يا طالبا للعلم يرجو نفعه، اسمع نصيحة ناصح معواني. لربك في أمورك كلها، فالمخلصون هم أولو العرفان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم للإمام ابن جماعة الكناني الشافعي رحمة الله تعالى عليه. في المحاضرات السابقة أحبتي أنهينا الحديث عن القسم الأول من آداب العالم، تحدثنا عن أدب العالم في نفسه، كيف تكون علاقة العالم بالله سبحانه وتعالى، تكلمنا عن العبادات الظاهرة والباطنة التي ينبغي أن يتحلى بها العالم.
ثم تكلمنا عن علاقة العالم بالناس، ما هي الأخلاق التي ينبغي أن يكتسبها في نفسه ويعامل بها الخلق؟ وما هي الأخلاق التي لا تقبل أن تكون في عالم ما لو وجدت في بعض العوام تغتفر في حقهم، أما في العلماء فلا تقبل أبدا. تكلمنا عن العالم في همته، كيف يكون العالم شعلة نار أينما وجد تجده بين أقراء وتصنيف وتأليف وتعليم وتدريس، يرشد الناس ويعلمهم ويوجههم بكل أدب وحرص وتواضع وهمة حتى يعم النفع في هذه الأرض لعالم يعمل في ثغره وفي بلده وفي منطقته حتى تنشأ هذه الأمة وتنشأ الأجيال على الصلاح وعلى الخير.
فنأخذ بأيدي بعضنا بعضا لنرسم مجدا جديدا لهذه الأمة نزيل به كل هذه الضوضاء وكل هذا الظلام الذي نعيش فيه منذ سنوات وسنوات. واليوم سنبدأ في رحلة جديدة مع العالم، في أدب العالم في درسه. وفي الحقيقة أيها الطلبة عندما ننظر في هذا الكتاب وننظر فيما يدونه ابن جماعة من الأخلاق والآداب الدقيقة الدقيقة، نعرف كيف كان العلماء رحمة الله تعالى عليهم يهتمون بأدق التفاصيل مع العلم، لا يتعاملون مع العلم بكل جفاء ثم نتعامل معه نحن اليوم.
اليوم ستفعلون كلاما ربما يعتبره البعض من الفضول أو من الأمور الثانوية التي لا ينبغي أن يحرص عليها بكثرة، لكن في الحقيقة عندما أضعنا هذه الآداب التي يسجلها ابن جماعة هان العلم في نفوسنا وهان العلم على الخلق. فينبغي للطالب المتصدق أو طالب العلم الذي يريد أن يشرع في هذا الطريق أن يكون على دراية بالآداب التي سلكها العلماء الاقدمون وتحلوا بها ومارسوها، ينظر كيف كانت هذه الآداب سبيلا في عزة العلم ورفع مكانته وكلمته ليكون سلطانه هو السائد في المجتمع، لتكون كلمة العلم هي الكلمة العليا، ليكون العلماء في الدرجة العليا.
النقاش في المسائل الشرعية إنما يدور بينهم في من تصدر منهم. أما اليوم أحبتي لما تخلينا عن آداب العلم وأصبح ينظر إلى العالم وإلى طالب العلم المتمكن على أنه فرد من الأفراد يدلي برأيه في مسائل الشريعة، ولكل الناس بعد أن يعلقوا على هذا الرأي في وسائل التواصل الاجتماعي، ما بين مقبل على هذا القول وما بين راد له، كيف يرد؟ وكيف يقبل؟ لا تدري، إنما هو الهوى، فأصبح العلم مهينا.
أصبحت البضاعة العلمية، البعض يظن أنه أي إنسان بأي قراءة لأي مصنفات يستطيع أن يحصلها وأن يجادل ويناقش بها، خلص يقول لك أنا قرأت كتابي كتابي وانتهى الأمر، لي أن أناقش لأحلل. لا يعرف أن هذا العلم إنما يبنى بالسنوات والسنوات وسهر الليالي وظمأ الهواجر، إنما يبنى هذا العلم بالحفظ والمذاكرة والتدريس والتصنيف والتأليف. لا يعرفون ما هو العلم، الناس لا يعرفون ما هو العلم، لا يعرفون قدر العلم الشرعي وحرمته وعظمته ومكانته، عندما هان عليهم هان عليهم الكلام في علوم الشريعة.
لما هان العلم على الناس وجدوه شيئا يؤخذ بالسهولة وبالقراءة العامة، هان عليهم أن يتكلموا وأن يتحدثوا وأن يخوضوا، فنشأت الفتن وظهرت الفرق وخاض الصغير قبل الكبير وأعجب كل ذي رأي برأيه، فنسأل الله السلامة والعافية. لماذا أركز على هذه الأمور؟ لأن كثيرا من الطلبة يقرأ ما سيسطره ابن جماعة فيما هو قادم يظن أنه من فضول الأعمال كما قلت لكم، يظن أنه شيء من الترف العلمي وشيء الفراغ الذي كان يحوياه العلماء في تلك الفترة فيعتنون به ويصنفونه من أجل أن يستفيد منه البعض، يعني لا يعطي هذا الكلام حجمه الحقيقي.
ولا يدرك أن علمائنا وأن الناس في زمن علمائنا الأقدمين كانوا يدركون حرمة العلم ويعظمون الذي يتكلم في العلم، ويعلمون أن هذا المنهج وهذا وهذا العلم وهذه المسائل إنما يخوض فيها من تأسس وتأصل وتعب وتصدر على الوجه الصحيح بعد تزكية العلماء له ولعلمه، هكذا يظهر العالم قديما. أما اليوم فأصبحت معايير تحديد العالم هي ماجستير أو دكتوراه، الشهادة الجامعية أصبحت بحجم المصفقين له والظهور على وسائل التواصل أو شاشات التلفاز، أصبح هذا هو معيار الناس للعالم، فعندما اختلفت المعايير اختلفت قيمة العلم.
لا أطيل في ذلك، دعونا اليوم نبدأ في القسم الثاني من آداب العالم وهي آداب العالم في درسه. آداب العالم في ماذا؟ في درسه. سيبدأ معك ابن جماعة من بداية ذهاب العالم إلى الدرس وإلى النهاية، كيف يكون مسلك العالم في خطواته، في همساته، في نظراته، في مجلسه، في طريقة ظهوره، في خطابه؟ كلام دقيق عجيب، يدلل الإنسان على قيمة العلم عند العلماء وكيف كانوا يحرسونه بخطراتهم وأنظارهم وأفكارهم.
يقول ابن جماعة: الفصل الثاني في أدب العالم في درسه، وفيه اثنا عشر نوعا، كما قسم أدب العالم في نفسه إلى اثني عشر نوعا، كذلك هنا سيقسم أدب العالم في درسه إلى اثني عشر نوعا. فبماذا بدأ؟ قال رحمة الله عليه: الأول، أي الأدب الأول قال: إذا عزم على مجلس التدريس، يعني إذا نوى العالم أن يذهب إلى مجلس التدريس، تطهر من الحدث والخبث.
يتطهر من الحدث الأصغر والأكبر بالوضوء والغسل، ويطهر جسده من النجاسات والأقذار التي عليه. انظروا بماذا بدأ؟ بالطهارة، قل وتنظف وتطيب، ينظف جسده عموما، أظفاره يتفقد، شاربه يتفقد، هندامه بشكل عام، ويتطيب، يضع الطيب. يعني انظروا لهي الأدبيات اللي احنا بنعتبرها اشي ثانوي، لكن هم بالنسبة لهم يؤسسون، يؤسسون لأجيال، يؤسسون لطلبة علم، ما في شي ثانوي في العلم، كل شيء أساسي لحرمة العلم ولهذا الدين.
إذاً، تطهر من الحدث والخبث وتنظف وتطيب، قال: ولبس من أحسن ثيابه اللائق به بين أهل زمانه، قاصدا بذلك تعظيم العلم وتبجيل الشريعة. وهذه الفكرة أنا ذكرتها سابقا والبعض ناقشني فيها، قضية ماذا يلبس العالم وكيف يظهر؟ قال: ولبس من أحسن ثيابه اللائق به بالععلم وبأهل العلم بين أهل الزمان. تنظر في زمانك في منطقتك في بلدتك، ما هو لباس اهل العلم الذي يمتازون به ويظهرون به؟ عليك أيها العالم أن تلبس هذه الثياب وتظهر بها.
لكن ركز على القصد، أنت تلبس ثياب العلماء عندما تكون مؤهلا أولا، ولا تلبسها وأنت لست مؤهل توهم الناس بأنك عالم أو أن عندك شيئا من العلم. لكن حتى لو كنت عالما وأصبحت مؤهلا للتدريس والتصنيف، عليك أن تستحضر وأنت تلبس لباس العلماء، قال: أنك تعظم الشريعة وتبجلها وتعظم العلم وتبجله، بهذه النية يلبس العالم لباس العلماء ويمتاز به ويظهر به.
فالعالم عليه أن يمتاز بمظهره وهندامه، ويحرص على لباس أهل العلم السائد في بلده، ويقصد بلباسه لأهل العلم ليس الفخر والتكبر وإظهار أنه عالم لا، قال: قاصدا بذلك تعظيم العلم وتبجيل الشريعة. وهذا الذي كررته مرارا: العالم عليه أن يلبس لباس العلماء حتى يعظم حرمة العلم عند العوام. أحبتي لباس العالم يؤثر في تلقي الناس منه، عندما يرى العامة أن هذا العالم مهيب في ثيابه أو أنه لا يظهر باللباس اللائق ودائما يعني يكشف رأسه أمامهم ويتحدث معهم كما يتحدث غيرهم، الناس مدى استقبالهم من هذا الشخص يبدأ يقل يقل، ومدى توقيرهم للعلم الذي يحمل هذا الشخص يقل.
وهذا في الحقيقة أثبتته التجارب، ليست تجارب الوقت الحاضر وحتى تجارب الأقدمين، لذلك العلماء كانوا يحرصون على هذا الأمر. ومن أدلة ذلك ما قاله أبو حنيفة فيما نقله الزرنوجي رحمة الله.
عليه في تعليم العالم والمتعلم. يقول أبو حنيفة لطلابه: اه، عظموا أمامكم ووسعوا أكمامكم. أبو حنيفة ماذا ينصح طلبته؟ يقول لهم: عظموا عمائمكم، العمامة عظموها كبروها، ووسعوا كمامكم. قال الزروجي معلقاً على ذلك: وإنما أراد أبو حنيفة بذلك أن يعظم العلم حتى لا يستهان به.
أبو حنيفة يأمر طلبة العلم وليس فقط العلماء أن يظهروا بلباس الهيبة والوقار، الذي يشير وينم إلى أنهم طلبة علم وعمال الشريعة. هذا اللباس الذي يظهرون به يوصل فكرة ورسالة إلى الناس أن العلم عظيم وأنه كريم، وليس شيئاً مبتذلاً؛ أي إنسان بأي منظر، حالق، مش حالق لحية، يظهر بأتفه الملابس أو يظهر بأجمل الملابس، الكل يتكلم بهذا الدين. لا، العلم له حرمته، ليس فقط في الكلام وفي النظر وفي التدريس وفي التصنيف، بل حتى في اللباس.
وهذه فكرة أنصح بها إخواني أن ينتبهوا إليها، وألا يظنوا أنه يا شيخ يعني ألا ينبغي يعني أن ندخل في الناس من خلال أن نلبس مثل لباسهم، وأن نخلع عن رؤوسنا، وأن نظهر معهم كما يعني كما يطرح الناس اليوم، كثير من الدعاة اليوم ندخل بهم تماماً.
أقول: طالب العلم لا إشكال في أن يدخل ويقتحم هذه الميادين، لكن أتكلم عن العالم، عن المتصدر، العالم المتصدر لا يصلح له ما يصلح لطالب العلم والعامي، لا يصلح له. هذه هي أدبيات، مش قلنا أي صنعة وأي حرفة لها أدبيات؟ أدبيات العالم ليست فقط في كلامه وفي تصرفاته وسلوكياته، بل حتى في لباسه وظهوره الإعلامي أمام الناس، أن يكون مهيباً، عليه أن يكون جليلاً، عليه أن يظهر للناس حرمة العلم وعظمته في كل تصرفاته وحركاته وسكناته، لذلك نركز نحن على هذه القضية. انظروا ما مالك بن أنس، كما ذكر عنه اه ابن جماعة، يقول: كان مالك رضي الله عنه إذا جاءه الناس لطلب الحديث اغتسل، تطيب، لأنه يدلل على كل الآداب السابقة، اغتسل، تطيب، لبس ثياباً جدداً، ووضع رداءه على رأسه، ثم يجلس على منصة ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ، وقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مالك لماذا يفعل كل هذه المراسم؟ الاغتسال والتنظف ويلبس أحسن الثياب، الثياب الجديدة، ويضع الرداء على رأسه والعمامة، ويجلس في المجلس، ويؤتى بالبخور يتبخر، حتى يفرغ من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لماذا كل هذه المراسم؟ قال لك: ذلك ليس حتى يظهر أمام الناس بمظهر الإنسان العظيم الجبار أو الإنسان الذي لا يشق له غبار، ليس هذه نيته، أراد أن يعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعظم الله قدر مالك، وجعل اسمه يطير في آفاق الأرض، والناس تأتيه من كل البقاع لتتعلم من علمه، لأنه حافظ على الأدب قبل أن يتكلم بالعلم، فمن حافظ على الأدب، خاصة عندما يتكلم في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندما يوقع عن رب العالمين في الفتاوى والمسائل، عليك أن تكون مؤدباً، عندما تتكلم في الشرع، عندما تظهر بمظهر المعلم الموقع لله سبحانه وتعالى أن نربي، لا يصلح أن تظهر كما يظهر غيرك، هذه أدبيات، وتجاوزها هو سبب في إسقاط حرمة العلم عند الناس. فأنا يعني أحث إخواني، أحثهم على هذه الأداب، وألا يستهينوا بها أبداً في حياتهم العلمية.
قال: بعد أن يتنظف ويتطيب ويلبس من أحسن الثياب، ماذا يفعل؟ قال: ثم يصلي ركعتي الاستخارة، ثم يصلي ايش ركعتي الاستخارة؟ انظروا لهذه الأدبيات التي نغفل عنها نحن، كل مجلس تريد أن تذهب إليه تصلي ركعتي استخارة قبله، يا رب إن كان في هذا المجلس خير فيسره لي واقدره لي، وإن كان فيه شر فاصرفه عني واصرفني عنه، مقدم الخير حيث كان. انظروا إلى الاستخارة، كيف كانوا العلماء في كل خطوة يراعون آآ أفكارهم، ويراعون خطراتهم آآ في تدريسهم في مع ربهم سبحانه وتعالى.
قال: ثم يصلي ركعتي الاستخارة إن لم يكن وقت كراهة، إذا كان وقت كراهة ممن يكره فيه الصلاة، كان بعد طلوع الفجر، أوقات بعد صلاة العصر، فماذا يفعل؟ يكتفي بالدعاء، يدعو بدعاء الاستخارة من دون أن يصلي، تمام. ثم قال: بعد أن تصلي ركعتي الاستخارة، قال: ينوي نشر العلم، الآن يبدأ بعملية الاستحضار، إذاً هو تنظف، تطيب، لبس أحسن الثياب، صلى ركعتي استخارة، الآن يبدأ يستحضر النية، خطوات خطوات دقيقة، ينوي نشر العلم وتعليمه وبث الفوائد الشرعية وتبليغ أحكام الله تعالى التي اؤتمن عليها وأمر ببيانها. وايش يا شوفوا، الازدياد من العلم يعني أنا طالع أدرس ونيتي أيضاً أن أستفيد، أنا أيضاً أستفيد من خلال مراجعة ما أدرسه، ومن خلال الفوائد التي قد يمنحها لي الطلبة، ما في تكبر، أقبل من الجميع ما دامت الفائدة صحيحة.
قال: والازدياد من العلم، وإظهار الصواب، يقصد إظهار الصواب وليس نصرة الشخص أو الطائفة أو الجماعة، يقصد إظهار هذه نية ينبغي أن تكون مستحضرة أيها العالم ويا طالب علم متصدر معك وأنت تدرس وأنت تتأهل للناس، قال: والرجوع إلى الحق إذا ينوي أيضاً أن يعود إلى الحق متى ظهر له الصواب، قال: والاجتماع على ذكر الله تعالى، يعني ينوي أن يجتمع على ذكر الله، وينوي أيضاً السلام على إخوانه من المسلمين.
شف هذي كلها النيات بدك تستحضرها كمية كثير، نشر العلم والفوائد الشرعية، وتنوي إظهار الحق، وتنوي الرجوع إلى الصواب إذا عدل لك، تنوي الاستفادة وأنتم فيه، تنوي السلام على إخوانك، هاي بحد ذاتها نية، تنوي السلام على إخوانك، تنوي الاجتماع على ذكر الله سبحانه وتعالى، وتنوي قال: والدعاء للمسلمين وللسلف الصالح، وينوي أيضاً أنه في هذه المجالس التي أريد أن أذهب إليها من مقاصد ذهابي وتدريسي أن أدعو للمسلمين عموماً وللسلف الصالح.
إذاً هذا هو النوع الأول، تكلم عن اه العالم وهو في بيته وهو يحضر نفسه للذهاب إلى مجلس العلم ماذا يفعل؟ من تنظف، من تطيب، من اه لبس الملابس الجديدة المميزة، اه إظهاراً للحق وللشريعة وتعظيماً لها وليس إظهاراً للنفس. اه تكلم عن قضية صلاة ركعتين استخارة والدعاء وقضية النية.
الآن هذا العالم استعد للخروج، سيفتح باب المنزل ويخرج، فذهب إلى الأدب الثاني، قال: إذا خرج من بيته دعا بالدعاء الصالح عن النبي صلى الله عليه وسلم، يدعو بالأدعية الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو هذا دعاء يتواصل العلماء عليه، قد يدعو به إذا أراد الخروج من منازلهم: اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي، عز جارك وجل ثناؤك ولا إله غيرك. ثم يقول: بسم الله، وبالله، حسبي الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وهذان دعاءان جاءت بهما ورد بهما الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم، والآثار فيهما مقبولة، ليس من قبيل الضعيف والله تعالى أعلم، بل الآثار فيهما مقبولة.
آآ الحديث الأول: اللهم نعوذ بك أن أضل أو أضل، اخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طريق عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها، وذهب كثير من أهل العلم إلى تصحيحه. والحديث الآخر: بسم الله، وبالله، حسبي الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أيضاً حسن بشواهده، ورد بطرق كل واحد منها لا يخلو من ضعف، لكن بمجموع الطرق يقوى أن يكون حسناً لغيره داخلاً ضمن دائرة المقبول.
وأما قوله في النهاية: اللهم ثبت جناني وأدر الحق على لساني، هذا ذكره أيضاً يقول: اللهم ثبت جناني، الجنان هو القلب، اللهم ثبت جناني قلبي وأدر الحق على لساني، يعني يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يثبت قلبه، وأن آآ يجري على لساني الصواب، وهذا لم أجد له أصلاً في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يذكره العلماء في مصنفاتهم من الأدعية، والأدعية بابها واسع، الأدعية بابها واسع، لكن المهم أن لا نسب إلى محمد صلى الله عليه وسلم إلا ما صح منها، أما لو أني قلت: اللهم ثبت جناني وأدر الحق على لساني فهذا جائز من الدعاء العام المقبول، لكن هل ثبت؟
النبي صلى الله عليه وسلم، فلم أجد له أصلاً، والله تعالى أعلم.
طيب، الآن فتح الباب ودعا بهذا الدعاء وانطلق في طريقه. في أثناء الطريق، لاحظوا كل خطوة، كل خطوة يرسمها ابن جماعة، حتى نعرف كيف كان العلماء يفكرون، كيف كان نهجهم؟ كيف كانت حياتهم مطمئنة سعيدة؟ انظروا إلى هذه الحياة التي أحياها العالم الرباني، هذه الحياة التي أحياها العالم الرباني. علاقة مع الله قوية من البداية، علاقة قوية مع الله من لما يخرج من بيته، بل هو في بيته. استخارة استحضار النية، يخرج يدعو الله سبحانه وتعالى أن يوفقه.
قالوا في أثناء الطريق ماذا يفعل؟ قال: ويديم ذكر الله تعالى أثناء الطريق، ذكر، تسبيح، تحميد، تكبير، تهليل. ما في والله أثناء الطريق صار حان بفكر في هذي الدنيا والعالم وفمه مغلق ساكت، دائما في شغل؛ إن لم يكن في استحضار منظومة أو في استحضار معلومة أو فكرة، في ذكر الله سبحانه وتعالى، حتى يبقى دائما في اتصال مع ربه عز وجل. قال: ويديم ذكر الله تعالى إلى أن يصل إلى مجلس التدريس.
وصل الآن إلى مجلس التدريس، قال: فإذا وصل إليه ايش يفعل؟ أول شي قال: سلم على من حضر، يبدأ بالسلام؛ السلام عليكم ورحمة الله، بكل حب بكل تواضع مع طلبته. قال: وصلى ركعتين إن لم يكن وقت كراهة، وصلى ركعتين يعني يدخل يصلي ركعتين أيضاً، خاصة إذا كان في مسجد، خاصة إذا كان في مسجد يصلي ركعتين تحية المسجد، ويسأل الله بهما التوفيق. لاحظوا يعني العالم هو في أثناء ذهابه للدرس في عبادة لله سبحانه وتعالى، وعملية الصلاة لاحظ عنصر الصلاة كيف موجود، عنصر الذكر كيف موجود، لأنهم يستلهمون التوفيق من ربه.
هذه المعاني لما فقدت اليوم، يخرج المحاضر إلى الجامعة، أخذ كتبه في الصباح، ذهب إلى الجامعة من دون نية ولا استحضار شيء، دخل إلى المحاضرة، البعض يسلم منهم والبعض لا يسلم، بدأ في محاضرته. كل هذه الآداب قفز عنها، فماذا تتوقع أن يكون إنتاجه والبركة في علمه وتوفيقه للصواب، ايش حجمها؟ بينما لما يكون العالم يسير على هآي الخطوات، هو من بداية خروجه وهو في منزله، وهو في منزله قبل أن يخرج يتعلق بربه يسأله التوفيق.
ولما يخرج يدعو الله أن يوفقه وأن لا يكون سبباً: أعوذ بك أن أضل. لاحظوا المعاني: أعوذ بك أن أضل، أن نكون سبباً في ضلال، أن أضل أنا أو أضل أو ناس يضللوني أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي. لاحظ هذه العبارات ما أجملها! ثم كيف يديم ذكر الله سبحانه حتى يصل إلى المجلس، ثم وصل المجلس لسا ما بدأ في التدريس، انتظر، صلي ركعتين، استعن بالله حتى يجري الحق على اللسان وحتى يكون هناك بركة وتوفيق في هذا العلم.
قال: وصلى ركعتين إن لم يكن وقت كراهة، وقت كراهة للصلاة. قال: فإن كان مسجداً، ها تأكدت الصلاة؛ إذا كان مسجد مجلس العلم هذا في مسجد بتكون مؤكدة أكثر لأنها تحية المسجد، تأكدت الصلاة مطلقاً. ايش يعني مطلقة؟ مطلقة أي سواء كان وقت كراهة أو غير وقت كراهة، وهذا على مذهب السادة الشافعية رحمة الله عليهم. الجماعة شافعي، الشافعية رحمة الله عليهم يجوزون صلاة المسجد سواء كان في وقت كراهة أو في غير وقت الكراهة.
لأن الصلوات ذوات الأسباب يقولون تصلى في اوقات الكراهة، لكن عندنا الحنابلة رحمة الله عليهم لا يجوزون صلوات ذوات الأسباب في اوقات الكراهة إلا استثناءات محددة، وأما الأصل فأوقات الكراهة لا تصلى فيها صلوات النفل مطلقاً؛ سواء ذوات الأسباب أو غير ذوات الأسباب. فهذا القول مطلقاً لا يجري على رأي الحنابلة، وإنما يجري على رأي الشافعية وطائفة من أهل العلم. قال: ثم يدعو الله تعالى يعني صلى ركعتين، بعد ما يصلي يرفع يديه ويقول يدعو الله بالتوفيق والإعانة والعصمة من ايش؟ من الزلل والأخطاء، دائما تفكروا في هذا الكلام وانظروا إلى كيف العالم يبرمج علاقته مع ربه سبحانه وتعالى.
قال: ويجلس بعد ذلك مستقبل القبلة، لسا ما انتهش، ويجلس مستقبل القبلة إن أمكن يعني إن أمكن، وهو أن يجلس مستقبل القبلة فهذا أفضل، بوقار وسكينة وتواضع وخشوع. ثم كيف يجلس؟ قال: متربعاً، قد تربى، وأظن الجلسة معروفة يعني يدخل رجليه في بعضهما البعض ويجلس متربعاً بهذه الهيئة. إذا كان مثلاً لديه كرسي كبير واسع يصلح للتربع، إذا كان يجلس على الأرض سهل أن يتربع، أما إذا كان يجلس على كرسي يعني كراسي الجامعات صعب يتربع عليها الشيخ أو المحاضر.
لكن كراسي واسعة مثل نادي المجالس يمكن للعالم أن يجلس عليها متربعاً أو غير ذلك، الحمد لله الأمر فيه سعة يعني مش لازم يجلس متربع، قال: أو غير ذلك، قال مما لم يكره من الجلوس، يعني بشرط أو من الجلسات، يعني بشرط اه انها تكون هذه الجلسة التي سيدرسها، والفرق بين الجلسة والجلسة أن الجلسة مصدر هيئة والجلسة مصدر مرة، ونحن الآن نتكلم عن هيئات جلسة مما لم يكره من الجلسات اه فهناك بعض اه صور الجلوس كرهها الشارع ونص على كراهتها في أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، تمام؟ فكأنه الآن بدأ يفصل في هذه اه المجالس المكروهة.
فقال: لا يجلس مقعياً. ايش يعني مقعياً؟ يقصد مقعياً جلسة الإقعاء، مع إخواننا اللي درسوا الفقه بيعرفوا أن كثير من الفقهاء يكرهون الإقعاء في الصلاة، وفي خلاف في الحقيقة في تفسير معنى الإقعاء بين أهل العلم، لكن هنا يقصد والله تعالى أعلم هو أن ينصب ساقيه ويضع أليتيه عليهما، أن يسلب الساقين ويضع أليتيه عليهما يعني أنت الآن في الصلاة لما تجلس مثلاً بين السجدتين، الجلوس بين السجدتين.
كثير من أحبابنا بيجلس بالإقعاء، ايش الإقعاء؟ أنه ينصب الساقين ويضع الأيتان على الساقين كأنه يعني مش مطمئن بجلسته، صح؟ مش هاد بيسموه الإقعاء على تفسير من تفاسير أهل العلم، ينصب الساقين كثير هذي بيجلسوها أحبابنا في الجلسة بين السجدتين، جلسة الاستراحة بين السجدتين تجدوا كثير منهم حتى يستعجل يعني في السجود مرة أخرى، يجلس الإقعاء اللي هو ينصب ساقيه ويضع أليتيه عليهما، ويكون يعني حتى في جلسته مش مطمئن بده يعني مباشرة يبادر بالسجود.
فهذه الجلسة تكره للعالم، لأنها يعني أولاً فيها كراهة في الصلاة، وعمم هنا ابن جماعة الكراهة اه لأنها جلسة ليس فيها أدب مع العلم، يعني أنت تجلس في مجلس علم وتجلس جلسة هادئة تشعر من أمامك من الطلبة والناس بأنك مطمئن، لا لا تشعرهم عفواً بأنك مستعجل وتريد الخلاص والفكاك من هذا الدرس. لذلك قال: لا يجلس مقعياً ولا مستوفزاً. الاستفزاز أنه يجلس الإنسان على هيئة ما بين الجالس والقائم، يعني بتعرف بعض الناس يقوم شوي على رجليه ويضع يديه على ركبتيه وبيصير يتحدث معك.
يعني لا هو جالس ولا هو واقف، قال بيسموه مستوفز، المستوفز يعني كأنه مستعد للقيام لكنه ليس قائم، بتلاقيه حاطط هيك إيديه وحاب يقوم يعني، بس لسا بتكلم. الآن هذي جلسة المستوفز ما بتشعر أمامك بالاطمئنان والهدوء وأنك جالس بوقار وسكينة، فهذه جلسات غير مقبولة للعالم؛ لا إقعاء مقبول ولا أن يكون مستوفزاً مقبول. قال: ولا رافعاً إحدى رجليه على الأخرى، هذا أظن بتعرفوها، لا رافعاً إحدى رجليه على الأخرى، العالم ماينفعش يحط رجل على رجل ويقعد أمام الناس يتكلم، هذه مش هيبة العلم.
قال: ولا ماداً رجليه أو إحداهما، أيضاً لا يمد أقدامه أمام الناس في المجلس، لا يكون يعني منضبط في وضع الأقدام، إلا إذا كان هناك عذر، يعني مثلاً إذا كان العالم فيه مشكلة عنده في الساق أو في الركبة أو أوجاع مؤلمة، فالعذر يعذرك الناس به. مثل ما في عذر، الأصل أن على على الجلسة بهيئتها الصحيحة. قال: ولا متكئاً على يده إلى جنبه أو وراء ظهره، ما ينفع تجلس هيك أمام الناس، ولا ينفع تجلس هيك. وهذه الجلسة عم تضع، أو هذه الجلسة أن تضع يدك اليسرى خلف ظهرك، هذه الجلسة نهى عنها النبي
النبي صلى الله عليه وسلم وقد ورد في ذلك الأثر من حديث الشديد بن الثقفي قال: مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا جالس، وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري واتكأت على ألية يدي. يعني هذه الجلسة، هذه الجلسة نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم وسماها، قال: أتقعد قعدة المغضوب عليهم؟ سماها قعدة المغضوب عليهم. مين المغضوب عليهم؟ اليهود، نسأل الله السلامة والعافية. حديث أخرجه أبو داود وأحمد والحاكم، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي على ذلك.
فهذه الجلسات أحبتي لا ينبغي للعالم أن يجلس عليها؛ لأنها مخالفة للأدب والوقار والسكينة. وأيضاً مما نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم خاصة الجلسة الأخيرة، يكون متكئاً على يده إلى جنبه ووراء ظهره إذا كانت طبعا يعني النهي وارد وضع اليد اليسرى بحد ذاتها اليسرى قادر. العلماء اليمنى ما فيها مشكلة؛ لأن الحديث ورد في اليسرى أنه كان ماضياً يده اليسرى خلف ظهره. البعض يقيس اليمنى، لكن لا يظهر للقياس في مثل هذه الأمور، هو الأصل التزام ما في النص؛ أن النهي وقع عن هذه الصورة وضع اليد اليسرى بحد ذاتها خلف الظهر تمام.
قال: وليصن بدنه عن الزحف والتنقل عن مكانه. يعني كل ابن جماعة إيش بيعمل الآن؟ ما زال يتكلم في ستة أسطر أو سبعة أسطر عن كيف يجلس العالم؟ لسا ما بدأ العالم. لاحظوا الدقة! كيف يجلس العالم؟ لا تجلس هيك، ولا تجلس هيك، واجلس هيك، وبهي الصورة، بهادي الهيئة. إخراج كامل للتفاصيل انظر كيف حرمة العلم. يعني بغض النظر ممكن البعض يقول لك: هذه زيادة يا شيخ، لكن انظر حرمة العلم يا أخي، انظر كيف كانوا يتعاملون مع العلم ليس بالابتذال الذي نتعامل به نحن اليوم. والله هذا هو العلم، هذا هو العلم الذي إذا نظرت إلى حامله يكبر في قلبك وفي عقلك وتبدأ، وتبدأ تستقبل منه الأفكار؛ لأنك تعلم أن هذا رجل قرر أو عظم العلم ووجد حرمته في حياته، فما ينطق به إنما نطق به من العلم بعد أن أدب نفسه على حرمته وعلى تعظيمه وعلى توقيره، فلا يخرج منه العلم هكذا هباء منثوراً كلام مجمع.
الإنسان الذي يتحرى هذه الأمور في أثناء تدريسه وتعليمه هو حريص على أن يتكلم بالكلام السديد، وحريص على نفع الناس، حريص على نفع الناس عندما تنظر إليه، حريص على جلسته ونظرته وهندامه وهيئته، النفس تتشوف لأن تأخذ منه ولتتلقى منه الأفكار والعلوم. قال: وليصن بدنه عن الزحف والتنقل عن مكانه. باش يزحف يعني أثناء الجلسة غلط أركز زي ما بنحكي أركز ما بينفع تكون تتململ على اليمين ويميل على الشمال ويزحف في بدنه وينتقل تجده العالم هنا، بعد قلي تجده في مكان آخر لا يصلح، هذا نوع من الاستغفار.
قال: ويديه عن العبث أيضاً يصون يديه عن العبث والتشبيك بهما. قال: وعينيه عن تفريق النظر من غير حاجة أيضاً، إذن يصون بدنه عن الزحف، ويصون يده عن العبث، ويصون عينيه عن تفريق النظر، يعني أثناء التدريس نظرك في اتجاه محدد، ما بينفع يكون نظرك مثلاً تنظر في سقف الغرفة وتنظر إلى الأرضية وتنظر إلى باب لا يصلح، العالم نظرته بهيبة، طبعا يخلي النظر موزع على الطلبة جميعاً، لكن النظرة فيها هيبة ووقار وليست نظرة إنسان لعوب يتأمل في الحائط والجدران والأرضية والأبواب والشبابيك والنوافذ، لا يصلح هذا، فيكون فيه أيضاً اتزان. قال: إذن وعينيه عن تفريق النظر قال لك من غير حاجة. الإنسان قد يضطر أن يفرق النظر أحياناً لحاجة عرضت.
قال: ويتقي المذاكرة وكثرة الضحك؛ فانه يقلل الهيبة ويسقط الحشمة، كما قيل: من مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به. الذي يكثر الضحك يعرف بين الناس بأنه شيخ مزوح، وأنا في الحقيقة عندي اعتراض على بعض الدعاة اليوم، تجد لهم مقاطع على اليوتيوب جميع المحاضرة مزح وضحك، ويعتبرون هذا النوع من جذب الناس إليهم وتحبيب الناس في الدين، وفي الحقيقة لا أجد هذا منهجاً صحيحاً، يعني الضحك والمزاح لا يكون بالدين ولا يكون في أثناء المحاضرات الشرعية.
لو ألقى الشيخ طريفة عرضاً دعابة سريعة مقبول، والكل يستخدم هذا، لكن أن تكون المحاضرة من بدايتها إلى نهايتها ضحك ومزاح، وتكون كلمات الشريعة والدعوة تأتي أثناء فقط المزاح والضحك، هذا لا أظنه يتلاءم مع هيبة العلم ووقاره، أنت تتكلم عن الله، تتكلم باسم النبي صلى الله عليه وسلم، تتكلم باسم الإسلام والدعوة، الهيبة هي المطلوبة، بعض الناس قد يقول: يا شيخ يعني بعض الناس ينجذب إلى الدعاة الذين يلقون الطرائف والمحاضرات، أقول: حتى لو كان ذلك، لا ينبغي هذا، الطريفة أو الضحك هذا له مكانه المحدود الضيق وينتهي، ثم يعود الكلام إلى حرمة العلم وإلى صيانته. وأما أن تكون محاضرة ديدنها ضحك ومزاح وفعلت هكذا قلت هنا ويكثر هو الضحك والناس تضحك معه وأنه هذا الشيخ ما شاء الله كثير للضحك، لا لا، هذا لا تخدع نفسك، قد تجد بعض الناس يستهويه هذا الأمر من العوام، لكن ليست هكذا نوصل الرسالة الصحيحة عن هذا الدين، وهذه وجهة نظر عبد الفقير والله تعالى أعلم.
قال: ولا يدرس في وقت جوعه أو عطشه أو همه أو غضبه أو نعاسه أو قلقه. اعتبر التدريس مثل القضاء، كما أنه لا يجوز للقاضي أن يقضي في وقت الجوع أو العطش أو الحاجة إلى دورة المياه، أي وقت انشغال بالعقل بأي أمر كان، كذلك لا يجوز التدريس أو الإفتاء في وقت يكون الذهن فيه منشغلاً بأي عارض من هذه العوارض. قال: ولا يدرس في وقت جوعه أو عطشه أو همه أو غضبه أو نعاسه أو قلقه، ولا في حال برده المؤلم وحره المزعج البرد القارس أو الحر المزعج؛ فربما أجاب أو أفتى بغير الصواب، ولأنه لا يتمكن مع ذلك من استيفاء النظر في المسائل التي يطرحها؛ لأن عقله مشغول، عقله مش في المحاضرة، ليس في الدرس.
فإذاً الضابط العام لا ينبغي للعالم ولا للمفتي أن يتحدث وهو في انزعاج عقلي، يتكلم هو في صفاء وهدوء حتى تكون المسائل محققة بشكل جيد وأجابته بإذن الله موفقة. ثم بعد ذلك ننتقل إلى الأدب الثالث، قال: أن يجلس بارزاً لجميع الحاضرين. يعني إذا كان عندك جمهور عريض ما بينفع تجلس عالأرض؛ لأنه لم يراك إلا من حولك، طب الناس الأدب إذا كان الحضور كبير، إذ كانت حلقة صغيرة يعني سطر واحد يقرأ يراك ما في مشكلة تجلس على الأرض، لكن إذا كان العدد بالجماهير كما كان السلف رحمة الله عليهم يحضرون المجالس خمسة آلاف وعشرة آلاف وخمسة عشر ألفاً وعشرين ألفاً، كيف يجلس؟ قال: يجلس في مكان بارز حتى يراه الجميع.
قال: ويوقر أفاضلهم بالعلم والسن والصلاح والشرف. عن العالم أن يوقر ويقدم منه الأفاضل من العلماء ومن أصحاب السن يعني من تقدم عمرهم من الشيوخ الكبار ومن أهل الصلاح العباد ومن أصحاب الشرف رؤساء القبائل رؤوس وأعيان البلد أو القرية يققدمهم، ولا مانع من هذا التقديم؛ لأنه من باب معرفة أقدار الناس وإقبالهم على العلم، وهذا لا يتعارض مع أنه الأصل التواضع وأن الناس سواسية، هذا لا يتعارض، هذا من معرفة حق الناس، هذا من معرفة حق الناس. فالعالم حقه أن يققدم في المجلس، والعابد الصالح الذي يرشد الناس يعني الدعاة وإن لم يكونوا علماء يقدمون في المجالس، وكذلك كبار السن يعظم حرمة من شاب شيبة في الإسلام كما عظمته الشريعة، فإنسان الذي شاب في الإسلام نعظمه ونقدمه في المجلس لا إشكال في ذلك.
قال: ويرفعهم على حسب تقديمهم في الإمامة. إذا توكيل لهؤلاء ويرفعهم في المجلس ويقربهم ويقربهم منه بحسب تقديمهم في الإمامة في من درس الفقه ودرس باب صلاة الجماعة تجدهم يتحدثون عن من أحق الناس بالإمامة فيتكلم، وطبعاً تختلف المذاهب في تحديد الأفضلية، وهناك حديث رواه مسلم من حديث ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يؤم القوم أقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ
فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا بالسنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً وفي رواية سناً. وتختلف المذاهب بشكل عام في تحديد من الأولى بالامامة.
فمثلاً يرى بعضهم أن القارئ الذي يعرف فقه صلاته يقدم على الحافظ، إنسان قارئ يعرف فقه صلاته يقدم على الحافظ، فإن كانوا مستويين في الفقه فيقدم الأكثر حفظاً. فان كانوا مستويين في الحفظ فيقدم آه مثلاً يقولون آه الأعلم بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والبعض يقول يقدم الأسن، فإن كانوا في سن السواء يقدم الأشرف. فهناك ترتيبات تذكر في باب الإامامة في أبواب الفقه، فيقول إذاً يقدم هؤلاء بحسب تقديمهم في الإامامة. فمن يقدم في الإامامة مثلاً يقدم العالم بفقه الصلاة، يقدم في الإامامة هو الذي يقدمه في المجلس.
ثم مثلاً متى يقدم الأشرف؟ الأشرف من كان شريفاً في قبيلة أو قرية يقدم بعد آه العالم وصاحب العلم بالكتاب والسنة وصاحب السن، فكأنه يريد أن يكون مقدماً للعالم، ثم نقدم صاحب السن الكبير، ثم نقدم بعد ذلك آه مثلاً أصحاب الصلاح والتقى، ثم نقدم أصحاب الشرف.
فكل مذهب انظر في مذهبك، كيف يكون ترتيب الناس في الإامامة؟ يكون ترتيبهم في المجلس بين يدي العالم، ثم قال: ويتلطف بالباقي، آه الآن شف حتى مراعاة نفسية الحاضرين هذه يركز عليها العلماء. العالم عليه أن يركز في هذه القضية، أن يراعي نفسية الحاضرين. لا يشعر الحاضرين والله أنه يتكلم مع آه من حوله من أصحاب السن والشرف والعلم ويهمش العوام. لأ، العامي ترى يتأثر.
فعندما تطرح العلم عليك أن تراعي نفسيات الجميع، لذلك ابن جماعة لاحظوا كيف نظراته الدقيقة قال: ويتلطف بالباقين. الناس العوام الذين لم يقربهم يتلطف بهم، ويكرمهم بحسن السلام وطلاقة الوجه ومزيد الاحترام. بعض الناس الذين يتصدرون للتدريس لا يهش وجهه ولا لا يبتسم إلا إذا وجد شريفاً أمامه من أصحاب الأموال أو التجار، تجده يبتسم معه ويأخذ معه أطراف الحديث، وإذا جاءه مريث الهيئة يتكلم معه بكل قسوة وغلظة وجفاء، لأنه نعم هذا العامي لن يفيدك كثيراً، هذا صاحب التجارة سيفيد ربما مال أو منصب أو جهة.
هذه هي النفوس المريضة، بل الإنسان يحترم الجميع حتى لو كان عامياً صاحب هيئة رثة ما في مشكلة، عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ أكثر من هذا الرجل التاجر أو صاحب المنصب أو صاحب الهيئة الذي تقبل عليه، أليس كذلك؟ تمام.
قال: ولا يكره القيام لأكابر أهل الإسلام على سبيل الإكرام. قضية القيام لمن يحضر إلى المجلس، وهذه قضية فقهية عامة، سواء كان هل العالم يقوم إذا حضر أصحاب المقامات العليا؟ وهل الإنسان إذا كان في مجلس محاضرة أناساً لا يجوز له القيام؟ آه، أصل الخلاف في هذه المسألة أنه ورد حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في سنن أبي داود وغيره، آه قال عليه الصلاة والسلام: من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار. من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً أنه يقوموا للناس فليتبوأ مقعده من النار. الآن الحديث خطير، والقضية فيها وعيد بالنار، نسأل الله السلامة والعافية.
لكن بالنظر إلى يعني فحوى الحديث ومضمونه والمقصد منه، نحن ندرك أن المراد الشخص الذي يحب في نفسه، يجد هذه النفسية الاستعلائية الكبر، يحب أنه إذا جاء الناس كلها تقوم له وترفع منه، وإذا جلس ما يجلس الناس حتى هو يجلس ويضلهم واقفين عنده. وهذه توجد كثيراً في السلاطين، أن يجلس السلطان على عرشه أو كرسيه ويتمثل له الجنود والناس قياماً، آه من كان إذا كان السلطان يحب هذا الأمر فهذا داخل ضمن هذا الوعيد: من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار.
وليس السلطان هو المحصور بهذا، لو كان إنسان من عوام الناس تجد بعض الناس نفسيات يحب إذا دخل المجلس الكل يقوم مباشرة ويسلمون الكل عليه ولا يجلسون حتى يجلس، ويشعر أنه إذا جلس رجل قبل أن يجلس هو أن هذا قلة احترام له. لا، من كان أيضاً هذا ديدنه وهذه مشاعره وهكذا يفكر، فهو داخل ضمن هذا الوعيد: من أحب أن يتمثل بالرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار.
لكن أين الاستثناء؟ الاستثناء أحبتي يقول العلماء: إذا كنت جالساً وجاء رجل، أقبل رجل من سفر أو ما رأيت من فترة فانت قمت له احتراماً وتعظيماً، فهذا لا إشكال فيه بشرط أن يكون ذاك الرجل مقبلاً لا يشعر في نفسه بالعزة والألفة، وأنكم ينبغي أن تقوموا لي، إذا كان عنده هذا الشعور لا تقم له، لكن إذا كان كما قلنا مما اعتاد عليه الناس من مظاهر الأدب والاحترام مع بعضهم من دون الشعور بالألفة والعزة وأنه يجب أن يقوموا، إذا كان مجرد تصرف احترامي تأدبي فقط من دون حب لهذه التصرفات بعضهم فهذا لا حرج فيه والله تعالى أعلم.
لذلك قال ابن جماعة: ولا يكره القيام لأكابر أهل الإسلام على سبيل الإكرام. يعني أيها العالم إذا كنت جالساً فدخل مجلسك رجل من كبار علماء الإسلام أو من كبار المصلحين أو من اصحاب السبق ممن لهم يد طولى في هذا المجتمع، فأنت أيها العالم قمت من مجلسك إظهاراً للاحترام والتوقير لهذا القادم، لا حرج عليك في ذلك.
طبعا بشرط كما قلنا أن يعلم أو يغلب على ظنه أصحاب العلم أن يغلب على ظنه أن ذاك الرجل ليس ممن ديدنه حب قيام الناس له. أما إذا كان هذا القادم ديدنه حب قيام الناس له وأن يوقروه وأن يجلس هو ثم يجلس الناس بعده فهذا لا ينبغي أن يقوم له العالم، حتى لا يعتاد هذا الرجل على هذا التصرف ونوع من الزجر له، فقال: ولا يكره القيام لأكابر أهل الإسلام على سبيل الإكرام وليس يعني على سبيل التعظيم لذواتهم أو ما ذلك، فهو مجرد إكرام لمقامهم في الاسلام لبذلهم الدعوي لإصلاحهم، فهو نوع من التأدب.
وقد ورد إكرام العلماء إكرام طلبة العلم في نصوص كثيرة. ألم يكن ابن عباس رحمة الله عليه يقود زمام دابة زيد بن ثابت ويقول: هكذا أمرنا أن نفعل بعلماءنا، يقول زمام دابته؟ فاحترام العلماء وتوقيرهم هذا أدب النصوص تتفق عليه، لا يوجد فيه نزاع. فكأن ابن جماعة يريد أن يقول ومن هذا الإكرام أنه إذا دخل العلماء إلى المجالس ودخل المصلحون وعليت الناس في الخلق والديانة إلى المدارس أن يقام لهم من سبيل احترام أو على سبيل الاحترام فقط وليس على سبيل التعظيم.
ثم قال: ويلتفت إلى الحاضرين إلتفاطاً قصداً. شو يعني قصداً؟ يعني معتدلة. يلتفت إلتفاطاً قصده ليس على مدة المحاضرة وجهه من اليمين إلى الشمال ومن الشمال إلى اليمين. لأ. هذا التفات ممجوج. يكون الالتفات معتدل، يعني كل خمس دقائق ست دقائق يعني يلتفت عن يمينه ثم يعود يتكلم مع من أمامهم، ثم يعود يلتفت بعد فترة إلى يساره، فيكون التفاته معتدلاً، وليس التفاتاً ممجوجاً يشعر الناس بالعبث وعدم الالتزام، دائماً يتحرك وجهه يميناً وشمالاً، ربما يكون فيه شيء من العبث. وفي الحقيقة الأمور يعني تقاس من يعني بحسب الشخص. يعني أنا أظن فيه بعض صعب أن تكون أمر عام. يعني بعض الشخصيات ربما التفاته آه الكثير سبيل لجذب الناس ويجدهم معه، فهذه الأمور فيها صعب، هذا النمط أظن فيه شيء من السعة.
قال: التفاطاً قصداً بحسب الحاجة. ويخص من يكلمه أو يسأله أو يبحث معه على وجهه عند ذلك بمزيد التفات إليه وإقبال عليه، وإن كان صغيراً أو وضيعاً، فإن ترك ذلك من أفعال المتجبرين والمتكبرين.
يعني إذا كان شخص يخاطب العالم في أثناء المجلس، فعدل عالم أن يخصه بمزيد إلتفات. أليس كذلك؟ شخص يخاطبني هل يعقل شخص يخاطبني وأنا أنظر إلى الاتجاه الآخر؟ هذا ليس من الأدب، فإذا خاطبك شخص تنظر إليه، حتى لو كان صغيراً، حتى لو كان وضيعاً، تنظر إليه. فإن الإعراض عن هؤلاء بسبب يعني أنهم من من أصاغر الناس أو أنهم ليسوا على درجة عالية في المجتمع، عدم الالتفات إليهم، عدم العبء بهم.
هذا كله من فعله كما قال لك المتجبرين المتكبرين، وهذه ليست من أخلاق العلماء العاملين. ثم بعد ذلك انتقل إلى الأدب الرابع، لاحظوا الآن بعد أن أعطانا كيف نجلس، كيف ننظر، من نقدم في المجلس، الدرس والمحاضرة لم تبدأ بعد، ما زال يرتب الأمور والهيئات والاماكن والأنظار والمدارس.
قال في الأدب الرابع: أن يققدم على الشروع في البحث والتدريس قراءة شيء من كتاب الله تعالى، يبتدأ المجلس بقراءة شيء من كتاب الله تعالى. قال: تبركاً وتيمناً وكما هو العادة، والظاهر أنها كانت العادة في عصر ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه.
طب يا شيخ، أليس هذا من البدع أن يبتدأ المجلس بشيء من القرآن؟ في الحقيقة أولاً أقول: أخرج الخطيب البغدادي رحمة الله عليه في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع وتابعه السمعاني في أدب الإملاء والاستملاء أثراً عن أبي نظرة وهو مالك بن المنذر، يقول فيه: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرأوا سورة.
هذا أثر ذكره الخطيب البغدادي في الجامع: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرأوا سورة. فأثناء مجلس العلم، مو كل رجل يبدأ أو يختم المجلس بقراءة سورة من القرآن، أنا أهار الأثر من الناحية الحديثية الإسنادية فيه راو مجهول، فيه رواة مجهولة وشيخ الخطيب البغدادي، وجهالة الراوي سبب من أسباب ضعف الحديث.
لكن سوى هذا الراوي المجهول رجال ثقات تجارة وثقال سوى راو مجهول، فإذا الضعف ليس شديداً، والحديث في فضائل الأعمال، والحديث في فضائل الأعمال التي لا يشدد فيها الكلام كما يشدد في الحلال والحرام، فلذلك لا ينبغي لطالب العلم أن يسارع إلى تبديع الأقوال التي يقولها العلماء، خاصة عندما تصدر من العلماء الكبار كابن جماعة ونحو من العلماء الذين هم على حرص شديد على الإسلام من أن تدخل إليه البدع والانحرافات وما شابه ذلك، فهو حريص جداً يا ابن جماعة على هذا الدين ونحن نحسن الظن به رحمة الله عليه.
وما قال هذا الأدب إلا من أصل استند عليه، سواء من تصرفات العلماء جيل بعد جيل ومن بعض الآثار التي هي في فضائل الأعمال فتقبل إذا لم يشتد ضعفها.
مثل هذا الأمر فليس هذا من البدع كما قد يظن البعض. قال: فإن كان ذلك في مدرسة شرط فيها ذلك، اتبع الشرط. ايش يعني ذلك؟ آه في زمن ابن جماعة أحبتي في الزمن القديم الجميل كان هناك كثير من الأفاضل من أصحاب رؤوس الأموال والتجار يقفون مدارس حتى يعلم فيها العلماء الطلبة، يقفون وقفا، هذه مدرسة يعلم فيها العلماء طلبة العلم، فيأتي المدرس إلى هذه المدرسة ويجتمع عنده الطلبة ويدرسهم.
الآن صاحب الوقف الإنسان الذي وقف، هذا التاجر الثري ربما يضع شروطاً لهذا الوقف، يضع شروطاً لهذا الوقف كما ذكر مثلاً شروط: أن لا ينام فيه، أو أن يصرف لكل طالب في هذا الوقف مائة دينار من كذا وكذا، يضع شروطاً، وناظر الوقف الإنسان المسؤول عن إدارة هذه المدرسة وهذا الوقف عليه أن ينفذ شروط الواقف التي لا تتعارض مع الشريعة، عليه أن ينفذها لزومها، عليه أن ينفذها إذا لم تتعارض مع الشريعة.
فهنا ابن جماعة يقول: إذا كان الإنسان هذا الواقف التاجر كان فقيهاً أو له اهتمام بالعلم، ربما كان وضع في شروط الوقف أن العالم الذي يريد أن يدرس عليه أن يبتدأ درسه بقراءة سورة من القرآن، وضع هذا الشرط، فحينئذ إذا جاء العالم ليدرس في الوقف قراءة السورة من القرآن أصبحت لزوماً عليه اتباعاً لشرط الوقف، عليه أن يقرأ السورة لزوماً الآن اتباعاً لشرط الواقف.
لذلك قال: فان كان ذلك في مدرسة يعني وقف مدرسي شرط فيها ذلك أي صاحب الوقف اشترط أن يقرأ القرآن في بداية المحاضرات، فعليه، على المدرس، على المعلم أن يلتزم بشروط الواقف ما دام أنها لا تتعارض مع الشرع.
ثم قال: بعد أن يقرأ القرآن، آه المحاضر يريد أن يبدأ الآن في الدرس، يبدأ بقراءة سورة من القرآن، قال: ويدعو عقب القراءة لنفسه وللحاضرين وسائر المسلمين. بعد أن يفرغ من القراءة أو يفرغ الطالب الذي يندبه إلى القراءة من القراءة، يدعو العالم لنفسه وللحاضرين خصوصاً، ثم سائر المسلمين، وبعد ذلك قال: ثم يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويسمي الله تعالى، ويحمده، ويصلي ها الاستعاذة بالله، التسمية، ثم يحمد الله، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه، ويترضى عن أئمة المسلمين ومشايخه، ويدعو لنفسه مرة أخرى.
يدعو لنفسه وللحاضرين ولوالديهم أجمعين، ويدعو أيضاً لمن؟ لواقف المدرسة الذي وقف المدرسة، يدعو له يذكر له الجميع جزاه الله خيراً. أين هؤلاء الذين يقفون الأوقاف لطلبة العلم اليوم؟ نحن نحتاج إليهم، طلبة العلم يفزعون إليهم أن يقفوا هذه الأوقاف؛ لأن الأمة تمر في ضنك، وطلاب العلم لا يجدون الأماكن التي تحويهم وتبذل لهم المال حتى يستمروا في أدائهم العلمي.
قضية الوقف على العلم الشرعي من أعظم الأمور التي ينبغي أن يتنبه إليها، للأسف أتت كثير من أصحاب الأموال والتجار دائماً إذا أرادوا أن يقفوا وقفا يقول: يا شيخ أريد أن أبني مسجداً. أخي الكريم في بلادنا هنا الحمد لله المساجد موجودة، ربما بعض المناطق تفتقر لكن بشكل عام المساجد موجودة تحتاج فقط إلى مصلين، تحتاج إلى من يصلي بها، لكن المشكلة أننا لا نجد أوقاف لطلبة العلم.
كثير من طلبة العلم أنا أعرفهم انقطعوا عن العلم بسبب قلة يد، اليد، وإن كانوا على درجة عالية وعلى تأهيل عالي، لديهم قريحة قوية، لكن افتقروا، ما عادوا يستطيعون طلب العلم ومشاغل الحياة وظروف الحياة تهد أحبتي في الحقيقة وتكسر ظهور كثير من طلبة العلم، فأنا أنْدُبُ أصحاب الأموال والثروات ممن لديه ذكاء ووفقه الله، هذا هو التوفيق.
إن الله أيها الثري لعمل لا يسبقك فيه أحد، عمل تأخذ به أجراً عظيماً؛ لأن الوقف إنما يعظم ثوابه وأجره إذا عظمت الحاجة إليه، أعيد، الوقف إنما يعظم ثوابه وأجره إذا عظمت الحاجة إليه، فمن وقف على مكان، على هيئة قل قاصدوها، فهذا رجل لأنه سد على الأمة ثغراً عظيماً قل من يلتفت إليه في هذا الزمان، إذاً انفقوا عن واقف مكانه إن كان ذلك في مدرسة أو نحوها من الأوقاف، قال: جزاء لحسن فعله، وتحصيلا لقصد.
لماذا تدعو للواقف؟ جزاء بهذا المعروف الذي قدمه لطلبة العلم. قال: وتحصيلاً لقصدِه؛ لأنه هو لما وقف هذا الوقف وأجره يريد أن كل واحد يدخل هذا الوقف، طب إيش يقصد؟ كل واحد يدخل هذا الوقف يدعوا له أن الله يجزاه الخير، فلان والله عمل وقف، وسمح لنا أن ندرس في هذا المكان ووفر لنا الشيوخ، فهذا قصد الواقف أن الناس تدعو له بالخير حتى ربنا سبحانه وتعالى يتجاوز عن الذنوب والخطايا.
قال: وكان بعضهم يؤخر ذكر نفسه في الدعاء عن الحاضرين تأدباً وتواضعاً، لكن الدعاء لنفسه قربة وبه إليه حاجة، أن تدعو لنفسك هذه قربة تتقرب بها إلى الله ولك حاجة في الدعاء، يعني ما في إنسان مستغن عن الدعاء، سواء في حدا فينا بيستغني عن؟ كلنا نحتاج لعفو الله ولصفحه ولستره. قال: وبه إليه حاجة والايثار بالقربة وما يحتاج إليه شرعاً خلاف طلوع. تكلم هنا عن مسألة: هل من الأدب أن تبدأ بنفسك بالدعاء ثم تدعو للآخرين، أو تبدأ بالآخرين ثم تدعو لنفسك؟ ما هو الأدب؟ ابن جماعة هنا يقدم أن الأدب أن تبدأ بنفسك ثم تدعو للآخرين.
طب ليش يا شيخ ما يبدأ بالآخرين ثم يدعو لنفسه؟ قال: لأن الدعاء قربة ولا ينبغي الإيثار في القرب، لا ينبغي الإيثار في القرب. بعض الناس أحبتي يفهم خلق الإيثار بشكل خاطئ، يظن أن الإيثار يكون في القربات، تؤثر شخصاً بقربة بطاعة، تقول: لا لا أنا ما بدي أفعله. وهذا وين يحدث؟ يحدث في المساجد كثير، يرى إخواننا في المساجد، يكون إنسان أمامه فرجة في الصف الأول فيبدأ يدعو صاحبه: اتفضل يا فلان، لا لا أنت تفضل. هذا لا يصلح، التقدم إلى الصف الأول هذه طاعة وأجرها وثوابها أكبر من الصلاة في الصف الثاني، فلا تؤثر غيرك في هذا المكان.
وجدت فرجة؛ أنت اقتحم ولا تؤثر غيرك، لا تبدأ، يعني يتعازم مع صديقه: من الذي يذهب؟ لا، أنت تفضل. الله وفلان تتفضل. لا، هذا خطأ، خطأ يقع فيه كثير من الناس.
لكن يستثني بعض أهل العلم آآ الوارد والعالم والأمراء، الأمراء من أهل الخير والصلاح. فإذا كان شخص مع أبيه، يقولون هنا أدباً برّاً بوالديه: يقدم الأب في هذا المكان أمامه. وهنا تعارضت هذه الطاعة، الصلاة في الصف الأول، طاعة إيش؟ بر الوالدين. فأيهما يقدم؟ أني أنا أتقدم عالصف الأول وأكسر خاطر الوالد؟ ولا أقدم الوالد إلى الصف الأول وأكسب طاعة رضا الوالدين؟ أها، هنا تعارض الطاعات جعلنا نقدم الطاعة الأرجح.
وكذلك مع العالم، توقير العالم عبادة، توقير العالم عبادة، وتوقير سلاطين الخير. سلاطين الخير توقير سلاطين الخير عبادة، لأنهم أنت تبجلهم ما من ناس، وتجعل لهم هيبة، فهذا من العبادة. فلذلك يُقدموا. ولكن من سواهم من الناس من الأصدقاء والأحباب، ما في داعي أنك آه آه تؤثرهم في هذه الأماكن، بل هذا فعل مكروه. وهذا ليس فقط في هذا الأمر، بل في كل الطاعات: يكره أن تؤثر في الطاعة. فإذا كنت تدعو، تبدأ بالدعاء لنفسك ولا تؤثر غيرك بالدعاء ابتداء. أدعو لنفسي، ثم أدعو لغيري، هكذا أصَّلَ ابن جماعة هذه الفكرة.
وهناك قضية أخرى، كثير من الناس يخطئ فيها في فهم الإيثار. هناك من يؤثر الناس بوقته، هذا الوقت أغلى ما نملك. بعض الناس يظن أنه من الأدب والاحترام أن يؤثر الناس بوقته؛ فأي شخص يريد أن يأتي يزوره في المنزل يفتح له الباب، أي إنسان يريد أن يأخذه في مجلس أو في نزهة يذهب معه، أي إنسان يريد يقول له: أريد أن أجلس معك، يجلس معه. تقول يا فلان، وقتك يضيع وبذل وقتك للعلم وإصلاح الناس؟ يقول: أنا أنا أحرج ولا أحب أن أكسر خاطر فلان، ولا أحب أن يقول فلان عني إني لم أجلس معه. فهو يضيع زمنه ويهدر زمنه ويؤثر به الناس، وهذا خطأ.
عليكم أن تفهموا الإيثار؛ إيثار الناس إنما هو بأمور الدنيا؛ تؤثرهم بالطعام، بالشراب، بالمال، بالمنصب، بأي شيء من هذه. قل: هذا هو الإيثار المحمود. وأما الإيثار المذموم فهو أن تؤثر الناس بالقربات والطاعات، أو تؤثر الناس بوقتك وعمرك الذي هو أغلى ما تملك، فهذا جهل في مفهوم الإيثار الصحيح من الإيثار المذموم.
قال ويؤيده قوله تعالى، يعني يؤيد هذه الفكرة أنه ينبغي للإنسان إذا دعا أن يبدأ بنفسه، وخطأ أن يبدأ بغيره على وجهة نظر ابن جماعة: أن الله سبحانه وتعالى إيش قال في كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا. فالعورنا أن نبدأ بأنفسنا أن نقيها النار، ثم نقي أبناءنا وزوجاتنا ومن حولنا من النار. كذلك فالانسان يبدأ بنفسه ثم يبدأ أو ثم ينتقل لغيره. وقال صلى الله عليه وسلم: ابدأ بنفسك ثم بمن تعول. وهذا طبعا الحديث في النفقات، يعني عندك النفقات تنفق أولا على نفسك، ثم تنفق على من تعول، من تنفق عليهم من زوجتك وأبنائك ووالديك. تمام؟ فأيضا في النفقة بدأ بالنفس.
فهذه الآيات وهذه الأحاديث تدل على هذا الأصل، أن الإنسان عليه أن يستنقذ نفسه ثم ينتقل إلى غيره. فاستدل ابن جماعة بهذه الآثار وبهذه الآيات على أن الأصل في الدعاء أن لسان الدعاء لنفسه، لذلك قال: وهذا الحديث حديث ابدأ بنفسك، وإن ورد في الإنفاق أي في باب النفقات، فالمحققون أي من العلماء في أمور الآخرة وبالجملة فالكل حسن. الآن كأن ابن جماعة بعد الفراغ من التأصيل وبين وجهة نظره أنه الأصل أن تقدم نفسك بالدعاء، قال: لا، وطيب آخرت نفسي وقدمت غيري، لست مبتدئاً، لست آثماً، لم تفعل شيئاً عظيماً. قال: الكل حسن في النهاية، وقد بالاول قوم وبالثاني آخرون، فقد عمل بالاول قوم وبالثاني آخرون.
لكن الذي يؤكد فكرة ابن جماعة الأولى التي أصلها، وهي قضية أن الإيثار لا يكون بامور الآخرة، ما ذكره النووي في شرحه على مسلم حين قال: أجمع العلماء على فضيلة الإيثار بالطعام ونحوه من أمور الدنيا وحظوظ النفس. أما القربات فالأفضل ألا يؤثر بها، لأن الحق فيها لله تعالى. إذاً ابن النووي ينقل الإجماع، إجماع العلماء على فضيلة الإيثار بالطعام ونحوه، وأما القربات فالأفضل، الأفضل يعني لو خالف هو خالف الأفضل، لكن الأفضل أن لا يؤثر بها لأن الحق فيها لله عز وجل، وأنت لا تؤثر في نصيبك من ربك.
الأدب الخامس قال: إذا تعددت الدروس، هذا المحاضر هذا المدرس يدرس في عدة فنون، يدرس في عدة فنون من علوم الشريعة، فبماذا يبدأ؟ قال: إذا تعددت الدروس قدم الأشرف فالأشرف، والأهم فالأهم، قدم الأشرف فالأشرف والأهم فالأهم. وأنا في الحقيقة مع مع الثاني، يعني قضية الأهم فالأهم بركز عليها أكثر: أن يقدم الأهم فالأهم، إيش حاجة الطالب في هذه المرحلة؟ تبدأ معه به. ثم إذا فرغ منها تنتقل معه إلى المرحلة الثانية، ثم إلى الثالثة فالرابعة. فالاهم لهذا الطالب هو الذي يبدأ به، الأهم لهذا الطالب هو الذي يبدأ به. وكذلك تراعي خطابك، أنا أخاطب طلبة علم ولا أخاطب عوام؟ فخطابك للعوام يختلف عن خطابك لطلبة العلم.
العوام الأهم لديهم يختلف عن الأهم بالنسبة لطلبة العلم، فإن العالم ينبغي أن يوازن في الطرح الذي يطرحه في الدروس التي يقدمها. فإذا كان مع طلبة علم، يعني طالب العلم الأصل أنه حصل ما يصحح به عقيدته جملة، وما يصحح به عبادته وعلاقته مع ربه. الآن هو يريد أن يطلب العلم هذا الطالب، فالمهم الآن له أن يبدأ بعلوم الوسائل، وأول علوم الوسائل: يبدأ بالنحو واللغة، يقوم اللسان ويصحح اللسان، لأن اللغة هي وسيلة لفهم الشريعة. فيبدأ معه بشيء من العلوم اللغوية، وشيء من العلوم العقلية يشعل ذهنه ويقويه، ثم بعد ذلك ينتقل معه في بناء علوم الوسائل، وينتقل معه بعد ذلك إلى علوم المقاصد. فهذا هو الأهم فالأهم في الحقيقة، أنا مع هذه نظرا للبناء الهرمي الصحيح حتى ينشأ طالب علم مكتمل الجوانب.
وأما مع العوام، فالعامي لا يصلح أن تبدأ معه بالآجرومية ولا بالسلم المنور في علم المنطق، ولا بكتب الفلسفة. العامي يحتاج إلى موعظة، وإلى كلام عام يصحح به عقيدته، تعلمه فقه الصلاة وفقه الطهارة وفقه الصيام والزكاة والحج، هذه الأمور هي التي يعني تهمه وهي التي ينبغي أن تطرح عليه. فخطاب العوام يختلف عن خطاب طلبة العلم، وما يصلح للعوام وما يهمهم يختلف عما ينبغي أن يقدم لطلبة العلم. فهذا هو الكلام العام الذي يقال في هذا المكان. فطلبة العلم يبدأ معهم بعلوم الوسائل.
وعلى طالب علم أن يتخير شيخاً متقناً يرتب له العلوم: كيف ينتقل من خطوة إلى خطوة إلى خطوة إلى خطوة؟ هذه الخطوات الواضحة الراسخة هي التي تنشئ عالماً، وأما الخطوات المبعثرة التائهة الحائرة فلا تصنع شيئاً. كثير من طلبة العلم هو لا يعرف أين يذهب؛ اليوم سمع أنَّ شيخاً يريد أن يعقد دورة في مجلس كذا وكذا في المسجد الفلاني، يذهب يحضر، هو لا يعرف هل هذه الدورة تتناسب مع هل هي في سلمه الدراسي؟ هل هو وصل إليها؟ المهم أنه يريد أن يحضر هذه الدورة، ثم ينتقل إلى دورة أخرى، سمع أن هناك دورة في مجلس أو لشيخ في مجلس آخر، طب هل هذه الدورة تتناسب مع الدورة؟ هي نوع من التشتت، تشتت وحيرة يعيش هذا الطالب من هنا إلى هنا، وهذا لا يصنع طالب علم. طالب علم عليه أن يذهب إلى شيخ متقن يرتب له الخطوات، يهندسها هندسة، هذا مع هذا، وهذا فوق هذا، إلى أن يصنع الطالب المتمكن.
وأما هنا ابن جماعة تكلم بكلام عام، ذكر إيش يقدم؟ قال: فيقدم تفسير القرآن، هذه وجهة نظر ابن جماعة أن يقدم تفسير القرآن، قال: ثم علم الحديث، ثم أصول الدين علم الاعتقاد. وربما يخالف البعض، قد يقول البعض: الأصل أن يقدم أصول الدين اللي هو علم الاعتقاد، ثم بعد ذلك تفسير القرآن ثم الحديث، وقد أكون يعني قد أقول إن هذا قد يكون أقرب.
أن يقدم أصول الدين العقيدة تصحح عقائد الناس، ثم تتكلم في تفسير القرآن، ثم تتكلم في تفسير الحديث، هكذا قد يكون أقوم والله تعالى أعلم، وكل له وجهته. قال: ثم أصول الفقه، ثم المذهب، لاحظوا ايش قال؟ ثم ايش؟ المذهب. يعني ما في طالب علم يبدأ دراسة ما يسمى اليوم فقه الدليل، هذا لا يوجد هذا عبث، هذا عبث قولا واحدا لا أجامل في هذا أن يبدأ طالب العلم اليوم بما يسمى بفقه الدليل. ويبدأ يأخذ المسائل الفقهية من الأدلة مباشرة.
أي أدلة مباشرة أخي الكريم، أنت ما زلت مبتدئاً؟ أنت لا تعرف طرق الاستنباط ولا المناهج، فهذا من العبث أن يبدأ طالب العلم اليوم يقول أنا أريد أخذ فقه الدليل ويبدأ يرجح برأيه وبرأي شيخه. أنا أصلاً لا أتصور أن طالباً يدرس فقه الدليل مباشرة. أنا لا أتصور ذلك، كثير من طلبة العلم اليوم يقول أنا لا أريد التمذهب، أنا أريد أن أدرس على فقه الدليل على الراجح، فأقول له: الراجح في وجهة نظر من؟
هل أنت يا طالب العلم المبتدئ ستجيبني ما هو الراجح؟ هل لك قدرة أن توازن بين رأي الشافعي ورأي أحمد ورأي مالك وتبدأ تناطح الكبار؟ أنت ما زلت لا تملك أساسيات التفكير العلمي، هذا غير مقبول عقلاً. فقال: لا، أنا أسمع للشيخ وشيخي يقول الراجح، إذاً أنت تدرس مذهباً، لكنك تدرس مذهب شيخك، وأيهما أولى: أن تدرس مذهب شيخك المعاصر الذي أنا أجزم أنه لم يرتق إلى مرتبة الأئمة الأربعة وأصحاب المذاهب المتبوعة، وهذه المذاهب تنقحت عبر مئات السنوات؟ أم الله أتبع المذاهب المتبوعة إن أنت اخترت؟
ففي الحقيقة بعض طلبة العلم مشكلته مع التمذهب مشكلة نفسية وليست مشكلة علمية، مشكلة كثير من طلبة العلم مع التمذهب هي مشكلة نفسية. يعني هو لا يريد أن يتمذهب لأنه يظن أنه إذا تمذهب معناها أنه يأخذ بأقوال فاسدة، أقوال لا يوجد عليها دليل، أقوال هباء، وهذا لا يصح أحبتي، أنت عندما تدرس المذهب، المذهب أو التمذهب وسيلة، التمذهب وسيلة وليس غاية. ادرس مذهباً، استفرغ طاقتك في فهمه.
ادرس منهجيته، طريقته، تعلم هذه المدرسة، إذا ضبطت انتقل لمذهب آخر ما عندنا مشكلة، ثم انتقل إلى ثالث ورابع، وإذا يسر الله أن تصبح مجتهداً من المجتهدين فلا حرج في أن ترجح بين المذاهب حينئذ. أما في بداية طريقك العلمي تقول أريد أن أخذ فقه الدليل، أريد أن أرجح، هذا عيب وهذه قلة أدب مع العلماء. تقول أريد أن أرجح، أي ترجيح من طالب علم مبتدئ! الترجيح لا يقوى عليه إلا العلماء الجهابذة، بل كثير من العلماء الأقدمين من علماء المذاهب كانوا يقولون نحن لسنا أهل للترجيح بعد، وهو عالم!
وهو عار يعني من ظننا عالم يقول أنا لست أهلاً للترجيح، كطالب علم مبتدئ اليوم لا يتقن اللغة، ولا يعرف البلاغة، ولا يعرف أساليب العرب في خطابها، ولا يتقن أصول الفقه، يبدأ يقول لي والله أنا أريد يا شيخ أن أدرس فقه الدليل! أخي الكريم هذا عبث، تعلم مذهباً، والتمذهب وسيلة، لأن البعض يخشى يقول لك شيخ ده مذهب، انظر ماذا أدى عبر الزمن إلى تعصب. اخي إذا كان التمذهب أدى إلى تعصب، فترك التمذهب أدى إلى شذوذ.
إذا كان التمذهب أدى إلى تعصب فترك التمذهب أخرج لنا الفتاوى الشاذة اليوم غير المنضبطة، لأن أصبح كثير من الناس يقول أنا لا أتعصب، لماذا؟ أنا آخذ الراجح، فيرجح بعقله وهواه وهو لا يملك أدوات الترجيح، فتصدر لنا فتاوى شاذة على الإذاعات وعلى التلفاز. كل إنسان يصبح يتكلم بهواه، ويستدل بما يشاء، ويرجح بما يشاء، إذا كان التمذهب أدى إلى التعصب فترك التمذهب أدى إلى الشذوذ.
وأذكر أن مشايخي، أحد المشايخ أذكرهم بالخير الشيخ أبو انس السوداني رحمة الله عليه قال لي في مجالس الحرم النبوي عندما كنا نقرأ عليه قال: إن الدعوة إلى ترك التمذهب دعوة لهدم الدين، إن الدعوة بترك التمذهب إنما هي دعوة لهدم الدين وهدم أصول الشريعة، وأنا أوافقه على رأيه مئة بالمئة. الدعوة إلى ترك التمذهب وأن يبدأ الإنسان طالب علم -يعني أنا في الحقيقة أتعجب بعض طلبة الجامعات اليوم تجد في مرحلة الماجستير يظن نفسه مؤهلاً للترجيح ويقول والله أنا أنظر في رأي الشافعي ورأي أحمد ورأي مالك وارجح فيما هو صائم بينها- أخي الكريم كلمة ترجيح عليك أن تعرف حرمتها، عليك أن تدرك قيمتها، لا تخرج هذه الكلمة ولا يتفوه بها إلا العالم الحرير، العالم الذي يدرك مصادر التشريع ويضبطها تماماً ويضبط اللغة وعنده ملكات متينة يفهم أساليب العرب ندرك مقاصد الشريعة والعلل وطرق بناء الأحكام، هذا الذي له الحق في أن يتكلم بكلمة الترجيح.
أما أنت يا طالب الماجستير بل الدكتوراه وأنت لست متقناً لفنون اللغة العربية ولا لمقاصد الإتقان أتكلم عن الإتقان، فيحرم عليك أن ترجح لأنك تتبع هواك. حتى لو قلت والله أنا فتحت صحيح البخاري وفتحت صحيح مسلم فوجدت الدليل يخالف المذهب، انتظر لا يوجد مذهب من المذاهب المتبوعة المعتبرة يأتي بقول هوائي لا يوجد عليه دليل، أي مذهب من المذاهب أحبتي أقوالهم تقوم على دليل، منها ما هو دليل صحيح ومنها ما هو دليل ضعيف، والذي يعرف الصحيح من الضعيف هو العالم يدرس المذهب الشافعي في هذه المسألة يجمع رأيهم يأخذ مذهب الحنابلة يجمع رأيهم يأخذ مذهب الحنفية المالكية يأخذ مع رأيهم بعد أن يجمع كل الأدلة التي استدلوا بها.
لا تظن المذاهب تبني أدلتها هكذا بهوائية، مجرد حديث وجده عالم فجعله دليلاً على مسألته، هذا فكر صغير لا يليق بقدر العلماء، من يفكر بهذه المنهجية أظن أنه بعيد بعيد عن تصور المذاهب والمناهج الفكرية التي أسسها الأئمة الأربعة ثم رعاها تلاميذهم وتلاميذ تلاميذهم من بعدهم حتى هذا اليوم. هذه المذاهب أسست على طرق تفكير قويمة معدلة للنظر في مصادر التشريع، فأثمرت لنا فقهاً مدوناً بدقة كله مبني على دليل، كله مبني على دليل وهذا الظن بالعلماء، ومن ظن أن عالماً يقول قولا بلا دليل فقد أساء الظن بعلمائنا، فعليك يا طالب العلم أن تتمذهب.
هوى من جماعة يقول لك ثم المذهب تدرس مذهباً، وأعيد وأركز التمذهب وسيلة وليس غاية، لكن اليوم أحبتي نبتت نابتة تدعو إلى التمذهب وتحث طلبة العلم عليه وليس مقصدهم التمذهب، وإنما مقصدهم إحياء مذاهب من مذاهب المتأخرين من ارباب المذاهب الذين ربما دخل على عقيدتهم أو شاب عقيدتهم شيء من المسالك العقدية المخالفة لما عليه السلف رحمة الله تعالى عليهم اليوم.
تخرج دعوات أخرى تدعو إلى التمذهب لكن ليس قصدها التمذهب، هي ليست حريصة على المذاهب الفقهية بحد ذاتها، ليس حريصة على عدم الشذوذ، وإنما دعواها للتمذهب هو إحياء لطرق المتأخرين من المذاهب، متأخري الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة، كثير من المتأخرين شاب عقائدهم شيء من الانحرافات العقدية في الأسماء والصفات وفي الإيمان وفي القضايا التوسل والاستغاثة وما شابه ذلك، متأثرين الانحراف العقدي الذي وقع في تاريخ الأمة كثيرا ما يكونون مبتعدين عن منهج الصحابة ومنهج التابعين وتابعي التابعين، وهذا طبعا ليس في كل المتأخرين من المذاهب، لكن طائفة جيدة منهم، طائفة جيدة من متأخري المذاهب كان عندهم في عقيدتهم شيء من الانحراف ابتلوا به.
فكثير من اليوم دعوات السباحة تدعو إلى إحياء التمذهب هي لا تريد التمذهب حرصاً على الأمة، بل هي تريد التمذهب بغطاء يغطون به إيصال الطلبة إلى عقائد هؤلاء المتأخرين الذين زاغوا عن منهج الصحابة والتابعين وتابعيهم في مسائل الاعتقاد، لذلك أنا أنبه الطلبة حتى يكونوا على ذكاء وعلى تيقظ ولا يسمعوا الحجج الخطابية والشعرية التي يأتي بها أو تأتي بها هذه الزمرة تقول نحن نريد التمذهب وإحياء المذاهب ورفع شعارها، والله لا يريدون ذلك، وإنما يريدون أمراً آخر، والله سبحانه وتعالى أعلم بما يفعلون.
قال: ثم المذهب، ثم الخلاف أو النحو أو الجدل، بعد المذهب قال يدرس الخلاف، كان يدرس شيئاً من كتب الخلاف وشيء من كتب النحو أو الجدل، وهذا الخلاف أو النحو.
والجدل وضعها على التخيير. وكان بعض العلماء الزهاد يختم الدروس بدرس رقائق يفيد به الحاضرين تطهير الباطن ونحو ذلك من عظة ورقة وزهد وصبر. يعني بعد أن تخلص من الدرس وتنتهي اجعل في ختام الدرس شيء من المواعظ الترقيقية تغير فيه النفوس.
تماسحهم وتداعبهم بشكل لطيف حتى يروع النفوس الطلبة والحاضرين. قال فإن كان في مدرسة ولواقفها في الدرس أو في الدروس شرط اتبعه. وهذا قبل قليل اتباع شروط الواقفين ولا يغلوا بما هو أهم مما بنيت له تلك البنية ووقفت لأجله. يعني إذا إنسان لتدريس الفقه والعقيدة ليس لك أن تدرس فيها النحو والمنطق إذا إنسان لا قال هذه وقف لكل العلوم ندرس فيها أي علوم تخدم الشريعة يدرس فيها ما تشاء.
لكن إذا واقف قال أنا أقيم فقط لتدريس العقيدة أو التفسير أو لتدريس التجويد والقراءة. فهنا يجب أن يتبع شرط الواقف لأنه هو صاحب المدرسة الذي أوقفها. قال ويسر في درسه ما ينبغي وصله ويقف في مواضع الوقف ومنقطع الكلام. يعني باثناء الدرس إذا كنت تقرأ سطر لا تقف في منتصف الجملة وتقطع ذهن الطالب لا.
أيها العالم إذا قرأت اقرأ الجملة كاملة صلها حتى تتضح الفكرة لدى الطالب. بعض الناس لا يحسن القراءة في قطع الجملة من منتصفها. فتصل الفكرة إلى السامع خطأ. فيكون ويصل في درسه ما ينبغي وصله من الكلام ويقف في مواضع الوقف لأن هذا موضع وقف إذا أكملت ربما يسبب خلل أيضا تقف في أماكن الوقف.
ومنقطع الكلام قال ولا يذكر شبهة في الدين في درس اه ويؤخر الجواب عنها إلى درس آخر. بل يذكرهما جميعا أو يدعهما جميعا. ولا يتقيد في ذلك بمصنف يلزم منه تأخير جواب عنها لما فيه من المفسدة. لا سيما إذا كان الدرس يجمع الخواص والعوام. وهذه منهجية رائعة جدا يشير إليها ابن جماعة الآن.
منهجية هي جدا رائعة. هي قضية أن العالم إذا تكلم في أمر قد يثير شبهة في الدين خاصة في مسائل الاعتقاد أو مسائل اه مثلا بعض مسائل فقه الأحاديث أو ما شابه ذلك. بعض المواطن فيها اشتباه.
فإذا انطرح العالم شبهة في المجلس ليس له أن ينهي المجلس ويجيب عنها في المحاضرة اللاحقة أبدا إذا طرحت شبهة إما أن تطرح الشبهة وتجيب عنها حتى يفهم الجميع الجواب وإما أن لا تطرح الشبهة ابتداء وتؤجل الشبهة والجواب إلى مجلس آخر.
أما أن تطرح شبهة وتترك الجواب عنها إلى مجلس آخر خطأ لأنه قد يغيب عن المجلس الآخر بعض الطلبة فتبقى الشبهة هي عفوا الموجودة في ذهنهم ولا يجدون لها جوابا. فقد تكون أيها العالم سبب في زعزعة عقيدة الطالب وأنت لا تشعر بسبب هذا التصرف الخاطئ منك.
فابن جماعة يدلنا على قضية منهجية مهمة أن العالم إذا طرح شبهة في مجلس عليه أن يكمل جوابها ويوضحها خشية أن يغيب بعض طلبة في المحاضرات اللاحقة خاصة كما قال لكم إذا كان المجلس ليس خاصا بطلبة العلم بل يجمع عوام الناس.
فالعامي إذا طرحت له شبهة يعني هو يلا يلا ماسك دينه. تطرح له شبهة وتتركه في حيرة من أمره لا ينبغي. فتطرح الشبهة وتجيب أو تترك الأمر ابتداء. فوجد أن أختم الآن قال وينبغي ألا يطيل الدرس تطويلا يمل. أنا أطلب هاي المنهجية. ينبغي ألا يطيل الدرس تطويلا يمل ولا يقصر.
أنا في منهجية أخرى إذا ولا يقصر تقصيرا يخل. برضه هذا التقصير الزائد قد يخل بالفوائد. ويراعي في ذلك مصلحة في الفائدة والتطويل ولا يبحث في مقام أو يتكلم على فائدة إلا في موضع ذلك فلا يقدمه عليه ولا يؤخره عنه إلا لمصلحة تقتضي ذاتك وترجحه.
وهذه أيضا أمر اه مهم جدا. القضية الأخيرة التي ختم بها. انك إذا هذه مهارة من مهارات التدريس أنبه عليه إخواني الطلبة. إذا كنت تدرس في مادة اه أو علم من العلوم اه فلا تدخل المعلومات بعضها على بعض عند الطالب بل عليك يا أيها المعلم أيها المتصدر أن ترتب المعلومة على شكل هرمي صحيح يصل للطالب رويدا رويدا.
لماذا؟ لأن تشويش على الطالب اه التشويش على الطالب قبل اكتمال الفكرة لديه يسبب خلطة. فمثلا أنت الآن في بداية كلامك في أصول الفقه لا ينبغي أن تستجر مسائل دقيقة في القياس وتبدأ تتكلم عن قياس العلة وقياس الدلالة وقياس الشبه وأنواع مسالك العلة والقوادح.
ولسه الطالب عم بتعلم إيش هي مصادر التشريع ابتداء. كتاب سنة إجماع قياس. الانتقال إلى مسائل متقدمة لم يحن وقتها بعد واستجرارها في وقت مبكر سبب في إحداث خلط لدى ذهن الطالب.
فعلى المدرس الماهر الذكي أن يعرف متى يأتي بالمعلومة. فلا يقدمها ولا يؤخرها أيضا. يعني ينبغي أن تكون ذكيا في استحضار المعلومة وإيصالها للطالب. لا تؤخرها عن وقتها المناسب ينبغي أن تذكر في وقته.
ولا تقدمها أيضا أذكرها في الوقت الصحيح. لذلك قال ولا يبحث في مقام أو يتكلم على فائدة إلا في موضع ذلك. في المكان المناسب لطرحها فلا يقدمه عليه ولا يؤخره عنه. الآن إلا لمصلحة.
ربما بعض المصالح تقتضي أن تؤخر مع أن تقدم معلومة مثلا لم يأتي وقتها بعد لأن هذا المقام يقتضي أن تذكر حتى يتجلى بعض الجوانب فيه. اقتضى ذكر معلومة لم يحن وقتها بعد. وإلا فالأصل العام ألا تذكر إلا في موطنها المناسب.
فتعلموا هذه المهارات التي ينبهكم عليها ابن جماعة وهذا نهاية المجلس. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل