. كل إنسان يوصي صديقه، يوصي عائلته، يوصي أسرته، يوصي مجتمعه، يوصي هذه الأمة بالحق، كل إنسان بحسب مرتبته وبحسب موقعه في هذه الحياة يوصي الآخرين بالحق.
ثم بعد ذلك ماذا قال سبحانه: وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ. إذاً القضية فيها صبر. صبر على ماذا؟ أولاً الصبر أن تصابر أنت على الثبات على منهج الحق. الإنسان في نفسه يضمن أن يبقى على منهج الحق، فتصابر وتجاهد، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا. هناك مصابرة وهناك مرابطة على الثبات وعلى التمسك بمنهج الحق، وهناك صبر آخر: الصبر على الأذى الذي سينالك نتيجة التمسك بهذا الحق؛ فهناك ضريبة ستدفع من أجل إيصال الحق إلى الآخرين. لذلك الإمام الشافعي ماذا يقول عن هذه السورة؟ لو لم ينزل الله عز وجل سورة على العباد إلا هذه السورة لكفتهم. فقط يقول هذه السورة لو لم ينزل غيرها لكفت الناس؛ لأنها باختصار تبين منهج الحياة. هذه هي الحياة الدنيا، إيمان وعمل ودعوة وصبر، هذه هي حقيقة الدنيا لخصها الله سبحانه وتعالى في هذه السورة المباركة.
إذا عرفنا الحق وعرفنا ما مفهومه وعرفنا ما المؤمن منه. الآن الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى يتكلم عن جانب محدد، وهو جانب الدعاة وجانب المصلحين الذين يدعون الناس إلى الحق، عن هذا الجانب. فيقول ينبغي للإنسان أن يدعو إلى الحق بقوله وفعله، فالله سبحانه وتعالى أمر عباده المؤمنين أن يدعوا إلى الحق بأقوالهم وبأفعالهم، فيقولوا الحق ويعملوا به. ونهى الله عز وجل عباده أن يكونوا ممن يأخذون إلى طرق السعادة وإلى درب الرشاد بأقوالهم، ثم بعد ذلك يخالفون بأفعالهم. وهذا هو دأب اليهود، فالله عز وجل عندما عاتب بني إسرائيل في كتابه ماذا قال لهم؟ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. هذا خطاب لبني إسرائيل وخطاب لكل من فعل فعلهم، القرآن هذا للأمة. فالله عز وجل عندما يذكر آية في عتاب قوم، هذا فيه تنبيه للآخرين؛ اعتبروا.
لذلك جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث علي بن زيد عن أنس بن مالك قال صلى الله عليه وسلم: مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار. فقلت لجبريل: من هؤلاء؟ انظر العذاب الشديد. مررت بأقوام، رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج أقواماً تُقرض شفاههم بماذا؟ بمقاريض من نار. فقلت لجبريل: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء خطباء، هؤلاء خطباء الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب. انظر هذا الحديث العام في هذه الأمة، خطباء من هذه الأمة يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب. أفلا تعقلون؟ انظر هذا التوبيخ: أفلا تعقلون؟ الإنسان العاقل أيها الأحبة عندما يأمر الناس بالشيء فإنه يكون مبادراً إلى امتثاله، ولا يصلح للإنسان أن يأمر الناس بالشيء ويكون هو أول من يمتنع عن فعله.
لذلك يعني من القواعد التي ينبغي علينا أن نرعاها، يعني هو السؤال: لماذا الله سبحانه وتعالى -قبل أن أتكلم عن هذه القاعدة- لماذا الله عز وجل يبغض من يخالف قوله فعله؟ الله عز وجل ماذا قال؟ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ. السؤال الآن: لماذا الله عز وجل يمقت هذا الصنف من الذين يقولون شيئاً ويخالفونه؟ ولماذا شدد النكير عليهم عندما تقول: كبر مقتاً عند الله؟ انظر هذه العندية، يعني ليس عند أي بشر، الذي يبغض هو الله سبحانه وتعالى؛ يبغض هذا الصنف من الدعاة، يبغض هذا الصنف ممن يرفع شعار الإصلاح وهو في الحقيقة يتكلم بكلام ولكن لا يطبقه في واقع حياته. الجواب أيها الأحبة أن الله عز وجل يريد بهذا الدين أن يكون واقعاً ملموساً في حياة الأمم والمجتمعات. الله عز وجل يريد بهذا الدين أن يخرج من الواقع التنظيري إلى الواقع التطبيقي العملي، هذا الذي يريده الله سبحانه وتعالى. فإذا كان دعاة الإصلاح يرشدون الناس إلى الخير بأقوالهم، ثم هم يخالفون بأفعالهم، متى تحيا كلماتهم في الشعوب وفي الأمم؟
إذا كان دعاة الإصلاح هم الذين يقولون للناس: أصلحوا قلوبكم، خلصوا قلوبكم من الغش والحقد ومن النفاق ومن الرياء ومن طلب الدنيا ومن طلب الثناء، ثم هم بعد ذلك تجدهم يغشون ويحقدون ويفعلون ويفعلون، ماذا سيكون موقف الناس من الحق؟ هل سيتقبل الناس هذا الحق الذي تدعو إليه هذه الطائفة؟ لذلك عندما ننظر مثلاً في القرون الوسطى في أوروبا، ما الذي جعل الناس ينقلبون على الكنيسة وينقلبون على رجال الدين؟ رجال الدين في الكنيسة في القرون الوسطى أيها الأحبة كانوا يأمرون الناس بمعالم الإصلاح، يقولون لهم: إياكم والزنا، عليكم بالعفة والطهارة، ثم بعد ذلك ينظرون الناس في الكنائس يجدونها أماكن للزنا ولممارسة الحرام. يأمرون الناس بأن لا يأكلوا الأموال بينهم بالباطل، وكان رجال الدين والدعاة عندهم هم أكثر الناس أكلاً لأموال الناس بالباطل. لذلك هذا القهر جعلهم، عندما جاءت الثورة الفرنسية وعندما استطاعوا أن ينقلبوا على الكنيسة، أصبح هناك حقد بين الناس وبين الدين، أصبحت نظرتهم للدين النظرة العدائية؛ لأن هؤلاء الرجال الذين نصبوا أنفسهم على أنهم قديسون يأمرون الناس بالطهارة والعفة، هم أكثر الناس كانوا ابتعاداً عن هذه المعاني.
لذلك هناك قاعدة أيها الأحبة لا تتغير: الكلمات والدعوات عندما تحيا في قلوب الناس، عندما يعيش أصحابها من أجلها ويموتوا من أجلها. هذه الكلمات لا تحيا في سنة الله عز وجل في قلوب الناس إلا عندما يعيش أصحابها من أجلها وعندما يموتوا من أجلها. إذا ماتوا من أجلها انتفضت هذه الكلمات حية في قلوب المحبين وفي قلوب الأمم والشعوب. هل هذه القاعدة مثلاً تختص بالدين الإسلامي؟ لا، عندما ننظر في الأديان وفي الفرق وفي جميع النحل؛ انظر إلى الأشخاص الذين يعظمونهم في جميع الأديان، تجد هذا الشخص الذي يعظمونه ويحترمونه وينظرون إليه بعين القداسة والهيبة، تجدونه يعني شخصاً بذل حياته من أجل فكرة ومن أجل مبدأ، وضحى وعذب نفسه، وعذب نفسه وضحى من أجل هذه الفكرة. فعندما فعل كل هذه الأفعال الجميلة، عند شعوب الأمم والشعوب والأمم نظرت إليه بعين القداسة. لذلك بعض الأديان مثلاً لا تجد شخصاً فيه هذه الصفات عندهم، فماذا يفعلون؟ يأتون بشخص رمز ويضعون عليه الأساطير والخرافات أنه فعل وفعل وأنه قام وضحى، مع أنه لا يوجد هذا في الواقع. لكن لماذا يفعلون؟ لأنهم يعلمون أن الناس إنما تتأثر بالأفكار إذا رأت من دفع ضريبتها. أما قبل ذلك، مجرد وجود الأفكار على الألسنة من دون أن تُطبق في واقع الحياة، فإن هذه الكلمات سرعان ما تموت بموت أصحابها.
لذلك لو يعني نظرنا ما هو أفضل أسلوب للدعوة؟ أفضل أسلوب للدعوة أيها الأحبة هي القدوة، أن يكون الإنسان قدوة للناس بأفعاله. لذلك الله عز وجل ماذا يقول في كتابه؟ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. حتى ينبئ أن هذا أفضل أسلوب للدعوة؛ محمد صلى الله عليه وسلم هو سيد الدعاة، وكل من جاء بعده من الدعاة ينبغي أن يحذو حذوه في الدعوة إلى الله عز وجل بالقدوة الحسنة. لذلك يقولون: لا تكن كالسراج. السراج ماذا يفعل؟ يضيء للناس نفسه، وهذا جاء فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه الطبراني من حديث جندب، قال صلى الله عليه وسلم: مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه، مثل ماذا؟ قال: مثل السراج، يضيء للناس ويحرق نفسه. هذا مثل العالم الذي يعلم الناس الخير، مثل الداعية المصلح الذي يتكلم ثم بعد ذلك يخالف قوله فعله، فهذا كالسراج يضيء للناس الطريق، يضيء للناس منهج السعادة ثم بعد ذلك هو يحرق نفسه بالابتعاد عن درب السعادة. وهناك فرق أيها الأحبة بين من يحرق نفسه ليوصل السعادة، وبين من يحرق نفسه بالابتعاد عن طريق السعادة؛ يعني هناك أشخاص يحترقون، يقولون كالشمعة يحترقون من أجل أن يضيئوا الطريق للآخرين.
هذا نوع محمود الذي يبذل ويضحي ويفنى من أجل دعوته، هذا كالشمع كذلك أو كالسراج يحترق. لكن شتان بين من يحترق من أجل الله وبين من يحترق في ملذاته وأهوائه ابتعاداً عن الدعوة. وهذا هو الذي قصده صلى الله عليه وسلم، النوع الثاني الذي يحرق نفسه بالابتعاد عن منهج الله سبحانه وتعالى فيعرضها لعذاب الله عز وجل في الوقت الذي يأمر الناس به الالتجاء إلى الله عز وجل ويعطيهم طريق السعادة ويدلهم عليه.
لذلك شعيب عليه السلام من أعظم المصلحين، وهو من أنبياء الله عز وجل، ينبه قومه على قضية مهمة في بداية الدعوة. ماذا قال لهم؟ قال لهم: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ. ويبين لقومه ابتداء أن هذه الدعوة إلى الله عز وجل، هذه الدعوة إلى عدم مثلاً التطفيف في المكيال والميزان الذي دعاهم إليه، هل هو يريد أن يدعوهم إلى ترك التطفيف ثم هو بعد ذلك يطفف في الميزان؟ هل يعقل أن يفعلوه وهو سيتأثرون بكلامه؟ لا، لذلك بين لهم أن دعوته لعبادة الله ودعوته لإصلاح أحوالهم هي دعوة منه ابتداء لنفسه بالتمسك بمنهج ثم لقومه، فقال لهم: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ.
لذلك أيها الأحبة، من شديد الوعيد الذي جاء في الأحاديث النبوية على هذه الطائفة التي يخالف قولها فعلها، أو فعلها قولها، أن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أسامة بن زيد قال: قال صلى الله عليه وسلم: يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار فتندلق أقطابه أو أقطاب بطنه -أي أمعاؤه- فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى. الآن هذا رجل يلقى في النار، عندما يلقى في النار تخرج الأمعاء، فيدور بأمعائه كما يدور الحمار بالرحى، يدور حول هذه الأمعاء، فأهل النار يستعظمون هذه الهيئة. لماذا يستعظمونها؟ لأنهم رأوا رجلاً يعرفونه بالصلاح في الدنيا، رأوا رجلاً كانوا يعرفونه على المنابر وعلى وسائل التواصل الاجتماعي ويعرفونه على الإعلام يتكلم بالدين والإصلاح ويأمر الناس، فيقولون يأتون إليه: يا فلان، ما شأنك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ ألست أنت الداعي الفلاني الذي كنت تقول وتقول؟ فيقول لهم: بلى، كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه. فنسأل الله السلامة والعافية من حال هؤلاء القوم.
ما الحديث أيها الأحبة الذي ذكره المحاسبي؟ المحاسبي ذكر حديثاً، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من وعظ ولم يتعظ، وزجر ولم ينزجر، ونهى ولم ينته. يعني هو يعظ الآخرين وهو في نفسه لا يتعظ، ويزجر الآخرين عن المنكرات وهو في نفسه لا ينزجر، وينهى غيره عن الآثام وفي نفسه لا ينتهي، قال: فهو عند الله من الخائبين. الآن هذا الحديث الحقيقة لا يوجد له أثر في الكتب المعتمدة، يعني باحثون يقولون هذا الحديث لم نجد له أثراً في الكتب المعتمدة فيتوقف في حاله، لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا مما ينبغي التنبيه عليه، أن هذا الحديث لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فالله أعلم بحاله لم نجد له سنداً.
طيب، الآن قبل أن ننتقل من هذه النقطة أو هذه الفقرة إلى فقرة أخرى، يهمني أن أنقل قول الغزالي، الغزالي رحمه الله تعالى يقول في وظيفة المعلم ووظيفة العالم في المجتمع، يقول الغزالي رحمه الله وذكر مجموعة عن العالم منها قال الوظيفة الثامنة: أن يكون المعلم عاملاً بعلمه فلا يكذب قوله فعله، قال لأن العلم يدرك بالبصائر، والعمل يدرك بالأبصار. لماذا؟ يجب على العالم أن يطابق بين القول والفعل، قال لأن العلم لم يدرك بماذا؟ ببصائر القلوب، البصائر جمع بصيرة، والبصيرة تكون بماذا؟ بعين القلب، قال أما العمل فيدرك بماذا؟ بالأبصار، والأبصار هو بصر العين جميل. قال وأرباب الأبصار أكثر، يعني أكثر الناس هم من العوام، والعوام ينظرون بعين ماذا؟ ينظرون ببصر العين ولا ينظرون ببصر القلب، هذا حال أكثر الناس.
لذلك هذا العالم علمه في باطنه إنما يدركه أصحاب البصائر وهؤلاء طائفة قليلة، أكثر الناس العوام إنما ينظرون إلى ظاهرك ببصر العين، فإذا رأوا في الظاهر تطبيقاً وسلوكاً فإنهم سيسلكون الدرب، وإذا رأوا في الظاهر مخالفة لما في العلم فإنهم سينفرون عنك ويتحولون عنك. لذلك يتابع يقول: وأرباب الأبصار أكثر، فإذا خالف العمل العلم منع الرشد. وكل من تناول شيئاً انظروا إلى هذا، قال كل من تناول شيئاً وقال للناس لا تتناولوه فإنه سم مهلك، سخر الناس به واتهموه وزاد حرصهم على ما نهوا عنه، فيقولون يعني هذا الرجل يقول للناس لا تتناولوا هذا الشيء، ابتعدوا عنه هذا سم مهلك يوقع بكم الضرر، ثم رأوا هذا العالم أول الناس مبادرة إلى هذا الشيء يتناوله ويأخذ منه نصيبه، فماذا سيقول الناس؟ قال سخر الناس به واتهموه وزاد حرصهم على ما نهوا عنه فيقولون لولا أنه أطيب الأشياء وألذها لما كان يستأثر به. يعني هذا الشيخ الذي قال لنا لا تفعلوا لا تفعلوا هو أول إنسان ذهب لفعل هذا الشيء.
إذاً، هذه سيسخر الناس به ابتداء، ثم يقولون لولا أن هذا شيء محبوب له وهذا شيء فيه لذة وفيه أنس لما ذهب هذا الشيخ إليه، إذاً الكل يذهب إليه، لذلك يعني هذا تقييد لهذه المسألة، أي عالم أي داعي أي مصلح يجب عليه أن يراعي هذه القضية، يجب عليه أن يراعي قضية العمل ولا يكتفي فقط بالكلام، لا يكتفي بالتنظير العام ولا يكتفي بأن يراه الناس على المنابر بل يكون واقعاً عملياً، منهجاً متكاملاً لدين الله سبحانه وتعالى في قوله وفي عمله وفي علاقته مع الله سبحانه وتعالى.
لذلك يقول أبو الأسود الدؤلي: لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتي مثله، عارٌ عليك إذا فعلت عظيم، ابدأ بنفسك فانهها عن غيِّها، فإذا انتهت عنه فأنت حكيم، هناك يُقبل إن وعظت، يُقتدى بالعلم منك وينفع التعليم. في هذه الحالة يتقبل الوعظ. علي بن أبي طالب أيها الأحبة يرسل رسالة إلى طلبة العلم فيقول لهم: يا حملة العلم، اعملوا به، فإنما العالم من عمل بما علم، ووافق علمه عمله. ثم قال وهو يتكلم عن آخر الزمن: وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف علمهم، سيأتي أقوام على هذه الأمة يذكر علي بن أبي طالب هذا الكلام، سيأتي أقوام العلم لا يجاوز التراقي فقط، العلم في الداخل، أما في الواقع العملي لا يوجد العلم ولا يوجد عمل، قال يخالف عملهم علمهم وتخالف سريرتهم علانيتهم.
في الكلام الظاهر كلام معسول جميل، لكن في الباطن هناك مقاصد أخرى، يجلسون حلقاً لطلب العلم ويعقدون المدارس، فيباهي بعضهم بعضاً، حتى أن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، يعني العالم الذي صاحب الحلقة الفلانية إذا رأى أحد التلاميذ ذهب إلى عالم آخر إلى داعية آخر مقت هذا التلميذ، مقته وغضب عليه، كيف تذهب إلى غيري؟ ألا يعجبك الكلام؟ فهذا والعياذ بالله من علامة خذلان الله عز وجل لهذه الطائفة، فانظر ماذا يختم علي بن أبي طالب، قال: أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله، ونسأل الله السلامة والعافية. هذه المجالس هذه التعب هذا الضنك وهذا الذهاب والعودة إلى هذه المجالس، يذهب في النهاية ولا يحصل منه الإنسان أي شيء، لماذا؟ لأن المقصد لم يكن وجه الله سبحانه وتعالى.
وأختم هنا بهذه الفقرة بخاطر ابن الجوزي رحمه الله تعالى من خواطره، يقول لكم إخواني اسمعوا هذه النصيحة، هذا من كلامه يقول: لكم إخواني اسمعوا نصيحة من قد جرب وخبر، قال إنه بقدر إجلالكم لله عز وجل يجلكم، يتكلم عن الناحية العملية للداعية وللمصلح وللإنسان في هذه الحياة الذي يريد أن يسلك طريق الرشاد، قال: بقدر إجلالكم لله يجله، وبمقدار تعظيم قدره واحترامه يعظم أقداركم وحرمتكم، أي عند الناس. ولقد رأيت والله -يتكلم من تجربته رحمه الله تعالى- يقول: والله لقد رأيت من أنفق عمره في العلم إلى أن كبرت سنه ثم تعدى الحدود، يعني كان في الحياة يشتهر في طلب العلم ويبذل ويقدم ثم بعد ذلك تعدى حدود الله سبحانه وتعالى ولم يعمل بعلمه الذي تعلمه وأفنى حياته في طلبه، قال فهان عند الخلق. هذه هي النتيجة التي أورثها الله عز وجل له، ماذا؟ هان عند الخلق. قال: وكانوا لا يلتفتون إليه لغزارة علمه وقوة مجاهدته، يعني هذا الرجل مع أنه مجتهد في العلم وعنده علم غزير ولكن الله عز وجل صرف قلوب الناس عنه.
من الذي يجعل هذا داعية وهذا المصلح يحبه الناس؟ الله عز وجل هو الذي يكتب القبول، لا تظن أن فقط كثرة العلم هي السبب في إقبال الناس عليك، في الحقيقة القبول من الله عز وجل، لذلك سيذكر رجلاً آخر أو شخصاً آخر قال: ولقد رأيت من كان يراقب الله عز وجل في صبوته، أي في شبابه كان يراقب الله عز وجل ويجاهد النفس ويحاول أن يصونها من مواضع الشبهة والحرام، قال مع قصوره بالإضافة إلى ذلك العالم، هذا الرجل الآخر كان قاصر العلم بالإضافة إلى ذاك العالم النحرير، قال فعظم الله قدره في القلوب حتى علقته النفوس، ووصفته بما يزيد على ما فيه من الخير. يعني هذا إنسان عامي قد يكون أو يكون طالب علم مبتدئ لكن فيه من تقوى الله عز وجل ومراقبة الحركات والخطرات ما جعل الله عز وجل يجعل قلوب الناس تقبل إليه والسبب في ذلك أنه عظم الله عز وجل في قلبه فعظمه الله عند خلقه. هذه هي النتيجة، وأما من جعل الله أهون الناظرين إليه هون الله عز وجل نظر الناس إليه، وهذا فيه عبرة ومتعظ، فنعوذ بالله من علم عاد كلا وأورث ذلاً وصار في عنق صاحبه غلاً.
الآن ننتقل إلى فقرة أخرى من كلام المحاسبي قال رحمه الله: ولا تخالط إلا عاقلاً تقياً، ولا تجالس إلا عالماً بصيراً. وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي جلسائنا خير؟ فقال: من ذكركم بالله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، وذكركم بالآخرة عمله. أيها الأحبة، الآن الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى يتكلم عن الرفقة، ونقول ابتداء الإنسان في هذه الحياة الدنيا، يقولون خُلق مدنياً بالطبع، هذا في علم الاجتماع، يقول الأصل فيه أنه خُلق مدنياً بالطبع، ما معنى مدني؟ أي أنه يحب الائتلاف والاجتماع مع الآخرين ويميل إلى ذلك، ولا يحب الانفراد في جميع شؤون الحياة، فهذا معنى أن الإنسان مدني بالطبع.
طبعاً هناك بعض النظريات الشاذة التي خرجت بعد الثورة الفرنسية لنظرية روسو وما شابه ذلك في علم الاجتماع أنهم يرون أن الإنسان خُلق منفرداً بالطبع متوحشاً يريد أن يغزو على غيره فجاءت أنظمة الدول والحكم لتضبط هذا التوحش. هذه نظريات مخالفة للكتاب والسنة ولما عليه سلف الأمة ولما عليه الواقع وطبع الناس. الإنسان لم يُخلق متوحشاً كما يقولون ولم يُخلق منفرداً يحب الاستئثار. الآن هذه الأنانية وهذا الطبع هذا شيء يرثه الإنسان مع الحياة ومع الممارسة، أما الأصل في الإنسان أنه مدني بالطبيعة يألف الاجتماع مع الناس ويميل إليه ويحب أن يخالطهم في مجالسهم ومآكلهم ومشاربهم. لكن الحارث المحاسبي يقول الآن أهل الرشاد الذين يطلبون الطريق إلى الله عز وجل من يجالس؟ الآن لا بد من المجالسة، لكن من تجالس ومن تخالط ومن هم الذين يشتركون معك في رحلة الحياة إلى الله سبحانه وتعالى؟
هذا الذي يريد الحارث المحاسبي أن يتكلم عنه، لذلك ماذا قال؟ قال: لا تخالط إلا عاقلاً تقياً، الإنسان سيخالط إذاً، ولكن أنا أرشدك: لا تخالط إلا عاقلاً تقياً، ولا تجالس إلا عالماً بصيراً. إذاً هذه هي الصفات. لذلك أيها الأحبة أصحاب الهمم العالية وأصحاب المطالب العلية والذين يريدون الوصول إلى الله سبحانه وتعالى لا يرضون لأنفسهم أن يجالسوا سفهاء الناس وسقطهم وأصحاب الهمم الدنية وأصحاب المطالب الأرضية، لا يجالسونهم، لماذا؟ لأن هذا الصنف أو هذه الطبقة إذا جالسها الإنسان فإنها ستكون عائقاً بينه وبين الطريق إلى الله سبحانه وتعالى.
هذه الطبقة أصحاب الهمة الدنية وسفهاء الناس إما أن يؤذيك وإما أن يشغلك بما لا يعود على قلبك بالصلاح في الدنيا وفي الآخرة وإما أن يضعف همتك وإيمانك، تصور إنساناً يجلس معظم الوقت مع أناس لا يصلون في جماعة، ماذا سيحدث؟ هو الآن يصلي، بعد أسبوع، بعد أسبوعين، بعد شهر، بعد شهرين سينتهي الأمر، هو الآن سيتأثر بهذه البيئة المحيطة به، وكذلك في سائر الأعمال. لذلك الإنسان أن يتحرى من يصاحب ومن يرافق، لذلك المسترشدون أيها الأحبة عندما يختارون الجلساء يختارونهم على درجة عالية، عندهم دقة عالية في الاختيار، يختارون كما ذكر المحاسبي العقلاء الأتقياء أصحاب العلم وأصحاب الحلم، يختارون أناساً إذا رأوهم ذكروهم بالله سبحانه وتعالى.
كما ذكر أبو إسحاق السبيعي رحمه الله تعالى عن شيخه عمرو بن ميمون الأودي قال: إذا رُئي ذكَّر وجهه بالله سبحانه وتعالى. يقول: إذا نظرت لوجه عمرو بن ميمون، إذا رُئي هذا الرجل، يذكِّر وجهه بمن؟ بالله عز وجل من أجل الوقار والخشية والهيبة لله التي ترى في وجهه، بمجرد أن تراه فإنك تخشى الله سبحانه وتعالى. إذاً يختارون هذا الصنف، يختارون أناساً إذا رأوهم لانت قلوبهم القاسية، لذلك يقولون محمد بن واسع، جعفر بن سليمان أحد تلاميذه هذا يقول: كان قلبي إذا...
كان قلبي إذا قسى وأثقلته الذنوب آتي إلى محمد بن واسع فقط أنظر إلى وجهه، إذا نظرت إلى وجهه فإن هذه القسوة تذهب بمجرد أن ينظر فقط إلى وجه محمد بن واسع. قال كان يكون كالثكلى، محمد بن واسع قال كالثكلى. ما معنى كالثكلى؟ أي كالمرأة التي فقدت ابنها.
من شدة خوفه وخشيته من لقاء الله عز وجل ومن شدة عبادته وتضرعه لله عز وجل كأنه كامرأة ملهوفة فقدت ابنها، فإذا رآه صاحب القلب القاسي الجامد ذابت هذه القسوة بمجرد أن يراه. كذلك الإنسان أو طريق المسترشدين يحتاج إلى أناس إذا تكلموا يزيدوا كلامهم علما وإيمانا وقربا من الله سبحانه وتعالى. أنت تحتاج أن تجلس مع الشخص إذا كلمك بشيء زادك قربا زادك إيمانا، لا تحتاج إلى إنسان إذا كلمك أبعدك عن الطريق.
طيب، كيف أختار هذا الإنسان الذي إذا تكلم بكلام يقربني من الله سبحانه وتعالى؟ انظر إلى المواصفات التي أعطاها المحاسبي، قال انظر إلى عقله وانظر إلى تقواه، وانظر إلى علمه وانظر إلى بصيرته في دين الله، وبناء على ذلك تختار شخصا.
عمر بن عبد العزيز أيها الأحبة يقول: لأن يكون لي مجلس مع عبيد الله بن عبد الله. عبيد الله بن عبد الله هذا أحد فقهاء المدينة السبعة، هناك سبع فقهاء في المدينة اشتهروا قبل مالك بن أنس. أحد الفقهاء السبعة العلماء الكبار عبيد الله بن عبد الله. يقول عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي رحمه الله تعالى: لأن يكون لي مجلس من عبيد الله بن عبد الله أحب إلي من الدنيا. أحب إلي ليس فقط زوجته أو أحب إليه من خلافته أو أحب إليه من شيء، قال أحب إلي من الدنيا بأسرها. لماذا؟ لأنه هذا الرجل يزيده قربا من الله، وكل الدنيا تزيد قربا من هذه الحياة، فهو يقول مجلس مع عبيد الله بن عبد الله أحب إلي من الدنيا.
ويقول: والله لأني لأشتري ليلة من ليالي عبيد الله بألف دينار من بيت المال. يقول أنا الليلة الواحدة في مجلسي مع عبيد الله بألف دينار أشتريها من أين؟ قال من بيت مال المسلمين. فقال له المسلمون أو من حضره قالوا له: كيف ذلك؟ يعني كيف أنت تأخذ؟ يعني ألف دينار من جيبك هذه فهمناها، أما ألف دينار من بيت المسلمين؟ هذا ليس لك. فقالوا له تقول هذا مع تحريّك وشدة تحفظك؟ يعني أنت عمر بن عبد العزيز الذي تتحرى الدينار الذي يدخل ويخرج على بيت المال، وتتحفظ من أن يخرج من غير إذن، تدفع ألف دينار من أجل أن تجلس مع عبيد الله؟ فيقول لهم: أين تذهبون؟ يعني أين ذهبت عقولكم؟ والله إني لأعود برأيه بنصيحته وبهدايته على بيت مال المسلمين بالألوف والألوف. يعني الجلسة الواحدة مع عبيد الله بن عبد الله أنا أرد بها ليس ألفا واحدا إلى بيت المال، أعيد الألوف المؤلفة؛ لأن عبيد الله يعطيه الفقه في الدين، ويبصره كيف يفعل وكيف يتصرف.
بهذه الحنكة وبهذه الحكمة وبهذا النور عمر بن عبد العزيز الألف التي أخرجها من أجل أن يجلس مع عبيد الله يعيدها آلاف مؤلفة، وأيها أصلح للمسلمين؟ الآلاف المؤلفة أو الألف التي أخرجها؟ الألف المؤلفة. لذلك هو يقول لهم لا تخافوا، هذه الألف التي يخرجها إنما أخرجها لمصلحة الإسلام والمسلمين، أجلس مع هذا الرجل فأعيد آلافا مؤلفة. قال إن في المحادثة هو يكمل، قال إن يتكلم عن المحادثة مع عبيد الله: قال إن في المحادثة تلقيحا للعقل، وترويحا للقلب، وتسريحا للهم، وتنقيحا للأدب. هكذا كانوا يفهمون المجالسة مع أهل العلم ومع أهل البصيرة في دين الله سبحانه وتعالى.
الإنسان أيها الأحبة إذا عاشر قوما فإنما يعاشر أقواما إذا رأى أعمالهم زهد في عمله. لا تخالط أقواما إذا رأيت أعمالهم تظن نفسك أنك صاحب خير. الإنسان يخالط ويختار في سبيل الرشاد أقواما إذا جالسهم، إذا رأى عبادتهم، إذا رأى ممارستهم وسلوكهم في دين الله عز وجل عرف أن بضاعته مزجاة، وعرف أنه بعيد بعد عن الله سبحانه وتعالى.
إلى أنك إذا صحبت أصحاب دنيا مثلا أنت عندك معصية، هذه المعصية أيها الأحبة التي فعلتها إذا جلست مع من يفعلون ما هو أعظم منها؟ ماذا ستنظر إليها؟ ستنظر هذه معصية صغيرة. يعني أنا أنظر إلى الحرام، هناك من ارتكب الزنا، هؤلاء القوم يرتكبون الزنا، أما أنت إذا جلست مع أصحاب الهمم العالية فإنك عندما تفعل أي معصية صغيرة فإنك ستحتقر النفس وتنظر إليها على أنها شيء كبير؛ لأنك تراقب بها الله عز وجل، وهؤلاء الأقوام الذين تجالسهم أصحاب همم عالية لا يقترفون مثل هذه الأمور.
لذلك عبد الله بن المبارك يقول إذا نظرت إلى الفضيل بن عياض، نموذج آخر. عبد الله بن المبارك أيها الأحبة كان يغزو في أغلب عمره، وكان عالما بصيرا نحريرا. هذا العالم ماذا يقول؟ يقول: إذا نظرت إلى الفضيل بن عياض مقتّ نفسي، مقتّ نفسي، يبكي على نفسه. هذا فضيل عابد من العباد وعبد الله بن المبارك يرى نفسه دنيا معه، هذا عبد الله بن المبارك، فما بالكم في أنفسنا من المقصرين والمفرطين الذين لم نقدم شيئا بعد لله سبحانه وتعالى، فنسأل الله العفو والعافية.
جميل. يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى: قد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه لا لاقتباس علمه، وذلك أن ثمرة علمه هديه وسمته. ابن الجوزي أيها الأحبة يقول الناس في الزمن القديم كانوا يذهبون إلى العلماء ليأخذوا من صمتهم ومن أدبهم. لذلك يقال مجلس أحمد بن حنبل رحمه الله كان يحضره فوق الخمسة آلاف رجل، خمس مئة فقط هم الذين كانوا يكتبون والباقون كانوا ينظرون إلى سمته وإلى أدبه. خمسة آلاف رجل يحضر مجلس أحمد بن حنبل، وقيل أكثر، الذي يكتب كم؟ خمسمائة، والباقون ماذا وظيفتهم؟ ماذا يفعلون؟ فقط يتعلمون من سمته وأدبه رحمه الله تعالى، وما بقيت تقول من اللذات إلا محادثة الرجال ذوي العقول.
الآن ننتقل إلى منزل آخر ذكره الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى يقول: وتواضع للحق واخضع له وأدم ذكر الله تنل قربه. قال صلى الله عليه وسلم: جلساء يوم القيامة الخاضعون المتواضعون الخائفون الذاكرون الله كثيرا.
الآن أتكلم المحاسبي إذا عرفنا أن الإنسان ينبغي أن نكون قائلا بالحق عاملا به، وعرفنا أن الإنسان ينبغي عليه أن يجالس أهل الحق. الآن المحاسبي رحمه الله تعالى يتكلم أن الإنسان يجب عليه أن يخضع للحق وأن يذل نفسه من أجله. لذلك أيها الأحبة الحق كما قلنا هذا شيء ثامن وهذه كلمة عظيمة. الحق لاحظوا هذه القاعدة، الحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال الحق. الحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق. فالرجل إنما يتبع وإنما يقتدى بعمله متى؟ إذا كان قائلا بالحق متمسكا به. وليس الحق حقا لأن فلانا قاله. الآن الحق لا يكون حقا لأن فلانا قاله، الحق يكون حقا لأن الله عز وجل هو الذي جعله الحق.
لذلك يقول العلماء الحق قديم، الحق قديم أي يسبق الرجال، ولكن الرجال هم الذين ينطقون، ولا يكون الحق حقا لأنهم نطقوا به. إذا الحق قديم والحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف به الرجال، والرجل إنما يتبع إذا كان قائلا بالحق. لذلك المؤمن أيها الأحبة يتعصب للحق ولا يتعصب لآراء الرجال، ويخضع للحق ولا يخضع لعقول الرجال ولا لأهوائهم. وكم من إنسان أضاع دينه ودنياه وهو يتعصب لآراء الرجال ويدافع عن هذه الآراء بعد أن ظهر فسادها وبان عوارها. يدافع وينافح وقد علم الفساد، وظهر العوار، لكن نفسه تأبى أن يقال فلان أخطأ.
لماذا يدافع؟ لماذا يأبى أن يرجع للحق؟ لماذا يأبى أن يخضع للحق الذي ظهر بالأدلة الواضحة؟ لحتى لا يقال فلان أخطأ في هذه المسألة. فهذا حاله حال فرعون والعياذ بالله: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين. كل إنسان عرف الحق ولكنه أبى أن يعود إليه بعد أن استبان فهذا مفسد كما وصف الله عز وجل قوم فرعون، إنهم لما عرفوا الحق وجحدوه أفسدوا، وكذلك حال كل من يعرف الحق ويعرض عنه ويستكبر عن الانصياع له.
لذلك على طالب العلم أن يحذر أيها الأحبة من هذه الآفة. هذه الآفة عصفت بطلبة العلم وعصفت بالدعاة وعصفت بالعلماء وعصفت بمن يرفعون شعار الإصلاح، تجدهم يتعصبون لمشايخهم ولطرقهم ولأحزابهم ولتجمعاتهم فوق الحق. هذا التعصب أيها الأحبة الذي أضعف الأمة في الحقيقة وشتت الكلمة، تجد الإنسان يدافع وينافح عن رجال وعن أشخاص وعن آراء بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فقط لأن فلانا قال قولا فيقوله هو. إذا هل هو يتبع الحق أم يتبع الرجال؟ هو يتبع الرجال، هو لا يريد الحق لأنه لله سبحانه وتعالى، هو يريد أن يتبع فلانا، إذا قال الحق قاله، إذا قال الباطل قاله. فهذه ليست حالة سوية، وهذا كما يقول العلماء هو بريد النفاق والرياء.
لماذا؟ الآن الإنسان الذي يريد بالحق وجه الله سبحانه وتعالى، ويبذل في البحث من أجل أن يرضي الله سبحانه وتعالى الطاقة من أجل الوصول إلى الحق، هذا الإنسان لا يتعصب للرجال، وهذا الإنسان إذا ظهر له الحق مع الفريق الآخر فإنه يذهب إليه، يخضع للحق. الإنسان الذي إذا ظهر له الحق لا ينقاد إليه ويسارع في إمكانه مع ظهوره بالأدلة الجلية الواضحة، إذا هل هذا مخلص لله سبحانه وتعالى؟ هل هذا يريد وجه الله عز وجل في الوصول إلى الحق؟ لا، هذا يريد شيطانه ويريد هواه ويريد شيخه وطريقته ومن ينتمي إليه. فعلى الإنسان أن يحذر من هذه الخصلة، لأنها لا تتعلق بالعوام، بل اشتد خطرها في طلبة العلم في التعصب لطرائقهم ولمشايخهم ولمن ينتمون إليهم، فيا لها من فتنة تصم العقول ونسأل الله العافية.
لذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في مفتاح دار السعادة، هذا الرجل أي إنسان عرض عليه حق فرده عوقب بماذا؟ قال عوقب بفساد عقله وقلبه ورأيه. هذه الدنيوية، هناك عقوبة أخروية تنتظره، لكن انظر العقوبة الدنيوية. العقوبة الدنيوية أن تسلب منك البصيرة في دين الله. يقول ابن القيم كل من عرض عليه حق فرده عوقب بماذا في الدنيا؟ عوقب بفساد عقله وقلبه ورأيه، فعقله لا ينتظم بحال في جميع الحياة، وقلبه لا يكون مع الله سبحانه وتعالى، وكذلك رأيه يكون فاسدا في جميع شؤون الحياة. هذه الضريبة أو هذا عقاب ما سببه؟ عاقبه الله عز وجل به لأنه أعرض عن الحق بعد أن استبان له. فنسأل الله العافية، ونسأل الله أن يردنا إلى الحق، وأن يجعلنا منقادين له متى ظهر وأينما ظهر ومع من ظهر، فنسأل الله أن يجعلنا معه.
لذلك أيها الأحبة أهل الرشاد ومن سمات المسترشدين أنهم دائما يرتحلون مع الحق، لا يقفون مع شيخ ولا مع طائفة ولا مع رجل، يقفون فقط مع الحق، لأنه الحق الذي يرضي الحق سبحانه وتعالى، والحق أيها الأحبة عليه نور. يعني يقول الإنسان كيف استدل على الحق؟ نقول الحق عليه نور، هذا النور لا يراه الإنسان إلا إذا كان قد أعد العدة لأن يتقبله مع من كان ومع أي شخص كان.
هناك أشخاص في الحقيقة الله عز وجل يعلم ما في قلوبهم، هو لا يريد الوصول إلى الحق، هو يريد الوقوف مع الطائفة أو مع الشيخ أو مع الطريقة أو ما شابه ذلك. هو في قلبه ليس مستعدا لأن يتقبل الحق إذا خرج مع غيره، هذا الشخص الله عز وجل يجعل على بصيرته عماية، لا تهديه إلى نور الحق. أنت تريد نور الحق أن يظهر لك وأن يستبين لك، عليك أن تستعد بأن تقبل الحق مع أي شخص كان، ومع أي طائفة كان. هذا الحق أيها الأحبة لا يستطيع إنسان أن يحصره في فرد بحد ذاته ولا يستطيع أن يحصره في شخص وفي أشخاص وفي طائفة، الحق قد تجده عند تلك الطائفة وقد تجده عند تلك الطائفة، وقد تجد جزءا من الحق مع تلك الطائفة، وهذه سنة الله سبحانه وتعالى: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. لكن الموفق هو من أعد العدة لأن يتقبل الحق مع من كان. فهو يقول يا رب أنا هذا القلب أعده، أين الحق أرشدني إليه؟ فإذا دعا الله عز وجل بصدق وإخلاص أراه الله عز وجل ذاك النور الذي على الحق. والحق عندما يدخل القلب أيها الأحبة تستريح إليه النفوس وتطمئن إليه، ويجد الإنسان له حلاوة وامتزاجا مع القلب لأنه يوافق الفطرة، وجميع الأقوال الردية والمذاهب الباطلة إذا دخلت القلوب فإن الإنسان في قلبه يجد لها قساوة ويجد حرقة، وإن كان في الظاهر ينافح عنها ويدافع عنها، لكن هناك عذاب الشك وعذاب عدم اليقين وعدم الاستنارة بنور الله سبحانه وتعالى.
لذلك الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ذكر قصصا من قصص علماء عادوا إلى الحق، علماء عادوا إلى الحق بعد أن استبان لهم، فذكر قال حكى أبو نعيم في حلية الأولياء والحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في عبيد الله بن الحسن العنبري، عبيد الله بن الحسن العنبري هذا أحد العلماء، كان عنده بعض الأمور العقدية المخالفة لطريقة أهل السنة والجماعة، لكن هذا الرجل عرف بالرجوع إلى الحق متى ظهر له. يقول عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى، هذا تلميذه قال كنا في جنازة، ابن مهدي يقول كنا في جنازة مع عبيد الله العنبري، فسألته عن مسألة فغلط فيها، الآن عبد الرحمن بن مهدي هذا تلميذ العنبري، وقال وكنت حدثا يعني كان شابا صغيرا، فسأل العنبري عن مسألة، العنبري غلط في الإجابة عن هذه المسألة، قال وأنا يومئذ حدث أي شاب صغير، فقلت له: ...
حكى الله ليس هكذا، يعني المسألة ليست هكذا، الظاهر أنك أخطأت فيها. فماذا قال؟ طبعاً ذكر وقال والقول فيها كذا وكذا. فأطرق ساعة؛ يعني جلس يفكر ساعة، طبعاً ساعة ليس مراد الساعة ستين دقيقة، إنما يعني له فترة من الزمن. فأطرق ساعة ثم رفع رأسه فقال: صدقت يا غلام. إذاً أرجع إلى قولك، وأنا صاغر، لأن أكون ذنباً في الحق خير من أن أكون رأساً في الباطل. انظر هذه العبارة من إنسان عارف يخشى الوقوف بين يدي الله، قال: لأن أكون ذنباً في الحق خير من أن أكون ماذا؟ رأساً في الباطل. وهذه كلمة يعني تدل على ورعه رحمه الله تعالى.
وكذلك جاء في تهذيب التهذيب في ترجمة مالك بن مغول الكوفي رحمه الله تعالى، قال أحمد بن حنبل: سمعت سفيان بن عيينة يقول: قال رجل لمالك بن مغول: اتق الله. يعني رجل عالم عابد، تقول له اتق الله! لو أن إنساناً قال لنا اتق الله، ماذا نقول له؟ اتق الله أنت. يعني كأنه سبنا، فهذا رجل عالم عابد يأتيه رجل من عوام الناس يقول له اتق الله، فماذا قال؟ قال: فوضع خده بالأرض، أي ذلاً وخضوعاً لهذه الكلمة أنها كلمة حق. هكذا كان دأبهم رحمه الله تعالى. الإنسان لا يريد هذه الدنيا، ليس حريصاً أن يُثنى عليه أو أن يقال الشيخ الفلاني وله طائفته وجماعته ومن حوله ويصفقون له ويفعلون له ويعملون له اللايكات على الفيس وما شابه ذلك، لأ ما الهدف؟ الهدف وجه الله سبحانه وتعالى؛ إذا ظهر الحق يتبعه ولو على رأسه وعلى رغم أنفه.
بعد ذلك أيها الأحبة يعني نختم بالكلمة الأخيرة التي قالها رحمه الله: طعن الحق وأخضع له، وأدم ذكر الله تنل قربه. هذه هي المنقبة العظيمة التي ننهي بها، وهي ذكر الله سبحانه وتعالى، والذكر والله حياة القلوب وهو بريد المحبة. الإنسان في هذه الدنيا إذا أحب شيئاً أكثر من ذكره؛ فمن أحب هذه الدنيا وكانت الدنيا تملأ قلبه وروحه ووجدانه ستجده دائماً يكثر من الدنيا ومن ذكرها، إما مثنياً عليها وإما ذاماً لها. كذلك ذلك الإنسان إذا عشق صورة، عشق فتاة، عشق شيئاً من ملذات الدنيا، ستجده دائماً ماذا؟ يلهج بذكره. هكذا فطر الله الإنسان، الشيء الذي يملأ القلب دائماً على اللسان. أما من كان الله عز وجل هو الذي يملأ عقله وروحه وقلبه، فإن هذا اللسان سيكون دائماً لاهجاً لله عز وجل، يستأنس بهذا الذكر. هو لماذا الإنسان يكثر من ذكر الشيء الذي يملأ قلبه؟ لأن هذا الذكر يشعره بالأنس؛ لأنه يتذكر.
وشتان بين من كان حبيبه الله سبحانه وتعالى وبين من كان حبيبه ملذات هذه الدنيا، لذلك يعني يقولون أين المحبون؟ أين المشتاقون إلى الله سبحانه وتعالى الذين إذا ذكر الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وإذا ذكر الله عز وجل اقشعرت جلودهم؟ يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في طريق الهجرتين ناظماً لهذه الأبيات يقول: لقد كان يسبي القلب في كل ليلة ثمانون بل تسعون نفساً يهيم بها، ثم يألف غيره ويسلوهم من فوره حين يصبح. يعني يفكر الليلة في هذا الشخص ثم الليلة الأخرى يفكر في شخص آخر، ثم عندما يستيقظ من الصباح ينسى الجميع وتعود هذه الدوامات. لقد كان قلبي ضائعاً قبل حبكم فكان بحب الخلق يلهو ويمرح. فلما دعا قلبي هواك أجابه فلست أراه عن خباك يبرح. حرمت تمني منك إن كنت كاذباً وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح. وإن كان شيء في الوجود سواكم يقر به القلب الجريح وكم مشتري في الخلق قد سام قلبه فلم يره إلا لحبك يصلح. هوى غيركم نار تلظى ومحبس وحبكم الفردوس بل هو أفسح. فيا ضيم قلب قد تعلق غيركم ويا حسرة مما يجول ويكدح. هكذا كانت علاقة ابن القيم بالله سبحانه وتعالى؛ إنسان محب يشعر بهذه المعاني في قلبه وفي وجدانه مع الله سبحانه وتعالى، فأورثه ذلك ذكراً لله عز وجل، وبصيرة في دينه.
لذلك أيها الأحبة يقولون لو لم يكن لذكر الله عز وجل منقبة إلا أن الله عز وجل يذكرك عنده لكفى بذلك منقبة. ماذا قال تعالى؟ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث القدسي: يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه. انظروا إلى هذه الجمالية، يقول الله عز وجل: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي. يعني الذي يذكر الله في نفسه الله عز وجل يذكره في نفسه، قال: وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه الذي ذكرني فيه. فالله عز وجل أيها الأحبة يثني عليك ويذكرك في الملأ الأعلى. إذاً هذه الهمم وهذه الروح لا تسمو إلى هذه المطالب العلية إلا إذا كانت تجل الله سبحانه وتعالى؛ يعني إنسان لا يعرف الله عز وجل هل يمكن أن يفكر في مثل هذه المعاني الإيمانية الرائعة؟ لا يمكن.
فالمرجع في ذكر الله عز وجل، بل المرجع في جميع أعمال القلوب، أن تكون عارفاً بالله. إن عرف الله عز وجل بأسمائه وصفاته وجلاله وكبريائه تشوقت نفسه بأن يذكرها الله عز وجل وهو مستو على عرشه بين ملائكته. ماذا يريد الإنسان من ذكر الناس له في الدنيا في المدارس؟ ماذا ينتفع من أن يثني الناس عليه في هذه الدنيا؟ هل ينتفع بشيء؟ في الحقيقة هذا لا ينتفع به الإنسان، وإنما الذي ينفع هو أن يذكر الله عز وجل عبده، وأن يثني عليه في الملأ الأعلى. لذلك الله سبحانه وتعالى أمرنا وخليله وحبيبه صلى الله عليه وسلم بأن يصابر نفسه مع الذاكرين، فقال سبحانه: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا. انظر إلى هذا الخذلان! الله عز وجل يقول لا تطع من أغفلنا الله عز وجل، أغفل هذا الإنسان عن ذكره؛ لأن هذا الإنسان لم يبذل السبب، فالله عز وجل عاقبه بماذا؟ بالخذلان: وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا.
لذلك أيها الأحبة من غفل عن ذكر الله عز وجل حياته ضنك، وهذا بنص كتاب الله عز وجل: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ. ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك. الذكر للقلب مثل الماء للسمك. الآن السمك إذا رفعناه من الماء ماذا يحدث؟ كذلك القلب إذا ذهب عنه الذكر يموت. وهذا كان حال ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ يعني يذكر ابن القيم قال: حضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إلي وقال: هذه غدوتي. أي هذا هو الغداء. ما هو؟ ذكر الله سبحانه وتعالى، ولو لم أتغدى الغداء سقطت قوتي، أو كلاماً قريباً من هذا. وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة إلى ذكر آخر. يعني هو يستريح فقط من أجل أن يعود للذكر. نحن في وقت الراحة نذكر الله عز وجل وهو بالعكس؛ هو يستريح من الذكر ليعود مرة أخرى إلى الذكر.
الآن أيها الأحبة ما فوائد الذكر؟ سريعا نقرأها من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلمة الطيب، يقول عن ثمار الذكر في حياة العبد المؤمن وما الذي يجنيه من ذكر الله سبحانه وتعالى في سلوكياته؟ يقول رحمه الله: أولاً يرضي الرحمن، ثم يزيل الهم والغم عن القلب ويجلب له الفرح والسرور، ويقوي البدن والقلب، ويجلب الرزق، يعني من يبحث كذلك عن الرزق سيجده بإذن الله في ذكر الله، ويجلب الرزق، ويكسب الذاكر المهابة والحلاوة والنضرة، ويورثه المحبة التي هي روح الإسلام وقطب رحى الدين ومدار السعادة والنجاة. فقد جعل الله لكل شيء سبباً، وجعل سبب المحبة دوام الذكر. يعني أنت بقدر ما تذكر الله عز وجل بقدر ما تزداد محبتك لله سبحانه وتعالى، وبقدر ما تزهد في ذكر الله عز وجل بقدر ما تنقص هذه المحبة من قلبك. أنت إذا ذكرت هذا الشيء يبدأ يتعلق بالقلب ويدخل في القلب قليلاً قليلاً. فوسيلة أو السبب الذي يوصلك ويثمر لك محبة الله عز وجل هي المداومة على الذكر.
يعني أيها الأحبة نحن في حياتنا حقيقة نجد جفوة بل في علاقتنا مع الله سبحانه وتعالى. الآن نريد حلاً عملياً حتى يصلح الإنسان قلبه، وحتى يشعر أن هناك علاقة محبة بينه وبين مولاه وبين خالقه، ما هو السبب أو ما هي الوسيلة؟ أن تداوم على ذكر الله. لذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى ينصح ابن القيم يقول له: ينبغي أن يكون لك أوراد في كل يوم. هذه نصيحة من ابن تيمية لابن القيم: ينبغي أن يكون لك أوراد. وكذلك المسلم هناك أوراد يجب عليه أن يواظب عليها كل يوم لا يتركها، يجعلها من بعد الفجر إلى طلوع الشمس، أو يجعلها من بعد العصر إلى مغيب الشمس، المهم لا بد من مجالس ذكر يختلي بها الإنسان بنفسه يذكر الله عز وجل، يعود نفسه على ذكره والثناء عليه واستحضار عظمته. هذه المدارسة قليلاً قليلاً ترقيك وتسمو بك، لكن عليك أن تجاهد وأن تصابر.
لذلك قال: فمن أراد أن ينال محبة الله عز وجل فليلهج بذكره، فإن الدرس والمذاكرة كما أنه باب العلم فالذكر باب المحبة. يعني كما أنك إذا ما تدرس علماً وتذاكره هذا العلم يحيا في قلبك، كذلك إذا ذكرت الله عز وجل فإن محبة الله سبحانه تحيا في قلبك. قال: ويورث الذكر الذاكر المراقبة حتى يدخله في باب الإحسان فيعبد الله كأنه يراه، ويورثه الإنابة وهي الرجوع إلى الله والقرب منه، ويفتح له باباً عظيماً من أبواب المعرفة، ويورثه الهيبة لربه وإجلاله لشدة استيلائه على قلبه وحضوره مع الله بخلاف الغافل. ثم قال: ويورث جلاء القلب من صداه. قلب الإنسان عليه صدأ، الصدأ ما سببه؟ كثرة المعاصي والذنوب والغفلة. لا يوجد إنسان فينا إلا عنده معاصي وعنده ذنوب سببتها هذه الحياة له، وغفلته عن ربه سبحانه وتعالى. فهذه الذنوب تنكت نكتة سوداء على قلبه، ثم يعلو عليه الران والعياذ بالله، ونسأل الله السلامة.
الآن القلب عندما يصدأ أيها الأحبة يحتاج إلى شيء يبعد عنه هذا الصدأ ويجليه مثل المرآة، عندما تأتي تأتي عليه الأقذار لا بد أن تنظفها وتزيل عنها هذه الأقذار. فيقول هذا هو الذكر، الذكر كآلة منظفة تمسح الصدأ أو تزيل الصدأ عن القلب فيعود القلب نقياً صافياً ينظر بنور الله. قال: ويورث جلاء القلب من صداه؛ فكل شيء له صدأ، وصدأ القلب الغفلة والهوى. إذاً ما هو صدأ القلب؟ الغفلة عن الله سبحانه وتعالى واتباع الهوى. وجلاؤه، أي وجلاء هذين الأمرين وهما الغفلة والهوى بماذا يكون؟ قال الذكر والتوبة والاستغفار، ويحط الخطايا ويذهبها لأنه من أعظم الحسنات؛ لأنه من أعظم الحسنات وَالْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، ذلك ذكراً للذاكرين. ويزيل الوحشة بين العبد وبين ربه، وهو منجاة للعبد عن عذاب الله، كما قال معاذ رضي الله عنه في الحديث المرفوع: ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله سبحانه وتعالى. قال: وهو سبب لنزول السكينة على العبد، وغشيان الرحمة له، وحفوف الملائكة به، وهو غراس الجنة.
ثم بعد ذلك ختم بحال ابن تيمية حتى نختصر، قال: ويعطي الذاكر قوة، يقول الذكر لله عز وجل يعطيك قوة في البدن، يعطيك قوة في البدن، وهذا لمن جرب سيجده. القوة في البدن تأتي من ذكر الله سبحانه وتعالى، ولكن بشرطها، أن تذكر الله عز وجل بالشروط وبالآداب التي يذكرها أهل العلم. أما الذكر مع الغفلة فهذا أثره ضعيف، وإن كان ينبغي للإنسان أن يواظب عليه كما سيأتي معنا. لذلك يقول ابن القيم قال: ويعطي الذاكر قوة حتى أنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه. وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في سنه وكلامه وإقدامه وكتابته أمراً عجيباً. يعني كان يكتب، يقول ابن تيمية يكتب كتباً كثيرة في يوم واحد يحتاج العلماء إلى سنوات حتى يصنفوها، في يوم واحد يكتبها؛ فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة وأكثر. وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمراً عظيماً؛ لأنه قاد الحرب ضد التتار الذين غزوا بلاد الشام.
الآن أيها الأحبة ما أفضل الذكر؟ الآن الذكر له مراتب عند العلماء، أفضل الذكر هو ذكر القلب واللسان، الذكر الذي يتواطأ فيه اللسان مع القلب، فيذكر الإنسان بلسانه ويكون حاضر القلب، مستحضراً لهيبة المولى عز وجل، هذا أرفع أنواع الذكر، وهذا يحتاج إلى مثابرة وإلى مجاهدة وإلى مصابرة. أكثرنا وأنفسنا عندما نذكر الله عز وجل نجد الغفلة، بعد الصلاة نسبح: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، ربما تنتهي.
ثلاث دقائق، دقيقتين ونصف، تجدها سريعة تذهب. سبحان الله والحمد لله والله أكبر؛ لأن الإنسان يكون يفكر: ماذا سيأتي إلى الأهل؟ وماذا سيشتري؟ وماذا سيفعل؟ من حضر؟ ومن غاب؟ إذا هناك غفلة نحن نشعر بها في حياتنا، لذلك درجتنا في الذكر لم تصل بعد إلى هذه الدرجة، ونسأل الله أن يعيننا على الوصول إليها، درجة الذكر بحضور القلب واللسان.
المرتبة الثانية: أن يذكر الإنسان بقلبه، وهذه حالة كذلك يعني مرتبة سامية رفيعة؛ أن يكون الإنسان في شغله في عمله وقلبه دائما يفكر بالله سبحانه وتعالى، وهو يمارس عمله وهو يحل واجباته وهو يطلب العلم وهو يعمل مهندسا موظفا إعلاميا أينما ما كان في هذه الدنيا إذا كان في عمله قلبه وعقله يفكر بمن؟ بالله سبحانه وتعالى، وهذه كذلك مرتبة سامية رفيعة لا يصلها الإنسان إلا بالمجاهدة والمثابرة.
المرتبة الثالثة والأخيرة: هي ذكر اللسان فقط، هو أن يذكر باللسان لا يشعر بحضور القلب، أن يذكر بلسانه فقط من دون أن يشعر بحضور القلب. الآن يقول الإنسان: بما أن هذه المرتبة دنية أنا لا أريد أن أفعلها، أنا أريد المرتبة العالية! أقول: لن تصل إلى المرتبة العالية إلا بالمرور بهذه المراحل، نعم مرتبة الذكر فقط مع الغفلة افعلها وإن كنت غافلا، افعلها وإن كنت غافلا؛ لأنك بإذن الله عز وجل الله سيرفعك من هذه المرتبة إلى مرتبة أسمى منها.
لا تترك الذكر لعدم حضورك معه فيه؛ لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره، غفلتك عن ذكر الله أشد من غفلتك في ذكر الله، يعني أنت تغفل أثناء الذكر، هذا نعم الأصل أن لا تغفل، لكن غفلتك عن الذكر ابتداء وتركك للذكر ابتداء هذا أشد، لذلك لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه؛ لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة، كما قال السكندري رحمه الله تعالى. يعني الإنسان يواظب يبذل، فعسى الله عز وجل أن يرفعك من ذكرك مع غفلة في قلبك إلى ذكر مع يقظة في قلبك، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة.
قال معاذ، قال صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من أن تنفقوا الذهب والفضة، وخير لكم من أن تقاتلوا عدوكم، فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم؟ انظر الأمر العظيم! الآن الإنسان سيتصور أن هناك شيئا مهولا، أزكى الأعمال وأفضلها وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من أن تنفقوا الذهب والفضة، ومن أن تقاتلوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم، ما هي يا رسول الله؟ قال: هي ذكر الله سبحانه وتعالى. هذا شيء قليل، لكنه عظيم عند الله سبحانه وتعالى، وهو شيء يسير لكنه عظيم عند الله سبحانه وتعالى.
لذلك أيها الأحبة، الإنسان يقول: الذكر هذا أسهل شيء، إذا كانت القضية بهذه السهولة وخير من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، الأحبة المواظبة على الذكر حقيقة تحتاج إلى مجاهدة وصبر، يعني الإنسان عندما يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم يقول إنه يستغفر في اليوم أكثر من مئة مرة، أكثر من سبعين مرة، الإنسان يقول: هذا أمر سهل، سبعين مرة النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر سبعين مرة، إذا هذا مقدور عليه. نعم هو في الأصل مقدور عليه، لكن المواظبة عليه هي التي فيها تعب، قليل دائم خير من كثير منقطع، هذا أصل، لكن الإنسان ربما اليوم أسبوع شهر يواظب على سبعين استغفار في اليوم ومئة استغفار، لكن العبرة بأن تستمر طول عمرك، وهذا كان حاله صلى الله عليه وسلم، عندما تستمر عشرين سنة ثلاثين سنة على الذكر بهذا النفس، من يستطيع المواظبة على هذا؟ ها هنا الصعوبة وهنا المجاهدة وهنا المثابرة.
قال صلى الله عليه وسلم: إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل، ومن هذه الكلمات هذا فائدة ومن ثمرات الذكر، قال: وآمركم أن تذكروا الله. يحيى بن زكريا وعظ بني إسرائيل وأمرهم بما أمره الله به، قال: وآمركم أن تذكروا الله، انظروا إلى هذا المثل، قال: فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً، الآن الذي يذكر الله مثله كمثل رجل يهرب من عدو، العدو خلفه يريد أن ينقض عليه، حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله، إذا الأذكار أيها الأحبة مثل الحصن على العبد المؤمن، تحرزه من همزات الشياطين وأن يحضرون.
لذلك العبد المؤمن إذا أراد أن يقي نفسه من الشيطان، أراد أن يقي نفسه من الحسد، أراد أن يقي نفسه من العين، أراد أن يقي نفسه من كل هذه الأمراض النفسية والأمراض التي يعيشها الناس اليوم ويندفعون إلى الأطباء، عليه أن يذكر أذكار الصباح، يذكر أذكار المساء، أذكار الاستيقاظ من النوم، إذا دخل الخلاء يذكر الأذكار، من يحافظ على هذه الأذكار فإنه يكون في حصن حصين، والله عز وجل يحميه من الشياطين ومن أعوانهم من الإنس والجن. لكن إنسان لا يذكر الأذكار، لا يحافظ على أذكار الصباح، لا يجلس بعد الفجر ولو ربع ساعة نصف ساعة يذكر هذه الأذكار ويذكر الله سبحانه وتعالى ويثني عليه، لا يجلس بعد العصر أو قبل المغرب يذكر الله، إذا دخل الخلاء دخل من دون أذكار، إذا نام نام مثل البهائم بدون أذكار، هذا الإنسان ستأتي عليه الشياطين وسرعان ما تصيبه كل الأمراض النفسية والدنيوية الظاهرة والباطنة. إذا النبي صلى الله عليه وسلم يعطينا هذه النصيحة، يعني هذه نصيحة ليست مني وليست من المحاسبي من محمد صلى الله عليه وسلم، يقول لك الذي يذكر الله عز وجل هذا في حصن حصين يحميه من كل هذه الأمراض، فعلى الإنسان أن يسارع ويبادر إذا أراد سلوك طريق الرشاد.
يقولون لنختم بهذا، يقولون من القصص التي ذكرت في ذكر الله عز وجل: الإمام أحمد بن حنبل دخل إلى المسجد مرة، فإمام المسجد أراد أن يغلق الباب، فمسك الإمام أحمد وألقاه في الخارج، هو لا يعرف الإمام أحمد بن حنبل، عاد الإمام أحمد بن حنبل مرة أخرى داخل المسجد، الظاهر وجد مدخلا دخل منه للمسجد، جاء لخادم المسجد فرأى الإمام أحمد بن حنبل هو لا يعرفه، فمسك الإمام أحمد حمله وألقاه في الخارج، يقول جره وألقاه في الخارج. اليوم ابن حنبل لم يعرف أين يبيت تلك الليلة، وكان يريد أن يبيت تلك الليلة، لا لم يعرف أين يذهب، فرأى خبازا بقرب المسجد، فذهب إليه وجلس عنده، قال: أريد أن أبيت عندك هذه الليلة، فقال له الخباز: تفضل. الآن الإمام أحمد نظر إلى الخباز فوجده يكثر من ذكر الله تلك الليلة ما غفل عن ذكر الله هذا الخباز، فالإمام أحمد تعجب من جلد هذا الخباز، رجل عامي لا يعرفه الناس قد يكثر من ذكر الله عز وجل.
فالإمام أحمد سأله، قال له: يا فلان أراك تكثر من ذكر الله عز وجل؟ يعني طريقة عجيبة في الإكثار ساعة ساعتين ثلاث أربع خمس ساعات تذكر الله سبحانه وتعالى؟ قال: عندما أذكر الله عز وجل لا أدعوه شيئا ولا أسأله شيئا إلا أجابني، يعني ذكر الله عز وجل وسيلة لأن يلبي الأماني والطموح، فأنا أذكر الله، بعد أن أذكر الله إذا سألت الله شيئا أجابني، قال: هل أجابك في كل شيء؟ قال: قد أجابني في كل شيء إلا في شيء واحد. قال: ما هو؟ قال: كنت دعوته أن يريني أحمد بن حنبل، فقال له: أدرك أحمد بن حنبل على قدميه، وكان من الدعاء الوحيد الذي لم يجبه الله ما هو؟ أن يرى أحمد بن حنبل، الله عز وجل جعل إماما يخرج أحمد بن حنبل بقدميه من المسجد ويؤتي به إلى الخباز حتى يجيب دعاء هذا الخباز.
لذلك ابن القيم رحمه الله تعالى حتى نختم الآن، الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى في هذا المجلس الذي ذكرناه قال: على الإنسان أن يقول الحق ويعمل به، وعلى الإنسان أن يجالس أصحاب الحق، وعلى الإنسان أن يتواضع للحق، وكذلك على الإنسان أن يديم ذكر الله سبحانه وتعالى.
سؤال يتكرر من الناس: كيف أختار القدوة؟ كيف أختار القدوة في حياتي؟ كيف أختار الداعية المصلح الذي يكون قدوة أقتدي به؟ ابن القيم يعطيك الوصفة التي تختار بها الشخص الذي يصلح ويصح أن يقتدي به ويكون قائدا لك في طريقك إلى الله سبحانه وتعالى، يقول: إذا أراد العبد أن يقتدي برجل فلينظر، هل هو من أهل الذكر أو من الغافلين؟ إذاً أولا تنظر إلى الناحية الإيمانية في حال هذا الرجل الذي تريد أن تختبره، هل هو ممن يشغل لسانه بذكر الله سبحانه وتعالى؟ إذا قام في أذكار الصباح والمساء وهذا يظهر في حال الإنسان. قال: هل هو من أهل الذكر أو من الغافلين؟ إذاً هي قضية الذكر.
ثم قال: وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟ هذه القضية الأولى اللي هي تواضع للحق، هذه القضية الأولى إذا كان الإنسان لا يتواضع للحق عليه ماذا؟ هواه، أما إذا كان متواضعا للحق فالحاكم الفعلي الحقيقي عليه هو شرع الله سبحانه وتعالى، قال: وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟ قال: فإن كان الحاكم عليه هو الهوى وهو من أهل الغفلة كان أمره فرطا، يعني هذا الإنسان الذي تريد أن تتبعه إذا نظرت في حاله فرأيته متبعا لهواه ورأيته قليل الذكر وضعيف العبادة لله سبحانه وتعالى فهذا أمره فرطا، كما ذكر الله في كتابه ضائع، فكيف يستحق أن يكون متبوعا؟ قال: وهو من أهل الغفلة فكان أمره فرطا، قال: فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه، فإن وجده كذلك أي من الغافلين فليبتعد عنه، وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله عز وجل وغلب عليه اتباع السنة وأمره غير مفرط فيه، بل هو حازم في أمره فليستمسك بغرزه. هذا الشخص هو الذي تستمسك به، تراه يقول ويعمل، تراه يعود إلى الحق متى ظهر له، تراه إذا ذكر الله عز وجل فاضت عيناه، تراه يذكر الله سبحانه وتعالى ويعمر مجالسه بذكر الله عز وجل، هذا الشخص هو الذي يصلح لأن يكون قدوة وإماما للناس.
أما الحديث الذي ذكره المحاسبي رحمه الله تعالى فهذا الحديث نعود إليه نقرأه سريعا في صفحة مئة وسبعة عشر، قال صلى الله عليه وسلم: جلساء يوم القيامة الخاضعون المتواضعون الخائفون الذاكرون الله كثيرا. هذا الحديث استشهد به على مسألتين: على مسألة التواضع للحق، وعلى مسألة ذكر الله، الذي طبق ذكرهما المتواضعون الخضوع للحق، الذاكرون الله كثيرا ذكر الله عز وجل. هذا الحديث كذلك لا يوجد في الكتب المشهورة المعتمدة فليس بالحديث المعتمد، هذا الحديث لا يعتمد لأنه لا يوجد في الكتب المشهورة، فالله أعلم بحاله. يرحمك الله، نحن لا نجزم بالضعف، وهذا لحظ، الحديث إذا لم نجده نقول ضعيف ربما بالمعنى الاصطلاحي للمحدثين، أو نقول لا نقبله لأننا لم نجد له سندا، ولكن هل يمكن أن يكون المحاسبي من المتقدمين أيها الأحبة من عصر السلف، هل يمكن أن يكون وقف له على إسناد صحيح؟ يمكن ذلك عقلا، لذلك نتوقف فنقول الله أعلم بحاله لأننا لم نجد.
الآن هناك أحاديث نجد سندها فنعرف مثلا النبي كذابا، جميل؟ فنقول هذا الحديث مكذوب، الآن حديث لم نجد له إسنادا نتوقف لنقول هذا حديث لا نستدل به لأننا لم نجد له إسنادا، فهو من الناحية الحديثية لا يقبل، ولكن هل يمكن أن يكون صحيحا؟ نعم يمكن أن يكون الحارث المحاسبي وقف له على إسناد لم يذكره في هذا الكتاب اختصارا، فالله أعلم بحال هذا الحديث، لكن كما نقول لا نعتمد عليه قبل الوقوف على حاله بالضبط، وهذا نهاية المجلس، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل