الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم ربنا ارزقنا العلم النافع والعمل الصالح. تفضل يا عبادة، وصلنا يا شباب إلى الحديث الحسن صفحة 135.
بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف حفظه الله ونفعنا بعلمه وعلم شيخنا الحسن: وقيل ما يخف فيه الضبط فقط، فهذا حسن ينحط لآخر المقبول، لكن يرتقي إلى الصحيح بتعدد الطرق، وقيل مع تُعرَى ضعفا هيّنا فبانضمام مثله يحسن.
طيب، قبل أن ندخل يا شباب، خلينا نأخذ مقدمة حتى تكون قراءتك للكتاب هي يعني ثاني قراءة. دلوقتي احنا عندنا يا شباب اتفقنا أن المصطلحات حصل فيها اختلاف من عند المتأخرين عما كان عليه المتقدمون. في يعني فكرة اشتهرت عند المتأخرين، وهي تطوير المصطلحات؛ أنهم يجعلون للمصطلح دلالة، فمثلاً يقولون إن الحديث المنكر هو مخالفة الضعيف لمن هو أوثق منه، والحديث الشاذ مخالفة الثقة لمن هم أوثق منهم.
في الواقع كان من المفترض أن تستقرئ هذه المصطلحات من كتب علماء الحديث، من كتب مثلاً السنن، ومن كتب السؤالات، ومن كتب العلل، ومن كتب الجرح والتعديل، ثم نخرج بأن مثلاً لفظ المنكر يطلق على خمس دلالات مثلاً، فيطلق مثلاً على الحديث على مجرد التفرد، أو على تفرد مع الخطا، وهكذا. فيبقى احنا لابد أن نعرف دلالة المصطلح من واقع كلام أهل العلم، لكن المشكلة أن عدداً من الذين كتبوا في علوم الحديث تأثروا بالحد الأرسطي؛ يعني أن أرسطو كان يتكلم في فكرة الحدود والتعريفات، فإذا جاء مصطلح فيهتمون بأن يجعلوا لهذا المصطلح دلالة واحدة، ويجعلون هذا التعريف يسمونه جامعاً مانعاً، وهكذا.
فواحد مثلاً اسمه ابن الوزير اليماني ذكر فائدة جميلة يقول: ذكر الحدود المحققة أجنبي عن هذا الفن فلا حاجة إلى التطويل فيه. ماذا يقصد من ذلك؟ يعني بيقول إن علوم الحديث لا يصح أن تأتي فيها لأفاظ استعملت بأكثر من دلالة فتحصر أنت دلالتها في بعضها. فمثلاً يا شباب لفظ الحسن جاء بدلالات كثيرة، أطلقه بعض العلماء على الحديث الصحيح، وبعضهم أطلقه على الحديث، كما قال الترمذي: ما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن، أردنا به حسن إسناده عندنا؛ كل إسناد يُروى، لا يكون في إسناده من يُتهم بالكذب، ولا يكون شاذاً، ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو حديث حسن. فيبقى أطلقه على الحديث الذي يعني تتعدد طرقه، وليس فيه راوي متهم بالكذب وليس شاذاً.
بعضهم أطلقه على حسن العبارة، فيبقى الصواب أن احنا نقول إن الحديث الحسن له أكثر من دلالة، والسياق هو الذي يحدد الدلالة. لكن ما المشكلة؟ أن الكتب المتأخرة، مثل مثلاً نخبة الفكر أو نزهة النظر، صار يجعل لهذا المصطلح دلالة، فيقول مثلاً: الحديث الحسن هو الذي توفرت فيه شروط الصحيح، لكن بعض رواته خفيف الضبط؛ يعني ليس في درجة الضبط العالي التي عليها راوي الحديث الصحيح. فكان الصواب هو أن احنا نحصر دلالات هذا المصطلح لنعرف على عَم م أطلق العلماء هذا المصطلح، ثم بعد ذلك ننظر في السياق لنعرف ماذا يريدون بهذا المصطلح.
من أكثر المصطلحات التي اختلف فيها هو مصطلح الحسن، ولن تجد هذا الخلاف قط إلا عند المتأخرين. لا يمكن أبداً أن يكون المتقدمون اختلفوا في تحرير مصطلح، لأن هذا أصلاً لم يكن عملهم ولم يكن هدفاً لهم، لأن عندهم كل عالم يعبر عن المعنى باللفظ اللائق به، فواحد بيسمي الحديث خطأ، والتاني يسميه منكراً، والثالث يسميه شاذاً، والرابع يسميه باطلاً، عادي ما عندهمش، ليس عندهم هذه القيود التي تحملها كثير من المتأخرين تأثراً بفكرة الحدود والتعريفات التي نقلت عن المنطق.
واضح؟ لأن يا شباب كما قلت لكم، حتى الشافعي ذكرها: أن العرب تسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، وتسمي بالاسم الواحد الأشياء الكثيرة؛ يعني تسمي بالاسم الواحد الأشياء الكثيرة، تمام، وتسمي الشيء بالأسماء الكثيرة، يعني شيء واحد له أكثر من اسم، واسم يطلق على أكثر من شيء. فلو أنت دخلت بهذه القاعدة لن يكون عندك أي إشكال إن شاء الله، لكن ياتي الاشكال في ماذا؟ أنك أنت تأتي للفظ استعمل بأكثر من دلالة، فتحصر هذا اللفظ في دلالة واحدة. تفضل.
اختلف العلماء في تحرير معناه، معنى مصطلح الحسن، اختلافا شديدا يفضي إلى الاضطراب، فقال الخطابي: هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء. وهذه عبارة ليست على صناعة الحدود والتعريفات.
ينطبق ذلك عليه ليه يا شباب؟ لانهم هم حتى هذه العبارة نفسها، يعني هم يلزمون الإنسان أن يسير على الحدود والتعريفات التي أخذت عن المنطق، وهذا ليس صحيحاً، لأن التعريف يا شباب يراد منه تقريب الشيء. لما واحد مثلاً يقول لي يعني إيه التليفون؟ فيقول لي يعني إيه تليفون؟ فأقول له مثل هذا، مش لازم أقول له التليفون هو جهاز فيه أزرار وفيه لا لا، التعريف هو تقريب المعنى للمتلقي، فأي شيء تم به المعنى فهو تعريف، تمام كدة. فلما مثلاً يأتي الخطابي ويعرف الحديث الحسن بهذا التعريف، لكون هذا الحديث ليس على صناعة الحدود، فيبداوا يحصل انتقاد بقى، ويطول الكلام في أمر ما كان يحتاج أن يطول فيه الكلام أصلاً.
ودي المشكلة يا شباب، أن كثير من طلاب الحديث يعيش مع هذه المصطلحات والاختلافات، مثلاً ممكن يجلس في تحرير معنى الصحيح شهر كامل يجمع أقوال العلماء، بعضهم يقول: هو الحديث الذي يرويه العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ولا يكون شاذاً ولا معللاً. واحد يقول: لا، طب ما الشذوذ هو يدخل في العلة، فيبقى احنا كده طولنا التعريف، نقول: ولا يكون معللاً فقط. واحد يقول له: لا، طب ما احنا مش محتاجين لا شاذ ولا معلل، لأن مجرد وصف الراوي بالثقة يدل على أنه أدى الرواية كما تحملها. ليه هم دخلوا في هذه القصة؟ لأنهم ألزموا أنفسهم بالحدود والتعريفات على رسم المنطق، فدخل لهم إيه يا شباب؟ يجعلوا التعريف في ظنهم يعني جامعاً مانعاً مختصراً مجزأً.
واحد زي الشافعي لما أراد أن يتكلم عن الحديث الصحيح ذكروا في حوالي أربع صفحات، ما عندهوش مشكلة ليه؟ لأن المراد من التعريف هو البيان، فبأي قدر تم هذا البيان فهو صحيح. لما واحد يجي مثلاً يقول لك: إيه معنى الساندوتش؟ فتحضر له ساندوتش تقول له هو ده، خلاص فهم، فمش لازم عشان تذكر تعريف تقول له: هو رغيف نصين ومحطوط جواه مش عارف إيه، لا مش واضح يا شباب؟
إذن نحن عندنا فكرتان ركز فيهم قوي: الفكرة الأولى أن أهل العلم في كل باب من أبواب العلوم يعبرون عن المعنى بألفاظ يرون أنها دالة على المعنى. مثلاً الأمر الفرد في الشريعه ممكن يسموه واجب، وممكن يسموه فرض. طب الأمر المستحب ممكن يسمونه نافلة أو مستحب أو سنة، عادي الشيء الواحد يسمى بالأسماء الكثيرة، دي الفكرة الأولى. الفكرة الثانية أن المعنى الواحد يعبر عنه بأكثر من لفظ، واللفظ الواحد يعبر عنه بأكثر من معنى، يبقى أنا عندي لفظ ومعاني كثيرة. لفظ الحسن يدل على معاني كثيرة، لفظ المنكر يدل على معاني كثيرة.
طيب، في عندي معنى وهو أن الراوي أخطأ؛ يعني أخطأ، عايز أسمي الخطأ ده فممكن اسميه خطأ أو باطل أو منكر أو شاذ أو غير محفوظ، عادي، كل ده دي اسمه اختلاف لفظي. فيا شباب عندي صورة أريد أن أسميها، وعندي اسم أريد أن أطلقه، فالعلماء المعنى الواحد يعبرون عنه بأكثر من لفظ، واللفظ الواحد يعبرون به عن أكثر من معنى.
إذا أنا فهمت كدة لن يصبح هذا اختلافاً، هيكون اختلاف تنوع، مش هيكون اختلاف حقيقي أو تضاد. فلما يأتي عالم يطلق الحسن على الحديث الصحيح، إطلاق صحيح؛ لما يطلق الحسن على الحديث المتوسط، صحيح؛ لما يطلق الحسن على الحديث الضعيف الذي
كثرت شواهده إطلاق صحيح، فما تجي تقول لي أيهما أصح، كله صحيح؛ لأن كل واحد منهم أطلق الحسن على معنى معين، فهمت؟ والشيخ طبعا يعني سينبه على شيء من ذلك. أنا بس كان تعليقي على فكرة أن هذه العبارة ليست على الحدود والتعريفات، على صناعة الحدود والتعريفات. اتفضل.
وهذه عبارة ليست على صناعة الحدود والتعريفات، والصحيح ينطبق ذلك عليه أيضا، لكن مراده، لكن مراده مما لم يبلغ درجة الصحيح. وذكر الحافظ ابن حجر الحديث الصحيح في النزهة بمثل ما ذكرنا، أن النزهة اللي هو كتاب نزهة النظر شرح نخبة الفكر، يعني ابن حجر عمل كتاب موجز اللي هو نخبة الفكر، وطبعا عمله على صناعة الحد المنطقي تماما.
يعني ابن حجر لما كتب هذا الكتاب كتبه بنفس طريقة المناطقة بالضبط، وهذا يختلف عن طريقة ابن حجر في الناحية العملية. ابن حجر رحمه الله في الناحية العملية في نقض الروايات والرواة يختلف عن الطريقة التي كتب بها النخبة والنزهة؛ النخبة والنزهة كتبها على هذه الطريقة الحدود والتعريفات، وجعلها مختصرة جدا وموجزة لذلك ألفاظها تحتاج إلى فك تمام.
العلماء يا شباب لم يكن العلماء المتأخرون، كثير منهم أراد أن يكتب الكتاب بطريقة المنطق، فلذلك سار الكتاب عسرا صعب وملغزا. إنما الأئمة المتقدمون، لما يريد يتكلم في مسألة هو يريد أن يفهم المتلقي، فنفترض أن هو شعر المتلقي يحتاج بسط يبسط، فأنا إيه اللي يخليني أقول إن التعريف لازم يكون موجز؟
يقول لك تشوف إيه؟ يقول لك الواجب هو ما ذم شرعا تاركه قصدا مطلقا. ما تفهمني ما أنت كل كلمة بتقولها أنا محتاج أفهمها صح. لما تقول ما ذم، محتاج أعرف يعني إيه ما ذم؟ خلاص ما ذم شرعا تاركه قصدا مطلقا، كل كلمة إيه اللي يزنقني أنا في الشرنقة دي؟ طب ما أنت تفهمني وخلاص، اضرب لي أمثلة.
فهمنا يا شباب؟ يبقى وابن تيمية من أكثر من انتقد هذه الحدود والتعريفات، وقال إن من اعتنى بلسان العرب لا يحتاج إلى هذا المنطق أبدا، لا في طريقة التفكير ولا في التعبير، واضح؟
تعريف بناء على هذا لا. سؤال جميل، هو لو كان الهدف عندهم أنهم يستقرؤون هذا اللفظ جاء في كلام الأئمة على كم معنى؟ هذا هو الصواب، إنما لا، هو جعل للمصطلح معنى واحد. طب لما أنت جعلت، إذا كان هناك مصطلح استعمل في عشرة معاني، قمت أنت جعلته معنى واحد، طب وباقي المعاني هذه بماذا نسميها؟ أو لماذا أنت حصرت اللفظ في معنى واحد، بينما استعمله العلماء في معاني كثيرة؟ هي دي المشكلة.
مثلا من أشهر الأمور لابن حجر رحمه الله قال إن الحديث المنكر يطلق على مخالفة الضعيف لمن هم أوثق منه. طيب، العلماء قالوا وصفوا أحاديث بالنكارة مع أن الذي أخطا فيها رواة ثقات حفاظ. ليش؟
بالواقع التطبيقي تبعوا مخالف؛ لأن هو لما كتب؛ لأن في يعني هو أراد أن يكون هذا الكتاب متنا على رسم المنطق، حتى كمان ابن هشام الأنصاري لما عمل كتاب قطر الندى بنفس الطريقة، أن هو يعني حاول أن هو يلتزم فيه هذه الطريقة، وإن كان في الشرح لا يعني بسط الموضوع أكثر. الفكرة دي كانت سائدة يا نزيه في هذا العصر.
يعني كانت سائدة في أنهم بيكتبوا بهذه اللغة، فيها شيء من الألغاز والاختصار، هتلاقي المتن صغير وعامل له شرح كبير فاهم؟ إنما أنت مثلا لو إن شاء الله نقرا مع بعض كلام الشافعي في الرسالة أو غيرها، هتلاقيه بيشرح، ما عندوش فكرة، مش ملتزم خالص، ليه؟ لأنه يريد البيان، هو يريد البيان فكل ما يتم به البيان يفعله، فمش محتاج أنه يحشر نفسه في دائرة ضيقة عشان يلتزم طريقة، لا، هو يريد أن يبين للمتلقي، فإذا كان الموضوع يحتاج إلى بسط وذكر أمثلة، يبسط ويذكر أمثلة. فهمت كده؟ اتفضل.
ثم قال: «فإن خف الضبط والمراد مع بقية الشروط المتقدمة في حد الصحيح فهو الحسن لذاته»، وهو مشارك لصحيح في الاحتجاج به، وإن كان دونه، وبكثره الطرق يصحح. وهذا القول هو ما أشرنا إليه في البيتين الأولين، وهو قريب مما حكاه ابن الصلاح عن بعض المتأخرين: أن الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل هو الحديث الحسن، وهو يصلح للعمل به.
يعني إيه الكلام ده يا شباب؟ خلينا نركز كده، يعني خلينا نفهم ماذا أراد ابن حجر رحمه الله في كتاب النخبة؛ لأن هذا هو الذي انتشر. هو بيقول: «فإن خف الضبط والمراد مع بقية الشروط المتقدمة في حد الصحيح فهو الحسن لذاته». يعني هو يريد أن يقول إن الحديث الصحيح كما سبق معنا هو الحديث الذي كان كل رواته ثقات تمام، وكل راوي تلقى الرواية عما أخذها عنه بطريقة صحيحه؛ يعني اتصل الإسناد ولا يكون شاذا ولا معللا، يعني لا يكون الراوي خالف الثقات ولا يكون هناك عيب خفي في الرواية.
فبيقول: لو كل هذه الشروط توفرت إلا أن الراوي أو أحد الرواة ضبطه خفيف، يعني ليس من الرواة الثقات الحفاظ، فهذا نسميه حسنا لذاته، تمام. طيب، هو أصلا الراوي، احنا لما بنحكم، ركز في هذه الفكرة عشان مهمة، احنا الآن نحكم على الراوي ولا على الرواية؟ لو احنا نحكم على الراوي فاحنا اتفقنا أن الحكم على الراوي هو أننا بنعرف ماذا قدر ما روى وننظر الصواب إلى الخطأ. فلو روى مثلا ألف رواية وأخطأ في عشر روايات، فيكون في المجمل ثقة، لكن في العشر روايات هذه ضعيف، تمام.
فالمشكله في هذه الحدود والتعريفات يا شباب أنها عمليا لا تسعفك، لماذا؟ لأن احنا لو عندنا راوي مثلا، أفهمك لماذا هي من ناحية النظرية تبدو مقنعة، لكن لما تجعلها عمليا هتنتبه لأن هي محتاجه نقد. نعتبر أن أنا عندي حماد بن سلمة مثلا، في إسناد موجود حماد بن سلمة، عندي إسنادين في إسناد مرة حماد عن عمرو بن دينار عن جابر، ومرة تانية حماد عن ثابت عن أنس.
فلو أنا أخذت هذه القاعدة: حماد بن سلمة في المجمل ممكن تسميه صدوق، يعني متوسط، بيخطئ كثيرا وكذلك بيصيب كثيرا. فقمت أنت أديته الحكم النهائي أنه متوسط، كويس كده؟ فانت المفروض بناء على هذا التعريف لما تلاقي حماد بن سلمة في الحديث، فتقول أن الحديث إيه؟ حسن، صح كده؟ هذا بقى لا متحقق هنا ولا متحقق هنا، ليه؟
لأنه في الرواية الأولى هو وإن كان في المجمل صدوق، لكن هو أثبت راوي في ثابت، هو أوثق راوي يروي عن ثابت، فهتيجي هنا تقول حديث حسن صحيح. طب هو هنا من أكثر من يخطئ في عمرو بن دينار، فحديثه ضعيف عنه، فلا هو جه هنا ولا جه هنا. فهمنا يا شباب؟
فالذي أريد أن أقوله لك: إن الناحية النظرية يعني أحيانا الطالب يعيش معها فترة كبيرة، لكن في الناحية العملية لا يجد لها هذا الأثر. أنت ممكن تقول طب إيه يعني إيه السبب في أنهم يجعلون هذه الاقسام؟ يعني هو يريد أن هو صحيح، فيعملوا قسمين: صحيح لذاته، صحيح لغيره، حسن، حسن لذاته، حسن لغيره. لا، انا مش يعني أقصده أقول: مش لازم أن أنا اعمل هذه الأقسام؛ لأن فعليا هذا الراوي، هذا الراوي أما أن يكون أصاب في الرواية أو أخطأ.
فاذا أصاب، لماذا أسمي حديثه حسنا حسنا مع أنه أصاب؟ خليني أضرب مثال تاني أشد، عندي إسماعيل بن أبي أويس، ماشي، بيروي عن مالك، ومالك بقى بيروي عن الزهري عن نافع، أي حاجة، فالبخاري انتقى البخاري إسماعيل، هذا متكلم في حفظه بكلام شديد، حتى بعضهم قال إنه متهم؛ يعني بيخطئ كثيرا جدا.
طيب، البخاري يروي عن إسماعيل عن مالك، طيب البخاري لما روى عن إسماعيل عن مالك، تاكد أن إسماعيل ضبط الروايات؛ لأن هو عنده روايات كثيرة عن مالك القعنبي مثلا، ابن مهدي، أي واحد، قتيبة، غيره. فلما البخاري خرج رواية إسماعيل عن مالك التي تاكد أنه ضبطها، الحديث ده هنسميه حديث إيه؟ صحيح.
فهمت؟ هل واحد يقول عشان هو ضعيف، فحديثه هنسميه ضعيف أو هنسميه حسن؟ لا، هو أصاب في هذا الحديث، فالحكم العام على الراوي شيء، والحكم الخاص على روايته شيء آخر، واضح يا شباب؟
كثير منتشر إنه مشايخ كتير بيجي بيسألوا: الحديث متكلم فيه ولا ضعيف؟ ما حققوا إنه هو فعلا بهذا الحديث أصاب أم أخطأ. أيوه، طبعا؛ لأن الحكم، الحكم يا شباب، الحكم العام، عارف أنت لما يكون في واحد متقن للقرآن، ده حكم عام، لكن ممكن في بعض السور بيخطئ فيها عادي، هل هذا الخطأ، هل هذا الخطأ يقدح في أنه متقن؟ لا. طيب، هل هذا الاتقان يجعلنا نقول إنه أصاب؟ لا، هذا شيء وهذا شيء، واضح؟
فالذي أريد أن أقوله لك فقط أن هذه الأمور احنا ندرسها تمام ونفهمها، لكن لازم تفهم أن من الناحية التطبيقية العملية هذا الراوي إما أن ينفرد، وإما أن يشترك مع غيره من الرواة. يعني مثلا حماد هذا، إما أن ينفرد عن شيخه، وإما أن يشترك مع غيره من الرواة، فلو انفرد ننظر: هل هو أهل للتفرد أم لا؟ ولو اشترك ننظر: هل وافق غيره من الثقات أم لا؟ فيبقى هذا الكلام نظريا.
يبقى هذا الكلام نظريا، وإنما الراوي لابد أن تختبر روايته. فلما اختبر روايته، طب نضرب مثال العكس: خلينا عندنا شعبة أهو، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. فأنت أول ما تنظر لهذا الإسناد هتقول ده شعبة ثقة ثبت، والعمش الطريق ذو كله ممتاز، بس اكتشفنا أن شعبة أخطأ في الرواية دي، فيبقى ده حديث ضعيف، خطأ، منكر، شاذ، سميه كما تشاء.
فيفبقى الحكم العام على الراوي يا شباب هو المحطة الأولى، لكن يأتي بعد ذلك اختبار رواية الراوي بعرض حديثه على ما جاء في الباب. فيبقى لما هو يقول: يعني ما خف هو الحديث الذي توفرت فيه كل الشروط إلا أن بعض الرواة خف ضبطه، تمام، من الناحية العملية التطبيقية، خف ضبط ضبط هذا الراوي.
ده ده حكم أولي، أنا بقى عايز أختبر ضبطه بالفعل فبإعمل إيه؟ بشوف هل انفرد أم لا؟ يعني إذا انفرد ممكن ساعتها أقول أن الحديث هذا محتمل القبول لما ينفرد؛ لأن ما عنديش قطع إنه أخطأ، لكن إذا اشترك، فاجة من الاثنين يا شباب، ماشي؟
امبارح شرحتها، ممكن تكون كنت بره بتذاكر، أن الراوي يا شباب بيكون له اختصاص بشيخه، يعني في راوي مثلا اعتنى بهذا الشيخ وحفظ كلامه وكتبه وركز معه، لكنه في درس آخر أو عند شيخ آخر لم يكن بنفس الحفظ. ده موجود كتير جدا، احنا ذكرناها مثلا عن معمر.
معمر يا شباب هو الراوي الوحيد الذي جمع الأسماء التي أذكرها، يعني روى عن قتادة، وروى عن الزهري، وروى عن هشام بن عروة، وروى عن عمرو بن دينار، وأيوب السختياني، روى عن كل هؤلاء، عبد الله بن طاووس. بس هل هو ثقة في كل دول؟ لا، يخطئ مثلا في قتادة ويخطئ فيه في أيوب وغيره.
فالراوي ممكن يكون له اختصاص بشيخه، حفظ حديثه وكتبه وبقي معه مدة طويلة، غير لما يكون ذهب للشيخ مثلا في آخر عمر الشيخ لو أخذ منه قليلا، فهمنا؟ فالشاهد أن يا شباب أنت بتتعامل مع بشر مش آلات، هذا قد يخطئ وقد يصيب، فأنت لما تستصحب الحكم العام على الراوي دي المحطة الأولى، بعد كده تبدا بقى تشوف هو في الرواية ماذا فعل.
الحديث؛ لأنه إسماعيل؟ لا، لأن هو، لأن هو البخاري يكرر الحديث أحيانا، فهو يحتاج في كل مرة إلى راو جديد، والامر الثاني أن هو يراه أنه أصاب، فلماذا لا يروي روايته؟ لماذا؟ يعني هو تأكد أن هو أصاب، حتى أن إسماعيل هذا كان الناس لما إسماعيل يخرج يحدث فما حدش يسمع له، فكان يخرج أحاديث للهم، هذه الأحاديث انتخبها البخاري من حديثي عشان الناس تيجي إيه تيجي تاخدها، فاهم؟
يعني الحصن العام للراوي يعني لا ينفع كثيرا إلا في الروايات المتفردة؟ لا، هو ينفع كثيرا حتى في الروايات اللي بيشترك فيها، ليه؟ لأن أصلا هذا الحكم العام مأخوذ من رواياته، من مجموع رواياته، لكن ليس هناك تلازم. في فرق بين أن احنا نقول لا صلة بين الحكم العام والخاص، ده غلط، غلط طبعا، لكن ما فيش تلازم.
يعني ممكن يكون الراوي من أوثق الناس ثم يخطئ خطأ منكرا، زي مثلا يحيى القطان، هو من أوثق الرواة على الإطلاق، لكن الإمام أحمد مثلا في بعض المواضع، وهو حديث أني جاء (يعني اثنين من اليهود، والنبي صلى الله عليه وسلم لما قالوا: نشهد أنك نبي، اليهود اثنين يهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: نشهد أنك نبي، فقال: وما وما يمنعكم أن تتبعوني؟ قالوا: نخاف من يهود، تمام).
يحيى القطان لما روى هذه الرواية ماذا قال؟ قال أن الاتنين دول قالوا: نشهد أنك رسول الله. فالامام أحمد ماذا قال؟ الإمام أحمد تلميذ يحيى القطان قال: أخطأ يحيى خطأ قبيحا. ليه يا شباب؟ لأن لما هم قالوا: انك نبي، يقصد النبي الأميين، لست نبيا علينا. أما لو قالوا: رسول الله، دي كده هم دخلوا في الإسلام.
فأنت قد تتصور أن ده خطأ عادي، طيب يحيى القطان، الإمام أحمد، أنت لو شفت الإمام أحمد كيف يثني على يحيى القطان هو شيخه من أكبر الأئمة حفظا وعلما، لكن هذا لم يمنعه أن يسمي أن يخطئه وأن يسمي خطأه بأنه خطأ قبيح. فهمنا كده يا شباب؟
يبقى في صلة، طبعا في صلة بين الوصف العام للراوي والوصف الخاص للرواية، لكن ليس هناك تلازم، ماشي؟
قال ابن دقيق العيد: قوله فيه ضعفا قريبا محتمل ليس مضبوطا بضابط يتميز به القدر. نفس الشيء هنا الآن، هم دخلوا بقى في هذا إيه في هذا الحيز، ما دمت لا لا، ما أقصد في في الالتزام بالحد أن يكون جامعا مانعا موجزا مختصرا، فانت ما دمت دخلت في هذا ستتعقب.
مثلا لما يجي هو يقول: هو الحديث الذي فيه ضعف محتمل، فالثاني أقول له: قدر لي هذا الاحتمال، ونبدأ ندخل في دوامة طويلة جدا. لا، هو ما فيه ضعف محتمل، خلاص، الراجل الناقد يرى أن هذا ضعفا محتملا، مش لازم أحدد لك القدر، أقول لك الضعف ده مثلا بـ 10%، 20%، لا، هو ضعف محتمل، واضح؟
كل هذا شباب لماذا؟ يعني هو في خط بدانا منه، المتقدمون لم يكن عندهم قط من يفعل هذا، يأتي لتعريف ويبدأ يقول، يضيق على نفسه أن هذا المعنى يطلق عليه هذا التعريف وحده، أبدا، بالعكس، ده ممكن يكون واحد في الشمال، واحد في الجنوب، وهذا يقول عليه باطل، والثاني يقول عليه منكر على نفس الشيء، فهمت كده؟ ما كانش عندهم هذه الفكرة.
كان عندهم كل أمر يؤثر في الرواية، لكن كثير من المتأخرين أغرق في الاشتغال بالحدود والتعريفات والتعقب، ممكن يبقى 50 صفحة وهو يريد أن يصل إلى تعريف جامع مانع موجز عن الحديث الصحيح، بينما لم يضرب لك أمثلة على هذا الحديث الصحيح. أنت مش ممكن تقرا كتب في أصول الفقه عن استنباط الأحكام ولم يذكر مثال واحد، أو مثال واحد فقط هو الذي يذكر في مثلا أن العلة تحريم الخمر هو الإسكار فقط؟
فهو دي مشكلة يا شباب أن كل إنسان يتعب في الطريق الفرعي لابد أن يقصر في الطريق الأصلي، فاهم؟ تعرف لما واحد يقعد يتكلم عن لطائف العلم، ليه بيتكلم عن علم الحديث فيقعد يحكي لك عن قصص إيه أن الأعمش كان مش عارف بيعمل إيه في تلاميذه، ونعيش الدرس كله في إيه في الحكاوي واللطائف، ونضحك مع بعض ونخرج بخروجة ظريفة وجميلة؟
لا، دي أشياء كده بتبقى زي لطائف، إنما العلم نفسه. فيبقى يا شباب لازم تفهم أن الواقع العملي للروايات هو الذي سيجعلك تفتح عيناك على المهمات في العلم؛ لأن ما تجيبش شيء لطيف وتخليه لي مسألة كبيرة وتقعد تطول فيه، لا، دي أشياء لطائف كده، إنما في صلب العلم، فصلب العلم هو الصفات التي يعني تجعل
الناقد يميل قلبه إلى تصحيح الرواية أو يخطئها، أنت بقى مهم أنك تعرف الصفات والقواعد والقوانين التي يسير عليها أولئك النقاد. لكن أنت شوف هنا قال له: أصل ده ليس على صناعة الحدود والتعريفات، مع أن هو فاهم قصده، يعني هو يفهم ماذا يريد، لكن هو بيقول له: أنت لم تلتزم. طب ومن الذي يلزمني أصلاً بهذا؟ مين اللي يلزمني؟ يعني أنا ما الذي يلزمني أن أعرف تعريفاً لا يكثر عن سطر؟ تمام، أنا بعرف تعريفاً أرى أنه كافي للمعنى.
فواحد بيقول: الحديث الحسن ماشي، عبادي بيقول لي ما معنى الحديث الحسن؟ فقلت: الحديث الحسن هو حديث توفرت فيه شروط القبول، لكن ليس بدرجة الحديث الصحيح. خلاص، هو فهم، ما يجيش يقول لي: لا، طب ما هو ليس بدرجة، طب هذا يدخل فيها الضعيف! فاهم، ونبدأ بقى إيه ندخل في سلسلة من الكلام مالهاش علاقة بصلب الموضوع.
عدم تحديد المقدار، أنا مرتبط بكل العوامل التي تأثر لأن المتكلم يفهم، يعني المتكلم هذا تقريب، يعني أنت ما تحتاج أن تقدر، هتقول له إيه؟ بيخطئ مثلاً عشرين في المية وتلاتين في المية؟ لا، هو ضعف محتمل لكنه ليس خطأ واضحاً، لكن الراوي فيه ضعف، فهذا جعلني يعني أصحح روايته، لكن يعني ليس كتصحيح غيره من الثقات الحفاظ بس؛ لأن الحديث المقبول درجات يا شباب.
اتفضل كمل. التعريفات صاحب العبارة الخطاب الشيخ طارق؟ لا، لا، ده الموقظة، هو نقلها عن كتاب الذهبي عن الذهبي في الموقظة: وقيل ما في إسناده ضعف هين كسوء حفظ بعض رواته أو إرسالاً، فاذا انضم إليه إسناداً مثله أو أعلى منه صار الحديث حسناً بالمجموع، وهذا القول هو المشار إليه في البيت الثالث.
فين هي المشكلة بقى يا شباب؟ أن هو لما يأتي عدد من المتأخرين من العلماء المتأخرين رحمهم الله، ويبدأ يقول: أن الحديث الحسن هو مثلاً ما خف ضبط الراوي فيه، يعني كان ثقةً لكن خف ضبطه مع بقية الشروط، كويس كده؟ طيب، لما هو يجد أن البخاري أطلق على حديث من أصح الأحاديث أن هو حسن، ماذا سيفعل هنا؟ بعضهم قال: فخلف البخاري الاصطلاح.
طب وأنت ده إذا كان هو صاحب الليلة أصلاً! هو ده عمو صاحب القصة أصلاً! فأنت أنت عكست، أنت المفروض تبدأ منه وتفهم اللي هو قاله، لا، ده أنت بدأت من تحت وبتحاكمه، فتقول أحياناً بعضهم يتلطف فيقول إيه: ومن معاني الحسن، طب ما من معاني دي تدل على ماذا؟ تدل على أن هو ده مش المعنى الأصلي. طب أنت لماذا تجعل هذا المعنى؟ من أين أتيت به؟ ده السؤال المهم. فهذا إصلاح المتأخرين، اصطلاح بعض المتأخرين في الحسن.
لكن الصواب يا شباب، إذا كان اللفظ يستعمل لأكثر من دلالة فلا يصح أن تحصره في دلالة واحدة، وتجعل الدلالات الأخرى مجازية أو فرعية، لا، هو استعمل بأكثر من دلالة، خلاص. مين اللي قال إن أنا يجب أن أجعل للمصطلح تعريفاً واحداً أو دلالة واحدة؟ لا.
أنه لا توضع تعريف، وإنما نفهم كيف الله يفتح عليك أحسنت. لا تعرفوا، ما أنت بقى كده أنت بدأت حلو، يعني أنت دخلت مدخل صدق. لا، في فرق، بصوا يا شباب، في أي علم من العلوم في فرق أنك تفهم ماذا قيل، وبعدين أنك أنت يكون عندك شيء نقدي بمعنى النقدي ليس هو الرد، وإنما هو تمييز الكلام، أنك تعرف أن هذا هو الذي كان يقوله كثير من المتأخرين، ده مهم، تمام. لكن أنك تعرف أن الصواب في هذا الأمر أن تعرف هذا. بص يا شباب، احنا عندنا في أي علم معاني ومصطلحات، ماشي كده؟ معاني ومصطلحات.
فأنا مثلاً لما أقول لك أن الفعل المضارع، أنا مثلاً عايز أقول: لم يدخل محمد. فانا هنا كان المفروض يدخل، فلما دخلت لم خلقتها يدخل بالسكون، سمينا ده الجزم، سميناه، يبقى في عندي حالة وفي عندي اسم، حلو كده؟ الراوي عندي لما الراوي يخالف الثقات ويخطئ، هنسمي ده إيه؟
فواحد قال: هنسميه باطل، خطأ، غير محفوظ، عادي، ما احنا متفقين أن دي مردودة بس مختلفين في الإطلاق. فلما احنا نسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، ما تجيئك أنت تحصره في اسم واحد، ولما نطلق الاسم على أشياء كثيرة، ما تجيش أنت تحصره في شيء واحد، فهمنا كده؟ ماشي.
ألم ينظروا إلى الغالب باستخدام لا ولا حتى، لا حتى مش صح؛ ليه؟ لأن الغالب أنت، يعني هل أنت هل ده مبني على الغالب؟ لا، إذا كان أصلاً من أقل الألفاظ المستعملة عند المتقدمين لفظ حسن، من الذي أكثر منه وأشاعه؟ الترمذي كان موجود قبله قليل جداً، فمدام هو موجود قليل وأنت تريد أن تجعل قسماً كبيراً من الأحاديث يسمى بالحسن، فأنت هذا الاسم، هذا الاسم هذا هو اصطلاحك الخاص، عادي، يعني زي ابن حجر مثلاً له اصطلاحات رحمه الله في كتاب تقريب التهذيب مثلاً، يقول: هذا الراوي مقبول أو صدوق، فكلمة صدوق عنده يعني متوسط، ومقبول يعني أن تابعه غيره، يعني لو في حد من الرواة اشتراك معه وافقه يبقى مقبول، وإلا فلين، يعني ضعيف، اصطلاح خاص عادي.
طالب: طب ما الإمام الترمذي رحمه الله قال إن أنا أطلق كلمة الحسن وأريد فيها ثلاث شروط؟ الشيخ: عادي، هذا اصطلاحك، لكن لما أنت تتكلم عن اصطلاح المحدثين، يبقى لابد أن تستقرئ هذا اللفظ من كل المواضع، ثم تقول لنا: والله ده أنا وجدتم يطلقون الحسن على عشر معاني، تمام كده؟ وأنت بقى إذا جاء هذا المعنى في هذا السياق فيدل على كذا، وإذا جاء في هذا السياق يدل على كذا، إنما يكون هم لم يطلقوه أصلاً، وأنت تطلقه وتجعله اصطلاحاً لهم! طب هم لم يطلقوه أصلاً، مثلاً كلمة الشاذ، الشاذ هذا لا يكاد يوجد في كلام أهل العلم، كان موجود عند الشافعي في موضع، وموجود عند الخليلي، وموجود عند الحاكم.
فلما أنت تعمل لي أن في قسم اسمه الحديث الشاذ، وتصور لي أن العلماء كانوا يستعملونه بهذه الدلالة، لا، أنت أنت أطلقت على الشاذ، يعني هذا يا شباب هي مصطلحات الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتاب النخبة، وأخذت عنه، لكن لما أنت تستقرا كتب السؤالات والعلل، ستجد أن بعض المصطلحات التي حاصرها ابن حجر في معنى واحد هي تستعمل في أكثر من معنى، أو أن هذا المصطلح ينذر استعماله أصلاً.
خلاص كده يا شباب؟ ليه؟ لأن العلماء إما بيصححوا الحديث أو بيضعفوه، كويس كده؟ فهو لما بيصححه بيطلق عليها ألقاب، ممكن يكون صح، صحيح أو ثابت أو محفوظ، ماشي كده؟ أو حسن، كل هذا يدل على أنه قَبِله أو حُجة، فشوف عندك كم: صحيح، حسن، حجة، ثابت، محفوظ. طب وفي الضعيف؟ ممكن يقول: منكر، خطأ، ضعيف، عادي، ما عندوش هو، ما كانش عندهم الحصر ده يا شباب، المعنى يسمى بأكثر من اسم، والاسم يطلق على أكثر من معنى، فهمنا كده؟
مثلاً واحد أخذ مصطلح المنكر عمل فيه مجلدين، عمل مجلدين ممتازين جداً أن هو حاول أن يأتي بكلمة المنكر من كلام ابن مثلاً أبي حاتم الرازي وأبي زُرعة الرازي وغيرهم، وخلص بأن المنكر عندهم يستعمل على أكثر من إيه؟ من معنى، اصطلاحات.
طالب: أيوه، موجود، موجود بعضهم، يعني قصدك يعني إماماً معيناً؟ الشيخ: بعض الباحثين؛ لأنه فكر في أن أنك أنت تحصر اللفظ في دلالة واحدة وهو مستعمل في أكثر من دلالة، ده خطأ. فبعضهم عمل كده بالفعل، يعني ده مشروع مهم يا شباب أنك أنت تفهم المصطلحات.
يعني مثلاً أول ما بدات أقرأ في كتب السؤالات والعلل، دي مهمة جداً من أهم يعني ما يعني يثقلك في علم الحديث أنك تقرا كتب السؤالات والعلل، يعني السؤالات، الأسئلة التي سئلها يحيى بن معين وأحمد والدارقطني وابن المديني وغيرهم؛ ليه؟ لأن الأسئلة دي بيظهر فيها علم، فلقيت الإمام أحمد يأتي لحديث أخطأ فيه الأوزاعي، (أنا كنت ذاكرت كتاب النخبة، الكلام ده كان سنة 2002، كنت ذاكرت كتاب النخبة ولقيته بيقول الحافظ رحمه الله: الحديث المنكر هو مخالفة...).
الراوي الضعيف لمن هو أوثق منه فهو منكر. بقرا كتب السؤالات، لقيت الإمام أحمد سئل عن حديث الأوزاعي فقال: منكر، يعني أخطأ فيه الأوزاعي. طيب ما هو الأوزاعي ثقة، إذا الإمام أحمد أطلق المنكر على مخالفة الثقة أو خطأ الثقة، فاهم؟ فدي فأنت هنا بتدبا تكتشف حاجتين: أول شيء أن المصطلح يمكن أن يكون له أكثر من دلالة، والأمر الثاني أن العلماء لم يكن عندهم هذا التضييق بحيث إنه يقول: ما سمي منكرا لا يصح أن تسميه باطلاً، لا لا، عادي. مش حكيت لكم القصة بتاعة أبي حاتم مع الرجل الفقيه لما قال له: أنت وأبو زرعة اتفقتم في كل شيء إلا أن بعض الحديث قلت فيها باطل، وقال فيها منكر؟ قال له: الباطل والمنكر واحد. فهمت كده يا شباب؟
هم المتأخرين الخطوة دي على ما أنا قلت لك أن هو أن هو تأثر بالمنطق وعلم الكلام في لغة العلم، لأن العلم يا شباب له لغة، واضح؟ فهم كان في هذا العصر هذه اللغة سيطرت على كتب الفقه والمتون، فأي واحد عايز يعمل متن فبيعملوه بهذه الطريقة، واضح؟ فابن حجر رحمه الله، يعني نفس ابن حجر الحديثي في مثلاً فتح الباري أو في تهذيب التهذيب أو لسان الميزان يختلف كثيراً جداً عن نفسه في هذا الكتاب النظري اللي هو نزهة النظر أو نخبة الفكر، يعني ابن حجر نفسه لما بيدخل في التعليق على علل الحديث تجد يعني قريب جداً من كلام المتقدمين وطريقتهم، لكن لأنه كتب هذا الكتاب كتاباً مدرسياً فجعله بهذه الطريقة، خلاص. وقيل هذا القول هو الذي يتنزل عليه كلام الترمذي، حيث قال في العلل الذي في آخر الجامع: وما ذكرنا في هذا الحديث حسناً فإنما أردنا به حسن إسنادنا عندنا. يعني هل الترمذي قال إن أنا أقصد أن كلمة الاستعمال لفظ الحسن عندي مطابق لاستعمال لفظ الأئمة؟ لا، بيقول: أنا أطلقت هذا المصطلح أريد به هذا المعنى، خلاص.
كل حديث يروى لا يكون في إسناده من اتهموا بالكذب، ولا يكون الحديث شاذاً، ويروى من غير وجه، نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن. يعني باختصار يا شباب، دراسة المصطلح من طريقين: إما أن تدرس المصطلحات ودلالاتها، أو تدرس المعاني واصطلاحاتها؛ يا تبدأ من المعنى وتشوف الألفاظ اللي عبر بها عنها، يا إما تبدأ باللفظ وتشوف المعاني التي أطلق عليها، يداه. إنما لما تجعل أقسام، يعني مثلاً أنت بتدرس الحديث الصحيح، الحديث الضعيف، الحديث كذا، بطريقة الطريقة التي أراها أصح هي دراسة الحالات والمصطلحات، يعني هذه الصورة عند العلماء بماذا سموها أو أطلقوا عليها، أو هذا المصطلح أطلقوه على ماذا، يا كذا يا كذا. واعلم أن تخصيص اسم الحسن بالرواية المتفرد بها من هو موصوف بخفة الضبط اصطلاح حادث درج عليه جماعة من المتأخرين، كويس ده تنبيه جميل، حتى صار هو السائد بينهم، أما المتقدمون فيدرجون هذا في اسم الصحيح، لأن الحديث عندهم إما صحيح أو ضعيف، ده تنبيه مهم يريد تحط عليه يعني، تنبيه مهم.
إن هو بيقول لك: أن هذا تعريف المتأخرين، أما المتقدمون فبعضهم يطلق الحسن على الحديث المنكر، المنكر نفسه يقول عليه حسن باعتبار، يعني يقول لك: كانوا إذا اجتمعوا يكرهون أن يخرج الرجل أحسن ما عنده، يعني المنكرات لأنها كانت تستحسن لغاية معينة، أو الحديث الحسن يطلق على المعنى وإن كان ضعيف الإسناد، فعندهم إطلاقات كثيرة، ماشي. وإذا تبين لهم خطأ ذلك الراوي في روايته بمخالفتها وتفرده بما لا يحتمل، فإنهم يحكمون على روايته حينئذ بالنكارة، الله أعلم. واختلفوا ولم يحققوه، والمتقدمون أطلقوه على الصحيح وعلى الغرائب والمنكرات وعلى العجائب. قد حاولت أن أتتبع بنفس مصطلح الحسن، ده كلام جميل بقى، ده شغل ممتاز، أن هو الشيخ حفظه الله أتى لمصطلح مثل مصطلح الحسن وقال: أريد أن أتتبع هذا المصطلح في كلام أهل العلم حتى أعرف هل أطلقوه على دلالة أو أكثر من دلالة، وكيف أععرف أنهم أرادوا بهذا اللفظ في هذا الموضع الدلالة المعينة؟ هذا لا يأتي إلا بالاستقراء يا شباب.
يعني واحد من الشباب كان أيام ما كنا بنذاكر في مصطلح الحسن عند الترمذي حسن صحيح، من الإشكالات أن عند يعني المتأخرين في محاولة فهم لماذا يقول الترمذي في الحديث حسن صحيح، فبعضهم قال إنه يعني إيه حسن وصحيح، وبعضهم قال حسن أو صحيح، اختلفوا، فواحد من الشباب ليقول: أنا أرى أنه يقصد كذا، قلت له: أنت قرأت جامع الترمذي؟ قال: لا. قلت له: ما أنت بتترى إزاي؟ صحيت الصبح نفسُك بتترى؟ يعني أنت ترى إزاي؟ هو هو يعني أنت ترى دي لما تكون أنت قرأت المواضع وبعدين وصلت قلت: آه والله، ده ده ممكن يكون وصل. لا، ده أنت أصلاً ما قرأتْ كتابَه، فهمنا؟ واحد مثلاً زي ابن رجب الحنبلي شرح الكتاب كاملاً، ثم خرج بنتيجة، حتى لو أخطأ، يبقى دي مبنية على علم ولا لا؟ على علم.
ماشي، رجاء تحريري معناه عندهم مستأنساً في ذلك بجهود من سبقني من علماء هذا الشأن، مسترشداً بأقوالهم، صبياً بأفعالهم، فظهر لي أن كلمة حسن عند علماء الحديث عليهم رحمة الله تطلق على معاني متعددة، جماعها أن كل ما يستحسن في الرواية لشيء ما، سواء كان هذا الشيء له علاقة، يعني المعنى الجامع في كل موضع، سواء كان هذا الشيء له علاقة بثبوت الحديث أو ليس له علاقة، فإنهم يطلقون عليه وصف الحسن، أي أن هذا الحديث قد وجدت فيه صفة تدعو إلى استحسانه، بصرف النظر عن كون هذه الصفة لها تأثير في ثبوت الحديث أو ليس لها تأثير. فقد وجدنا أئمة الحديث عليهم رحمة الله يستحسنون الحديث لكونه صحيحاً ثابتاً عما انتهى الخبر إليه، وبطبيعة الحال فإن الحديث الصحيح حديث حسن بهذا المفهوم، أي قد وجد فيه معنى يدعو إلى استحسانه، وهو كونه ثابتاً صحيحاً حجة، ولهذا وجدنا بعض، أصلاً كلمة صحيح نفسها هي كلمة متأخرة، يعني مالك لم يستعمل هذه الكلمه مثلاً.
ما كانش بيستعمل، هو بيستعمل الحديث، مش يعني هو يحتج بالحديث، تمام، فهو مش محتاج يقول: ده صحيح وده ضعيف، لا، يعني عايز أقول لك: المصطلحات بتولد، تمام. فإذا كان المصطلح يولد عند العالم، فمثلاَ البخاري يقول: ثم كتابه الجامع الصحيح المسند المختصر، خلاص، ألفاظ هو قالها وأراد بها دلالات، مش لازم يكون هذا المصطلح موجود من أول عصر الصحابة، لا، مش لازم. لكن الداعي مثلاً، يعني يا شباب في وقت الصحابة كان موجود حاجة اسمها حديث مرسل؟ ما فيش أصلاً داعي، ما فيش حاجة نسميها مرسل، صح ولا لا؟ طب لما وجد تابعي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم طب عايزين نسمي الحالة دي؟ فواحد قال مرسل، لأنه أطلقه، فهمت كده؟ واضح؟ واحد تاني قال منقطع، فهي هكذا تاتي المصطلحات، ماشي.
ولهذا وجدنا بعض أهل العلم أطلق اسم الحسن على ما هو صحيح مما قد خرجه البخاري ومسلم ومما قد تلقته الأمة بالقبول والتصحيح له، وجد ذلك في استعمال الإمام الشافعي رحمه الله والإمام أحمد بن حنبل وغيرهما من أهل العلم. قال ابن حجر: فاما ما وجد في ذلك في عبارة الشافعي ومن قبله بل وفي عبارة أحمد بن حنبل فلم يتبين لي منهم إرادة المعنى الاصطلاحي، والاصطلاحي اللي هو اصطلحوا هو نفسه ابن حجر أو اللي أخذوه عن الطبقة التي قبله اللي هي طبقة المتأخرين. لأن كتب كتب الحديث يا شباب، يعني كتب علوم الحديث، الكتب لابد أن نبدأ بها من فوق اللي هي كتب علوم الحديث، مثلاً كتاب التمييز لمسلم ومقدمة مسلم من أهم ما كتب في علوم الحديث، رسالة أبي داود إلى أهل مكة، علل الترمذي، وانت نازل بقى لحد مثلاً مؤلفات الخطيب البغدادي، وبعدين جاءت نقلة بقى ثانية خالص اللي هي مقدمة ابن الصلاح.
فمقدمة ابن الصلاح بقى دي كل الكتب التي جاءت بعدها بنيت عليها، إما تشرحها أو تنظمها، تجعلها في الشعر، أو يختصروا، أو يستدرك عليه، أو يكتب عليه نكتاً يعني فوائد، زي ابن حجر، واضح كده؟ فابن حجر يتكلم هنا أنهم اصطلحوا على شيء لمصطلح الحسن وجد.
العلماء يطلقونه على شيء آخر، بينما ابن حجر يطلقه على الراوي الثقة خفيف الضبط مع باقي الشروط. وُجِدَ أئمة الهدى يطلقون الحسن على الحديث الصحيح الذي في أعلى درجات الصحة، فهمنا كده؟ فقال لك: يطلقونه على غير المعنى الاصطلاحي. أيوه، هو مين اللي قال هذا الاصطلاح أصلاً؟ من الذي جعل هذا المصطلح يدل على هذا المعنى؟ المفروض أن كان العكس.
هل نحن يا شباب نذكر مصطلحاً ونذكر له دلالة، أم ننظر هؤلاء العلماء ما المصطلحات التي استعملوها وعلى أي شيء أطلقوها؟ هذا هو المفروض، ليس أن أنا أضع اصطلاحاً ومعنى ثم أقول: إنهم استعملوها على غير المعنى الاصطلاحي. أنا أصلاً أطلب ما كانوا عليه، صح ولا لا؟ يعني أنا أريد أن نعرف العلماء هؤلاء، هم علماء الحديث من أول الصحابة إلى مثلاً القرن الثالث الهجري، إلى مثلاً النسائي. الثلاث قرون هؤلاء، المفروض أن الثلاث قرون هؤلاء هكذا، هذا عصر، هذه عصور الرواية والتدوين وعلم الرجال والعلل والاصطلاح وكل شيء. فأنا إذن المفروض أعرف ما الذي كانوا عليه، صح؟ ليس أن أنا أضع ألفاظاً ومعانياً وبعدين أقول: هم قالوها على غير المعنى الاصطلاحي! أنا أصلاً كنت المفروض أطلب ما هم عليه.
لا لا، هو ابن الصلاح كان يحاول قدر الإمكان أن، يعني هو جعل الأحاديث أنواعاً، تمام؟ فاستفاد من الذي قبله واجتهد في هذا. فلما جعلها أنواعاً، جاءت الفكرة بقى عند من بعده، بالذات ابن حجر، أن هو يعمل متناً موجزاً في هذه الأنواع، تمام كده؟ فقال لك: الصحيح. وبدأ بقى يقسم، فكرة التقسيم دي كمان موجودة عند العلماء. فكرة التقاسيم الكثيرة دي: صحيح، المقبول أو الحاجة، يقول لك: متواتر وآحاد، والمتواتر مقطوع بصحته، والآحاد هو الذي منه المقبول والمردود، والمقبول الصحيح.
وقصدي المقبول والمردود والمقبول صحيح وحسن، والصحيح صحيح لذاتي وصحيح لغيره، والحسن حسن لذاتي وحسن لغيره. فكرة التقسيمات الدقيقة والتعريفات هذه لم يكن عليها المتقدمون.
يعني لم يكن عليه، ربما أراد المتأخرون كل واحد منهم يجتهد في تقريب العلم، لكن الذي أريد أنك أنت كما تتعلم هذه الكتب، كمان لابد أن يكون لك نصيب أكبر من كتب الأئمة في كل علم. فهمنا يا شباب؟ هذا بقى الذي سيعطيك الملكة النقدية، أنك أنت تميز بين الأمور. وكلما كان الطالب، يعني في البدايات، أنت تقرأ الكتب التي هي تقرب لك العلم، لكن لا ينبغي أبداً أن تمضي وقتك في هذه الكتب وتضيع الكتب الأصلية في كل باب من الأبواب. خلاف ذلك؛ فإن حكم الشافعية على حديث ابن عمر رضي الله عنهما في استقبال بيت المقدس حال قضاء الحاجة بكونه حسناً، خلاف الاصطلاح، بل هو صحيح متفق على صحته. وكذا قال الشافعي رضي الله تعالى عنه في حديث. الاصطلاح تقول: أصلاً، يعني أنت كيف تصطلح اصطلاحاً لم يكن عليه أولئك؟ أنت المفروض أصلاً تعرف ما الذي قالوه وبعدين تبني عليه.
ماشي، في حديث منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في السهو. وأما أحمد فإنه، يعني لاحظ أن الشافعي يأتي بإسناد، أنا الإسناد هذا يا شباب لوحده منور، يعني يخرج نور. منصور بن المعتمر من أوثق الرواة، وكثير من العلماء فضله على الأعمش نفسه.
وإبراهيم النخعي وعلقمة بن قيس وعبد الله بن مسعود، هذه سلسلة من أصح الروايات وهو سماها حسناً، عادي! فانت تيجي بعد كده تقول: الحسن هو من خف ضبطه! طم هو أطلقه أصلاً على أصح الروايات، عادي، وغيره سماه صحيحاً، وغيره سماه حجة، وغيره سماه ثابتاً، وغيره سماه محفوظاً، وغيره لم يسمه وإنما عمل به، ماشي.
وأما أحمد فإنه سئل فيما حكاه الخلال عن أحاديث نقض الوضوء بمس الذكر فقال: أصح ما فيها حديث أم حبيبة رضي الله تعالى. شباب، هو من أهم من أهم الرواة الذين جمعوا علم أحمد رحمه الله.
وهو من أهم، يعني هو طبعاً لم يدرك أحمد، يعني لم يكن من أصحابه، ولكن جمع علم أصحابه. فأي واحد من الطلاب الذين يريدون أن يجمعوا علم أحمد رحمه الله، سواء في علم الرجال أو العلل أو الحديث أو الفقه، من أهم الرواة أو النوافذ الخلال رحمه الله، أحمد بن محمد بن هارون. نعم، وجه الشاهد هنا في هذه الصفحة، ما فيها حديث أم حبيبة.
وأما أحمد فإنه سئل فيما حكاه الخلال عن أحاديث نقض الوضوء بمس الذكر فقال: أصح ما فيها حديث أم حبيبة رضي الله عنها. كمل. قال: وسئل عن حديث بسرة رضي الله عنها فقال: صحيح. قال الخلال: حدثنا أحمد بن، أصلاً أنه سأل أحمد عن حديث أم حبيبة رضي الله تعالى عنها في مس الذكر فقال: هو حديث حسن. فظاهر هذا أنه لم يقصد المعنى الاصطلاحي؛ لأن الحسن لا يكون أصح من الصحيح، فاهم؟ يعني هو قال: أن هذا أصح، وقال على حديث آخر: حسن، فهمت؟
وقال النسائي في حديث عائشة مرفوعاً: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الغلام حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق؛ قال: ليس في هذا الباب صحيح إلا حديث عائشة فإنه حسن.
وقال ابن دقيق العيد: هو الأصح. شباب، أنك أنت تصف الحالة، يعني تصف الحالة وبعدين تذكر لها كل المصطلحات التي تسمى بها، فهمنا؟ أو تذكر المصطلح وتذكر كل الحالات التي يطلق عليها.
لا، ما فيهوش الحاجات دي أصلاً، الإمام أحمد لم يكن يعلق على الأحاديث نهائياً، بالعكس، كان لا يعجبه ذلك، يعني لا يعجبه ما يفعله أبو عبيد القاسم بن سلام أنه يعلق. الشافعي لما يعلق على الأحاديث، لا، لا يعجبه أبداً أن يكتب أي شيء مع الحديث، وإنما هذا في كتب السؤالات؛ لما يسأله تلميذه فيجيب عليه.
فهمت وجه الشاهد الذي كنت تسأل عنه، أن هو في الأول قال: أصح ما في الباب، وقال في مرة في الموضع الثاني على نفس الحديث: حسن.
وقال ابن دقيق العيد: قولهم: هذا حديث حسن في الأحاديث الصحيحة موجود في كلام المتقدمين. وقال الذهبي: وعليه عبارات المتقدمين، فإنه قد يقولون فيما صحح: هذا حديث حسن. ووجدنا أئمة عليهم رحمة الله يستعملون اسم الحسن على كل ما هو داخل في نطاق الحجة، وإن لم يكن في أعلى درجات القبول. يبقى احنا دلوقتي عندنا: أطلقوا الحسن على أعلى الدرجات أو على المتوسط أو على أدنى الدرجات، كل ده عادي، ماشي.
فقد وصف الحديث الذي يتفرد به الراوي الصدوق، والذي هو من أدنى درجات الثقات، حيث يكون حديثه سالماً من الشذوذ، سالماً من العلة، وصفوه أيضاً بالحسن على أساس أنه حديث صالح للحجه، حديث يصلح لأن يحتج به وأن تبنى عليه الأحكام، وهذا ما يسميه المتأخرون بالحسن لذاته. بل صرح الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله بأن مثل هذه الأحاديث التي وصفت بكونها حساناً ولم يكن رواتها في أعلى درجات القبول، قد وجد في الصحيحين أمثلة لها! أي أن يكون بعض الرواة ممن يصدق عليهم أن ما تفرد به يصير حسناً، قد وجد من هذا أحاديث في الصحيحين. ولا شك أنما خرجه البخاري، أنهما خرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، إلا لأنه قد ترجح لديهما أن هذه الأحاديث قد حفظها هؤلاء الرواة وإن كان هم ليسوا في أعلى درجات الثقات، خلاص.
لكن لما ترجح لديهما أنهم حفظوها وأنها سالمة من الشذوذ والعلة، استجازوا أن يدخلوها في كتاب الصحيح على أساس أن الحسن نوع من أنواع الصحيح؟ لا، هي دي بقى اللي محتاجة تركيز! هو بيقول: على أساس أن الحسن نوع من أنواع الصحيح؟ لا، هم ادخلوها لأنها عندهم صحاح وليست حساناً، ليه؟ لأن لما كان هذا الراوي إذا انفرد حديثه حسن، والبخاري أو مسلم رأيا أن هذا الراوي وافق الثقات، فهذا الحديث صحيح وليس حسناً. بمعنى يا شباب أن البخاري ما عندوش ختمة على الراوي بأن الراوي هذا أحاديثه ينبغي أن تكون حسنة أو ينبغي أن تكون صحيحة، ما عندوش أصلاً ده، وأصلاً هو لم يقل، هو سمى كتابه إيه يا شباب؟ الحديث الجامع الحسن أو الصحيح؟ لا، الجامع الصحيح. فكل ما أدخله فهو صحيح عنده، فلما أنت تشوف
حالة أن في راوي متوسط أو أن البخاري نفسه تكلم في حفظه، ثم أخرج له رواية، فما تجيش تقول: هذا يدل على أن الحسن قد يدخل في الصحيح؛ لا، هذا يدل على أن تلك الرواية بعينها من ذلك الراوي هي عند البخاري صحيحة؛ لأنه رآه أطاب فيها، فلماذا يسميها حسنة؟
يعني لماذا يسميها حسنة وهو تأكد أنها صواب؟ فكما أنه يقبل رواية الراوي المتكلم فيه إذا أصاب ويجعلها صحيحة، فإنه يترك رواية الثقة إن أخطأ فيها. فهمنا مصطلحاته؟
وأطلق أيضا الحسن على الحديث الضعيف، مين بقى يقول؟ ما الذي سيشكل على هذا الكلام؟ أنهم ممكن يخرجوا الراوي هم أنفسهم ضعفوه. طب ده بقى ضعيف، هتقول إيه؟ نفس الشيء؛ لأن هو وجد أصاب في الرواية، فخلاص تبقى الرواية دي صحيحة، الرواية دي صحيحة، فهو صححها؛ لأن يا شباب هو البخاري خرج رواة ولا روايات بس؟ يبقى أنت بتكلم عن الروايات، فبيقول لك هذا حديث صحيح، فأنت ما تجيش تقول له: طب هو صح إزاي؟ صحيح وأنت أصلا تكلمت في حفظ الراوي ده؟ قال لك: يا عم، أنا بقول لك الحديث ده صحيح، ما قلتلكش الراوي ده ثقة، قلت لك حديثه هذا صحيح.
لا هي يعني هي ليست دقيقة؛ لأنه هو يريد أن يقول: إن البخاري حيث خرجه فيراه حسناً، تمام؟ فيدخل في جملة الصحيح، لا، حيث خرجه رآه صحيحاً؛ لأن الراوي أصاب فيه، فلا يبقى معنى لوصفه بالحسن.
خلاص أنت تأكدت، أنت عندك راوي مثلاً يونس؛ يونس بن يزيد الأيلي قد يخطئ عن الزهري، جميل، ده كده حكم عام. فانت وجدت مالكاً وابن عيينة ومعمر والزبيدي والأوزاعي وشعيب وعقيل كلهم وافقوه، ترجع تقول لي لسه الحديث حسن وممكن يكون أصاب أو أخطأ؟ ما خلاص زال هذا الاحتمال، فهمنا كده يا شباب؟
وأطلق أيضاً الحسن على الحديث الضعيف الذي انضمت إليه قرينة أو انضمت إليه رواية أو أكثر، فارتقى بها إلى مصافي الحجة. وهذا الذي يسميه المتأخرون بالحسن لغيره، وهو الذي وجد في كلام الإام الترمذي رحمه الله؛ حيث عرف الحسن الذي استعمله في كتابه الجامع.
وإنما وصف الأئمة هذا الحديث بالححسن؛ لأنه مستحسن فيه معنى ما، وهو أنه حديث صالح للحجة، قد وجد فيه معنى يدعو العلماء إلى الاحتجاج به وإقامة الأحكام عليه. فهذا معنى يستحسن الحديث من أجله، وهو معنى راجع إلى قبول الحديث، وإلى كونه داخلاً في مصاف الحجة ومصاف الأحاديث المقبول.
وأيضاً وجد استعمال المحدثين لكلمة حسن في عكس ذلك تماماً، فقد استعملوا الحسن على الغريب والمنكر، بل وعلى الموضوع من الأحاديث، وذلك راجع أيضاً إلى أمر يستحسنونه في الحديث وإن لم يكن راجعاً إلى قبوله، بل هو راجع إلى رده وعدم الاعتداد به.
فالمعنى الذي استحسنوه في الغرائب والمناكير، هو أن علماء الأحاديث رحمهم الله وأيضاً عامة رواة الحديث، كانوا إذا سمعوا الحديث الغريب الذي لا يجدونه عند سائر الرواة، كانوا يستحسنون سماعه؛ لما فيه من غرابة ربما ينتفع بها عامة رواة الحديث، وينتفع بها خاصة أئمة الحديث أيضاً.
فأما عامة رواة الحديث، فإنما كانوا يستحسنون مثل هذه الأحاديث الغرائب ليتنذر بها على أقرانهم، وليغربوا بها على أقرانهم. وهذا معروف، فقد كان عامة رواة الغرائب من الأحاديث لهذه العلة، فكان الواحد منهم إذا ما طرق سمعه حديث غريب، سارع إلى روايته وسارع إلى إخراجه؛ حتى يظهر للناس أن عنده ما ليس عندهم.
طبعا هذا لم يكن عند العلماء الكبار قط، العلماء الكبار كانوا يستمعون هذه الغرائب لينكروروها، لينكروها وليعرفوها ويميزوها. إنما هو يتكلم هنا عن الرواة العاديين، اللي هو رواة مثلاً عاديين في مجلس، فواحد يخرج أشياء ليست عند غيره. إنما العلماء الكبار لم يكن لم يكن عندهم هذا الاستكثار وهذا التباهي، وإنما كان عندهم معرفة العجائب والغرائب؛ لماذا؟ للانكار وللاستدلال بها على ضعف الراوي، كما جاء في مقدمة صحيح مسلم.
الذي سيذكره الشيخ ليس مطابقاً للنتيجة التي يريد أن يستدل لها، ويريد أن يقول إن رواة الحديث يفعلون ذلك، بينما المثال الذي سيذكره ليس عن رواية حديث، وإنما هو لشخص ضعيف كان يحضر أيوب السختياني ولم يوفق أيوب السختياني، وراح يسمع لعمرو بن عبيد المعتزلي، فاهم كده؟ وقال له: إنه يأتينا بأحاديث غرائب.
ماشي. وكذلك جاء في العلل الذي هو في آخر الجامع للترمذي، أن الإمام أيوب السختياني عليه رحمه الله افتقد رجلاً من أصحابه، فسأل عنه فقيل له: إنه جالس هذا الرجل -يقصدون عمرو بن عبيد المعتزلي المبتدع-. ثم دارت الأيام، فإذا بالامام أيوب السختياني يرى هذا الرجل مرة من المرات في السوق أو في الطريق، فناداه وقال له: لعلك جالست هذا الرجل؟ يعني عمرو بن عبيد، لأنه انصرف عن مجلسه ليه؟
لانه هو طبيعي، إذا هو جالس مبتدعاً -أنت عارف أن الإنسان لما يشرب مياه البرك وتتعود عليها وبعدين يشرب مياه زمزم لا يستسيغ مياه زمزم، فهمت كده؟- فهو عرف أول ما رأى تركه. أيوب، أيوب يعني إمام أهل البصرة، زي ما قلت لك، الإمام مالك ما كانش بيروي عن أهل العراق، روى عن أيوب في أكثر من كده.
فهو تركه بقى وراح، فقال له: انت لعلك جالست عمرو بن عبيد؟ الطبيعي، سلمها: هتدرس لعمرو بن عبيد، تجلس لعمرو بن عبيد مش هتجيلي؟ فقال: إنه يجيئنا بأحاديث غرائب، يعني بيقول لنا أحاديث ما فيش حد فيكم يقولها. قال له: طب ما هي دي مصيبة، أنت فاكر دي ميزة؟
فقال له أيوب السختياني: إنما نفرق أو نخاف، نفرق، نفرق، أو نخاف من هذه الغرائب.
شيخنا، يعني ممكن يكون مثل ما قلت الباحه أنه ممكن العلماء الكبار يتابعوا هذه الأحاديث، ليس مثلاً يتوصل إلى الحديث إلى النبي صلى الله...؟
لا لا، مش ممكن، هم هم كانوا يفعلون ذلك حتى يتحمل الخطا.
لا لا وحتى لا سياتي معنا قصة ليحيى بن معين أن الإمام أحمد وجده في زاوية في صنعاء يكتب حديث أبان عن، عن يكتب أبان حديث أبان بن أبي عياش عن أنس، فهو قال له: أنت تكتب صحيفة أبان عن أنس، وأنت عارف أن كلها موضوعة؟ فقال: إنما أكتبها حتى لا يأتي آت فيجعل مكان أبان ثابتاً، ثابت البناني، فأقول له: كذبت، هذه أحاديث أبان.
فهو كان معروف أن الناقد دائرة شباب الاستماع أوسع، فأراد أن يعرف الرواة حتى يعرف ضعفه وحتى ينكر هذه الروايات، ده لازم، هو كيف يكتشف الخطا هذا الأمر ما كان خطر على...
نعم.
لا هو هو ده المستغرب عندي، المستغرب أن الإمام أحمد نفسه كان يفعل ذلك، فلماذا استغرب؟ هو ده الأمر المشكلة عندي، لكن القصة ثابتة، لكن كان في شيء معين جعل الإمام أحمد يستغرب، لكن هو الإمام أحمد نفسه كان يفعل ذلك، كان يعني يكتب أحاديث الضعفاء حتى يعرف ضعفهم وحتى يحذر منها، ممكن يمنع مع التدليس.
نعم، غير من التدليس مع الوقت يعني.
أيوه طبعا، عشان ما يجيش واحد يقول له: ده ده فيه أحاديث عن ثابت أنتم لا تعرفوها، قال له: لا، ده لا في الأصل حديث أبان، وإنما بعض الرواة أخطأ وجعل أبان، طبعا أبان متروك وثابت ثقة ثبت.
ممكن، لا هو طبعا يعرفه صديقه، لكن ممكن يكون زيادة علمي، اتفضل.
فانظر إلى هذا العامي من رواة الحديث، إنما آثر السماع من عمرو بن عبيد المبتدع، هذا العامي، يبقى ما تجيش تقول لي بقى كان رواة الحديث بيعملوا كده، لا، دول العوام، إنما رواة الحديث ما كانوا يفعلون ذلك، أما أنه يطلب أحاديث الثقات أو يطلب هذه الأحاديث لينكرها، لا ليتندر بها، الذي يتندر بالاحاديث هذا ليس عالماً أصلاً، ماشي.
آثر السماع من عمرو؛ لأن الإنسان يا شباب المليان مش محتاج مكياج، أنا كنت أقول دائماً: الإنسان يحتاج إلى التصنع والتكلف بقدر نقصه، إنما المليان مش محتاج، مش محتاج يعمل أشياء ليبهر الناس؛ لأن هو أصلا مليان، إنما الفاضي ممكن تلاقيه يذكر لك مصادر كثيرة جداً عشان يبهرك؛ ليه؟ لأنه عارف أنه ليس عنده هذا العلم، فبيحاول يجيب مكسبات طعم من أشياء أخرى، اتفضل.
على أيوب زي الراجل اللي هو شاف عالم من علماء اللغة، فكان ابنه يتوضأ فقال ابنه: ابدأ بيداك ورجلاك. فالشاهد العالم قال له: سبحان الله، هذا الكلام قل أهله؟ يعني عايز يقول له: إن إيه، أنا وانت بس اللي بنعرف نتكلم كده؟ فالراجل قال له: هذا كلام لم يخلق الله له أهلاً أصلاً. يعني بيقول لابنه: ابدأ بيداك ورجليك، يعني عايز إيه؟ يتشبع بما لم يعطَ.
وذلك لما وجد عند هذا المبتدع من أحاديث غرائب، وهو كان كغيره مولعاً بسماع الغرائب من الأحاديث؛ فهكذا كان موقفه، هذا العامي كان يقبل على سماع الغرائب من الأحاديث ليغرب بها على أقرانه، ويتندر بها على أقرانه. وأيضاً نجد في كلام الرجل أن هو يريد أن يتندر ولا يغرب هو فقط، يعني إيه؟ أعجبته هذه الطريقة، واضح ليه؟ لأنه ليس من أهل العلم؛ فهو يبحث عن الشيء الغريب، وليس على الشيء، لا يبحث عن الثقة في الكلام، وإنما يبحث عن الغرابة.
إنما غيره يعرف أن أيوب من أهل الورع والإيمان والصدق والاحتياط في الرواية، فلذلك يسمع منه،، إنما الثاني ينظر للحكايات الجميلة، يقول له: كان فيه أسد وطالع له ثلاث دماغات، ثلاث رؤوس! أقولك: الله، دي قصة جميلة، فاهم؟ تفضل.
يعني كما يفعلون كثير من الموضوعات، يجيب أشياء غريبة؛ يعني يقول لك مثلاً: في القبر ستجلس وحدك والمكان ضلمة وفيه وجسمك سيأكل الدود. قلت له: هي دي المشكلة في عذاب القبر؟ المشكلة في القبر أنك هتكون قاعد لوحدك؟ قلت له: لا يا حبيبي، ده في حاجة اسمها عذاب. فهو يعظ الناس بغير الوحي، فهمت كده؟ ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: 45]، ما تألفش، ما تخترعش طرق للانذار.
ما تجيش تقول، يعني يكون الله سبحانه وتعالى خوفنا بشيء، فتقوم أنت تذكر شيئاً آخر تخوفنا به؛ لا، اللي ربنا خوفنا به تخوفنا به، ماشي.
وأيضاً نجد خواص الأئمة كانوا يقبلون على سماع الغرائب، ولكن كان لهم قصد آخر؛ كانوا يكبرون حتى يعرفوها، يعتبروها، يحذروا الناس منها، ويقدحوا في رواتها. فإن الأئمة عليهم رحمة الله كانوا يسمعون الأحاديث الصحيحة والأحاديث الغريبه والأحاديث المنكرة من كل أحد، حتى يتمكن بعد ذلك من دراسة هذه الروايات ومعرفة صحيحها ومستقيمها، ومعرفة الرواة الذين رووها، فيتبين لهم أن هذا الراوي ممن يغلب الكثير، أو ممن يروي المناكير، فيكون ذلك دليلاً لهم إذا ما سئلوا عن حال الراوي، فيقولون مثلاً: إنه يكثر الغرائب، أو يكثر الإغراب، أو يغلب كثيراً، أو إنه منكر الحديث، أو أحاديثه مناكير، بحسب ما تبين لهم.
فتكون هذه مادة لهم يعتمدون عليها في الكلام في الرواة الجرح والتعديل، وكذلك ليحذر الناس من مثل الأحاديث الغرائب والمناكير ومن رواتها. دخل الإمام أحمد بن حنبل عليه رحمه الله على يحيى بن معين وهما بصنعاء، فوجد الإمام أحمد بن معين معه نسخة أو كتاب يكتب منه، فقال له: يا أبا زكريا، ما هذا الذي بيدك؟ قال: هذه صحيفة معمر عن أبان بن أبي عياش عن أنس. فقال: تكتب صحيفة أبان وتعلم أنها موضوعة؟ وتعجب منه. فقال له: نعم يا أبا عبد الله، أكتب صحيفة أبان وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء كذاب فيرويها عن معمر عن ثابت عن أنس، فأقول له: كذبت، إنما هي أحاديث أبان وليست هي أحاديث ثابت.
انظر إلى فقه هذا الإمام، كيف أنه يكتب الأحاديث الغرائب والأحاديث المخترقة، المفلوقة، حتى يعرفوها وحتى يعتبروها، فاذا ما حاول أحد الكذابين أن يقرب إسنادها لكي يجعله إسناداً صحيحاً، فاذا بهذا الإمام يعرف مصدر هذه الأحاديث ومخرج هذه الأحاديث، ويتبين له من ذلك صدق الصادق وكذب الكاذب.
ومن ذلك قوله وكيع: قلت لشعبه: مالك تركت فلاناً وفلاناً ورويت عن جابر الجعفي؟ قال: روى أشياء لم نصبر عنها، يعني لم يصبر على السكوت عنها ورأى أنه لابد من بيانها وتحذير الناس منها. وقال محمد بن رافع: رايت أحمد بن حنبل في مجلس يزيد بن هارون ومعه كتاب زهير عن جابر، وهو يكتب: جابر بن يزيد الجعفي. فقال: يا أبا عبد الله، تنهوننا عن حديث جابر وتكتبونه؟ قال: نعرفه، يعني نعرف أنه من حديثه حتى ننكره، حتى يكون عندنا مادة نشهد بها على كذب هذا الراوي أو خطاه.
يبقى تلاحظ يا شباب أن الناقد نيته من الاستماع للأحاديث بخلاف الراوي؛ الراوي يريد أن يروي ويتحمل ويؤدي، إنما الناقد إما يستمع الحديث ليجعله حجة، وإما يستمع الحديث ليستشهد به، وإما يسمعه لينكره وليحذر منه.
يعتبرونها، لازم يختبروها. ازاي يعني؟ لا، اسمها يعتبروها، الاعتبار له ثلاث معاني؛ إما الاعتبار جمع الطرق عند المحدثين، إما يقصد بالاعتبار جمع الطرق، أو الاعتبار التقوية، أو الاعتبار التحذير والإنكار، فيعتبرونها يعني ينكرونها.
واذا قال الإمام ابن حبان في المجروحين: وأما شعبه وغيره... اللي هو إيه الاعتبار؟ لا، الاعتبار لا يأتي بمعنى الاحتجاج. لا، بقول لك: الناقد يستمع الرواية إما ليحتج بها وإما ليستشهد وإما لينكر، تمام. إنما هو بيسألني هنا خليل عن كلمة الاعتبار: الاعتبار فلان يعتبر به، يعني يستشهد به، تمام. إنما لما نقول إن العلماء يعتبرون رواية، ما معنى يعتبرون؟ إما أنهم يجمعوا طرق هذه الرواية -معنى الاعتبار- أو يستشهدون بها، يعني يقوي بعض الروايات ببعض، أو الاعتبار يكون بمعنى الإنكار، لم يأتِ الاعتبار بمعنى أنه يعتبر بالراوي، يعني يحتج به.
الاحتجاج بالرواية اللغوي، آه، ده لما يكون إحنا بنقول إن الناقد لما بيروي عن راوي قد يقصد الاحتجاج وقد يقصد الاستشهاد وقد يقصد الإنكار أنه يعرف يميز حديثه هو الصحيح من الضعيف. إنما الاعتبار ده لفظ الاعتبار في لسان العلماء يأتي بهذه الإطلاقات، تفضل.
ولأجل هذا لما وردت، فإنهم رأوا عنده، عند جابر الجعفي أشياء لم يصبروا عنها وكتبوها ليعرفوها، فربما ذكر أحدهما عنه الشيء بعد الشيء على جهة التعجب فتداولوها. كلمة التعجب يعني الإنكار.
ولأجل هذا لما وردت مثل هذه العبارات في كلام بعض السلف، فسرها الإمام الخطيب البغدادي عليه رحمه الله بنحو هذا. فلقد روي عن الإمام إبراهيم بن يزيد النخعي عليه رحمه الله أنه قال: كانوا يكرهون إذا اجتمعوا أن يخرج الرجل أحسن حديثه، أو قال: احسن ما عنده.
فإنكم إذا ما سمعتم هذه الكلمة تستعجبون! فأنتم إذا سمعتموها تستعجبون: كيف يكرهون أن يروي الراوي الأحاديث الحسان التي هي أحسن ما عنده؟ لابد أو أنه أراد بالحسن هاهنا معنى غير راجع إلى قبول الحديث، معنى راجعاً إلى رده وعدم الاعتداد به. ولذا علق على ذلك الخطيب البغدادي عليه رحمه الله في كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآاداب السامع قال: عنى إبراهيم بالحسن الغريبة؛ لأن الغريب غير المألوف يستحسن أكثر من المشهور المعروف، وأصحاب الحديث يعبرون عن المناكير بهذه العبارة.
فقد صرح الإمام الخطيب البغدادي عليه رحمه الله أن أصحاب الحديث يعبرون عن المناكير بعبارة الحسن، وأن ذلك راجع إلى أنهم يستحسنون سماع الغرائب والمناكير أكثر من استحسانهم لسماع المشهور. يقصد عشان يعني يعرفون أنها منكرة وينكرها ويكون عنده دليل وشاهد على خطأ الراوي فيها، وليس يستحسنون أن المنكر لا يمكن أن يستحسن لذاته، وإنما يستحسن لغيره؛ لأن المنكر أصلاً ليس حسناً، وإنما يستحسن لأمر حسن يتعلق به، وهو أن تحذر منه.
وعلة هذا أن المشهور كل الناس يعرفه، فهمهم في سماعه تكون ضعيفة، بخلاف الغريب الذي لا يعرفه إلا القليل؛ فإن دوافع مجتمعة على صناعته وعلى روايته لما اشتمل عليه من معنى أن يستحسن به، وهو كونه غريباً، يدعوهم إلى سماعه وإلى روايته، لما ذكرناه عنه.
طبعا هذا عند الرواة قليل العلم، أما الرواة الثقات لا يبحثون عن الغرائب، بالعكس، يفرون من هذه الغرائب، كما ذكرت قول أيوب: إنما نفر، وفي رواية: نفر من هذه الغرائب. كان يتتبع هذه الغرائب الغريب هو الذي يتتبع الغريب، إنما الراوي الثقة لا يبحث عن الغرائب أبداً ولا يطلبها ولا ينشرها بين الناس، واضح، وإنما ينشر، لذلك أبو داود افتخر بأن أحاديثه مشاهير معروفة متداوله، فهو الإطلاق ده هو اللي.
أنا عندي في نقد كبير، يعني أن فكرة أنهم كانوا يستحسنون الغرائب، يعني تأتي هممهم في... لا، هذا لم يكن عند الرواة. الراوي الذي يريد أن يقبل حديثه لم يكن يعتني بسماع الغرائب إلا لعله واحدة فقط، أن يعرفها وأن ينكرها فقط. إنما بعض الرواة العاديين بقى ممكن يتندر بها على أصحابه، فهذا لا يُنسب لا لأهل الحديث ولا للعلماء الثقات أصلاً.
أشار إلى هذا المعنى فيما رواه عنه الإمام الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية حيث قال: إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون هذا حديث غريب أو فائدة فاعلم أنه خطأ أو غلط من المحدث أو حديثاً ليس له إسناد أو دخل حديث في حديث، ولو كان قد روى شعبة وسفيان. وإذا سمعتَهم يقولون هذا حديث لا شيء فاعلم أنه صحيح.
قوله لا شيء لا يقصد به المعنى المصطلح عليه عند المحدثين في قولهم في بعض الرواة أو بعض الرواة هذا لا شيء أو ليس بشيء. لا يفسد هذا المعنى، وإنما يشير إلى المعنى الذي أشار إليه الخطيب البغدادي عليه رحمة الله من أن المحدثين إذا أُلقي عليهم حديثاً هم يعرفونه، حديث مشهور متداول، فإنهم لا يذهبون في سماعه ولا توجد لهم همة في ذلك، بخلاف ما إذا عُرض عليهم حديثاً غريباً، حديثاً غير معروف، غير مشهور، فإنهم يُقْبِلُونَ على سماعه لما اشْتَمَلَ عليه من غرابة.
فإن هذا معنى قد وجد في الرواية جعلهم يستحسنون صنعها وروايتها. يعني كما قلت لك أن هذا المعنى يحتاج ضبط ودقة؛ إني ليس هناك عالم من علماء الحديث كان يتعمد ويففرح ويسعى لسماع الغرائب لمجرد التندر أو لمجرد أنها غريبة، بالعكس، كان إذا علم أن الحديث غريب لم يقله وخشي أن يقوله. تمام، إنما كان عدد من النقاد يعتني بسماع الغرائب أو السماع من الضعفاء ليميز هذا وليكون عدة له في الحكم عليه، أو يكون الراوي لم يتبين أن هذا غريب واضح لكن يعرف أنه غريب ومنكر ثم يجتهد فيه أكثر مما يجتهد في الصحيح، هذا ليس موجوداً.
هي دي المشكلة، فاهم؟ بالعكس، هو إذا سمع حديثاً صحيحاً يعرفه من وجه آخر كان يففرح به، بل كان يسافر ليسمع رواية عن مثلاً حماد بن سلمة، وهو سمعها عن أحد عشر شخصاً عن حماد، فيريد أن يسمعها عن الشخص الثاني عشر والثالث عشر، فهمت؟ ثم إن الإمام الخطيب البغدادي رحمه الله بعد أن قال ما قال ذكر مثالاً من كلام أهل العلم يوضح هذا الأمر ويبينه؛ فروي عن أمية بن خالد أنه قال: قيل لشعبة بن الحجاج مالك لا تروي عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزني وهو حسن الحديث؟ فقال الإمام شعبة عليه رحمة الله: من حسنها فررت.
وليس من شك أن الأحاديث الحسنة من حيث الاصطلاح مقبولة، لا يمكن أن يفر منها شعبة، فعرفنا أنه ما قصد من الحسن ههنا إلا الغرائب والمناكير. وهذه الكلمة المروية عن الإمام إبراهيم النخعي قد ساقها الإمام أبو داود في رسالته إلى أهل مكة بمكة بلفظ: كانوا يكرهون الغريب من الحديث. فإن كان قوله: كانوا يكرهون الغريب من الحديث هو نسب رسم النخعي فهذا أفضل ما يفسر به كلام الإمام، فإنه إذا عبر عن معنى ما واستعمل في بيان هذا المعنى ألفاظاً مرة في موضع قال لفظاً ومرة قال لفظاً آخر، فإن الأفضل مجمل يشرحه ويعرف معناه باللفظ الآخر المبين، فيكون الإمام النخعي حيث قال في موضع: يكرهون أن يخرج الرجل أحسن ما عنده أي الغريبة كما جاء عنه في الرواية الأخرى.
وإن كان قوله الغريب هو من تصرف أبي داود فهذا لاحظ أن الكلام هنا صار فيه شيء من التعارض؛ أن هو بيقول لما بيجتمعوا يكرهون أن يخرج الرجل أحسن ما عنده، كيف يجتمع هذا مع أن المنكر الهمم بتروح له؟ لا لا، أقصد أقول إن ده يؤكد أن فيه نقد في العبارة التي قالها الشيخ أن هو بيقول لك إن هم لما بيسمعوا روايات الحديثة لما بيسمعوا حديث عارفينه ومشهور ومتداول هممهم لا يعني تسبق إليه. بينما هي العبارة أصلاً بيقول: كانوا إذا اجتمعوا يكرهون أن يخرج الرجل أحسن حديثه أو المنكرات أو الغرائب. فكيف يكون هذا مستحسناً فهمت يا شباب؟
ففيّ لا يصح أبداً أن احنا نجعل قاعدة عامة من أمثلة جزئية، هؤلاء الذين كانوا يطلبون الغرائب كانوا أصلاً ضعفاء ولم يعني كان عندهم أغراض من الحديث ليست كأغراض العلماء أو المحدثين، فالعلماء إما راوي ثقة أو ناقد. الراوي الثقة كان يبحث عن الثقات الحفاظ والروايات المشهورة المتداولة حتى تكون عنده وحتى تقبل روايته، وأما ناقد يطلب الغرائب لينكرها. إنما يوجد راوي ثقة يطلب الغرائب وتذهب همته لها؟ هذا لا يكون أصلاً، ده واحد بيضيع عمره! أنت إيه فائدة انك تروح وترحل وتكتب غرائب ولن يقبلها الناس عنك ولن يُبنى عليها أحكام، ما فائدتها؟ فاهم؟
وإن كان قوله الغريب هو من تصرف أبي داود فهذا يدل على أن الإمام أبا داود عليه رحمة الله يفهم أن الحسن والغريب بمعنًى واحد. أصلاً أبو داود قال هذه العبارة في سياق أن أحاديثه مشاهير متداولة بين الفقهاء والمحدثين، فافتخر قال باللفظ: فأحاديث هذا الكتاب مشاهير، والفخر بها أنها مشاهير، يعني انك بتسمع الأحاديث متداولة موجودة في كلام الشافعي في كلام أحمد وفي كلام مالك موجودة متداولة، فاهم كده؟ مش جبت لك أنا حديث غريب جداً ما حدش قالده، لا ده حديث متداولة ومعروفة جبتها لك بأسانيد.
ماشي، وكذلك الإمام الرامهرمزي ذكر مقالة النخعي هذه بلفظ: أحسن ما عنده، في كتاب المحدث الفاصل في باب من كره أن يروي أحسن ما عنده، فقد صدر الباب بهذا العنوان في المسافة. كلمة النخعي هذه مع كلمات أخرى مأثورة عن السلف الصالح عليهم رحمة الله كلها تدل على ذم رواية المناكير، كلها تدل على ماذا؟ على ذم رواية المناكير والغرائب واستحباب رواية الأحاديث المشهورة.
طب ما هو ده ذم، يذم الإنسان يا شباب أن يخرج أمراً غريباً ليس له فيه إمام ولم يأخذه من ثقة، هذا يذم لا يحمد، ليس هناك أي حمد في ذكر الرأي المذموم إلا لإنكاره تمام كده؟ فكيف يطلب هذا الأمر أو يفرح به أو تسبق إليه الهمة إلا لإنكاره؟ إنما واحد يجيبه ليتندر به على أصحابه، يتندر بشيء أهداء، وبيتندر بشيء لا يتندر به أصلاً ماشي.
فهذا يدل على أن الرامهرمزي فهم من كلمة إبراهيم النخعي أنه يقصد بالحسن ههنا الغريب والمنكر لا الحسن الاصطلاحي الذي هو من قسم المقبول. والأمثلة على هذا كثيرة موجودة في كتب أهل العلم، فينبغي لطالب العلم أن يتفهم هذا وأن يعرف أن علماء الحديث رحمه الله قد يطلقون الحسن على إرادة الغرائب والمناكير.
وأما إطلاقهم للحسن على الأحاديث الموضوعة المكذوبة فهو أيضاً راجع إلى معنى يستحسنونه في الحديث، وإن كان هذا المعنى قد يوجد أحياناً في الأحاديث الصحيحة وقد يوجد أحياناً في الأحاديث الضعيفة بل وفي الموضوعات أيضاً، إلا أنهم حيث وصفوا الحديث بالحسن وأرادوا هذا المعنى لم يقصدوا الحكم على الحديث. فلما وجدناها أطلقوا الحسن على الأحاديث الموضوعة التي اشتملت على هذا المعنى الحسن عرفنا أنهم حيث أطلقوا الحسن على مثل هذه الأحاديث وأرادوا مثل هذا المعنى لم يكونوا قاصدين للحكم على الحديث بأنه صحيح أو بأنه ضعيف، بل هذا معنى لا علاقة له بصحة الحديث أو بضَعْفِهِ.
وهذا المعنى هو أن يكون الحسن الذي أرادوه من الرواية راجعاً إلى شيء لطيف اشتمل عليه الإسناد أو معنى رائق مليح اشتمل عليه. وهذا المعنى الحسن أو الألفاظ الجيدة التي قد توجد في المتون ليست للضرورة أن تكون الأحاديث التي اشتملت عليها صحيحة، كما أنه ليست للضرورة أن تكون ضعيفة، بل قد توجد الألفاظ الحسنة والعبارات الرائعة في الروايات الصحيحة وأيضاً في الروايات الضعيفة، فالإمام حيث يصف الحديث بالحسن ويقصد به حسن المعنى أو حسن اللفظ فإن هذا المعنى الذي استُحْسِن الحديث من أجله لا
علاقة له بثبوت حديث أو وضعته، وإنما نعرف صحة الحديث من ضعفه بأدلة أخرى راجعة إلى النظر في الرواية والنظر في رواتها. يعني أضرب لك مثال يا شباب عشان تفهم الفكرة دي؛ مثلاً أنا لما كنت ببحث أن العلماء قالوا في شعبة إنه ثقة ثبت، ولكنه يخطئ في أسماء الرواة، فهذا القدر كان محكم عندي، تمام؟ فأنَا بدرس روايات من كتاب علل الدارقطني، وقفت على مجموعة أخطاء لشعبة في الرواة، ففرحت بها كثيراً، هذا الفرح ما سببه؟ أن أنا عرفت لماذا العلماء حكموا عليه، أنا كنت مستغرب.
يعني أكثر من ست نقاد كبار قالوا نفس الكلمة باللفظ: شعبة ثقة لكنه يخطئ في أسماء الرواة، فانا ما كانش عندي ولا مثال لهذا الأمر، فلما قرات كتب العلل جمعت أمثلة حوالي ثلاثة أو أربعة، فالفرَح هنا ليس بالخطأ، وإنما الفرح لمعنى آخر. يعني ماذا؟ أنا استحسنت هذا مع أنه خطأ، أن أنا عرفت أن العلماء ما قالوا إلا بعلم، فهمت كده يا شباب؟ فالإنسان قد يستحسن الشيء ليس لثبوته ولكن لمعنى آخر.
فإن هذا المعنى الذي يستحسن الحديث من أجله لا علاقة له بثبوت الحديث أو ضعفه، وإنما نعرف صحة الحديث من ضعفه بأدلة أخرى رجعتني إلى النظر في الرواية، النظر في رواياتها. وكذلك قد يستحسنون الإسناد لاجتماعه على لطيفة من لطائف الأسانيد؛ كأن يكون مشتملاً على رواية الأقران بعضهم عن بعض، أو رواية الاكابر عن الاصاغر. الأكابر عن الأصاغر مثلاً صالح بن كيسان أكبر سناً من الزهري، ساعات يروي عن الزهري، فده شيء حسن؛ أو رواية الوالد عن ولده برضه شيء حسن، فهمت كده؟ بيسموها رواية الأكابر عن الأصاغر أو الوالد عن ابنه، فده شيء مستحسن، مع أن الرواية ممكن تكون ضعيفة، أو يكون من المدبج، والمدبج أن يروي أحد القرينين كل عن الآخر، كما هو معروف من كتب علوم الحديث.
المدبج اللي هو يعني أن كل قرين يروي عن الآخر، مثلاً شعبة وسفيان الثوري، شعبة روى عن سفيان، وسفيان روى عن شعبة، اللي هو بيقول عنه البيقوني: وما روى كل قرين عن أخيه مدبج فاعرفوا حقاً وانتخه. يعني ده شيء يعني لطيف في الإسناد، يعني فهذه المعاني كلها مما معاني يستحسن الحديث من أجلها، وهي ليست متعلقة بصحه الحديث أو بضعفه.
فمثال ما وصفه أهل العلم بأنه حسناً وأرادوا به حسن معنىً أو حسن الألفاظ التي اشتمل عليها المتن؛ فرواه الإمام ابن عبد البر في كتاب جامع بيان العلم وفضله من حديث معاذ بن جبل بإسناد ضعيف جداً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تعلموا القرآن فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة»، حديث طويل اشتمل على معان حسنة وعلى ألفاظ رائقة جزلة جيدة، فإذا بالإمام ابن عبد البر رحمه الله يعلق عليه قائلاً: هذا حديث حسن جداً، ولكن ليس له إسناد قوي.
الناظر في كلمة ابن عبد البر هذه قد يتوهم أنها كلمة متعارضة متناقضة: كيف يصفه بأنه حسن جداً، ثم يقول ليس له إسناد قوي؟ ولكن قد بين ذلك الإمام العراقي عليه رحمه الله حيث قال: أراد يعني ابن عبد البر بالحسن حسن اللفظ قطعاً، فانه من رواية موسى بن محمد البلقتي عن عبد الرحيم بن زيد العمي، والبلقتي هذا كذاب، كذبه أبو زرعة وأبو حاتم، ونسبه ابن حبان والعقيلي إلى وضع الحديث، والظاهر أن هذا الحديث مما صنعت يداه. عبد الرحيم بن زيد العمي هو متروك الحديث أيضاً.
فعرفنا من ذلك أنه ما قصد بقوله حسن جداً إلا حسن اللفظ وحسن المعنى الذي اشتمل عليه ذلك المتن، وإن كان الحديث ضعيفاً من حيث إسناده، وإنما استحسن الإمام من الحديث فقط لفظه وهو معناه، وقد وجد ذلك في استعمال ابن عبد البر وغيره من أهل العلم، حتى إنه في كتاب التمهيد له ذكر حديثاً يروى بالتمهيد -التمهيد من أهم شروح الموطأ، وكذلك من أهم الكتب في علوم الحديث والحكم على الرواة والروايات، يعني كتاب التمهيد ابن عبد البر له كتب على الموطأ منها كتاب الاستذكار وكتاب التمهيد، وكلاهما مهم-.
طبعا كتاب التمهيد رتبه على الأسانيد، يعني خالف ترتيب الإمام مالك في الكتاب، وإنما رتب الحديث على شيوخ مالك. ذكر حديثاً يرويه بعض الضعفاء عن مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولفظه: من قال في يوم مئة مرة: لا إله إلا الله الحق المبين، حديثاً طويلاً. ثم قال الإمام ابن عبد البر معلقاً: هذا الحديث لا يرويه عن مالك من يوثق به، وهو لا يعرف من حديثه -هو منكر- ثم قال: وهو حديث حسن ترجو بركته إن شاء الله تعالى.
فنحن نفهم أنه إنما أراد بالحسن هاهنا حسن اللفظ فقط، دون حسن الرواية الذي يكون راجعاً إلى ثبوتها. من ذلك أن الإمام الذهبي رحمه الله ساق في كتاب سير أعلام النبلاء في ترجمة عباس الدوري عن الأصم أنه قال: لم أر في مشايخي أحسن حديثاً منه. فبين الإمام الذهبي مراده من قوله أحسن، فقال: يحتمل أنه أراد بحسن الحديث الإتقان، أو أنه يتتبع المتون المليحة فيرويها، أو أنه أراد علو الإسناد، أو نظافة الإسناد، وتركه رواية الشاذ والمنكر والمنسوخ ونحو ذلك.
فهذه أمور تقتضي للمحدث إذا لازمها أن يققال: ما أحسن حديثه. فقوله: يحتمل أنه أراد بحسن الحديث الإتقان، فهذا أمر وارد، أو أنه يتتبع المتون المليحة فيرويها، وهذا أيضا أمر وارد، أو أنه أراد علو الإسناد، فلا شك أن الإسناد العالي أحسن من الإسناد النازل، أو نظافة الإسناد، فلا شك أن الإسناد إذا كان نظيفاً من الرواة الضعفاء فهذا معنى يستحسن الحديث من أجله، وهذا مما لا شك فيه لأن الحديث الصحيح حديث حسن.
قال: والمنسوخ يعني يترك رواية الحديث المنسوخ، فالحديث المنسوخ بطبيعة الحال حديث قد وجد فيه معنى يجعل الراوي لا يقبل على سمعه ولا يستحسن سماعه، بخلاف ما إذا كان الحديث محكماً غير منسوخ، فهذه كلها معان يستحسن الحديث من أجلها. قال: فهذه أمور تقتضي للمحدث إذا لازمها أن يقال: ما أحسن حديثه.
إذا عرفنا من ذلك -كما تلاحظ أن الشيخ طارق، أنا قلت لكم من أهم المميزات في هذا الكتاب أنه إذا كان البحث أو المسألة لها أثر في الواقع العملي فانه سيطيل فيها، لذلك أنت رايت الآن هو أطال أولاً في فكرة المصطلحات في أول الكتاب لأن لها أثر مهم، وهنا في الحديث الحسن، وسياتي أيضا في الحديث المنكر سيطيل فيه- فكل مساله هو يتوسع فيها. وأنا في رأيي أن هذه الجهة هي التي تميز فيها عن كتاب عبد الله بن يوسف الجديعي، طبعا عبد الله بن يوسف الجديعي كتب كتابه بعد هذا الكتاب، أو على الأقل وصلني كتابه بعد هذا الكتاب، وهو تحرير علوم الحديث.
الفرق بين الاثنين: الكتاب الثاني أقوى وأوسع وأشمل وأرسخ من ناحية أنه يبدأ من المتقدمين، يعني هو من ناحية المصادر التي رجع إليها أفضل من هذا الكتاب بكثير جداً من جهة أنه لما يبدأ في أي مسألة يحاول قدر الإمكان أن يأتي بكلام أحمد وابن معين وشعبه وغيره. بس في ميزة بقى في رأيي هي أجمل ميزة في هذا الكتاب عن الكتاب الآخر، أن الشيخ طارق في أي بحث له أثر عملي يتوسع فيه بما يعين الطالب على الناحيه العمليه.
فده عمله فين بقى؟ في فكرة المصطلحات، فكرة الحديث الحسن، وفكرة الحديث المنكر، وكمان الحديث حتى يكون على شرط البخاري ومسلم لابد أن تتوفر فيه، ده من أجمل المواضع في هذا الكتاب أبدع فيه الشيخ، ليه بقى؟ لأن بعض الناس يتسرع فيجعل مجرد مجرد وجود الرواة الذين روى لهم البخاري ومسلم، مجرد وجودهم في الحديث يجعل الحديث على شرطه.
البخاري ومسلم هو بقى حرر هذا تحريراً جميلاً جداً، فأنا أرى أن الكتابين كل واحد منهم يكمل الآخر. المدخل ده موجز جداً، في المدخل فيه عصارة هذه الأفكار لكن ليس فيه شرح.
إذا عرفنا من ذلك أن الحسن ليس دائماً راجعاً إلى ثبوت الحديث، بل أحياناً يكون راجعاً إلى ثبوت الحديث وأحياناً أخرى لا يكون كذلك، ومثال الأحاديث التي تستحسنوها لمعنى راجعاً إلى الإسناد في صرف النظر عن كون هذا المعنى له علاقة بالثبوت أو لا. فوجدت استعمالهم أنهم يطلقون على الحديث الذي هو من رواية الأقران بأنه حسن، ولو كان الحديث قد اشتمل على كذابين، فهو الإمام أبو علي الخليلي في الإرشاد حديثاً من طريق آدم بن أبي إياس عن محمد بن كثير الصنعاني عن ابن مبارك عن شعبة، رواه بهذا الإسناد ثم قال الإمام أبو يعلى: حسن جداً في رواية الأقران آدم ومحمد، وهما قرينان، ومحمد يوافق ابن المبارك في شيوخ الشام بل أدرك من لم يدركه ابن المبارك. فتبين من سياق كلامه أن قوله حسن جداً ليس حكماً منه على الحديث بأنه حديث مقبول، بل هذا راجع إلى أنه استحسن رواية الأقران بوقوعه في هذه الرواية. وكذا الحديث المدبج فإن تدبيجه.
زي ما قلت لك لما أنا وقفت على خطأ أن الإمام أحمد وصف رواية يحيى القطان بأنه أخطأ خطأ قبيحاً، ذا كان معنى حسن جداً ليه بقى؟ لأن ده مثال على أن ممكن راوي يكون من أوثق الرواة ثم يوصف خطأه بأنه خطأ قبيح، فده مثال لأن أنت شباب العلوم العملية لازم تفرح بوجود الأمثلة فيها. أضرب لك مثال: أنا مثلاً كنت قرات آية وقع فيها إشكال، بدأت من هذا الخطأ: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾، في بعض الناس قعد يتكلم كلام أن إن هنا بمعنى النفي، يعني إن كان يعني ما كان وبعدين يقف ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ ويقف ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾، ليه؟ لأنه يعني كأنه يفر من هذا المعنى، وبعدهم قال: إن إن تأتي للأمور البعيدة ودخلوا في قصص كثيرة. فابن تيمية وجدت له قاعدة خفيفة جداً بسيطة، بيقول أن هذا هو بيان للحكم بتقدير حصول الشرط بس، كلمة قالها في وخلصت، فأعجبتني هذه الفكرة جداً.
فقرات -يعني وأنا بقرا في الورد- قلت: أنا لازم أتتبع أي مثال لهذا الأمر، جبت بفضل الله ستين مثالاً لهذه القاعدة، أنا هجيبها لك أهي: الآية بتقول ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾، فحصل فيها إشكال، إيه معنى يعني إن كان الرحمن؟ فبعضهم قال إن نافياً إن كان يعني ما كان، وبعضهم قال إن تأتي للأمور البعيدة ولو تأتي الأمور القريبة، فأنا لقيت ابن تيمية بيقول: يا جماعة المسالة ما فيهاش أي إشكال نهائي، ده هو تعليق الحكم على شرط لا يستلزم حصوله، خلاص كده، وراح جه يذاكر لهم آية ثانية أن سيدنا عيسى قال لله سبحانه وتعالى: ﴿إِنتُ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: 116]، هل عيسى عليه السلام قاله؟ صح كده.
فالفكرة دي أنا لما خدتها قلت بقى وأنا بقرا انتبه، وأنا بقرا بقى ماشي: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَّلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120]، ﴿إِنَّكَ إِذاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 145]، ﴿إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: 75]، ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: 44]، اللي أخذنا منه باليمين، ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]، ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر: 4]، فهمنا كده يا شباب؟ فعيش الله يختم على قلبك ما دمت أنت.
فالمثال ده بقى يفرح به، فهمت كده؟ فيبقى الإنسان يا شباب يستحسن الشيء لا يلزم -طبعا ده مثال يستحسن- لكن أقصى ما أقول لك إن لما أنت تعرف أن عالم قال إن هذا حديث حسن، ممكن يستحسن لأمر هو نفسه يضاعف الحديث. حديثاً مرفوعاً ثم قال أبو يعلى: لم يروه عن حماد غير يونس، وهو ثقة من كبار شيوخ بغداد، وهو حسن من المدبج. فنستخلص من هذا أن مصطلح الحسن عند أئمة الحديث.
قد يعرف أحد المعلومات لكن لا يعرف الخلاصة، يعني أنا كنت زمان لما كنت بذاكر مع بعض الشباب تفسير الطبري، الطبري من العلماء المحققين فانت ممكن تتوه معاه، ممكن الطبري يبدا بقوله ويحتج له احتجاجات كثيرة فانت تظن أنه بيقول به وبعد ثلاثين صفحة يخطئ القول، فهمت كده؟ وبيعملها كتير أنه بيعزز القول لأنه يذكر العلل الأقوال وتفاجئ أن بعد مدة كبيرة ضعف القول، فهمت كده؟ فهي دي، فانت فانا بسال الطالب بعد ما قعدنا نقرا الأقوال: الطبري قال: واختلف اهل التأويل في هذا على أقوال، وذكر عشر أقوال، تمام كده؟ فانا اسال الطالب بعد ما خلصنا كده أقول له: الطبري عايز يقول إيه؟ ما يعرفش.
دي مشكلة يا شباب، أنت لابد أن تعرف خلاصة الكلام، إذا لم تعرف خلاصة الكلام دي مشكلة. ما هي خلاصة الكلام؟ أن مصطلح الحسن له أكثر من دلالة، والعلماء يطلقونه على كل ما يمكن أن يستحسن في الرواية وإن لم يكن راجعاً للثبوت. خلصت! يبقى أن أنا أععرف ما هو القدر الجامع للكلام ده مهم، لأن الشيخ بيطول -لأن أنا قلت لك الشيخ بيشرح- أي واحد يا شباب أي واحد كاتب مارس التدريس لابد يكون طريقته كده، مش أنت ساعات بتلاقيه بكرر؟ تقول أنت بتكرر ليه ما خلاص المعلومة دي أنت قلتها؟ ايوه، لأن هو عامل في حسابه أن الطالب ممكن ما يكونش فهم. كان في بعض الشباب بحضر دروس معايا على الإنترنت تقول لي: يا شيخ بتبقى في فكرة واضحة جداً بلاقيك بتشرحها في ربع ساعة! قلت له: ايوه يا حبيبي لأن أنت طالب وانا معلم، أنا عارف أن في طلبة أول مرة يسمعوا الكلام ده، فهمت كده؟ فانا بضع نفسي في الحد الأدنى الموجود، فلو أنت فهمت من أول مرة من غير ما أضرب أمثلة فالحمد لله.
هنا يا شباب -يعني في واحد يقول: يا شيخ أصلاً مش محتاج تضرب مثال على الكلام ده- أقول له: لا، أنت مش محتاج، إنما غيرك محتاج، تفهمنا كده؟ فنستخلص من هذا أن مصطلح الحسن عند أئمة... أول ما تيجي خلاصة إيه تحط تحتها خط؛ أن مصطلح الحسن عند أئمة الحديث عليهم رحمة الله إنما هو مصطلح يطلقونه على كل ما يستحسنونه في الحديث لشيء ما، سواء كان هذا الذي يستحسن الحديث من أجله له علاقة أو له تأثير في قبول الحديث أو رده، أو ليس له علاقة بذلك.
فعلى طالب العلم أن يكون فاهماً لهذا ومدركاً له، أن يحسن فهم كلام أهل العلم عليهم رحمة الله، حتى يمكنه ذلك من أن يفهم كلام أهل العلم على وجهه، فلا يعمد إلى موضع أطلقوا فيه الحسن وأرادوا به الغريبة أو المنكر أو الموضوع، فإذا به يعتبر ذلك تصحيحاً منه للحديث وتثبيتاً له، أو يفعل العكس فيعمد إلى بعض المواضع التي أطلقوا فيها الحسن وأرادوا أنه صحيح أو أرادوا أنه داخل في نطاق الحجة، فإذا به يفهم من هذا الموضوع أنهم أرادوا الغرابة أو النكارة. فلابد من معرفة مناهج المحدثين ومعرفة اصطلاحاتهم حتى يفهم كلامهم على وجهه وحتى لا يساء فهم كلامهم ولا ينسب إليهم ما لم يقصدوه من إلا على حديث ما فقال هو حديث حسن، فنحن نفهم من قوله هذا أن الحديث عنده حجة، ولا يمكن أن يتطرق شك في أن الحافظ ابن حجر رحمه الله حيث قال في هذا الحديث حسن أنه يحتج به.
بينما إذا قال ذلك الحكم إذا قال ذلك الحكم إمام متقدم فلا بد وأن نفهم مراده وأن نعرف على أي معنى أراد هذا المصطلح، فقد يقول حسناً ويريد به الصحة والقبول، وقد يقول حسن ويريد به شذوذ أو النكارة أو الغرابة، فلا بد من تفهم هذا ومعرفته. ولكن سنقف قليلاً مع نوعي الحسن اللذين وجدا في اصطلاح الأئمة المتأخرين عليهم رحمة الله، ألا وهو ما يسمونه بالححسن لذاته ومن يسمونه بالحسن لغيره. لحظة شباب أن بحث الحديث الحسن في هذا الكتاب من أول.
صفحة 135 لحد صفحة 185 تقريبا أو 184.
كم صفحة يا شباب؟ ليه بقى؟ لأن زي ما قلت لك إن هو لا يتعامل التعامل الرياضي مع المسائل؛ إن ما دمت اتكلمت عن الحديث الصحيح في عشر صفحات، يبقى الحسن أقل منه، فنتكلم في خمس صفحات. لا، هذا البحث يحتاج إلى تحرير وبيان وأمثلة، أدخل هذا البحث خلاص.
أولا: إذا لم يكن البحث في خلاف كبير فخلاص. طب أفرض البحث كان ليس له واقع في الرواية؛ زي الحديث المسلسل، شفت الحديث المسلسل جابه في قد إيه؟ ما فيش ورقتين، ليه؟ لأنه مالوش أثر. إنما لما المصطلح الحسن متداول، وممكن يحصل في خلط، ده مهم جدا يا شباب إن أنت كمعلم تتفطن للأمور التي يحتاجها المتعلم، فتتوسع فيها بقدر ما يحتاج، والامر المفهوم خلاص عديه.
ماشي، فلابد وأن نفهم مراده وأن نعرف على أي معنى أراد هذا المصطلح، فقد يقول حسن ويريد به صحته والقبول، وقد يقول حسنا يريد به شذوذ أو أن كارثة أو الغرابة، فلابد من تفهم هذا ومعرفته. ولكن سنقف قليلا مع أوجه الحسن لننظر ما هي الشرائط التي يجب توفرها في الحديث حتى يكون حسنا لذاته، وحتى يكون حسنا لغيره، حتى يكون مقبولا محتجا به.
قد عرفنا أن الحسن لذاته حجة، وأن الحسن لغيره أيضا حجة، فما هي شرائط الحسن لذاته عند أئمة العلم؟ وما هي شرائط الحسن لغيره عند أئمة العلم عليهم رحمة الله؟ طبعا ويتكلم الآن عن إيه؟ عن هذه المصطلحات عند المتأخرين؛ لأن المتقدمين أولا يقل عندهم استعمال هذا المصطلح، ولأنهم يطلقون على أكثر من دلالة، وأصلا كلمة الحسن لذاته أو لغيره ليست مستعملة نهائيا عند واحد من العلماء المتقدمين، وإنما كلمة حسن لذاته وحسن لغير دي ده اصطلاح المتأخرين، إن هو خلى صحيح لذاته وصحيح لغيره، حسن لذاته حسن لغيره، فهذه الأسماء هذه المصطلحات هي يعني هم الذين صكوها، يعني لم يكنوا المتقدمين يتكلمون بها.
ماشي، الحسن لذاته؛ فاما الحسن لذاته فالعلماء عليهم رحمة الله وصفوه بأنه حديث قد اجتمعت فيه كل شرائط الحديث الصحيح سوى شرط واحدا، وهذا الشرط لم يختل كليا، فقط هو نزل من أعلى درجاته إلى أدناها، ألا وهو شرط ضبط الراوي. ففراوي الحديث الصحيح ومن أعلى درجات الثقات، بين مروي الحديث الحسن من أدنى درجات الثقات، فهو ده اللي احنا اتكلمنا عنه يا شباب، إنه هو الآن أنت بتتكلم في حيز الحكم العام على الراوي، لكن لما تنزل على الحكم الخاص في الرواية المعينة وتحقق أن الراوي أخطأ -يعني اعتبر أن الراوي يا شباب عن أي راوي من الرواية المتوسطين مثلا؛ حماد بن سلمة، أحيانا همام بن يحيى يخطئ، أحيانا مثلا إسماعيل بن أبي أويس أو غيرهم- لو أنت تحقق لديك (يعني هو في المجمل متوسط، وانت تحقق لديك أن هو أخطأ في الرواية) هتسمي حديث حسن عشان هو متوسط؟ طب أفرض تحقق لديك أنه أصاب، هتسميه حسن عشان هو متوسط؟ لا.
ماشي، إلى أن الجميع داخل في نطاق الثقة، فرواية الحديث الحسن راوي من جملة الثقات، إلا أن ضبطه واتقانه وتثبته لم يبلغ إلى أعلى مراتب الثقات، كما وصل إلى ذلك راوي الحديث الصحيح، أما بقية الشرائط من كون الراوي عدلا، ومن كون الإسناد متصلا، ومن كون الحديث سالما من الشذوذ سالما من العلة، فهذا كله يشترك تحققه في الصحيح والحسن.
يعني ما هو ما هي الكلمه الفارقة هنا يا شباب؟ هي أن الحكم هنا على الرواية وليس على الراوي، فالحكم العام على الراوي لا يتنزل على كل رواية، احنا بنحكم على حديثه وليس عليه هو، تمام كدة. نعتبر أن أنا عندي راوي متكلم في حفظه، بس هو في الشيخ المعين من أوثق الرواة، يبقى وفي الرواية المعينة روى عن ذلك الشيخ، يبقى ما تجيش تقول لي اصل هو متكلم في حفظه عموما، لا، ده هو هنا يروي عن الشيخ اللي هو مختص فيه.
دي الدقة يا شباب، ضابط وإنما لابد أن يكون ثقة في شيخه الذي روى عنه، فهمت؟ إذا الرواية ما هو أنت لازم أه لا، ما هو أنت بقى، ما هو ده اللي اسمه الاعتبار. هو هنا هو بيقول احنا ما عرفنا أصاب ولا لا؟ ما احنا بنختبر روايته؛ عشان كده مش احنا ذكرت لكم كلمة عبد الله بن مبارك: إذا أراد أن يصح لك حديث فاضرب بعضه ببعض. وكلمة علي بن المدينه: الباب إذا لم تجمع طرقه لم تتبين علله وكذلك لم يظهر أحسن ما فيه. فانا بجمع الروايات عشان أعتبر.
متفرد؟ يعني إذا تفرد بقى، هنا بقى بننظر لأمور: هل يحتمل هذا التفرد؟ افهموا يا شباب، الإمام مسلم سيذكرها، أحسنت! سياتي فصل عندنا في التفرد. الإمام مسلم له قاعدة جميلة يا شباب، صحصح فيها كده، من أجمل ما حرره في المقدمة بيقول إن الراوي أنا عايز اعرف أن طبعا هيجي لنا ما تهتمش بأنك تكتب لأن هيجي لنا فصل فيها، بيقول أنا عندي راوي تمام انفرد، أحكم عليه ازاي؟ أنا بحكم عليه لما يشترك صح بيبقى سهل، طب لما ينفرد؟ قال لك برده سهل، أنك تنظر كلما أشترك مع الثقات وافقهم أم لا، فإذا انفرد يقبل تفرده، لكن إذا كان كلما أشترك خالف الثقات يبقى ساعتها تفرده مقبول ولا مردود؟ فهمنا كدة يا شباب؟
يبقى ده أمر مهم انك انت تعرف أن أصلا الروايات بتختبر وبتمتحن ليه؟ لأن واحد زي مثلا قتادة من الرواية للشباب، احنا قلنا الرواة دينا تدور عليهم الأسانيد، ما معناها؟ ذكرت امبارح فيهم ثلاث صفات. يعني الراوي الذي تدل عليه الأسناد؟ صح، بس ذكرت فيه ثلاث صفات الرواة المهمين في الإسلام. هل كل راوي يا شباب مهم؟ لا، في راوي يعني راوا له ثلاث أربع أحاديث وأنا عملت لكم هنا في ورقة بس محتاجة حد يكتبها بأهم الرواة في كل طبقة اللي انت لو حفظتهم بيغنيك عن حفظ باقي الرواة؛ لأن هم دول اللي موجودين في كل الكتب في الموطأ وفي المسند وابن أبي شيبة وفي البخاري ومسلم أبو داود والنسائي، هم دول اللي بتتجمع عندهم الأسانيد.
ذكرنا ثلاث شروط في الراوي اللي تهتم به، ايه هو الأول؟ أن يكون ثقة وكثرة الرواية وكثرة الأصحاب، يبقى ده راوي مهم، خلاص كده. الصحابة مين هم أهم صحابة أكثر من الرواية؟ انتم عارفينهم خلاص، عائشة وأبو هريرة والربعة العبادلة وأنس وجابر وأبو موسى، وخلاص كده طيب.
والطبقة اللي بعدهم؟ ايوه، لا لا، الثانية كبيرة شوية، اللي هي دي، ايوه الورقة الكبيرة دي، دي بس يعني بتلع حوالي 50، يعني 20 سنة متبهدلة، يعني دي كل طبقة فيها فيها أهم الرواة اللي بتتجمع عندهم الأسانيد، فانت لما بتحفظهم بتستريح بقى، مش محتاج انك كل حديث تبدأ تعرف مين فلان، لا أنت عارف مثلا أن طبقة التابعين خلاص فيها مثلا من أبرز الأسماء الحسن البصري والشعبي وابن سيرين، فعرفت وعرفت ترجمته وعرفت الماخذ عليه وعرفت أصحابه، يبقى أنت المعرفة دي بتنفحك في آلاف الأحاديث، تمام كده. طب الطبقة اللي بعده مثلا الزهري وقتادة مثلا وهكذا.
فياب شباب مهم جدا انك انت تعرف أهم الامور في كل في كل علم، فمن ضمن المسائل انك انت تعرف مين الرواة اللي بتلتقي عندهم الأسانيد وبيكثر تكرارهم، أنت نفسك دايما تلاقي نفسك سمعت سفيان بن عيينة سفيان الثوري الزهري الحسن البصري الأعمش، صح؟ مش دي أسماء بتحس انك سمعتها كتير؟ لكن أحيانا بتسمع واحد اسمه جرير بن عبد الحميد، ليه؟ لأنه مقل ولم يكن مثل هؤلاء في الثقة وليس له أصحاب وهكذا.
هل يصبح الحديث صحيح؟ حديثه اللي هو اتفق فيه أه حديثه صحيح. لكن سؤال بقى، أيوه أيوه، ما هو ده عدد ضابط في هذه الرواية، ما أنا قلت لك قبل كده أن هي القوانين العامة دي مشكلتها في إيه؟ أنك تطبيقيا مش هتلاقيها موجودة، مش ما دائما اصلا غلط، الشرط هذا مجرد شيء مبدئي، أفرض أنت مثلا واحد جه قال لك احنا عاملين شركة وعايزين نعرف مؤهلاتك، فقمت.
انت جيت قلت له: أنا زي الشاب اللي أنا قلت لك. قال لي: أنا طلعت التاني في مسابقة الخطباء. حلو كده، الكلمة دي مبهرة صح؟ بعد كده اكتشفت أن هم كانوا اتنين بس! قلت لهم: ما أنت كنت عايز تطلع الثالث يعني؟ هو بيعتبر إن بطولته أن هو طلع التاني وهما كانوا اتنين. قلت له: طيب أنت كنت ممكن تعمل إيه أقل من كده؟ تطلع الثالث، فهمنا؟ فواحد مثلاً عامل مؤهلات، لما نجي نختبر، إيه اللي بيحصل يا شباب؟ بيتبين بقى.
بيتبين، ممكن واحد يكون واخد شهادة عالية، لكن لما نختبره ونعرف أن الشهادة دي أخدها بالزور، وأنه مش ما كانش يستحقها. فالعلماء يا شباب عندهم في كل حديث نقد خاص. اتفضل.
أما بقية الشرائط: من كون الراوي عدلاً، من كون الإسناد متصلاً، من كون الحديث سالماً من العلة؛ فهذا كله يشترك تحققه في الصحيح والحسن. فلا بد في الحديث الحسن من أن يكون إسناده متصلاً، وأن يكون الراوي عدلاً، وأن يكون ضابطاً أيضاً، وإن لم يبلغ في الضبط أعلى درجات الضابطين، وأن يكون الحديث سالماً من الشذوذ، وأن يكون أيضاً سالماً من العلة. فإذا تحقق ذلك، كان الحديث حسناً، وكان حينئذ حجة. بل وكما أشرنا سابقاً، فإن بعض أهل العلم يجعل هذا الحديث هو والصحيح سواء. هو ده الصواب، هذا الصواب.
بمعنى أنهم قد يدخلون مثل هذه الأحاديث في الكتب التي خصوها برواية الأحاديث الصحيحة، فقد وجد في الصحيحين أحاديث انطبق عليها شرائط الحسن لذاته، وما ذلك إلا لأن البخاري ومسلما حيث أخرجا لمثل هؤلاء الرواة مثل هذه الأحاديث، دي من أجمل العبارات في الكتاب ده، كلام جميل جداً. تردح لديهم أن هذه الأحاديث بعينها مما حفظه هؤلاء الرواة ولم يخطئوا فيه، ومما سلم من الشذوذ وسالم من العلة، فاستجازوا أن يبتلوها في كتاب الصحيح على أساس أنها من جملة الأحاديث المقبولة المحتج بها.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله -شباب من العلماء الذي هو متنوع في العلم من أهم يعني هو لكونه تعرض لكثير من الآيات والأحاديث بالبيان فهو من العلماء الذين ترجع إليهم في تفسير القرآن- يعني هو في مواضع من القرآن والله يذكر ما لم يذكره غيره. يعني مثلاً عنده كتاب في أمثال القرآن مهم جداً، وعنده أحياناً يأتي مثلاً لآية معينة فيطيل في الكلام عنها، من ضمنها مثلاً يا شباب: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]. شوف بقى وهو بيتكلم عن فكرة أن الإنسان الذي تكون ظروفه مهيأة لعمل صالح ثم يكسل عنه، كيف أنه بعد مع مرور الأيام سيعجز عنه؟ والله كلام جميل جداً، مثلاً في مدخل الصدق ومخرج الصدق كلام جميل.
من ضمن بقى الأمور الجميلة أنه له نقد جميل أحياناً في الرواية والرواة لكتاب اسمه المنار المنيف أيضاً مهم، وكتاب زاد المعاد أحياناً يتكلم عن شرح الأحاديث ويستنبط منها، وأحياناً يتكلم عن الرواة وعن الكتب البخاري ومسلم، من ضمنها الفائدة الجميلة دي، دي في ثنايا الكتب يعني هو تكلم.
أنت الفكرة في برنامج جميل اللي هو اسمه إيه يا شباب؟ الباحث القراني. الباحث القراني لما بتجيب الآية بيجيب لك التفاسير، من أهم التفاسير يا شباب، كلام يعني في تفاسير مهم أنك تراجعها لأن كل واحد منهم اختص بشيء. تمام، الطبري بيجيب لك كلام السلف فيها، خلاص كده. في مثلاً الطاهر بن عاشور بيهتم بالنواحي اللغوية، مثلاً ابن تيمية بيهتم بالآيات المشكلة اللي هي زي ما قلت لك كده: أإن للرحمن ولد فأنا أول العابدين، هو يحل لك هذا الإشكال أو يجمع بين آيتين. ابن القيم الاستنباط وتنزيل الآية على الواقع، بدل ما تكون الآية أنت مثلاً بتفكر أن الآية نزلت في كذا، يقول لك لا، ده أنت ممكن تنزلها في حياتك.
فصراحه التنوع ده مهم جداً يا شباب، وصراحة من الكتب الجميل جداً جزاهم الله خيراً القائمين عليها اللي هو الدرر السنية، اللي هو اسمه التفسير المحرر. يعني أنا اشتريت التفسير ده من حوالي أسبوعين، صراحة تفسير جميل جداً بس هو كبير، كبير يعني حوالي أربعة وأربعين مجلداً، بس اللي مش عنده موجود بي دي إف وموجود على الموقع، في موقع اسمه الدرر السنية التفسير المحرر، بيعمل إيه يا شباب؟ بيجيب لك التفسير الإجمالي، وبعد كده بلاغة الآية، جميل بصراحه، يعني لو إنسان ما عندهوش المراجع هذا يفيد إن شاء الله.
حديثه؛ لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب. يعني ابن القيم يعلق أن مسلما خرج لبعض الرواد ضعفاء، فقال: لا عيب على مسلم في إخراج حديثه؛ لأنه ينتقي من أحاديث هذا ما يعلم أنه حفظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه. من أجمل العبارات يا شباب حط تحتها خط، عبارة جميلة: كما أن البخاري ومسلم يطرحان من أحاديث الثقه ما أخطأ فيه، يأخذان من حديث الضعيف ما أصاب فيه. كلام جميل، وهذا هو الإنصاف، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه، فغلط في هذا المقام من استدرك عليه وإخراج جميع الفقه. ركز بقى هم استدركوا عليه حاجتين، قالوا له: أنت لماذا خرجت لهؤلاء الثقات وتركت هذه الأحاديث منهم؟ ده أول إنكار، والتانين قالوا له: كيف تضاعف هؤلاء وتخرج لهم؟ وكلا الإنكارين خطأ تماماً، لأنه حيث ترك من حديث الثقة تأكد أنه أخطأ فيه فتركه، وحيث روى رواية للمتكلم عنه تأكد أنه يا شباب، يبقى هل هذا الإنكار في محله؟ لا، ليس في محله.
ومن ضعف جميع حديث سيء الحفظ، فالأولى طريقة الحاكم. يعني الحاكم بيقول له -يعني الحاكم عمل كتاب المستدرك على الصحيحين- فبيقول له بيستدرك عليه، بيقول له: مش أنت خرجت لحماد بن سلمة وخرجت لعمرو بن دينار، طب لماذا لم تخرج هذا الحديث؟ فكانه يستدرك عليه، مش لازم أن هو يخرج كل الأحاديث، لأن الأحاديث ده ضعيف بعينه فلم يخرجه. تمام كده؟
والثانية طريقة أبو محمد بن حزم وأشكاله، وطريقة محمد بن حزم يقول له إيه: أنت ضعفت الراوي وأخرجت له؟ أيوه عادي، انتقيت له كما أني طرحت من حديث الثقة ما أخطأ فيه، انتقيت من حديث المتكلم فيما أصاب فيه. وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا الشان.
الصحيح صحيح، أما إذا كان مثل هذه الأحاديث التي يرويها مثل هؤلاء الرواة لم تسلم من شذوذ أو لم تسلم من علة، فإنها على هذه الحالة تكون أحاديث مردودة، غير مقبولة، ولا داخلة في نطاق... حتى لو كانوا أعلى منهم، يعني حتى لو كان هو يتكلم في خفيف الضبط لا، حتى لو كانوا أوثق الناس وحديث كان في عله، فيكون منكرا كما قال الإمام احمد: والمنكر أبداً منكر. والصحيح نفسه الذي هو أعلى درجة من الحسن لذاته إذا وجد في الحسن، الحسن لذاته إذا وجد فيه شذوذ أو وجد فيه علة، فإن ذلك يجب على الناصرين أن يجعلوه في نطاق الأحاديث المردودة.
فالحسن لذاته الذي هو أدنى من الصحيح أولى بذلك وأحق. فلهذا لا بد من أن يتنبه طالب العلم إلى أن الحديث الحسن لذاته لابد وأن تتحقق فيه بقية شرائط الصحة، وإن كان شرط ضبط الراوي قد تسامح فيه الأئمة ولم يشترطوا في راوي الحديث الحسن أن يكون من أعلى درجات الثقات، كما اشترط ذلك في راوي الحديث الصحيح.
ومن هنا ندرك أن من يحكم على حديث بأنه حسن لذاته بناء على حالنا بقى... الخطأ المشهور للشيخ هينبه عليه أن واحد أول ما يلاقي الراوي قال العلماء فيه: صدوق، يقول لك خلاص يبقى كل حديث حسنه لا! يعني هو كونه صدوقاً هذا حكم عام، زي ما إحنا قلنا يا شباب أن الطالب ده مقبول، جيد، جيد جداً، ممتاز، هذا حكم عام. لكن لما تجي تقول له: أنت جايب في اللغة العربية، كان يقول لك: امتياز، فما تجيش تقول هو في اللغة العربية متوسط؛ لأن في المجموع متوسط، لا، هو ممتاز في اللغة العربية، فهمنا كده.
لا أبدًا، لا، طبعًا بالعكس، العكس خالص؛ هي تتبع الطريقة التي هو ينتتقدها هنا. لا، لا، يعتمد عليها في هذه في طالب الحديث. أنت لما تتعلم -إن شاء الله- أكثر، هتعرف أن من أين تعرف الحكم على الرواية؟ بنفس الطريقة، يقول لك: هو صدوق، فهو حديث حسن؛ هو مدلس، فترد عنه. لا، تسأل، تتحرى؛ يعني ممكن تدخل مثلاً حكم الحديث الفلاني، لكن ما تعتمدش على الكلام اللي بيتكتب تحت؛ يعني مش كثير منهم ما بيتبعش، يعني الموقع تكون تتبع الطريق. لا، يعني الموضوع ده محتاج؛ يعني أنت الحديث الواحد أصلاً عشان تحققه بتاخد جهد. فانت ممكن يعني أنت تكتب مثلاً حكم الحديث الفلاني، أظن في ملتقى أهل الحديث جيد يعني إلى حد ما يعني.
المتقدمين لا، ما بيجيبش هو الحكم بتاع المتقدمين، ما بيجيبش. لا، لا؛ ده بيقول لك حكم الحديث كذا. لا، لا، مش متوسع في هذا. ماشي، اتفضلي.
فبعض المشتغلين بعلم الحديث ينظر في حال الرواة، فإذا وجد الراوي في مرتبة الحديث الحسن، أي أن العلماء قالوا فيه أقوالاً تفيد أن... هنا بقى يا شباب، عايزك تنبه على كتاب مهم جداً، إن شاء الله ممكن نقراه مع بعض -بإذن الله- للشيخ طارق نفسه، اسمه: (الإرشادات في تقوية الحديث بالشواهد والمتابعات)، بيشرح بقى هذا الخطأ المشهور. (الإرشادات)، أنت لو كتبت (الإرشادات) هتلاقيه؛ يعني برضه من الكتب النادرة، يعني مش مطبوع، خلاص تقريبًا طبعاته نفذت.
الكتاب ده يا شباب فيه مقدمة 70 صفحة فقط، مقدمة هذه كفيلة -إن شاء الله- أن هي تحمسك لهذا العلم؛ لأنه ذكر فيها الجهد الكبير الذي قام به علماء العلل ليكتشفوا الخطأ في الرواية. فده يحمسك، إذا كان هؤلاء تعبوا في هذا فكيف أنا أقعد عنه؟ فمن المقدمات الجميلة جداً -صراحةً يعني- وأنا قلت له، أنا قابلت الشيخ في جنازة الشيخ محمد عمرو -رحمه الله-؛ لأنه كان معنا لما الشيخ كان بيتغسل -رحمه الله-. فبعد ما دفنا الشيخ خرجنا، وقلت له: إذا كان كتاب (لغة المحدث) اشتهر عنك أكثر، فكتاب (الإرشادات) عندي أنا أفضل منه عمليًا.
وهو يعني الكتاب مش مشهور، (الإرشادات) مش مشهور؟ ده مشهور جداً! وكثير من الشباب، (الإرشادات) في بابه رهيب؛ لأنه بيجيب الأخطاء العملية لمحققي الأحاديث، اللي هم بيتعاملوا بالكيلو؛ أن الحديث رواه مثلاً جاء من خمس طرق، يبقى إيه؟ كل طريق يبقى حسن لغيره، فهمنا كده؟ ما يعرفش أن الطرق دي ممكن تكون بتضعفه أصلاً، فاهم؟ فالكتاب جميل جداً؛ مقدمة جميلة، أمثلة جميلة، تقسيمة وترتيب جميل.
فبعض المشتغلين بعلم الحديث ينظر في حال الرواة، فإذا وجد الراوي في مرتبة الحديث -أي العلماء قالوا فيه أقوالاً تفيد أن ضبطه ليس كاملاً، وإن كان هو في جملة الضابطين- إذا به يبادر بالحكم على الحديث بأنه حسن من غير أن ينظر: هل هذا الحديث مما وقع فيه شذوذ أو علة أم لا؟ وهذا خطأ من طالب العلم. بل لابد لطالب العلم أن يتتبع علل الأحاديث، وأن يتتبع أحكام أهل العلم عليهم رحمة الله على هذا الحديث الذي هو بصدد تحقيقه، لينظر وليتبين له: هل هذا الحديث مما أخطأ فيه هذا الراوي أم لا؟ هل هذا الحديث مما حكم الأئمة بشذوده أم لا؟ هل هذا الحديث مما وجد فيه أهل العلم علة أم لا؟ ولا يكتفي بالنظر في حال الراوي ويبني حكمه على الحديث بأنه حسن بناءً على حال الراوي فحسب.
ولا باس بذكر مثال ها هنا لحديث هو من حيث الظاهر إسناد حسن -من حيث الظاهر، من حيث الظاهر إسناده حسن لذاته-. والآن سياتي لك بأمثلة لإسناد لو أنت تتبعت طريقة هؤلاء الطريقة السطحية، ستحكم عليه بأنه حسن، وستجد العالم حكم عليه بأنه منكر أو غلظ القول فيه؛ ليه؟ لأن في عله أو خطأ عليهم رحمة الله أنكروه على راويه واعتبروه من أخطائه، حتى يكون مثالاً يحتذى ويقاس عليه بقية الأمثله الموجودة في كتب أهل العلم.
الحديث الذي اخترته هو حديث يرويه راوي اسمه الربيع بن يحيى البسنائي. الربيع هذا أحد الثقات، وثقه الإمام أبو حاتم الرازي وغيره. روى حديثاً في جامع تقديم وباسناد أخطأ فيه، فقال عن سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر. لاحظ أن الربيع، أن الربيع نفسه وثقه بعض أهل العلم، منهم أبو حاتم كويس؛ وكمان روى الإسناد، فالربيع عن سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر، الإسناد يعني مثل الوردة تماماً!
فبيقول لك إن طالب العلم المبتدئ، أن طالب العلم المبتدئ إذا ما نظر في هذا الإسناد من غير أن يرجع إلى أهل العلم، يغتر بهذا الإسناد ويحكم عليه بالحسن، بل ربما بالصحة على أساس أن الراوي الذي تفرد به هو الربيع بن يحيى البسنائي أحد الثقات، بل قال فيه أبو حاتم نفسه: ثقة. وهذا يدل على أنه يتفرد بح... أن حديثه يكون صحيحاً. وإذا كان أبو حاتم الرازي قد قال فيه هذا القول العالي، فأبو حاتم نفسه حينما سئل عن أحاديث هذا، أنكره غاية الإنكار! فقد روى ابن أبي حاتم عن أبيه...
يجي واحد يقول له: أنت متناقض بقى! أنت إزاي تقول إنه ثقة ثبت وتحكم على رواية من رواياته بأنها منكرة؟ هل هذا في... أنه لما سئل أبو حاتم الرازي عن هذا الحديث قال: هذا الحديث باطل عندي، هذا خطأ لم أدخله في التصنيف. أراد يعني الربيع بن يحيى... الزبير عن جابر، أو أبو الزبير عن سعيد بن جبير.
والخطأ من الربيع؛ تمام. هذه الكلمات التي قالها الإمام أبو حاتم الرازي كلمات في غاية الدقة؛ فهو قد كان وثق الراوي الذي يخطئه هنا، فلم يغتر الإمام بثقة الراوي، بل نظر في روايته وتاملها واعتبرها، فتبين له أنها رواية خطأ، فقال: إنها باطله، ثم أكد ذلك بقوله: لم أدخله في التصنيف. لأن المصنفات عند المحدثين هي الكتب المصنفة على أبواب، كمصنف ابن أبي شيبة. فالإمام بقوله هذا: لم أدخله في التصنيف، يريد أن هذا الحديث الذي رواه الربيع بن يحيى البسنائي وأخطأ في إسناده لا يصلح أن يدخل في كتاب مصنف على الأبواب؛ لأن الحديث إنما يدخلوه الأئمة في مثل هذه الكتب إما للاحتجاج وإما للاستشهاد، وما لا يصلح للاحتجاج أو الاستشهاد لا يصلح أن يدخل في مثل هذه الكتب.
فهذا يدل على أن هذا الحديث الذي جاء به الربيع هذا في غاية الضعف عند الإمام أبي حاتم الرازي، بحيث أنه عنده لا يصلح للاحتجاج ولا للاستشهاد به. ثم بين الإمام -رحمه الله- وجه الخطا بحسب استشهاده وفهمه، اجتهاده وفهمه، فقال: أراد أبا الزبير عن جابر؛ يعني كأنه يرى أن الربيع في حديث هو أصلاً رواية أبي الزبير عن جابر، هو خلاه محمد بن المنكدر عن جابر. وفي فرق؛ محمد بن المنكدر عن جابر هو من أوثق الرواة عن جابر، وأبو الزبير متكلم في روايته عموماً بالتدليس أو بغيره. فالمهم أن هو خلط في الإسناد، فدخل عليه إسناد في إسناد؛ أراد أن يروي الحديث من طريق أبي الزبير عن جابر، فأخطأ وقال عن محمد بن المنكدر عن جابر؛ وذلك لأن أبا الزبير له عن جابر رواية لهذا الحديث.
ثم قال: أو أبا الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس؛ يعني أن أبا الزبير له أيضاً إسناد آخر لهذا الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. فكانه يرى أن هناك إمكانية أن يكون الربيع بن يحيى حيث قال: محمد بن المنكدر عن جابر، وكان عليه أن يقول: عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس؛ فإن هذا هو الإسناد الذي يروى به هذا المتن.
فهذا ما يقول فيه العلماء: دخل عليه حديث في حديث. فانظر إلى دقة الإمام أبي حاتم الرازي كيف أنكر الحديث من حيث الإسناد، مع أن الراوي الذي أخطأ فيه عنده أحد الثقات، وهو نفسه قد وثقه! والإمام الدارقطني -عليه رحمة... الدارقطني؛ لأنه من بلد اسمها دار قطن فيقولون الدارقطني، مش الدارقطني- والامام
الدارقطني -عليه رحمة الله- لما سئل عن هذا الحديث بعينه، أجاب بنحو جواب الإمام أبي حاتم الرازي؛ فقد روى عنه البرقاني -من أكبر أئمة الحديث- وله كلمة سبحان الله، هذه الكلمة تشعل الهمة في قلب الإنسان إن هو قال لأهل العراق: اعلموا أنكم لن تكذبوا على النبي صلى الله عليه وسلم ما دمت حياً.
مقام صدق؛ فقد روى عنه البرقاني أنه قال: «هذا حديث ليس لمحمد بن المنكدر فيه ناقة ولا جمل». يعني أن الحديث ليس هو من حديث محمد بن المنكدر أصلاً، إنما هو من حديث غيره. وهذا يدل على مثل ما دل عليه كلام أبي حاتم الرازي من أن الراوي قد دخل عليه حديث في حديث رواه، وأنه ليس من حديث محمد بن المنكدر، إنما هو من حديث غيره.
وسأله الحاكم أبو عبد الله النيسابوري عن الربيع بن يحيى صاحب هذا الحديث فقال: ليس بالقوي، يروي عن الثوري عن جابر في الجمع بين الصلاتين، وهذا حديث يسقط مئة ألف حديث. فاعتبر الإمام الدارقطني خطأه في هذا الحديث من النوع الفاحش جداً؛ بأنه يؤثر بحيث أنه يؤثر على مئة ألف حديث من أحاديثه. ولعل قوله: ليس بالقوي، إنما نزل بدرجته من أعلى درجات الثقات إلى هذه الدرجة الدنيا؛ لأنه روى هذا الحديث المنكر، هذا الحديث الخطأ، هذا الحديث الباطل.
والحمد لله رب العالمين.
الشيخ حسين عبد الرازق