يا طالبا للعلم يرجو نفعه، اسمع نصيحة ناصح معواني. لربك في أمورك كلها، فالمخلصون هم أولو العرفان.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة السالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا ومربينا ومؤدبنا، محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم للإمام ابن جماعة الكناني الشافعي رحمة الله تعالى عليه. واليوم بإذن الله نختم حديثنا في الفصل الأول في أدب العالم في نفسه، بعد هذه الجولة التي خضناها مع ابن جماعة وهو يتحدث عن العالم: كيف يدير علاقته مع ربه سبحانه وتعالى؟ كيف يدير همته؟ كيف يدير أخلاقه ويتعامل مع مجتمعه؟ أخلاق مهمة بناها ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه في هذه الفصول لتكون مناراً يهتدي به كل عالم، وكل طالب علم، وكل متصدر لتعليم الناس الخير.
فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على العمل، اليوم علم وغداً عمل، علينا أن نعمل وأن نحاول وأن نجاهد وأن نكافح وأن نبذل وسعنا من أجل التحلي بهذه الأخلاق الرفيعة التي لا يمكن للإنسان أن يتصدر وأن ينفع الناس إلا بعد التحلي بها، ومن تصدر من دون التحلي بها أو جلها فإنه يتصدر تصدراً مشوهاً، يتصدر تصدراً مشوهاً يخشى أن يكون ضرره على الأمة أكثر من نفعه.
واليوم كما قلنا نتكلم في الأدب الحادي عشر والثاني عشر، ولا أدري إذا وسع الوقت ندخل في الفصل الثاني في أدب العالم في درسه. فنقول مستعينين بالله: قال الإمام ابن جماعة عليه رحمة الله: الحادي عشر من آداب العالم في نفسه، قال: ألا يستنكف أن يستفيد ما لا يعلمه ممن هو دونه منصباً أو نسباً أو سناً، بل يكون حريصاً على الفائدة حيث كانت، والحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها.
هنا أحبتي ابن جماعة يتحدث عن أدب مهم يكاد يكون مفقوداً، ليس عند العلماء في هذا الزمان بل حتى عند المتصدرين من طلبة العلم. حتى المتصدرين من طلبة العلم يعانون من هذه الإشكالية النفسية التي يطرحها ابن جماعة، وهي إشكالية أن إذا تصدر لتدريس شيء من العلوم يجد حاجزا يمنعه من أن يستفيد من طلبته وممن هو دونه في العلم. وهذه الإشكالية إنما سببها شيء من الكبر يخالط نفس هذا المتصدر، فعليه أن ينتبه على هذا أو على هذه الجزئية، جزئية: أنك يا أخي الحبيب، يا أيها العالم، يا أيها المتصدر مهما بلغت من العلم ومهما وصلت وعرفت أموراً وغابت عنك أشياء، فعليك أن تستزيد دائماً حتى تدخل في قبرك.
وهذا هو كان ديدن العلماء رحمة الله تعالى عليهم، علماء السلف عليهم رحمة الله القدوات كانوا يستفيدون من الجميع، حتى قال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري عليه رحمة الله، ماذا قال؟ قال: لا ينبل الرجل حتى يتعلم ممن هو مثله ودونه وفوقه. لا ينبل الرجل، لا تكتمل آلته العلمية حتى يتعلم ممن؟ قال: حتى يتعلم ممن هو مثله من الأقران، من أصدقائك، من زملاء الدراسة، وممن هو دونه. وهذه هي العقبة الكؤود التي تصعب على النفس البشرية، ولا يوفق الله سبحانه وتعالى لها إلا أهل التوفيق، وهو أن يكون الإنسان متواضعاً في قلبه ونفسيته وشعوره الباطني بحيث تسعفه نفسه على أخذ الفوائد والتقاط الدرر حتى ممن هو دونك من طلبة العلم.
نعم، حتى ممن هو دوني، فلعل هذا الطالب وقف على كلام أحد المصنفين، وقف على فائدة شاردة يفيدك بها أيها العالم، تستزيد بها تستنير بها، فإياك أن تستكبر. وفي هذه اللحظة التي تبدأ بها بالاستكبار اعلم أنك تخطو خطواتك الأولى نحو الجهل، هذه اللحظة التي تستكبر فيها استقبال المعلومة من طلبتك وممن هو دونك، هذه الخطوة الأولى التي تخطوها نحو الجهل، فحذاري واياك وابتعد يا أيها العالم، يا أيها المتصدر، عن الاستكبار عن العلم. كن متعلما حتى تقع تحت الثرى.
هكذا كان العلماء وقصصنا عليكم في المحاضرة السابقة كيف كان أحمد بن حنبل امام أهل السنة والجماعة يجري مع إدراك المشيخة الذين يقدمون إلى بغداد يستفيد منهم العلم، فقيل له: يا أحمد، أنت أمام الدنيا وما زلت تجري مع الطلبة لأخذ العلم؟ فأخبر أحمد بن حنبل أنه يطلب العلم حتى يموت، من المحبرة إلى المقبرة. وعندما يكون العلماء وعندما يكون المتصدرون للعلم يعايشون العلم بهذه الروح الطيبة والنفس الرائقة والهمة العالية، تجد العلوم تنمو وتزداد، والله سبحانه وتعالى يبارك بها وبجهود حامليها، لأنهم لم يحملوا العلم استكباراً وعزة وإنما طلبوه نفعاً للعبيد، فلا يطلبون الفخر لأنفسهم بل يطلبون وجه الله سبحانه وتعالى.
هذه النية الصالحة طلب العلم لوجه الله هي التي تساعد العالم والمتصدر للتدريس أن يقبل العلم ممن هو دونه، لأنه في النهاية لما طرق العلم لم يطرقه من أجل أن يرفع على الأكف ولأن يشار إليه بالبنان وتصفق له الجماهير، إنما طلبه لنفع الخلق، طالبه بنفع الخلق. وهذه النية الصالحة تجعل صاحبها دائماً طلاباً للعلم، وهذا الوصف طلاباً للعلم وصف به كثير من الأئمة، وكان يستخدمه الذهبي رحمة الله عليه كثيراً في سير أعلام النبلاء حينما يصف الأئمة الأعلام يقول: وكان طلاباً للعلم، جلالة شدة الطلب والحرص على طلب العلم والاستفادة والاستزادة.
ابن الجوزي رحمة الله عليه الإمام الحبر الكبير يقولون: بدأ في طلب علم القراءات في عمر الثامنة والستين. الله أكبر، في العمر ثامنة وستين يجلس بين يدي أشياخ يتعلم! نعم، ثم بعد ذلك صنف سفراً كبيراً، لأنه يدرك أن قيمة الإنسان ليست في مجلسه وليست في من يحفه، وإنما في العلم الذي يضعه وفي البصمة التي يتركها في هذه الحياة لهذه الأمة ذخراً عند الله سبحانه وتعالى.
إذاً، على العالم ألا يستنكف، يستنكف يستكبر، هذا معنى: أن يستفيد ما لا يعلمه ممن هو دونه في المنصب أو حتى في النسب أو حتى في السن، بل يكون حريصاً على الفائدة حيث كانت. ولذلك عند علماء الحديث في مصطلح هناك ما يسمى برواية الأكابر عن الأصاغر، رواية الأكابر عن الأصاغر، فكثير من الصحابة أخذوا من التابعين، وكثير من التابعين أخذوا أحاديث استفادوها من تابع التابعين، فلا يمنعهم تقدمهم في شرف الصحبة أو تقدمهم في السن أو في المرتبة يجعلهم يأنفون من تعلم العلم ممن هو دونهم.
لذلك الحسن البصري كان يقول إذا سئل فلا إذا سئل عن المسألة فلم يعرفها قال: اسألوا ابن سيرين، فقد حفظ ونسينا. انظر إلى التواضع، هكذا كانوا يحيون الحياة، علماء لكن يحيون الحياة بواقعيتها لا يتشبعون بما لم يعطوا، إنسان صادق عنده شيء يفيد عنده ميدان تفضل الله عز وجل به عليه يقتحمه، شيء لا يعرفه يكل علمه إلى عالمه ويرشد إلى أهل الخبرة وإلى أهل الدراية بهذا العلم، ولا يألف من أن يقول: والله فلان أمنى وأدرى مني بهذا الباب. هذا خلق الكبار، هذا خلق الكبار، فنسأل الله أن يوفقنا لهذه الأخلاق الرفيعة.
لذلك قال: والحكمة ضالة المؤمن، فالانسان يستفيد الحكمة والمنفعة يحصلها أينما وجدت، بل حتى عند أعدائنا إذا لوجدنا عندهم شيء من العلوم الصحيحة فإننا نأخذها رجاء الفائدة وإن كانت من عدونا، لذلك قالوا: والحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها.
قال سعيد بن جبير، هذا الإمام المفسر الكبير تلميذ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أجمعين وهو من التابعين وليس صحابياً: لا يزال الرجل عالماً ما تعلم. انظروا إلى هذه المقولة الكبيرة، وانظروا إلى مدى تطبيقها في حياة كثير من المتصدرين اليوم للتدريس. كثير ممن يحملون الشهادات الأكاديمية في الدكتوراه وما شابه ذلك، حينما يظنون أنهم بلغوا المرتبة العليا وهم ما زالوا في مدارج الطلب وفي بدايته، يقول سعيد بن جبير: لا يزال الرجل عالماً ما تعلم. متى توصف بأنك عالم أيها العالم؟ إذا كان عنده عالم أنه إنسان عالم، متى يبقى عالماً؟ متى يبقى متصفاً بهذه الصفة هذا العالم؟ إنما يبقى متصفاً بهذه الصفة ما دام يقبل التعلم.
ويقبل الاستفادة من الآخرين. قال: فإن ترك التعلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده فهو أجهل ما يكون. هذا كلام سعيد بن جبير. إذا ظن العالم أو المتصدر للتدريس أو المحاضر الجامعي، إذا ظن هؤلاء أنهم اكتفوا من العلم وأخذوا النصيب الذي لا يسبقهم فيه أحد، وظنوا لمرحلة معينة أنهم بلغوا المرتبة العليا التي لا تسبق ولا ينافس عليها، إذا بدأ هذا الشعور يدخل إلى وجدانهم فاستنكفوا واستكبروا من قبول العلم من غيرهم، فهذه هي بداية الجهل وهذا هو الجهل بعينه؛ لذلك قال: فهو أجهل ما يكون.
وأنا في الحقيقة عندي مشاهدات كثيرة لهذا النمط من حملة شهادات، ومن الذين نحاورهم وما شابه ذلك، ممن يأنفون من استقبال العلم ويظنون أنهم انتهوا في هذا الميدان فلا يفتحون الكتب. أحدهم -أحدهم ممن هو متصدر- يقول: منذ أن تخرجت وتعينت مدرساً في الجامعة لم أفتح كتاباً منذ خمس سنين، هذا يقولها! ما فتحت كتاباً منذ خمس سنين. ايش هذا؟ أنت متصدر لتدريس الشريعة ولم تفتح كتاباً من خمس سنين، ما هو العلم الذي تحمله؟ ايش قيمة العلم في حياتك؟ أين عشقك؟ أين احترامك؟ أين أدبك مع العلم؟ هذا أدب قبل أن يكون تحصيناً. ايش تظن أنك بلغت المرتبة العليا لا تفتح كتاباً منذ خمس سنين؟
لكن نسأل الله ألا يخذلنا. دائماً سلوا الله التوفيق ألا يخذلكم أحبتي، فإن الإنسان قد يحصل الشهادات الدنيوية والمراتب العالية لكن يصرف الله قلبه عن العلم. وهذه القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وإنما سمي القلب قلباً لشدة تقلبه على العبد؛ فعليك أن تكون متيقظاً شديد الحرص ألا يدخل الشيطان على هذا القلب فيخذله ويبعده عن ميدان العلم، ويجعله ينكب على هذه الحياة الدنيا وينصرف عن العلم بعد أن قطع فيه شوطاً كبيراً لا بأس به.
لذلك قال بعد ذلك من جماعة، وأنشد بعض العرب: وليس العمى طول السؤال، وإنما تمام العمى طول السكوت على الجهل. هذا هو العمل الحقيقي! الإنسان يسأل ما في مشكلة هذا ليس عمىً، أن تحب معرفة الأشياء وتسأل أهل العلم وتذاكرهم وتحاورهم هذا ليس عمىً بل هذا هو الطريق الصحيح. ليس عمىً طول، اسأل، استفد، فإنك تبقى عالماً ما دمت تتعلم وتستفيد. وإنما ما هو العمى الحقيقي؟ وإنما تمام العمى طول السكوت على الجهل.
قال: وكان جماعة من السلف يستفيدون من طلبتهم، من مين؟ من طلبتهم ما ليس عندهم. قال الحميدي -وهو تلميذ الشافعي رحمة الله عليهما-: صحبت الشافعي من مكة إلى مصر في رحلة من رحلات الحج، عاد الشافعي مع الحميدي من مكة إلى مصر. قال: فكنت استفيد منه المسائل وكان يستفيد مني الحديث. انظروا الإمام الشافعي الذي ملأ الدنيا علماً يأتي إلى تلميذه الحميدي ليستفيد منه الحديث! فرحمة الله على تلك الهمم، كيف وصلت وكيف بلغت.
قال أحمد بن حنبل: قال لنا الشافعي: أنتم أحدث بالحديث مني، فإذا صح عندكم الحديث فقولوا لنا حتى أخذ به. الشافعي يأتي إلى أحمد بن حنبل -أحمد بن حنبل تلميذ الشافعي- فيقول لأحمد: أنت أدرى مني بالحديث، فإذا صح عندك الحديث يا أحمد فأخبرني حتى أعمل به. أي تواضع هذا أحبتي؟ أي تواضع هذا الذي كان عند أحمد بن حنبل، وعند الشافعي، وعند الحميدي، وعند الأئمة الكبار في تعاملهم مع العلم؟
يعني أذكر في الحقيقة ومن قبيل المقارنات التي ما زالت تعيش في ذاكرتي حينما أقرأ هذا الكلام وأنظر فيما مررت به من تجارب هذه الحياة، أذكر أن أحداً في الجامعة طرح قصة في السيرة ضعيفة تتعلق بالصحابي الجليل حسان بن ثابت، وفيها شيء من الانتقاص من حسان بن ثابت. كانت قصة في السيرة تتعلق في غزوة الخندق، قصة حسان بن ثابت مع صفية بنت عبد المطلب لما كان حسان بن ثابت في الحصن عندما وضعه النبي صلى الله عليه وسلم معهم. المهم قصة طويلة لا اريد أن أدخل فيها الآن، لكن المهم كان يطرحها هذا المحاضر كثيراً وكنت أشعر أن فيها انتقاصاً من هذا الصحابي الجليل حسان بن ثابت.
فذهبت حقيقة أبحث عن سند هذه القصة وأيش أصلها وهي صحيحة أو ضعيفة، فوجدت كثير من المحققين ومن المدققين يقول: إن هذه هي قصة ضعيفة ولا تصح عن حسان بن ثابت ولا تصح روايتها لما فيها من انتقاص لهذا الصحابي الجليل. فذهبت إلى هذا المحاضر ومسكت له الكتاب وقلت له: يعني أتيت بكتب المحققين من أهل العلم وقلت له: أستاذنا الجليل، أهذا الحديث الذي ذكرته لا يصح وهذا إسناده؟ وبدأت أطرح له الإسناد وما فيه من إشكاليات وكلام أهل العلم في ضعف هذه القصة وما فيها من حقن أنه يرتبط هذا الصحابي الجليل.
فاستنكف واستكبر وقال: ايش هؤلاء؟ ايش يعرفون في العلم هؤلاء الذين يتابعون خلف هذه القصص؟ يعني في الحقيقة ذاك الموقف انطبع في ذهني أنه لماذا تزهد من هؤلاء الأئمة الكبار أصحاب؟ وأنا أدري أن هذا المحاضر لا علم له بالرجال ولا بالأسانيد ولا بطرق التضعيف والتصحيح، أنا أدرك ذلك تماماً. لكن الذي يعني يوقف الإنسان: أنت محاضر وكان كبيراً في السن وله منصب في الجامعة، أستغرب يعني لماذا رفضت هذا العلم الذي أتاك؟ قصة أنت لا تعرف سندها وأنا متأكد، والآن أوقفتك على ضعف هذه القصة وأن سندها لا يصح، وهذا الصحابي أنت تنتقص منه حينما تولد هذه القصة في حقه.
أن لو كان لها صحيح ما عندي مشكلة، أو ردا خلص لها سند صحيح. لكن القصة ليس لها سند صحيح، سندها ضعيف لا يقوم، وفيها انتقاص من صحابي من الصحابة الكرام، فلماذا تريدها وأنت جاهل بإسنادها؟ طيب، كنت جاهلاً بإسنادها عندما أوقفت على ضعف الإسناد، بل ما الذي يجعلك تستنكف وتعترف أنه فعلا ينبغي ألا تذكر هذه القصة في المجالس العامة ولطلبة العلم؟ هذا نوع كبور، هذا يعني هذا مشهد من مشاهد التكبر أن تأتي لمحاضر تبين له خطأه زلله في جزئية من الجزئيات، يأنف ويبدأ يستنقص من أصحاب المصنفات ومن محققين من أهل العلم؛ يقول: هؤلاء ايش يدرون ايش يعرفون؟ طب أنت ايش تعرف ايش تدري؟ أنت لا تعرف سبب القصة ابتداءً.
فهي مشكلة في الحقيقة نواجهها اليوم من بعض المتصدرين ومن بعض حملة الشهادات والمدرسين، أنه يشعر بشيء من الأنف أن يقبل التعديل والتعقيب خلفه. ولكن أهل العلم الكبار ما عندهم إشكال، متى عرفوا الحق يرجعون إليه ويتوبون إلى الله سبحانه وتعالى كان في تقصير، ودائما يخضعون لسلطان الحجة. لذلك كان أحدهم يقول: لأن أكون ذنباً في الباطل... لأن أكون ذنباً في الباطل خير من أن أكون رأساً... لأن أكون عفواً نعم، لأن أكون ذنباً في الحق خير من أكون رأساً في الباطل، خير من أن أكون رأساً في الباطل. أنظروا إلى تلك المنهجيات الخطوط العامة التي رسمها السلف رحمة الله عليهم؛ كيفية تعامل العالم وطالب العلم والمتصدر مع العلوم الشرعية.
نكمل ما ذكره ابن... في هذا الفصل قال: وصح رواية جماعة من الصحابة عن التابعين، اللي هو قلت لكم قبل قليل رواية الأكابر عن الأصاغر، هذا باب أبواب علم مصطلح الحديث. قال: وأبلغ من ذلك انظروا إلى سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم كيف يزرع في هذه الأمة وفي الأجيال اللاحقة هذا الأدب، أدب التواضع والتلاقي. النبي صلى الله عليه وسلم يتلقى من الملأ الأعلى يأتيه الوحي مباشرة لا يحتاج إلى أحد من البشر في المعرفة.
ولكن صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي لأنه يريد أن يعلم هذه الأمة الأدب؛ أدب التواضع للعلم والاستفادة من الجميع. تروي لنا كتب السنن هذا الحديث عنه صلى الله عليه وسلم في تواضعه وفي سماعه القرآن من غيره، وفي سماعه القرآن من غيره أو في قراءته القرآن على غيره، في قراءته القرآن صلى الله عليه وسلم على غيره. الحديث الشهير قراءة النبي صلى الله عليه وسلم لسورة البينة على أبي بن كعب.
تصوروا من الذي يقرأ؟ النبي صلى الله عليه وسلم يسمع سورة البينة لأبي بن كعب للصحابي الجليل. ما هذا الشرف يا أبي، ما هذا الشرف الذي نلته يا أبي رضي الله تعالى عنك.
النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأبي: أمرني الله أن أقرأ عليك لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ البينة. طبعا الحديث بطوله، يعني أبي قال: الله سماني لك يا رسول الله؟ بيتعجب: الله ذكرني يا رسول الله؟ قال: نعم. أبي يعني أصيب باندهاش بتعجب، طبعا هي دهشة الفرحة، من الذي أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن يقرأ البينة على أبي؟ الله سبحانه وتعالى من فوق سبع سماوات سبحانه عز وجل. ما هذا الشرف؟ ما هذا العلو؟ ما هذه المكانة التي حازها أبي فرضي الله تعالى عنه؟
فهذه القصة طبعا ذكرها باختصار ابن جماعة، ليدل أنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يستكبر، النبي صلى الله عليه وسلم الذي يأتيه الوحي من جبريل، يأتيه الوحي من السماء مباشرة، وهو الذي يعلم الصحابة ويعلم الناس ويعلم الدنيا، هو صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن، يأمره ربه أن يقرأ سورة البينة على أبي، فيقرأها عليه الصلاة والسلام وبكل قلب منشرح منفتح مسرور؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يرسم ويرسخ معالم الأدب التي ينبغي أن تكون عند العلماء.
أيها العالم، إذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن على أبي ويأمره الله بذلك، فمن أنت حتى لا أطلب العلم ولا تأخذ العلم ممن هو دونك؟ من أنت في مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنت لا شيء؟ هذا هو الواقع. قال العلماء في فوائد هذا الحديث، قالوا: من فوائده ألا يمتنع الفاضل من الأخذ عن المفضول. هذه فوائد يعني ابن جماعة نقلها عن العلماء المحققين في فوائد حديث قراءة النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بن كعب.
الآن انتهينا من هذا الفصل، من هذا الأدب، ننتقل للأدب الثاني عشر والأخير، وهي قضية الاشتغال بالتصنيف. في هذا الفصل سيتكلم ابن جماعة عن قضية اشتغال العالم بالتصنيف والتأليف للكتب التي يعم نفعها ويبقى أثرها للعالم بعد موته. فماذا قال ابن جماعة في هذا الفصل؟ قال: الثاني عشر الاشتغال بالتصنيف والجمع والتأليف، هذا أيضا من الآداب التي ينبغي أن يعتني بها العالم، وأعدها أدبا.
وهي من العلم، هي من نشر العلم وبسطه. وجعلها أدبا من أدب العالم أن لا يكسل وينام، ويترك الأمة في فتنها وفي تموج بها موج الجبال هذه الفتن، بل عليك إذا علمت شيئا أن تدونه وأن تسطره وأن تنشره في الآفاق حتى يصل هذا الخير لآخر الدنيا. نعم، هذه وظيفة العالم أحبتي. وظيفة العالم أن ينشغل بالتدريس ابتداءً، ومر معنا أن يشغل وينشأ أن يشتغل ويشغل الناس بالعلم الشرعي، وفي نفس الوقت أيضا عليه أن يشتغل بالتصنيف والتدريس، عفوا بالتصنيف والتأليف؛ لأن التصنيف والتأليف نفعه عميم يصل إلى مناطق كثيرة قد لا يصلها صوت العالم بالتدريس.
التصنيف والتأليف يبقى بعد العالم وقفاً إلى يوم القيامة، ينتفع الناس به وينهلون منه. وانظروا الآن أحبتي لو أن العلماء لم يصنفوا المصنفات، من أين لنا الوصول إلى العلم؟ فما هذا العلم الذي بين أيدينا اليوم ننهل منه إلا من بركة المصنفات التي سطرها الأوائل رحمة الله تعالى عليهم؟ فلو أن العالم اكتفى بالتدريس وإعطاء المحاضرات وإلقائها لما وصلت العلوم إلى الأجيال اللاحقة من هذه الأمة.
وهذا يدلل على أهمية هذه الوظيفة وهذا العمل، وأنه لا ينبغي للعالم أن يكسل وأن يشعر بالملل والضجر من التصنيف والتأليف. وكم من كتاب صنفه العلماء لطلب الناس منهم؟ اقرأوا في مقدمات الكتب، تجد ابن حجر، تجد ابن جماعة، تجد غيره من العلماء يذكرون أن هذا الكتاب إنما صنفناه لما طلب منا الأحباب أن نصنف لهم كتابا جامعا في هذه المسألة، أو كتابا نشرح به تلك المسألة، أو كذا وكذا. فكان العلماء قديما كثيرا ما ينشئون الكتب من قبل أنفسهم في التأليف والتصنيف.
وهناك مصنفات صنفت بسبب طلب الناس منهم؛ الناس طلبوا منهم أن يصنفوا لهم، فبادروا لأنهم يعلمون أهمية نشر العلم وقيمة العلم. فيقول ابن جماعة: الاشتغال بالتصنيف والجمع والتأليف. لكن، هاي كلمة لكن دايمًا بتخوف شوي، في استدراك، هناك استدراك: لكن من الذي يؤلف ومن الذي يصنف؟
وأذكر شيخنا صالح الغنيمان حفظه الله سبحانه وتعالى في مجالس المسجد النبوي تكلم عن قضية فشو القلم في آخر الزمان، وأن من علامات الساعة فشو القلم، يعني كثرة التصنيف والكتابة. وهذا يدلل أن -وهذا معنى فشو القلم وكثرة التصنيف والتأليف- يدلل أن كثيرا من تلك المصنفات وممن يتصدر لهذا الباب لن يكون من أهل التصنيف والتأليف، ولكنه سيتصدى لهذه الميادين حتى ينشر اسمه ويرفع ذكره، مهما كان ما ذكر في هذه الكتب من خير، من شر، من صواب، من خطأ، لا يهم، المهم أن تسطر الأسماء على الغلاف، ويقال: هذا الكتاب تحقيق فلان بن فلان، وصنفه وقدم له فلان، وقرظ له فلان. هذه الاهتمامات عند طائفة من المعاصرين ممن لم يبلغوا الإتقان العلمي، لكنهم استعجلوا في إظهار أسماءهم على المصنفات لينتشر ذكرهم، فهذا من فشو القلم الذي هو من علامات الساعة، كما جاء في الأحاديث التي صححها طائفة من أهل العلم.
فعلينا أن ننتبه يا أحبتي على هذه القضية التي سيستدرك فيها ابن جماعة حين قال: لكن مع تمام الفضيلة وكمال الأهلية. يقول: الاشتغال بالتصنيف والجمع والتأليف، لكن يعني من الذي يقوم بهذه المهمة؟ قال: مع تمام الفضيلة وكمال الأهلية. لابد يكون الذي يصنف ويكتب ويسطر ويقعد إنسانا اكتملت آلته العلمية، اشتملت أهليته، وبلغ مرتبة عليا، شهد له العلماء بأنه أهل للتصنيف والتأليف.
ليس طالب علم حظي بشيء من العلوم، يعني مبادئ العلم، فإذا هو يسطر المصنفات ويكتب الردود ويسقط فلانا وهذا الرد على فلان، وتبدأ مصنفات تظهر بالطعن والردود، ومنها ما هو صائب ومنها ما هو خاطئ، ويدخل الغث بالسمين. لا، هذا تشويه للعلم، وهذا إفساد للساحة العلمية. الذي يكتب أولا عليه أن تكتمل فضيلته. وتمام الفضيلة في الحقيقة يعني هذه الكلمة يعني كمال الأهلية فهمناها كمال آلة العلم، لكن تمام الفضيلة يعني أن يكون المصنف شخصا فاضلا.
وهذا الفضل الذي يتحلى به ما فائدته؟ في الحقيقة الفضيلة هنا تعين الإنسان أن يكتب كتابة مهذبة، مؤدبة، منصفة، صادقة؛ لأن بعض الناس ممن قد تكون اشتملت فيه بعض جوانب الأهلية لكنه ليس فاضلا، ليس فاضلا، فعندما يصنف يكون سيء الأدب في الكتابة، يشتم الناس، ويقدح في الآخرين، وهدفه الوقوف على العثرات والاصطياد في الماء العكر، ولا ينصف، ويكذب في الاقتطاع. فهذا ولو كملت أهليته لكنه ليس فاضلا، فلا يستحق أن يصنف.
فينبغي أن نجمع بين كمال الأهلية وفضيلة النفس وعفتها وشرفها، يكون الإنسان مع كمال أهليته صادقا، يكتب من أجل الخير، من أجل نفع الناس، من أجل نشر الفضيلة، من أجل إيصال الدعوة الحق للأجيال اللاحقة، لا يكتب من أجل إسقاط الآخرين، وأن يكذب عليهم وأن يشوههم لأنهم من الطائفة الفلانية وليسوا من طائفته، لأنهم أنصار فلان وفلان سبه يوما ما فيريد أن ينتقم، حظوظ النفس ينبغي ألا تظهر في الكتابات؛ لأن الكتابة شيء تسطره للأجيال اللاحقة، تريد أن تلقى به الرب سبحانه وتعالى.
فلماذا في كتابتك تعلم طلبة العلم القدح وعدم الإنصاف والكذب والسرقات والغش وكل هذه الأخلاق للاسف تظهر في مصنفات بعض من يتصدر للكتابة؟ فابن جماعة هنا كان دقيقا عندما قال: لكن مع تمام الفضيلة وكمال الأهلية. فالأهلية مهمة وأن يكون المصنف يقصد نفع الناس، قال: فإنه يطلع على حقائق الفنون ودقائق العلوم. يعني هو الآن يذكر أهمية عدة التصنيف، ليس فقط للناس والأجيال اللاحقة، بل حتى فائدة التصنيف لنفس العالم، لذات العالم؛ في الحقيقة التصنيف لطالب العلم.
علم المتصدر الذي كملت أهليته وللعالم مهم جداً فعلا، كما يقول ابن جماعة في إكمال ما غفل عنه العالم في علمه وسد بعض الثغرات في علمه. كيف ذلك؟ الإنسان لما يبدأ يصنف أحبتي، تصنيفه يدفعه إلى التفتيش وإحضار المراجع العلمية، وينظر في كلام هذا العالم وفي كلام هذا، يجمع وينسق ويرتب، ويحاول دفع الشبه، ويقف على بعض الثغرات العلمية عنده، ويكتشف خطأ ربما علمياً كان آآ تعلمه سابقا وبقي عليك. فالتصنيف والتأليف يوقفك على كثير من الفوائد أيها العالم، ويجعلك تسد كثير من الثغرات.
لذلك يقول لك ابن جماعة: فإنه أي فإن التصنيف يطلع على حقائق الفنون. يعني يطلع العالم على حقائق الفنون ودقائق العلوم؛ المسائل الدقيقة التي يصعب أن تقف عليها بمجرد تحصيلك العلمي المسبق، بل تحتاج إلى تصنيف وتأليف وتضع مراجع وتزاحمها حولك، وتقرأ من هذا ثم تجمع، فهذا يوقفك على الحقائق والدقائق. قال: لماذا؟ قال: للاحتياج إلى كثرة التفتيش، فالتصنيف يحوجك إلى كثرة التفتيش والمطالعة والتنقيب والمراجعة. آه، فلذلك بما أنه فيه تنقيب ومراجعة وتفتيش، فهذا يوقفك على المسائل الدقيقة والحقائق التي ربما فاتت، بل ليس ربما، ستفوتك حقائق في أثناء تحصيلك العلمي، تحاول سد هذه الجوانب في أثناء عملية التأليف.
لذلك يقول الإمام النووي رحمة الله عليه صاحب المصنفات الجليلة العظيمة التي تزخر بها المكتبة الإسلامية، كثير من مصنفاته التي دونها، دونها من أجل أن يكمل آلته العلمية. وفي أثناء رحلته في طلب العلم كثير من المصنفات التي بين أيدينا للإمام النووي صنفها عندما أصبح متقدماً في العلم لكنه ما زال يحصل، فكان يكتب بعض المصنفات من أجل أن يضبط العلوم وأن آآ يحوزها وأن يقف على الدقائق. ثم هذه المصنفات التي كتبها في رحلة الطلب اصبحت بعد ذلك بين أيدينا تزخر فيها المكتبة الإسلامية، فانظروا إلى همة العلماء في التصنيف والتأليف وما دور التصنيف والتأليف في إكمال ملكة طالب العلم.
وقد وهو أي التصنيف، كما قال الخطيب البغدادي الخطيب البغدادي يمدح التصنيف والتأليف، إيش يقول فيه؟ وهو كما قال الخطيب البغدادي: يثبت الحفظ. محفوظاتك اللي درستها بتثبتها، لذلك أنا أقول لكثير من طلبة العلم من يطلب العلم، هذا قضية التصنيف والتأليف ربما قضية متقدمة، لكن حتى في أثناء تحصيلكم العلمي ينبغي أن تكتبوا بأيديكم، ينبغي أن تكتبوا بأيديكم ما تسمعونه من المشايخ، وتكون لكم دفاتر علمية؛ دفتر تجمعون به آآ شروح في الحديث، دفتر شروح في الفقه، ودفتر في البلاغة، ودفتر في النحو، ودفتر في الصرف، ودفتر في المنطق، ودفتر في الاعتقاد، ودفتر في التفسير ومسائل الاعتقاد تقسمونها؛ مسائل الأسماء والأحكام ومسائل آآ الصفات الأسماء والصفات، ومسائل القدر، ومسائل اليوم الآخر.
هذه الدفاتر التي تكتبونها بخط أيديكم وبكدكم وتعبكم ترسخ في أذهانكم، وتبقى لكم زاد تدرسون منها في المستقبل. أما الطالب الذي لا يريد أن يكتب بنفسه ويلخص بنفسه ويكون الفكر بنفسه، يريد أن يتلقاها جاهزة من الشيخ في كتاب، يقول يا شيخ اعطينا شرح جاهز! ليه؟ لانه ما بده يتعب ويكتب، بده كل شي جاهز أمامه، ما بده يحفظ، فهذا في الحقيقة استغرب مني يعني، هو كيف يفهم العلم أنا لا أدري! علم تبنيه في نفسك وتريد أن تصنع من نفسك عالماً وأنت لا تجد في نفسك الدافع لكتابة الشرح بنفسك؟
صدقوني أحبتي حينما قرأنا على أشياخنا كثيراً من المصنفات وسمعناها منهم، كنا نكتب شرح المصنفات بأيدينا، ولم يأتي العالم يضع لنا شرحاً يقول: اقرأوا هذا الشرح. لم يأتِ يمارس هذا من أشياخنا، وهذا ما استفدنا منه، استفدنا حينما وضعنا الدفاتر والأقلام ولخصنا المصنفات بأيدينا، فوجدنا نفعل ذلك في المستقبل، لأن المعلومة ثبتت، وأصبحنا نقارن بين ما كتبناه وبين ما نجده في مصنفات العلماء، نعرف أننا أخطأنا هنا وأصبنا هنا، وهنا نستطيع أن نزيد، هنا نحتاج إلى تقييد. هكذا ينمو العلم، فالقضية ليست فقط قضية تصنيف جمع وتأليف، بل هي حتى في مرحلة دراستك العلمية عليك أن تتقن التلخيص والتهذيب للشروحات التي تسمعها من المشايخ.
هذا تعليق سريع. إذاً، قال الخطيب البغدادي عن التأليف: يثبت الحفظ، ويذكي القلب، ويشحذ الطبع، ويجيد البيان. هذه القضية، ويجيد البيان مهمة، أن طالب العلم، أنا أقول هذه يا أحبائي من طلبة العلم، آآ أن تتقن الكتابة والتعبير عن الأفكار أمر مهم جداً حتى تكون أهلاً للتعليم. فإنني في الحقيقة عاشرت أناساً ممن اتقنوا وامتلكوا آلات معرفية مميزة، لكنهم ابتلوا بضعف البيان، لا يستطيعون أن يبينوا بشكل واضح عن الأفكار التي في داخلهم، عن المعلومات التي حصلوها في طلبهم للعلم، مع أنني متأكد أن عندهم معلومات غزيرة، لكن إشكاليتهم أنهم لا يجدون بياناً واضحاً، والسبب في ذلك أنهم في فترة التحصيل لم يكن اعتناؤهم في كتابة الملخصات والتهذيب بخط أيديهم، وإنما كان اعتمادهم فقط بالتلقي المباشر وقراءة الشروح الجاهزة، ينظرون فيها، يقرأون، يراجعون، ثم يختبرون، وهكذا.
هذا الحقيقي يضعف قدرتك على البيان غداً، عندما تتصدر المهارة غداً، عندما تتصدر المهارة تكون آآ في قدرتك على إيصال المعلومة لطلبتك قد تكون بضاعتك متواضعة في العلم لكن عندك بيان جيد جداً فيستفيد الناس ببركة علمك وقدرتك على إيصال الأفكار لهم. وقد تكون صاحب حصيلة علمية غزيرة لكنك ضعيف البيان، لا تستطيع أن توصل آآ الأفكار بشكل واضح وتبنيها في الطلبة، فلا يستفيد الناس منك ويبتعدون عنك، وبالتالي ذهبت فائدة تحصيلك للعلم. فكيف أقوي بياني؟ تقوية البيان تكون بالتصنيف والتأليف وكتابة الأبحاث المختصرة، وأثناء طلبك للعلم أن تلخص الشروح التي تسمعها من الشيوخ وتهذبها بفكرك وتصوغها بلغتك، فهذه آآ يعني فوائد يجمعها الخطيب البغدادي للتأليف.
قال: ويكسب جميل الذكر، لأنك بعد أن تموت الناس كلما نظروا الكتاب الذي صنفته أيها العالم يذكرون العالم، كم من مشايخ فقدناهم أحبتي في حياتنا ولكننا ما زلنا ننظر آثاراً في مصنفاتهم التي تركوها خلفهم فنترحم عليهم ونذكرهم بالخير في مجالسنا، فهذا جميل الذكر الذي يتكلم عنه الخطيب البغدادي. وجزيل الأجر أي عند الله سبحانه، فجميل الذكر في الدنيا وجزيل الأجر عند الله سبحانه يوم نلقاه، وهذا إذا كان الكتاب إنما بني على الإخلاص وكتب ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى ورجاء نفع الناس. وأما إذا كان الكتاب رياء وسمعة وطلبا للشهرة والتصدر، فهذا فلينتظر الحساب عند الله سبحانه وليس جزيل الأجر.
قال: ويخلده إلى آخر الدهر. التصنيف يخلد ذكرك إلى آخر الدهر، كم بيننا وبين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد سنوات؟ مئات السنوات اليس كذلك؟ مئات السنوات بيننا وبين هؤلاء آآ الأئمة العظام، ما الذي يبقى ذكرهم إلى هذه السنوات الطويلة؟ مصنفاتهم وآثارهم التي تركوها لمن خلفهم. وهكذا التصنيف والتأليف من فوائده ومن آثاره الجميلة أنه يبقي اسم العالم خالداً.
طبعا العالم في النهاية هو لا يطلب خلود اسمه، وإنما تكون بصمة جميلة لك تلقى بها الرب سبحانه وتعالى. إذا كنت صادقاً تريد الناس، تلقى الرب سبحانه وتعالى يوم القيامة مفتخراً، تجد في صحيفتك أن كتابتك التي كتبتها الكتب اللي كتبها الشافعي ومالك والمسند لأحمد بن بن حنبل، بإذن الله نرجو من الله أن يجدوه يوم القيامة أمامهم عند الله سبحانه وتعالى. يقول الرب سبحانه وتعالى لهم: المصنفات التي تعبتم وسهرتم من أجلها وصلت إلى الأجيال اللاحقة وبقيت آلاف السنوات بعدكم. وهذا فائدة أو هذه فائدة عظيمة حقيقة من فوائد التصنيف يعني، فالأجر العظيم والثواب الكبير الذي ينتظره المصنف والمؤلف والجامع كبير كبير، عليه أن يجتهد ويبذل ويتعب من أجل تحصيله من خلال التصنيف والتأليف.
حتى آآ يقولون السيوطي رحمة الله عليه حينما سئل أيهما أفضل؟ التدريس أم التصنيف؟ فضل التصنيف، قال لأن التصنيف يبقى ذكره، أما تدريس محاضرة وتنتهي. وفي الحقيقة لابد من كليهما، بل في هذا التدريس مهم جداً جداً، أن كثرة المصنفات مع عدم وجود القدرة على قراءتها هذا أمر ليس جيداً، فعلينا أن نصنع بيئة قادرة على القراءة من خلال التدريس وتكوين طلبة علم عندهم قدرات وملكات يستطيعون من خلالها الانتفاع من المصنفات.
نهدي العلم من مصنفاتهم، ثم بعد ذلك ألفوا كما تشاؤون. فأنا أرى أن التدريس وظيفة مهمة جدا جدا، لأنه كثرة المؤلفات مع عدم وجود إقبال على قراءتها أمر معيب وخطير، وظاهرة خطيرة في هذا الزمن. لا أريد أن أطيل في هذه الفكرة.
إشاقل بعد ذلك ابن جماعة؟ قال: والأول أن يعتني بما يعم نفعه وتكثر الحاجة إليه. الآن هذا ارشاد وتوجيه من ابن جماعة رحمة الله عليه لمن يريد أن يصنف، فيقول لمن يريد أن يصنف: اجعل تصنيفك في شيء يعم نفعه وتكثر حاجة الناس إليه، مثل أحبتي مسائل النوازل المستجدات التي بين أيدينا. يعني بعض المصنفين أو بعض من يحاول أن يصنف، تجده يصنف في مسائل ذهب عنها الزمن ولم تعد موجودة الآن في زماننا، غابت واندرست، وهذا في الحقيقة جزاه الله خيراً، أنا لا يعني، لكن أجد أنه ليس هذا هو الأمر النافع، الأمر النافع أن يكون كتابك الناس بحاجة إليه، الناس عندهم نقص في هذا الجانب، في نوازل معاصرة مستجدات أمور في حياة الناس، حتى يأخذ الناس هذا الكتاب وينتفعوا ويستفيدون منه.
وخاصة يعني الابواب المطروقة دائماً، أبواب الاعتقاد وأواب الفقه وأبواب التفسير، فهذه الابواب اللي هي علوم المقاصد أمور مهمة جداً ينبغي للعالم وللمتصدر أن يأتي بها بالتصنيف فيها، خاصة في النوازل ومواطن الشبهة، وكذلك يعتني في اصول الفقه وبعلوم اللغة لكن يعتني بالجديد، وأن يضيف شيئا جديدا وبصمة جديدة. أما اختصار المختصر وتهذيب المهذب وتحشية المحشاء فوالله تعبنا من هذا.
يعني هناك كتب في المكتبة الإسلامية أرى أنها زائدة، أنه بعض الناس هذه خاصة في المعاصرين عندهم قضية تهذيب المهذب، واختصار المختصر والتحشية على المحشاء. طب ايش الفائدة إذا ما أضفت شيء جديد؟ كتاب مهذب وواضح، لماذا تعيد تهذيبه مرة أخرى وأنت لم تضف شيئا جديدا سوى التهذيب؟ ولماذا تختصر المختصر؟ وهذه محاولة الاعتصار للمصنفات إلى آخر مرحلة، تجد الأجرومية اليوم في المكتبة الإسلامية كم شُرح عليها؟ في الحقيقة كنت أدخل في المدينة النبوية على بعض المكتبات، أجد الأجرومية لها أربعون وخمسون وستون شرحا.
أو أجد لها أربعين وخمسين وستين شرحا وهذه إشكالية. لكن الأجرومية هل تحتاج إلى كل هذه الشروح؟ ولا القضية أنه كل انسان عرف شيئا في النحو يحب أن يسطر في شرحه على الأجرومية؟ هذي مشكلة، إذا كان مقصدك أنك تضع أن تسطر اسما لك أنني شرحت الأجرومية وأنني شرح تجدونه في المكتبات، فهذا في الحقيقة أظن يعني معيب في الإنسان. أنت الآن إذا لم تكتب، إذا لم تضف شيئا جديدا على الشروح السابقة للأجرومية، فلماذا تكتب شرحا؟ ماذا ستفعل؟ هل ستفعل شيئا جديدا؟
وساتكلم الآن إن شاء الله عن مقاصد التصنيف في نهاية حديثي في هذا الباب. إن التصنيف عند العلماء له مقاصد، كما ذكر ذلك ابن حزم في التقريب وذكر كذلك ابن العربي رحمة الله عليه شيء من المقاصد، يذكر العلماء مقاصد التصنيف. فيعيب بالإنسان أن يصنف مصنفا لا فائدة منه، هو فقط يبني على ما قاله السابق ولم يأت بشيء جديد، أو يختصر مختصرات ويُعتصرها، وهذا تضييع للجهود، فلا ينبغي للإنسان أن يكون بهذا المنهج حتى لا يبتلي لنفسه.
قال: وليكن اجتناؤه بما لم يُسبق إلى تصنيفه. لاحظوا ايش قال ابن جماعة: وإذا كنا آتيناه بماذا؟ بما لم يُسبق، يعني شيء جديد تضيفه على المكتبة الإسلامية، مش تكرير، لما لم يُسبق إلى تصنيفه، متحريا إضاح العبارة في تأليفه، معرضا عن التطويل الممل والإيجاز المخل. يكون تصنيفك معتدل، ليس تطويلا، يعني بعض مصنفات أهل العلم القديمة بلغت ثمانمائة مجلد، ثمانمائة مجلد وهذا في الحقيقة تطويل كثير.
طبعا يعني أنا في الحقيقة الأقدمون أشعر أنهم يكتبون الجميل، يكتبون الجميل دوماً، لكن أيضا تطويل ثمانمائة مجلد كتاب أو حتى ثلاثمائة أربعمائة مجلد، من سيقرأ؟ فيها كلفة وصعوبة، يعني أنتم بمجرد أن تسمع الاسم تقول هذا كتاب دعوة لصاحبه، لأن النفس البشرية مجبولة على الاعتدال، فهي لا تحب الإكثار عليها والتضخيم بمصنفات ضخمة تعجزها وتصعب عليها أن تقرأها كاملة، لأن النفس تحب إذا بدأت في شيء أن تصل إلى نهايته.
طبعا فالمصنف المعتدل النفس تجد نشاطا على أتمامه من قراءته، لكن لما يكون المصنف كبير، لذلك انظروا الآن مثلاً فتح الباري كتاب عظيم جليل الشأن، لكن لأنه كتاب فيه طول تجد لا يتصدر له إلا الكبار أصحاب الهمم العالية. كذلك مجموع الفتاوى، نهاية المطلب مثلاً الجويني في الفقه الشافعي موسوعة ضخمة، نهاية المطلب للجويني موسوعة ضخمة لا يقوى عليها إلا الكبار، فلذلك من أراد أن يكون كتابه منتشر عند الناس الكل يقرأ فيه ويتأمل فيه، نصيحة ابن جماعة أن يكون كتابه معتدل الحجم، ليس طويلا مملا ولا أيضا قصير، لأنه أحيانا القصير المخل، الكتب القصيرة التي إيجازها فيه خلل، أيضاً لا توضح الأفكار بشكل جلي للناس فالناس تبتعد عنها ولا يُزكى هذا الكتاب. فالاعتدال دائما هو خير الأمور، مع إعطاء كل مصنف ما يليق به.
ثم قال: الآن هذه كلها مهارات في التصنيف نستفيدها من ابن جماعة. قال: ولا يخرج تصنيفه من يده قبل تهذيبه وتكرير النظر فيه وترتيبه. الإنسان لا يستعجل في نشر ما كتب، هذه هي الفكرة، إذا كتبت شيئا أعد النظر، تأمل، اجعل غيرك يقرأه باختصار، أعطه فترة من التنقيح والاصلاح، حتى إذا خرج -شوف- الشيء إذا خرج انتهى الأمر، خرج من بين يديك، والانسان إنما يعرض عقله على الناس فيما يكتبه، عقلك إنما تعرضه فيما تكتبه، فاذا كان رديئا المكتوب فحتى لو كنت جيد العقل، الناس تأخذ انطباعا عنك أنك غير مرتب بضاعتك مسجاة، وإذا كان ما كتبته جيد متين، الناس تأخذ عنك انطباعا جيداً حتى ولو كنت قليل البضاعة في الليل.
قال: ومن الناس الآن وهو يعني ينتقد الظاهرة في زمنه رحمة الله عليه، يقول: من ينكر التصنيف والتأليف في هذا الزمان على من ظهرت نيته وعرفت معرفته، ولا وجه لهذا الإنكار إلا التنافس بين أهل الأعصار. يعني كأنها مشكلة في زمنه، خاصة في زمن -طبعا- زمن ابن جماعة، وما يُعرف في كثير من المصنفات التي درست تاريخ التصنيف الإسلامي، يا رب عصر الجمود.
وعصر الجمود في الحقيقة لم يكن جامدا بهذه الصورة التي يطرحها البعض، أنا ضد هذه التسمية، لأن هذا العصر كان فيه شيء من أو فوائد كثيرة في ترتيب العلوم السابقة وتنقيحها ووضع المنظومات العلمية التي تساعد على حفظها وضبطها، وكان في جوانب سلبية في تحشيات معقدة عبارات مغلقة عند بعض العلماء في التصنيف، في جوانب إيجابية وفي جوانب سلبية.
المهم، في هذا العصر كثير من الدعوات خرجت بأنه يجب أن يُغلق باب الاجتهاد، يجب أن يُغلق باب الاجتهاد ونكتفي بالتقليد. كان هناك صيحات ودعوات من البعض بإغلاق باب الاجتهاد، قابلها صرخات من علماء محققين أنه لا يصح إغلاق باب الاجتهاد، بل يبقى الاجتهاد قائما في هذه الأمة، كل إنسان امتلك القدرة على الاجتهاد وامتلك آلة الاجتهاد له أن ينظر في الأدلة وبقريحته ويستنبط ويؤصل، المهم أن يكون متيناً قوياً مالكاً للآلة عنده دربة.
فابن جماعة كأنه ينتقد هذا الصنف من أصحاب الجمود الذين يميلون إلى التقليد ولا يريدون الشيء الجديد، فيقول هؤلاء إنكارهم على المصنفين في زماننا إنما هو التنافس وحسد النفوس. فقال: إلا التنافس بين أهل الأعصار، وإلا فمن إذا تصرف في مداده وورقه بكتابة ما شاء من أشعار أو حكايات مباحة أو غير ذلك لا ينكر عليه، فلماذا إذا تصرف فيه بتسويد ما ينتفع به من علوم الشريعة ينكر ويستهجن؟
يريد أن يقول؟ هو يقول: وإلا فمن إذا تصرف في مداده وورقه بكتابة ما شاء من أشعار أو حكايات مباحة وغير ذلك لا ينكر عليه، فلمَ إذا تصرف فيه بتسويد ما ينتفع به من علوم الشريعة ينكر ويستهجن؟ يريد أن يقول يعني لماذا
يواجه كثير من أهل زمانه. لماذا هذه الأوراق إذا سودت بالقصص المباحة والكلام الفارغ أو بعض الأشعار يعني التي تتكلم عن لهو الحياة الدنيا ما فيها فائدة كبيرة؟ لماذا إذا سودت وكتبت الصحف والأوراق تحترمونها وتقرونها؟ وأما أن تسود هذه الأوراق البيضاء بالعلم النافع الذي يصلح الناس قلوبهم وعقولهم وأديانهم وأفكارهم تنكرون علينا؟ فأيش هذه المقارنة؟ هو أنه يقول لهم يعني قصص حكاية جهنم تجد القصص الروايات كالأمانة الحب، قصص الرومانسية، قصص الروايات البوليسية، هذه تجد فيها وتأليف وتعقد لها مجالس وحفلات افتتاح ومعارض، واليوم يوقع فلان روايته وغدا يوقع فلان روايته، طبعا بعض الروايات فيها شيء نافع لكن أنا أقصد في النهاية تبقى رواية، تبقى عمل أدبي.
لكن إذا جاءت المصنفات العلمية الرصينة الراسخة المحققة تجد الناس يزهدون بها وينصرفون عنها ولا يعطون لها أي قيمة وأي اعتبار. أيهما أعظم قدرا؟ تلك ذاك المصنف في أو في الفقه الذي يصحح أديان الناس، وتلك الرواية في الحب والغرام وكلام الناس والنساء وما شابه ذلك؟ بالله عليكم ايش المقارنة بين هذا المصنف وهذا المصنف في الذكر؟ لكن هو عجيب الزمان كما يقولون. قال: أما من لم يتأهل لذلك -طبعا ابن جماعة منصت- بقول: أما من لم يتأهل لذاك، يعني إذا كان الشخص غير متأهل لذلك فالانكار عليه متجه؛ ليش ينكر عليه؟ ليش يصنف؟ أنت لسا ما اكتملت عائلتك العلمية، لماذا تصنف وتسود اسمك على المصنفات والمغلفات؟ كتبه فضيلة العلامة الشيخ فلان الفلاني، وأنتم هزلت طالبا للعلم لم اكتمل آلة العلمية في قضية التصنيف والتأليف، عليها أن تخرج من الأهل ممن اكتملت فيه الأهلية والفضيلة كما ابتدأ ابن جماعة هذا الفصل.
أما من لم يتأهل لذلك فالتصنيف والتأليف ونشر الكتب باسمه هذا بعض الوقت، وعليه أن ينكر أو يجب أن ينكر عليه. لماذا؟ لأن هذا التصنيف حينما يخرج من شخص غير مؤهل قد يحتوي على ضلالات على بدع، وللأسف نحن في زمن يعظم فيه المبتدع، تفتح له القنوات على وسائل التواصل؛ لأن هناك من يريد بهؤلاء الرويبضة ولنصف المتعلمين وللمثقفين البعيدين عن منهج الإسلام يريد لهم أن ويريد لهم أن يتكلموا ويريد لهم أن يكتبوا؛ لأن السموم في كتاباتهم المشوهة تشوه الدين الإسلامي وتثير البلابل والقلاقل. في الحقيقة لا أحب أذكر أسماء الآن في هذا المجلس، لكن هناك أسماء تخرج على التلفاز يصنفون كتبا في فهم القرآن وفي إعجاز القرآن وفي التجديد في فهم القرآن والحداثة والفكر الحداثي، وهذه التفاهات التي تسمعونها وهذا المصنف لا يوجد عنده أبجديات اللغة العربية والبلاغة وقواعد فهم اللسان العربي، أنت كيف تكتب في إعجاز القرآن وفي التجديد في فهم الخطاب القرآني وأنت لا تملك أساسيات البلاغة والصرف والنحو وأساليب العرب؟
لكن هو النفاق الذي نعيشه في هذا الزمان، الأيدي الخفية التي تحاول أن تصدر لكم على الإعلام وجوه مأجورة تكتب كتابات مبعثرة، ضعيفة، ركيكة، متآكلة، هزيلة، يعني أي طالب علم جيد يرد عليها بأدنى الطرق، لكن هناك من يرسم، هناك من يخطط، والإشكال حينما يكون أهل العلم الصادقون نائمين أو في غفلة أو يكونون في استضعاف، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج عن هذه الأمة كربها. قال: أما من لم يتأهل لذلك فالانكار عليه متجه لما يتضمنه أي تصنيفه من الجهل وتغرير من يقف على ذلك التصنيف به؛ أنت يعني إذا وقف على أو وقف على هذا التصنيف كثير من طلبة العلم اليوم يزكي بعض الناس ويشير إليهم بالبنان؛ لأنه وجد اسمهم على غلاف كتاب، وجود الأسماء أحبتي على مغلفات الكتب ليس دليلا على كمال علم أصحابها ولا على رشدهم ولا على فضيلتهم، اليوم في زمن الفتن عليكم أن تتيقظوا، عليكم أن تنتبهوا، فكم من مصنف قرأناه فوجدنا صاحبه ركيك البضاعة، إذا جلست معه تجد العي في فهمه والضعف في عقله، وإذا تحدث أو كتب تجد التخليط والكلام الفارغ الذي لا نستطيع أن نقرأه لشدة ركاكته وضعف بنائه.
لكن بعض طلبة الآن للأسف لا يقرأ، هو ينظر للاسم الموجود على مغلف الكتاب فيقول: فلان، نعم، فلان له كتاب كذا وكذا، وهو لا يعلم أن فلان لا يعرف شيئا، وإنما سود اسمه على مصنف ليشهر نفسه لمقاصد أخرى في نفسه الله أعلم بها، ففعلا وجود بعض الأسماء على مصنفات فيها تغرير بهذا الرجل وثناء عليه مبطن أنه من أهل العلم وإن لم يكن في هذا الميدان بشيء، فعلينا أن ننتبه لهذه القضية وننكر على كل انسان يبدأ يصنف ويتحدث في دين الله عموما وهو ليس من أر باب الصنعة. قال: ولكونه أيضا يضيع زمانه وأيضا الشفقة على هذا الإنسان، يعني هذا الإنسان الجاهل نقول له: لماذا تصنف؟ أنت تضيع زمنك؛ إذا كنت صادقا، إذا كنت مرائيا منافقا شيء آخر، أما إذا كنت صادقا فنحن ننصحك بدل أن تضيف تضيع زمنك في تصميم وفي تأليف ركيك وأنت غير مكتمل الآن، اذهب اصرف هذا الزمن في إكمال التلك العلمية.
فقال: ولاؤه لكونه يضيع زمانه فيما لم يتقن؛ تضيع زمنك في كتابة شيء لم تتقنه بعد. قال: ويدع الاتقان الذي هو أحرى به منه. ويدع بدلا من أن يشتغل بالإتقان للعلم والتعلم يبدأ يصرف وقته في التصنيف والتأليف والرد على فلان وفلان. اختم هذه المحاضرة أحبتي بذكر مقاصد التصنيف كما وعدتكم، كما ذكرها ابن حزم الظاهري رحمة الله عليه في كتاب التقريب لحد المنطق يقول ابن حزم الظاهري بملخص كلامه مقاصد التصنيف عند العلماء قال: سأضعها في ست نقاط؛ ست نقاط:
واحد، أما شيء لم يسبق إلى استخراجه فيقوم باستخراجه. شيء قال: الأول نوع وهو أعلى الأنواع؛ شيء لم يسبق إلى استخراجه، فائدة جديدة أنت وقفت عليها، طريقة إبداعية أنت وقفت عليها في استنباط الأفكار، المهم شيء جديد لم يسبقك أحد في استخراجه أنت استخرجته واستنبطته في علم الفقه، في علم الاعتقاد، في علم اللغة، في علم أصول الفقه، تضع هذا في مصنف، وهذا المقصد أول مقصد وأهم مقصد، إذا شيء لم يسبق إلى استخراجه فيقوم باستخراجه.
المقصد الثاني قال: واما شيء ناقص فيتمه، يعني يأتي إلى مصنف من مصنفات من سبقه فيه نقص فيتم هذا النقص، مثال صغير: تقي الدين السبكي بدأ في شرح المنهاج للبيضاوي، بدأ في شرح المنهاج للبيضاوي المنهاج كتاب أصولي للإمام البيضاوي، جاء تقي الدين السبكي بدأ بشرح هذا الكتاب في الأبهاج في كتاب سماه الأبهاج في شرح المنهاج، توفاه الله سبحانه وتعالى قبل أن يتم هذا الكتاب، فإذا في نقص، من الذي أتمه؟ ابنه تاج الدين السبكي، فتاج الدين السبكي ابن تقي الدين السبكي هو الذي أكمل المنهاج، فالمنهاج لذلك ستجدون بدايته لتقي الدين السبكي ثم بعد ذلك ستجدون في المصنفات بعد ذلك من كلام تاج الدين السبكي، فهذا عمل جليل من تاج الدين السبكي أنه أكمل ناقصا، شيء كان ناقص فأتمه.
قال: واما مستغلق فيشرحه، واما شيء مستغلق فيشرحه، هذا المقصد الثالث وهذا ديدن العلماء في شرح المتون الألفيات العلمية، ألفية ابن مالك، ألفية العراقي، عقود الجمال، ابن المرحل، موطأة الفصيح في الصرف، نظم شافية ابن الحاجب، أي مصنفات تجدونها، أي ألفيات، أي متون أيضا نثرية، كثير من كتب الأصول التي شرحت هي كتب نثرية عبارتها مغلقة تحتاج إلى من يفك هذه العبارات، فلذا يضع العلماء الشروح، فلذلك السبكي مش قلنا السبكي الكبير والسبكي الصغير شرح المنهاج لما وجدوا عبارات مغلقة تحتاج إلى كشف، وهذا هو ديدن العلماء في المتون التي عبارتها مغلقة أنهم يضعون عليها الشروح يرفع عنها أو يكشف ما فيها من استغلاق.
قال: والان المقصد الرابع، قال: واما شيء طويل فيختصره، لكن قال: يختصره دون أن يحذف منه شيئا يخل حذفه إياه بغرضه من دون أن يحذف منه شيئا يقل حذفه إياه بغرضه، أنه بيكون عندك كتاب مطول بتختصره، لكن الذي يريد أن يختصر الكتب ينبغي أن يكون متقنا للاختصار، بحيث لا يختصر جزء من نص.
هذا الاختصار يؤدي إلى خلل في فهم الفكرة العامة للنص. وهذا كثير اليوم أحبتي لمن يتصدرون الاختصارات لكلام أهل العلم؛ يختصر ولكن لا يعرف ولا يحسن الاختصار. حينما تختصر، تختصر ولكن تعطي فكرة صحيحة متكاملة تبين وجهة نظر الإمام المتقدم، ولا يجوز لك أن تقتصر بشكل مبتور بحيث تكون الفكرة أصبحت متآكلة أو نصفها واضح ونصفها غير واضح. فابن حزم دقيق، قال: أما شيء طويل فيختصره دون أن يحذف منه شيئاً يخل حذفه إياه غرضه.
يعني ما بتحذف إشي من كلام القديم إذا بدك تختصر، ما يجوز لك أن تحذف شيئاً من كلام القديم يسبب لك الحذف خللاً في غرض المصنف القديم، يسبب هذا الحذف خللاً في مقصد المصنف القديم. فهذه علينا أن ننتبه إليه. قال: وأما شيء متفرق فيجمعه. ومسائل متفرقة، والمقصد الخامس والسادس أذكرهما بعض يعني في نوع من التقارب. قال: أما شيء متفرق فيجمعه، وأما شيء مأثور فيرتبه. يعني أما شيء متفرق؛ مسائل متفرقة هنا وهناك في كلام أهل العلم؛ كتب فلان كذا وكتب فلان كذا، تقوم بجمعها في مصنف واحد، وهذا مقصد شريف فعلا يساعد على اختصار الأعمار للأجيال اللاحقة.
وقال: وأما شيء منثور فيرتبه. يعني شيء قد لا يكون متفرقاً في كلام أهل العلم، لا، مثلاً موجود في كلام عالم واحد، يعني في مصنف واحد هناك معلومات لكنها معلومات متناثرة يمين وشمال، تقوم أنت بالذهاب إلى هذا المصنف تعيد ترتيب هذه المعلومات وتخرجها في مصنف جديد. فجمع المتفرق هو جمع الكلام المتفرق لأهل العلم في مصنفات مختلفة تجمعها في كتاب واحد. وأما ترتيب المنثور فهذا قد يكون أفكار مبعثرة في داخل كتاب واحد، تقوم بالنظر في هذا الكتاب إعادة ترتيب أفكاره ووضعها بشكل واضح للمتلقي.
فهذه المقاصد الست التي ذكرها ابن حزم على المصنف المعاصر لا يخرج عن واحد منها: إما شيء جديد تماماً تسطر فيه، وإما شيء ناقص من كلام الاقدمين تتم عليه، وإما شيء مستغرب فتقوم بفتح أبوابه، وإما شيء طويل فتقوم باختصاره بما لا يخل بمقصد المصنف القديم، وإما شيء مفرق فتجمعه، وإما شيء منثور فترتبه. احفظوها جيدا حتى تكتبوا وفقاً لأحدها، وإلا فكتابتكم زائدة لا نحتاج إليها. وهذا نهاية المجلس، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل