والله ما في هذه الدنيا لك من اشتياق العبد للرحمن هم يسمعون كلامه. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الحمد لله الذي أخرجنا من ظلمات الجهل إلى نور العلم والعرفان. الحمد لله الذي أخرجنا من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
أحمده سبحانه وأشكره هدانا لوحده إلى نور العلم والإيمان. هدانا وأخرج لنا سبيل مرضاته ومنهج المتقين. ثم انقسم العباد ما بين متبع لمولاه ساع في مرضاته، وما بين متبع لهواه مشاق لسيده وخالقه. وأصلي وأسلم على أزكى البرية، وعلى خير البشرية، على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، ومنارة للمهتدين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين.
وبعد أيها الأحبة، فإن الله سبحانه وتعالى إنما خلقنا في هذه الحياة الدنيا، وأوجدنا في هذه الأرض لنعمرها وفق منهج الله سبحانه وتعالى. الله خلقنا من أجل أن نعمر هذه الأرض وفق ما يرضيه، والعبد لا يتأهل لهذه الوظيفة ولا يستطيع أن يقوم بأعباء هذه الأمانة إلا إذا قام بتطهير نفسه وتزكيتها، وتخليصها من الأرجاس والأنجاس. فكما أن للبدن نجاسة تدرك بالبصر، كذلك للقلب وللنفس نجاسة تدرك بالبصائر.
لذلك أمر ربنا سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في بداية رحلة دعوته إلى الله سبحانه وتعالى وفي بداية رحلته في عمارة هذه الأرض أمرَه بتطهير نفسه، فقال سبحانه: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ. يقول العلامة الزمخشري رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: هناك وجوه عديدة في تفسيرها، ومن أشهر الوجوه قال: هذا أمر بتطهير نفسي من ماذا؟ هذا أمر بتطهير النفس من مفاسد الأعمال ومن مستهجن العادات. هذا أمر، وثيابك فطهر أمر بتطهير النفس من مفاسد الأعمال ومستهجن العادات؛ لأن العرب تقول فلان طاهر الثياب إذا وصفته من المعايب ومن رذائل الأخلاق، يقال فلان طاهر الثياب.
فإن قيل ما العلاقة بين عمارة الأرض وفق منهج الله سبحانه وتعالى وبين تزكية القلوب وتطهيرها؟ فالجواب أن من لم يكن طاهر القلب لم يكن طاهر القول والفعل، فهما متلازمان، طهارة الظاهر هي تعكس طهارة الباطن. لذلك قال الله سبحانه وتعالى: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ. يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: الخبيثات أي الخبيثة إنما تصدر من أصحاب القلوب الخبيثة، وأصحاب القلوب الخبيثة هم أهل لأن تصدر منهم التصرفات الخبيثات والعكس بالعكس، الطيبات من الأقوال والأفعال إنما تصدر من أصحاب القلوب الطيبة، وأصحاب القلوب الطيبة الطاهرة هم أهل لأن تصدر منهم التصرفات الطيبات.
لذلك أيها الأحبة كان من أهم ما بعث الله به الرسل تزكية النفوس وتطهيرها. يقول سبحانه وتعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ، كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ. وقال سبحانه: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ. وهي دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام عندما دعا ربنا: وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ.
إذاً من أهم مقاصد بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم تزكية القلوب وتطهيرها حتى تستعد للسلوك إلى الله سبحانه وتعالى؛ فإن تزكية القلب يتبعه السلوك في طريق السالكين إلى ربنا سبحانه وتعالى. كما يقولون: التخلية قبل التحلية، تزكية القلب تعني تطهير وتنظيف لما فيه من الأنجاس ومن الشهوات ومن حب الدنيا، ثم إذا طهر الإنسان قلبه وخلاه، حان الآن وقت السلوك إلى الله سبحانه وتعالى، لذلك سمي علم التزكية والسلوك. أولاً لا بد من تزكية للقلب، لا بد من تطهير لا بد من إزالة الأدران والأنجاس، ثم بعد ذلك إذا تهيأ القلب للسلوك إلى الله سبحانه وتعالى يستطيع أن يبصر.
لذلك أيها الأحبة أصحاب القلوب الطاهرة الطيبة هم الذين يستطيعون أن ينتظموا في طريق السالكين إلى الله سبحانه وتعالى. وأما أصحاب القلوب المليئة بالأدران المليئة بحب الدنيا وشهواتها الذين لم يطهروها كما أراد الله سبحانه وتعالى، هؤلاء على قلوبهم غشاوة، غطاء، لا يستطيعون بسبب هذه الغشاوة أن يبصروا الطريق الصحيح الموصل إلى الله سبحانه. لذلك ما أقبح المرء أن يكون حسن الجسم وحسن الظاهر ولكنه خبيث النفس دنيء الروح. حتى يقولون إن أحد الحكماء رأى رجلا حسن الوجه صبيحاً ولكنه كان خبيث الأخلاق، فقال له: أما البيت فحسن، وأما الساكن فرِديء.
يعني البيت بمظهر حسن وطيب، ما شاء الله الكلام معسول والتصرفات الخارجية تدل على أن هذا الأصل طيب، لكن عندما نتعامل معه نجد أن الساكن في هذا البيت الساكن في هذا الجسد وهو القلب فيه نوع من الأخباث، ما زال لم يصل بربه سبحانه وتعالى. لذلك عجيب بإنسان يستطيع أن يكون بهيمة كيف يرضى، يستطيع أن يكون إنساناً كيف يرضى لنفسه أن يبقى مع البهائم في تصرفاته وأفعاله، ولم أرَ في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام. فالإنسان المؤمن أيها الأحبة ينبغي أن يكون حريصاً على تحصيل الآداب، وينبغي أن يكون حريصاً على تزكية القلوب وإكمال المروءات بالإقبال على الله سبحانه؛ لأن أصحاب القلوب الطيبة الطاهرة يحيون في الناس.
وهم قد يموت الإنسان لكنه إذا كان طاهر القلب يحيا على ألسنة الناس بالدعاء والذكر والثناء الحسن، والعكس أصحاب القلوب الخبيثة يموتون وهم أحياء. أصحاب القلوب الخبيثة يموتون وهم أحياء وهم بيننا، لكن الناس تنساهم وتهجر ذكرهم ولا تدعو لهم في ظهر الغيب، لماذا؟ لأن تصرفاتهم ولأن آثارهم التي خلفوها في الناس جعلتهم يعرضون عنهم. لذلك ربنا سبحانه وتعالى عندما وصف أولياءه وأعداءه كانت المقارنة كما يقول تعالى في مثل الفريقين، مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع، هل يستويان مثلاً؟ فوصف الله سبحانه وتعالى أعداءه بأنهم عمي القلوب، وفقدوا العقول، آذانهم غير مستعدة لأن تستقبل ما يزكي قلوبها ويحييها، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ. أما أهل السعادة فوصفهم الله سبحانه وتعالى بأنهم أحياء القلوب، قلوبهم وبصائرهم منفتحة، أسماعهم تتشوف إلى سماع كل ما يصلح هذا القلب ويزكيه ويجعله ينتظم في ميدان السالكين إلى الله عز وجل.
لذلك يقول سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: الدنيا دار ممر لا دار مقر، وبطن الأم هو مبدأ السفر، والآخرة هي المقصد، والأنفاس التي يتنافسها في هذه الحياة الدنيا هي الخطوات، هذه هي حقيقة الحياة الدنيا التي نحياها، هي دار سفر، رأيتها الدنيا وإن كان خائضا أطوار سفر في مسراه وهو لا يدري. والله سبحانه وتعالى دعا كل البشرية إلى دار السعادة وإلى دار السلام، فقال سبحانه: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ، ودعانا إلى المسارعة وإلى المسابقة وإلى التنافس، فقال سبحانه: وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. وقال تعالى: وَسَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وقال سبحانه: وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ.
إذاً هو ميدان مفتوح لكل من يريد السباق إلى الله سبحانه وتعالى، لكل من يريد أن ينتظم مع السالكين، مع السائلين، مع أصحاب القلوب الطاهرة في هذه الحياة، الله عز وجل يدعوكم إلى دار السلام، يدعوكم إلى المسابقة وإلى المسارعة وإلى تطهير النفس. ولكن عندما نريد المسير إلى الله سبحانه وتعالى، ونرحل إلى ملكوته بقلوبنا وأرواحنا، نجد الطريق قد مُلئ بالأشرار، وقد مُلئ بأصحاب النفوس الخبيثة التي تصدنا عن سبيل الله وتبغيها عوجاً، فماذا نفعل؟ نقول الله سبحانه وتعالى أيها الأحبة وضع في كل إنسان نورين؛ النور الأول هو العقل الذي أنعم الله به، والنور الثاني هو الوحي الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم. إذا اجتمع النوران فإن الإنسان يبصر طريقه ولا يصده صاد، أما إذا تخلف نور عن نور هنا يبدأ الأعداء يلتقطون الإنسان ويبعدونه عن منهج الله سبحانه وتعالى.
لذلك يقول الله سبحانه وتعالى مبينا أثر اجتماع النورين على حياة المؤمن، يقول سبحانه: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۖ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
هذا مثل أيها الأحبة ضربه الله سبحانه وتعالى لنور القلب مع نور الوحي، ويجب على الإنسان عندما يقرأ أمثال الله سبحانه وتعالى أن يقف عندها نظرة تدبر وتأمل؛ لأنه لا يعقلها إلا العالمون، قال سبحانه وتعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ. فهذا مثل ضربه الله عز وجل ينبغي علينا أن نقف ولو لحظات نتأمل ما هذا النور الذي يريده الله سبحانه وتعالى؟ وما هو النور الذي جاء فوق النور؟ يقول الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى، وهو أحد المتدبرين في هذا المثال، يقول: هذا مثل ضربه الله سبحانه وتعالى لنور العقل مع نور الوحي.
طيب ما هي أركان هذا المثل حتى نفهمه؟ الله سبحانه وتعالى قال: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ في قلب المؤمن ماذا؟ كمشكاة، يقول الراغب الأصفهاني المشكاة طبعاً أيها الأحبة هي ثقب في الجدار، كان في البيوت القديمة يضعون ثقوباً في الجدار، هذه الثقوب يوضع فيها المصباح الذي ينير البيت، هذا في البيوت القديمة، فالمشكاة طبعاً هناك خلاف بين المفسرين هل هذه كلمة عربية؟ أو كلمة فارسية أدخلت على اللسان العربي، المهم هناك خلاف ولكن المراد أن يعرف الإنسان معناها، المشكاة هو الثقب في الجدار كما ترون أمامكم كان يجعل في البيوت القديمة حتى توضع فيه المصابيح. يقول الراغب الأصفهاني قوله سبحانه مشكاة قال: هذا مثل لصدر المؤمن.
المشكاة ماذا فيها؟ فيها مصباح، المصباح في زجاجة، فيقول الزجاجة هذا مثل ضربه الله عز وجل لقلب المؤمن، الإنسان في داخل قفصه الصدري يوجد القلب، فالقلب قال هذا هو مثل الزجاجة، داخل هذه الزجاجة يوجد ماذا؟ مصباح، المصباح أيها الأحبة هذا مثل العقل؛ لأن جماهير أهل العلم كما لا يخفى عليكم يرون أن عقل الإنسان أين هو؟ في قلبه، له اتصال بالدماغ، جماهير أهل العلم بل أهل الطب يثبتون أن عقل الإنسان يوجد في داخل القلب وله اتصال بالدماغ. لذلك قال سبحانه وتعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا، فنسب العقل إلى القلب؛ لماذا؟ لأن الطريق المفكر أو القوة المفكرة في الإنسان توجد أصالة في القلب ولكن لها اتصال بالدماغ الذي يوجد في الرأس.
إذاً الله سبحانه وتعالى شبه المشكاة بصدر المؤمن، والزجاجة بالقلب، وداخل هذا القلب يوجد ماذا؟ يوجد العقل الذي هو المصباح، ثم أخبرنا سبحانه وتعالى أن هذه الزجاجة عندما تضيء إنما تضيء من شجرة طيبة، ما هي الشجرة المباركة؟ قال من شجرة مباركة، الشجرة المباركة هي الزيتونة كما هو مشهور، لكنها مثلاً لماذا؟ وهي مثل للدين، هذه الشجرة المباركة هي مثل للدين، قال لا شرقية ولا غربية. إذاً يوقد من شجرة هذا المصباح يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية.
ما معنى لا شرقية ولا غربية؟ الآن معناها من حيث الظاهر اختلف المفسرون، أن الشمس تأتيها في الصباح وفي المساء، أن الشمس تظلها في جميع فترات العام وما شابه ذلك، لكننا من حيث المعنى المقصود قال أهل العلم وقال الراغب الأصفهاني: لا شرقية ولا غربية أي لا إفراط فيها ولا تفريط، وهذا دين الله سبحانه وتعالى، لا يوجد فيه إفراط ولا تفريط فهو حق بين باطلين، وهدى بين ضلالين، ووسط بين طرفين.
يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ. الآن هذه الشجرة المباركة التي هي الزيتونة وأنها هي تمثل ماذا؟ الدين، يخرج منها وينبع منها هذا الزيت، هذا الزيت قال: هو مثل القرآن أو الوحي الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم. فهذا القرآن الذي يمثله بالزيت عندما يأتي على المصباح، يكاد يضيء، شف هذا الزيت من شدة نقائه وطهارته وخلوه من الشوائب يضيء ولو لم تمسسه نار. فكذلك وحي الله سبحانه وتعالى عندما يأتي على المصباح، عندما يأتي وحي الله سبحانه وتعالى على المصباح الذي هو العقل، فإن العقل يستضيء مباشرة، لا يحتاج إلى أي عامل خارجي مساعد في الاستضاءة.
لماذا؟ لأن هذا الزيت الذي هو القرآن واضح، دلائل إعجازه وأحكامه وآياته وتعاليمه وشرائعه واضحة، لا يحتاج الإنسان إلى عميق جهد في فهم كتاب الله سبحانه وتعالى، في فهم معالمه. الله سبحانه وتعالى أنزل هذا الكتاب هدى للبشرية وللعالمين، لم ينزله حتى يكون فقط لأصحاب العقول المثقفة جداً أو الذين يهتمون بالدراسات والأبحاث، أنزله الله هدى للعالمين. لذلك لا بد وأن تكون آياته وإعجازه وأحكامه ظاهرة للعيان، بمجرد أن تمس قلب الإنسان وبمجرد أن تأتي على عقله يستطيع هذا العقل أن يضيء.
لذلك ماذا حكم الله الآية؟ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ. جاء نور القرآن الذي هو الزيت على نور المصباح الذي هو العقل، يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ، فمن رزقه الله سبحانه وتعالى القرآن وتدبره وتأمله والجلوس معه، ثم بعد ذلك رزقه الله سبحانه وتعالى عقلاً يستضيء بنور القرآن ويتدبر في هذا العبد المؤمن، أيها الأحبة، لا بد وأن ينتظم مع السالكين إلى الله سبحانه وتعالى. وإنما تفوت السعادة العبد بفوات أحد هذين الأمرين، قد يكون الإنسان يعرف الوحي لكنه لا يستخدم عقله في التدبر، وقد يكون الإنسان عنده عقل ولكنه معرض عن قراءة كتاب الله سبحانه.
تعالى، ومن رزقه الله السعادة جمع بين الأمرين: القراءة لكتاب الله مع تدبره وتأمله والوقوف عند آياته. لذلك أيها الأحبة، الله الطريق إلى الله سبحانه وتعالى مهم جداً علينا أن نتعرفه، وهذه هي تزكية القلوب وتطهيرها، هذه المعاني السهلة التي نعبر بها، هذه هي تزكية القلوب وتطهيرها، بعيداً عن تشدق المتشدقين وتنطع المتنطعين في تشقيق العبارات للتعبير عن هذه المعاني. معاني التزكية والسلوك والطهارة هي معانٍ سهلة، هي لكل البشرية. والسفلة كما يقول أحد العارفين هم الذين لا يعرفون طريق الله ولا يتعرفونه.
بعد العبد المؤمن أن يحرص على التعرف: كيف أسلك إلى الله سبحانه وتعالى؟ للأسف إن كثيراً من هذه العلوم تجد الناس يعرضون عنها، ربما الإنسان تتشوه همته بعض العلوم ولا تتشوف همته بأن يعرف كيف يسلك إلى الله سبحانه وتعالى في تطهير النفس وتزكيتها؛ لأن هذه تعلم، النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يجلس مع أصحابه كان يحرص على تعليمهم تزكية القلوب وتطهيرها كما يحرص على تعليمهم أحكام الظاهر. فالسفلة كما قلنا هم الذين لا يعرفون الطريق إلى الله ولا يتعرفونه، خاصة أن الطريق إلى الله يوصل إلى الله في الدنيا وفي الآخرة.
أما إيصاله إلى الله سبحانه وتعالى في الدنيا بأن يعرف القلب مولاه. في الدنيا كيف نصل إلى الله؟ بأن يعرف القلب مولاه سبحانه وتعالى، وأن يحبه، وأن يأنس بذكره والإقبال عليه. وأما في الآخرة فهو وصول حقيقي بالروح وبالجسد إلى الله سبحانه وتعالى. ومن حرم الوصول في الآخرة، من لم يصل قلبه إلى الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا بالمحبة والأنس والإقبال على مولاه، لن يصل في الدار الآخرة بروحه وجسده إلى لقاء الله سبحانه. أما من وصل إلى الله في هذه الدنيا فكان الله عز وجل هو الذي يملأ قلبه وحياته وذكره على لسانه، فهذا الله سبحانه وتعالى بإذنه يكرمه بأن يراه، وأن يجلس معه في جنات النعيم. نسأل الله أن يجعلنا ممن عرفه في الدنيا وفي الآخرة.
لذلك قيمة الإنسان أيها الأحبة في الحقيقة فيما يطلب. من كان يطلب الله عز وجل فهذا أعظم من أن نقيمه بأي شيء. قيمة الإنسان ما تطلبه في هذه الدنيا، من كان يطلب الله فهذا أعظم من أن نقيمه بأي مطلب آخر، ومن كان يطلب غير الله فهذا أيضاً أبخس من أن يقيم بأي آخر. فالإنسان هو الذي يختار قيمته في هذه الدنيا، هل أنا ممن يطلب الله سبحانه وتعالى في حركاتي وسكناتي وأنفاسي ولحظاتي؟ أم أنا ممن يطلب الدنيا وأنشغل بنفسه وبهمه وبدنياه عن ربه ومولاه؟ لذلك ومن هذا المنطلق أحب إخوانكم في هذا المركز أن يقيموا هذه المجالس الطيبة المباركة.
ونسأل الله العظيم أن ينفعنا بها، خاصة في مثل هذا الزمن الذي فسدت فيه القلوب، واتهمت فيه القلوب، وضاقت على الناس معايشهم وأقواتهم، حتى إن الناس ينكبون على هذه الدنيا كأنما خلقوا لها، وكأنهم لن يكونوا في لحظة من اللحظات من سكان القبور، وكأنهم لن يقفوا بين يدي جبار السماوات والأرض. هذا حال أكثر الناس ونسأل الله العافية. وكذلك في هذا الزمن أيها الأحبة اشرأبت الفتن، وكثرت المحن، وابتلي الناس في دينهم ودنياهم. فإذا رزقك الله عز وجل تزكية للقلب وطهارة لها، فسارع إلى التمسك بها، حتى تكون لك زاداً في معمعة هذه الحياة وضجيجها، وحتى تكون لك نوراً في ظلمات هذه الحياة الدنيا، تصل من خلال هذا النور إلى ربك وإلى مولاك سليماً بإذن الله عز وجل من الطريق.
واختير لهذا المقصد رسالة مباركة طيبة للإمام العارف الحارث بن أسد المحاسبي رحمه الله تعالى. هذا إمام كبير من علماء السلوك ومن علماء التزكية، وكذلك رجل له باع في العلوم الكلامية والعلوم الأصولية، وكذلك في الفقه وغيرها، لكنه اشتهر بين أهل العلم بعلم التزكية والسلوك. هذه الرسالة ضمنها رحمها الله تعالى منهج السالكين إلى ربنا سبحانه وتعالى، هي رسائل ونصائح توجه إليك أيها المؤمن، أيها الطالب لسبيل الرشاد. لذلك ماذا سماها رحمه الله تعالى وبماذا وسمها؟ قال: رسالة المسترشدين، أي هذه رسالة ونصائح لكل من يطلب طريق الرشاد والاستقامة.
الرسالة هي نصائح من الحارث المحاسبي أحد العارفين بالله سبحانه وتعالى، أحسبه والله حسيبه، يرسلها إليك أيها المؤمن، أيها الطالب لطريق الرشاد والاستقامة، فأرعها قلبك وافهمها، وأرعها سمعك وافهمها بقلبك حتى يوصلك الله عز وجل ويحشرك مع زمرة المسترشدين. قبل أن نخوض في غمار هذه الرسالة؛ لابد أن نقف على سيرة هذا الإمام ونقرأ من أحواله؛ لأن الكلمات كما يقولون إنما تؤثر إذا عرف أحوال أصحابها. فمن رأينا قوله مبيناً لفعله كلماته لن تؤثر في قلوبنا، أما من رأيناه فعلاً مطبقاً لما يتكلم به، عارفاً متفرغ القلب والخاطر والأنفاس واللحظات لله عز وجل، فمثل هذه الكلمات تقع في القلوب الحية ولمن رزقه الله السعادة.
ونحن بإذن الله سنقف على سيرته من خلال ما كتبه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى في مقدمة هذا الكتاب، يعني اخترنا بعض المواضع من سيرة الإمام الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى، ويهمني كذلك أن أقف على سيرته حتى نعرف هذا الرجل؛ ما الذي انتقد عليه؟ الإمام الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى وجه إليه عدة انتقادات، لابد أن نناقشها حتى إذا خرج الإنسان -ربما تخرج أنت للبيئة وتجد في المجتمعات من يقول لك: الشيخ الحارثي المحاسبي عليه انتقادات في كذا أو في كذا وما شابه- فتكون أنت على وعي وبصيرة في قراءة كتابه وفي المدافعة عنه أو في الاستشكال في بعض المواقف.
فيقول الشيخ عبد الفتاح رحمه الله تعالى في ترجمته قال: هو أبو عبد الله. وكذلك أيضاً أيها الأحبة قبل أن ندخل في الترجمة؛ يعني من مقاصد المعارف أو معرفة أحوال هؤلاء الترحم عليهم، يعني هم رحمهم الله تعالى أتعبوا أنفسهم وصنفوا لنا هذه المصنفات لتكون نوراً لنا عندما نقرؤها، فمن حقهم علينا أن نترحم عليهم، على هؤلاء الأئمة الكبار، وهذا هو من أهم آداب السالكين إلى الله سبحانه وتعالى، معرفة الفضل لأهله. هو الإمام أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي البصري المولد، إذاً هو مولد في البصرة، البغدادي المنزل والوفاة، هو الإمام العارف الناطق بالحكمة، عديم النظير في زمانه ورعاً وعلماً ومعاملة وحالاً، أحد الزهاد المتكلمين في العبادة والزهد والمواعظ، وعرف بالمحاسبي.
هنا فائدة: لماذا سمي الحارث بن أسد المحاسبي؟ هل المحاسبي هي عائلة؟ لا، عرف بالمحاسب رحمه الله تعالى لشدة محاسبته لنفسه، عرف بالمحاسب لكثرة محاسبته لنفسه وتخطئته لها في أنفاسها وحركاتها وسكناتها بهذا الاسم، وعرف بالمحاسبي لكثرة محاسبته لنفسه. ولم يعرف تاريخ ولادته، وكانت وفاته ببغداد سنة مائتين وثلاث وأربعين رحمه الله تعالى، الحديث عن يزيد بن هارون وطبقته، وأخذ عن الإمام الشافعي كما ذكره أبو منصور عبد القادر التميمي في أصول الدين، وطبعاً كما ترون في الحاشية؛ الشيخ يفند هذه الدعوة بأنه التقى الشافعي رحمه الله تعالى، والصحيح أنه كان على مذهبه، أما أنه التقى الشافعي فهو لم يلتق به.
وروى عنه أبو العباس، إذاً هو من تلاميذ يزيد بن هارون، ومن تلاميذه أبو العباس ابن مسروق، وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار، والشيخ الإمام الجنيد رحمه الله تعالى وهو من أشهر تلاميذه، الإمام الجنيد وله معه حكايات مشهورة، وإسماعيل بن إسحاق السراج، وأبو علي الحسين بن القاسم، وأحمد بن القاسم بن نصر. كان رحمه الله تعالى ناسكاً عابداً وصفياً زاهداً، وفقيهاً وأصولياً ومتكلماً، ومحدثاً راوياً، أوتي فصاحة لسان، وبراعة بيان، ونصاعة جنان، حتى إذا حدثك عن الشيء ترغيباً أو ترهيباً جعلك كأنك تراه رأي العين وتحس به إحساساً مباشراً له.
ومن أهم الكتب التي يعيش الإنسان فيها مع الحارث المحاسبي لهذه المشاعر كتاب التوهم، عندما يصف لحظات القبر ولحظات الدار الآخرة، من قرأ هذا الكتاب يعلم صدق هذه الأوصاف التي وصف بها الشيخ عبد الفتاح أبو غدة للإمام الحارث المحاسبي، وقدرة الإمام على إيصال الأفكار، وأن يجعلك تعيش مع النص، وأن يجعلك تعيش الموقف في لحظات يوم القيامة وفي عرصاتها، حتى إذا حدثك عن الشيء ترغيباً أو ترهيباً جعلك كأنك تراه رأي العين، وتحس به إحساساً مباشراً له، ولا ينفصم عنك حديثه إلا وقد ملأك بالحجة وألبسك اليقين بما يقول، وما يقول أبو عبد الله إلا خيراً ونصحاً.
طبعاً هذا من المبالغات، لكن المبالغة المراد بها المدح، لكنها قد تصدر منه بعض الكلمات في غير محلها، فالقول بأنه لا يصدر منه إلا خيراً ونصحاً هذا في جل أحواله وغالب حاله، لأنه كان من المراقبين ومن المحاسبين لنفسه، فلا بد وأن تكون الألفاظ محسوبة والكلمات مرئية، ولكن الإنسان في النهاية غير معصوم، قد تصدر منه بعض الكلمات التي لا ترضي الله سبحانه وتعالى. ثم قال: تشهده فيما يكتب مستوفياً الخطرات والخرجات، وقائماً بالنذارة قيام صدق ويقين ومشاهدة، كثيراً ما أبكاك فيما ناجاك، يتبدى لك إشفاقه عليك من النار وأهوالها فيما يوليك من نصح ويخلصك من موعظة، وربما يطيل إليك النفس في الإقناع بما يدعوك إلى فعله أو تركه، إطالة الأب الرحيم الخائف الوجل على ولده من شديد العذاب.
ولقد كان أبو عبد الله رحمه الله تعالى يستنفر كل وقته في الخير، إما ذاكراً وإما مذكراً وإما تأليفاً وإما عبادة بين يدي الله عز وجل، حتى لا يفوت نفس من أنفاسه إلا وقد أدى وظيفته من الخير والطاعة التي يرجو ثوابها عند الله تعالى. ولذلك كثرت تصانيفه وكتبه، نقل الشيخ تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى في ترجمته في طبقات الشافعية أن كتبه تبلغ مئتي مصنف، وأغلبها في الزهد والسلوك والتصوف، وكثير منها في أصول الدين أي في العقيدة، الرد على المعتزلة والرافضة والقدرية وغيرهم من المخالفين. إذاً الإمام هو كان إماماً في الزهد والورع، وكذلك كانت له في علم العقيدة فرد على الطوائف المخالفة لمنهج الكتاب والسنة.
إذاً وبعضها في الفقه والأحكام أيضاً، إذاً له مصنفات كذلك في علم الفقه، وكتبه على كثرتها كثيرة الفوائد جمة المنافع، وخاصة كتبه في علم التصوف وتزكية النفس والروح، تعد أصولاً لكل من صنف فيها، حتى جاء يعني بعده الإمام أبو حامد الغزالي كما قال واستفاد منه. ثم يقول الحافظ ابن حجر في الصفحة التي تليها في نكته على كتاب ابن الصلاح: المحاسبي من أئمة الحديث والكلام. يعني نحن يهمنا أن نعرف كيف وصفه العلماء، العلماء رحمهم الله تعالى يثنون على الإمام الحارث المحاسبي في علمه وفي زهده وفي ورعه وفي علاقته مع الله، ويثنون عليه كذلك في علمه واشتغاله بعلم الحديث وعلم العقيدة وفي علوم الفقه. قالوا: وهو مذكور أيضاً في عداد أئمة أصول الفقه، فينسبون إليه بعض الآراء الأصولية في كتب الأصول، كما ذكر ابن النجار رحمه الله تعالى في الكوكب المنير وغيره من المصنفين.
في الصفحة التي تليها يقول: نهض الشيخ الحارث المحاسبي في تدوين أحوال النفس وتزكيتها وبيان عيوبها في وقت مبكر في ختام القرن الثاني وأوائل القرن الثالث للهجرة. هذا التاريخ مهم؛ الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى بدأ التصنيف في علم التزكية وكتابة هذه الخطرات في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث. هذا الوقت بشكل عام الذي بدأ فيه الحارث المحاسبي كتابة هذه القطرات لم يكن هذا العلم اشتهر، وكان أئمة السلف رحمهم الله تعالى يصدون عن الكلام بكثرة في مثل هذه الأمور، لماذا؟ لأنهم كانوا يريدون من الناس أن ينشغلوا بتدبر كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فيقولون: الأفضل أن ينكب الإنسان المسلم على هذه الكتب على كتاب الله وعلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويبتعد عن كثرة التصنيف في أحوال القلوب.
لكن بعد وفاة الحارث المحاسبي وبعد أن مضى الزمان احتاج الناس إلى مثل هذه الكتب فعلاً، عندما قل التدبر لكتاب الله وقل الاهتمام بهذه العلوم الشرعية. وفي مثل هذا المقام ترى الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في ميزان الاعتدال حين نقل كلام الإمام أحمد في هشام بن عمار الدمشقي وشدة حكمه عليه يقول: وما زال العلماء الأقران يتكلم بعضهم في بعض بحسب اجتهادهم، وكل واحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويبين رحمه الله تعالى؛ إذاً هناك يريد أن يبدأ عبد الفتاح أبو غدة في بيان الخلاف الذي حدث بين الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وبين الإمام الحارث المحاسبي، ويريد أن يركز على هذه النقطة لأن أكثر من يواجه المحاسبي وأكثر من يصد عن المنهج المحاسبي يذكرون بالخلاف الذي بينه وبين الإمام أحمد بن حنبل. فلا بد أن نركز: ما هي قصة الخلاف بين أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي؟ ما الذي كان يريده أحمد بن حنبل رحمه الله من الحارث المحاسبي؟
يقول الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في صفحة سبعة وأربعين قال الحافظ الذهبي في ترجمة المحاسبي كذلك: والمحاسبي العارف صاحب التواليف، صدوق في نفسه، وقد نقموا عليه بعض تصوفه وتصانيفه. إذاً أهل عصره من العلماء نقموا عليه كثرة المبالغة في كتابته في التصوف وفي علم التزكية والسلوك، لماذا؟ لم يكن رحمه الله تعالى مخالفاً لمنهج الكتاب والسنة في آية التزكية والسلوك، ولكنه كان يكثر الكلام في الخطرات، وكما قلنا العلماء في تلك الفترة كان عصراً ذهبياً للعلماء، الإمام أحمد والأئمة الكبار متوافرون، لذلك كانوا يرون لا بد أن نجعل الناس يقبلون على القراءة من كتاب الله مباشرة وكثرة التدبر به ونبعدهم عن التصانيف.
التي تتكلم عن أحوال القلوب وتزكيتها وتصفيتها حتى لا تشغلهم عن القراءة والتدبر للقرآن. طيب، فإذا فقد الناس القراءة والتدبر للقرآن؛ إذًا يصبح لهذا؛ لأنه الناس ما عادت تتدبر في كتاب الله عز وجل. كثير من الناس ما عاد يجد طعم وحلاوة فهم كتاب الله سبحانه وتعالى لظروف كثيرة، وهذا خطأ.
إذا فلا مانع حينئذ من قراءة بعض الخطرات وبعض النصائح للأئمة العارفين أصحاب علم السلوك النقي، حتى تقودهم هذه الخطرات إلى إعادة النظر والتدبر في كتاب الله سبحانه وتعالى. كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في صفحة سبعة وأربعين؛ يحصل الخلاف بين أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى والحارث المحاسبي لسبب آخر. يعني من أهم الأسباب كما قلنا في الخلاف بين الحارث المحاسبي وأحمد بن حنبل قضية كثرة الكلام في علم؛ هناك سبب آخر للخلاف بين أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى والإمام الحارث المحاسبي. ما هو هذا السبب؟ يقول ابن تيمية إن الحارث المحاسبي اعتنق بعض آراء الفرق الكلامية. الآن في فترة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى والحارث المحاسبي بدأت تظهر فرق تتكلم في العقائد بشكل مخالف لمنهج الكتاب والسنة؛ فظهرت الفرق التي مثلًا تنفي كلام الله سبحانه وتعالى، وظهرت الفرق التي تنفي اتصاف الله بالصفات العلى، وظهرت فرق تنفي أيضًا أسماء الله الحسنى، ظهرت عدد من المخالفين لمنهج الكتاب والسنة.
الآن الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى اعتنق رأيًا كلاميًا هو رأي الإمام ابن كلاب البصري رحمه الله تعالى. الإمام ابن كلاب البصري كان عنده بعض المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة في جزئيات الكلام وغير ذلك؛ أنا لا أريد أن أدخل في مسائل العقائد، لكن بشكل عام المحاسبي رحمه الله تعالى تأثر بابن كلاب. تأثره بابن كلاب جعله يعتنق بعض الآراء العقدية التي هي مخالفة لمنهج الكتاب والسنة، ولكن كل أهل عصرهم أو كثير من العلماء الذين تكلموا في علم التزكية والعقائد والفقه كثير منهم إلا من أصابته شائبة. يعني كثير من العلماء أصابته شائبة كلامية، أصابته بعض الانحرافات في بعض الجوانب نتيجة ترجمة كتب الفلاسفة واليونان، نتيجة لكثرة الكلام في صفات الله عز وجل وأسمائه والخلاف بين الفرق؛ تجد كثيرًا من العلماء تأثروا بهذا الأمر نوع تأثر.
هذا التأثر في الحقيقة لا يصد طالب العلم عن الاستفادة من العلماء الأجلاء في علومهم التي لم يتأثروا فيها. يعني فطالب العلم ينظر نظرة إنصاف؛ بعض الناس إذا رأى أن الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى تأثر ببعض الفرق الكلامية؛ عاد ما نقرأ كتبه وكلها جميعًا؛ لا، هذه نظرة منحازة. الأصل في الإنسان أو طالب العلم الواعي يأخذ من الإنسان ما صح وما هو موافق للكتاب والسنة؛ والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها، ولا يصدك عن قراءة كلام العلماء الأجلاء مثل هذا الإمام العارف نسبة إلى بعض الفرق الكلامية، وأنه حتى إنه قيل إن المحاسبي رحمه الله رجع عن اعتقاده وعاد إلى اعتقاد أهل السنة والجماعة. يعني هو فضلًا أنه نسب إلى فرق كلامية في بعض الجوانب قيل إنه رجع؛ فهل يعقل أن الإنسان يترك الاستفادة من كتب الحارث المحاسبي المفيدة في علم التزكية والسلوك بسبب نسبته إلى بعض الآراء المخالفة للكتاب والسنة؟ لو فتش الإنسان في نفسه قد يجد حاله مع الوقت مخالفًا للكتاب والسنة في بعض الجزئيات.
فطريقة دائمًا هناك من يأخذ طريقة الإقصاء للعلماء أو طريقة الهجوم عليهم لأنهم خالفوا في مسألة أو مسألتين أو ثلاثة؛ هذا المرض في الحقيقة ليس منهج العلماء الربانيين. لذلك نجد ابن تيمية نفسه وابن القيم يثنون على الحارث المحاسبي وعلى جهده وعلى ورعه؛ ويقول إنه من العلماء أصحاب الورع وأصحاب التزكية، وإن خالف منهج أهل السنة في كذا وكذا، وانتهى الأمر. لذلك يقول ابن تيمية في مجموع الفتاوى: وقد نبغ في أواخر عصر أبي عبد الله أحمد بن حنبل أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب البصري الذي صنف ردًا فيها؛ يعني ابن كلاب ترى كان رجلًا جيدًا من علماء المسلمين، رد على المعتزلة ورد على القدرية ورد على الجهمية، ولكن كان عنده بعض المخالفات في مسائل الصفات، ولا نريد أن نخوض فيها، تبعه في هذه المخالفات الحارث المحاسبي وأبو العباس القلانسي وغيرهما؛ والإمام أحمد بن حنبل وغيره من الأئمة كانوا يحذرون عن الأصل الذي أحدثه ابن كلاب ويحذرون عن أصحابه؛ وهذا هو سبب تحذير الإمام أحمد عن الحارث المحاسبي.
إذا نص ابن تيمية رحمه الله تعالى أن سبب تحذير الإمام أحمد من الحارث المحاسبي في تلك الفترة ما هو؟ تأثر الحارث المحاسبي ببعض الفرق الكلامية، هذه هي النقطة. إذا لم يكن الإمام أحمد ناقمًا على الحارث المحاسبي، وإنما هو مثل أي إنسان؛ العلماء بشكل عام أيها الأحبة أقران؛ تجد الإنسان إذا وجد من عالم آخر شيئًا يعيبه ينقله ويقول لا أحذر من الجلوس مع فلان لأنه قد يظهر عليك هذه البدعة؛ لكن لا يعني هذا أن العلماء كانوا يتحاربون، ولا يعني هذا أن العلماء يهاجم بعضهم بعضًا ويستنقص بعضهم بعضًا، وإنما كلاهما أقران يطوى ولا يروى.
وقد ذكر الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى الحارث المحاسبي بالخير والثناء عليه في رسالته التدمرية، وذكره أيضًا بذلك في الفتوى الحموية الكبرى، ووصفه بقوله -قال الإمام يا شيخ ابن تيمية يقول- قال الإمام أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي؛ يصفه بالإمامة خاصة في علم الورع والزهد؛ ثم نقل ابن تيمية من كتابه فهم القرآن أربع صفحات قبل التسليم والاستحسان. وكذلك مثلًا الشيخ الجنيد رحمه الله تعالى؛ الشيخ الجنيد هو من أبرز تلاميذ الحارث المحاسبي؛ الجنيد رحمه الله تعالى كان جالسًا مع شيخه السري السقطي وكان يثني على الشيخ المحاسبي في أدبه وعلمه وسلوكه، وكان السري السقطي يأمر الجنيد بأخذه عنه؛ يعني السري السقطي من أئمة العارفين يقول للجنيد: خذ علم الورع والزهد ممن؟ من الحارث المحاسبي. ولكنه -يعني يقول له كلامًا كما سيأتي معنا- قال الجنيد رحمه الله تعالى قال لي السري شيخي يومًا: إذا قمت من عندي فمن تجالس؟ فقلت له المحاسبي -يعني الحارث المحاسبي- فقال: نعم خذ من علمه وأدبه ودع عنك تشقيقه للكلام رده على المتكلمين. السري السقطي يقول له: شوف هذه النظرة المتوازنة من السري السقطي للحارث المحاسبي؛ يقول لتلميذه الجنيد: إذا جلست مع الحارث المحاسبي فخذ منه ماذا؟ الأدب والعلم الذي يتعلق بالله سبحانه وتعالى ودع عنك كلامهم في الصفات وتأثره بالفرق الكلامية. هكذا المسلم دائمًا يعتدل النظر، لا يأخذ النظر الإقصائي في اليمين ولا يكون في الشمال، لا شرقية ولا غربية.
وكذلك يقول مثلًا في صفحة اثنين وخمسين على أن التاج السبكي رحمه الله تعالى قد قال كلمة من أطيب الكلمات وأعدلها حين تعرض لما قيل فيما جرى بين الإمام المحاسبي والإمام أحمد بن حنبل؛ تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى من المتأخرين نقل في كتابه طبقات الشافعية كلمة حقيقة يحسن بطالب العلم أن يقف عندها ويتأملها في الخلافات بين العلماء وبين الأئمة؛ يقول تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى: وينبغي لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين، وألا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض إلا إذا أتى ببرهان واضح؛ ثم إن قدرت على التأويل وتحسين الظن فدونك؛ يعني إذا قدرت أن تحسن الظن فحسن؛ الكلام الماضي خاصة أنه فعلًا في بعض القصص للعلماء الماضين كان يحدث أمر نفسي بين عالم وعالم آخر، وهذا شيء طبيعي في النهاية العلماء هم بشر، قد يخطئ الإنسان وقد يتجاسر على غيره وهم أقران؛ فالإنسان لا يقف ولا يهتم كثيرًا بالخلاف الذي يجري بين الأئمة الكبار؛ لماذا قال الإمام أحمد في الإمام كذا؟ لماذا نقد الإمام كذا الإمام كذا؟ ويصبح يتعصب لهذا ويهاجم هذا وينتقد ويقل الأدب مع العلماء الماضين الكبار الذين صنفوا وأفادوا وأجادوا، ويعلم منزلة الإنسان الحقيقة في هذه الدنيا، يعلم أن هؤلاء الأئمة الكبار قد أفضوا إلى ربهم بعد أن خدموا دين الله سبحانه وتعالى وصنفوا ودونوا، وفي النهاية كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم.
إذا ثم إن قدرت على التأويل وتحسين الظن فدونك، وإلا فاضرب صفحًا عما جرى بينهم، فإنك لم تخلق لهذا، فاشتغل بما يعنيك ودع ما لا يعنيك، ولا يزال طالب العلم عندي نبيلًا حتى يخوض فيما جرى بين السلف الماضين ويقضي لبعضهم على بعض؛ فإياك ثم إياك أن تصدي إلى ما اتفق بين أبي حنيفة وسفيان الثوري؛ أئمة كبار أبو حنيفة وسفيان الثوري كان هناك بينهم بعض المراسلات وبعض المشاكل؛ كذلك مالك وابن أبي ذئب، كلاهما من الأئمة الكبار، وكان ابن أبي ذئب يأخذ على مالك ويأتي بألفاظ شديدة في حق مالك بن أنس، ومع ذلك نقول أئمة كبار رحمهم الله تعالى؛ أو بين أحمد بن صالح والنسائي، أو بين أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي، وهلم جرا إلى زمان الشيخ عز الدين بن عبد السلام والشيخ تقي الدين ابن الصلاح؛ فإنك إن اشتغلت بذلك خشيت عليك الهلاك؛ فالقوم أئمة أعلام، ولأقوالهم ربما لم يفهم بعضها، فليس لنا إلا الترضي عنهم والسكوت عما جرى بينهم كما يفعل فيما جرى بين الصحابة. انظر لهذه الكلمة من تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى، أنه العلماء نقف فيهم كما نقف في الصحابة؛ ولكن هذا لا يعني ألا نبين الخطأ؛ يعني إذا كان هذا الإمام يتبنى رأيًا عقديًا نقول هذا الرأي العقدي خاطئ، مخالف لمنهج الكتاب والسنة؛ يعني باحترامنا للعلماء لا يعني تصويب الأخطاء؛ فهذا شيء وهذا شيء، نترحم على الأئمة الكبار ولكننا نبين ما هو موافق لمنهج أهل السنة والجماعة.
في صفحة ستة وخمسين قال: وقد تبين لك من كلام الذي أسلفت كلامهم؛ وهم الأئمة ابن تيمية وابن رجب الحنبلي والخطيب البغدادي وتاج الدين السبكي وابن ابن؛ نبذ الإمام أحمد المحاسبي إنما كان على الصحيح من أجل تكلمه في مسائل من علم الكلام فقط؛ وأما مسلكه العبادي فلا شيء فيه؛ يعني مسلكه في العلم والزهد والورع، في الحقيقة من يقرأ رسالة المسترشدين يعلم أن الرجل كان على منهج الكتاب والسنة؛ الرجل دائمًا يجعل -كما سيأتي معنا- يجعل مبدأ السلوك إلى الله سبحانه وتعالى من القرآن والسنة ومن منهج سلف الأمة؛ فمنهج السلوك العبادي كان منهجًا نقيًا واضحًا على منهاج السلف رحمهم الله تعالى؛ وإنما تأثر كما قلنا ببعض كلام المتكلمين.
يقول نعم هناك أمر آخر انتقد على أبي عبد الله المحاسبي رحمه الله تعالى؛ الأمر الآخر الذي لم يبق فيه المحاسب وقع فيه كثير من الأئمة الكبار؛ إيراده الأحاديث الضعيفة والموضوعة في كتبه وتصانيفه واعتماده عليها وجعلها أصولًا يبني عليها ما تتضمنه من المعاني والأحكام؛ وهذا الشيخ الإمام أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى مع إجلاله له واعتزازه به وثنائه عليه ما وسعه إلا أن ينقض منه هذه الناحية، أن الإمام ابن العربي رحمه الله تعالى المالكي انتقد هذه الجزئية في الحارث المحاسبي؛ يعني الأصل الإنسان أنه يبتعد عن الأحاديث الموضوعة والضعيفة لأن في الصحيح؛ الإمام الحارث المحاسبي ربما كان يبتني -ومثله كذلك أبو حامد الغزالي وغيرهم ممن كتبوا في علم التزكية والسلوك- وفي الحقيقة هو علم التزكية والسلوك بشكل عام هو مظنة الأحاديث الضعيفة؛ علم التزكية والسلوك هو مظنة الأحاديث الضعيفة لأن مبدأه على الترغيب والترهيب، والعلماء يتساهلون في ذكر الأحاديث في باب الترغيب والترهيب ما لا يتساهلون في غيره من الأبواب؛ يعني يقولون هذا باب فقط ترغيب وتخويف، لا يبنى عليه أحكام، أن يخوفك من النار، من فعل كذا حصل له كذا ومن عصى الله بنار كذا وعذبه بهذا العذاب، يقول مثلًا هذا باب ترغيب وترهيب خلي الإنسان يرهب حتى لو كان الحديث ضعيفًا لأنه لا ينبني عليه؛ أما في الحلال والحرام وأحكام الدنيا فيشددون في الأخذ بالأحاديث.
لذلك يقول ابن العربي رحمه الله تعالى وأجل من تكلم فيه عالمنا وكبيرنا؛ انظر الثناء والأدب بين العلماء؛ ابن العربي يقول: عالمنا وكبيرنا في الحارث بن أسد؛ فمن الأصول التي زعم، بأن يقول يعني ينتقد ابن العربي رحمه الله تعالى على الحارث المحاسبي أنه أورد حديث عطية السعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم: لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يترك ما لا بأس به مخافة مما به بأس. يعني هذا الحديث ضعيف؛ لكن هذا الحديث الذي ذكره ذكره المجد ابن تيمية رحمه الله تعالى في الأكبر، لذلك في الحقيقة ليس نقدًا موجهًا للحارث المحاسبي وإنما هو موجه للمدرسة التي تصنف في علم التزكية والسلوك؛ أنهم في إيراد الأحاديث الضعيفة؛ فهذا ليس معلمًا خاصًا بالحارث المحاسبي وحده رحمه الله تعالى.
قال والذي عندي في ذلك -هذا تتميم الكلام لابن العربي- والذي عندي في ذلك والله أعلم ما رويناه عن أحمد بن حنبل يستجيز لين الحديث في أمر الورع؛ رضي الله عن البخاري الذي لم ير أن يتعلق القلب ولم يرتبط بالدين إلا بالصحيح، الذي لم ير أن يتعلق القلب ولم يرتبط الدين إلا بالصحيح؛ يعني الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى كان أخف من البخاري؛ البخاري يقول لا، حتى في باب الزهد والورع وفي جميع الأبواب ارتبط فقط بالصحيح؛ الإمام أحمد يستجيز لين.
الحديث يستجيز لين الحديث، أما الأحاديث الموضوعة فهذا باتفاق الجميع الأصل ألا تُروى. الحديث الموضوع هو مكذوب على نبينا صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز لأحد أن يستجيز روايتها؛ لذلك تساهل الحارث المحاسبي وكثير من علماء التزكية في إيراد بعض الأحاديث الموضوعة.
ثم يقول في صفحة ثمانية وخمسين: وهذا وللشيخ أبي عبد الله المحاسبي رحمه الله تعالى نهج حسن، طيب، وهو أن تصوفه الذي دونه في كتبه راعى فيه ما جاء في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وأعمالهم بحسب علمه وفهمه، وما نزل في كتبه فيما وقفت عليه شطحات أو شيئاً من التصوف الفلسفي. إنما يقوم تصوفه رحمه الله تعالى على الدعوة إلى تصحيح العلم والعمل ومراقبة الله وتزكية النفس وتطهيرها من الأضرار وتقريبها من رضوان الله سبحانه.
وفي الصفحة تسعة وخمسين سئل الشيخ أبو محمد عبد الحق الصقلي عما يقرأ الإنسان من الكتب، وهذه فائدة يحسن الوقوف عليها. يقول: سئل الشيخ أبو محمد عبد الحق الصقلي عما يقرأ الإنسان من الكتب؟ ماذا يقرأ الإنسان في حياته؟ فيقول: أما من يُرجى للإمامة وأن يكون عوناً في مسائلهم ونوازلهم، يعني إذا رأيت إنساناً يُرجى لإمامة الناس وأن يكون مفتياً عالماً يبصرهم في أحكام نوازلهم، قال: فيكون أعظم أمره قراءة الفروع والتفقه في المسائل لكثرة الحاجة إليها، ولا بد له مع ذلك من شيء من الحديث كالموطأ والبخاري.
ثم يقول: وأما من لا يُرجى للإمامة، يعلم إنسان عامي الذي لا يبتغي الإمامة للرجل في حاله مع أهله، وأما من لا يُرجى للإمامة فيقنع من المسائل باليسير، يعني لا بد أن يدرس الفقه لكن لا يخوض فيها خوض العالم المتبحر، ويكون أكثر أمره النظر في الحديث الصحيح، يعني الإنسان إذا عمل يُفضل له أن يكثر النظر في الأحاديث الصحيحة عن الفقه والأدب والرقائق والفضائل ونحوه من الأبواب التي ينتفع بها في نفسه.
قال: وأما كتب الإمام الحارث المحاسبي ونحوها فهي من أجل ما نظر فيه إنسان، كان ممن يُرجى للإمامة أو لم يكن، كتب الحارث المحاسبي وغيرها من الكتب المبنية على فهم السلف رحمهم الله تعالى، قال: من أجل ما ينظر فيه الإنسان، سواء كان هذا الإنسان ممن يُرجى للإمامة والتفقه في الدين أو كان من الناس العوام البسطاء، فإنه ينبغي عليه أن ينظر في مثل هذه المصنفات، فهي من أجل ما نظر فيه إنسان كان ممن يُرجى للإمامة أو لم يكن؛ لأن فيها بيان آفات الأعمال ووجوه التحقيق في الصدق والإخلاص، مع ما تشمل عليه كتبه من الحكم والآداب وغيرها من الفوائد.
طيب، في الصفحة ستين مثلاً؛ نحاول سريعاً طرفاً من أحواله وأقواله، طرف من أحوال الإمام الحارث المحاسبي وأقواله، إني أختار الفقرة ثانياً ما ذكره القشيري في الرسالة عن الجنيد وهو من أبرز كما قلنا تلاميذ الحارث المحاسبي، يقول: مات الحارث يوم مات، قال الجنيد رحمه الله تعالى: مات أبو الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى يوم مات وإن الحارث لمحتاج إلى دانق فضة وهي سدس الدرهم، وخلف أبوه سبعين ألف درهم فلم يأخذ منها شيئاً ولا حبة واحدة؛ لأن أباه كان يقول بالقدر، فرأى من الورع ألا يأخذ من ميراثه شيئاً.
يعني الآن الجنيد يروي لنا هذه القصة التي حدثت للحارث المحاسبي، والد الحارث المحاسبي كان ممن يقول بالقدر، يعني كان على منهج المعتزلة في القدر مخالف لمنهج الكتاب والسنة، ممن يقولون إنه لا يوجد قدر قدره الله سبحانه وتعالى، وإن هذه الدنيا تسير على حالها، وأن أفعال العباد هم الذين يخلقونها، هذه آراء المعتزلة، إنه لا يوجد قدر قدره الله سبحانه وتعالى، إن هذه الدنيا تحدث يعني الأفعال التي تصدر من العباد تصدر باختيارهم يفعلونها ويخلقونها، ولا يخفى عليكم أن هذا منهج مخالف لمنهج الكتاب والسنة وعقيدة المسلمين، بل المسلمون يرون أن هذه الدنيا في لحظاتها ودقائقها وأنفاسها لماذا؟ بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره.
الحارث المحاسبي كما قلنا والده كان متأثراً بقول هؤلاء، فعندما مات والده كان الحارث المحاسبي يحتاج لسدس درهم فقط، كان عليه دين وكان يحتاج إلى سدس درهم، لكن ووالده كم خلف؟ قال لك سبعين ألف درهم، فتورع رحمه الله تعالى أن يأخذ سدس الدرهم، سدس الدرهم فقط من السبعين ألف درهم من ميراث والده، يعني رأى أن هذا الرجل هو والدي ولكنه كان يقول قولاً مخالفاً لمنهج الكتاب والسنة، والقول بالقدر في الحقيقة العلماء كفّروا من يقول به ورأوه قولاً مخالفاً لعقيدة الإسلام لأنه كما قلنا أقرب لعقائد الفلاسفة المخالفين لمنهج الإسلام كلياً، وليس فقط مسألة والله خلافية؛ إنهم كانوا يقولون أقوالاً في القدر شنيعة جداً.
فالحارث المحاسبي رحمه الله تعالى تورع من أن يأخذ من ميراث والده، يعني لو في الوقت المعاصر لخذ خمسة مش ست دراهم بس، ولكنه رحمه الله تعالى قال إن الوالد مات على عقيدة القدر مخالف لدين الإسلام في هذه الجزئية والله أعلم بحاله، ولكني أتورع من أن آخذ هذا المقدار من المبالغ. كذلك في الصفحة اثنين وستين ذكر الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى وابن السبكي كذلك في طبقات الشافعية، قال: سمعت جعفر بن أخي أبي ثور يقول: حضرت وفاة الحارث المحاسبي، الآن الحارث المحاسبي حضرته الوفاة فقال لمن حوله رحمه الله تعالى: إن رأيت ما أحب تبسمت إليكم.
الحارث المحاسبي الآن في لحظات الوفاة يحتضر، فيقول لمن حوله: إن رأيت شيئاً يسرني -رأى الملائكة الطيبين الأطهار- تبسمت إليكم، وإن رأيت غير ذلك تبينتم في وجهي، يعني وإذا رأينا والعياذ بالله ملائكة العذاب والزبانية تأخذ روحي هذا الأمر يظهر في وجهي، قال: فتبسم ثم مات رحمه الله تعالى، وهذا نسأل الله عز وجل أن يكون من علامة حسن الخاتمة لهذا الإمام الكبير رحمه الله تعالى مقامه لديه، فقد مضى إلى ربه وهو يتبسم كالغائب يقدم على أهله، وكالمملوك المطيع يرجع إلى مالكه، أعلى الله درجته في عليين.
يعني ونختم بمؤلفاته، فمن أشهر مؤلفاته الرعاية لحقوق الله سبحانه وتعالى في صفحة طبعاً أربعة وستين، من أشهر مؤلفاته الرعاية، والتوهم، ورسالة المسترشدين التي بين أيدينا، رسالة الوصايا، وآداب النفوس، وشرح المعرفة وغيرها من الكتب. إذاً الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى مضى إلى ربه بعد أن أفاد وأجاد، وأمضى عمراً طويلاً في محاسبة النفس والخطرات، وأمضى عمراً في النصح لهذه الأمة في تدوين المعاني الواضحة في السلوك إلى الله سبحانه وتعالى، وفي بيان منهج السالكين والسائلين إلى الله عز وجل.
ما أدري كم مضى من الوقت مشايخ؟ السلام عليكم، ساعة وعشر دقائق، إذا ضغطتمونا عشر دقائق نبدأ فقط في مقدمة هذه الرسالة، طيب. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي رحمه الله تعالى: الحمد لله الأول القديم، الواحد الجليل الذي ليس له شبيه ولا نظير، أحمده حمداً يوافي نعمه ويبلغ مدى نعمائه.
فبدأ رحمه الله تعالى رسالته ببسم الله الرحمن الرحيم، وهذا دأب أهل العلم والعلماء إذا بدأوا في مصنفاتهم وإذا بدأوا في منظوماتهم وفيما يكتبون يبدأون لماذا؟ ببسم الله الرحمن الرحيم، اقتداءً بكتاب الله سبحانه وتعالى الذي بدأ بالبسملة، واقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يبدأ كتب رسائله إلى القبائل وإلى ملوك الأرض ببسم الله الرحمن الرحيم، واتباعاً للسنة القولية والتي يضعفها كثير من أهل الحديث وهي: كل أمر ذو بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر، وفي رواية فهو أقطع، ولكن كما قلنا هي سنة فعلية ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتيمناً بكتاب الله العزيز الذي بدأ بالبسملة.
لذلك اتفق المصنفون والمؤلفون والناظمون على أن يبدأوا المصنفات والكتب بماذا؟ بالبسملة، طلباً للتبرك والاستعانة بالله سبحانه وتعالى. ثم قال: الحمد لله، ثم إذا اتبع البسملة بالحمد لله رب العالمين أو بالحمد لله الأول القديم. والحمد أيها الأحبة في الحقيقة من أعظم الكلمات التي ينبغي على المؤمن أن يقف معها، هذه الكلمة الحمد لله كم نرددها في كل يوم وليلة؟ في كل صلاة أنت تقول الحمد لله، وإذا استيقظ الإنسان يقول الحمد لله، وإذا أمسى يقول الحمد لله، وإذا أوى إلى فراشه يقول الحمد لله، وإذا فرغ من طعامه يقول الحمد لله، وإذا أدى الصلاة يقول الحمد لله.
فما معنى هذه الكلمة؟ حقيقة يعني يعيب الإنسان أن يكبر في العمر ويتقدم في السن وهو لا يعرف معنى الحمد لله، فالحمد لله كلمة عظيمة من مباني هذا الدين، والله سبحانه وتعالى يحبها لذلك بدأ بها في أعظم سورة من كتابه، ماذا قال؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هذا مطلع سورة الفاتحة. فالحمد أيها الأحبة هو الثناء بالجميل، أنا أريد أن أعطي تعريفاً سهلاً عن كلام المتكلمين وطريقة الحدود في المناطق، أقول: الحمد هو الثناء بالجميل على المحمود وذكر محاسنه مع محبته وتعظيمه، هذا معنى الحمد، ينبغي على المؤمن أن يعرف معنى هذه الكلمة.
إذاً الحمد ما هو؟ هو الثناء بالجميل، أن تثني بجميل الصفات على من؟ على المحمود الذي تحمده، لأن الحمد لا يختص بالله سبحانه وتعالى، وإن كان أعظم محمود هو الله، فالحمد هو الثناء بالجميل على المحمود وذكر محاسنه مع محبته وتعظيمه. ومن هنا يفارق الحمد المدح، ما الفرق بين الحمد وبين المدح؟ يقولون المدح لا يشترط فيه أن يكون هناك محبة وتعظيم للممدوح، فأنت قد تمدح عدوك، تقول والله مثلاً هذا العدو شجاع جريء، هذا مدح؛ لماذا؟ لأنه لا يصاحبه محبة وتعظيم، أما إذا صاحب المدح محبة وتعظيم للشخص الممدوح فهذا في هذه الحالة يسمى ماذا؟ حمداً.
إذاً فالحمد كما قلنا هو الثناء بالجميل على المحمود وذكر محاسنه مع محبته وتعظيمه، وصيغة الحمد لله أيها الأحبة تعني أن كل حمد لله، فالحمد الشامل الكامل إنما يستحقه الله سبحانه وتعالى، فهو المحمود على ما يحدثه بالعبد من إحسان، وهو المحمود على ما يحدثه من امتحان وبلاء، وهو المحمود على أوامره، وهو المحمود على نواهيه، وهو المحمود على خلق الأبرار والأتقياء، وهو المحمود على خلق الفجار الأشقياء، وهو المحمود على عدله مع أعدائه، وهو المحمود على فضله على أوليائه، وكأن كل ذرة في هذا الكون تشهد بالحمد لله سبحانه وتعالى، وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ، وكلمة "من شيء" انظر هذه صيغة العموم المؤكدة، تدل أن كل ذرات هذا الكون أيها الأحبة تشهد بالحمد لله سبحانه وتعالى.
لذلك المخلوق قد يُحمد، يعني أنت قد تحمد شخصاً لكن حمد المخلوق ناقص، الإنسان يحمد من وجه دون وجه، يحمد على تصرف دون تصرف، لا يوجد هناك إنسان يحمد على كل تصرفاته، بل لو قلنا إن الإنسان الذي يستحق الحمد إنما استمد هذا الحمد من الله سبحانه وتعالى لم نكن مخطئين؛ لأن هذا الشخص الذي حمدته على فعل فعله أو على قول صدر منه، هذا القول وهذا الفعل من أسداه إليه ومن تفضل عليه بأن يصدر منه؟ والله سبحانه وتعالى، ففي الحقيقة عندما تحمد الإنسان أنت تحمد من؟ من منحه هذه الموهبة وهذه التصرفات والأقوال الحسنة، فالحمد لله أولاً وأخيراً.
فالحمد إذاً في الواقع هو أعم المدائح لله سبحانه وتعالى، أعم المدائح التي يمدح الله سبحانه وتعالى ماذا؟ أو بماذا يكون؟ بالحمد لله. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع ماذا قال؟ الحمد لله ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، يعني لو كان الحمد أجساماً فأنا أحمد الله سبحانه وتعالى حمداً يملأ السماوات ويملأ الأرض ويملأ ما بينهما، ومع ذلك ومع عظم هذا الحمد لا نعد أن يبلغ مقدار نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى علينا، فهو سبحانه المتفضل علينا حتى بمدحه، يعني أنت عندما تحمد الله هذا أيضاً توفيق من الله يستحق أن تحمده عليه، بمجرد حمدك لله سبحانه وتعالى هذا توفيق منه سبحانه يستحق أن يُحمد الإنسان على هذا التوفيق، وهكذا إلى آخر الأنفاس واللحظات.
إذاً والله سبحانه وتعالى أيها الأحبة يحب المدح والثناء، نعم، كما جاء في الحديث الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: لا أحد أحب إليه المدح من الله سبحانه وتعالى من أجل ذلك أثنى على نفسه، والله سبحانه وتعالى في الحقيقة يستحق هذا الحمد العظيم؛ لأن كل ما في هذا الكون، كل الأنفاس واللحظات وكل الموجودات والمخلوقات وكل هذه المجرات والسماوات والأرض وما فيها من مخلوقات، الذي يسيرها ويدبرها ويهديها ويلهمها ويرشدها من هو؟ هو الله سبحانه وتعالى، لذلك حتى يعلمنا الله عز وجل هذه الصيغة افتتح بها كما قلنا سورة الفاتحة فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وكما يقول المفسرون الآن هذه صيغة خبرية: الحمد لله رب العالمين، لكن المراد بها في الحقيقة الأمر، خبر لكن المراد به ماذا؟ الأمر، فالمقصود: احمدوا الله رب العالمين، الله سبحانه وتعالى علمنا صيغة الحمد حتى نحمده بها وحتى نثني عليه بها.
قال: الحمد لله الأول، الأول أيها الأحبة هو اسم من أسماء الله الحسنى، ورد في سورة الحديد قال سبحانه وتعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ.
وبكل شيء عليم. وكان في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه قال: اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين وأغنني من الفقر.
وهذا الحديث أيها الأحبة يتضمن تفسيراً لمعنى اسم الله الأول. ما معنى اسم الله الأول؟ وصف الله عز وجل بالأولية؟ قال النبي: الأول ماذا؟ أنت الأول فليس قبلك شيء. فمعنى اسم الله الأول أن الله سبحانه وتعالى هو أول الوجود، ولا يوجد قبله شيء، وهو غير مسبوق بالعدم سبحانه كذلك. فهو المقصود بالأولية بيان أن الله سبحانه وتعالى هو الأول، ولم يكن شيء قبله كما جاء في البخاري من حديث عمران بن حصين، قال صلى الله عليه وسلم: كان الله ولم يكن شيء قبله. كان الله ولم يكن شيء قبله.
والإنسان لا يسترسل مع الخواطر في هذا الباب، قف عند هذا المعنى أن الله عز وجل هو الأول. والمسلم أيها الأحبة في الحقيقة ينبغي عليه أن يستشعر معاني أسماء الله الحسنى في حياته، وأن يقف مع آثارها. فالأولية مثلاً لله سبحانه وتعالى تجعلك تشعر بأن هذا الوجود بأكمله بمخلوقاته وبأرضه إنما صدر عن الله سبحانه وتعالى المتفرد. يعني كان الله ولم يكن شيء قبله، لم يكن يوجد أي شيء. ثم بعد ذلك وجد هذا الكون بهذه الدقة المتناهية في السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات التي نراها والتي لا نراها.
فعندما يستشعر الإنسان هذا المعنى يدرك فقره وحاجته المستمرة إلى الله سبحانه وتعالى، ويدرك كذلك أنه مخلوق ضعيف عاجز ضمن منظومة عظيمة الله سبحانه وتعالى. فكما جاء في الحديث الصحيح إذا كانت السماوات السبع والأرضون السبع ما فيهن بالنسبة إلى كرسي الله سبحانه وتعالى -وهو موضع قدميه جل وعلا- السماوات السبع والأرضون السبع ما فيهن هي كحلقة في فلاة، يعني في صحراء بالنسبة إلى ماذا؟ إلى كرسي الله سبحانه وتعالى. يعني الإنسان لو فكر في هذه العظمة وفي هذه المهابة لله عز وجل يجد أن الأمر عظيم.
إذا كانت كل هذه المخلوقات هي حلقة في صحراء كبيرة، فما ظنكم برب العالمين؟ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا من السالكين إليه، وممن يطهرون قلوبهم وأرواحهم حتى ينتظموا في ميدان السائرين إلى الله سبحانه وتعالى، ونقول من الواصلين إليه في الدنيا وفي الآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل