الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وصلنا إلى صفحة 91، المتواتر والأحاد. طبعا يا شباب احنا ذكرنا مقدمة عن المتواتر والأحاد، والمؤلف اختار يعني أن يذكر هذه القسمة وطبعا هو أخذها عن الخطيب البغدادي رحمه الله فلذلك يعني أنا اردت أن أفتح لكم نافذة أن هذه المسألة لم أجد لها ذكرا في كلام المحدثين أهل الحديث المتقدمين، وإنما يعني نقلها الخطيب البغدادي من كتب المتكلمين، ثم بعد ذلك نقلها بعض أهل العلم كالحافظ ابن حجر رحمه الله، وانتشرت من خلال كلامه في كتاب النخبة وشرحه على النخبة وهو النزهة. عايز حاجة يا محمد؟
طيب يلا بسم الله، اتفضل. الآن يا شباب نحن سنفهم ما ذكره الخطيب البغدادي عن تقسيم الأخبار إلى متواتر وأحاد، ونقله الشيخ طارق حفظه الله. تفضل.
بسم الله الرحمن الرحيم. قال أبو معاذ طارق بن عباد الله بن محمد: المتواتر والأحاد، والخبر إعلام منهما تواتر ومنه أحاد. إلينا أثر ينبغي أن يعلم قبل الخوض في هذا المبحث، أن الأخبار بجميع أنواعها تنقسم في حقيقة أمرها إلى قسمين: القسم الأول خبر صدق، القسم الثاني خبر كذب. خبر الصدق هو الخبر المطابق للواقع، وكذب الخبر أن يكون الخبر مخالفا للواقع، وهذا سواء تعمد المخبر بالخبر بالأخبار بموافقة الواقع أو الأخبار بمخالفة الواقع. بمعنى أن خبر الصدق هو الخبر المطابق للواقع بصرف النظر عن نية المخبر حال إخباره وبذا حال إخباره بذلك الخبر، هل قصد الإخبار بما يوافق الواقع أم قصد خلاف ذلك ولكن خبره جاء موافقا للواقع؟ وكذلك خبر الكذب هو الخبر الذي لا يطابق الواقع هو الخبر المخالف للواقع بصرف النظر عن النية المخبر وعن قصده؛ هل قصد الإخبار بالواقع فأخطأ فجاء خبره مخالف للواقع أم قصد بخلاف الواقع قصدا لذلك وتعمدا له؟ ولهذا فإن أئمة الحديث عليهم رحمة الله يعتقدون كذب الخبر المخالف للواقع سواء تحقق عندهم أن المخبر به تعمد كذبه أم أنه أخطأ ولم يتعمد. بمعنى أن الخبر الذي ترجح لدى أهل العلم أنه خطأ وأنه ليس مطابقا للواقع ولا موافقا للحقيقة هو عند الأئمة خبر خبر كذب، ويطلقون عليه ما يفيد هذا المعنى؛ فتارة يقولونه هو خطأ، وتارة يقولونه هو كذب، وتارة يقولون هو منكر، وتارة يقولون هو باطل، وتارة يقولون لا أصل له، ومثل هذه الألفاظ التي تدل على كون الرواية خطأ أو أنها مخالفة للواقع.
والأئمة عليهم رحمة الله لما تحقق عندهم أن الخبر إما أن يكون خبر صدق أي في نفس الأمر، أو خبر كذب أي في نفس الأمر، نظروا في كيفية إثبات صدق الخبر وكذبه، فتبين لهم أن الأخبار إما أن تأتي عن طريق عن طرق مستفيضة بأن يروى في كل طبقة من طبقاته من قبل رواة كثيرين يستحيل في العاده أن يتواطؤوا وأن يجتمعوا على الكذب، واما ان يروى بما هو دون ذلك كان يرويه عدد قليل واحد او اثنان أو ثلاثة أو يكون من الممكن أن يتسرب إليهم التواطؤ على الكذب. وحينئذ يختلف الحكم على الخبر بحسب.
طبعا كل ما ذكره الشيخ حفظه الله من أول كلمة والائمه عليهم رحمة الله هذا لم يستطيع أن يأتي عنه بنقل واحد عن الأئمة المتقدمين، وإنما هو يذكر من أول الخطيب البغدادي رحمه الله ومن اخذ عنه هذا الأمر، أما عند الأئمة المتقدمين فكان عندهم هذه القسمة بهذه الشروط هي محل نقد وليست محل قبول.
الأمر الثاني يا شباب هو أن ان العلماء قد يستعملون لفظ المتواتر والأحاد، مثلا البخاري عمل كتاب خبر الواحد، لكن عمل هذا الكتاب ليرد على المخالفين سواء من المعتزلة أو حتى من بعض الفقهاء الذين كانوا يردون خبر الواحد أو يقدمون القياس على خبر الواحد. العلماء حينما استعملوا هذه الألفاظ لم يستعملوها بنفس الدلالة ولا بنفس المقصد، فالمعتزلة لما استعملوا هذا التقسيم كان عندهم غرض، وترتب على هذا التقسيم أمور أخطأوا فيها وردوا بها كثيرا من السنن، حتى ردوا بها كثيرا من السنن التي هي في غاية الصحة والقبول. والامر الثاني انهم لم يريدوا بهذه الألفاظ ما يريده المحدثون منها، فالمحدثون عندهم الحديث المتواتر هو الذي الحديث الذي يعني روي من طرق كثيرة وهو حديث صحيح مقبول، إنما هؤلاء يعني كل هذه الألفاظ هي يستحيل تواطؤه مع الكذب، كل هذا الشيخ حفظه الله لم يأخذه عن المحدثين وإنما أخذه عن المتكلمين الذين اخذ عنهم الخطيب البغدادي رحمه الله. تفضل.
وحينئذ يختلف الحكم على الخبر بحسب عدد الناقلين له وبحسب الأمور المجتمعة فيه من إمكانية التواطئ على الكذب فيه من عدم ذلك، ولهذا يرى العلماء أن الأخبار إما أن تكون متواترة.
يعني اصلا فكرة التواضع على الكذب لم تكن اصلا متداولة عند اهل العلم بالحديث لماذا يا شباب؟ لان كلمة التواضع الكذب معناها أن هذا الرجل عندك ليس عدلا فانت تريد أن تزيل كل سبب يمكن أن يكذب به. طيب ليس عدل يعني إذا كان يحتمل عندك أن هذا الرجل يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك تحتاط وتتخذ أسباباً يستحيل معها التواطؤ على الكذب؟ يبقى أنت تتكلم في إنسان تشك فيه فليس عدلا، فهمت كده؟ فده موضوع اخر بقى. أنت كده يعني لذلك الشافعي رحمه الله لما انتقد هذه الشروط انتقداها من هذا المبدأ، يقول لهم: أنتم تبحثون عن فكرة استحالة التواضع على الكذب ونحن نتكلم عن رجل عدل ثقة صادق، لا نتكلم عن رجل نريد أن نزيل كل سبب حتى لا يتواضع على الكذب. احنا اصلا نريد أن يكون عدلاً، فإذا كان يكذب في أحاديث الناس نرد روايته، فما بالك إذا كان يكذب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم؟ لذلك الشيخ لن يذكر له أمثلة، يعني اذكر مثال للمتواتر المعنوي، متواتر اللفظ يقول مثلا: «من كذب علي متعمدا». لن يستطيع أن ياتوا بمثال، وهذا المثال لا يتوفر فيه ولا شرط واحد من هذه الشروط. تفضل.
المتواتر، فما رواه عدد جم يجب إحالة اجتماعهم على الكذب. فالمتواتر ومنه لفظي ومعنوي وهو يفيد القطع. قال الخطيب البغدادي: خبر التواتر هو ما يخبر به القوم الذين يبلغ عددهم حدا يعلم عند مشاهديهم بمستقر العادة أن اتفاق الكذب منهم محال، وأن التواطؤ منهم في مقدار الوقت الذي انتشر.
لاحظ أن هو جعل العدد هو السبب في استحاله الكذب، من الذي قال إن العدد هو السبب في استحالة الكذب؟ ألا يمكن أن يجتمع مليار شخص على كذب؟ ولا يمكن أن يكون هناك شخص واحد تطمئن لخبره لثقته والقرائن؟ فلذلك زي ما قلت لك شباب، أن المشكلة ليست فقط في أنك أنت تقول ما المشكلة يعني أن نقبل بهذه القسمة؟ لا، هذه القسمة من أساسها خطأ، والشروط التي افتترضت فيها ليست واقعية وهي خطأ، وسيترتب عليها أمور منكرة ربما أنت لا تدري بها، لأن اللوازم أنت قد لا تشعر بلوازم القول واضح. يعني أنت لما تقول مثلا إن المؤمنين في الإيمان سواء، ممكن تقول هذا، طب لو أنت يعني جعلتني من لوازم هذا القول أن يكون إيمان أي شخص فاسق من المسلمين يساوي إيمان أبي بكر الصديق، بشاعة هذا اللازم ستجعلك تعرف بشاعة هذا الأصل الذي لزم عنه. فنفس الشيء، أنت حينما تاتي مثلا تقول والله إيه المشكلة أن احنا نقول الأخبار تنقسم إلى متواتر واحد بهذه الشروط؟ المشكلة الأولى أن أحداً من كبار علماء الحديث لم يقل به. ثانياً أن أصل هذه القسمة نشأ من عند المعتزلة. ثالثاً أنه استعملوه في رد الأخبار الصحيحة. رابعاً أن أنهم يلزمونك به لأنك أقررت به وقالوا إن العقائد أو اصول الدين لا يؤخذ بها إلا بالقطع، والقطع لا يكون إلا بهذا، فانت إذا احتجت عليهم بخبر يقولون لك لم يتوفر فيه شروط القبول، واضح؟ فمن الخطأ أنك أنت توافقه على الأصل وتخالفه في التطبيق، فلذلك هذه القسمة من أساسها خطا. لكن علماء الحديث استعملوا لفظ المتواتر في كلامهم كما ذكر الإام مسلم مثلا في كتاب التمييز يقول أن كلمة يعني يذكر كلمة التواتر بمعنى كثرة الروايات الصحيحة، واضح، ويستعملها غيره من العلماء، لكن لم يقولوا
إن الحديث ينقسم إلى متواتر وآحاد، ولا بهذه الشروط ولا يطردونه، ولم يردوا به الأخبار بالعكس، ده إذا كان هم كانوا يردون على من فعل ذلك، مثل مثل بشر المريسي أو حفص الفرد أو أبان بن عيسى أو أي واحد من المعتزلة الذين كانوا يتكلمون بهذا ليردوا به الأخبار في صفات الله وفي القدر وفيما يخالفهم، كان العلماء ينكرون عليه. اتفضل.
ومعنى هذا أن الأخبار المتواترة هي الأخبار التي جاءت من رواة كثيرين؛ أي الأخبار التي رواها عدداً كثيراً يستحيل في العادة على مثل هؤلاء الرواة الذين كثر عددهم أن يتواطؤوا على كذب الخبر أو أن يتفقوا على اختلاقه، فهذا هو الخبر المتواتر.
أما إذا رواه عدد كثير ولكن لم يتحقق الشرط الآخر، وهو أن يستحيل في العادة أن يتواطؤوا حتى كلمة الاستحالة والعادة هذا لم يتكلم به المحدثون، هذا الكلام أجنبي عنهم أصلاً، استحالة والعادة المحدث عنده العدالة والضبط، عنده الثقة والصدق والأمانة والتقوى، ما عندوش فكرة استحالة لأن كلمة استحالة ما معناها أن هذا الرجل معصوم، يعني أنت إذا قلت أن هذا الراوي يستحيل أن يتواطأ مع الراوي الآخر عن الكذب مثلاً استحالة من أين أتيت بها؟ سيبقى الإمكان له مجال واضح، ماشي؟
فإن الخبر حينئذ لا يسمى خبراً متواتراً، بل هو من أخبار الآحاد، ويسمى بالخبر المشهور المستفيض، فالخبر المشهور أو المستفيض هو خبر تحقق فيه كثرة عدد الرواة، ولكنهم أما لم يبلغوا في الكثرة إلى حد أن يحكم لحديثهم بالتواتر، واما أنه لا يمتنع في مثل هؤلاء الرواة أن يتفقوا على افتراء الخبر واختلاقه، فحينئذ لا نحكم لمثل هذا الخبر بالتواتر بل نقول هو مشهور فقط، والمشهور من أخبار الآحاد وإن كان من أفضل أنواع الآحاد.
التواتر اللفظي الآحاد يا شباب هو أي حديث تخلف عنه شرط واحد من شروط التواتر هو ده معناه، لذلك ابن حban ماذا قال؟ قال: أما الأخبار فكلها آحاد، يعني إذا كنت أنت تشترط هذه الشروط يبقى كل كل الأخبار آحاد، لأن ما فيش حديث واحد ينطبق فيه الشروط دي ولا حتى شرط واحد منها، ماشي؟
التواتر اللفظي والمعنوي قال الخطيب البغدادي أيضاً: التواتر ضربان، أحدهما تواتر من طريق اللفظ والآخر تواتر من طريق المعنى، فأما التواتر من طريق اللفظ فهو مثل الخبر بخروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ووفاته بها ودفنه فيها ومسجده وقبره وما روي من كل هذه الأخبار لم يتوفر فيها شرط واحد من شروط المتكلمين، كل هذه الأمثله التي ذكرت كمثال للمتواتر اللفظي لم يتوفر فيها شرط واحد، مش مش مثلاً كل الشروط واضح، يعني كلها متواترة صح عند أهل السنة بشروطهم، إنما على شروط المتكلمين لا توفر فيها.
هل في عندك خبر جاء روي في كل طبقة عشرة على الأقل قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من مكة إلى المدينة؟ مش هتلاقي خبر واضح.
فهو هو هو يعتمد هنا على ماذا؟ على انتشار هذا الخبر وتداوله، وهذا لا يعتبر به المتكلمون كشرط للمتواتر. اتفضل.
قلت يعني أنا وتعظيمه القرآن وتحديه وتحديهم به واحتجاجه بنزوله وما روي من عدد الصلوات وركعاتها وأركانها وترتيبها وفرض الزكاة والصوم والحج ونحو ذلك، قلت يعني أن المتواتر اللفظي هو أن تجيء روايات متعددة كثيرة كما قلنا، كل رواية لا يشترط فيها التواتر، ولكن اجتماعها يشكل التواتر، لأنها حيث رويت هذه الروايات من طرق متعددة فقد رواها عدد كثيراً، وقد استحال أن يتواطأ مثل هؤلاء على الكذب، فاذا كان هذا الذي تواردوا على نقله واتفقوا على روايته مما قد صرح به في هذه الروايات وكان منصوصا عليه فيها، فقد تواتر هذا الذي تواردوا عليه واتفقوا على روايته، وإن لم يكونوا جميعا قد جاؤوا به بلفظ واحد، إذ ليس من الضروري أن ياتوا به بلفظ واحد، وإنما يكفي أن يكون هذا المعنى الذي تواردوا عليه قد جاء منصوصا عليه في هذه الروايات كلها، فحينئذ يكون هذا من التواتر اللفظي، والأمثلة التي ذكرها تدل على ذلك، فكلها معان جاءت منصوصا عليها في الروايات وإن كانت بالفاظ مختلفة، هذا هو تعريف الامام الخطيب البغدادي للمتواتر اللفظي، وهو أولى من تعريف غيره الذين خصوا المتواتر اللفظي بما جاءت رواياته بلفظ واحد، فإن هذا فيه تقييد لهذا النوع من انواع المتواتر وهو المتواتر اللفظي.
حتى أن بعضهم أنكر وجود مثل هذا النوع بهذه الصورة، وبعضهم قال إن وجوده عزيز جدا، يعني بهذه الصورة التي قيدوه بها، حتى أن الإمام ابن الصلاح عليه رحمة الله استبعد وجوهه وجوده وقال: إن وجد فليكن في حديث من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. فهذا الحافظ الواسع الاطلاع لم يجد في محفوظاته وفي علمه الواسع حديثا يصدق عليه هذا التعريف للمتواتر اللفظي إلا هذا الحديث.
نعم، لماذا يا شباب؟ لأن ابن الصلاح كان يتكلم عن أهل الحديث، فلذلك أصلاً لم يتكلم عن المتواتر والآحاد مع أنه استوعب أنواع الحديث ولم يتكلم عن هذا تمام، فهل هو يعني يريد أن المتواتر اصطلاح المتواتر عند المحدثين لا يوجد إلا في هذا الحديث؟ لا، يريد أن يقول إن المتواتر بشروط المتكلمين أو المعتزلة لا يوجد، وقد يوجد في هذا.
فكان أنا كنت أحب أن الشيخ يبرز هذا، أن هو لا يقصد أن المتواتر لا يوجد إلا في هذا الحديث، لا، المتواتر موجود في روايات كثيرة جداً، لكن المتواتر بمعنى المحدثين، اللي هو حديث صحيح كثرت طرقه واستفاض بين الناس وصار مشهوراً معروفاً تبنى عليه الأحكام واضح، حتى لو كان حديثاً واحداً زي إنما الأعمال بالنيات استثاره منتشراً ويدخل في كل الكتب ورواه الأئمة والحفاظ وتداولوه وبنوا عليه الأحكام، لكن المتواتر بشروط المعتزلة لا يوجد حديث واحد يتوفر فيه شرط واحد، مش الأربع شروط اللي ذكروهم شرط واحد فقط لا يوجد أصلاً.
هذه الشروط افتراضية، وهم أنفسهم لم يأتوا بمثال، وهو ده الظريف في الموضوع أنهم اختلفوا في العدد عدد الرواة واختلفوا في شروط أخرى، يعني ده لسه في ناس اشترطوا شروط أدق وأصعب. الحديث المتواتر عند المحدثين ما أنا قلت لك أنه هو الحديث الصحيح الذي تكثر طرقه ويتناقله العلماء ويتداوله ويكون عليه العمل، يعني كلمة متواتر هي كلمة نادرة جداً في كلام العلماء، نادرة جداً قليلة واضح.
لكن غيرهم لما استعملها صار بعض العلماء يعني يستعمل اللفظ على المعنى عنده، إنما كلمة المتواتر والآحاد هذه أن أحد من علماء المتقدمين اللي هو في القرن الأول أو الثاني أو الثالث قال إن الأخبار تنقسم إلى متواتر وآحاد هذا ليس له وجود، بل كانت هذه القسمه محل نقد عند من شهدها واضح.
لا لا، لأن هو الشيخ اعتمد على الشيخ كان في كتابين يعني بيحبهم للخطيب البغدادي، كتاب اسمه الكفاية وكتاب اسمه الجامع لأخلاق الراوي آداب السامع وطبعا له كتاب الفقيه المتفقه وغيره، فهو نقل عنه يعني رأى أن هذا قسم فذكره. المحدثين غير بها الكتاب.
لا، لأن الحافظ ابن حجر كمان ذكره المتأخرين كلهم مصطلحين على هذا التعريف. لا ليسوا مصطلح، لا مش المتأخرين، طب ما الذهبي لم يذكرها وهم المتأخرين.
أن هذا الأمر لا يعني كأنه لم يلاحظ ما سيترترب عليه عقديًا، فهمت كده؟ والا هو لو اطلع على كلام الشافعي في نقده في كتاب جماع العلم وغيره واطلع على كلام الإمام أحمد في نقد مثل هذه الأمور ما أظن أن هو كان يذكره لأنه كان سينتبه للوازم التي ستلزمه، لكن هو وجد الخطيب البغدادي ذكره فاتحله في الكتاب، لذلك هو مش لن يكثر فيه يعني خلاص سيتجاوز هذا الأمر. عن الأصوليين لم يسنده عن أحد من المحدثين.
لا، هو هو ذكر الشروط يعني هو نفسه دخل عليه بعض كلام المتكلمين الخطيب بغدادي رحمه الله زي ما بعض العلماء دخل عليه زي النووي رحمه الله زي ابن حجر دخل عليه شيء من كلام الأشاعره واضح، يعني لا يلزم أن يكون منهم، لكن هو دخل عليه شيء منهم، ذكر شرطي اللي هو عدد الكثير ويستحيل.
تواطؤهم الكذب، هذا ذكره نصاً الأغلب، آه الأغلب يعني يمشي معها. لكن إذا أخذنا بتعريف الخطيب البغدادي من أن المتواتر اللفظي لا يشترط أن يكون بلفظ الحديث، بل يشترط فقط أن يكون المعنى منصوصاً عليه في هذه الروايات المتعددة ولو بألفاظ مختلفة، فإن هذا يوسع الدائرة بحيث يدخل في المتواتر اللفظي أمثلة كثيرة من الأمثلة التي ذكرها أهل العلم عليهم رحمة الله.
ثم قال: بس عشان نبقى فاهمين كلام الشيخ برضو، لا يفوتنا يعني احنا نفهم الكلام حتى وإن كان في محل نقد لكن نفهم الفكرة، الشيخ يريد أن يصل إلى نقطة مهمة وهي أن المتواتر اللفظي لا يلزم أن يكون اللفظ واحداً في كل الروايات، يمكن أن يكون المعنى المراد الاستشهاد له واحداً، كيف مثلاً؟ يقول الإنسان تواتر حلم النبي صلى الله عليه وسلم، تمام كذا؟ يعني هو قريب من فكرة التواتر المعنوي فيأتي بأحاديث مثلاً إن في واحد من الأعراب جأر على النبي صلى الله عليه وسلم فتحلم، وهكذا يجيب وقائع مختلفة خلاصتها تفيد صفة الحلم، فهو بيقول أن هذا يحكم له بالتواتر أيضاً، لا يلزم أن هو يكون بنفس اللفظ اللي هو من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، لا واضح. هو قريب من التواتر المعنوي من هذه الجهة أن المعنى هو الذي تواتر، أو على الأقل جزء من المتن اشترك في كل الروايات حتى لو لم تكن كل رواية متواترة، لكن هذا الجزء متحقق واضح.
طبعا لا يمكن للمتكلمين أن يقبلوا بهذا الكلام، لا يمكن، لا يقبله أصلاً بهذا الكلام، ودي المشكلة بقى أنك انت أنا بسميها الترقيع، أنك انت لا تنتبه أن هذا الكلام اللي أنت قلته لا يجري لك لا على كلام المحدثين ولا على كلام الأصوليين، لأنك أخذت شيء منهم وهو الفكرة ولما ضربت مثالاً ضربت مثالاً لا تنطبق عليه الفكرة، واضح كده ماشي؟ زي ما بعض الناس يا شباب يقول إيه: لسان العرب فيه حقيقة ومجاز إلا في نصوص الصفات! ليه هي نصوص الصفات باللغة اللاوندي؟ ما هي باللغة العربية! إذا أنت أمكن عندك تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز في لسان العرب فهذا نص عربي: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22]، ﴿يَنزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ﴾. إذا أمكن عندك أن تصرف اللفظ على قولك يعني من الحقيقة إلى المجاز بقرينة فلماذا نستثني نصوص الصفات؟ ليه؟ ألا يمكن من العرب! فهمت المشكلة يا شباب أنك أنت إذا وافقت على الأصل قد لا تدرك اللوازم التي ستلزمك، واضح كده؟
لذلك من توفيق الله للإنسان أن هو يدرك اللوازم في القول، لأنك أنت ممكن لا تدرك هذا تقول يعني ما المشكلة اللي هيحصل يعني؟ لا، فتنتبه لأنك أنت لو عرفت أصل هذه القسمة ودوافعها ومن تكلم بها وكيف نقضها العلماء، هتفعرف لماذا واحد مثل الشافعي يهتم بهذه المسألة ويصنف فيها كتباً منها جماع العلم وغيره في ثنايا كلامه، ليه؟ لأنه شعر بخطر هؤلاء لأنهم سيشترطون شروطاً تبطل السنة، واضح كده؟ اللي هم ما يقدروش يقولوا احنا لن نأخذ بالسنة، لكن سيشترطون شروطاً لا تنطبق على الأحاديث، فإذا احتجت أنت بحديث في الصفات، في الإيمان، في القدر، في أي باب مما يخالفهم قالوا: لا هذا لا يتفق، لا هذه أصول الدين فكيف نحتج عليها بخبر ظني؟ وهكذا ماشي.
ثم قال الخطيب البغدادي: واما التواتر من طريق المعنى فهو أن يروي جماعة كثيرون يقع العلم بخبرهم كل واحد منهم حكماً غير الذي يرويه صاحبه إلا أن الجميع يتضمن معنى واحداً، فيكون ذلك المعنى بمنزلة ما تواتر به الخبر لفظاً. مثال ذلك ما روى جماعة كثيرون من عمل الصحابه بخبر الواحد، والأحكام المختلفة، والأحاديث المتغيرة، ولكن جميعها يتضمن العمل بخبر الواحد العدل.
وهذا أحد طرق معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه روي عنه تسبيح الحصى في يديه، وحنين الجذع إليه، ونبع الماء من بين أصابعه، حتى لفظ المعجزات ولفظ محدث لم يتكلم به النبي، لم يأتِ في القرآن، ولم يتكلم به النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتكلم به الصحابة، ولم يتكلم به التابعون، وإنما كلام محدث، لأنهم أرادوا أن يقولون أن النبي ياتي يعجز الناس هذا ليس صحيحاً. اللفظ الصحيح هو الآية أو البصائر أو البينات أو البرهان، هذا اللفظ ما من الانبياء نبي إلا وقد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، أو مثلاً: ﴿أَوْ لِجِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ﴾ [الشُّعراء: 30] البينات أو البصائر أو البراهين، ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ﴾ [القصص: 32] هذا هو اللفظ الصحيح.
إنما لفظ معجزة هل كون الشيء معجزة يدل على أنه نبي؟ أفرض واحد مثلاً جاء طبيب فتح قلب واحد وعمل قلب مفتوح ونحن جميعاً عجزنا عن أن ناتي به أن نفعل مثله، وهل صار نبياً؟ لا فرق بين أن يكون شرط في الآية أن يعجز عنها الانس والجن وبين أن يكون مجرد كونها معجزة هي آية، لا مش لازم، واضح! ليس كل شيء خارق للعاده يكون آية لنبي، طب ما الدجال ممكن يحط سيف في بطنه ولا يموت! وبعض الناس كان في عهد بعض العلماء يدخل في النار ولا يحترق، واضح وهكذا يعني المسيح الدجال بيقسم واحد نصين ويرجعه تاني، هل ده ولي من أولياء الله أو نبي؟ لا.
فيبقى مهم جداً يا شباب أنك أنت تنتبه فكرة الألفاظ، واحد يتساهل يقول يعني ما المشكلة في الاصطلاح خطأ المعنى ينبغي أن يعبر عنه باللفظ المناسب، ما تجيش أنت تقول لا مشاحة في الاصطلاح، إذا كان الله سمى شيئاً باسم فكيف أنت تغير هذا الاسم؟ يعني هل جاءت آية واحدة يا شباب على كثرة ما ذكره الله عن آيات الأنبياء هل جاء نص واحد في كلمة معجزة؟ طيب إذا لم يأتِ نص واحد كيف تستبدل لفظ المحدث بلفظ القرآن؟ لأن الباء تدخل على المتروك فانت استعملت اللفظ المحدث اللي هو المعجزة وتركت اللفظ المحكم اللي هو جاءت به كل الآيات: سلطان وبرهان وحجة وبينة وبصائر، وهكذا أنت تركت ده وجبت كلمة! لماذا لم تستعمل الآية؟
فهمت؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرُوا﴾ [البقرة: 104] صحيح حتى لو كانت الكلية تريد منها نفس المعنى، لكن ربنا علمك لأن اليهود كانوا يستعملون هذه اللفظة، فخلاص النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقولوا للعشاء العتمة. واضح وهكذا، وجعلوا طعام القليل كثيراً ومج الماء من فمه في المزاد فلم ينقصه الاستعمال، وكلام البهايم له وما أشبه ذلك مما يكثر تعداده.
قلت: إن المتواتر المعنوي عند الإامم الخطيب البغدادي هو أن تجيء روايات متعددة كل رواية من هذه الروايات تتعلق بأمر يختلف عن بقية الروايات، فرواية متعلقة بالهجرة، ورواية أخرى متعلقة بالصلاة، ورواية ثالثة متعلقة بالزكاه، هذه بالمدينه وتلك بمكة، هذه في الصباح وتلك في المساء، هذه في الصيف وتلك في الشتاء، فهي روايات متعددة ليس بينها رابط إلا أن هذه الروايات المتعددة من الممكن أن يستنبط من كل رواية منها معنى تتفق عليه، وهذا المعنى غير منصوص عليه في هذه الروايات، ولكنه من الممكن أن يفهم منها وأن يستنبط منها، فإذا جاءت تلك الروايات الكثيرة والتي تضمنت هذا المعنى والذي استخرجناه منها عن طريق الاستنباط، فإن هذا المعنى الذي استنبطناه من هذه الروايات كلها على الدلالة عليه يكون من المتواتر المعنوي.
ثم مثل لذلك بما روى جماعة كثيرون من عمل الصحابة بخبر الواحد، ومراده أن الأخبار التي جاءت عن كثير من الصحابة وتضمنت الأخذ بخبر الواحد كل خبر منها في قصة على حدة، خبر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه متعلق بمسألة، لكن موقف أبي بكر الصديق من هذه المسألة دل على احتجاجه بخبر الواحد، وموقف آخر مع عمر بن الخطاب في قصة أخرى في واقعة أخرى ولكنه رضي الله عنه في هذه الواقعة استدل للمسألة بحديث رواه رجل واحد، فدل ذلك أن عمر كان ممن يحتج بأخبار الآحاد، وهكذا الشأن في علي بن أبي طالب.
وهكذا الشأن في سائر الصحابة رضي الله عنهم جميعا، فالروايات متعددة والأخبار متغايرة والحكايات في مواقف مختلفة، ولكنها تجتمع وتتفق على معنى واحد، وهو أن كل واحد من هؤلاء الصحابة كان يحتج بخبر الواحد. فنستطيع أن نقول باجتماع هذه الروايات أن احتجاج الصحابة بخبر الواحد مما تواتر عن طريق المعنى. إذاً، القدر الذي تواتره هو احتجاج الصحابة بخبر الواحد، وهذا غير منصوص عليه في هذه الروايات، وإنما فهم واستنبط منها فقط.
ثم مثل الخطيب بما روي من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسية، ومراده أن هذه حكايات متعددة في مواقف متباينة وفي مواقع مختلفة، ولكنها جميعا تدل على معنى واحد. أيضاً مثلاً يا شباب، عشان تفهم من الأخطاء أنهم قالوا إن المعجزة لابد أن تكون أمراً خارقاً للعادة، مثلاً هذا ليس صحيحاً؛ لأن المعجزة يعني اللي هي آيات الأنبياء اللفظ الصحيح ما مثله آمن عليه البشر. أضرب لك مثلاً: لما كنا بناخذ كتاب بدء الوحي، هل هرقل رأى ما يسمى بالمعجزة؟ هل رأى النبي يفعل شيئاً خارقاً؟ أبداً، وإنما سأل عن فيما يدعو، من اتباعه، بما يأمركم؟ من مجموع هذا أوقن أنه رسول الله وخاتم النبيين، صحيح؟ مع أنه لم ير شيئاً خارقاً للعادة. أم المؤمنين خديجَة رضي الله عنها لما قالت: «كلا والله ما يخزيك الله أبداً»، استدلت بخلقه أنه لا يمكن أن يكون أتاه جن.
فكل هذا يا شباب ما على مثله آمن البشر، هذا أصح ضابط لمعنى آيات الأنبياء؛ يعني ما يكون سبباً في أن يوقن هذا الشخص بأنك نبي من عند الله. ده بقى يختلف، ربنا سبحانه وتعالى يقيم الحجة حتى لا يبقى حجة لأحد؛ يعني هم لما قالوا: «وما جئتنا ببينة»، كذبوا! جاءهم بالبينات. ففي فرق، يعني ليس من شرط الآية أن يؤمن بها، واضح؟ المهم أنها تكون دليلاً؛ لأن الدليل يبقى دليلاً وإن لم يستدل به أحد، وغير الدليل لا يصير دليلاً باستدلال المستدل.
يعني تصور أن واحداً مثلاً قال: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] حجة في أن ننكر أن يكون لله صفة موجودة عند المخلوق، حتى لو -طبعاً في فرق- لله الكمال. فهو استدل بآية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، طب هل هذا الدليل لو استدل به مليون شخص هل يصير دليلاً على مسألة وهو لم يدل عليها؟ لا، الدليل لا يصير دليلاً باستدلال المستدل، واضح كده؟ وكذلك الدليل لا تبطل دلالته بعدم استدلال أحد به، فمن يا شباب أفرض ربنا بعث نبياً إلى الناس وكلهم كفروا به، هل هذا يشكك في نبوته؟ لا. طب أفرض واحد زي مسيلمة الكذاب آمن له مئات الآلاف، هل إيمانهم يصيّرُه نبياً؟ لا. الدليل يستمد قوته من نفسه، فهمنا كده يا شباب؟ يعني إيش صالح، هل هي آية حتى لو هم كفروا بها؟ آية. فهمنا؟ تفضل.
ثم مثل قضية -عفوًا- قضية كون النبي صلى الله عليه وسلم له معجزات حسية ليس منصوصاً عليها في هذه الروايات، ولكننا فهمناها من كل رواية على حدة، فلما كثرت الروايات بذلك كان هذا الأمر الذي استنبطناه من كل رواية روايةً، من كل رواية من روايات من تلك الروايات، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم له معجزات حسية، كان أمراً متواتراً لكثرة ما جاء من الروايات الدالة على هذا المعنى والمتضمنة لهذا المعنى. فمجموع هذه الوقائع يثبت تواتر كون النبي صلى الله عليه وسلم له معجزات حسية تواتراً معنوياً؛ لأن هذا المعنى هو الذي تضمنته تلك الوقائع كلها. وهذا بصرف النظر عن كون كل واقعة من هذه الوقائع جاءت بطريق التواتر أو لا، والله أعلم.
وها هنا أمر في غاية الأهمية، وهو مما يتعلق بالخبر المتواتر بنوعيه، ذلك أن الأئمة عليهم رحمة الله قد يطلقون على باب من الأبواب، أو على حكم من الأحكام من الأحكام، أو على أمر من الأمور بأنه متواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بناءً على كثرة الأخبار الصحيحة التي تضمنت هذا الحكم أو ذلك الأمر. فيأتي بعض من لم يحسن تصور هذا الباب فيحكم على كل حديث جاء فيه هذا الامر أو تضمن هذا الحكم بالصحة، بل ربما بالتواتر، بناء على ثبوت تواتر هذا الحكم أو ذاك، أن يريد أن يقول لك إنه يتواتر فقط في المعنى المشترك، أما كل حديث على حدة فليحكم له بالتواتر، هذا خلاصة ما يقول. تفضل.
وهذا ليس بشيء وتصرف غير صحيح؛ لأن تواتر هذا الحكم أو ذاك الأمر لكثرة ما جاء فيه من روايات لا يستلزم تواتر كل أفراد هذه الروايات؛ لأن الحكم بالتواتر إنما هو حكم للقاسم المشترك، للقاسم المشترك بين هذه الروايات فقط، دون ما تفردت به كل رواية من هذه الروايات. ولنضرب لذلك مثالاً يوضح: ذكر أئمتنا مما تواتر عن طريق المعنى رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه عند الدعاء، بناء على كثرة الروايات الصحيحة التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقائع مختلفة والتي تضمنت هذا الأمر. هذا القدر من كلام الشيخ، هذا هو الذي نقوله؛ يعني كثرة الروايات الصحيحة، ما فيش بقى ولا استحالة تواطؤ على الكذب أو يشترطون عدداً معيناً، لا، ما فيش الكلام ده، روايات كثيرة يطمئن لها القلب بس.
فالشيء المتواتر من تلك الروايات هو القدر المشترك بينها، مشترك بينها فقط، وهو رفعه صلى الله عليه وسلم ليديه عند الدعاء. أما باقي التفاصيل التي تفردت فيها كل رواية عن الأخرى فهي صحة الرواية التي تضمنتها بمفردها وليست هي بمتواترة. وعليه، فلو جاءت رواية أخرى ضعيفة في نفسها لعدم توفر شرائط الصحة فيها، وتضمنت أيضاً رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه عند الدعاء مع زيادات أخرى وتفاصيل مختلفة، فانه لا يصح والحالة هذه أن تصحح تلك الزيادات بناء على أن هذا الجزء منها قد تواتر عنه صلى الله عليه وسلم؛ لأن تواتر هذا الجزء من تلك الرواية إنما يدل على صحته في ذاته، ولكنه لا يدل على صحة باقي التفاصيل التي تضمنتها الرواية لعدم صحة هذه الرواية التي تضمنتها حيث جاءت بإسناد ضعيف غير صحيح، فينبغي التنبه لهذا الأمر؛ فانه في غاية الأهمية.
الآحاد، وخبر الآحاد ما قد قصر عن التواتر ولو كثر رواته، رواته جل الحديث منها، وهي على مراتب فخذها، قال الخطيب البغدادي:
مفاعل مشكلة.
وهي على مراتب فخذها، قال الخطيب البغدادي: خبر الآحاد هو ما قصر عن صفة التواتر ولم يقع به العلم، شوفوا بقى هذا هو أثر الحكم: لم يقع به العلم. يعني ماذا يا شباب؟ يعني لا يصح أن تقطع به وإن كنت ستعمل به. يعني في فرق يا شباب بين أنه يوجب العمل أو يوجب العلم والعمل، وكل ما يوجب العلم يوجب العمل؛ يعني الحديث ستعمل بمعناه، فهو كل هذا ليس من كلام المحدثين، وإنما هو كما قلت لكم من كلام المتكلمين، ولكن دخلت على الخطيب رحمه الله فلذلك قال: إنه إذا قصر عن صفه التواتر لم يقع به العلم. العلم المقصود به هنا القطع في مقابل الظن؛ يعني أنت ستعمل بهذا الحكم لكن لا تقطع به لو نقص أي شرط من هذه الشروط. واضح؟ اتفضل.
واعلم أن جل الأخبار من الآحاد، والمتواتر بالنسبة للآحاد قليل، وعليه فمن تنكب عن قبول أخبار الآحاد فقد عمد إلى ترك غالب السنن، وهذا يكفي في إبطال قول من لا يحتج في العقائد إلا بالمتواتر، والله المستعان. هو هذا بقى، هي دي الفكرة أن الشيخ حاول أن يقول لك: لا، نحن لن، يعني شوف خليني نقرا الجملة ثاني: واعلم أن جل الأخبار من الآحاد -لا، هو مش جل هو كل، إذا انت قصدت المتواتر والآحاد بقسمة المعت- فكل الأخبار من الآحاد -وهو قال: جل الأخبار من الآحاد، والمتواتر بالنسبة للآحاد قليل- تمام، خلينا نشرح الكلام-: فمن تنكب عن قبول أخبار الآحاد فقد عمد إلى ترك غالب السنن، هذا هو الذي تنبه له.
العلماء لذلك أبطلوها من الأساس؛ لأنك أنت إذا قبلت الأصل ثم أنكرت الفرع الذي يلزم عن هذا الأصل، يبقى ده خطأ. مين اللي تناقض كده؟ أنت، صح ولا لا؟ لأنك أنت معنى أنك أنت وافقت على هذه القسمة من الأساس وهذه الشروط، فكيف لا تقبل تطبيقها؟ يعني لما يأتي لك شخص يقول لك: جاء ربك، لا يمكن أن يكون معناه أن الله يجيء، وإنما جاء أمره، جاء ملك من ملائكته مثلاً، فأنت تقول: لا، إزاي؟ يقول لك: أنا عندي قرينة تصرف هذا الكلام عن ظاهره، أن الله يستحيل أن يأتي ويتصف بصفات المخلوقين؛ فليس كمثله شيء. المبدأ غير منكر؛ لأنك أنت وافقت أن يكون الكلام منقسم إلى حقيقة وما جاز. بهذه الطريقة، فهو بيقول: أنا عندي، عندي قرينة، كما أنك صرفت بعض النصوص وجازت عندك، فأنَا كذلك صرفت هذا النص. فهي هو ده شباب الانتباه لأصل المسألة، فلذلك كل مسألة لم يتكلم فيها النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، وكان عليها يعني التابعون والأئمة، وإنما حدثت زي بدعة الخوارج، بدعة القدرية، بدعة المرجئة، بدعة الرافضة، كل هذه البدع وما تشعب عنها، كان العلماء ينكرونه. يعني قتادة رحمه الله لما أراد أن يستدل على بطلان أمر الخوارج، بماذا استدل؟ قال: إن الخوارج ظهروا وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين أحياء، ما دخل واحد منهم في البدعة، بل أنكروها، صح ولا لا؟ طيب، إذا لم يدخل واحد منهم في البدع وكلهم أنكروها، هل يبقى أحد يدخلها؟ فهمنا كده يا شباب؟ فإذا كان هذا الأمر أول ما ظهر أنكره العلماء الذين اهتموا بهذا الأمر، كيف أنت تقول: سأقول به، لكن لا أقبل لوازمه؟ فهمت ماشي؟
البغدادي أخذ القول من المعتزلة بتعمل بلازم؟ لا، هو هو؛ لأن القول صار يعني في كتب الأصول، يعني فهمت؟ يعني لأن المعتزلة يا شباب لما كتبوا في أصول الفقه، عندنا كتب أصول الفقه المشهورة، يعني كتب للقاضي عبد الجبار (المعتمد لأبي الحسين البصري، وكتاب العهد للقاضي عبد الجبار)، وكتاب الرازي اللي هو كتاب (المستصفى) للغزالي، و(المحصول) للرازي، و(البرهان) للجويني، كتب مشهورة في الأصول، فهم يدخلون فيها هذا الكلام، فمن يقرأ في كتب الأصول قد يأخذ شيئاً من هذه الأمور ولا ينتبه لما يترتب عليها، أو يأخذها لكن لا يأخذ لوازمها. فالشاهد عشان نفهم بس الخلاصة يا شباب، أن هذا الأمر كما نرى أن الشيخ حفظه الله أخذه عن الخطيب البغدادي، والخطيب البغدادي أخذه من كتب المتكلمين، لكن المحدثين أما أنهم لم يتكلموا به، أو أنهم أنكروه. اتفضل.
ثم إن أخبار الآحاد على مراتب، بعضها أقوى من بعض، منها المشهور والمستفيض والعزيز والغريب، فخذها مستعيناً بالله تعالى. يعني أخبار الآحاد التي ليست متواترة، هي تسمى أسماء بحسب عدد الرواة.
المشهور والمستفيض، فالخبر المشهور ما ينقله جماعة، والمستفيض مثله. الخبر المشهور هو ما رواه عدد كثير من الرواة ولم يبلغ التواتر، ولم يقع به العلم. وعلى هذا، في نفس الشيء لم يقع به العلم، من أين أتينا بهذه الكلمة "لم يقع به العلم"؟ أنت لازم تفهم أبعاد الكلمة، "لم يقع به العلم" يعني لا يبلغ بك أن تقطع به، ستعمل بالحكم الذي تضمنه، لكن لا تقطع به. ما الذي قال ذلك؟ كثير جداً من الأحاديث التي يرويها راوي واحد يقطع العلماء بها ويتداولونها، وتكون أقوى عندهم من حديث آخر روي من طرق كثيرة؛ ليه؟ لأن العلماء يا شباب ينظرون إلى صفة الراوي وليس إلى مجرد العدد، الصفة. فهمت كده ماشي؟
أليس هذا الحنفية عندهم أنه في أول طبقة يكون أحد، ثم في الطبقة التي لا، هذا موجود مش احنا فقط، عند غيرهم؛ لأن الحكم أن الحديث قد يكون آحاداً في طبقة، ويكون يعني غريباً في طبقة، ومتواتراً في طبقة، هذا معروف، هو نفسه سينبه عليه الغريب النسبي، والغريب أو المشهور أقصد. أليس هذا هو في الطبقة الثانية، حتى المشهور قد يكون الحديث مثلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم راوي واحد، فإنما الأعمال مثلاً عمر، ولم يرو عن عمر إلا علقمة، ولم يرو عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يرو عن محمد إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، وبعد ذلك تواتر عن محمد بن سعيد يحيى بن سعيد الأنصاري، ففي حاجة اسمها التواتر النسبي أو الفرد النسبي، أن هو بالنسبة للراوي الفلاني لم يرو عنه إلا واحد، لكن غيره من الرواة في نفس الحديث روى عنه عشرة.
مثل ما تكلمت أنه المهم صفة الراوي وليس الكثرة، نعم. يعني أن ممكن حديث تحته قرائن، ويكون الراوي واحد، تمام، وانت يعني يشهد قلبك بصدقه أكثر من غيره. أصلاً ما هو دي المشكلة، هو نفس المتواتر عندهم ما عندوش حد ضابط؛ لأن من اخترعوا هذه الشروط ليسوا محدثين. ممكن يكون حديث ضعيف أقوى من... لا، لا، مش كده، مش ده المعنى، المعنى أنهم يقولون: قد تعمل به، لكن لا تقطع به. ده ليه؟ لأنك لما تيجي في أمر عقدي خلاص، لا، أنت؛ لأن الأمر العقدي علمي، فهمت كده ماشي؟
وعلى هذا، فالمتواتر إذا تخلف إفادة العلم عنه كان مشهوراً فقط، فكل متواتر مشهور من غير عكس، وبعض أهل العلم يعبر عن هذا العدد الكثير بقوله: أن يرويه الجماعة، وبعضهم يقول: أن يرويه ثلاثة أو أكثر، ولعل التعبير بالجماعة أولى، وهو تعبير الإامم الخطيب البغدادي رحمه الله. فإن الخبر العزيز كما ساتي، فقد قال بعض أهل العلم إنه ما رواه اثنان أو ثلاثة، والخبر المستفيض مثل المشهور عند المحدثين، أنهم يعبرون عن الحديث الذي أقل من المتواتر أو لم يبلغ التواتر لكن رواه العدد الكثير يسمونه مستفيضاً أو مشهوراً. وقد يكون الحديث مشهوراً على الألسنة ويكون ضعيفاً، لذلك مثلاً بعض العلماء زي السخاوي عمل كتاب المقاصد الحسنه لضعيف مشتهر على الألسنة، حديث يكون مشهور على الألسنة زي مثلاً: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا..." هذا ليس حديث أصلاً، فشهرته يعني كونه مشهوراً، ما معنى مشهور؟ يعني مشهور على الألسنة، تتداوله الألسنة، وقد يكون مشهوراً عند الفقهاء، فهمت؟ لكن هو يتكلم هنا عن الشهرة من حيث عدد الطرق. بارك الله فيكم.
العزيز، والخبر العزيز الراويان، وقيل أو ثلاثة، قولان. فالصحيح الحافظ ابن حجر العسقلاني: العزيز ما رواه اثنان. وقد قال غيره كابن منده وابن طاهر المقدسي، ابن الصلاح، ابن دقيق العيد، والعراقي، والنووي وغيرهم: اثنان أو ثلاثة. والتحقيق أن العدد ليس شرطاً في ذاته، بل العزيز صفة لما بين الغريب والمشهور، وربما عدوه من الغريب وربما من المشهور، ومنهم قولهم: فلان عزيز الحديث أي قليل الرواية، لا أن كلمة الحديث العزيز... وطبعا يا شباب هذه الاصطلاحات وهذه التفصيلات لم تكن قط عند العلماء المتقدمين؛ ليه؟ هو لا ييهم كم واحد روى الرواية، يعني مش فكرة مهمة قوي بالنسبة له، المهم صفة من روى الرواية والقرائن التي تحف بالرواية، فهو كانوا يبحثون عن الصفة أكثر من العدد، فهمنا؟ فكلمة العزيز عندهم بعضهم خصها بالذي يرويه راويان أو ثلاثة في كل طبقة من الطبقات.
ماشي، لا أن كل حديث من حديثه قد تابعه عليه، قد تابعه عليه واحداً أو أكثر، والله أعلم. يقصد يقول إن احنا عندنا حد، وهو المشهور والغريب، فكل ما بينهما فهو عزيز، قد يكون اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، فهمت كده؟ لا بس هو حطه برضو انضباط؛ يعني احنا عشان نفهم بس كلامه، أن هو جعله من الفرد إلى المشهور، فهمت؟ فكل ده عدده محدد، فهمت؟
الغريب والفرد، والفائدة يعني مصطلح الغريب على ماذا يطلقه العلماء؟ والفرد والفائدة. والخبر الغريب ما ينفرد بنقله من الرواة واحد، وهو الحديث الفرد. والفائدة، الخبر الغريب هو ما ينفرد بروايته راو واحد، فإذا لم يرو إلا من طريقه... طبعا الشباب، مهم جداً أنك تفهم أن هذه المسائل لا ينبغي أن تكون مسائل افتراق، يرحمك الله، يعني أنت أحياناً الطالب في بدايتها تحمس، فاذا عرف قولا يريد أن يفتح هذه الموضوعات ويناقش ويجادل.
لا، أنت اطلب العلم لنفسك وليس لتقنع غيرك أو لتماري به الناس. واضح؟ أنت الآن سمعت شيئاً، ربما فيما بعد يكون عندك قرء تشهد لهذا الشيء أو عندك أشياء تنقض هذا الشيء، فلا تكن خفيفاً، يعني لا تكون خفيفاً أول ما تسمع الشيء تذيع به، لا، خليك أنت سمعت الآن أصبر، ولا تثير هذه الأمور إلا في مواضيعها وعند من يعقلها؛ لأن أنت ممكن تفتح الموضوع إنسان لا يفهمه أو إنسان مجادل، فتدخل في جدال ملوش معنى. هذه مسائل يعني مسائل اجتهادية، تمام، يعني بمعنى أقصده اجتهادية، يعني ليست مسائل، نحن لا نتكلم هنا في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ومحكمات الإسلام، هذه مسألة في كتب الحديث، فلا ينبغي أن تكون مسائل للفراق والشقاق، لكن هي مسألة تعلم فيها ما بلغك من العلم، لكن متى تثير هذه المسألة ومتى تحتاج أن تبينها؟ هذا بقى، هذا بقى الحكمة: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269]، ممكن الإنسان يضع المعلومة في غير موضعها، لذلك قال عبد الله بن مسعود: ما أنت محدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. تجي أنت مع ناس كده قاعدين وتفتح لهم، تقول لهم إن جاءت أحاديث تقول مثلاً إن والد ووالدة النبي صلى الله عليه وسلم لم تمت على الإسلام مثلاً، وتجيب حديث: استأذنت ربي -حديث البخاري- لأمي فلم يأذن لي، واستأذنت ربي أن أزور قبرها فأذن لي، أنت لماذا تفتح هذا الأمر الذي قد يكون لبعضهم فتنة، ولم نحتاج إلى بيان هذا الأمر؟
فيجب الإنسان يا جماعة لابد أن يفرق بين دائرة المطالعة، تمام، وبين دائرة الدعوة؛ دائرة المطالعة أنت ممكن تطالع شيء في الإلحاد، يعني تشوف نقد الإلحاد أو العلمانية أو المركزية، تمام، لكن مش لازم أنت تثير ما تتعلمه بين الناس، لازم تكون عاقل وتختار ما يحتاجه الناس وليس ما عندك. واحد مثلاً ذاكر مسائل في الإلحاد عايز يكفر صحابه اللي في السكن عشان يبدا يطبق عليهم المناظرات، فاهم؟ فيبدا يقول لهم أنتم مين اللي قال لكم إن القرآن حق، ليه عمّ القرآن جميل؟ لا، يكفره وبعدين تعالي بقى، طب أفرض ماتوا هم في الفترة دي بقى، أفرض ما اقتنعوش، فاهم كده؟ ففي كتير من الناس يا شباب لا يفرق بين المطالعة وبين الآية وبين الدعوة، فتلاقيه بيعمل ايه؟ كل ما يتعلم حاجة يحاول يفتعل أشياء عشان يتكلم فيها، لا، يعني الإنسان يكون عاقل.
كلامكم على شيء علشان يجذب؛ كنا ندرس في المدرسة، فشخص اعتبرني أنا لا أؤمن بالقرآن، أقنعني. بين الأمور العلمية أن الإنسان مثلاً مع أصحابه، يعني قد نقول إيه: ما رأيك مثلاً نحن نتناقش في مسألة المتواتر وآحاد؟ فعباد يقول لي: والله أنا أرى أن الذين قالوا بآحاد عندهم وجهة، فلنشوف أن المناقشة في نطاق، يعني هو عنده شيء وأنا عندي شيء. لكن لما أنت تدخل؛ لأن يا شباب شوفوا لازم تفهم حاجة: الاختلاف، الاختلاف العلمي في الأصل لا يبلغ درجة الافتراق إلا ببغي الإنسان، يعني في الأصل الاختلاف الفقهي مثلاً، اختلاف الفقه ما كان ينبغي أن يصل لدرجة الفرقة في الأمور السائغة، لولا بقى ما يفعله الشيطان من الآية، من أن هو يجعل الإنسان يريد أن يغلب ويريد أن يفحم، وهكذا. فاللي أنا بس اردت أن أقول لك: كن عاقلاً ولا تكن متهوراً فيما تتعلم. أنت الآن سمعت شيئاً، اجعل هذا الشيء في قلبك، حينما تزداد علماً ربما تزداد يقيناً فيه أو تزداد يقيناً في غيره، فهمت؟ فلا تكن عجولاً، وضعي الأشياء في مواضعها. اختر من، ممكن يكون واحد صديقك ومعاك، يعني ساكن معك في نفس الغرفة، لكن لا تفتح معه هذه المواضيع، يعني أنا في مرة من الأخطاء كنت بدأت أدرس شعر عنترة من سنوات، وكنت أحبّه جداً، فقبلت واحد في إحدى المدن الأوروبية، كنت أستمع للشعر، فحبيت أدخله معايا، فقعدت بقى أذكر له أبيات شعر، فقعد قال لي: إيه الكلام الهايف ده؟ يعني حاجات يعني ما لهاش أي فائدة، بصراحه. قلت: أنا اللي غلطان فعلاً، يعني. قلت له: يا ابني عندك حق، أنا اللي غلطان في الله. فاهم؟ فانت يعني أنك تبذل الدرّ عند من لا يقدره.
ماشي، اتفضل.
فاذا لم يرو إلا من طريقه كان غريباً مطلقاً، وإذا روي من غير الوجه الذي تفرد به هذا المتفرد وكان غريباً بالنسبة إلى هذا الوجه فقط، الغريب النسبي. الغريب النسبي يعني مثلاً لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا ابن عمر، لكن رواه عن ابن عمر مثلاً سالم ونافع، وروى عن سالم عشرون، عشرون شخصاً؛ فهو كان فرداً بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم، كان عزيزاً بالنسبة لابن عمر، بالنسبة لسالم كان مشهوراً، فهذا نسبي. وهو يسمى أيضاً بالفرد.
في حاجة وقعت ولا حاجة؟ ماشي.
قال الحافظ ابن حجّر: الغريب والفرد مترادفان لغة واصطلاحاً، إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فالفرد أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب هو أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي. الفرد المطلق يعني أن يكون التفرد عند الصحابي، يعني لم يروه إلا صحابي واحد، بعد ذلك لو حصل تفرد عن التابعين بيسموه بقى الغريب أو الفرد. عادي، كل هذه المصطلحات يا شباب، العلماء كل واحد منهم يعبر بمصطلح يظن أنه كاف في الدلالة، بس ما كانش عندهم التضييق هذا.
حتى واحد منكم سأل سؤالاً جميلاً وقلت إن هو يسأله على المجموعة حتى الكل يستفيد، يقول: لماذا يعني المتأخرون حصروا الدلالة، حصروا اللفظ في دلالة، بينما المتقدمون استعملوا مثلاً بعشر الدلالات؟ هذه المشكلة يا شباب، فكرة الحدود والتعريفات، أن يجعل للفظ الواحد معنى واحداً؛ مثلاً لفظ المنكر عند المتقدمين يستعملون بدلالات كثيرة، ممكن الحديث يكون منكر بمعنى أنه فرد، ويكون صحيحاً، واضح؟ فلما ابن حجر رحمه الله يقول: الحديث المنكر هو رواية الراوي الضعيف مخالفا روايات الثقات، فانت تظن أن فقط هذه هي الدلالة، فلما تجد أحمد بن حنبل يستعمله في دلالة أخرى، بعضهم قال هذا باللفظ: أحمد بن حنبل خالف الاصطلاح. قلت له: يا ابني ده هو صاحب الليله أصلاً، قلت له: ده هو عمّ، صاحب صاحب القصة، فاهم كده؟
فلما أنت تجي، يعني أنت واحد والله باللفظ يا شباب، قال هذه الكلمة تحدداً: كان علي بن المديني ضعف رواية، وصاحبنا بيعتمد على إيه؟ أن الراوي ثقة يبقى حديثه صحيح ما دام العريس هيتجوز، طب العروسة هيتجوز، هتتجوز، تمام كده؟ فقال لك: الراوي صحيح ثقة، يبقى روايته إيه؟ صحيحة. فعلي بن المديني بيقول إن الراوي ده أخطأ، فالثاني مستغرب: إذا كنت أنت يا عم ابن المديني من كم يوم قلت لنا أنه ثقة، إزاي بقى جاي تضعف حديثه؟ فاهم؟ وواكر أن هو اكتشف الآية، اكتشف الذرة يعني. طب وايه يعني؟ ما يكون هو ثقة وضعف له حديث؟ الحكم على الراوي شيء والحكم على الراوية شيء. كتب إيه في الحاشية يا شباب باللفظ؟ ركز كده، بيقول: ما هكذا تعلّ الأحاديث يا ابن المديني. ما هكذا! أنت لما تستحضر أن البخاري يقول: ما استصغرت نفسي بين يدي أحد إلا عند علي بن المديني، ده بيقول له، مش بيقول له أنت أخطأت، بيقول له أنت شغال غلط، أنت ماشي غلط، الطريق اللي أنت ماشي فيه سكته مش كويسة. فهمنا كده يا شباب؟
يعني في فرق بين أنك أنت يمكن أن تقف على خطأ للعلماء أياً كان، حتى لو صحابي من الصحابة الكرام، عادي جداً، لكن أن الإنسان لا يعرف قدر هؤلاء ويستسهل أن يخطئهم، ده خطأ كبير. بعض الناس لا يتصور هؤلاء؛ شباب، أنا سألت عدد من الشباب قلت له، كان بيقول لي: إيه البخاري ده يعني أن هو، طب ما يغلط عادي؟ عارف ليه؟ هو ما عرفوش، يعني عارف هو لماذا يقول: إيه المشكلة أن البخاري يغلط، يعني هو، يعني إيه هو البخاري؟ فهمت كده؟ لأن دي فايدة علم الحديث يا شباب، أنك لما تعرف كيف كان يعيش هؤلاء وكيف جمعوا.
هذه الكتب وكيف صنفوها، سيكون توقير هؤلاء في قلبك أعظم من المحبة أو العاطفة اللي أنت اتولدت بها، فهمت؟ يعني مثلاً يا شباب أنت الآن تحب النبي صلى الله عليه وسلم لأنك مسلم وبتحبه بالعاطفة، سبحان الله يعني هذا من فضل الله. تصور، هل يستوي هذا الحب مع شخص يعرف سنة النبي صلى الله عليه وسلم في شؤونه، يعرف مواقفه، يعرف صبره وجهاده وشجاعته؟ هل مستحيل؟ لأن يا شباب كلما كثر العلم كثر الحب، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعلمكم بالله وأشدكم له خشية».
فالذي أريد أن أقوله يا شباب، إن من تربى على الكتب المتأخرة في أي علم من العلوم لا يمكن أن ينبل، لا يمكن أن ينبل في هذا العلم قط. وبعضهم يبدأ يقول لك: خليك في الأحاديث المتون والمختصرات، تمام كده؟ وإن شاء الله ستدخل يوما ما كتب الأصول وتبقى إيه؟ تبقى أشبه بالأضرحة اللي هم بيطوفوا حواليها. هتفضل أنت تعيش طول عمرك إيه؟ على أمل أنك هتوصل وبتكون في سكرات الموت وأنت ما وصلتش، فاهم؟ لا في فرق يا شباب بين الإنسان يبدأ بالكتب اللي هي يحتاجها في المرحلة يتصور هذا العلم، ثم يعني ينطلق منها إلى هذه الكتب؛ كتب السنن والآثار، كتب العلماء المتقدمين، كتب الجرح والتعديل، كتب الرجال، كتب السؤالات، وكتب أي علم.
لما شاب يكون بيدرس بقاله عشرين سنة مثلا في الفقه الشافعي ولم يقرأ كتاب الأم، أمال هو الفقه الشافعي إيه؟ ما هو كتاب الأم. لما يكون مثلا بيدرس في مذهب الإمام أحمد رحمه الله ولم يقرأ كلمة واحدة للإمام أحمد، طب ليه؟ طب أنت قلت مثلا أنا كمبتدئ قرأت مثلا كلام المحققين من أصحابه جميل كمرحلة، وبعدين بقى لك سنوات ولم تقرا شيئا لهذا الإمام نفسه؟
فالفكرة يا شباب أنا بس ذكرت لكم بعض الآثار أن هو ده شخص بيقول له: ما هكذا تعلُّ الحديث! ما الذي جراه؟ لأنه لا يعرف قدر هذا الرجل أصلاً، ولا يعرف أبسط القواعد. تصور أن هو بيقول: كيف توثق وتضعف حديثه؟ بالله عليك دي كلمة يقولها! طب وأيه يعني؟ ومعنى ثقة أن كل حديث صحيح.
ماشي تفضل.
وهو يسمى أيضاً بالفائدة، ومن ذلك قولهم في جرح الرواة: فلان كانت أحاديثه فوائد؛ أي غرائب. قاله أبو عروبة الحراني في زهير بن محمد الخرساني وحسان بن إبراهيم الكرماني، وقال ابن... فائدة أحياناً يراد بها أن هذا الراوي يكثر من الغرائب. هذا عيب في الراوي يا شباب؛ أن الراوي يغرب؛ يعني ينفرد وهو لا يحتمل التفرد.
مثلاً عندنا حديث يا شباب اللي هو إيه: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون». حديث انفرت به راوي اسمه علي بن مسعدة عن قتادة عن أنس. علي بن مسعدة ضعيف ولا يتحمل أن ينفرد عن قتادة، لأن قتادة له أصحاب ثقات؛ منهم مثلاً شعبة وسعيد بن أبي عروبة وهشام الدستوائي وهمام بن يحيى، فلما يأتي واحد زي ده ضعيف وينفرد عنه، فالعلماء يقولون: هذا حديث منكر.
فكلمة فلان يروي الغرائب ما معناها؟ يعني ينفرد عن الثقات بما لا يحتمل، وما يحتملش إنه ينفرد أصلاً. فلما تكثر هذه الغرائب يعيبونه بها، يقول لك: ده بيجيب حاجات ما حدش بيتابعه عليها. إزاي يعني انفرد بها هو؟ يعني التفرد ده يا شباب قد يكون ميزة وقد يكون عيباً؛ لما يكون الراوي أهلاً للتفرد يقولون: روى ما لم يروَ غيره، زي ما الإمام الشافعي قال: ليس الشاذ أن يروي الراوي ما لا يرويه غيره. لما واحد بيقول له: ده الزهري انفرد بالحديث. قال له: طب الزهري أهل أن ينفرد. فهمت كده؟ فالتفرد ليس في نفسه علة إلا إذا كان المنفرد ليس أهلاً، فهمت؟
وقد صرح ابن أبي في ترجمة حسان الكرماني أن قول أبي عروبة الحراني فيه: كان أحاديثه كلها فوائد؛ أي غرائب. قال الإمام أحمد بن حنبل: إذا سمعت أصحاب حديث يقولون هذا حديث غريب أو فائدة فاعلم أنه خطأ. ليه بقى؟ لأنه لما يقولوا هذا حديث غريب أو فائدة، معناه أن الراوي انفرد به وتفرده لا يحتمل، فيبقى هذا خطأ من الراوي. فجعل الفوائد من الغرائب، وقوله: فاعلم أنه خطأ؛ أي من حيث الغالب، لأن أغلب الأحاديث والغرائب والافراد من أخطاء الرواة كما هو معروف، وسياتي في باب الطعن في المروي.
ومن كتب المحدثين: كتب الفوائد، وموضوعها الأحاديث التي يظن جامعها أنها ليست عند غيره من أقرانه، وربما شملت الغرائب عامة ولو مما أغفل بها شيخه أو من فوقه، مثل فوائد... فوائد كتاب اسمه فوائد تمام؛ يعني جمع فيه أحاديث يرى أن الرواة انفرَدوا بها أو أنه انفرد بها. ومنها المعجم الصغير للطبراني فقد سماه في صدره كتاب فوائد مش... وأيضاً كتاب المعجم الأوسط هو كتاب الفوائد الغرائب؛ يعني عنده المعجم، طبعا عنده أكثر من كتاب، في كتب كثيرة من ضمنها المعجم الصغير والأوسط والكبير، أهمها الأوسط، وهو يجمع الأحاديث الضعيفة، لا، يجمع الأحاديث الغريبة التي انفرد بها الراوي ليقول لك: اعلم أن هذا الراوي انفرد بتلك الرواية، قد يكون الراوي أهلاً وقد لا، قد لا يكون الفائدة أنك أنت تعرف أن ملوش متابع، فيبقى هو أداك كده؛ يعني أنت أنت ممكن تكون إيه؟ عبادة، شفت هذا الراوي انفرد، فتقول: يعني سأبحث له عن متابع. قال لك: لا، ريح نفسك، أنا بحثت.
فهمت كده؟ طبعا قد يستدرك عليهم، وإن كان أكثر الاستدراك خطأ، وإن شاء الله سيأتي التنبيه عليه؛ أنه قد يستدرك بأن واحد تابعه بينما يكون الإسناد لم يصح إلى المتابع، أو يكون تابعه وخالفه؛ يعني اشترك معه في الشيخ لكن خالفه في الإيه؟ في الإسناد أو المتن، فلا تصصح المتابعة.
وقوله: فاعلم أنه خطأ؛ من حيث الغالب، لأن أغلب الأحاديث... وصلنا لحد منها من المعجم خلاص، وهو يسمى أيضاً بالنادرة.
أما أيضاً من نادره: وقع ذلك في موضعين في مسن... الله، الغريب قد يكون صحيحاً، كحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، ونهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الولاء وهبته، وحديث أنه دخل مكة وعلى راسه المغفر، فهذه صحاح في البخاري ومسلم وهي غريبة عند أهل الحديث.
فالأول إنما ثبت عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب. والثاني إنما يعرف من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر. والثالث إنما يعرف من رواية مالك عن الزهري عن أنس. ولكن أكثر الغرائب ضعيفة، وقول الإمام أحمد السابق يدل على ذلك، وقد سئل أيضاً عن حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس... تردين عليه حديقته، فقال: إنما هو مرسل. فقيل له: إن ابن أبي شيبه زعم أنه غريب. فقال أحمد: صدق، إذا كان خطأ فهو غريباً.
يقول إن هذا اختلاف في اللفظ؛ يعني في راجل يا شباب أتى إلى أبي حاتم الرازي، رجل من الفقهاء فكان معاه صحيفة مكتوب فيها أحاديث، هو لم يكن من أهل الحديث، فراح لأبي حاتم الرازي قال له: هذه الأحاديث يعني ما حكمها؟ فقال في بعضها: هذا صحيح، ولا، قال: هذا منكر، هذا باطل، هذا ضعيف. وباقي الصحيفة صحيحة.
الراجل قال له: أنت تدعي علم الغيب؟ أنت إيه اللي عرفك أنا؟ فقال له: يا عم أنا... أنا بقول لك اسمع الكلام في الآخر. قال له: طيب، أنا أعرف إزاي أن كلامك صح؟ قال: اذهب إلى من يحسن مثل ما أحسن، فإن توافقنا علمت أننا تكلمنا بعلم.
لأن الراجل بيقول له: هو أنت كاهن؟ يعني أنت عرفت ازاي أن ده... أنت دلوقتي ده... آدي حديثي أنا، أنا اللي جايبها لك أنا من بيتي فبعرضها عليك، أنت بتقول لي ده باطل وده منكر وده... أنت عرفت إزاي؟ أكان الذي كذبها معك أخبرك؟ أم تدعي علم الغيب أو الكهانة؟
فالمهم قال: علماً رزقنا؛ يعني أنا مش هقدر... أنت تعرف لما أنت بتروح للجواهرجي اللي هو بتاع الذهب وتوريه لقطعة الذهب، أول ما يبص يقول لك: دي مغشوشة، فانت تقول له: عرفت إزاي؟ الراجل اللي صنعها وغشها كان معك؟ قلت لك.
لا بس خلاص، خبرتي لما انت تيجي تقول له طب علمني، لا ده علمني دي قصة كبيرة، صح ولا لا يا شباب؟ هل هو يقدر يعلمك كده وهو واقف، أنك تبص في الشيء تعرف إنه مزيف؟ فبعد كده قال له: طب اذهب إلى من يحسن مثل ما أحسن، قال له: مين؟ قال له: أبو زرعة، فان اتفقنا فستعلم أننا تكلمنا بعلم، يعني ليس بهوى أو تخرص.
ركز بقى فالراجل طبعا الموضوع وانون في دماغه، قال لك: والله لأريح له، إن شاء الله يكون حتى في كوالالمبور هروح له. قال له: يا عم أبو زرعة، أبو حاتم! قال له: إيه حكمك على الأحاديث دي؟ قال له: نفس الشيء، بس في حديث قال فيه (باطل) بدل ما يقول (منكر)، فالراجل قال لك: أيوه تعالى لي، راح جاري لمين؟ لأبو حاتم، قال له: تمام، أنتم ماشيين زي الفل، بس في رواية أنت قلت (منكر) وهو قال (الباطل)، قال له: يا عم الحاج، الباطل والمنكر واحد، فهمت؟ ما هو واحد، إحنا بس اختلفنا في إيه؟ في اللفظ، وهات معنا هذه الرواية. جزاك الله.
وقال أبو داود: سمعت أحمد قيل له: بريد عن جده عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن يأكل في معاء واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء»، قال: يطلبون حديثاً من ثلاثين وجهاً ضعيفاً، طلب الطرق نحو هذا، قال: هذا شيء لا ينتفعون به، أو نحو هذا الكلام.
خلينا نفهم الفكرة دي يا شباب؛ عشان دي فكرة دقيقة جداً. نعتبر يا شباب إن أنا عندي في حاجة اسمها مدار الحديث، مدار الحديث هو الراوي الذي تلتقي عنده الأسانيد. مدار الحديث مثلاً لو كان واحد زي الزهري، أو قتادة، أو الأعمش، أو أبو إسحاق السبيعي، أو يحيى بن أبي كثير، أو شعبة، أو الثوري، دول ناس ثقات وحفاظ، فأول ما يكون مدار الحديث على راوي ثقة، نبدأ نشوف التفاصيل بقى والرواة اختلفوا أو لا، لكن إذا كانت الأسانيد كلها تلتقي عند راوي ضعيف، خلصت، يبقى أنا هأوجع قلبي ليه؟ فهمنا كده؟ إذا كان كل الطرق بتختلف وترجع لهذه الحلقة وهو ضعيف، يبقى انتهى.
فالإمام أحمد وجد بعض الطلاب يظن أن تعدد الروايات يدفع خطأ الراوي، فهو قال: أنتم ماذا تصنعون بهذا الراوي؟ أخطأ في الحديث وتحقق خطؤه، فكثرة الروايات لا تفيد، يعني إذا أنا تحقق عندي أن راوي معين، أي راوي من روايات الحديث، جرير بن عبد الحميد مثلاً، تحقق أنه أخطأ، تمام كده؟ فقمت أنت جبت روايات كثيرة جداً عن جرير، ماذا استفدت أنا بها؟ تمام.
فهو دي كلمة الإمام أحمد؛ أن الإمام أحمد كان ينكر على من يجمع الروايات دون أن ينقدها، وأن يميز صحيحها من سقيمها. فلو مثلاً يا شباب عشان أحاول أضح لك بمثال أكثر، مثلاً لو أنا عندي قتادة هنا روى عنه أبان مثلاً، أبان عن قتادة عن أنس مرفوعاً، حلو، ورواه الأربعة المشهورون عن قتادة: شعبة وسعيد وهشام وهمام، دول الثقات الحفاظ كلهم رووا عن قتادة مرسلاً.
يبقى الأربعة دول خالفوا مين؟ أبان، هو روااه مرفوعاً وهما رواه مرسلاً، حلو كده؟ فالامام أحمد بيقول: خلاص بديهياً يبقى الصواب هو المرسل، وأن الرواية دي خطأ. فيجي واحد يقول له: طب مش ممكن يكون أبان أصاب؟ هي دي بقى الحتة اللي بينكر عليها، بيقول لهم: يا جماعة، هو أنتم عايزين حديث من ألف وجه؟ هو غلط، هو غلط، إحنا عرفنا إن ده غلط بمخالفته لهؤلاء، فهمنا يا شباب؟
يبقى كثرة الطرق للرواية لا يلزم أن تصححها، بل تكون كثرة الطرق هي التي تكشف خطأ الراوي، يعني أنت لو ما عندكش غير رواية أبان ممكن تقول ده ممكن تكون صح، لكن أيوه، لكن لما هؤلاء يعني لا، أبان يعني متكلم في روايته عن قتادة، فمن أين عرفنا خطأه واكتشفناه؟ من رواية هؤلاء. فيبقى يا شباب، مجرد كثرة الطرق للرواية لا تستلزم الصحة، بل قد تكون هي الكاشفة لخطأ الراوي.
قال ابن رجب الحنبلي معلقاً عليه: وإنما كره أحمد تطلب الطرق الغريبة الشاذة المنكرة، وأاما الطرق الصحيحة المحفوظة فإنه كان يحث على طلبها. قال: وهذا المتن معروف عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه متعدده، وقد خرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة ومن حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. يعني يا شباب، الحديث قد ينكره العلماء ويدخلونه في كتب العلل بينما هو صحيح من طرق أخرى، تمام؟
لما واحد يا شباب يجيب آية في موضع آية أخرى، هل هذه آية من سورة؟ نعم، بس هي ليست آية من هذه السورة، فالإمام أحمد والدارقطني وابن معين وغيرهم قد ينكرون الرواية من إسناد بينما تكون ثابتة بإسناد آخر. ماشي، بارك الله فيك، وفيكم بارك الله. ومن حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما حديث أبي موسى هذا فخرجه مسلم عن أبي كريب عن أبي أسامة عن بريد، وقد استغربه عن بريد وقد استغربه غير واحد من هذا الوجه، وذكر أن أبا كريب تفرد به، منهم البخاري وأبو زرعة.
يعني يا شباب الفائدة هي أن وجود الحديث في كتب العلل أو انكار العلماء لرواية ما لا يدل على أنهم ينكرون هذا الحديث، وإنما قد ينكرون هذا الحديث من تلك الرواية، ويكون الحديث ثابتاً من طرق أخرى. يعني مثلاً يا شباب، حديث «إنما الأعمال بالنيات» صحيح، لكن لم يصح إلا بهذا الإسناد اللي هو يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة عن عمر. أفرض واحد روى هذا المتن عن أبي سعيد الخدري، فالعلماء يدخلونه في كتب العلل، لكن هل الإدخال يبطل أصل الرواية؟ لا، هذا شيء وهذا شيء. هذا صحيح، هذا صحيح، الله يفتح عليك، لكن ليس بهذا الإسناد.
ماشي، وقال ابن حبان: ولست أعلم للمحدث إذا لم يحسن صناعة الحديث خصلة خيراً له من أن ينظر إلى كل حديث يقال: إن هذا غريب ليس عند غيرك أن يضرب عليه من كتابه ولا يحفظ صحيح. وده يا شباب من أهم الأمور؛ أن الإنسان لا يظن واحد مثلاً أنت تقول له: إن هذا الكلام لم يقلْه غيرك، فهو يقول: عادي! لا، إذا كان هذا الكلام لم يقلْه غيرك، فهذا يجعلك تتثبت فيه؛ لأن أنت لا يمكن أن يغيب عن كل الناس هذا الحق، أو على الأقل تفكر فيه، فهمت؟
حتى لذلك الإمام أحمد قال: إياك أن تتكلم في مساله ليس لك فيها إمام. هذا ثابت عن الإمام أحمد: لا تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام، ليس لك من سبقك أو عندك حجة فيها، وهكذا. فهو هنا ابن حبان كلمة جميلة يقول: ولست أعلم للمحدث إذا لم يحسن صناعة الحديث خصلة خيراً له من أن ينظر إلى كل حديث يقال له: إن هذا غريب ليس عند غيرك، أن يعمل إيه؟ يضرب عليه؛ لأن أنت تفردت بحديث ومحدش رواه غيرك، كيف؟ وأنت لازم تفهم برضو وتفرد! وأنت ممكن تقول: يعني ما يتفرد؟ لا؛ لأنهم كانوا في زمن الرواية يا شباب.
زمن الرواية لما يجي واحد مثلاً ينفرد عن قتادة أو أبي إسحاق السبيعي أو الأعمش أو الحسن البصري أو ابن سيرين أو الشعبي أو يحيى بن أبي كثير، تقول لي: نقبل تفرده إزاي؟ ده لما كان بيجلس في مجلس يجلس الآلاف، فإزاي ده بقى انفرد عنه وهو أصلاً ليس معروفاً بالرواية؟ فهمت؟ ماشي. لو أراد الحاسد أن يقدح فيه تهيأ له، ولا يسعه أن يروي إلا عن شيخ ثقه بحديث صحيح، يكون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنقل العدل عن العدل موصولاً، وسياتي إن شاء الله تعالى في مبحث التفرد مزيداً على هذا.
فائدة: استعمل الإمام البخاري رحمه الله (غريب) بمعنى (مقل)، فقد قال في ترجمة مسلم بن أبي مريم من التاريخ الكبير: ومسلم هذا غريب الحديث، ليس له كبير حديث. فكلمة غريب الحديث قد يراد منها أن الراوي يقل من الرواية. ماشي، تفضل. قلت: هو مسلم هذا أخرج له البخاري ومسلم وهو ثقة وقد قال.
ابن سعد فيه كان ثقة قليل الحديث. والكل قد تجمعه واحدة، أي أن الرواية الواحدة -الرواية هو الصواب، الرواية صلحها يا شباب وكاتب الرواية، لا، هي الرواية- أي أن الرواية الواحدة قد تجمع تلك الصفات كلها، فتوصف الرواية بأنها متواترة ومشهورة وعزيزة وغريبة في آن واحد بحسب اختلاف الاعتبار.
مثاله حديث: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة». الحديث عزيز عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه عنه حذيفة بن اليمان وأبو هريرة، وهو مشهور عن أبي هريرة، رواه عنه سبع: أبو سلمة، وأبو حازم بن عبد الرحمن، وأبو حازم، وطاووس، والأعرج، وهمام، وأبو صالح، وعبد الرحمن مولى برثا. وكذلك حديث: «إنما الأعمال بالنيات»، فهو حديث فرد، لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يروه عنه إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولم يروه عن علقمة إلا محمد وإبراهيم التيمي، ولم يروه عن التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري.
ومثل هذا يقال أيضا في المشهور النسبي، والعزيز النسبي، والغريب النسبي والله أعلم. وأيضا حديث حماد بن سلمة عن أبي العشراء عن أبيه قال: قلت يا رسول الله، أما تكون الزكاة إلا في الخلق، في الذبح؟ يعني فقال: «لو طعنت في فخذها أجزأك» قال النبي. فهذا حديث تفرد به حماد بن سلمة عن أبي العشراء، ولا يعرف لأبي العشراء عن أبيه إلا هذا الحديث، وإن كان هذا الحديث مشهورا عند أهل العلم، وإنما اشتهر من حديث حماد بن سلمة لا يعرف إلا من حديثه، فيشتهر الحديث لكثرة من روى عنه.
يعني يا شباب، أظن مفهوم هذه الفائدة أن الرواية قد تجمع كل هذه الصفات: النبي صلى الله عليه وسلم يروي عنه صحابي واحد فيكون فردا، ويروي عن هذا الصحابي اثنان فيكون عزيزا بالنسبة لهذا الصحابي، وعن واحد من الاثنين يروي عنه عشرة، وهكذا. ومن ذلك حديث عبد الكريم بن روْح عن سفيان الثوري عن سليمان التيمي عن بكر بن عبد الله المزني عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائما، ثم توضا ومسح على خفيه. قال أبو يعلي الخليلي: حديث صحيح مشهور، سليمان التيمي، ورواه عنه جماعة غريبة من حديث الثوري عنه، لم يروه عنه غير عبد الكريم.
وبناء على هذا، فما اشترطه بعض أهل العلم في الخبر المتواتر أن تتحقق شروطه في جميع طبقات الإناد، فاذا تخلف ذلك في بعضها لم يحكم للحديث بالتواتر. وإنما اشترطوا ذلك حيث يوصف الحديث بأنه متواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من انتهى إليه الخبر، فحينئذ لا بد من توفر ذلك في جميع طبقات الإسناد؛ لأنه إذا كان الخبر مرويا عن النبي صلى الله عليه وسلم فلن يكون متواترا عنه صلى الله عليه وسلم إلا إذا رواه عنه عدد من أصحابه يحصل بروايتهم له تواتر الخبر، وإذا وقع ذلك وقع بضرورة في طبقة التابعين، وإذا وقع في طبقة التابعين وقع في الطبقة التي بعدهم، وهكذا.
لكن إذا لم يتواتر الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بألا يرويه عدد من أصحابه عنه يحصل بروايتهم التواتر، فإن هذا لا يمنع أن يتواتر عن بعض رواة الإسناد، سواء الصحابي أو من دونه، إذا توفرت في الطبقة التي روت عنه فما دونها شروط التواتر. ويكون معنى نسبة التواتر إلى هذا الخبر أن هذا الراوي الذي تواتر الخبر عنه قد جاء بطريق يفيد العلم، وهو التواتر هنا أنه روى هذا الخبر بإسناده الذي ذكره إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وعليه، فلا يلزم من هذا التواتر النسبي أن يكون الحديث متواترا عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل ولا يلزم منه أن يكون الحديث صحيحا أصلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم -صلى الله عليه- أن يكون هناك ما يوجب ضعفه في الإسناد الذي ذكره ذلك الذي تواتر الخبر عنه. خلاصة كل هذا الكلام يا شباب أن وصف طبقة من الطبقات بالتواتر لا يستلزم أن يكون وصفا لكل الحديث، ووصف مثلا يعني طبقة من الطبقات أو طبق من الطباق على رأي الواد طبق من الأطباق يعني طبق مثلا الكوسة غير طبق الرز، فهمت كده؟ فوصف طبق من الأطباق نلاقي يعني لو أنتم وصفتم ولذيذ، مش معنى كده أن كل المائدة تكون لذيذة صح ولا لا؟ ماشي.
وقد رأيت حديث الأعمال بالنيات رغم أنه غريب في أصله، إلا أنه لما رواه عن يحيى الأنصاري عدد كثير مع تحقق باقي شروط التواتر، قال الحافظ ابن حجر: قد تواتر عن يحيى بن سعيد، فجوز إطلاق التواتر عليه رغم أنه إنما تواتر عن بعض الرواة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقع التواتر في كل طبقة من طبقات الإسناد.
طب شيخنا، هو في الأصل ليش يعني أيضا الرسول صلى الله عليه وسلم كان دائما حوله الكثير من الصحابه فلماذا تفرد به؟ من الذي قال ذلك؟ النبي عليه الصلاة والسلام وهو يغتسل، هل كان يراه الصحابة وهو يغتسل فلما تنقل أم المؤمنين هديها في الاغتسال أو هديه في أهل بيته؟ أو أو مثلا يمشي يختار أحدا من أصحابه يمشي معه فينقل عنه خبرا كما كان يمشي مع حذيفة أو مع أبي ذر، أو كان يخص أبابكر وعمر بأشياء؟ لا، من الذي قال إن الصحابة كانوا دوما مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ كان عندهم أشغال، أو كان في مواضع لم يكن معه كل الصحابة، أو منهم من أسلم متأخرا ولم يكن معه، فهمت؟ كان يتناوب مع صاحبه الأنصاري إن كان عنده تجارة، تففضل. جزاك الله.
هكذا الحديث في طبقاته العليا من أخبار الأفراد الغرائب، ثم إنه قد رواه عن يحيى الأنصاري جماعة كثيرون حتى وصفه الحافظ ابن حجر بأنه متواتر عن يحيى بن سعيد. فالتواتر هنا إنما هو تواتر نسبي، أي بالنسبة إلى أحد رواه الإسناد، وإن لمن فوقه في الإسناد. فقد يكون الحديث غريبا عن رسول الله، وهو عزيز عن أحد الصحابي، بمعنى أن الصحابي الذي رواه عن رسول الله متفردا به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رواه عن هذا الصحابي رجلان من التابعين، فيصير هذا الحديث عزيزا عن هذا الصحابي. ثم قد يتفق أن أحد هذين التابعين قد روى الحديث عنه جماعة كثيرون بحيث يكون الحديث مشهورا عن هذا التابعي وإن لم يكن مشهورا عن التابعي الآخر.
ثم قد يتواتر الحديث بعد ذلك بأن يرويه العدد الكثير الذي يستحيل في العادة أن يتواطؤوا على الكذب، فحينئذ يكون قد تواتر في بعض طبقات الإسناد. إذن، الحديث الواحد قد يكون متواترا عن بعض الرواة، مشهورا عن بعض الرواة الآخرين، عزيزا عن بعض الرواة الآخرين، غريبا عن بعض الرواة الآخرين. وليس بالشرط أو بالضرورة لكي يوصف بكونه متواترا أن يتواتر في كل طبقات الإسناد، أو لكي يوصف بأنه عزيز أن يكون عزيزا في كل طبقات الإسناد، أو لكي يوصف بأنه مشهور أن يكون مشهورا في كل طبقات الإسناد، أو ليوصف بأنه فرد غريب أن يكون كذلك في كل طبقات الإسناد. هذا ليس شرطا وليس ضروريا، بل الحديث يوصف بهذه الأوصاف إما مطلقا وإما بالنسبة إلى بعض الرواة والله أعلم.
حكم المتواتر والآحاد: هذا وينبغي أن يعلم أن الأخبار المتواترة كلها مقطوع بصحتها، فهي تفيد العلم اليقيني القطعي، وبطبيعة الحال هذا حيث يتحقق فيها التواتر الذي أشارنا إليه أنفا وإلا فلا بد من تحقق شرائط التواتر حتى يحكم بمقتضاها بالتواتر، وعليه يحكم بأنه خبر مقطوع بصحته. أما اخبار الآحاد، الأصل أنها لا تفيد العلم اليقيني، فإذا صح إسناد الآحاد، لفقه كل هذا ما هو محل نقدي الكل اللي احنا اتفقنا عليه، يعني كأن هذه الجمل هي محل نقدي إن شاء الله يأتي ذكرها في موضعها من كلام الشافعي وغيره أنه هو جعل أن أخبار الآحاد الأصل فيها أنها لا تفيد العلم اليقيني، وسيذكر أنها قد ينضم إليها قرائن فتحتف بها فتجعلها تفيد العلم، لكن كما قلت.
أما أخبار الآحاد؛ الأصل أنها لا تفيد العلم اليقيني، فإذا صح إسناد الآحاد لثقة الرُّوَاة وعدالتهم واتصال الإسناد وسلامة الحديث من الشذوذ والعلة فهو حديث يجب العمل به، وهو حديث حُجَّة يتديَّن به وتُبنى عليه الأحكام، ولكنه ليس كالخبر المتواتر؛ فالخبر المتواتر ليس كالخبر المتواتر، هذا نوافقه، لا يختلف في هذا أحد. هل يقول يا شباب أحد إن الأحاديث كلها على درجة واحدة؟ فأنت تقول: ليس هو، صح. لكن أن نقول إن هو لا يفيد؟ هي هذه نقطة الخلاف. تفضل.
أما هذا فمهما تحقق فيه شرائط الصحة؛ فاحتمال خطأ الراوي الثقة فيه ما زال واردًا، ولهذا لا نحكم بأنه مقطوع بصحته وإن كنا نعتقد وجوب العمل به. لكن إذا انضم إلى خبر الآحاد القرائن التي إذا ما احتفت به جعلته بمنزلة الخبر المتواتر من حيث القطع بكونه صحيحًا ومن حيث إفادته العلم القطعي اليقيني، فحينئذ ليس هناك فرق بين الخبر المتواتر وخبر الآحاد؛ فخبر الآحاد الذي انضمت إليه أو احتفت به القرينة التي تدل على إفادته للعلم هو حينئذ يكون هو والخبر المتواتر سواءً بسواءٍ.
فائدة معرفة هذا الباب، وفائدة معرفة هذه الأقسام ودرجاتها، ومعرفة أن المتواتر يفيد العلم، وأن خبر الآحاد المحتف بالقرينة أيضًا يفيد العلم، وأن خبر الآحاد العاري عن القرينة دون ذلك؛ فائدة معرفة هذا عند أهل العلم هو الترجيح عند التعارض. فإذا كان الأئمة بصدد ترجيح رواية على أخرى، فإن معرفتهم بمراتب هذه الأحاديث وبدرجاتها يعينهم على الترجيح فيما بينها عند عدم إمكانية الجمع والتوفيق بينها. ولهذا نجد أهل العلم عليهم رحمة الله إذا ما كانوا بصدد النظر في روايتين قد تعارضتا من حيث الظاهر ولم يمكن الجمع -أو التأويل، أو التوفيق بين هاتين الروايتين- فإن الأئمة عليهم رحمة الله يلجؤون إلى الترجيح بتقديم إحدى الروايتين على الأخرى.
ومن طرق الترجيح النظر في هذه الاعتبارات؛ فالخبر المتواتر أرجح من خبر الآحاد، وخبر الآحاد المحتف بالقرينة أرجح من خبر الآحاد العار عن القرينة، فنجدهم يرجحون الحديث بكونه مشهورًا على حديث آخر لكونه غريبًا مع أن المشهور والغريب كلاهما من أخبار الآحاد. ويرجحون ما أخرجه البخاري ومسلم على ما أخرجه البخاري فقط أو على ما أخرجه مسلم فقط، أو ما أخرجه البخاري ومسلم أو أحدهما على ما لم يخرج في الصحيحين وإن كان الكل من أخبار الآحاد. الكلام ماشي سهل يا شباب يعني الحاجات السهلة نتجاوزها، لأنها يأتي مواضع هتاخد منها وقت طويل إن شاء الله. أنت إذا ركزت في البداية مش تفهم حاجة برضه، يعني تركيزك وعدمه سواء اطمن، يعني زي كنت بقا أكلم شاب قال لي أنا عندي إشكالات كثيرة في أسئلة كثيرة جدًّا، قلت له: ده في البداية بس، إنها بعد كده هتلاقي الإشكالات أكتر. خلي ربنا يطمنك.
أو على ما أخرجه مسلم فقط، أو ما أخرجه البخاري ومسلم أو أحدهما على ما لم يخرج في الصحيحين وإن كان الكل من أخبار الآحاد، ولكن ما أخرجه البخاري ومسلم قد ضاف إليه وانضم إليه هذه القرائن التي تعطيه قوة تجعله راجحًا عند التعارض على ما عري عن مثل هذه القرائن. وكذلك نجدهم يرجحون أحد الحديثين بأنه قد رواه الأئمة الحفاظ على غير الذي لم يروِهِ الأئمة الحفاظ، وإنما رواه المشايخ أو الرواة الذين لم يُعرفوا بالحفظ والفقه والإمامة في الدين. وهكذا نجد أئمة الحديث عليهم رحمة الله ينتفعون في هذا الباب بمثل هذه البحوث التي أودعوها في كتب الحديث، فبتميزهم بين المتواتر والآحاد وبين الآحاد بنوعيه يتمكنون من الترجيح بين الروايات التي ظاهرها التعارض إذا لم يمكن الجمع بينهما، والله أعلم.
كل هذا الشيخ بناه على أنه قبل هذه القسْمَة أصلًا، بما ذكره الخطيب ونسبها إلى أهل الحديث، فبنى على ذلك كل هذه التفاصيل، واضح مثلًا؟ سياتي الآن يقول إن خبر الآحاد منه المقبول والمردود، أما المتواتر فمقطوع بصحته. طيب نحن كيف عرفنا أنه مقطوع بصحته إلا بعدما بحثنا عن الشروط؟ يعني أنت جعلت صفة التواتر سببًا في أنه مقطوع بصحته فلا نبحث في إسناده، طب ما هو نحن أصلًا لم نكتشف أنه متواتر إلا لما بحثنا في إسناده! فهمت؟ وهذا من التناقض المشهور عند من يطلب هذه القسْمَة، أنه يقول لك إنه مقطوع بصحته لا يُبحث في إسناده، جميل. ثم أنت كيف عرفت أنه متواتر إلا إذا أنك بحثت في الأسانيد والطرق وجمعت هذه الطرق؟ فهمنا؟ لا.
الفوائد لها اعتبار معين، وهو أن كثرة الرواة الثقات يطمئن لها القلب، إذاً في مقابلة الراوي المنفرد هذا من الاحتمالات، لكن هذا ليس مبنيًّا على هذه القسْمَة أصلًا، وإنما هذا أمر معروف، أمر قاعدة عقلية أن لما الرُّوَاة الثقات يجتمعون في جهة وينفرد راوي ويخالفه، فأنا أطمئن للقلب أكثر للثقات وإن كان هذا ليس مطَّرِدًا. ماشي، يعني مثلًا أبو بكر رضي الله عنه خالفه كل الصحابة في بعض المسائل زي قتال المرتدين أو قتال مانعي الزكاة، ومع ذلك أبو بكر ثبت على كلامه، وبعدين شرح الله صدورهم لما رأى أبو بكر رضي الله عنه. ففكرة الكثره والقِلَّة هي أحد الاعتبارات لكنها ليست ملزمة. أين جملة واحدة لعالم من العلماء المتقدمين فيها أن كثرة الرواة تجعلنا لا ننظر في صفة هؤلاء الرواة؟ أين هذا؟ ماشي. فكلُّه مقبول لإفادته القطع بصدق مخبره، بخلاف غيره من أخبار الآحاد. وهكذا تفصيل القول في المقبول والمردود بأنواعه كلها وشرائطه. المقبول والمردود من الآحاد.
طيب، خلينا نشرح دي برضو يا شباب عشان نقرا يعني قراءة سريعة إن شاء الله، عايزك تركز شوية معايا واحنا بنتكلم عنه. الآن دخلنا في قسْمَة جديدة، نحن تكلمنا عن قسْمَة من حيث المتن؛ اللي هو القدسي والمرفوع والموقوف والمقطوع والإسرائيليات. وأخذنا قسْمَة أخرى يا شباب، ما هي؟ اللي هي من حيث -اللي هو القسْمَة التي ذكرها الشيخ- من حيث المتواتر والآحاد. وتكلمنا بما فيه الكفاية. في قسْمَة أخرى بقا يا شباب، اللي هو من حيث المقبول والمردود؛ يعني الخبر أو الرواية. الرواية في الأصل يا شباب إما أن تكون صدقًا وإما أن تكون كذبًا. بس أنا أريد أن أعرف القواعد التي أتوصل بها إلى صدق الرواية، بمعنىً أصح يا شباب: إذا نسب راوي من الرواة حديثًا للنبي صلى الله عليه وسلم أو من دونه، قد تكون صدقًا وقد تكون كذبًا، في حل ثالث؟ يا صدق يا كذب. طيب، أمَال نحن بنعرف هذه الشروط ليه؟ عشان نعرف شروط القبول التي تجعلني أحكم على الرواية بأنها صدق عندي. طب ما أنا ممكن أخطئ في الاجتهاد؟ ممكن، صح ولا لا؟ يعني ممكن يا شباب أن الطريق الذي وصلني -ركز معي كده مثلاً-: أنا جاءتني رواية عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن جابر. أنا لم يبلغني إلا هذا الطريق، فأنا لما طبقت الشروط وجدت أن حماد بن سلمة يخطئ في عمرو بن دينار، فلم أطمئن لهذا الحديث فتوقفت فيه أو ضعفته. حلو كده؟ هل يقتضي ذلك أن يكون هذا الحديث خطأ في نفس الأمر؟ لا، ممكن يكون حماد بن سلمة تابعه سفيان بن عيينة أو حماد بن زيد، صح ولا لا؟ يبقى حكمي أنا على الرواية بأنها مقبولة أو مردودة هذا اجتهادي.
فهو الآن يريد أن يكلمك عن شروط القبول التي يحكم بها النقاد. طب هو أصلًا يا شباب العالم لما يحكم أن الراوي ضعيف أو ثقة، مش هذا اجتهاد؟ لذلك بعض النقاد يتغير حكمه على الراوي لما يعرفه، كان يراه ثقة ثم تبين ضعفه، كان يراه ضعيفًا ثم تبينت ثقته، يقول مثلاً: كنت أُضَعِّف فلانًا لأنه ينفرد بأحاديث أظنه أخطأ فيها، فلما...
وجدت الثقات يتابعونه عليها والثقة أو العكس، عبد الله بن مبارك قال: كنت إذا قيل لي: تدخل الجنة أو ترى عبد الله بن محرر؟ قلت: أراه ثم أدخل الجنة، فلما رأيته كانت بعرة أحب إلي منه. فهمت كده يعني لما شافوا الخبرة قال لك: يا عم أنا فهمت، فيبقى احنا الآن نتكلم عن شروط القبول التي يبحث عنها في الرواية.
شروط القبول باختصار يا شباب أنا عندي رواية واقعية، يعني الإمام مسلم مثلاً لما يروي عن قتيبة مثلاً وعن سفيان عن مثلاً الزهري، أو خلينا ننوع لك، عن الأعمش مثلاً عن أبي صالح عن أبي هريرة، كل اللي أنا فيه متن مرفوع، يعني اللي أنا عاوزه يا شباب إن كل راوي يكون ثقة، يعني صادق وعدل وضابط يؤدي الرواية كما تحملها.
يأتي سؤال هنا: كيف أعرف إنه ثقة؟ لاحظ إن كل سؤال بيفتح سؤال آخر. كيف أعرف إنه ثقة؟ بعرض روايته على روايات الثقات الذين معوا في نفس الطبقة، وباختبار رواياته؛ لأن الحكم على الراوي مستمد من الحكم على رواياته، تمام، فأننا عاوز في كل راوي حاجتين: أن يكون ثقة، وأن يكون سمع الرواية ممن روى عنه، يعني تحملها اللي هو الاتصال.
فباختصار شروط القبول دي في الإسناد أنا عندي إيه؟ عندي رواة، تمام، فأنا أريد إن كل راوي يكون أول شيء اتصال السند، وثقة الرواة. الثقة هي العدالة وأهم شيء فيها الصدق، والضبط اللي هو الحفظ. ما معنى الحفظ يا شباب؟ أن يؤدي الرواية كما تحملها، هو ده التحمل والأداء، يعني هو لو أخذ الرواية عن الزهري عن سالم عن ابن عمر ما يجيش يقول عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، لا، كما تحملها يؤديها، دي اسمها الثقة، يبقى كده الراوي هذا ثقة.
فأنا أريد في الراوي اتصال السند، يعني إن كل راوي يكون تحمل الرواية عما روى عنه بطريقة يحكم بها بالاتصال، والثاني أن يكون ثقة ضابطاً. طيب، هو عشان يؤدي الحديث يا شباب كما تحمله ممكن يعتمد على حفظه حفظ الصدر، وممكن يعتمد على الكتاب، يقولون فلان حفظه حفظ كتاب. ولا نريد أن يكون الراوي أخطأ في تلك الرواية بعينها؛ لأن الراوي ممكن يكون ثقة في الحكم العام، لكنه يخطئ في هذه الرواية خاصة. والمتن لا نريد أن يكون منكراً ولا شاذاً يخالف الأحاديث الصحيحة.
ده باختصار بناء بقى على قوة تحقق هذه الشروط بيسموا الحديث، فممكن يسموه صحيح لذاته، صحيح لغيره، حسن لذاته، حسن لغيره، وكل ما يتخلف شرط من هذه الشروط يتولد نوع من أنواع الحديث الضعيف. عارفين يا شباب لما بيعملوا كلية عسكرية مثلاً يقول لك: احنا عايزين في الطالب عشر صفات، تمام كده، المجموع مثلاً الستين في المية، اللياقة البدنية كذا كذا عشر صفات، طب اللي يتخلفوا؟ ممكن يكون بسبب المجموع، أو بسبب الطول، أو بسبب القوة، أو بسبب مرض، أو أو، فكلما تخلف شرط من هذه الشروط نتج نوع من أنواع الحديث الضعيف، فهمنا كده يا شباب؟ طيب، اتفضل.
المقبول والمردود من الآحاد والخبر المقبول، والخبر المقبول ما ترجح صدقه، والمردود لم يرجحه. قال الحافظ ابن حجر: وفي الآحاد المقبول وهو ما يجب العمل به عند الجمهور، وفيها المردود وهو الذي لم يرجح صدق المخبر به لتوقف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها، دون متواتر فكله مقبول. يعني لاحظت أنني قلت لك إن الشيخ حفظه الله أخذ هذه الفكرة عن الخطيب البغدادي ثم عن ابن حجر، نفس الكلام الذي يقول يقول دون المتواتر يقول إن المتواتر كله مقبول.
إيوه، كيف صار مقبولاً؟ يجي هنا شوية في الكاميرا مش واضح. والله، طيب، ماشي. يبقى كنا نتكلم فيا شباب أن هو يقول للمتواتر كله مقبول، إيوه كيف عرفنا إنه مقبول إلا لما بحثنا في الشروط؟ كيف عرفنا إنه متواتر أصلاً؟ لتوقف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها دون المتواتر فكله مقبول لافادته القطع بصدق مخبره، بخلاف غيره من أخبار الآحاد. لكن إنما وجب العمل بالمقبول منها؛ لأنها إما أن يوجد فيها إما صفة القبول، وهو ثبوت صدق ناقل، أو أصل صفة الرد، وهو ثبوت كذب الناقل، أو لا.
فالأول يغلب على الظن ثبوت صدق الخبر لثبوت صدق ناقله فيؤخذ به، والثاني يغلب على الظن كذب الخبر بثبوت كذب ناقله فيطرح، والثالث إن وجدت قرينة تلحقه بأحد القسمين التحق وإلا فيتوقف فيه. تفهم هذه الفكرة مبداها من فكرة هذه القسمة أيضاً أن هو بيقول لك: احنا المتواتر قطعنا بصدقه، طب وباقي الأحاديث؟ قال لك: نعمل فيها بغلبه الظن؛ لأنه مادام هو أخرجها من كونها قطعية بقينا احنا في مساحة الظن، فيبقى في ظن غالب وظن مرجوح وظن قليل وهكذا، تمام ماشي.
وإذا توقف عن العمل به صار كالمردود، لا بثبوت صفة الرد، بل لكونه لم توجد فيه صفة توجب القبول، والله أعلم. وخبر الواحد قد تقترن به قرائن تدل على أنه صدق في نفسه فيفيد العلم كالمتواتر، والخبر المحتف بالقرائن أنواع. ما هي القرائن يا شباب التي تجعل الخبر وإن كان خبر واحد -كلمة واحد يا شباب مش معناها أن روى واحد، معناه أنه ليس بمتواتر، فهمنا كده؟- فهو يريد أن يقول إن هناك قرائن هذه القرائن تحتف بالخبر فتجعله يفيد العلم وإن كان في الأصل لم يبلغ حد التواتر، لكنها تجبر هذا النقص. اتفضل.
منها ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ حد التواتر، فإنها احتفت به قرائن منها جلالتهما في هذا الشأن وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء كتابيهما بالقبول، وهذا تلق وحده أقوى في إفاده العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر. إلا أن هذا مختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين، وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين حيث لا ترجيح باستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته.
نعم، ما معنى هذا الكلام الشباب؟ يقول إن من القرائن التي تحتف بالخبر وإن كان واحداً فتجعل هذا الخبر يفيد القطع أو يفيد العلم أن يكون الشيخان اتفقا على تخريجه، قال إلا لو كان الحديث منتقداً؛ لأن في عدد الأئمة جاؤوا بعد البخاري ومسلم انتقدوا أشياء، زي الدارقطني له كتاب اسمه التتبع، وكذلك ابن عمار الشهيد وهناك يعني انتقد أحاديث مسلم وهكذا، فهو بيقول: لو كان هذا الحديث منتقداً، تمام، فهذا خارج عن هذا الأمر، لا لا يلزم، ممكن أن يكون حديثاً منتقداً ويكون الصواب في مع البخاري، ليس مجرد الانتقاد يجعل الحديث ضعيفاً، لكن المهم أن هو يريد أن يقول لك إن هذا الانتقاد يجعلك تتريث.
طب، ومن ضمن الأمور أيضاً التي تجعلك تتريث في الحكم على حديث في الصحيحين بأنه مقطوع بصحته التجاذب بين المدلولات، يعني اللي هو التناقض أو التعارض؛ لأن لو الأحاديث تعارضت بحيث لا يمكن الجمع، فيبقى لا يمكن أن يكون الحديثان صحيحين، صح ولا لا؟ فيعني هيأتي هذا اللي هو باب مختلف الحديث.
ماشي، ومنها المشهور إذا كانت له طرق متباينه سالمة من ضعف الرواة والعلل، ومنها المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين حيث لا يكون غريباً. كل هذا الكلام لا يوافق عليه المتكلمون الذين ابتدعوا هذه التقسيم، يقوله المحدثون دون هذه التقسيم، يقولون هذه النتائج دون أن يحتاجوا لهذه التقسيم، يقولون إن هناك قرائن تحتف بالخبر تجعل القلب يطمئن له، والاطمئنان درجات. إبراهيم عليه السلام قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260]. هل إيمان إبراهيم عليه السلام باحياء الله للموتى بعدما رأى ذلك بعينيه كإيمانه قبل ذلك؟ ولا زاد؟ زاد بلا شك، فكثرة الأدلة تجعل القلب يطمئن. اتفضل.
ومنها المشهور إذا كانت له طرق متباينه سالمة من ضعف الرواة، يعني متباينه يا شباب مش معناها متعارضة، لا، معناها يعني من طرق متعددة، فيبقى كلمة متباينة هنا ليس معناها
مختلفة، وأما إنما من طرق متعددة؛ لأنها لو كانت من طريق واحد يبقى الطريق واحد، يعني افرض أن كل الطرق ترجع في الآخر إلى الأعمش، يبقى ده طريق واحد، أنما طريق يرجع إلى الأعمش وطريق يرجع مثلاً إلى أبي إسحاق السبيعي وطريق يرجع إلى عمرو بن دينار، يبقى السكك كثرت.
ومنها المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين، حيث لا يكون غريباً كالحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل مثلاً ويشاركه فيه غيره عن الشافعي، ويشاركه فيه غيره عن مالك بن أنس، فانه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته. وطبعا الأحاديث التي رويت بهذه الطريقة قليلة جداً، يعني اللي فيها هذا الأمر، اللي يرويه أحمد عن الشافعي عن مالك ويشارك أحمد مجموعة عن كل، قليلة بس هو يضرب مثالاً يعني، من جهة جلالة رواته وأن فيها من الصفات اللائقة الموجبة للقبول ما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم. وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصل العلم بصدق الخبر منها إلا للعالم بالحديث المتبحر فيه العارف بأحواله المطلع على العلل، وكون غيره لا يحصل له العلم بصدق ذلك، دي بقى نحط تحتها خط، دي من أهم الفوائد التي ذكرها الشيخ، ليس إنكار بعض الناس لرواية يجعلها منكرة، وكذلك أهل العلم بالحديث يحصل لهم الاطمئنان والقطع بالروايات التي يجهلها غيرهم أصلاً فضلاً عن أن يقولوا إن هي صحيحة أو غير صحيحة.
يبقى هو يريد أن يقول: وكون غيره لا يحصل له العلم بصدق ذلك لقُصوره عن الأوصاف المذكورة لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور. لو أن في يا شباب واحداً لا يعرف من الطرق لحديث معين إلا طريقاً جداً ضعيفاً، فقال: حديث ضعيف، هل هذا يجعل الحديث ضعيفاً في نفس الأمر؟ لا، ده ممكن يكون متواتراً عند غيره، غيره يكون جمع له الطرق والروايات ويكون صح عنده، فيكون واحد يجهل الرواية من أصلها، وواحد لا يعلمها إلا من طريق ضعيف، والثالث تواترت عنده الروايات فهو يقطع بها. زي بالضبط يا شباب عمار بن ياسر لما كان مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهما الاتنين أصابتهم جنابة وهما في سفر أظن، فعمر بن الخطاب امتنع، قال: لما تيجي بقى ما فيش مية، فقال لما يجد الماء، طب عمار بن ياسر ماذا فعل؟ يعني تمعك في التراب، يعني كما تمرغ الدابة، قال لك يعني زي الوضوء ما الإنسان مثلاً بيتوضأ في الأعضاء، يبقى أنا هخلي جسمي كله يأتي عليه التراب. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما كان يكفيك أن تضربه، أفعل هذا وهذا».
عمار بن ياسر يقطع بأن هذا حصل، وعمر بن الخطاب يقول: لم يحصل، هما الاتنين كانوا مع بعض، قال له: لا أنا بقول لك حصل، فبعد كده قال له عمر بن الخطاب، قال له: طب لو أنت مش عايزني أحدّث يا عم، مش أحدّث فيه؟ قال له: لا، نوريه كما توليت، أنت قلت إن هو حديث خلاص. فالشاهد شوف الاتنين كانوا في موقف واحد، عمر رضي الله عنه يقول: ما أنا مش فاكر حاجة من دي أصلاً، وعمار بيقول: ده حصل بس، هو أصلاً ناسيها مش فاكرها أصلاً. فهمتوا كده يا شباب؟ فالإنسان ممكن ينسى وممكن يبلغ من العلم ما ينفيه الآخر أصلاً، فهمنا ماشي اتفضل. الأنواع في حديث واحد، فلا يبعد حينئذ القطع بصدقه والله أعلم. يعني كل القرائن دي ممكن تتحقق، تكون حديث رواه الشيخان، ويكون يتفق فيه الأئمة الحفاظ، وهكذا.
قال الإام أبو نصر الوائلي في كتاب الرد على من أنكر الحرف والصوت حاكياً عن الإمام أحمد لبعض الناس يقولون: إن الله يتكلم بالكلام النفسي، يعني معنى لكن لم يتكلم بحرف وصوت. فهو عمل كتاب الرد على من أنكر أن يكون الله متكلماً بحرف وصوت، فهمت؟ يعني حاكياً عن الإمام أحمد بن حنبل عليه رحمة الله وغيره من العلماء، قال: أخبار الآحاد عند أحمد بن حنبل وغيره من علماء النقل، خبر لا يصح أصلاً ولا يعتمد عليه، فلا العلم يحصل بمخبره ولا العلم يجب به. وضرب صحيحاً موثوقاً بروايته وهو على ضربين: فلا العلم يحصل بمخبره، يعني لا يبلغ القطع ولا العمل يجب به، مش العلم. فهو على ضربين: نوع منه قد صح لكون رواته عدولاً ولم يأتِ إلا من ذلك الطريق، فالوهم أو ظن الكذب غير منتفٍ عنه، لكن العمل يجب به.
ونوع قد أتى من طرق متساوية في عدالة الرواة وكونهم المتقنين الأئمة المتحفظين من الزلل، فذلك الذي يصير عند أحمد في حكم المتواتر. يقصد بهذا النوع الآخر ذلك الخبر الذي هو خبر آحاد قد احتفت به القرائن الدالة على إفادته للعلم، فهذا في الحكم كالمتواتر سواء بسواء، وليس هناك فرق بين هذا الخبر وخبر التواتر وإن كان يسمى آحاداً، إلا أنه يفيد العلم قطعياً اليقينيات كما يفيد خبر التواتر. وإن كان هذا الخبر الذي هو من أخبار الآحاد ما أفاد العلم اليقيني إلا بعد أن انضمت إليه تلك القرائن الدالة على ذلك. وهاتان القرينتان اللتان ذكرهما الإام أبو نصر الوائلي، وهما أن يروى من عدة طرق وأن يرويه الأئمة الحفاظ.
ليستا هما آخر القرائن في هذا الباب، بل هناك قرائن أخرى، منها ما بينه الإام الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله. ويقبلون خبر الآحاد لكونه متصل الإسناد بنقل عدل ضابط عن مثله، يسلم من شذوذه وعلته. اشترط المحدثون لقبول خبر الآحاد شروطاً، وهي: أولاً، اتصال الإسناد.
وممكن تقول الأبيات لو بنقولها من أول: ويقبلون خبر الآحاد لكونه متصل الإسناد بنقل عدل ضابط عن مثله يسلم من شذوذه وعلته. اشترط المحدثون لقبول خبر الآحاد شروطاً خمسة هي: الأول، اتصال الإسناد، وهو سلامته من سقوط راوٍ أو أكثر منه، وذلك بأن يكون كل راوي من رواته قد أخذه عما فوقه بطريقة من طرق التحمل المعتبرة، سواء كان بالمشافهة أي بالسماع، أو بالعرض أي بالقراءة على الشيخ، أو بغير ذلك مما ذكره أهل العلم من طرق التحمل، بشرط أن تكون هذه الطريقة من الطرق التي يعتمد عليها، وليست من الطرق التي لا يحكم باتصالها.
احنا عندنا يا شباب طرق التحمل وصيغ الأداء. طرق التحمل هي الطريقة التي أخذ بها الراوي الحديث عمن روى عنه، كيف تحمله؟ هل مثلاً قرأ عليه؟ قرأ على الشيخ؟ أم سمع من لفظ الشيخ؟ أم وجد كتاباً له؟ أو أجازه الشيخ؟ دي اسمها طرق التحمل. وفي بقى عندنا صيغ الأداء، اللي هي حدثنا، سمعت، أخبرنا، أنبأنا، عن، قال، وهكذا. تفضل. وخرج بقيد الاتصال ما ليس بمتصل كالمنقطع والمرسل ونحوهما.
يعني يا شباب كل شرط يشترط العلماء عدمه يسمى بأسماء، مثلاً شرط العدالة يخالفه الكافر الفاسق المبتدع على تفصيل فيه. طب شرط الاتصال يخالفه المعضل مثلاً والمنقطع والمرسل وهكذا. وخرج بقيد الاتصال ما ليس بمتصل كالمنقطع والمرسل ونحوهما. الثاني، عدالة الرواة، والعدل ممن يجتنب كبائر الذنوب ويتقي في الغالب الصغائر، وليس من شرط العدل ألا تقع منه المعصية، بل قد تقع منه المعصية ولكنه سرعان ما يتوب وينيب ويعود إلى ربه عز وجل، فالآفة ليس هنالك أحد معصوم. وأظن ينيب يعني يا أما ياؤوب يا أما ينيب، ينوب؟ لا أعلم. ينيب الذي أعلمه أنه ينيب، يعني يرجع، أو يؤوب. ماشي تفضل.
هذا بخلاف الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما سياتي بيانه في مباحث الجرح والتعديل إن شاء الله تعالى؛ فإن الذي عُرف بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو في حديث واحد، ساقط العدالة حتى وإن تاب ورجع عن هذه المعصية، فإن توبته بينه وبين ربه عز وجل، أما حديثه فلا يحتج به أبداً. وخرج بقيد العدالة الكاذب والمتهم بالكذب والفاسق والمجهول. الثالث، ضبط الرواة، وهو نوعان: ضبط صدر، وضبط كتاب. ضبط الصدر: أن يكون الراوي قد حفظ مروياته في صدره، وأتقن حفظه لها، واستمر هذا الضبط معه لحينما يحدث بهذا الحديث من حفظه فيؤديه.
ضبط الكتاب هو أن يكون الكتاب محفوظاً لديه، وأن يكون مقابلاً مصححاً مراجعاً على أصله، وأن يحتفظ به أيضاً لحين ما يحدث به، إذ يسمع غيره من الكتاب وليس من حفظه. فمن كان حفظه حفظ كتاب لا صدر، وأن يحدث من الكتاب؛ ومن كان حفظه حفظ صدر لا كتاب، فلا بد وأن يحدثنا صدره.
أما من جمع بينهما بأن يكون ضبط صدر وضبط كتاب؛ كتابه مصحح مقابل وهو أيضاً يحفظ ما فيه، فله أن يحدث من كتابه، وله أن يحدث من حفظه. وإن كان تحديثه من كتابه أولى؛ لأنه أبعد عن الخطأ والنسيان، كما جاء عن الإامم علي بن المديني رحمه الله تعالى أنه قال: أمرني سيدي أحمد بن حنبل أن لا أحدث إلا من كتابه، مع أن علي بن المديني هو شيخ الإمام أحمد، ولكن كان يوقره. طبعاً حصل بينهم شيء؛ لأن علي بن المديني رحمه الله أجاب في فتنة خلق القرآن، والامام أحمد أخذ منه موقفا، كان يرى أنه في إمامته ما كان ينبغي أن يجيب في تفاصيل. الشاهد أنه مع كونه شيخه لكنه يقول: أمرني سيدي أحمد بن حنبل، وهذا من أدب علي بن المديني رحمه الله.
هو شيخ البخاري أيضاً، الإمام البخاري وإن كان سمع من أحمد بن حنبل لكن استطاع أن يصل إلى عدد كبير من مشايخه، فلذلك لم يرو عن أحمد بن حنبل إلا أربع أحاديث تقريبا في كل الصحيح، ليه؟ لأنه استطاع أن يصل إلى مشايخه، وهذا أفاد به؛ لأنه لو روى نفس الأحاديث التي روى أحمد في المسند ما استفدنا شيئاً، لكنه استخرج عليها. لا يعني، أَقصد أقول إنه لو مثلاً سمع من أحمد بن حنبل عن علي بن المديني واستطاع أن يصل إلى علي بن المديني، فلا يكتفي بهذه الرواية النازلة؛ يصل، طلب العلو، البخاري كان يطلب العلو في علمته عنه في كل أمره، في العبادة، يعني كل من رافقه في طلب العلم يحكي عن عبادته شيئاً لا تتخيله، تقول هو متى صنف كل هذا؟ بركة. قلت لك قبل ذلك إن اليوم بركة وليس عدد ساعات.
أنت نفسك تدرك هذا، في أيام العمل اليوم يكبر بعملك فيه ويصغر بتفريطك، فجأة تقول ده أنا راح عليا شهر تعفرت ما فيش أي شيء، صح؟ لأنك ما عملتش فيه شيء، اليوم يبارك بعملك فيه. هذا مع أنه كان ممن يحفظ كتبه، ولكن هذا زيادة في الإتقان وزيادة في التحري وزيادة في التثبت، وإخراج الوهم.
نعم، نحن عندنا هنا يا شباب، طبعا في باب الضبط، هو الضبط في الراوي هو أهم مبحث في الرواة الضبط، فأنا عايزك تصحصح بقى في هذا الأمر، نحن عندنا الراوي يا شباب عنده عمر رواية حياته، بدأ مثلاً في التلقي وعنده مثلاً 18 سنة، وبقي يحدث لحد ما مات وهو عنده 60 سنة، المدة دي كلها يا شباب التي تتجاوز أربعين عاماً هذه اسمها عمره الحديثي. الحديث فيها تحمل وفيها أداء، صح ولا لا؟
طيب الراوي هذا يا شباب ننظر إليه من مجموعة أشياء؛ أول شيء الشيوخ الذين حدث عنهم، هل هذا الراوي الذي حدث عن شيوخ كثيرين كان ضابطاً في كل هؤلاء أم كان يخطئ في بعضهم؟ لأن بعض الرواة يا شباب يكونوا ثقة، مثل معمر مثلاً، كان ثقة في الزهري وعبد الله بن طاووس، لكنه كان يخطئ في قتاده وفي الأعمش، واضح كده؟ فهو ثقة في بعض الرواه دون بعض. حماد بن سلمة كان ثقة عن ثابت البناني وكان ضعيفاً عن قتادة وكان ضعيفاً عن عمرو بن دينار.
فيبقى أول اختبار للراوي يا شباب؛ هل هذا الراوي في كل الشيوخ الذين حدث عنهم كان ثقة، أم كان يخطئ في بعضهم؟ يبقى من هنا يا شباب تفهم أن مثلاً لما يجي البخاري يروي لراوي لا يكتفي بأنه في الجملة ثقة، لابد أن يكون ثقة فيمن حدث عنه؛ لأنه ممكن يكون مثلاً زي أحد الرواة، وليكن مثلاً نضرب أمثلة متعدده زي مثلاً يونس بن يزيد الأيلي مثلاً هو متكلم في روايته عن الزهري، وإن كان الزهري كان لزم الزهري فترة من عمره لكن أحياناً البخاري يحتاج أن يعزز روايته بالمتابعات مثلاً، قبيصة بن عقبة متكلم في روايته عن الثوري، فالبخاري لما يخرج لراوي متكلم في روايته عن شيخه يضطر أن يعززها بالمتابعات.
فهمنا كده يا شباب؟ يبقى أول امتحان للراوي؛ هل هذا الراوي كان ثقة في كل شيوخه أم كان ثقة في بعضهم دون بعض؟ أمثلة بقى لأن الرواة يا شباب، الراوي له ظروف، أضرب لك مثال: لما تسمع أن الأعمش لازم أبا صالح مثلاً عشرين عاما حلو كده، وبعد كده بقى في آخر عمره راح سمع من أقرانه زي أبي إسحاق السبيعي وسلم بن قهيل وحبيب بن أبي ثابت، هل هيستوي علمه بواحد لازمه عشرين سنة مع واحد جلس معه مرة أو اتنين أو عشرة؟ فرق كبير، فانت تتعامل مع بشر مش آلات، فممكن واحد يكون اختص في راوي مثلاً. حماد بن سلمة كان من هو زوج أمه ثابت البناني، وكان رجلاً قاصاً عالماً ثابتاً حافظاً، فحماد بن سلمة تخصص فيه، فكان الإمام مسلم نقل إجماع المحدثين أن أوثق الرواة في ثابت هو حماد، وفي نفس الوقت ذكر عن هؤلاء المحدثين أنفسهم أن حماد بن سلمة يخطئ عن قتادة وعن عمرو بن دينار، مع أنه هو نفس الراوي! فهمنا كده؟
فيبقى ده الاختبار الأول، الاختبار بقى الثاني يا شباب؛ الأماكن التي تحمل فيها وأدى فيها. يعني هذا الراوي يا شباب في بلاد يتحمل فيها؛ البصرة، الكوفة، الشام، مصر، اليمن، وفي بلاد أدى فيها، مثلاً واحد زي معمر؛ معمر بصري حلو كده بس راح لأهل اليمن، فواحد من أهل اليمن قال لهم -هم حبوه جداً وعايزين يقعدوه- قال لهم: لا، أنا مش قاعد، فقال له: جوزوه! راح راجل عجوز كده كبير قال له: شوفوا له، هيتجوز، هيبيت، هيقعد عندكم، بالفعل اتجوز وقعد، فهمت كده؟
فركز بقى، فكان كتبه معاه في البلد، في البلد الذي تزوج فيها، طيب لما كان يرجع البصرة مثلاً يزور الوالدة أو أي حاجة ما كانش معاه كتبه، فأصبح يحدث من حفظه فيخطئ. فهمنا كده يا شباب؟ شفت الجواز وديته فين؟ فيبقى يا شباب ممكن واحد يخطئ في التحمل أو يخطئ في الأداء، واضح كده، مثلاً لم يكن يقيد فخلاص بقى الحديث دخل خطأ، أو أنه كان حافظاً وبعد كده لم يحدث من كتابه.
فيبقى الأماكن يقولون: فلان مثلاً يخطئ في روايته عن أهل البصرة أو عن أهل الشام، وهكذا. الأمر الثالث بقى يا شباب؛ الأزمان، أن الراوي ممكن يحصل له اختلاط فلما يكبر يعني يتغير حفظه ويختلط، زي مثلاً عطاء بن السائب، وزي كذلك أبو إسحاق السبيعي طرأ عليه شيء من ذلك، فيبقى مهم جداً أن أتعرف هل الراوي في كل الأزمان بقي بنفس القوة في الحفظ أم لا؟ خد بالكم يا شباب أن هذه هي، هو دي علل الحديث أصلاً، ليه؟ لأننا نتكلم الآن في مواطن الضعف عند الراوي الضعيف ولا الثقة؟ الثقة! وهي علم علل الحديث هو اكتشاف خطأ الثقة، وإلا فخطأ الضعيف سهل الاكتشاف. فهو ده ميدان شغل طالب الحديث يا شباب، هذا هو ميدانك أنك أنت تعرف أن هذا الراوي قد يخطئ في روايته عن أهل البصرة أو قد يعني كان يخطئ في آخر عمره اختلط، أو أنه إذا حدث عن فلان يخطئ، وهكذا. هنتكلم عنه بقى بعد ما نخلص.
الأمر الرابع بقى يا شباب اللي هو الموضوعات، الموضوعات يعني حديث في الفقة والإيمان وتزكية النفس وهكذا، أحياناً يقولون مثلاً أن محمد بن إسحاق بن يسار تقبل أحاديثه في المغازي والسير، لا تقبل أحاديثه في الأحكام مثلاً والإيمان مثلاً، أو عمرو بن دينار تقبل أحاديث مثلاً في الأحكام أو مثلاً في الآداب، لكن لا تقبل في العقائد.
وهكذا فيبقى المراد هنا شباب؛ مثلاً واحد زي حفص اللي احنا بنقرا روايته، حفص عن عاصم، حفص هذا شباب متروك الحديث، يعني لما يروي حديث لا يقبل، لكن هو في القراءة راوي معتمد؛ حفص عن عاصم، فهمنا كده يا شباب؟ فهو إمام في القراءة، لكنه في الحديث ضعيف لا يحتج به، فيبقى يهمني هنا أن تفهم هذا؛ هل هذا الراوي ممن يقبل في هذا؟ مثلاً البخاري يخرج روايات فليح بن سليمان في الرقائق والآاداب ويتساهل فيها، لكن لما يأتي الحلال والحرام والأحكام والإيمان لا يدقق، ويحتاج من هو أعلى منه ثقة.
من أفضل كتاب شباب تعرف منه هذا، هو كتاب شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي، هو اهتم بهذه النقطة الدقيقة تحديدا وهي يعني مواطن الضعف في الرواة الثقات، واضح؟ طيب.
الرابع: السلامة من الشذوذ، وهو التفرد غير المحتمل للمخالفة أو لعدم الأهلية للتفرد، وهذا الشرط متعلق بالرواية لا بالراوي، أي أن تكون الرواية نفسها سالمة من التفرد الذي لا يحتمل، بمعنى ألا تكون مخالفة الأحاديثه مخالفة للأحاديث الصحيحة الثابته المفروغ من صحتها، وألا يكون هذا الراوي الذي تفرد بها ليس أهلاً للتفرد بمثل هذه الرواية، فإن كان تفرده مما لا يحتمل، فانه في هذه الحالة يكون تفرده من قبيل الشاذ الذي لا يحتمله الأئمة.
شباب هذا أمر يعني أنا حتى أكتشف الشذوذ في الرواية؛ الشاذ هو التفرد غير المحتمل، يعني معناه أن هذا الراوي انفرد -وقد يجتمع مع التفرد المخالفة وقد يكون انفرد فقط- يعني لم تأتي الرواية عن مالك مثلاً إلا من طريق قتيبة، ماشي، أو لم تأتي الرواية عن سفيان الثوري إلا من طريق مثلاً أبي أحمد الزبيري، تمام؟ فده اسمه تفرد، قد يحكم عليه، لكي يحكم عليه العلماء بالشذوذ بمعنى أنه تفرد غير مقبول، أو قد يريدون بالشذوذ أن الراوي خالف الثقات الذين معه في الطبقة؛ فكل الرواة الحديث مرسلا بينما هو رواه مسنداً، فيبقى ما معنى عدم الشذوذ يا شباب؟ التأكد من عدم خطأ الراوي في الرواية.
طب واحد يقول لي: طيب ما احنا اشترطنا أن الراوي يكون ثقة؟ أقول لك: آه هذا حكم عام، عارفين يا شباب لما واحد يروح يجيب النتيجة بتاعته أنه جايب امتياز في النتيجة العامة تقول له أنت جايب إيه في الإنجليزي؟ يقول: مقبول، بيحصل؟ ما بيحصلش؟ يبقى الحكم العام لا يلزم أن يسري في كل حكم خاص، في راوي مثلاً يا شباب روى ألف رواية، تمام، أخطأ في عشر روايات منها، يبقى الحكم العام أنه ثقة، صح؟ بس العشر روايات دول هو ثقة فيها ولا ضعيف؟ ضعيف، يبقى الحكم العام هو حكم على مجموع حال الراوي، واضح يا شباب؟ لكن الحكم الخاص هو الحكم على كل رواية، فلما احنا بنتحقق أن الراوي ثقة ثبت هذا حكم عام، نريد أن نعرف هل أخطأ في تلك الرواية أم لا.
ركز بقى في القاعدة دي؛ كما أن أصحاب الصحيح ينتقون من أحاديث الراوي الضعيف ما تحقق لهم ثقته فيه، فكذلك يتركون من أحاديث الثقة ما تحقق عندهم خطؤه فيه، مفهوم ولا مش مفهومة؟ فيبقى هما ما عندهمش كده أن فلان ثقة يبقى كل أحاديثه صحيحة، فلان ضعيف ارمي حديثه، لا، ممكن يكون ثقة وأخطأ، ويعرفون روايته ولا يرونها، ويكون راو متكلم في حفظه فينتقون حديثه لعلمهم بأنه أصاب فيه؛ لأنه بتتعامل مع بشر مش بتتعامل مع آلات، فهمنا؟ لذلك مثلاً لما واحد يعتمد على كتاب تقريب التهذيب في الحكم على الحديث، خطأ فادح، ليه؟ لأن حافط ابن حجر يذكر حكماً في الراوي بينما هذا الراوي قد يكون ممن يخطئ في هذا الإسناد، واضح كده يا شباب؟
وهيأتي خطأ هيأتي عندنا مثلاً في مسألة رواة، يقول لك هذا الحديث صحيح على شرط مسلم، يفعله بعض المحققين، تقول له إزاي على شرط مسلم؟ يقول لك لأن الحديث رواه حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن جابر، والإمام مسلم روى لحماد ولجابر، أقول لك: أيوه بس لم يرو عن حماد عن عمرو بن دينار، لما روى عن حماد روى عن حماد عن ثابت، ولما روى عن عمرو بن دينار اختار رواية الثقة عنه زي سفيان وحماد بن زيد، فالتركيبة دي تلفيق خطأ، فيبقى لازم يا شباب يكون عندنا دقة أن العالم ما بيمضيش استماره كده للراوي يقول له أنت كل أحاديثك ثقة، لا، بيختبر حديثه.
إذا يا شباب لو واحد سأل ما فائدة اشتراط عدم الشذوذ مع كوننا نشترط أن الراوي ثقة؟ هنقول: لأن فرق بين الحكم العام والحكم الخاص، الحكم العام حكم لمجموع الحكم العامة هو يا شباب الإصابة بجانب الخطأ، صح ولا لا؟ لما يكون عندي راوي روى ثلاثين ألف رواية، راوي ألف، ثلاثين ألف وأخطأ في ألف، يبقى هو ثقة، تمام؟ بس الألف دي هو ضعيف فيها، يبقى الحكم العام هو جانب الخطأ بالنسبة لجانب الصواب النسبة بينهم إيه؟ فرق كبير، واحد بالمائة، خلاص يبقى ثقة، لكن الواحد هذا هو ضعيف فيه، واضح اتفضل.
أسرع شوية.
التي لا يحتويه الأئمة، لا يعتبرون به، يعني لا يحتملونه ولا يعتبرون به، في فرق بينهما؟ لا يحتملونه، يعني لا يصححونه، طب بقي شيء؟ ما هو أن هم يستشهدون به؟ قال لك: لا، لأن الخطأ يا شباب لا يستشهد به، افهم، ممكن يكون حديث ضعيف استشهد به لأني لم يتحقق لدي خطأ الراوي فيه، فهمنا؟ لكن إذا تأكدت أن الراوي أخطأ فهذا الحديث لا يقبل ولا يقوي غيره، يعني لا يعتبر به كأن ملوش وجود، فهمنا يا شباب؟ يعني لما يكون في حديث في راوي متكلم في حفظه فأنا قلت والله أنا متوقف فيه، فلما وجدت روايات أخرى تشهد له فقمت بمجموع الروايات قبلته، صح؟ لكن إذا تأكدت أن الراوي أخطأ فيه، خلاص هذا لا يقوي ولا يتقوى، فكلمة لا يحتمل لا يحتمله الأئمة لا، لا يقبلونه ولا يعتبرون به، لا يقيمون به غيره من الروايات، لأن معنى الاعتبار من معانيه التقوية ولا يقيمون غيره به.
أيوه الحديث عن الضعفاء قد يحتاج إليه في وقت، والمنكر أبداً منكر، هيأتي معنا هذه الرسالة القاعدة اتفضل.
الخامس: السلامة من العلة وهي الأسباب الغامضة الخفيه القادحة في الصحة مع عصاه أن يصحح من حيث الظاهر، فيترجح لدى الناس بأن هذه الرواية خطأ، وأنها تسرب إليها نوعاً من الخطأ أو شيء من الخطأ، ويدرك ذلك الإمام.
هو نوع من العلة، لأن ما هي العلة؟ تعرف أنت لما في طبيب مثلاً يشوف شخص جسمه قوي كده والناس منبهره بيقول على فكرة الشخص ده عنده مرض، إزاي إزاي يا عم ده قوي؟ آه لأن هو رأى ما لم نراه نحن، نظر في عينيه وجد مثلاً أن لون البياض في صفار شوية فاستطاع أن يكتشف العيب الخفي.
ميدان علم العلة يا شباب هو أخطاء الثقات، فأخطاء الثقات ما مشكلتها؟ أنه خطأ غير متوقع، تمام، وأن الاجتراء على تخطئة الثقة أمر مستغرب، فلذلك علماء العلة كانوا أقل من رواية الحديث، صح يا شباب بلا شك يعني، رواة العلل هم يكتشفون أخطاء الرواة.
فالشذوذ هو نوع من العلة، طيب لماذا يا شباب هم فرقوا بين العلة والشاذ؟ ده سؤال جميل، لأن العلة هي التي يكتشف فيها خطأ الراوي بروايات غيره، إنما الشذوذ قد يكتشف من الرواية الواحدة، إزاي يا شباب؟ يعني أنا مثلاً ماشي.
يعني واحد يقول يا شباب، لماذا إذا كان الشذوذ نوع من العلل التي ترد بها الأحاديث فلماذا أفردوه؟ ولم يقولوا لا يكون الحديث معللاً؟ ننتظر أم أحمد.
الشذوذ نوع من العلل، طب لماذا خصوه بالذكر؟ هو في الأصل لو قالوا لا يكون الحديث معللاً يكفي، وأصلاً لو قالوا أن يكون الراوي ثقة يكفي كمان إذا قصدوا أن يكون ثقة في تلك الرواية بعينها، لكن هم أرادوا أن يعددوا الأسباب ويفصلوها.
الشذوذ شباب هو تفرد، أما تفرد لا يحتمل، أو تفرد مع مخالفة، يعني الراوي انفرد وهو لا يتحمل لا يحتمل التفرد زي ما قلت لكم علي بن مسعدة ينفرد.
عن قتادة، عن أنس: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون». حكم عليه العلماء بأنه حديث منكر، لِمَ منكر؟ لأنه انفرد به علي عن قتادة. طب، علي هذا ينفع ينفرد؟ أبداً، ما يستطيع؛ لأن قتادة له ثقات حفاظ يروون حديثه، فكيف ينفرد هذا الراوي؟ فلهذا يقولون عنه منكر، أو شاذ، أو أي صفة تدل على أنه لا يحتج به.
العلل يا شباب هي اكتشاف خطأ الراوي الثقة، أو اكتشاف العيب الخفي. واضح من العيوب أن يكون الراوي الثقة خالف من هم أوثق منه، أوثق منه أخطأ. طب ليه بقى -زي ما أنا قلت لك كده- ليه العلماء خصوا -يعني جعلوا الشذوذ نصوا عليه ولم يقولوا فقط ولا يكون معلّلاً- لأنهم يعتبرون أن العلة تكتشف بجمع الروايات.
إزاي يا شباب نفهم دي؟ نعتبر أن أنت كان معك رواية بين يديك، هذه الرواية فيها مثلاً: يونس، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، مرفوعاً. فأنت أول ما رأيت هذه الرواية طبقت عليها الشروط، فقلت: يونس ثقة وحاله مقبول في الزهري، والزهري عن سالم عن ابن عمر من أصح الأسانيد، فقمت حكمت أن هي رواية صحيحة، كويس كده؟
فلما أنت جمعت الروايات تبين لك خطأ يونس، أن الثقات الحفاظ عن الزهري -زي معمر، وزي مالك، وزي ابن عيينة، وزي الزبيدي- رووا الحديث عن الزهري مرسلاً، لم يذكروا لا سالم ولا ابن عمر. فأنت اكتشفت خطأ يونس من نفس رواية يونس، أم بالمقارنة مع رواية الثقات من أقرانه؟ بالمقارنة، فلذلك هم يجعلون العلل هي التي يكتشف فيها خطأ الراوي بإيه؟ بعرض حديثه على أقرانه من الثقات.
لذلك لما في راوي اسمه ابن علية جاء ليحيى بن معين، قال: كيف حديثي عندكم؟ قال: أنت ثقة. قال: كيف علمتم؟ قال: عارضنا حديثك بأحاديث الناس فوجدناها مستقيمة. فقال: الحمد لله؛ يعني إيه؟ يعني بيقول له: اختبرنا أحاديثك بأحاديث أقرانك. واضح كده يا شباب؟ إذا الشذوذ هو نوع من العلل التي ترد بها الأحاديث، واضح، ولكن هذا الشذوذ نص عليه المتأخرون لأسباب، منها مثلاً أن ممكن الشذوذ أصلاً لا يحتاج أن تجمع الروايات، ليه؟ لأن الراوي إذا كان منكر الحديث أو شديد الضعف وانفرد على واحد عن أحد الثقات الحفاظ، حديث مردود أصلاً.
إذاً يا شباب، العلل -العلل الخفية- هي خاصة علم العلل، وهي أخطاء الثقات؛ لأن أخطاء الثقة يا شباب تجد من يجادل عنها، يقول: كيف تخطئ فلاناً؟ ويصعب اكتشافها أيضاً، فهمنا يا شباب؟ وده بقى ميدان الثقات الحفاظ من علماء العلل، ليه؟ لأنك أن تكتشف أن مثلاً شعبة أخطأ، أو أن سفيان بن عيينة أخطأ، أو أن حماد بن زيد أخطأ، هذا أصلاً يحتاج جهد كبير ويحتاج ملكة، فهمت؟
لأنه ممكن نكتشف الخطأ من نفس الرواية صحيح، لكن كذلك هناك نوع من الشذوذ لا يكتشف إلا بجمع الروايات. أيوه، طبعا أن أي راوي -يعني- يقارن مع طبقته ماشي، ولا أئمة -عليهم رحمة الله- يعتمدون في ذلك على قرائن لا حصالها ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الحديث، بل له نظر ثاقب ورأي راجح، ووفقهم في هذا الباب، ولا يدركه إلا أمثالهم -رحمهم الله تبارك وتعالى-.
ونحن نلاحظ من خلال هذه الشرائط الخمسة التي ذكرها أئمة الحديث -عليهم رحمة الله- للحديث المقبول، نلاحظ أن بعضها يتعلق بالراوي والبعض الآخر يتعلق بالرواية. فالشرط الأول هو اتصال الإسناد، يتعلق بالراوي نفسه من حيث العلاقة بينه وبين شيخه، بأن يكون قد تلقى الحديث عن شيخه بإحدى طرق المعتمده في تحمل الأحاديث.
والشرطان الثاني والثالث -وهما أن يكون الراوي عدلاً ضابطاً- أيضاً متعلقان بالراوي، أن يكون الراوي نفسه عالياً، وأن يكون أيضاً ضابطاً. والشرطان الرابع والخامس -وهما أن يكون الحديث نفسه سالماً من الشذوذ، سالماً من العلة- هذان الشرطان متعلقان بالرواية نفسها، لكن من الممكن أن نردهما إلى الراوي أيضاً.
أي أن سلامة الحديث من الشذوذ والعلة معناه أن يكون هذا الراوي لم يخطئ في هذا الطريق بعينه، وإن كان وفي الجمله ممن عرف بالتثبت والحفظ والإتقان. إذاً يا شباب، ركز بقى في النقطة الدقيقة دي: إذا كنا نقول إن الحديث الصحيح هو الذي أداه الراوي كما تحمله، فيمكن أن نحكم على الحديث الذي فيه راوي متوسط بأنه حديث صحيح.
بمعنى أن لما يكون عندي أنا راوي متوسط في الجملة -يعني هو في راوي زي قبيصة بن عقبة مثلاً هو متوسط، ليس ضعيفاً وليس ثقة، متوسط لكن يخطئ كثيراً، لكنه في رواية بعينها تأكدنا أنه ضبط الرواية عن سفيان الثوري- فالبخاري يدخلها في الصحيح، ليس عنده مشكلة. وليس بعض الناس يقول إن البخاري عنده أحاديث حسنة، لا، البخاري حيث أدخله لا يراه حسناً، بل يراه صحيحاً؛ ليه؟ لأنه تأكد أن هذا الراوي ضبطه.
مثلاً البخاري يروي حديثاً عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، إسماعيل بن أبي أويس في كل ما فيه بالضعف، واضح؟ بشدة الضعف أحياناً، طب لماذا البخاري يروي له عن مالك؟ وقع له الحديث بعلو، وانتُخب من حديثه، فهو حيث يروي عن مالك يتأكد أن هو ضبط تلك الرواية؛ لأن الثقات عن مالك وافقوه، فلم يروِ عنه منفرد به، ولما خالف فيه... كده يا شباب؟ لو هو اكتشف أنه انفرد لا، يقول لك: لا، إزاي أنا أخرج عن إسماعيل ومالك؟ كل الكرة الأرضية كلها كانت تروي عنه، أين كان هؤلاء؟ طب لو خالف برضه يتقي المخالفة، طب لو وافق، ما المشكلة؟ إذا وافق أن يروي حديثه وهو تأكد أن هو ضبطه، فهمت؟
وأن سلامة الحديث من الشذوذ والعلة معناه أن يكون هذا الراوي لم يخطئ في هذا الحديث بعينه، وإن كان هو في الجملة والحفظ والإتقان. ذلك أن أئمة الحديث -عليهم رحمة الله- يعرفون أن الراوي مهما كان متثبتاً، مهما كان ثقة، مهما كان حافظاً، فهو ليس معصوماً من الخطا، وهو لا يُحسم من أن يعتليه الخطا في بعض الأوقات.
فلهذا اشترط الأئمة في الحديث أن يكون سالماً من الشذوذ والعلة؛ احتمال أن يكون هذا في الحديث -أن يكون احتمال أن يكون هذا الحديث معيناً من الأخطاء القليلة التي أخطأ فيها ذلك الراوي-. يقول الإمام يحيى بن معين -عليه رحمة الله-: لست أعجب ممن يخطئ، إنما أعجب ممن لا يخطئ؛ فإن الخطا صفة لازمة للإنسان مهما كان من أهل التثبت، ومهما كان من أهل الإتقان، وليس يعصم من الخطا إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما كان هناك احتمال -وإن كان ضعيفاً- أن يكون الراوي ثقة أخطأ في الحديث، شرط الأئمة -عليهم رحمة الله- في الحديث أن يكون سالماً من الشذوذ، سالماً من العلة، ليطمئنوا إلى أن هذا الحديث الذي بين أيديهم ليس مما أخطأ فيه ذلك الراوي الثقة. فإذا تبين لهم أنه أخطأ، وأن هذا الحديث من القليل النادر الذي أخطأ فيه، الحديث جعلوه من قسم المردود، وحكموا بشذوذه أو بكونه معلولاً، ولم يغتبروا بحال الراوي، ولم يقولوا إنه ثقة أو حافظ أو متقن متثبت.
فإن هذا إنما ينفع الراوي في العموم، حيث يتبين خطأه في حديث معين، فإن هذا الحكم العام المتعلق بحفظه واتقانه لا ينفعه، بل يقال حينئذ إنه حق الثقة، وإنه فعلاً حافظ متقن متثبت، إلا أن هذا الحديث بعينه مما أخطأ فيه، هو يستثنى من أحاديثه التي أصاب فيها وأتى بها على جادة الاستقامة.
لاحظوا يا شباب، ما أثر هذه القاعدة؟ صحصح في دي عشان دي دقيقة جداً: ما أثر هذه الفكرة على من يقرا كتاباً مثل صحيح البخاري؟ هذه القاعدة ما معناها يا شباب؟ معناها أنك إذا رايت حديثاً بإسناد نظيف وقوي وهو أصل في بابه، وشخص مثل البخاري تعمد ألا يخرجه مع كونه يحتاج إليه، فهذا يدل على أن هذا الحديث عنده علة.
كيف مثلاً؟ الحديث: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة»، هذا الحديث أن أول ما قراته -يعني الحديث معروف جداً طبعا من زمان وأنا أحفظه وأعرف أنه في صحيح مسلم وليس في صحيح البخاري-.
البخاري، كنت أتعجب كثيرا لماذا ليس في البخاري الحديث رواية الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، يعني إسناد مثل الورد والبخاري يخرجه كثيرا، فبقي في نفسي شيء إلى أن قرأت تعليقا للترمذي رحمه الله أن الأعمش في بعض رواياته قال حدثت عن أبي صالح.
فحدثت دي معناها أن في واسطة بينه وبين أبي صالح، فأدركت هنا أن البخاري تعمد تركه، واطمأن البخاري يذكر لفظه لكن لا يذكره مسندا.
الشاهد يا شباب أني لما تجد حديثا بإسناد من الأسانيد المشهورة المحتج بها والعلماء مع كونه يحتاج إليه لم يتعمد عدم إخراجه لابد أن تعرف أنهم ما تركوه إلا لعله، فتبدأ تبحث بقى في إيه في هذه العلة ما سببها ماشي، طبعا الإمام مسلم تقول طب ليه الإمام مسلم خرجه.
إلا أن الإمام مسلم وقف على طريق فيه التصريح بيحدثنا، ولكن هذا التصريح في رأي خطأ؛ لأن كل الرواة رواه بالعنعنة إلا راو واحد أظن اسمه عبد الرحمن بن ثابت واضح، فلا يعتمد في هذا عليه؛ لأن قد يخطئ في صيغة الأداء أيضا.
المهم أن كل واحد منهم عنده حجة، الذي تركه عنده حجة، والذي رواه عنده فيه حجة.
طبعا إذا كان الحديث أصلا في بابه ومما يحتاج إليه وإسناده قوي وتعمد تركه، طبعا أمال هو هيتركه ليه ده هو محتاجه أصلا فهمت، لذلك الدارقطني أحيانا يلزمه بأحاديث على شرطه عمل كتاب الإلزامات.
اتفضل، خلاص وصلنا هنا طيب خلينا نقف هنا، جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم.
الشيخ حسين عبد الرازق