تسجيل الدخول

تذكرة السامع والمتكلم (24)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا طالبا للعلم يرجو نفعه، اسمع نصيحة ناصح معواني لربك في أمورك كلها، فالمخلصون هم أولو العرفان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على مبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم للإمام ابن جماعة الكناني الشافعي رحمة الله تعالى عليه.

وقد وصل بنا المسير أحبتي إلى الباب الثامن، إلى الباب الثامن من أبواب هذا الفصل المبارك، الذي يتحدث فيه ابن جماعة رحمة الله عليه عن علاقة الطالب بحلقة العلم وبمنهج الطلب، فمنحنا ابن جماعة عليه رحمة الله مجموعة من القواعد المهمة جداً في منهج التلقي والطلب.

وكيف ينتقض الطالب آه من في حفظ المختصرات، خطوة استشراحها ومراجعتها وتكرارها، وكيف يعتمد في الفهم، وكيف أنه يبدأ أولاً بكتاب الله، وأنه لا ينبغي أن يهمل ويؤجل سماع كتب الحديث، بل يمر عليها كتاباً كتاباً بدءاً من الصحيحين، ويتعرف على الرجال والمسانيد وفقه الحديث عموماً، ويعرف صحيح الحديث من ضعيفه، إلى آخر تلك المهارات والمنهجيات المهمة التي تطرقنا إليها في المجلس السابق.

وشرع أيضاً في هذا الفصل يتكلم عن أدب الطالب في حلقة العلم، وكيف يتعامل مع شيخه وأستاذه وكيف يتعامل مع زملائه في هذه الحلقة، واليوم نكمل مسيرنا بإذن الله، لعلنا نختم هذا الفصل لننتقل إلى باب جديد من أبواب هذا الكتاب المبارك.

وصلنا إلى الموضوع الثامن إذاً من هذا الفصل، ويتكلم فيه ابن جماعة عن أدب طالب العلم مع رفقاء الشيخ ومع زملاء الشيخ، كيف يتعامل معهم؟ يعني أنظروا إلى أين وصل الأدب؟ ليس فقط مع الشيخ أو تلاميذ الشيخ، بل حتى رفقاء الشيخ وأصدقاء الشيخ كيف تعظمهم توقيراً لشيخك واحتراماً له.

يقول ابن جماعة: أن يتأدب مع حاضر مجلس الشيخ، فإن تأدبك محاضري مجلس الشيخ عموماً هو أدب مع الشيخ، قال: واحترام لمجلسه وهم رفقاؤه، أي رفقاء الشيخ، فيوقر أصحابه، ويحترم كبراءه وأقرانه، ولا يجلس وسط الحلقة، إياك أن تجلس وسط الحلقة، لأنه جاء النهي عن ذلك، ولا قدام أحد، لا تجلس قدام أحد إلا لضرورة كما في مجالس التحديث.

يعني الإنسان لا يجلس في وسط الحلقة، ولا يأتي ليجلس أمام شخص معين ويغلق عليه الشاشة كما يقولون إلا لضرورة قصوى كشدة اقتحام وما شابه ذلك، قال: ولا يفرق بين رفيقين ولا بين متصاحبين إلا باذنهما معاً، ولا فوق من هو أولى منه.

إذن قال: إذا أتيت لتجلس في مجلس العلم لا تفرق بين رفيقين، رأيت شخصين يجلسان معاً وتعلم أنهما رفقاء، لا تفرق بينهما إلا باذنهما، تستأذن هذا وتستأذن هذا، ولا بين متصاحبين قال: إلا باذنهما معاً، يعني لابد هذا يأذن وهذا يأذن، ولا فوق من هو أولى منه، أي ولا يجلس فوق من هو أولى منه بذاك المكان.

ولربما هذه الأمور تكررت، يعني هو مر عليها في أماكن أخرى فيعيدها حتى تترسخ في ذهن الطالب، قال: وينبغي للحاضرين إذا جاء القادر أن يرحبوا به، ويوسعوا له، ويتفسحوا لأجله، ويكرموه بما يكرم به مثله، وإذا فسح له في المجلس وكان حرجا ضم نفسه.

يعني إذا جاء شخص إلى مجلس العلم علينا نحن كطلبة حاضرين لمجلس الشيخ أن نرحب به، وأن نحاول أن نتفسح له يجلس معنا، وأن نكرمه بما هو أهله، وإن كان كبيراً نوقر شيبته وإن كان شاباً صغيراً نحثه على طلب العلم، ونحاول أن نتوسع له في المجلس.

فإذا وسع لي، أنا أتيت إلى مجلس علم فالزملاء وسعوا لي وجلست، الآن علي أن أكون أيضاً ذكياً إذا كان المجلس فيه ضيق، فلا يتوسع ولا يفرد الأقدام، لذلك قال: فاذا كان حرجاً أي فيه ضيق المجلس فليضم نفسه، عليك أن تضم نفسك ولا تأخذ الراحة في توسع الأقدام في المجلس حتى لا تؤذي زملائك.

قال: ولا يتوسع، إياك أن تتوسع في مجلس ضيق، قال: ولا يعطي أحداً منهم جنبه ولا ظهره، إذا فسح لك إخوانك في المجلس إياك أن لم تعطي أحداً منهم ظهرك أو جنبك، فإن هذه من الأمور التي لا تليق بأدب حلقة العلم ومجلس العلم، ويتحفظ من ذلك ويتعهده عند بحث الشيخ له.

وخاصة هذه قضية عدم إعطاء الظهر وعدم إعطاء الجم، عليه أن يتعهدها وأن ينتبه هو الآن كيف يجلس في مجلس، هذه الأمور أحبتي أمور مهمة ربما نحن نأخذها بأيسر النظر، لكن عند الاقدمين كانت مهمة ويأخذونها بعين الاعتبار، كيف أجلس في مجلس العلم، وكيف أعطي كل جلسة وكل لحظة وكل نظرة اهتمام ورعاية لتخرج على الشكل المرضي والأدب المرعي في آداب طالب العلم.

لذلك يقول: ويتحفظ من ذلك ويتعاهد، خاصة عند بحث الشيخ له، يعني إذا كان الشيخ يكلمك عليك أن تتحفظ أن تكون أعطيت الشيخ جنبك أو ظهرك أو ما شابه ذلك.

قال: ولا يجنح على جاره، أي لا تميل على زميلك الذي معك في المجلس، لا تجنح عليه ولا تميل عليه حتى لا تضيق عليه مجلسه، قال: أو يجعل مرفقه قائماً في جنبه هكذا في مجلس العلم.

بعض طلبة العلم يجلس مرفقه قائماً في جنبه أما على ركبته أو بهذه الصورة، لماذا؟ ربما هذه الصورة أخف، لكنه هوني ابن جماعة يقصد هذه الصورة، أن يجعل مرفقه قائماً في جنبه، أظنه يقصد هذه الصورة، أنه هذه الصورة إذا كان مرفقك بهذه الطريقة أنت ضيقت المجلس على زملائك وآذيت جارك.

آذيت جارك، الأصل تكون يدك في حوضك في المكان الذي هو حماك، واما أن تبسط المرافق بهذه الطريقة فهذا فيه إذاء لزملائك، قال: إذاً ولا يجنح على جاره، أو يجعل مرفقه قائماً في جنبه، أو يخرج عن بقية الحلقة بتقدم أو تأخر.

أو يخرج عن بقية الحلقة، يعني الطالب أيضاً عليه أن لا يكون خارج حلقة العلم، سواء متقدم عنها ومتأخر عنها، بل يكون ضمن حلقة العلم، أما أن ينفرد وحده فليس الانفراد من أدب طلب العلم مع شيخه.

قال: ولا يتكلم في أثناء درس غيره أو درسه بما لا يتعلق به، أو بما يقطع عليه بحثه.

الآن أحبتي سيمر معنا أن الدراسة قديما كانت على شكل نوبات، ما معنى نوبات؟ أن يكون كل طالب أو مجموعة طلاب لهم موعد محدد في القراءة على الشيخ، فتجد الطلبة يجلسون على دور محدد، مثلاً نحن أتينا أولاً نجلس في البداية، ثم يكون هناك زملاء تأتوا بعدنا يجلسون خلفنا، ثم من جاء بعد ذلك يجلس خلفنا، فتكون نوبات ومدارس، ويكون الشيخ على مجلسه، وهذا أدركناه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كثير من المشايخ كنا ندرس عليهم على نظام النوبات، الآن ربما في بلدنا هناك مثلاً محاضرة أو دورة يعقدها الشيخ ويأتي الطلاب، هذا نمط من أنماط التدريس، لكن النمط القديم وما زال يطبق ربما في بعض المناطق في المغرب الإسلامي ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نمط التدريس على نوبات أن الشيخ يكون حاضراً للمجلس ويأتي الطلاب مجموعات مجموعات.

مجموعة لتدرس عليه النحو، مجموعة تقرأ عليه مثلاً للصرف مطلوب، مجموعة تقرأ عليه في البلاغة، بل حتى في النحو يكون أكثر من مجموعة، مجموعة إجراءات مبكرة تدرس مع بعضها ثم تأتي المجموعة التي تليها وهكذا.

فهنا يقول ابن جماعة: إذا كنت تدرس على هذا النمط، نمط المجموعات أو النوبات على الشيخ، وأنت حضرت في نوبة غيرك، كيف يعني؟ أحياناً أحبتي يكون إنسان مثلاً ينتظر دوره في الدرس على الشيخ، بده يكون الشيخ أقام حلقة لغيرك، فأنت تحب أن تجلس في مجلس غيرك لتسمع ما يقول الشيخ لهؤلاء حتى تستفيد من حلقتهم، وعندما يأتي دورك تستفيد مرة أخرى، فيقول لك ابن جماعة:

إياك أن تتكلم في أثناء درس غيرك، يعني إذا كانت النوبة والحلقة لغيرك وأنت يعني متطفل عليها أتيت لتسمع العلم فقط، إياك أن تتكلم أو أن تقطع عليهم حبل أفكارهم. بل حتى في درسك أيضاً، لا تتكلم ولا تسأل بما يقطع تسلسل الأفكار، لأنه أحياناً أحبتي يكون الشيخ يؤصل فكرة، فيأتي الطالب في منتصف هذه الفكرة يقطع عن الشيخ كلامه يريد أن يسأل، فينقطع حبل الأفكار عن الشيخ وعلى زملائه، وهذا لا يليق.

الأصل أن تنتظر حتى يتم الشيخ الصورة كاملة، ثم بعد ذلك تكمل ما تريد، وإذا شرع بعضهم في درس، فلا يتكلم بكلام يتعلق بدرس فراغ ولا بغيره مما لا تفوت فائدته إلا بإذن من الشيخ. الدرس ما صاحب الدرس هو الطالب الذي جاءت نوبته، الآن هناك طالب يقرأ على الشيخ، جاء دور هذا الطالب ونوبة هذا الطالب، فليس من الأدب أن أزيد أنا على هذا المجلس، الآن الشيخ يعلم هذا الطالب، آتي أنا أدخل عليهم فأقول يا شيخ أريد أن أسألك سؤالاً عن الدرس الذي فاتني أو الدرس الماضي، هذا لا يليق، خاصة كما قال لك إذا كان الأمر يمكن تداركه، يعني أنتظر حتى يفرغ الشيخ من تعليم هذا الطالب، أو يفرغ من هذه الطلبة، أو من هؤلاء الطلبة، ثم بعد ذلك إن وجدت الشيخ فارغاً أذهب فأسأله عما مضى.

أما والشيخ يعطي درساً لأحد زملائك، تأتي تقطع على الشيخ حبل الأفكار وعلى زميلك حبل الأفكار وتقول يا شيخ أريد أن أسألك عن شيء سبق أو عن شيء مضى في درسنا، فهذا ليس أدباً، وانظر في نفسك لو كنت أنت هذا الطالب الذي يقرأ على الشيخ وجاء شخص قاطعك وقاطع الشيخ وبعدها يسأل عن أمور مضت، ستشعر بالضيق وتقول يا فلان اذهب حينما أنهي درسي مع الشيخ، ويجيء يسأل الشيخ في الوقت الذي تراه مناسباً. ففعلا هذا هو الأدب الذي نرتضيه جميعاً، لا نحب ونحن نكلم شيوخنا وأساتذتنا ونسمع عليهم أو يشرحون لنا أن يأتي شخص يدخل يقاطع.

قال: إلا لضرورة قصوى، إذا كان هناك ضرورة قصوى قد تفوت، فجاء هذا الشخص فاستأذن من الشيخ واستأذن من زميله الطالب وقد استسمحكم عذر النكس، وربما يفوت وأنا الآن مسافر أو ربما أغيب فترة طويلة وأحتاج أن أسأل الشيخ عنه. هنا الضرورات كما يقولون تبيح المحظورات، لكن حتى حينما تفعل هذا للضرورة عليك أن تلتزم بالأدب بسؤالك باستئذان الشيخ زميلك أنك تسمح لأخي بهذا السؤال حتى تطيب خاطره.

قال: وإن أساء بعض الطلبة أدباً على غيره لم ينهره غير الشيخ. جميل أنظروا إلى هذه التفاصيل الدقيقة جداً لنعلم أن علم التربية وعلم السلوك عند المسلمين بلغ درجة عليا ما زالت الجامعات الحديثة لربما لم تصل إلى هذه الدقائق في تحديد علاقة الطالب بالأستاذ والطالب بالزملاء. تقرأ كتباً كثيرة عامة، لكن المنهجية التي يطرح بها سلفنا الصالح هذه الآداب بحذافيرها، بالنظرة، بالعين، بتجنسه، بالهيئة، بالكلام، بالحديث، كيفية الجلوس، كيفية الخروج، هذا أمر أحبتي لم يصل الغرب الحديث إلى تحديده بهذه الدقة المتناهية.

لنعلم جلالة كتب التراث، ولنعلم عظمة هذا الجيل الصالح الذي وصل إلى تحديد كل الأدبيات والمناهج التربوية قبل أن يصل الغربي الحديث في هذه الأيام، بل لم يصل الغرب الحديث إلى كثير منها. أنظروا كيف يعطي الآن ابن جماعة منهجية، يقول إذا أخطأ أحد الطلبة في مجلس الشيخ، ليس لزميله أو أحد أقرانه أن ينهره وأن يقول يا فلان لا تفعل كذا، بل الأمر إلى الشيخ فقط، الشيخ هو الذي يتكلم، لأن هذه الأمور قد تسبب حزازيات في أنفس الطلاب.

لو طالب زميله نهره، هنا سيأخذ هذا الطالب من زميله موقفاً، موقفاً حاداً أنه كيف أنت مثلاً ترفع صوتك عليّ أمام الشيخ، ومن أعطاك الأحقية لتنهرني؟ فعماء السلوك وعلماء السلف الصالح رحمة الله عليهم كانوا يدركون هذه الدقائق بين الطلبة وفي نفوسهم، فيقولون: لا ينهر طالب زميله في مجلس الشيخ، وليكل الأمر إلى الشيخ. قال: إلا بإشارته، ربما يعني تسامحوا بالإشارة، مثلاً زميلك رفع الصوت على شيخك، أنت تشير له بيدك أن يخفض الصوت أو سراً بينهما على سبيل النصيحة، أما أمام الشيخ والزملاء تتطاول على أحد الزملاء وتقول لماذا تفعل كذا وكذا وتحرجه أمام الشيخ، هذا سيسبب بالتأكيد نفوراً بينك وبينهم، ونحن نحاول المحافظة على علاقة متينة جميلة رائقة بين طلبة العلم في مجالس التعلم، فينتتقل الأمر إلى الشيخ، الشيخ هو الذي يعني يعدل هذا التصرف وينبه هذا الطالب.

أنت إما أن تلتزم الصمت وهذا أسلم، وإما أن تشير لزميلك ألا يتصرف، وإن كنت تستطيع أن تنصح هذا الطالب وبينك وبينه ود، نصحته في سر بعد مجلس العلم وقلت له يا اخي ترى هذا التصرف الذي فعلته أمام الشيخ لربما لا يليق والشيخ يأخذ في خاطره، أن تشعر بالنصيحة السرية فهذا أيضاً باب جيد.

قال: وإن أساء أحد أدبه على الشيخ تعين على الجماعة انتهاره. الآن أنت طالب اساء الأدب مع الشيخ بشكل علني أمام الطلبة وفي مجلس العلم، هنا لا ننتظر من الشيخ أن ينتصر لنفسه، بل وظيفة الطلبة أحبتي ومن حق الشيخ عليهم أن يقوموا بنصرة الشيخ وأن يزجروا هذا الطالب زجراً شديداً. أي طالب يسيء الأدب مع شيخ إساءة واضحة مقصودة في هذه الحالة ليس له إلا النهر والزجر، ولا ننتظر من الشيخ نقول الشيخ هو يدافع عن نفسه أبداً، بل من حق الشيخ أن الشيخ يسكت والطلب يزجر هذا الرجل الذي اساء الأدب وقال له ما هذا العالم الجليل.

قال: وإن أساء أحد أدبه على الشيخ تعين على الجماعة تعين على الجماعة انتهاره ورده والانتصار للشيخ بقدر الإمكان وفاء لحقه. قال: ولا يشارك أحد من الجماعة أحداً في حديثه ولا سيما الشيخ. إذا كان الشيخ يتحدث أو أحد زملائك يتحدث، إياك أن تقاطعه، دعه يكمل الفكرة إلى النهاية ثم بعد ذلك تتدخل وتبدي التعليم، هذي هي فكرة باختصار التي يريدها ابن جماعة.

قال بعض الحكماء: من الأدب ألا يشارك الرجل في حديثه وإن كان أعلم به منه. وربما هناك ضبط آخر لكلمة يشارك: من الأدب ألا يشارك الرجل في حديثه. سواء قال من الأدب ألا يشارك الرجل في حديثه، هذا ضبط ألا يشارك الرجل في حديثه، وتستطيع أن تقول من الأدب ألا يشاع الركع الرجل في حديثه، هكذا تقرأ، هكذا تقرأها، كلاهما جائز. إذاً نقرأها: من الأدب ألا يشارك الرجل في حديثه وإن كان أعلم به منه. يعني من الأدب أن لا تشارك أحداً من زملائك أو حتى الشيخ في حديثه حتى ولو كنت أعلم به منه، دعه يكمل الفكرة حتى ولو كنت علمتها من مائة سنة، دعه يكملها إلى النهاية يصورها بشكل جلي، ثم بعد ذلك أنت تبدي رأيك، لأنك دائماً أحبتي بعض الآداب حتى تعلم قبحها عليك أن تنظر لو كنت أنت في الطرف المقابق ماذا ستشعر؟

تخيل أنك تتكلم بفكرة، وفي أثناء كلامك جاء أحد الزملاء فقاطعك وقال لك هذه فكرة معلومة مسبقاً، قبل أن تكمل فكرتك جاء فقاطع، أنت ماذا ستشعر؟ ستشعر بالضيق، ولماذا تقاطعني؟ حتى لو كنت تعلمها مسبقاً، هناك غيرك ربما لا يعلمها، أنا لا أعلمها أريد أن أستفسر من الشيخ عنها. ففي الحقيقة كما تحب أن يعاملك الناس عليك أن تعاملهم، كما تحب أن يعاملك الناس عليك أن تعاملهم، فانتبهوا على هذا الأمر.

بل وأنشد الخطيب البغدادي في هذا المكان: ولا تشارك في الحديث أهله وإن عرفت فرعه وأصله. يعني إياك أن تشارك أحداً في أثناء حديثك حتى ولو كنت تعرف أصل هذا الحديث وفرعه، وهذه حكمة جميلة في موضعها.

قال: فإن علم إثار الشيخ ذلك أو المتكلم فلا بأس، وقد تقدم ذلك مفصلاً في الفصل قبل. يعني بعض الأدبيات أحبتي قد تجد أن الحكم النهائي فيها طبيعة الموقف هو الذي تحدده، الأدب الذي يجب أن تنتهجه في طبيعة الموقف هي التي تحدده، لذلك على طالب العلم أن يكون حصيفاً ذكياً ينظر في كل موقف.

موقف، يحسب كلماته، ويحسب نظراته، ويحسب تصرفاته. ثم من خلال طبيعة الموقف والسياق يتصرف بالأدب اللائق به تماماً.

لا، قال: التاسع، ألا يستحي من سؤال ما أشكال عليهم، وتفهم ما لم يتعقد بتلطف وحسن خطاب وأدب سؤال. إياك يا طالب العلم أن تستحي من السؤال! إياك أن تستحي من السؤال؛ لأن حياءك سيحرمك من كثير من العلم. بعض طلبة العلم عنده حياء كبير، عنده مشكلة؛ لا يستطيع أن يواجه الشيخ، أو يستفسر، أو يصوغ سؤالاً يبين به مقصده، وهذه إشكالية كبيرة ستحرمك من كثير من العلم.

صدقوني أحبتي، كثرة السؤال والاستفسار بالنسبة لنا تدل على عقل الطالب. إذا كان الطالب ساكتاً دائماً ما عنده قدرة على الاستفسار أو ما انقطع في شيئاً، أنا أستغرب في بعض الدورات لا أجد أي سؤال من بعض الطلبة، وأنا أعرف أن هناك حياء عام أو كسل. ما هو؟ أما الحياء أو كسل، وأظن الكسل أكثر في واقعنا. أن الطالب كسلان ولا يريد يسأل، خلص المعلومة وصلت، ولو فيها بعض الإشكاليات أو بعض الغباش في بعض التفاصيل لا يهتم الطالب بضبط العلم. وهذا يعطيني مؤشراً أن هذا الطالب لن يكون له كبير شأن في المستقبل.

لماذا؟ لأن الطالب الذي سيصنع هذه الأمة ويستحق أن يكون عالماً هو الذي يهتم بأدق أدق تفاصيل المعرفة، أدق أدق تفاصيل المعلومة. لا يوجد عنده معلومة فهم نصفها وترك النصف الآخر إلى وقت لاحق، لا يوجد معلومة عنده رؤيتها لها نصف مكتملة. الطالب الجاد الصادق الذي يروم أن يكون طالب علم محكم، عليه أن يهتم بأدق التفاصيل في أي مسألة يدرسها؛ في النحو، في الأصول، في الاعتقاد، في الفقه، في الأخلاق، في كل شيء أحب أن أعرفه. نهم العلم، واطالة النظر في العلم هو الذي يورثك بإذن الله أخي الطالب الكثير من المعلومات، الكثير من الضبط، الكثير من المعرفة، آآ وضوح الصورة.

فالطالب إياك وإياك وإياك أن تقف عند مسألة وتقول: هذه أفهمها في وقت لاحق. آه تتكاسل عن السؤال، أو تستحي، لكن الأكثر هو التكاسل ويقولون: دعها للمستقبل. هذا خلل منهجي كبير في حياتك، لذلك التاسع لما قال: ألا يستحي من السؤال، أنا أضيف عليها: ولا تكسل عن السؤال، وعليك أن تتفهم ما لم يتعقد. الأشياء التي لم يتعقد، يعني لم تتخمر.

ما معنى أن تتعقد؟ يعني لم تتخمر في ذهنك ولم ترسخ بعد، وما زال هناك بعض الجوانب المشكلة فيها، إياك أن تستحي من السؤال بل اسأل الشيخ، لكن بكل أدب وتلطف. قال عمر بن الخطاب: من رق وجهه رق علمه. هذه حكمة، عمر بن الخطاب يقول: من رق وجهه رق علمه. يعني من استحى وخجل وانصرف عن السؤال بسبب حيائه، ذهب كثير من العلم. فرق علمه، أي قل علمه. من رق وجهه حياءً رق علمه، أي قل علمه وضعف علمه، ولا يمكن أن يعتمد عليه؛ لأن هناك كثيراً من الأمور ما زالت غير واضحة المعالم نتيجة حيائه عن السؤال.

مجاهد بن جبر تلميذ ابن عباس يقول: لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر. المستكبر والمستحي كلاهما لا يتعلم العلم. وهنا طبعا المقصد الكلام عن الحياء، أن كيف الحياء يهدمك من العلم.

وقالت عائشة رضي الله عنها: انظروا، رحم الله نساء الأنصار، لم يكن الحياء يمنعهن أن يتفقهن في الدين. حتى النساء، نساء الأنصار رحمة الله عليهن، كن يسألن النبي صلى الله عليه وسلم حتى في أمورهن الخاصة؛ في مسائل الحيض ومسائل الجماع وغيرها من المسائل الدقيقة الخاصة، لم يكن يمنعهن الحياء عن السؤال؛ لأنه في النهاية هذا دين، والدين لا يستحيا من السؤال عنه. لكن طبعا السؤال يجب أن يخرج بأدب، وإن كان السؤال في أمر خاص جداً جداً استخدام الكناية يغني عن التصريح، لكن لابد من السؤال. لابد من السؤال أحبتي: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.

وفي الحقيقة وقفت على كثير من الشواهد؛ أناس بلغوا من الأعمار الستين والسبعين عاماً ولا يحسنون الوضوء، ولا يعرفون شروط المسح على الجوارح، ولا يعرفون كثيراً من أساسيات الوضوء والصلاة، ويمنعهم الحياء أو التكبر، فإذا به أضاع عمره بصلاة باطلة، ووضوء باطل، وزكاة باطلة، وصيام باطل، وسيسأل أمام الله أنه لا عذر له. أنت الذي منعك الحياء أو الكبر، وهذا ليس عذراً تعتذر به أمام الله سبحانه وتعالى إن كنت لا تؤدي العبادات على الوجه المرضي.

فقالت أم سليم لما أتت تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور النساء، قالت: يا رسول الله، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ سؤال يعني صريح؛ هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ طبعا تدرك أم سليم آآ تدرك أن كثيراً من النساء ربما يشعرن بالحياء من هذا السؤال ويخجلن. وفي الحديث أنه كانت أم سلمة حاضرة، أم سلمة خجلت، لكن أم سليم امرأة كانت جريئة في هذا الموقف، وقالت: يا رسول الله، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ. قال: السؤال لا يستحيى منه، هذا دين، فكيف نفعل في هذا الموقف؟

آآ ولبعض العرب، والنبي صلى الله عليه وسلم أقرها على هذه الجملة، قانون الانتباه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الله على هذه الجملة ولم يقل: لا يا أم سليم لا يصلح للمرأة أن تسأل عن هذه الأمور، بل عليها أن تبقى خجلة. بالعكس، النبي صلى الله عليه وسلم أقرها وأن هذا هو الواجب الذي ينبغي على المرأة أن تفعله، ينبغي على طالب العلم أن يفعله عموماً، السؤال عما جهل عنه.

قال: ولبعض العرب، وليس العمى طول السؤال، وإنما تمام العمى طول السكوت على الجهل. إذاً ليس العمى طول السؤال، العمى ليس أن تطيل السؤال على شيوخك وتكثر من المسألة والبحث والنظر بشكل مؤدب مع التزام شروط السؤال ألا تضجر الشيخ ولا تمله، بل تتحين الأوقات المناسبة.

ما هو العمى؟ قال: تمام العمى طول السكوت على الجهل. فتمام العمى هو أن تطيل سكوتك على جهلك ولا تبحث عن معرفة.

وقد قيل: من رق وجهه عند السؤال ظهر نقصه عند اجتماع الرجال. طالب العلم أحبتي الذي يرق عن السؤال وعن الاستفسار وعن تفاصيل الأمور، عندما يجتمع طلبة العلم ليتذاكروا فيما بينهم ما قاله الشيخ في المجلس أو في المحاضرة، يظهر نقصه، ويظهر الخلل المعرفي. وحينما يطلب منه غداً -إذا أصبح مثلاً دكتور جامعي أو ما شابه ذلك- إذا طلب منه أن يتكلم في موضوع أو في مسألة، تجد الخلل واضح؛ لأنه كان طالباً لم يجب أن يسأل، لم يكن يبحث عن المعرفة، بل كان يبحث عن الشهادة. الآن أصبح دكتور وجلس على مقاعد التعليم، لكن بناء العلم متلهلخ متخلخل، لا يستطيع أن يناقش أو يحاور أو يبني مسألة بناءً علمياً صحيحاً؛ لأنه لم يهتم بالسؤال والاستفسار والوصول إلى المعرفة الحقة في فترة الطلب. إذاً جميل هذه المقولة: من رق وجهه عند السؤال ظهر نقصه عند اجتماع الرجال.

قال: ولا يسأل عن شيء في غير موضعه إلا لحاجة أو علم بإيثار الشيخ ذلك. يعني لا تسأل سؤال خارج الموضوع باختصار؛ الموضوع يتكلم عن الفقه لا تسأل سؤال عن النحو، الموضوع يتعلق بالنحو لا تسأل سؤال عن آآ الفقه، وهكذا.

السؤال يكون في الموضوع الذي يتحدث حوله الشيخ، إلا إذا كان هناك حاجة ضرورية، أو يعلم أن الشيخ يحب الأسئلة عموماً، أو يكون أحياناً الشيخ فتح باب الأسئلة العامة للجميع، هنا لا مانع أن تنتقل بأسئلتك. أما في داخل الدرس فليكن سؤالك حول الدرس حتى لا تشتت هذا الشيخ وذهن الطلاب.

قال: وإذا سكت الشيخ عن الجواب لم يلح عليك. يعني أنت سألت الشيخ، الشيخ لم يجب. هل هناك شيء يجبر الشيخ على أن يجيب؟ لا يوجد شيء يجبر الشيخ على

إجابة فاياك أن تلح عليه، وأن تخاطبه: لماذا لم تجب؟ وأنا سألتك! وهي كررت الصور أكثر من مرة ولم أتلقَ منك إجابة، هذا سوء أدب، للأسف سوء أدب من بعض الطلبة. وبعض الطلبة أحياناً يرسل سؤالاً ويطالبنا بالإجابة لزوماً، فإذا لم نجبه، فكأننا نحن الذين قصرنا أو أخطأنا في حقه. أحبتي، خذوا المنهجية في فهم طبيعة التعلم: أنت تسأل الشيخ، الشيخ إن عرف أجاب، حتى لو عرف ولم يجب لمقصد من المقاصد؛ ليس لك أن تقول يا شيخ لماذا لم تجب؟ هذا الأمر يتعلق بالشيخ وينظر في المصلحة، ينظر في الحال؛ ربما كان مشغولا، ربما كان ذهنُه مشتتاً، ربما كان هناك شيء أنساه السؤال؛ فاياك أن تلح علي.

الآن يمكن أن تعيد السؤال مرة أخرى برسالة مؤدبة: يا شيخ جزاكم الله خيراً، والله كنا سألناكم فيما سبق عن مسألة كذا وكذا فهل عندكم فيها إجابة؟ لأننا مضطرون بصيغة مؤدبة، يمكن أن تذكر الشيخ خشية النسيان. أما إذا كنت تجزم أن الشيخ لم ينسَ وأنه يعلم ولكنه لم يجب -يعني يعلم بالسؤال- لكنه لم يُجب، فهنا ليس لك أن تلح على الشيخ، وليس هذا من أدب طالب العلم، وإن أخطأ في الجواب فلا يُرد في الحال عليه وقد تقدم ذلك. يعني إذا الشيخ أخطأ وشعرت وأنت متأكد أنه أخطأ، فاياك أن ترد عليه أمام الزملاء، بل تنتظر تحدد الفرصة المناسبة لبيان سهوه، وهذا قد تقدم معنا في المحاضرة السابقة.

قال: وكما لا ينبغي للطالب أن يستحي من السؤال فكذلك لا يستحي من قول لم أفهم، إذا سأله الشيخ؛ لأن ذلك يفوت عليه مصلحته العاجلة والآجلة. إذا سألك الشيخ يا فلان هل فهمت؟ إياك أن تقول نعم وأنت لم تفهم؛ لأن هذا أولاً كذب، وثانياً أنت أضعت على نفسك فرصة إعادة الشيخ المعلومة لك مرة أخرى، وضاعت مصلحتك العاجلة والآجلة. قال: أما العاجلة التي ضاعت فحفظ المسألة ومعرفتها واعتقاد الشيخ فيه الصدق والورع والرغبة، وأما الآجلة -المصلحة الآجلة التي أضعتها- السلام من الكذب والنفاق واعتياده التحقيق. قال الخليل: منزلة الجهل بين الحياء والأنفة. فعيش يعني؟ يعني هي تضيع بين الحياء والأنفة، وهو نفس القول السابق الذي نقلناه عن مجاهد بن جبر: لا يتعلم العلم مستحي ولا متكبر. نفس الفكرة أنه الجهل يضيع بين إنسان مستحي فلا يسأل، وبين إنسان متكبر فلا يسأل، فمن خلص من الحياء الزائد الذي لا معنى له وخلص من الأنفة والتكبر هنا يستطيع الاستفادة وتحقيق العلم بإذن الله.

وهذا قد تقدم في أدب العالم أنه لا يسأل المستحي الفهم، مر معنا في المجالس الأولى حين كنا نتكلم عن أدب العالم، قلنا: من أدب العالم ألا يوجه إلى الطالب سؤال مباشر: هل فهمت؟ حتى لا يحوج الطالب الخجول إلى الكذب فيقول الطالب نعم وهو لم يفهم، بل يطرح الشيخ مثلاً سؤاله على الطالب يختبر من خلاله استيعابه، إن وجد الطالب أجابه معناه هذا الطالب استوعب، وإن وجد الشيخ أن هذا الطالب لا يحسن إجابة ولم يعرف بعد يدرك أن هذا الطالب لم يستيعب بعد فيعيد المسألة مرة أخرى من دون أن يحوج الطالب أو أن يحرجه.

قال: بل يتوصل إلى العلم بفهمه بطرح المسائل، هكذا يفعل الشيخ، يتوصل إلى العلم -يعني يتوصل إلى أن يعلم هل الطالب فاهم أو لا- يتوصل للعلم بفهمه من خلال طرح المسائل. إن سأله فلا يقل نعم -يعني إذا سألك الشيخ سؤالاً فلا تقل نعم قال لك هل أنت فاام؟ تقول نعم حتى يتضح له المعنى اتضاحاً جيداً كي لا يفوت الفهم ويدركه الإثم، ويدركه بكذبه الإثم.

إذن، أبدي بعض المهارات أيضاً تكلم عنها ابن جماعة، وهي مهارات مهمة في أهمية السؤال، حقيقة أنا أقول لك: العلم الشرعي نصفه يتكون من السؤال، علمك ومقدرتك على التفكير والتحليل والنظر والتأمل نصفها يتكون من خلال سؤال الشيخ ومناقشة الشيخ ومذاكرتي للإخوان والزملاء وسؤالهم، هنا تتكون لك الملكة والقدرة على التفكير والتحليل والتعامل مع النصوص. أما أن تقتصر فقط على أن الشيخ يلقي المعلومة تسجلها ولا تراجع، ولا يثير ذلك عندك استشكالات وأسئلة، هذا يعني أن بناءك المنهجي سيبقى ضعيفاً تماماً.

ننتقل الآن إلى الأدب العاشر، قال: مراعاة نوبته، إذن هذه النوبة، كما قلنا النوبة هو الدور في القراءة على الشيخ، هذا معنى النوبة الدور، يعني عليك أن تلتزم بدورك في القراءة على الشيخ. وهذا قديماً كما قلنا، كانت المجالس تكون على شكل نوبات؛ مجموعة من الطلبة لها درس ثم النوبة التي تليها، وهكذا على شكل مجموعات تقرأ هذا الشيخ مرتبة بحسب الأسبق أو حسب نظرة معينة يطرحها الشيخ لهم.

المهم قال مراعاة نوبته فلا يتقدم عليها بغير رضا من هي بغير رضا من هي له. يعني عليك أن تراعي نوبتك، إياك أن تأخذ نوبة غيرك من غير رضا، إياك أن تؤخذ دور غيرك من غير رضاه. وروي أن أنصارياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله، وجاء رجل من ثقيف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للثقفي: يا أخا ثقيف، إن الأنصاري قد سبقك بالمسألة فاجلس كيما نبدأ بحاجة الأنصار قبل حاجتك. طبعا الحديث فيه لين وضعف، لكن معناه صحيح؛ أنه إذا سبقك أحد إلى الشيخ فهو أحق بذلك، إذا أردت أن تتقدم عليه عليك أن تستشيره.

قال الخطيب البغدادي: يستحب للسابق أن يقدم على نفسه من كان غريباً لتأكد حرمته ووجوب ذمته، وروي في حديثان عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما. هنا يذهب الخطيب البغدادي يطرح وينتقد ابن جماعة؛ أنه الأصل فعلا أن كل إنسان يحافظ على نوبته، لكن أحياناً نقول: المتقدم في نوبته يفضل لك أن تتأخر إذا جاء شخص غريب أو من مكان بعيد وأراد أن يقرأ على الشيخ ويريد أن يذهب حتى يدرك العودة إلى منزله أو إلى موطنه، في هذه الحالة الأفضل لهذا صاحب الدور أن يتأخر قليلاً ويقدم هذا الإنسان الغريب حتى يساعده في الخلاص سريعاً والعودة إلى منزله إن كان منزله بعيداً.

طيب، قال: وكذلك إذا كان المتأخر حاجة ضرورية وعلمها المتقدم أو أشار الشيخ بتقدمه فيستحب إيثاره. يعني الآن أيضاً يستحب للمتقدم أن يؤخر نفسه إذا كان هناك حاجة ضرورية لهذا المتأخر تقتضي أو تستلزم منه أن يتقدم على زميله، فهنا هذا المتقدم يستحب له، نقول له: أخّر نفسك قليلاً وساعد زميلك، أو يكون الشيخ طلب من هذا المتأخر أن يتقدم لمصلحة معينة رآها الشيخ ويدركها الطلبة، يعني الشيخ أيضاً لا يتصرف على هواه كما يشاء حتى لا تغار صدور الطلبة على بعض، ولكن الشيخ يقول: يا فلان، أنت تقدم على نوبتك لمصلحة كذا وكذا، نعلم أن عندك ظرف؛ والدتك في المستشفى، زوجتك في المستشفى، أو عندك عمل، ويبين هذا للزملاء خاصة أصحاب النوبة حتى تطيب قلوبهم.

فإن لم يكن شيء من ذلك -يعني ما في أي ضرورة ولا يوجد أي حاجة لهذا المتأخر حتى يتقدم- قال: فقد كره قومنا الإيثار بالنوبة، يعني كرهت طائفة من أهل العلم له أن يؤثر بنوبته وأن يسمح لزملائه بالتقدم عليه، لماذا؟ لأنه هذا في النهاية مجلس علم، ومجلس العلم من الطاعات، ولا إيثار في الطاعات، هذه قاعدة أهل العلم أنه لا إيثار في العبادة. قال: لأن قراءة العلم هو المسارع إليه قربة، والايثار بالقرب مكروه. إذاً ويحصل تقدم النوبة بتقدم الحضور. كيف تكون أنت متقدم في نوبتك وتسبق غيرك؟ قال: بتقدم الحضور في مجلس الشيخ أو إلى مكانه. قال: ولا يسقط حقه ونوبته بذهابه إلى ما يضطر إليه من قضاء حاجة وتجديد وضوء إذا عاد بعده. يعني بعض طلبة العلم يكون هناك دور بينهم الآن، هذه النوبة التي دورها قبلي، أحدهم أو بعضهم ذهب لقضاء حاجته ويريد أن يعود، فهل إذا تأخر نقول له خلاص انتهى دورك الآن، الدور من بعدك؟ يقولون: إذا كان هناك حاجة.

القضية ذهب ليفعلها ويعود فالدور قائم له. إذا كان هناك حاجة ضرورية الدور قائم له. قال: وإذا تساوى اثنان وتنازعا أقرع بينهما، يعني إذا استبق اثنان إلى مجلس العلم وتواصلا معاً، فاختلف أيهما يبدأ بالقراءة؟ انظروا العدل ماذا يفعل؟ قالوا: الشيخ يصنع بينهما قرعة، حتى يختار أيهما يتقدم بالقرآن؟ قال: أو يقدم الشيخ أحداهما إن كان متبرعاً، يعني أو حتى طريقة أخرى أن الشيخ له الأحقية في أن يختار أيهما بشرط أن يكون الشيخ متبرعاً في تدريسه.

شيخ مثلاً يدرس في مسجد في أماكن عامة، هو متبرع في تدريسه، جاء أو اثنان يستبقان إليه. فالشيخ بما أنه صاحب الحق في التعليم والتدريس له أن يقدم أحدهما، لكن عليه أن يراعي مشاعر الطرف الآخر بالتأكيد بشكل لائق. وإن كان عليه أقرؤهما، يعني إذا كان الشيخ ليس متبرعاً، بل الشيخ يدرس في مدرسة أو في جامعة أو في مكان وقفي فهو يأخذ أجرة على هذا التعليم، في هذه الحالة ليس لك أن تبرع، تبرع هنا عفونا، ليس لك أن تقدم أحدهما أيها الشيخ، وعلى رأيك كان هنا أنت موظف تشتغل في معهد، في جامعة، واثنان حضرا في نفس الوقت، عليك أن تمارس القرعة بينهما وليس لك أن تختار تقديم أحد ما عدا الآخر، فأنت مستأمن في هذا المكان بخلاف ما لو كنت متبرعاً فأنت حر وأنت صاحب القرار في من تدرس ومن لا تدرس.

قال: ومعيد المدرسة إذا شرط لإقراء أهلها فيها في وقت، فلا يقدم عليهم الغرباء فيها بغير إذنهم. يعني إذا أنا أقمْت معهد شرعي واشترطت على الشيوخ الذين يدرسون أنه من الساعة السابعة إلى الساعة العاشرة هذه الفترة تدريس لطلبة المعهد، يمنع إدخال أي طلبة قرب من الخارج إلى المعهد أو تعليم أي طالب غريب في هذا الوقت، على المدرس الذي يدرس في هذا المعهد أن يلتزم بالتعليمات، وليس له أن يدخل غريباً عن المعهد ليعلمه في هذه الفترة، فإن المسلمين عند شروطهم.

الأدب الحادي عشر، قال: أن يكون جلوسه بين يدي الشيخ على ما تقدم تفصيله، جلسات جلسة الصبي بين يدي شيخه أو جلسة التربع وهيئته في أدبه مع شيخه. ويحضر كتابه، أن يكون جلوسه بين يدي الشيخ على ما تقدم تفصيله وهيئته في أدبه مع شيخه على ما تقدم تفصيله وهيئته في أدبه مع شيخه. ويحضر كتابه الذي يقرأ منه معه، ويحمله بنفسه، ولا يضعه حال القراءة على الأرض مفتوحاً. يعني الآن الجلسة بين يدي الشيخ تكلمنا عنها سابقاً جلسة التربع وجلسة افتراش، وتأتي بالكتاب بين يديك، تفتحه وترفعه ولا تضعه على الأرض. بعض طلبة العلم تجد واضع كتاب على الأرض ويقلب صفحاته على الأرض، وهذا لا يليق بكتاب العلم، بل عليه أن يرفع الكتاب. قال: ولا يضعه حال القراءة على الأرض مفتوحاً، بل يحمله بيديه ويقرأ منه، ولا يقرأ حتى يستأذن الشيخ يقول: يا شيخ أبداً، ذكره الخطيب عن جماعة من السلف وقال: يجب أن لا يقرأ حتى يأذن له الشيخ.

انظروا يعني حتى علم الأدب يبتغي جماعه يتلقاه من الخطيب البغدادي، طبعاً بينهم فترة طويلة، لكن أنا أقصدي يتلقاه من كتبه ومن كتب غيره. هو الخطيب البغدادي ينقله لنا عن السلف الصالح، حتى الأدب عندنا ينقل بالسند، أمة عظيمة تراث عظيم، نقلوا أدق الأمور وتفاصيل الأمور بالأسانيد وليس فقط العلم. قالوا: لا يقرأ عند شغل قلب الشيخ أو ملله أو غمه أو غضبه أو جوعه أو عطشه أو نعاسه أو استفزازه أو تعبه. يعني لا تقرأ في وضعية الشيخ لا يكون مستعداً فيها للإقراء، إياك أن تقرأ على الشيخ بوضعية الشيخ غير مستعد للإقراء فيها.

قال: وإذا رأى الشيخ قد آثر الوقوف اقتصر ولا يحوجه إلى قوله اقتصر. يعني إذا وجد الشيخ يتململ ويريد منه أن يقف في القراءة، هنا يختصر الطالب وحده ولا ينتظر أن يقول له الشيخ اقتصر. فعلى الطالب أن يكون حصيفاً في حال شيخه وينظر إليه بدقة. قال: وإن لم يظهر له ذلك فأمره بالاقتصار، يعني أنا بأقرأ مش ملاحظ إنه الشيخ شعر بالتملل، فجأة قال لي الشيخ اقتصر، هنا عليك أن تقتصر وتقف ولا تناقش الشيخ. وأمره بالاقتصار، اقتصر حيث أمره، ولا يستزيده، أي لا يطلب منه الزيادة.

هذا بالجملة، هذا في الجملة قال: لا يا سيدي الشيخ، لكن أحياناً أحبتي قد يضطر الطالب أن يستزيد الشيخ. هنا أذكر في فترة إقامتي في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شيخنا أبو أنس السوداني متعه الله بالصحة والعافية نقرأ عليه في المعلقات العشر، فكان الشيخ يطلب منا أن نقرأ سبعة أبيات فقط ولا نزيد عليها، طبعاً سبعة أبيات في الأسبوع كان فقط أظن كان هناك مجلسان. كان هناك مجلسان في كل مجلس سبعة أبيات نقرأها سريعاً، يعلق عليها وأنا طالب مغترب يعني أظن أنه في أي فترة أو في أي سنة سأنهي وسأعود إلى دياري وهذا سيأخذ مني مدة طويلة إذا كنت استمر المنهجية منهجية سبعة أبيات في مجلسين فقط في أسبوع، والشيخ أحياناً يغيب وأحياناً لا يستطيع أن يقرئنا السبعة وأحياناً تأتي نوبة غيره ويذهب الوقت ولا تأتي.

المهم، فكان الأمر سيجلس سنوات على قدر قليل من الشعر، فكنا أحياناً نطلب من الشيخ الاستزادة. في الحقيقة يعني هذه القضية أن لا تطلب من الشيخ الاستزادة هذا ترجع إلى علاقتك مع شيخك. ليس دائماً طلب الزيادة من الشيخ خطأ، بل بالعكس أحياناً إذا طلبت من الشيخ الزيادة أشعر الشيخ بأنك شخص حريص على العلم، شخص مهتم، فترى يرتفع قدرك عند شيخك، وهذه من الأمور التي ينبغي النظر فيها كما قلت من بعض الأدبيات التي يقترحها ابن جماعة على طلبة العلم. بعضها ليس لازماً باللزوم العادي، بل أحياناً قد ترى أن المصلحة في عكس كلام ابن جماعة، لكن ابن جماعة هو يدندن حول تحقيق مقصد عام؛ الأدب مع الأشياخ.

في زمنهم قد يكون لك عرف معين في التعامل، في زمنك قد يختلف العرف، طبيعة العلاقة بين الطالب وبين شيخه، المهم أن تحافظ على الخط العام في الأدب، هذا هو المهم، أن تحافظ على الخط العام في الأدب ولا تتجاوز هذا الخط. وأما أن لا تستزيده ولا يحق لي أن أستزيده فهذا الأمر يرجع إلى اجتهادك في الواقعة. قال: وإذا عين له قدراً فلا يتعداه. أيضاً يصر ابن جماعة أن الشيخ إذا عين لك قدراً معيناً لا تتعدى، تماماً؟ الآن هذا كما قلت لكم طبيعة علاقة الطالب مع شيخه تحكم هل من الأدب أن يطلب منه الزيادة أو ليس من الأدب.

قال: ولا يقول طالب لغيره اقتصر إلا بإشارة الشيخ أو ظهور إيثاره لذلك. يعني لا يقول طالب لزميله اختصر، قف هنا، حتى ولو كانوا زملاء في الدرس. لماذا أحبتي؟ لأن هذا دور الشيخ، الشيخ هو الذي يمارس الحلقة وإدارة مجلس العلم، هو الذي يقول للطلاب اقتصروا أو لا تقتصروا. قال: إلا بإشارة الشيخ، يعني ممكن الشيخ يشير إلى أحد الطلبة: انقل لزميلك أن يختصر. هنا الطالب ينفذ أمر شيخه ويقول لزميله اقتصر.

أدبيات جميلة مجلس ونتدارسها مع ابن جماعة رحمة الله عليه في هذا الفصل. الأدب الثاني عشر يقول ابن جماعة: إذا حضرت نوبته استأذن الشيخ كما ذكرناه، فإن أذن له ماذا يفعل؟ انظر الآن أدب القراءة، هذا الأدب الذي حقيقة وجدته في بعض المحاضن العلمية لكن قل أن أجده في هذه المباركة، أدب كيف يبدأ الطالب قراءة الكتاب على الشيخ. بعض الطلاب يقول له يا شيخ أقرأ، فيقول قال المصنف، حتى كلمة قال المصنف يفتح الكتاب ويقرأ كذا وكذا وكذا وكذا وكذا وكذا. طب أنت قبل أن تقرأ عليك أن تستعين بالله سبحانه وتبسمل وتدعو لشيخك.

فقال المصنف رحمه الله ونفع الله به وبشيخنا، لاحظ يعني أنت دعوت للمصنف الذي ستقرأ من كتابه وتدعو للشيخ خلال ذلك. هنا من الأدبيات الجميلة أن يشعر الشيخ بوجود علاقة متبادلة بينه وبين طلبته، الطلاب يدعون لشيخهم والشيخ يدعو.

الطلبة هناك رفة هناك تراحم، والعلم رحم بين أهله. فانظروا إلى هذا الأدب، وعليكم قدر الإمكان أن تحاولوا تطبيقه في حياتكم العلمية، عليكم مراعاة المكان وأن تحاولوا تطبيقه في حياتكم العلمية.

إذا حضرت نوبته الآن، جاء دورك لقرأ هذا الشيخ. فتحت الكتاب استأذنت، قلت يا شيخ أقرأ. طبقنا كل الأدبيات التي قالها ابن جماعة. الآن الشيخ قال لك اقرأ، كيف تبدأ القراءة؟ تقول قال: فإن أذن له، استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يسمي الله تعالى ويحمده، يقول يعني أحمد الله وأستعين به.

قال: ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه. انظر ماذا تفعل؟ قال: ثم يدعو للشيخ ولوالديه ولمشايخه ولنفسه ولسائر المسلمين. ادعوا لهؤلاء جميعاً، ثم بعد ذلك يشرع في القراءة.

قال: وكذلك يفعل كل ما شرع في قراءة درس، أو تكراره، أو مطالعته، أو مقابلته في حضور الشيخ، وفي غيبته. يعني حتى وأنت تجلس وحدك لتراجع الدرس. أنتم أحبتي، حينما تجلسون لتقرؤوا في هذا الكتاب أو في أي كتاب علمي نتدارسه معاً، حاولوا أن تستشعروا هذه العلاقة التي تربطكم بشيخكم وبصاحب الكتاب.

حاولوا حينما تفتحوا الكتاب للمراجعة والمذاكرة والمطالعة أن بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وغفر الله للمصنف ولشيخنا. جميل، حتى تشعر بأدبيات العلم، تشعر أنك طالب علم حقيقي، إنسان صاحب همة عالية، وصاحب نفس رائق، وصاحب أدب وسلوك.

أحبتي، هذه التعاليم التي منحني إياها ابن جماعة وتدارسناها في هذه الدورة، تحتاج إلى مراعاة في حياتنا اليومية والانتباه إليها. ليس الأمر أن ابن جماعة تكلم بكلام جميل ثم انقضى الأمر وأغلقنا الكتاب من دون أن نطبق، من دون أن يثمر ذلك في حياتنا.

بل علينا أن نأخذ كل كلمة وهانا إياها ابن جماعة على محمل الجد، ونحاول أن نطبقها وأن نراعيها حتى على مستوانا الشخصي، حتى لو لم نجد بيئة علمية متكاملة كما كان عند السلف الصالح، نحاول نحن أن نصنع هذه البيئة العلمية ولو من العدم. نحاول نحن أن نصنع النجاح.

أحبتي، نحن نحتاج اليوم إلى همة طلبة العلم، وتكاتف من طلبة العلم لنفض غبار العجز والكسل. نحتاج إلى تضافر والمتصدرين حتى نقوم جميعاً بإيجاد بيئة علمية وحاضنة علمية تربي طلبة العلم روحانيا ونفسيا وفكريا قبل أن تربيهم علميا. هذه الحاضنة أراها من أهم الأمور التي يجب أن ينتبه عليها أي شخص يضع برنامج علمي لطلبته.

انتبه أن يكون هناك شيء تكون به شعوراً نفسياً سليماً عند طلبتك، حاول أن تجد مصنفات أو طرق حتى تجعل التعلم بيئة جميلة، بيئة ممتعة، بيئة تفاعلية، وليس مجرد معلومة تلقى وينفض المجلس بعد ذلك.

قال: إلا أن يخص الشيخ بذكره في الدعاء عند قراءته عليه. أن يقولوا: كذلك يفعل كل ما شرع في قراءة درس أو تكراره أو مطالعته أو مقابلته في حضور الشيخ وفي غيبته، إلا أنه يخص الشيخ بذكره في الدعاء عند قراءته عليه. يعني تخص شيخك بالدعاء له إذا كان الشيخ حاضراً.

لكن في الحقيقة، حتى لو كان الشيخ غائباً، الذي يعلمك وكنت وحدك واستفدت معلومات من شيخك، ترحم على شيخك. فلا أدري يعني لماذا هنا ابن جماعة استثنى وقال: يخص الشيخ بذكره في الدعاء فقط عند القراءة عليه، أما في حال غيبته هذا ظاهر الكلام أنه لا يخصه بالذكر في الدعاء؟ في الحقيقة لا، أنت تدعو لشيخك، كنا ندعو لمشايخنا حتى بعد أن فارقناهم وعدنا إلى أوطاننا، ندعو لمشايخنا. فالدعاء لمشايخنا ولمن تربينا على أيديهم دعاء عام.

قال: يترحم على مصنف الكتاب عند قراءته. الآن نحن ندرس كتاب ابن جماعة، دائماً نقول: رحم الله ابن جماعة، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء على هذا العلم وهذا الأدب وهذا المنهج. ودائماً أي مصنف تستفيد منه وتتعلم من علمه عليك أن تترحم عليه.

قال: وإذا دعا الطالب للشيخ قال: رضي الله عنكم، وعن شيخنا وإمامنا، ونحو ذلك، ويقصد به الشيخ. طبعا لا يبالغ في ألفاظ التفخيم والتعظيم أكثر من القدر المحتاج. يعني رحم الله، أو رضي الله عن شيخنا وأستاذنا وجزاه عنا خير الجزاء، انتهى الأمر. أما الألقاب الزائدة التي لا معنى لها، فحاول واحرص على ألا تلقيها.

حفاظاً على قلب الشيخ، لأنه أحياناً بعض الشيوخ قد يتعاظم في نفسه كثيراً حينما يسمع الألقاب العظمى. رحم الله علم الدين وسراج الأمة وناصر الملة الذي أعاد تجديد الدين بعد أن اندثر، هذا لا تقول أمام شيخك حتى لا تفتن قلب الشيخ ولا يتلاعب به الشيطان. يكفي أن تقول: رضي الله عن أستاذنا وعن شيخنا وعن إمامنا، يعني إذا كان الشيخ فعلا من أئمة الأمة الكبار. وأما شيخ ما زال في مدارج الترقي والطلب، أو شيخ يعني في بداية تصدره، فهذا لا يصلح أن تأتي بالعبارات الفخمة التي هي أكبر من القدر المحتاج.

قال: وإذا فرغ من الدرس دعا للشيخ أيضاً، ويدعو الشيخ أيضاً للطالب كلما دعا له. يعني هناك عملية متبادلة، علاقة ود متبادل، الطالب يدعو للشيخ والشيخ يقابل الطالب بالدعاء، ويقول: جزاك الله عني يا بني خير الجزاء، أسأل الله أن ينفع بك وأن أراك عالماً تخدم هذا الدين. هذه العلاقات، هذه الألفاظ المتبادلة، تبادل هذا الجو الإيماني الصادق هو الذي يصنع لنا طلبة أقوياء، أقوياء في أنفسهم، أقوياء في فهم أمتهم، وأقوياء في عطائهم وفي بنائهم المنهجي.

قال: فإن ترك الطالب الاستفتاح بما ذكرناه جهلاً أو نسياناً نبهه عليه الشيخ. ننبه على ذلك، يقول: يا فلان استعد وسمي وصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وترحم على المصنف. ينبه الشيخ حتى يتعلم هذا الطالب ولا يكون من الغافلين.

قال: نبهه عليه وعلمه إياه وذكره به، فإنه من أهم الآداب. يعني إذا ابن جماعة يركز على هذا الأدب ويقول: هو من أهم الآداب التي ينبغي أن ينبه الشيخ طلبته عليها. وقد ورد الحديث: ابتداء الأمور المهمة بحمد الله تعالى وهذا منها، يعني فيه أحاديث: كل أمر لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم. وهذه الأحاديث حسنها البعض وضعفها البعض، ولكنها كأدب عام أحاديث أولى يجب على الطالب أن يحرص عليها، فهي من فضائل الأعمال المهمة في باب طلب العلم.

الأدب الثالث عشر والأخير في هذا الفصل يقول ابن جماعة: أن يرغب بقية الطلبة في التحصيل. يعني هذا من أدبك يا طالب العلم أن ترغب زملاءك على تحصيل العلم وتشحنهم بالهمة، وتمنحهم العلم والمعرفة التي لديك، وتشاركهم في هذه الحياة العلمية، ولا تكن منعزلاً انعزالاً سلبياً تقطع به النفع. بعض طلبة العلم الله سبحانه وتعالى أعطاه همة، أعطاه عزيمة، أعطاه دافعية، أعطاه عقلاً، أعطاه لساناً جميلاً، فعليه أن يستثمر كل هذه الطاقات التي وهبها الله في تنشيط زملائه، في بعث الهمم في نفوسهم، في الأخذ بأيديهم في إرشادهم وتوجيههم.

قال: أن يرغب بقية الطلبة في التحصيل، ويدلهم على مظانه، ويصرف عنهم الهموم المشغلة عنه، ويهون عليهم مؤونته. دائماً هون على زملائك، إذا أطال المجلس العلم أو أطال الشيخ في التعليم، دائماً كن عنصراً إيجابياً: يا شباب دعونا نستفيد، دعونا نكمل، هذا هو طريق إلى الله، نحن نمضي إلى الجنة، هذا طريق نحن اخترناه لهذه الأمة، نحن الآن نصنع حضارة، نصنع نهضة، نعيد بعث دماء جديدة في عروق هذه الأمة. دائماً الكلمات الإيجابية سبحان الله تنعش القلب وبعث الهمم من جديد، إياك أن تكون مثبطاً متكاسلاً، دائماً شعاراً للكسل بالعكس، كن شعاراً للهمة للجدية وكن دائماً منشطاً لزملائك ولاخوانك في هذا الطريق حتى تتم المسيرة بإذن الله.

قال: ويذاكرهم بما حصله من الفوائد. ذاكر زملاءك بما عندك من الفوائد والقواعد والغرائب، وينصحهم في الدين، فبذلك يستنير قلبه. لاحظ كل هذه الأمور سبب في زكاء قلبك وفي إنارته يا طالب العلم. إياك أن تظن أن بانقباضك على نفسك وبشحك على إخوانك هكذا تحصل المعلومات وتصبح شيخاً وتفوق زملاءك وأقرانك، خطأ.

هذا دين أنت تتعلمه من أجل الله سبحانه وتعالى، فاحرص على أن يبقى قلبك نقياً طاهراً، ينبعث منه الإيجابي والتفاؤل، حب النصر وحب تقديم المساعدة. هكذا يبارك الله سبحانه وتعالى في علمك في عقلك، في أدائك وفي طرحك بإذن الله. قال: فبذلك يستنير قلب.

هو اسمه عمله، ومن بخل عليهم لم ينبت علمه. من بخل على زملائه وشح بالعلم لم ينبت علمه، وإن نبت لم يثمر، وقد جرب ذلك جماعة من السلف، يعني هذه من الأمور المجربة أن الإنسان الشحيح بالعلم لا يبارك الله في علمه. وأما الإنسان الذي يعطي دائما إخوانه، يحب أن يفيدهم ولا يحبس عنهم المعلومات، الله سبحانه وتعالى يبارك له في علمه وفي عطائه، قالوا: ولا يفخر عليهم أو يعجب بجودة ذهنه، من يحمد الله سبحانه وتعالى على ذلك ويستزيده منه بدوام شكره.

إياك أن تفخر على زملائك بعقلك اه أو برجاحة ذهنك وسلامة تفكيرك أو ما شابه ذلك، إياك أن تفخر على الزملاء إذا كان شيخك يقدمك ويعطيك الاهتمام، إياك، بل عليك دائما أن تكون متواضعا وأن تتذكر أن هذا العقل هي نعمة أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليك وفي لحظة واحدة. الله عز وجل قادر أن أسلبها منك وتعود صفرا، فاتق الله سبحانه وتعالى يا طالب العلم في حياتك العلمية.

اتق الله في علاقتك مع شيخك، مع زملائك، مع العلم، مع كتاب العلم. ونلتقي بإذن الله في مجلس آخر ومع باب جديد رابع من أبواب هذا الكتاب المبارك، وقد قاربت رحلتنا على نهايتها، فنسأل الله سبحانه وتعالى حسن الختام دائما، وأن يرزقنا العمل بما نعلم وألا يجعلنا ممن نعلم ولا نعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.