تسجيل الدخول

الدرس 10 - من ص 215-244

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف حفظه الله: شرائط الاحتجاج بالمرسل. وهذا، والعلماء عليهم رحمة الله، قد اشترطوا للاحتجاج بالحديث المرسل عدة شرائط، وهذه الشرائط بعضها خاص بالرواية المرسلة والبعض الآخر بالعواضد التي تنضم إليها فترقيها إلى الحجة، وأصل هذه الشرائط هي للإمام الشافعي عليه رحمة الله، فقد حررها وبينها في كتاب الرسالة وتبعه عليها أهل العلم، فنذكر هذه الشرائط هنا على سبيل الاختصار حتى ينتفع بها طالب العلم.

فأما الرواية المرسلة فيشترط لها شرائط: الشرط الأول أن يكون السند صحيحاً إلى مرسلها، فلو أن التابعي المرسل للحديث لم يصح السند إليه، فحينئذ لا تنفع هذه الرواية المرسلة لأنها لم تصح إلى من أرسلها أصلاً. الشرط الثاني أن لا يُعرف لهذا الراوي المرسل رواية عن غير مقبول، رواية عن مجهول أو مجروح، يعني لا يكون معروفا بالرواية عن الضعفاء والمجهولين والمجروحين بل كل شيوخه من الثقات الأمناء.

الشرط الثالث أن يكون هو، يعني الراوي المرسل، ثقة في نفسه، ليس يخالف الحفاظ فيما يروون من الروايات، فإن كان ممن يخالف الحفاظ لم يقبل مرسله، يعني إذا كان من عادته أنه يخالف الرواة الحفاظ فيما يروون، فهذا يجعلنا نرتاب في مرسله هذا، أما إذا كان من عادته أنه يوافق الثقات ولا يخالفهم فإن هذه علامة الثقة التي على أساسها يحكم على الراوي بأنه ثقة، وعلى ضوء هذا نستطيع أن نطمئن إلى المرسل الذي جاء به.

الشرط الرابع أن يكون هذا الراوي التابعي من كبار التابعين ليس من صغارهم، وقد نص على ذلك الإمام الشافعي عليه رحمة الله وأكده في غير موضع من الرسالة حتى أنه قال في غضون كلامه: ومن نظر في خبره وقِلّة غفلته استوحش من مرسله كل من دون كبار التابعين بدلايل ظاهرة فيها. فهذه شرائط من يقبل إرساله، وأما الخبر الذي يرسله فيشترط لصحه مخرجه وقبوله...

متى يبحث الناقد على ما يعضد به الرواية؟ متى يحتاج إلى ذلك؟ عندما يكون الرواية فيها سبب للضعف، صح ولا لا؟ يبقى احنا نبدأ من هذا الخط أن عندنا الحديث المرسل فيه سبب يجعله غير مقبول، وهو أن التابعي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم يذكر قولا أو فعلا، فالتابعي لم يلقَ النبي صلى الله عليه وسلم، فلا شك أن في طريق أوصله إليه، يبقى في سبب هنا يجعل هذا الحديث فيه سبب للضعف، لكن هل هو من نوع الضعف الذي يمكن أن ينجبر من وجوه أخرى؟ بعض العلماء قال ذلك، منهم الشافعي رحمه الله.

فاحنا بقى نبدأ محتاجين حاجتين هنا يا شباب: الأول ما هي الشروط التي يجب أن تتوفر في الراوي المرسل، وفي الرواية المرسلة، وفي العواضد التي هي هترفع تلك الرواية المرسلة من حيز الضعف؟ حلو كده، نبدأ بالراوي المرسل اللي هو مين؟ التابعي، الراوي المرسل هو التابعي يا شباب، تمام كده؟ أول شرط: أن يصح الإسناد إليه، دي فيها مشكلة؟ لازم طبيعي أن الإسناد يصح إليه عشان يبقى الكلام عنه هو، والشرط الثاني: أن يكون هو نفسه ثقة حافظ، لأنه لو كان ضعيف خلاص ما عاد في مشكلة، كده تمام.

في بقى شرط ثاني ثالث يا شباب هو ده الدقيق: أن يكون هذا التابعي لا يروي إلا عن الثقات، يعني في الأغلب والأعم دائما يروي عن الثقات، لأنه لو كان يروي عن المجروحين يبقى احتمال أن يكون الساقط ده إيه؟ راوي مجروح، فهمتوا الفكرة دي يا شباب؟ يبقى احنا لسه الآن في حيز إيه؟ في حيز الراوي المرسل، تمام، عايزين الإسناد يصح إليه، وهو يكون ثقة حافظ، وأن لا يروي عن الضعفاء والمتروكين. والشافعي قال: لا هنزود كمان حاجة ودي مهمة بقى يا شباب، أن يكون التابعي ده من كبار التابعين عشان يكون أغلب رواياته عن الصحابة، لأن التابعين يا شباب مشتركون في صفة وهي كل من لقي الصحابي حتى لو لقي صحابياً واحداً، فهل التابعي اللي شاف أبو بكر زي التابعي اللي ما شافش إلا أنس؟ هل الاثنين سواء؟ لا، لأن اللي شاف أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ده بيسموه من كبار التابعين، فهمنا؟ فلما يكون من كبار التابعين إيه فايدتها؟ أنها تكون أغلب رواياته عن مين؟ عن الصحابة. فهمنا الفكرة دي ولا ما فهمناهاش؟ يبقى كده اصبح عندنا أربع شروط، مين يقولهم بسرعة؟

أن يكون هو يروي عن الثقات، لا يروي عن المجروحين، وأن يكون من كبار التابعين لكي يكون أغلب رواياته عن الصحابة. بل الحديث يكون كده يا شباب، يبقى اسمه صالح للاعتبار، لكن لسه برضه في سبب للرد اللي هو الانقطاع، صح ولا لا؟ بس معناه أنه ممكن يمشي حاله. هندخل بقى في الرواية بقى، اتفضل.

فهذه شرائط من يقبل إرساله، وأما الخبر الذي يرسله فيشترط لصحة مخرجه وقبوله أن يعضده ما يدل على صحته وأن له أصلاً، وهذه العواضد أنواع، العواضد الأول وهو أقواها، العواضد بقى يعني إيه يا شباب؟ اللي هي تجبر هذا الضعف، أدقق كلمة أن العاضد يجبر هذا الضعف، فهمت كده؟ يعني أنت ممكن تجيب عاضد، كان هم يحكوا زمان أن كان في واحد أعمى لكن عنده أعضائه كاملة لكنه أعمى، وواحد ثاني كان مشلول، الأعمى بيشيل المشلول على ظهره، المشلول هو عينه والتاني هو رجله، فهمتوها كده؟ فانا لازم أعرف أنا عايز أقويه إزاي، فانا هنا لازم الحديث المرسل، الرواية بقى الثانية التي هنعضد بها هذه الرواية، لابد أن يكون فيها شروط، أول شرط إيه هو؟ أن يسنده الحفاظ المامونون من وجه آخر، اسمها أنواع العواضد، ما هو أعلى عاضد للمرسل؟ أن يأتي من وجه آخر مرفوع صحيح، تمام كده يا شباب؟ لأن ده بيطمني أن الحديث ده له أصل صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيجي واحد هنا يقول: طب ما نعتمد على الصحيح بس صح ولا لا؟ إيش اللي يخلينا؟ مين يجاوب على السؤال ده؟ لماذا أحتاج أن أبحث أو لماذا أهتم إذا وجدت الرواية محفوظة مرفوعة من وجه آخر، لماذا أهتم بالمرسل؟

صريح في الباب أكثر من ده، سبب، أحسنت، الله ينور عليك، أن أنا كده اطمنت أن الراوي ده لما بيرسل، يعني مثلاً اعتبار أن أنا اختبرت مراسلات سعيد بن المسيب فكل ما اختبره ألاقي له أحاديث مرفوعة بتوافقه، يبقى أنا كده اطمنت لمراسلاته ولا لا؟ لكن إفرض أنا كل ما أختبر مراسلاته زي مراسلات مثلاً ابن جريج عرفنا أن هي لماذا قالوا شبه الريح؟ لأن هو أصلاً من صغار التابعين وكمان بيروي عن المتروكين، فيقول لك: لا ده مراسلاته أصلاً ما تدخلهاش في حيز أنها تعضد أو تقوي أو تتقوى. وبعدين بمعنى ذلك المرسل أو بلفظه، إيش؟ المعنى أو اللفظ، وهذا المسند لابد أن يكون صحيحاً في ذاته، هذا ما دل عليه نص الشافعي وما فهمه.

الناس من كلامه، ومن جوز في هذا المسند أن يكون ضعيفا فهو مخالف لنص الإمام الشافعي، ومخالف أيضا لما فهمه الناس من كلامه، ولما يقتضيه النظر أيضا. يعني بعض الناس قال: حتى لو الحديث المرفوع يعني ضعيف فيمشي مع المرسل، قال له: لا؛ لأن الثاني بيقول لك: أن يسنده الثقات عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه آخر، لأني لو برضو الحديث الضعيف مرفوع يبقى الضعف اللي أنا عايزه منجبرش.

ماشي، وقد بينت هذا الأمر في الرسالة التي أفردتها لحديث أسماء في كشف الوجه والكفين العضد الثاني، يعني الشيخ له كتاب خاص ينتقد فيه بعض الدعاة وعلماء الحديث اللي هم صححوا حديث: أن المرأة إذا بلغت يعني يظهر منها الوجه والكفين، هو ينتقده بغض النظر عن المسألة الفقهية يعني.

العضد الثاني أن يوجد حديث مرسل آخر أرسله غير مرسل للحديث الأول، أيوجد مرسل آخر في الباب التابعي الذي يرسله غير التابعي الأول؟ طب ليه؟ مين يقول لي ليه من غير ما تكملي؟ ليه احتاج أن التابعي يعني أن ممكن حديث يقول..

أحسنت، يعني يكون أن إما مثلا عندي راوي مثل مثلا حسن البصري، ماشي كده؟ ده تابعي. لو، نعم، هو نفس الحديث؛ أما أن هما الاتنين اشتركوا في شيخ واحد فيكون المخرج واحد، أو واحد منهم أخذ عن الثاني.

ايوه الله ينور عليك، وهذا المرسل لكي يقوي المرسل الأول يشترط له أولا كل ما اشترط في المرسل الأول، كل ما اشترط في المرسل الأول من صحة الإسناد إلى المرسل، وألا يعرف بالرواية عن الضعفاء والمجاهيل، وأن يكون ثقة في نفسه، وأن يكون من كبار التابعين أيضا. كل هذا لابد وأن يتحقق في التابعي صاحب المرسل الثاني كما اشترط في التابعي صاحب المرسل الأول؛ لأنه من المعروف بداها أن الرواية إنما تتقوى بما هو مثلها أو أقوى منها، ولا تتقوى بما هو دونها.

ثانيا: أن يكون هذا التابعي صاحب المرسل الثاني غير معروف بأخذ العلم عن شيخ التابعي الأول صاحب المرسل الأول؛ لكي نتمكن من الاطمئنان إلى تعدد المخارج، حتى نطمئن إلى أن التابعي الأول أخذ مرسله عن شيخ غير الشيخ الذي أخذ عنه التابعي الثاني، فنطمئن إلى أن الحديث له مخارج متعددة.

أما إن لم يتحقق هذا الشرط فلربما كان شيخ التابعي الأول هو شيخ التابعي الثاني، وقد يكون ضعيفا هذا الذي أسقطه التابعيان، فحينئذ يرجع الحديث إلى مخرج واحد ضعيف لا يحتج به.

وإذا كان العلماء يشترطون هذا، فمن باب أولى أن لا يكون أحد التابعين قد أخذ عن التابعي الآخر؛ لأن هذا التابعي إن كان معروفا بأخذ العلم عن التابعي الآخر، وقد اشتركا جميعا في رواية هذا المرسل، فالظاهر أن أحدهما أخذه من الآخر، ثم أسقطه وارتقى بالحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلا إياه، فيرجع المرسل الثاني إلى الأول، ويكون المرسلان بمثابة مرسل واحد لا تعدد فيه.

طبعا يا شباب، في واقع الرواية الأحاديث المرسلة التي ينطبق عليها هذه الشروط قليلة جدا.

العرض الثالث: أن يوافقه كلام بعض الصحابة، يعني أن يأتي من فتاوى بعض الصحابة ما يدل على موافقة هذا المرسل، فإن هذا مما يقوي المرسل أيضا، وبطبيعه الحال يشترط أن تكون الرواية إلى هذا الصحابي صحيحة وليست ضعيفة إليه. وأيضا يشترط أن تكون مختلفة المخرج عن مخرج المرسل؛ بمعنى أن يكون التابعي الذي يروي هذه الفتوى عن الصحابي غير التابعي الذي روى الحديث المرسل، حتى نطمئن إلى تعدد المخارج.

فلربما كان الحديث هو من قول الصحابي موقوفا عليه، ثم أخطأ الراوي فرواه مرفوعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مهم جدا أن ممكن يكون أصل الحديث موقوف من كلام الصحابي تمام، وراوي أخطأ فرفعه والراوي التابعي أخذ عنه، فيبقى أصلا كله رجع أن الرواية أصلا موقوفه، وإن كان أرسله، لكن مع اختلاف المخارج يبعد وقوع هذا.

العرض الرابع: أن يوافقه قول عامة أهل العلم، ولا شك أنه يشترط في هذا أيضا صحة الرواية إلى هؤلاء العلماء، حتى يصح أن يقال إن هذه الفتاوى صدرت عنهم أو هي من أقوالهم على نحو ما بينا في العرض الثالث.

التدليس، تدليس الإسناد. أيوه، هنا بقى أنا عايزك تصحصح شوية؛ عشان درس التدليس ده يعني مهم من جهتين: الجهة الأولى أن هو كثير جدا في الروايات، وأن الرواة المدلسين كثيرون وكثير منهم موجود في البخاري ومسلم وفي الكتب التي تشترط الصحة، تمام، ده السبب الأول.

السبب الثاني: أن التعامل مع التدليس ليس تعاملا رياضيا أن كل مدلس لا يقبل منه إلا إذا صرح بالسماع، لا؛ فخلينا نفهم الأول يا شباب يعني إيه التدليس.

عشان نفهم التدليس لازم نفهم ما هو الأصل في الرواية. الأصل في الرواية أن الراوي تحمل الرواية من راوي، وأداها إلى راوي آخر، والصواب أن يؤدي الرواية كما تحملها، فإذا كان واحد زي حميد له سماع في الجملة من أنس، لكن بعض الأحاديث أخذها عن ثابت عن أنس، يبقى المفروض في الأحاديث اللي أخذها عن ثابت عن أنس يقول: عن ثابت عن أنس، ده الصواب يؤديها كما رواها.

يبقى الأصل في التدليس خطأ وليس هو الصواب في الرواية، الرواية تروى كما تلقيتها ترويها، لكن وجد في عدد من الرواة أنه كان يوهم أنه تلقى هذا الحديث مباشرة عن شيخه.

خلينا نبدا بقى واحدة واحدة: متى توصف رواية الراوي التي أوهم فيها بأنها مدلسة؟ أن يكون الراوي له سماع في الجملة من شيخه، لكن بعض الأحاديث أخذها عنه بواسطة فاسقط الواسطة وأتى بصيغة توهم السماع، زي كلمة "عن".

أما لو قال: "حدثنا"، يبقى ده اسمه إيه؟ تدليس ولا كذب؟ كذب. حلو كده، دي مفهومة ولا مش مفهومة؟ تمام، يبقى بقى السؤال المهم هنا: ما هي أنواع التدليس؟ تمام، ده السؤال الأول؛ أنواع التدليس. والسؤال الثاني: أسباب التدليس، لماذا يفعل ذلك؟ مش ده سؤال مهم؟ والامر الثالث: كيف أتعامل مع رواية المدلس؟ صحصح بقى معي.

أول شيء في أنواع التدليس: التدليس في تدليس اسمه تدليس الإسناد، وتدليس التسوية، وبقى تدليس تاني بقى إيه؟ اللي هو تدليس البلدان وقصص، هم دول أهم تدليسين.

تمام، في تدليس تاني اسمه تدليس أسماء الشيوخ، أن يكون عنده شيوخ فيغير اسمه، يعني يكنيه بكنية لسبب ممكن يكون مطلوب مثلا في البلد، ما هو كمان هم كمان كانوا مطلوبين، أمال إيه؟ واحد زي سعيد بن جبير مثلا قال الحجاج بن يوسف يطلبه، فهمنا كده؟ فلما يجي روى قاعد في المسجد يقول: حدثني سعيد بن الجواري، يقول له: تعال لي أنت قابلته فين؟ فهمت كده؟ تعال وهات سعيد معاك. يبقى ففي عندهم تدليس أسماء الشيوخ.

بعضهم بقى كان بيتدلس هتيجي في الأسباب، خلينا نأخرها الأسباب.

تدليس الإسناد يا شباب هو أكثر أنواع التدليس، تمام، ما تهتمش أنك تكتب تعريفه؛ لأنه هو هيكتب لك تعريفه، بس أنا عايزك تفهمه، هو أن يكون الراوي له سماع في الجملة من شيخ، ولكنه أخذ بعض الأحاديث عنه بواسطة، فيسقط هذه الواسطة لغرض، ويأتي بصيغة تحتمل السماع ولا تقتضيه زي كلمة "عن". حلو كده؟

تمام، تدليس التسوية معناه إخفاء عيب الرواية، ومن أهم صورها إسقاط الضعيف بين الثقتين، ويزداد الأمر إشكالا إذا كان يعني الراوي الأول من الثقات سمع في الجملة من الراوي الثاني، فزي ما احنا قلنا إيه الحديث اللي خدناه بقية؟ أخذ عن الأوزاعي، في الأصل الأوزاعي رواه عن قرة، صح؟ وقرة عن الزهري، فقام هو أسقط الضعيف بين الثقتين.

والإشكال متى حصل؟ لأن الأوزاعي مش مدلس وروى في الجملة فما حدش هيفتش وراه في العنعنة، فأصبح هنا الموضوع أشد إشكالا؛ أنه يسقط الضعيف بين الثقتين اللي أصلا الراوي..

الاول له سماع من الراوي الثاني في الآية في الجملة وليس مدلساً، فكده ما حدش يفتش وراه؛ ده اسمه تدليس إيه يا شباب؟ التسوיה أو التجويد أو التجميل أي حاجة. التدليس في أسماء الشيوخ: أن هو يكون له شيخ ويكنيه بكونية ليست كنيته، أو يسميه باسم يعني غير اسمه، وده ليه أسباب بقى زي ما قلت لك أن يكون مطلوباً، ده قليل، لكن ما هو الأكثر أنه يسميه باسم عشان هو ضعيف، فلو صرح باسمه ما حدش يقبل منه الحديث، وهذا من الأغراض القبيحة؛ لأن التدليس درجات يا شباب.

في واحد مثلاً في غرض من أغراض التدليس العلو؛ سفيان ابن عيينة مثلاً. سفيان ابن عيينة كان سنه صغير بالنسبة للرواة اللي تلمذوا على الزهري، مين أهمهم؟ مالك ومعمر، مالك ومعمر والأوزاعي والزبيدي، ده الجيل اللي هو كبير. طب سفيان ابن عيينة كان سنه أصغر منهم، فلما راح للزهري في أحاديث فاتته، فأخذها عن مين؟ أخذها عن معمر، أخذها عن مالك، فكان أحياناً يقول عن الزهري، فغرضه هنا هو العلو، بس اللي أسقطه ثقة ولا ضعيف؟ ثقة، بس هو هذا ليس هو الأولى، لذلك مثلاً واحد زي شعبة قال: لأن أزني أحب إلي من أن أدلس؛ هو كان يرى أن ده مش، يعني ليه تعمل كده؟ إذا كان الحديث عندك نازل ما تروي بنزول، صح ولا لا؟ فهمت؟ فهو يعني هو كتير من الرواة كان يستقبل هذا الأمر.

بينما واحد زي سفيان الثوري كان يفعله، الأعمش كان يفعله، قتادة كان يفعله، حميد الطويل كان يفعله، أبو إسحاق كان يفعله. فهمت الآن يا شباب؟ نتكلم عن ظاهرة واقعة، لا نبحث كثيراً لماذا فعلوا؟ وإنما نبحث كيف نتصرف مع رواياتهم؟ يبقى الجائيس تقول طب ليه عملوا كده؟ لا، هم عملوا، خلصت القصة، احنا بقى عايزين نعرف نتعامل مع روايتهم إزاي. فهمنا كده يا شباب؟

أهم نقطة بقى في التدليس يا شباب هو كيف نتعامل مع رواية المدلس؟ أول شيء أن التدليس أن وصف الراوي بأنه مدلس دي معناها أنه جرب عليه التدليس، تمام كده؟ فيبقى أول شيء بقى احنا بنتكلم عن في النقطة بقى اللي هي أهم شيء في الباب ده كله كيف نتعامل مع عنعنة المدلس؟ لأن احنا بنتكلم لو لو المدلس يا شباب لم يدلس يبقى كده روايته فيها مشكلة، طيب لو صرح بالسماع رواية فيها مشكلة؟ يبقى متى تكون مشكلة؟ إذا ذكر إيه؟ عن. تمام كده يا شباب؟

هعمل إيه بقى هنا؟ أول شيء أن التحقق، دي رقم واحد، دي مش موجودة عند الشيخ في الكتابة لو أنت عايز يعني تكتبها؛ يعني التعامل مع رواية المدلس، يعني أنا حاول أوجزها لك حتى لو هو فرقها، بس أنا عايز أوجزها لك إجازة. التعامل مع عنعنة المدلس، أو مع رواية المدلس، خلينا نجيبها من الأول، نحط كده شوية حالات ونطلعهم بره الكلام.

إذا المدلس صرح بالسماع وثبت هذا التصريح، يعني إذا ثبت تصريح المدلس بالسماع، يبقى دي مش مشكلة، خلاص، خرجت، لا أشكال فيها. دي كده صورة خرجناها.

والصورة الثانية أن يعلم ما دلس فيه مما لم يدلسه، لسه هنقول أهو مثلاً يا شباب الحسن البصري رحمه الله كان يفعل هذا أحياناً. فهو مثلاً روى عن سمرة، هو سمع من سمرة حديث العقيقة، وباقي الأحاديث لم يسمعها منه معروفة. يبقى هل احنا مرتابين في حديث العقيقة؟ لا، هو سمعه. طب باقي الأحاديث هل كلمة عن هنا مهمة ولا معروف أنها منقطعة؟ منقطعة. يبقى إذا نص على أن الراوي المدلس سمع أحاديث بعينها من شيخه، فهذه الأحاديث يحكم لها بالاتصال، والباقي يحكم لها بالتدليس ولا بالانقطاع؟ بالانقطاع؛ لأن أنا خلاص اتأكدت.

بصوا يا شباب، هو التدليس، إيه معنى التدليس؟ هو الإهام. أنا نعم، لا لا لا. هنا أنا دلوقتي عندي يا شباب، خليكم فاهمين الفكرة دي، أنا عندي راوي وشيخ. فهم قالوا لك مثلاً قالوا إن الراوي الفلاني ده اللي هو حميد مثلاً يدلس عن أنس، يعني أحياناً يسقط الراوي بينه وبين أنس، جميل كده يا شباب؟

طيب، فمعنى كده أنه لما بيقول عن بيبقى عندي احتمالين؛ أنه ممكن يكون سمعها مباشرة أو في راوي هنا، صح؟ طيب، يبقى كده في إيهام. طب أفرض أنا عرفت أنه فعلاً سمع من أنس عشر أحاديث معروفين، وباقي الروايات لم يسمعها، هل الإهام هنا موجود؟ ما عادش في إهام بقى، صح كده ولا لا؟ يبقى لو هو حتى عنعن في هذه العشرة فدي متصلة، وهنا قال عن، ما تجيش تقول لي مدلسة، لا، دي منقطعة. يبقى كده بقى عندنا حالتين طالعين من البحث، مفهومين ولا مش مفهومين؟ ماشي.

الاثنين، يبقى أنت كنت نَايِم في الأولى. الأولى إيه هي الأولى اللي قلناها يا شباب؟ خلاص، ثبت النقل، حدثنا، خلاص، خلصت؛ لأنه مش هيکذب. الحالة الثانية: أن يكون الراوي علم ما سمع منه مما لم يسمع، فيبقى اللي سامع منه مدلس ولا متصل؟ ومتصل. واللي ما سمعش منه؟ مدلس ولا منقطع؟ خلصت الدنيا كده. تمام كده؟ خلاص.

طيب، نبقى نفضل بقى في الواقع اللي هو الأكثر في الروايات، أن هو الراوي رمي بالتدليس. أول حاجه يا شباب، أول طريقة في التعامل: هل ثبت عنه التدليس أم لا؟ ليه؟ لأن بعض الرواة يرمى بالتدليس ولا يثبت ذلك عنه، يكون اتهم به اتهاماً، تمام كده؟ ده أول شيء، يبقى هل ثبت وصفه بالتدليس أم لا؟

الأمر الثاني بقى: ما معنى التدليس الذي وصف به؟ لأن بعض الرواة شباب، أنا عايزك تركز في الجزئيه دي وبعدين تبقى تكتبها، بعض الرواة احنا قلنا من شرط التدليس أن يكون الراوي له سماع في الجملة ممن روى عنه، صح؟ طب أفرض ما رواش عنه خالص؟ يبقى ده اسمه تدليس. بعض العلماء كان بيسميه تدليس، كان يجعل رواية الراوي عما لم يلقَ تدليساً، يسميها تدليس، خصوصاً لو كان عاصره، لو كان عصره وقال عن، فكانه بيوهم أنه سمع منه، فراح جاي مسميها تدليس، بس دي نادره. فيبقى أنا محتاج أفهم: ما معنى وصف الراوي بأنه مدلس؟ ماشي كده؟

ندخل بقى في اللي بعدها؛ الأمر الثالث: ما نوع تدليسه؟ يا ترى هو تدليس تسويه، ولا تدليس أسماء الشيوخ، ولا تدليس الإسناد؟ ليه يا شباب؟ لأنه لو كان مثلاً مين يقول لي ليه؟ مين يقول لي ليه بنهتم بنوع التدليس؟ ليه؟ أيوه صح، بس هنتعامل معاه من أي جهة؟ بعضهم المقصد هنا لا. صح، بس احنا عايزين إزاي بقى في إيه؟ لا، أنا بسالك سؤال، بقول لك: لماذا نحتاج أن نعرف نوع تدليسه؟ من شيخه، يعني بين الثقتين.

طيب، أنا هضرب لكم مثال، أضرب لك مثال، أضرب لك مثال. هل أنا هيفرق معي بقية بن الوليد بيدلس تدليس إسناد ولا تدليس تسوية؟ هيفرق معي ليه بقى؟ الله ينور عليك. ليه يا شباب؟ لأني لو الراوي كان بيدلس تدليس تسوية، لا يكفي أن يصرح بالسماع بينه وبين شيخه؛ لأنه ممكن يسقط الراوي بعد كده اللي هو بين شيخه وشيخ شيخه. يعني نعتبر يا شباب أن بقية قال: حدثنا الأوزاعي، كده الشبهة انتفت؟ لا؛ لأن هو بالفعل عمل كده: حدثنا الأوزاعي، لكن أسقط الضعيف اللي بين الأوزاعي والزهري. فيبقى معرفة نوع التدليس بيخليني أعرف كيف أحتاط في روايته عن الثقات، لازم ما يكون فيه كذب.

فلما يعني حدثنا الأوزاعي عن الزهري فهذا صار فيهم يعني نوع من الكذب؛ الأوزاعي عن قرة عن الذنوب. هو الراجل ما قالش الأوزاعي حدثنا الزهري، ما هو ما هو الأوزاعي روى الرواية عن الزهري، بس بينهم واحد. هو كان متأولاً في ذلك، هو دول كانوا بيتاولوا يا شباب، بغض النظر عن حكم الأمر أنها ظاهرة لازم يتعامل معها. ماشي، يبقى معرفة نوع التدليس مهمة عشان أَعرف الاحتياطات الواجبة. إذا كان الراجل مش معروف بتدليس التسويه فيكفي أن هو أعرف أن هو تلقى الرواية عما روى عنه، لكن أفرض بقى كان لسه تسويه، محتاج أن أنا أتحقق في كل طبقات الإسناد.

حلو كده؟ وصلنا لحد فين؟ ثلاث حاجات، صح؟ ثلاثة.

الرابع بقى يا شباب، القلة والكثرة. في مثلا الزهري يقولون: يدلس النادر، يعني نادراً ما يفعلها. القلة والكثرة يعني، هل هو مقل في التدليس مثل مثلا ابن جريج مثلا، ولا هو مقل مثل الزهري؟ يبقى القلة والكثرة دي مهمة. إيه الفرق بينهم يا شباب؟ يعني إيه؟ ليه القلة والكثرة مهمة عندي؟ مين يقول؟ مثل ما حكينا قبل، إيه، واحد بيعرف، صح، إيه، الله ينور عليك.

يعني يا شباب، لما يكون الراوي يدلس في النادر، فمن ادعى تدليسه فعليه البينة، بخلاف الراوي اللي معروف إنه بيدلس، اللي يثبت السماع هو اللي عليه البينة. أهي دي الفكرة يا شباب، تمام؟

اللي بعده بقى يا شباب؛ سبب التدليس، ودي بقى نقطة مهمة جداً. ما هو الداعي للتدليس؟ فلو كان الداعي مجرد العلو وهو لا يدلس إلا عن ثقات، يبقى ده بيجي على تدليسه إيه؟ خفيف، صح ولا لا يا شباب؟ صح. طيب، أفرض بقى كان يدلس ليسقط المتروكين والكذابين من الرواية؟ ده بقى العلماء بيقولون: قبيح التدليس؛ ليه؟ لأنه تعمد أن يخفي عيباً كانت الرواية ستسقط به. فهمنا يا شباب؟ يبقى الداعي للتدليس ده مهم، هل هو يريد العلو فقط؟ يعني بيقول لي أنا، بدل ما يعني حميد يقول لك: أنا، يعني أنا بقى رويت عن أنس كل الأحاديث دي، هاجي أروي بقى عن قتادة أو عن ثابت، لا، مش حلوة، فهمت كده؟ إنما واحد مثلاً زي ابن جريج كان يسقط الرواة الهلكة والمتروكين، فهمنا كده يا شباب؟

آخر حاجة بقى في الفكرة، القصة دي كلها، ركز فيها عشان دي دي يعني نقطة فاصلة مهمة؛ كيف تعامل النقاد مع عنعنة المدلس؟ دي مهمة بقى. النقاد بقى اللي زي البخاري ومسلم وأبو داود وطبعا أبو حاتم وأبو زرعة، هل كانوا يهتمون ويفتشون ورا الأعمش وقتادة وأبي إسحاق ولا كانوا عادي بيمشوا العنعنة؟ ليه قلت الكلام ده يا شباب؟ لأن بعض المحققين المعاصرين بيعمل إيه؟ يقول لك: هذا، حتى في البخاري ومسلم، هذا حديث ضعيف. تقول له: ليه يا عم؟ ده زي الورد أهو، ده زي العسل؛ الغندر عن شعبة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. إيه يا عم ده؟ قال لك: لا، فيه الأعمش وهو مدلس، وقد عنعن، ومن أقسام الحديث الضعيف بسبب عدم الاتصال؛ المدلس ده أدييك قوانين رياضية اللي أنا عليها، فاهم؟ ما عندهمش الكلام ده يا شباب.

أنا بقى هضرب لك مثال يحاول يفهمك الفكرة دي، عشان تعرف إن ما فيش قوانين رياضية في الحديث عندنا يا شباب. مين أكتر واحد لما أنا تكلمت عن التدليس ذكرت أن تدليسه وصف بالقبح؟ الله، خلينا بقى في المثال ده عشان يبقى إذا ده جه، فالباغي إيه؟ سهل. ابن جريج، المفروض من من الكلام اللي أنا قلت لك عليه، يبقى لازم العلماء ما يفوتوا أبداً عنعنته إلا لما يقول: حدثنا، صح ولا لا؟ لا، هو بقى مثلاً واحد زي ابن جريج ده سمع من عطاء بن أبي رباح، قعد معاه حوالي عشرين سنة يا شباب، عايش معاه، هل هو محتاج يدلس عن حد غيره؟ يعني لو هو واحد زي ابن جريج ده عاش مع عطاء عشرين سنة، هل محتاج يروح لواحد تاني يسمع أحاديث عن عطاء؟ ده لو سمع أصلاً أحاديث عن عطاء ما يعرفهاش هو ينكرها، فهمنا كده؟ فيقوم العلماء يقول لك عنعنة ابن جريج عن عطاء تمشي؛ ليه؟ لأن هو مش محتاج يدلس عنه أصلاً، لأنه شبع منه، استنفذ كل حاجة منه، ماشي يا شباب؟

مثال تاني؛ واحد اسمه اللي هو أبو إسحاق السبيعي، بيروي عن أبي الأحوص، اللي هو عوف بن مالك بن نضلة، فأبو إسحاق كان بيقول لك: كان أبو الأحوص يسكب علينا الحديث سكباً، يعني كان مغرقنا أحاديث، فهيرروح يسمع عن غيره؟ فلازم أنت تفهم اللقطة دي يا شباب. واحد زي الأعمش؛ الأعمش مثلاً روى عن مين؟ روى عن أبي صالح وعن أبي وائل، وأكثر عنهم جداً، وإبراهيم النخعي كمان، فلما هو روى عن هؤلاء وشبع منهم، فالعلماء مشوا العنعنة بتاعته عنهم؛ ليه يا شباب؟ لأنه ما عادش محتاج يسمع من حد تاني عنهم. يبقى لو أنت بقى خدت القوانين الرياضية، هتقول إيه؟ هذا الحديث فيه الأعمش وهو مدلس وقد عنعن، هتنسف كل الاعتبارات اللي احنا قلناها. لا، تفكر فيه؛ كيف تعامل العلماء معه، وما سبب ذلك، وهل هو ملازم له ولا لا؟ فهمنا يا شباب؟

الخطأ ده بقى حصل في عدد من المحققين المعاصرين؛ تجرأ على أحاديث في البخاري ومسلم، وبقى يقول: حديث ضعيف! تقول له: ليه؟ يقول لك: في الراوي مدلس وعنعن، بكل بساطة هكذا. هو الإام مسلم كان مغفل ولا إيه مثلاً يعني؟ الإمام مسلم اتفاجئ أن الراوي ده مدلس؟ فواحد بقى عمل بحث: «الرواة المدلسون في صحيح البخاري» و«رواة المدلسين في صحيح مسلم» عشان حاول يبين لك لماذا خرج له البخاري مع كونه مدلساً. فهمنا كده يا شباب؟ الشوية اللي أنا قلتهم لك دول هم أهم شيء في التعامل مع المدلس. يبقى ليس مجرد وصف الراوي بأنه مدلس يجعلك ترد روايته بالعنعنة، غلط، وإنما يمر بكل الفلاتر اللي احنا ايه قلناها دي. اتفضل.

لا، ده تدليس برضو، اسمه تدليس. لا، هو ده تدليس إسناد بس، بس بغرض العلو، لا، ده لا، ده خفيف، أنا وصفت لك الحالة بس، هو مش بيسموه كده، هم بيقولون إن هو لا يدلس إلا عن ثقة، كابن عيينة مثلاً، بعضهم يقول: لا يدلس إلا عن ثقة وإن كان أحياناً يدلس عن واحد مثل حسن بن عمارة. لكن المهم في الأعم الأغلب، يلا.

التدليس؛ تدليس الإسناد ونوع التدليس. أنواع هي تدليس الإسناد وذا، يرويها عمن لقي بصيغة محتمله، ما عن سواه عنه قد تحمله. التدليس أنواع، فالنوع الأول هو تدليس الإسناد أو تدليس السماع، وهو أن يروي الراوي الذي عرف بالتدليس عن بعض من لقيه وأخذ عنه، أو لقيه فقط ولم يسمع منه، على اختلاف في هذه، ولم يسمع منه على اختلاف في هذه الصورة الثانية، حديثاً لم يسمعه منه.

أه، يعني الصورة الثانية دي اللي احنا قلنا عليها، شبه بعض العلماء يطلق عليها تدليساً، أن راوي يروي عما لم يلقاه أصلاً، ماشي؟ وإنما تحمله بواسطة عنه موهماً أنه سمعه منه، حيث يريده بلفظ محتمل يوهم الاتصال ولا يقتضيه، قائلاً: قال فلان، أو عن فلان، أو أن فلاناً قال، أو حدث فلان، ونحوه. هذه هي صورة تدليس السماع أو تدليس الإسناد. الراوي يكون له من شيخه سماع في الجملة؛ سمع منه عدة أحاديث، إلا أن هذا الحديث بعينه لم يسمعه منه مباشرة، بل أخذه عن رجل أو عن أكثر مشهورين بالتدليس، يا شباب هم من البصرة أو من الكوفة، ده الأغلب يعني، كان فيه مثلاً وكمان الجماعة بتوع الشام برضه، خد بالك، عندك الوليد بن مسلم والبقية.

تمام، لكن في يعني مجموعة من العلماء كانوا يستنكرون هذا استنكاراً كبيراً، يعني يستنكر ويقول: أنت ليه تعمل أنت؟ رويت الحديث، ما تقول مين اللي حدثك! حتى لو ضعيف، أنت مالك؟ يعني أنت مش حديثك تخفيه ليه من الرواية؟ وإن كان ابن جريج مكة، تمام؟ لكن يعني ايه أيضاً كان مشهوراً بالتدليس كما قلنا، وبعضهم قال: كان قبيح التدليس، كان يسقط الرواة الضعفاء. ثم إذا ما روى الحديث، يسقط هذه الوسائط بينه وبين شيخه الذي له منه سماع في الجملة، ثم يرتقي بالحديث إلى الشيخ وهو لا يصرح بالسماع من الشيخ في هذا الحديث.

ذكرت لكم مثالين، أن الراوي مدلس والعلماء يفوتون على عنعنته؛ مثل مثلاً أبو إسحاق مع أبي الأحوص، وابن جريج مع عطاء، صح؟ في بقى حالة كمان، إيه هي؟ أن يكون الراوي عن المدلس معروفاً أنه لم يأخذ عما دلسه، زي شعبة. شعبة يقول: كنت أتتبع، فإذا قال قتادة: حدثنا، كتبته. فيبقى لما شعبة يروي عن قتادة، حتى لو

قتادة قال عن في الرواية تبقى أنت مطمئن أن شعبة سأله أنت أخذتها من أنس ولا لا. فاهمين كده يا شباب؟

يبقى من الحالات أيضاً أن يكون الراوي عن المدلس ممن لا يروي عنه إلا بعد التثبت من السماع، زي شعبة عن قتادة، وكمان يحيى القطان كان بيعملها مع سفيان الثوري، ماشي، لأنه إن صرح كان كذاباً. بل يذكر لفظاً يوهم السماع ولا يقتضيه، فيقولون مثلاً، فيقول مثلاً قال فلان، وهذه الصيغة لا تستلزم السماع كما أنها لا تستلزم عدم السماع، بل توهموا الأمر وتحتملوا الأمر فقط.

فقول الراوي المدلس قال فلان كذا، قد يكون سمعه وقد لا يكون سمعه، فمن أجل هذا يوهم السامعين أنه سمع وهو لم يسمع. وقد يكون ذلك بحذف الصيغة رأساً.

مثاله: قال علي بن خشرم: كنا كنا عند سفيان بن عيينة في مجلسه فقال الزهري، لا، فقال الزهري، الزهري يعني سفيان بن عيينة بدأ قال لهم الزهري، وعايز يكمل فالناس قالوا له: لا، حدثك الزهري؟ يبقى سألوه هو بيقول الزهري وعايز يكمل فقال حدثكم الزهري. فسكت، ثم قال الزهري. فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، لم أسمعه من الزهري ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. فهمت كده؟

وابن حبان وابن عبد البر الاتنين قالوا إن ابن عيينة لا يدلس إلا عن ثقة، يعني كان غرضه من التدليس العلو، لأن بيني وبينك لما واحد زي ابن عيينة ده يروي يقول يروي عن عبد الرزاق عن معمر ممكن يستعيبها. المهم أنا بكلمك على الإمكان، ليه؟ لأن هو أصلاً في طبقة معمر، فالمفروض أصلاً يكون هو سمع من الزهري، لكن في أحاديث اكتشف أن هي فاتته عن الزهري، خلاص فاضطر ياخدها عن معمر، طب ما لقاش معمر فخده عن عبد الرزاق عن معمر.

الإرسال الخفي، وأن يكن معاصراً لم يعرف. باختصار الإرسال خفي هو مصطلح حادث متأخر جداً، يعني ابن حجر هو اللي تكلم عنه. الإرسال الخفي ما معناه باختصار يا شباب في إرسال ظاهر، أن الراويين يكون ما فيش بينهم معاصرة ولا إمكان لقاء. خلاص معروف أنه مثلاً واحد زي إيه زي قتادة يروي مثلاً عن عمر مثلاً، خلاص معروف ما فيش معاصرة، فده الانقطاع ظاهر ولا خفي؟ ظاهر.

لكن لو كان في معاصرة وإمكان لقاء وروى عنه، لكن لم يرو عنه في الجملة نهائي، ده بيسموه الإرسال الخفي. طب إيه اللي يفرق كده بقى، خليك ذكي، اللي فرق الإرسال الخفي عن التدليس وعن الإرسال الظاهر؟ ما الذي يفرق الإرسال الخفي عن التدليس؟ ده السؤال الأول.

ما الذي يفرق الإرسال الخفي عن التدليس؟ أنا قلتها يا جماعة. أيوه، أن التدليس الراوي له سماع في الجملة، إنما في الإرسال الخفي ما فيش سماع خالص. تقول لحمة دخلت عندكم في البنكرياس ولا إيه؟

وأن يكن معاصراً لم يعرف للقيا الشيخ فمرسل خفي، ذكرنا آنفاً أن المدلس قد يكون له سماع من شيخه في الجملة، وقد لا يكون له سماع أصله، فقط هو عاصره ولم يسمع منه ولم يلتقي به، أو التقى به ولم يسمع منه. هذه الصورة الثانية مما وقع فيها خلاف بين أهل العلم: هل هي داخلة في التدليس، أم هي مما يصدق عليها اسم الإرسال؟

لماذا شباب بعضهم أدخله في التدليس؟ خليك يعني هو ده سؤال لو انت نايم مش هتعرف تجاوبه، يعني انت لو جاوبته أنك انت صاحي وأنا أشك أن انت صاحي، مناظركم باينة خالص، مناظركم ما تشجعش إيه؟ له سماع منه في الجملة أسقطه، لا، لا، في حاجة تانية أنت بتصوره وهم نايمين. لا يعني أنا بسأل سؤال يا جماعة، لماذا بعض الناس سمى الإرسال الخفي تدليساً؟ لا، لا.

أيوه، لأن هو اللقاء ممكن، فلما هو يروي عنه يوهمك بأنه إيه؟ سمع منه مباشرة، فهمنا كده يا شباب؟ يعني لما يكون في معاصرة وإمكان للقاء، يبقى ده ممكن يسموه تدليس، ليه؟ لأنك بتوهمني أنك التقيت به بينما أنت لم تلتق به، فعشان كده بعضهم سماه تدليس. اتفضل. أما أسقط الواسطة هون كانوا أسوأ من التدليس، لا، ليه؟ لا، ومش لا، هو أنت بص، لأنك مش عارف جو الرواية، خالد، أنا هحاول أوصل لكم الفكرة يا شباب، أنت أحياناً تقول إيه اللي يخلي الراوي ما يذكرش الشيخ اللي روى عنه مع أن غرضه نبيل؟

وده حتى أنت كمان سالت السؤال ده خالد الصبح، أنك أنت بتقول إزاي الروايتين عن الراوي يعني صحة واحد رواه بالشكل ده، واحد رواه بالشكل ده؟ هضرب لك مثال، مثلاً حديث لا نكاح إلا بولي. أبو إسحاق السبيعي رواه منقطع، ومرة رواه متصل. فلما رواه منقطع، بعض العلماء قال: هو لم يكن يرويه، وإنما كانت فتيا، واحد سأله عن النكاح بولي فقال قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح بولي»، فهو لم يكن قاصدا أن يسند الحديث زي ما أنت دلوقتي مش ممكن تقول قال النبي صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات، فبعضهم يكون في فقه، أو في موعظة، أو في خطبة، أو في كذا، فمش محتاج يذكر الإسناد، لكن إذا كان في مجلس تحديث فبيعمل إيه؟ بيسند.

فنفس الاحاديث المرسلة تأتي هكذا، خالد، اللي ممكن واحد بيختصر في الرواية، فاحنا ما يهمناش بقى، احنا محتاجين نعرف مين الراوي اللي سقط عشان نتاكد أن الواسطة ثقة. ماشي، جزاكم الله.

وذلك إذا ما روى الراوي عن معاصر له ولم يسمع منه، أو ممن التقى به ولم يسمع منه لا هذا الحديث ولا أي حديث آخر، الحافظ ابن حجر العسقلاني عليه رحمه الله يرى التفرقة، فيجعل هذه الصورة من قبيل الإرسال الخفي ولا يسميها تدليساً، ويجعل التدليس خاصاً بما كان الراوي فيه له من شيخه سماع في الجملة.

وغير الحافظ ابن حجر من أهل العلم يتجوز فيها، يتجوز في هذا ويطلق على الكل تدليساً، وبطبيعة الحال فإن هذا الاختلاف فإن هذا الاختلاف راجع إلى الاصطلاح وإلا فالالحكم سواء، ولكن ينبغي أن يعرف اصطلاح كل إمام على حدة حتى يفهم كلامه على ما عرف من اصطلاحه، على أن اسم الإرسال يصدق على كل ما فيه سقط بأي صفة كان، فالأمر سهل والخطب هين ولا مشاحة في الاصطلاح.

تدليس التسوية، تدليس التجويد وشر التدليس وهو التسوية، وليس يختص به أن يرويها من بعد أن يسقط شيخاً عالياً من بين شيخين، فإن تلاقيا يضروا حيث يوهم اتصاله بينهما وجرحوا فاعله. مين يشرح الأبيات دي يا شباب من غير ما يحتاج لشرح الشيخ؟ مين يشرحها؟ اتفضل، اتفضل.

تدليس التدليس، تدليس التجويد أو تدليس التسوية، ثم قال وليس يختص به اليومية من بعد، ليه هو شر التدليس أصلاً؟ بين شيخين، وهذان الشيخان ربما يكون بينهما لقاء وبينهما سماعياً. لا أنت كده، أنت كده شرحت حاجة لسه ما جاخش وقتها، أنا عايزك تشرح البيت الأول بس يا خليل، أنت كده دخلت في البيت التاني.

ايوه، اللي هيقول ليه شر التدليس يا شباب كامل، يعني في حاجة أنا ما قلتهاش هنا بس أنت ممكن تفهمها من خلال المثال اللي أنا ضربته، لماذا تدليس التسوية هو شر التدليس؟ تفضل. لا، يعني مش أنت قربت بس هي مش عبرتش صح. أحسنت، ده السبب الثاني أن هو صعب أن هو فعل حيله يصعب بها اكتشافه تدليسه. بس في حاجة قبلها بقى إيه هو؟ أن أصلاً تدليس التسوية وتدليس التجويد تعمد إسقاط الضعيف لإخفاء عيب الرواية، وأخفاء عيب الرواية ده مش ده عيب في الراوي؟ أنك تتعمد تخفي الرواية، تخفي عيب الرواية الذي كان سبب في معرفة ضعفها من أول وهلة.

والسبب الثاني اللي قاله خليل اللي هو إيه؟ أن هو فعل حيلة يصعب بها اكتشاف أن هو صرح بينه وبين شيخه وأسقط الضعيف في الطبقات العالية، فأنت هتقول إيه: آه، لا ده هو مدلس بس صرح، هو طب يكون أشر أمتى بقى؟

يبقى هو في الأصل شر له، لأنه تجميل وإخفاء للعيب، فيكون شراً أكثر. كيف؟ أن يكون ما هو خلاص، كده كده هيسكت الضعيف في كل الأحوال، بس إمتى يكون أشر أكثر؟ أن الراوي التقى بهذا الشيخ، والراوي ده ثقة ومش بيدلس، فتقوم أنت مش هتفتش وراه في العنعنة.

تمام. في بقى حديث جميل جدا يا شباب في العلل لابن أبي حاتم، وهو اكتشف في تدليس بقية بن الوليد، وقال إن التدليس ده قل أن ينتبه إليه أحد، فعلا موضع صعب جداً عمل فيه. هو إيه بقى؟ بقية ارتكب حاجتين: أسقط ضعيفاً، وسمى الراوي باسم مش ممكن يُعرف بيه. أنت تعرف أن الراوي ممكن يكون له أكثر من اسم ومعروف بيهم؟ مثلاً: الزهري، محمد بن مسلم، محمد بن شهاب، ابن شهاب الزهري، كل دي بيُطلق بها، صح ولا لا؟ هو بقى جاب الراوي ضعيف جداً سماه عبد الله بن آدم.

الناس قلبوا الدنيا على عمك عبد الله ده، ما فيش، ما فيش بني آدم! فلما عرفوا قال له: كلنا عباد الله وكلنا أولاد آدم، أو عبد الرحمن بن آدم، يا أما عبد الله، عبد الرحمن ماشي. ما شاء الله منورين. ماشي، الحديث لو حد منكم عايز يراجعه يا شباب، جميل جداً، الحديث اسمه: «لا تحمدوا إسلام امرئ حتى تروا عقده»، راويه موجود في علل ابن أبي حاتم برقم 1957، مثال جميل جداً لصعوبة اكتشاف تدليس بقية. اه، حديث يعني إيه؟ يعني معناه أنك أنت ما تشهدش لواحد بالإيمان إلا لما تقعد تختبره، زي جماعة التوقف والتبين كده. اكتب بس: لا تحمدوا إسلام امرئ، أو اكتب الرقم 1957 علل ابن أبي حاتم. ماشي، جزاكم الله خيراً.

النوع الثاني هو قسم من الأول: تدليس التسويه، وهو أن يجيء المدلس إلى حديث قد سمعه من شيخ، وقد سمعه ذلك الشيخ من شيخ آخر. في نقطة مهمة: إذا كان المدلس ضعيفاً، ده خارج القصة أصلاً، إحنا بنتكلم عن المدلس لما يكون ثقة، لأن لو كان ضعيفاً فبيعتبروا أن دي غفلة منه، لأن في بعضهم زي ابن لهيعة مثلاً، ابن لهيعة كان يحدث مثلاً عن عمرو بن شعيب، أو عن بعض الرواة، ييجي واحد زي ابن وهب يقول له: يا عم أنت أصلاً ما شفتش عمرو بن شعيب! فالثاني عايز يقول له: رأيت قبل أن يلتقي أبوك... قبل أبوك يتجوز أمك، كنت أنا شايفه وما شافوش أصلاً، وإنما حملوها العلماء على الغفلة، أن هو ممكن يجزم بكلمة حدثنا بس من باب الغفلة. إنما الثاني لا، بيعملها من باب الإهام.

وقد سمعه ذاك الآخر من شيخ ثالث، فيسقط المدلس الشيخ الذي بين الشيخين، ويسوق الحديث بلفظ محتمل، محتمل بين هذين الشيخين، فيصير الإسناد عالياً وهو في الحقيقه نازل، ويصرح هو بالسماع من شيخه لأنه قد سمعه منه، وربما لا يصرح، وقد يكون الشيخ الأول قد سمع من الثالث غير هذا الحديث، فبإسقاط المدلس للواسطة التي بينهما هنا يوهم أنه سمع هذا الحديث أيضاً، وليس كذلك.

مثاله ما رواه هشيم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن الزهري عن عبد الله بن الحنفية عن أبيه عن علي رضي الله عنه في تحريم لحوم الحمر الأهليّة. قالوا: يحيى بن سعيد هو لم يسمعه من الزهري، إنما أخذه عن مالك عن الزهري. هكذا حدث به غير واحد عن يحيى بن سعيد عن مالك، فاسقط هشيم ذكر مالك منه، وجعله عن يحيى بن سعيد عن الزهري، ويحيى قد سمع من الزهري غير هذا الحديث، فلا إنكار في روايته عنه، إلا أن هشيماً قد سوّى هذا الإسناد.

وقد ينضاف إلى ذلك أن تكون الواسطة التي سقطت ضعيفة، وتكون الآفة منها، فيظهر الإسناد بعد إسقاطها وليس فيه ما يقتضي رده.

قال عثمان الدارمي: سمعت يحيى... عثمان الدارمي غير عبد الله بن عبد الرحمن الداريمي صاحب المسند. عثمان بن سعيد الدارمي هو الذي رد على بشر المريسي المعتزلي وقت تلميذ يحيى بن معين. إنما عبد الله بن عبد الرحمن الداريمي ده اللي هو المفسر واللي هو صاحب المسند، اللي هو البخاري روى عنه حديث في التاريخ الكبير، كان قريناً للبخاري بس مات قبل البخاري بسنة. ولما البخاري بلغه موته قال: أن تبقى... البيت المشهور، اللي هو: إن تبقى تفجع في الأحبة كلهم، يعني الإنسان اللي بتأخر وفاته اللي بيحصل اللي بيحبوه بيموتوا، هو كان بيحبه وقريباً جداً، وكان قريناً له وأخذ منه بعض الأحاديث. إن تبقى تفجع في الأحبة كلهم، وفناء أبالك أفجعه (يعني ده بيقطع عملك)، وهكذا يعني.

أنت عايز تقول إيه بقى؟ ما هو السهوله والصعوبه دي نسبية تمام، فإحنا اتفقنا على حاجة يا محمد: أن لو كان الغرض إخفاء عيب الرواية، ده يبقى الغرض ده قبيح حلو، وإذا احتال مدلس التسوية على تصعيب اكتشاف تدليسه فده يكون أقبح، فهمنا كده؟ اه، ما هو ده طبعا، لا، ما هو أنا قلت لك: الراجل اللي هو أبو مسهر قال لك اللي هو الشامي قال لك: أحاديث بقية ليست نقية فكن منها على تقية، لكنه كان في بعض الرواة قوي، فهمت؟ فايه؟ كانوا يمشوا. اه، بس هو مش من أصحاب الكتب الستة؟ تقصد من غير البخاري يعني؟ لا لا، اه فهمت، لا أنت تقصد تقول بس مش من الكتب الستة؟ هو مش من الكتب الستة، ولا تقصد كتب، قصدك من طبقة البخاري يعني؟ أيوه صح.

أم المثال بتاع هشام اللي سأل عنه محمد، ولا نعيده تاني؟ اللي هو صفحة 223، يعني لو حد مش فاهمه يحب نشرحه له. طيب، بيقول: وقد يكون الشيخ الأول قد سمع من الثالث... أقراه طب أنت يا يوسف علشان أشرحه لك: لا وقد يكون الشيخ... وقد يكون الشيخ الأول قد سمع من الثالث غير هذا الحديث، فبإسقاط المدلس للواسطة التي بينهما هنا يوهم أنه سمع هذا الحديث أيضاً، وليس كذلك. كمل.

الأنصاري عن الزهري عن عبد الله بن الحنفية عن أبيه عن علي رضي الله عنه في تحريم لحوم الحمر الأهليّة، قالوا: يحيى بن سعيد لم يسمع من الزهري، إنما أخذه عن مالك عن الزهري. هكذا حدث به غير واحد عن يحيى بن سعيد عن مالك، فاسقط هشيم ذكر مالك منه، وجعله عن يحيى بن سعيد عن الزهري، ويحيى قد سمع من الزهري غير هذا الحديث، فلا إنكار في روايته عنه، إلا أن هشيماً قد سوى هذا الإسناد. أنت اللي انت عايز تقوله يا محمد أن اكتشاف هذا سهل؟ لا، ليس سهلاً. طب ما هو انت لما هعمل كده ده مش سهل؟ بمعنى أن لما يكون يحيى بن سعيد له سماع في الجملة من الزهري، واللي ساقط بينهم هو مالك، فانت مش هتكتشف ده غير لما تجمع الروايات، صح؟ ما هو ده، ما هو ده معناها أن خلاك تاخد خطوات، فهمنا ماشي؟

هو ما إحنا قلنا بقى، ما إحنا قلنا إنه بيعلي الإسناد بس كده، الإسناد طال، فهمت؟ يعني يا شباب تدليس التسوية لو أنت سميته تسوية يبقى معناه التجميل. تمام، من ضمن التجميل أن يكون قاصد منه العلو، بس مش ده الأغلب، الأغلب إنه بيسقط الضعيف.

اتفضل. قال عثمان الدارمي: سمعت يحيى (يعني ابن معين)، شباب من يعني هو من له ميزة صراحة في الرواية عن يحيى بن معين، يعني إحنا يحيى بن معين في ناس رووا عنه كتير، السؤالات؛ منهم واحد اسمه الدقاق، ومنهم الدوري، وابن محرز، وغيرهم، ابن الجنيد وغيرهم. ميزة بقى نعم؟ أيوه، أنه كان يتعقب أحياناً كثيرة ابن معين ويخلفه ويذكر آراءه هو كمان ماشي.

قال عثمان الدارمي: سمعت يحيى (يعني ابن معين)، وسئل عن الرجل يلقي رجل الضعيف بين...

ثقتين، ويوصلوا الحديث ثقة عن ثقة، يحسن الحديث بذلك، يحسن الحديث بذلك، فقال: لا يفعل، لعل الحديث عن كذاب ليس بشيء، فإذا هو قد حسنه وثبته، ولكن يحدث به كما روى، وكان الأعمش ربما فعل ذلك.

شوف عثمان بيعمل إيه، أحياناً يخالف الأعمش وأحياناً يضيف فائدة، يبقى هنا ضاف لك فائدة ولا لا؟ أداك فائدة هنا، وهذا النوع من التدليس غامض جداً ودقيق جداً، وآفته عظيمة، وهو أفحش أنواع التدليس مطلقاً وشرها، وهو قادح عند العلماء فيمن تعمد فعله، لاسيما إذا كان الذي أسقطه ضعيفاً يريد تعميه ضعفه على السامع، والله أعلم.

هذا، والتسوية مشكلة، شباب لماذا هو يقدح جداً بهذه الصورة؟ لأن هو في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ليس في أمر عادى، فأنت لماذا تخفي العيب؟ بالعكس، أنت المفروض تبرز العيب ولا تخفينه، فإن صدق وبُيِّن بورك لهما، فأنت كده كتمت عيباً، صح ولا لا؟ أنت تكتم عيباً في الحديث ربما يعمل به بناءً على العيب الذي أخفيته، ده شرها بلا شك، غير لما واحد يكون قصد أنه يعلو والإسناد صحيح، ده أيضاً خلاف الأولى، لكن مش زي الأول، ماشي.

هذا، والتسوية لا تختص بالتدليس فقط، تقع التسوية من بعض الرواة لا على سبيل التدليس بل لدواعٍ أخرى، ومثاله ما ذكره ابن عبد البر وغيره: أن مالك بن أنس سمع ثور بن زيد أحاديث عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، ثم حدث بها عن ثور عن ابن عباس، وحذف عكرمة، فهذه صورة التسوية وليس من التدليس؛ لأن ثوراً لم يلقَ ابن عباس، وإنما روى عن عكرمة عنه، فليس في صنيعه ما يوهم أن ثوراً كان يعني لا يرضى عكرمة، وإن كان صرح به أحياناً، لكن كان أحياناً يقول عن رجل ما رضاش يسميه، وإن كان في بعض المواضع سماه في الموطأ، لكن هو عموماً كان يعني يسقط اسمه كثيراً، تفضل.

فليس يرى رأي الخوارج، دي من الحاجات التي قدح بها يعني بعض العلماء رموه بذلك، ماشي.

فليس في صنيعه ما يوهم أن ثوراً سمع ذلك ابن عباس، وعلى قول من قال طبعا عكرمة محتج بيه، يعني هو راوي ثقة ثبت، حتى يذكر في التفسير وفي الحديث وغيره، لكن أنا بقول لك يعني السبب اللي بعض العلماء يعني تكلموا فيه من أجله إنما هو بعض العلماء يعني اتهموه بأنه كان يكذب على ابن عباس وكثير براءة من هذا.

وعلى قولي من قال إن مالكاً أسقط عكرمة لأنه لم يكن عنده بحجة، فليس في صنيعه ما يوهم صحة ما ليس بصحيح، لأنه إن ذكره فهو ليس بحجه عنده، لأنه إن ذكره فهو ليس بحجه عنده فالسند ضعيف، وإن لم يذكره فالسند منقطع، لا، هو الاحتمال الأكبر عندي ليس هكذا، من بعد قراءة الموطأ يعني أكثر من مرة وجدت أنه هو ربما يعني لا يذكر اسمه ويقول عن رجل مثلاً وهو يحتج بروايته، فالسبب كأنه والله أعلم لم يكن يريد أن يروج له حتى لا يظن أنه يرتضي قوله تمام، وده بيحصل أحياناً؛ لأن هو اخذ روايته لأنه تأكد أن هو ضبطها، لكن ممكن يكون السبب حتى لا يظن أنه يرتضيه، يرتضي قوله يعني، لذلك ابن خزيمة كان يعمل إيه يا شباب؟ في راوي اسمه عباد بن يعقوب، ده كان عنده بدعة بس ثقة في الحديث، ثقة في الحديث، فكان يقول ابن خزيمة: حدثني عباد بن يعقوب الثقة في حديثه المتهم في رأيه، عشان يريح دماغه، ماشي.

وإن لم يذكره فالسند منقطع، على أن هذه الأحاديث معروفة معروفة المخارج عند أهل الحديث، فذكر بعض الرواة أو عدم ذكر أو عدم ذكرهم لا يؤثر ما دام مخرج الحديث معروفا، والله أعلم، والقدماء يسمون التسوية تجويداً، فيقولون: جوده فلان، أي ذكر من فيه من الأجواد وحذف غيرهم، وهذا أحد معاني الجيد كما سبق في بابه، وقد سبق قريبا أن يحيى بن معين وعثمان الدارمي سميا الحديث المسوى بالححسن، وهو أيضاً أحد معاني الحسن كما سبق أيضاً في بابه، والله أعلم.

السرقة، وذلك السارق أو من يدعي لنفسه سماع ما لم يسمعه، الذي يسوي الأسانيد بمعنى أنه يزينها بحذف ما فيها من الضعفاء وإبقاء الثقات، أو إبدال الضعفاء بآخرين ثقات، أو إبدال إسناد بآخر يسمى سارقا، ويسمى فعله السرقة، وكذا من يدعي سماع ما لم يسمع، كمن يحدث عن شيوخ لم يرهم بكتب صحاح، فالكتب في نفسها صحيحه إلا أن سماع هذا وأمثاله عن أولئك الشيوخ لم يكن ولا راهم، ومثل هذا يوجب الطعن في فاعله وترك حديثه.

والفرق بين السرقة والتدليس أو الإرسال واضح، فإن المدلس أو المرسل لا يصرح بالسماع، بل يأتي بصيغة محتملة، بخلاف السارق؛ فانه يصرح بالسماع ويكذب في ذلك.

وفي تاريخ بغداد عن الحسين بن ادريس، قال: سألت عثمان بن أبي شيبة عن أبي هشام الرفاعي، أبو بكر بن أبي شيبة أوثق منه، عن أبي هشام الرفاعي، فقال: لا تخبر هؤلاء أنه يسرق حديث غيره فيرويه، قلت: أعلى وجه التدليس؟ أو على وجه التدليس أو على وجه الكذب؟ فقال: كيف يكون تدليساً وهو يقول حدثنا؛ لأن التدليس لازم يقول عنه.

وهذا، والأصل في السرقة أنهم يتهمون لدعائه سماع ما لم يسمع، لكن قد يقع من بعض الثقات وبعض أهل الصدق ممن لا يتهمون، ما صورته كصورة السرقة لا عن قصد بل عن خطأ، أو عن تساهل في استعمال ألفاظ الأداء في غير معناها الاصطلاحي.

فقد كان البعض يرى جواز إطلاق لفظ التحديث في الإجازة أو الولادة، كما ذكر ذلك عن أبي نعيم الاصبهاني، وكان البعض يرى التسامح في هذه الألفاظ بإطلاقها في موضع السماع وغيره، كما ذكر الإمام أبو بكر الإسماعيلي أن المصريين والشاميين يتسامحون في قولهم حدثنا من غير صحة السماع منهم، يحيى بن يحيى بن أيوب المصري.

ونقل عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه أنه قال: كان سجية في جرير بن حازم يقول: حدثنا الحسن، قال: حدثنا عمرو بن تغلب، وأبو الأشهب يقول: عن الحسن، وهو قرين لجرير عن الحسن، فأبو الأشهب يرويها عن يعني عن الحسن، صح صح صحيحة تمام كده، إنما جرير يتساهل فيها.

وأبو الأشهب يقول عن الحسن: قال بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن تغلب، قال ابن رجب الحنبلي: يريد أن قول جرير بن حازم حدثنا الحسن حدثنا عمرو بن تغلب كانت عاده له لا يرجع فيها إلى تحقيق.

وقد ذكر أبو حاتم نحو هذا في أصحاب بقية بن الوليد أنهم يرون عنه عن شيوخه، ويصرحون بتحديثه عنهم من غير سماع له منهم، وكذلك قال يحيى بن سعيد القطان في فطر بن خليفة أنه كان يقول حدثنا فلان بحديث، ثم يدخل بينه وبينه رجلا آخر، كان ذلك سجية منه، ذكره العقيلي في ضعفاءه، وبعضهم كان يطلق لفظ السماع على ضرب من التأويل، يقول مثلا: حدثنا فلان أو خطبنا فلان، ويعني

أنه حدث قومه أو خطبهم؛ لأنه سمع منه مال، إلا أنه سمع منه ما يحدث به عنه زي ما احنا نقول كده يا شباب: قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظ ابن حجر: قد يدلس الراوي الصيغة فيرتكب المجاز؛ كما يقول مثلاً حدثنا وينوي حدثنا قومنا، أو حدث قومنا أهل قريتنا ونحو ذلك. وقد ذكر الطحاوي أمثلة من ذلك، حديث مسعود عن عبد الملك عن النزال بن سبرة. الطحاوي شباب له كتابان مهمان؛ اللي هما الأول شرح مشكل الآثار، والثاني شرح معاني الآثار. وطبعا العقيدة الطحاوية بس للاثنين دول أهم: شرح معاني الآثار، وشرح مشكل الآثار.

ثم قال الحافظ: ومن أمثلة ذلك قول ثابت البناني: خطبنا عمران بن حصين رضي الله عنه، وقوله: خطبنا ابن عباس رضي الله عنه والله أعلم. قال البزار: سمع الحسن البصري من جماعة وروى عن آخرين لم يدركهم، وكان يتأول فيقول حدثنا. له كتاب من أهم الكتب أيضا يا شباب، ومن الكتب النفيسة في معرفة علل الحديث أيضا وتفردات الرواة، اللي اسمه البحر الزخار، والبزار يعني قبل النسائي يعني في نفس الطبقة بتاعتته، ومن أواخر الكتب اللي احنا اتفقنا عليها اللي هي الكتب المهمة هي الكتب الأصول. البحر الزخار للبزار؛ لا لا كتاب كبير هو كتاب مسند كبير في أحاديث معللة، أحاديث معللة يعني بيخرجها وبين علتها.

ماشي، سمع الحسن البصري من جماعة وروى عن آخرين لم يدركهم، وكان يتأول فيقول حدثنا وخطبنا، يعني قومه الذين حدثوا بالبصرة، وبعضهم كان يقع منهم مثل هذه الألفاظ أعني ألفاظ التصريح بالسماع خطأ ووهماً لا تعمداً، وقصده كان يكون سمع حديثاً من شيخ عن شيخ آخر، ثم لما أراد روايتها نسي أو غفل فحدث بها عن شيخ عن شيخ شيخه مصرحاً بالسماع ظاناً أنه سمعها منه، وإنما سمعها بواسطة عنه.

قال الإمام أحمد بن حنبل: قال وهيب: أتيت عطاء بن السائب فقلت له: كم سمعت من عبيدة السلماني؟ قال: ثلاثين حديثاً. قال الإمام أحمد: كم سمعت من عبيدة السلماني؟ قال له: ثلاثين حديثاً. فالإمام أحمد قال: ولم يسمع من عبيدة شيئاً. ويدل ذلك على أنه قد تغير حفظه، فهو ادعى السماع وهو لم يسمع في واقع الأمر، ومع ذلك لم يتهمه الإمام أحمد بالكذب، بل حمل ذلك على اختلاطه وعلى تغيره وعلى سوء حفظه في آخر حياته. فهذا راجع إلى ضعفه، ويقع ذلك بكثرة لمن كان له سماع من شيخ من شيخ شيخه أيضاً، يعني سمع من شيخه ومن شيخ شيخه أيضاً، فيشتبه عليه ما سمعه بواسطة بما سمعه منه مباشرة، فيحدث بكل ذلك عنه مصرحاً بالسماع من غير أن يميز ما أخذه بواسطة وما أخذه بدون واسطة.

ومثل هذا النوع من الرواة لا يجوز الطعن في صدقه بذلك، بل يحمل ذلك على الخطأ غير المعتمد، وتترك هذه الأحاديث، لكن إن كثر منه ذلك ترك حديثه ولم يُشتغل به. وهذا كان يقع فيه عبد الله بن لهيعة عليه رحمة الله؛ قال عبد الرحمن بن مهدي: كتب إلي ابن لهيعة كتاباً فيه حدثنا عمرو بن شعيب، فقراته على عبد الله بن المبارك، فأخرجه إلي ابن المبارك من كتابه عن ابن لهيعة قبل أن يختلط تماماً، فقال له: الأحاديث اللي ابن لهيعة بعتها لك يقول لك سمعتها من عمرو؟ لا ما سمعهاش من عمرو، ده هو سمع عن إسحاق بن أبي فروة -وده متروك- عن عمرو. فكده عرفوا أن حفظه؛ لأنه كان من أهل الدين وأهل الصدق، لكن احترق بيته فايش العملية معاه؟ والله قال: أخبرني إسحاق بن أبي فروة عن عمرو بن شعيب، إذاً سمعه ابن لهيعة عن إسحاق بن أبي فروة عن عمرو بن شعيب، ولم يسمعه من عمرو بن شعيب مباشرة، وابن أبي فروة هذا متروك الحديث.

فمن نظر في هذه الرواية يظن أن ابن لهيعة مدلس، والواقع أنه ليس مدلساً. يقول لك إنه كذاب يعني ممكن صح؛ لأنه صرح بالسماع، لا الحديثين لما كنا قاعدين في البلكونة بتاعتكم.. ده مش وقت بطيخ، أنا عمري شفت حد بيجيب بطيخة في الدرس يا جماعه، أنا شفت حاجات كثيرة البطيخ ده، البطيخ ده عايز فـ.. حمالات. آه والله البطيخ والمانجا محتاجين حمالات ما ينفعش أبدا. أنت اختلطت من غير ما تدخل في الرواقة!

إذاً سمعه ابن.. من إسحاق بن أبي فروة عن عمرو بن شعيب. فمن نظر في هذه الرواية أظن أن ابن لهيعة مدلس؟ لا هو يظن أنه كذاب؛ لأنه صرح، والتدليس والـ.. والواقع أنه ليس مدلساً، بدليل أنه كان يصرح بالسماع عن عمرو بن شعيب في هذه الأحاديث، فكيف يصرح بالسماع ويكون مدلساً تماماً؟ إن تصريحه بالسماع يقتضي تهمة لو قصد، والمدلس يقصد إهام السامع، فلو كان ابن لهيعة يفعل ذلك عن قصد لاتهمه العلماء، لأنه يصرح بالسماع قصداً لذلك، وهو لم يسمعه، وإنما كانوا يحملون ذلك على الخطأ الناتج عن سوء حفظه عليه رحمة الله.

أما ابن حبان بقى، فقد وصفوه بالتدليس بناء على هذه الروايات، ولم يوافق على ذلك العلماء، ما وافقوش ابن حبان أنه يسمي ده تدليس بالصورة دي، لا هي غفلة تماماً. ولم يوافق على ذلك من قبلُ العلم، فأكثر العلماء الذين تكلموا فيه إنما تكلموا فيه في سوء حفظه ولم يعرجوا على تدليسه بالرغم من كثرة الذين تكلموا فيه، بل جاء عن ابن لهيعة نفسه إنكاره على من أنكر عليه سماع هذه الأحاديث من عمرو بن شعيب، وهذا يؤكد أنه كان يعتقد أنه سمع فعلاً، ولم يكن يقصد الكذب أو الإهام، وإنما وقع ذلك عن غفلة وسوء حفظ. فلما بلغه أن ابن وهب ينكر عليه سماع هذه الأحاديث من عمرو بن شعيب، قال: وما يدري ابن وهب؟ لقد سمعت هذه الأحاديث من عمرو بن شعيب قبل أن يلتقي أبواه! يعني قبل ما يتولد هو أصلاً فاهم، يعني قبل أن يولد. تفضل!

وهذا يدل دلالة قاطعة على أن ابن لهيعة حيث صرح بالسماع كان في قراره نفسه يعتقد أنه سمع، ولكن أهل العلم يخطئونه في ذلك، ويعتقدون أنه واهم في ادعائه السماع، مع اعترافهم بصدقه وأمانته وديانته وعدم الكذب. هذا والسارق كما ترى لا يتفرد، بل يروي ما يرويه غيره، غير أن غيره سمع وهو لم يسمع، فيظهر وكانه لم يتفرد بل توبع، فربما اغتر البعض فيدفع عنه التهمه بكونه لم يتفرد، وليس الأمر كذلك؛ فإن هذه متابعة صورية لا حقيقة لها، فمتابعة السارق لا تدفع عنه تهمة السرقة، بل تؤكد التهمة عليه، وأنه إنما اخذ حديث غيره فرواه مدعيا سماعه.

وروايات أهل الثقة والصدق التي جاءت على صورة السرقة تساهلاً أو تأولاً أو غفلةً كما سبق، ينبغي أن تعامل معاملة مسروقة من حيث عدم الاعتداد بها في باب الاعتبار ودفع التفرد. غير أنه لا يتهم في صدقه من وقع في مثل ذلك، يعني هل عشان هو ثقة ولم يتعمد نقبل الرواية؟ لا هي غير مقبولة بس مش هنقدح في دينه. غير أنه لا يتهم في صدقه من وقع في مثل ذلك من أهل الصدق؛ إذ لم يتعمد الإخبار بخلاف الواقع، بل يحمل ذلك على التساهل أو التأول أو الخطأ والله أعلم.

تدليس أسماء الشيوخ.

ومنها: أن يسمي الشيخ بما يعرف غيره به ليوهما. النوع الثالث من التدليس: تدليس تسوية الأسماء، وهو أن يروي المحدث عن شيخ له فيغير اسمه، أو كنيته، أو نسبه، أو حاله المشهورة من أمره لكي لا يعرف؛ فهذا لا يسقط أحداً من الإسناد، وإنما فقط يغير اسم الشيخ بما لا يعرف لوهم الناس أنه شيخ له غير معروف.

أحياناً بعضهم كان بيعملها؛ يكون عنده شيخ واحد يسميه شيخ ما عنديش غير شيخ واحد قاعد يقلبه على الجنبين، مرة يجيبه كنية أبو فلان، أبو علان، ومن هنا فيظن الناس أن هذا الرجل يروي عن مشايخ كثيرين لا يعرفهم غيرها فيهم بذلك كثرة الرواية وسعة الرواية والرحلة في طلب العلم. ومنها: أن يسمي شيخه الضعيف باسم شخص آخر ثقة تشبيهاً يمكن ذلك المدلس الأخذ عنه، وهذا من أشده مفسدة وأعظمه ضرراً؛ كان يكون هذا المدلس يروي عن بعض الشيوخ الضعفاء، وهذا الشيخ الضعيف يعرفه الناس، فهو إن روى عنه باسمه المعروف عرفه الناس وعرفوا أنه الضعيف، وهو يروي عن شيخ آخر ثقة، فإذا به يسمي الشيخ الضعيف باسم الثقة، أو يكنيه بكنية الراوي الثقة، أو ينسبه بنسبة الراوي الثقة، فيتوهم الناس أنه يروي الحديث عن الثقة بينما هو يرويه عن الضعيف.

وكان عطية العوفي من أفعل الناس لهذا؛ فقد كان محمد بن السائب الكلبي وهو متروك يسمى أبا سعيد، فكان إذا حدث عنه ما أرسله عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: حدثني أبو سعيد؛ فيُهم أنه أبو سعيد الخدري الصحابي المشهور؛ لأن عطية كان لقيه وروى عنه.

قال ابن حبان: سمع عطية بن سعد العوفي عن أبي سعيد الخدري أحاديث، فلما مات أبو سعيد جعل يجالس الكلبي ويحضر قصصه، فاذا قال الكلبي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، يعني يرسل، فيحفظه وكناه أبا سعيد وروى عنه، فإذا قيل له: من حدثك بهذا؟ فيقول: حدثني أبو سعيد، فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري، وإنما أراد الكلبي.

فعطية التقى بأبي سعيد الخدري وأبو سعيد الخدري صحابي، فلما مات أبو سعيد الخدري اخذ يدارس محمد بن السائب الكلبي، وهذا تابعي وهو متروك الحديث ضعيف جداً، وهذا التابعي الذي هو محمد بن السائب أحياناً يروي أحاديث مرسلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني أنه يروي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير ذكر واسطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم.

فعمد عطية العوفي إلى تلك الأحاديث المرسلة والتي يرويها محمد بن السائب الكلبي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فروها عن الكلبي، ولكنه لم يسمه باسمه المعروف بل كناه بأبي سعيد، فصار يروي عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الأحاديث المرسلة.

فلما كانت مرسلة وأبو سعيد حيث روى عنه العوفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالذي يتبادر إلى الذهن أنه أبو سعيد الخدري، أوهم الناس أن هذه الأحاديث من أحاديث أبي سعيد الخدري بينما هي من مراسيل محمد بن السائب الكلبي المتروك. هم عرفوا أن هو بيعمل كده فبدأوا يتحققوا بقى منها، يجمعوا الروايات ونشوف مين وافقه، طيب ولن نقبل تفرده وهكذا.

هو فكرته يتوهك فاهم. ايوه ده هو سماه كده وأبو سعيد خالص فاهم كده وقال له أنا هاسميك أبو سعيد. القصة يا شباب يعني جميلة جداً اللي أنا حكيتها لك بتاعة أبي سلمة ويحيى بن معين؛ القصة أن ابن معين بيقول له: هل سمعت حديث همام عن ثابت عن انس عن أبي بكر اللي هو حديث الغار؟ هل سمعت من همام؟ قال: كتبت عني عشرين ألف حديث فإن كنت عندك فيها صادقاً فلا تكذب، وإن كنت أو فلا أكذب الرصاص وإن كنت كاذباً فما ينبغي أن تصدقني. يعني أنت كتبت عني عشرين ألف حديث وجاي دلوقتي بتثبت مني.

فراح جه في الآخر قال له اسم مراته، قال له: فلانة بنت فلان طالق لو أنا ما كنتش سمعت، بس مش هأكلمك تاني وقفل بقى منه، زعل منه بقى فاهم يا شباب؟ فيعني الناس كانوا بيتبهدلوا عشان يوصلوا. زعل منه ليه؟ لأن هو سمع كتير منه وقابلها واختبره، فبيقول له: أنت اختبرتني في كل ده في عشرين ألف رواية وجاي دلوقتي تتثبت مني سمعتها؟ ده حلف بالطلاق بيقول له: فلانة بنت أبي عاصم، قال له: برة بنت أبي عاصم طالق إن لم أكن سمعت. وبعدين قال: والله لا كلمتك يعني خلاص كده. ده بس بعضهم ضعف الرواية.

سمى الإمام ابن رشيد السبتي هذا النوع من التدليس بتدليس التجميل.

تنبيه التدليس والارسال الخفي ليس من أنواع السقط في الإسناد، وإنما هما وسيلتان يقع بهما السقط في الإسناد؛ بمعنى أن الراوي قد يعمد إلى التدليس ليسقط من الإسناد شيخاً أو راوياً أو راويين أو أكثر، أو أن يسقط بعض رواة الإسناد فوق شيخه، فهذه الوسيلة التي يتبعها ذلك المدلس يتولد عنه انقطاع أو أعضال، فمعنى هذا أن التدليس ليس نوعاً من أنواع السقط، وإنما هو وسيلة يتبعها الراوي ليحدث في الرواية الانقطاع والعضال أو الإرسال.

وكذلك الإرسال الخفي يتولد عنه أيضاً وقوع سقط في الرواية سواء كان هذا السقط انقطاعاً أو إرسالاً، إذاً التدليس والإرسال الخفي إنما هما وسيلتان يتبعهما الراوي لإحداث السقط في الرواية، وليس التدليس نوعاً من أنواع السقط ولا الإرسال الخفي نوعاً من أنواع السقط.

وها هنا ينبغي أن يذكر تنبيهات، دي مهمة جداً زي ما أنا قلت لك كده هو لما بتكون في حاجة عملياً لها أثر لازم يطول فيها. مين يذكر معنا المسائل اللي هو طول فيها شباب؟ الأول خالص من الأول، الاصطلاحات، وأيه كمان؟ الحديث الحسن وشرط البخاري ومسلم صح؟ المنكر، وهي كمان معنا المنكر والتدليس، التنبيهات دي يعني ماشي.

وها هنا ينبغي أن يتنبه إلى أمور:

الامر الأول: أئمة الحديث يفرقون بين أمرْبين مجرد رواية راوي معين عن شيخ معين وبين ثبوت سماع هذا الراوي من ذاك الشيخ، فالرواية المجرده لا تدل على السماع لاحتمال أن يكون الراوي قد سمع بواسطة ثم أسقطها عند الرواية، وكذلك ثبوت السماع لا يدل على وقوع الرواية لاحتمال أن يكون الراس... نحن دلوقتي بنتكلم عن إيه؟ بنتك عن الحديث يعني على الاتصال والانقطاع صح، فهو بيقول لك فكرة مهمة: ممكن أنت تيجي تقول لي طب احنا هنعرف منين مثلاً شعبة سمع من الأعمش أو أن همام سمع من قتادة؟ خلاص، فهو بيقول لك أوعى تفكر أن لو أنت لقيت رواية همام عن قتادة يبقى لازم يكون همام سمع من قتادة، لا ممكن يكون ما سمعش منه، يكون مرسل أو بيدلس، تمام كده، يبقى ده التنبيه الأول أن ليس مجرد رواية الراوي عن شيخ تدل أنه سمع منه.

في الرواية المجردة لا تدل على السماع واحتمال أن يكون الراوي قد سمع بواسطة ثم أسقطها عند الرواية، وكذلك ثبوت السماع لا يدل على وقوع الرواية لاحتمال أن يكون الراوي سمع من شيخه لكنه لم يحدث بما سمعه منه. اه يعني سمع في الجملة لكنه.

فإن هناك من الرواة من قد رووا عن بعض الشيوخ، ومع ذلك فإن الأئمة ما زالوا مطبقين على أنهم لم يسمعوا منهم، كالحسن البصري روى عن عمران بن حصين وجابر بن عبد الله ومع ذلك فهو لم يسمع منهما اتفاقا. فالرواية المجردة وحدها لا تدل على السماع، وهذا أبو شاه اليمني الذي التمس من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له شيئا سمعه من خطبته عام الفتح بمكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كتبوا لأبي شاه» كما في الصحيحين عن أبي هريرة.

ثبوت السماع لا يدل على وقوع الرواية لاحتمال أن يكون الراوي سمع من شيخه لكنه لم يحدث بما سمعه منه، يعني أن يكون سمع مثلا أشياء عنه سمع كلامه أو خطبته لكن ما سمعش منه الأحاديث، إنه ما رواهاش؛ سمع بس ما روا, أبو بكر الصديق كل حديث سمعه رواه؟ لا. ومع ذلك فلا يعرف لأبي شاه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يرو عنه هذه الخطبة ولا غيرها. وهذا يدل على أن ثبوت السماع لا يدل على وقوع الرواية، لكثير من الرواة سمع ولم يرو لم ينشط للرواية أو لم تكن ظروفه، زي كثير من الصحابه الذين سمعوا للنبي صلى الله عليه وسلم ولم يرووا عنه أو حديثهم قليل بالنسبه لما سمعوا، يبقى دي ملهاش دعوة بالتدليس.

وهذا يدل على أن ثبوت السماع لا يلزم منه ثبوت الرواية على عكس الأمر الأول. والسقط من الإسناد قد يكون واضحا يحصل الاشتراك في معرفته، وقد يكون خفيا فلا يدركه إلا الأئمه الحذاق المطلعون على طرق الحديث وعلل الأسانيد. فالأول وهو الواضح يدرك بعدم التلاقي بين الراوي وشيخه بكونه لم يدرك عصره، أو أدركه لكنهما لم يجتمعا، ومن ثم احتيج إلى التاريخ لتضمنه تحرير مواليد الرواة ووفياتهم وأوقات طلبهم وارتحالهم. وقد ادعى قوم الرواية الناس فنظر في التاريخ فظهر أنهم زعموا الرواية عنهم بعد سنين من وفاتهم كما تقدم.

وربما لا يذكرون في كتب التاريخ تاريخ ولادة كثير من الرواة أو تاريخ وفاتهم لا سيما في الطبقات العليا، وهنا يمكن معرفة ذلك تقريبا إذا لم يعرف تحقيقه؛ ومثاله بكير بن عامر البجلي لم يعلم تاريخ ولادته ولا وفاته، ولكن روى عن قيس بن أبي حازم، وروى عنه وكيع وأبو نعيم، ووفاة قيس سنة 98 ومولد وكيع سنة 128 ومولد أبو نعيم سنة 130، وهؤلاء كلهم كوفيون. وقد ذكر ابن الصلاح وغيره أن عادة أهل الكوفة أن لا يسمع أحدهم الحديث إلا بعد بلوغه عشرين سنة، فمقتضى هذا أن يكون عمر بكير يوم مات قيس فوق العشرين، فيكون مولد بكير سنة 78 أو قبلها، ويعلم أن سماع وكيع وأبي نعيم من بكير بعد أن بلغا عشرين سنة فيكون بكير قد بقي حيا إلى سنة 150، فقد عاش فوق سبعين سنة.

وقد يقع الاختلاف في تاريخ الولادة أو الوفاة، ووقوع الخلاف في ذلك لا يبيح إلغاء الجميع جملة، بل يؤخذ بما لا مخالفة له، وينظر في المتخالفين فيؤخذ بالراجح فإن لم يظهر الرجحان أخذ بما اتفق عليه. ومثاله ما قيل في وفاة سعد بن أبي وقاص سنة 51 وقيل 54 وقيل 55 وقيل 56 وقيل 57 وقيل 58. فإن لم يترجح أحدها أخذ بما دل عليه مجموعها أنه لم يعش بعد سنة 58، فإن جاءت رواية عن رجل أنه لقي سعدا بمكه سنة 65 مثلا استنكرها أهل العلم، ثم ينظرون في السند فإذا وجدوا فيه من لم تثبت ثقته حملوا عليه.

ومثاله روى ابن عساكر في التاريخ بإسناد فيه غير واحد من المجاهيل أن أبي داود الطيالسي عن الإام أبي حنيفة قال: ولدت سنة 80، وقدم عبد الله بن أنيس سنة 94 فرأيته وسمعت منه أنا وابن أربعة عشرة سنة، سمعته يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حبك الشيء يعمي ويصم». قال ابن عساكر: وهذا حديث منكر بهذا الإسناد وفيه غير واحد من المجاهيل. بل هو باطل قطعا فإن عبد الله بن أنيس قد مات في خلافة معاوية سنة أربعين، ووهم الحافظ ابن حجر من قال سنة 80، فأين هذا من سنة أربعين! فانظر إلى الكذاب إذا كان جاهلا بالتاريخ يأتي بالعجب العجاب فتنكشف عورته وتظهر سوءته.

والراوي إذا روى عمن لم يسمع منه وكانت المعاصرة متحققة فهذا ما يسمونه بالارسال الخفي. والارسال الخفي إذا ثبت فله حكم الانقطاع، لأنه يؤول في النهاية إلى أن هناك واسطة قد سقطت، ويعرف الارسال الخفي بطرائق والقرائن؛ فالطريقة الأولى أن يصرح الراوي نفسه بأنه لم يسمع من ذلك الشيخ وإن روى عنه، فمن ذلك قال موسى بن سلمة: أتيت مخرمة بن بكير فقلت له حدثك أبوك؟ فقال: لم أدرك أبي ولكن هذه كتبه.

وعن عبد الملك بن ميسرة قال: قلت للضحاك أسمعت ابن عباس؟ قال: لا. قلت فهذا الذي ترويه من أخذته؟ قال: عنك وعن ذا وعن ذا. الطريقة الثانية أن ينص إمام على ذلك، وهذا كثير تجده مبثوثا في تراجم الرجال وفي مراسيل ابن أبي حاتم، ومن ذلك قدر كبير، وأم الكتب في معرفة الانقطاع بين الرواة والاتصال هو كتاب مراسيل ابن أبي حاتم. ابن أبي حاتم ليه ثلاثة كتب مهمة جدا باستثناء التفسير، عنده العلل، والجرح والتعديل، والمراسيل، وطبعا عنده كتاب في مناقب الشافعي رحمه الله.

والأئمة إذا اتفقوا لا يجوز مخالفتهم حتى ولو جاءت رواية يخالف ظاهرها ما اتفق عليه، وهي مسألة نفيسة جدا أن يجد الأئمة أغلبهم أو كلهم أنكروا سماع راوي عمن روى عنه، فتجيء رواية فيها حدثنا فيقوم يترك كل كلام العلماء ويثبت السماع بكلمة حدثنا وغلط، لأن فكرة التصريح والسماع هنا خطأ من الراوي، لأن أئمة الحديث دول مثلا ابن حجر بالنسبة له أئمة الحديث هم أبو حاتم وفلان والذهبي كذلك.

لأن الإجماع أقوى من الرواية المنفردة. قال أبو حاتم الرازي: الزهري لم يسمع من أبان بن عثمان شيئا لأنه لم يدركه، قد أدركه وأدرك من هو أكبر منه ولكنه لا يثبت له السماع منه، كما أن حبيب بن أبي ثابت لا يثبت له السماع من عروة بن الزبير، وهو قد سمع ممن هو أكبر منه، غير أن أهل الحديث قد اتفقوا على ذلك، واتفاق أهل الحديث على شيء يكون حجة، أما إذا اختلفوا فحينئذ يسعنا ما وسعهم فيرجح من عنده آلة الترجيح بحسب الدلائل والبراهين.

وهناك قرائن يستدل بها على ذلك؛ فمنها القرينة الأولى بعدم السماع حينما يكون الراوي مختلفا في سماعه وعدم سماعه من هديمه، القرينة الأولى بعد الشقة بين الراوي والشيخ بحيث إنه يستبعد أن يكونا قد التقيا، لا سيما إذا كان الراوي غير معروف بالطلب والرحلة. قال علي بن المديني: الحسن لم يسمع من ابن عباس وما رآه قط، كان الحسن بالمدينة أياما كان ابن عباس بالبصرة استعمله عليها علي رضي الله عنه وخرج إلى صفين. وقال أيضا: الحسن لم يسمع من الأسود بن سريع لأن الأسود بن سريع خرج من البصرة.

لان الأسود بن سريع خرج من البصرة أيام علي رضي الله عنه وكان الحسن بالمدينة. وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي وأبو وائل سمع من أبي الدرداء شيئاً؟ قال: أدركه ولا يحكى سماع شيء، أبو الدرداء كان بالشام وأبو وائل كان بالكوفة. يبقى يا شباب؛ مجرد المعاصرة هل تستلزم اللقاء، ولا اللقاء يستلزم السماع؟

وسئل أحمد بن حنبل عن زرارة، يعني مثلاً الأعمش يقول: رأيت أنس وهو يتوضأ مثلاً، شافوا وهو بيتوضأ بس كده يعني. وسئل أحمد بن حنبل عن زرارة يعني ابن أوفى، لقي تميم فقال: ما أحسبه لقي تميماً، كان تميم بالشام، تميم كان بالشام وزراره بصري وكان قاضيها القرية القاضي، فهو يعني زرارة بصري وكان قاضي البصرة، خلاص كده، وتميم اللي هو تميم أوس يعني كان في الشام. فهو عايز يقول لك: لا ده راح هنا ولا راح هنا، فيبقى دي قرينة عنده إنه ما سمعش.

القرينة الثانية؛ أو استبعاد السماع يعني؛ القرينة الثانية: أن يكون هذا الراوي لم يسمع ممن هو أقرب إليه من هذا الشيخ، أو ممن هو أشهر منه وأعرف، أو ممن قد عاش بعده بزمن. قال ابن رجب الحنبلي: وقد حكى أبو زرعة الدمشقي عن قوم أنهم توقفوا في سماع أبي وائل من عمر أو نفوه، فسماعه من معاذ أبعد، وذلك لأن معاذاً مات قبل عمر، فإنه مات سنة ثامنة عشرة بينما مات عمر سنة ثلاث وعشرين. فإذا كان أبو وائل لم يسمع ممن تأخرت وفاته، فعدم سماعه ممن تقدمت وفاته أولى، لاسيما وأن عمر كان أمير المؤمنين والسماع منه مما تتطلع إليه الهمم وتتشوق إليه النفوس.

قال ابن أبي حاتم: سأل أبي عن عمر بن عبد العزيز -أبو حاتم الرازي اسمه محمد بن إدريس بالمناسبة- سأل أبي عن عمر بن عبد العزيز: سمع من عبد الله بن عمرو؟ قال: لا، كان عمر بن عبد العزيز والياً على المدينة وسلمة بن الأكوع وسهل بن سعد حيين، فلو كان حضرهما لأكتب عنهما. وقال أبو طالب: سالت أحمد بن حنبل عن محمد بن علي يعني أبا جعفر الباقر: سمع من أم سلمة شيئاً؟ قال: لا يصح أنه سمع. قلت: أبا جعفر الباقر، قلت: فسمع من عائشة؟ قال: لا، ماتت عائشة قبل أم سلمة.

القرينة الثالثة: أن يكون من هو أكبر من هذا الراوي، أو من هو أكثر طلباً وأوسع رحلة منه، أو من هو أقرب إلى هذا الشيخ منه في المسكن والموطن، فلم يسمع من ذلك الشيخ؛ فإذا كان الكبير والرحالة والقريب لم يسمع منه، فأولى فأولى أن لا يكون قد سمع من هو دون ذلك. قال أحمد بن حنبل: ما أرى خالد الحذاء سمع من الكوفيين من رجل، رجل أقدم من أبي الضحى، وقد حدث عن الشعبي وما أراه سمع منه. وسئل: رأى خلف بن خليفة عمرو بن حريث؟ قال: لا، ولكنه عندي شبه عليه حين قال: رأيت عمرو بن حريث، هذا ابن عيينه وشعبه والحجاج لم يروا عمر بن حريث، يراه خلف، ما هو عندي إلا شبه عليها.

القرينة الرابعة: أن تجيء رواية هذا الراوي عن ذاك الشيخ من وجه آخر بذكر واسطة بينهما؛ مما يشكك في حصول سماع هذا الراوي من ذاك الشيخ، سواء في الجملة أو في حديث معين. قال علي بن الحسين في الجنيد: زيد بن أسلم عن أبي هريرة مرسل، وعن عائشة مرسل، أدخل بينه وبين عائشة أو القعقاع بن حكيم، وادخل بينه وبين أبي هريرة عطاء بن يسار. وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل: أبو وائل سمع من عائشة؟ قال: ما أدري، ربما أدخل بينه وبين مسروق في غير شيء، وذكر حديث: «إذا أنفقت المرأة».

وقال أبو حاتم: أبو وائل قد أدرك علياً، غير أن حبيب بن أبي ثابت روى عن أبي وائل عن أبي الهياج عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه: «لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته». وقال ابن أبي حاتم: سالت أبي عن عبد الله بن ملاذ الأشعري، الذي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اللهم أنجز السفينة ومن فيها». قالوا: يا رسول الله، أي سفينة؟ قال: سفينة تقدم عليكم من اليمن فيها سبعون ومائة من الأشعريين. قال أبي: عبد الله بن ملاذ ليست له صحبة. قلت: فإن أحمد بن سنان أخرج ذلك في مسنده؟ قال أبي: بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم أربعة؛ يروي عبد الله بن ملاذ عن نمير بن أوس عن رجل عن عامر بن أبي عامر الأشعري عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم. يعني يستدلون يا شباب بأن الراوي في الأغلب بينه وبين من روى عنه وسائط، فحتى لو حصل السماع منهم بيشككوا في السماع ده.

وقال أبو حاتم: علي بن عدي هو ابن عميرة، ولأبيه صحبة، ولم يسمع من أبيه، يدخله بينهما العرس بن عميرة بن قيس. وقال أيضاً: لا أدري سمع الشعبي من سمرة أم لا؛ لأنه أدخل بينه وبينه رجلاً. والائمة إنما نفوا السماع أو ترددوا فيه من أجل ما جاء من زيادة الواسطة في بعض الطرق الأخرى؛ إنما ذلك لكون الذين ذكروا الواسطة والذين لم يذكروها ثقات أثباتاً، مع عدم اشهار الراوي بالأخذ عن هذا الشيخ. أما إذا كان الذين رووا أحد الوجهين ممن لا تقوم بهم الحجه، أو ثبت أن روايتهم شاذة غير محفوظة؛ فحينئذ يعمل بالرواية المحفوظة ولا يعول على الأخرى، وهناك قرائن أخرى تلتمس من كتب الرجال.