تسجيل الدخول

شرح تذكرة السامع والمتكلم (١١)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا طالباً للعلم يرجو نفعه، اسمع نصيحة ناصح معوانِ. لربك في أمورك كلها، فالمخلصون هم أولو العرفان. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده بشرح كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم للإمام ابن جماعة الكناني الشافعي رحمة الله تعالى عليه. وقد وصل بنا المسير أحبتي مع ابن جماعة في هذا الكتاب إلى الفصل الثاني، الذي يتحدث فيه ابن جماعة عن أدب العالم في درسه. ما هي الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها العالم منذ عزمه على الذهاب إلى المحاضرة أو إلى الدرس، ثم في طريقه إليها، ثم في مجلسه، ثم كيف يخاطب تلاميذه، ثم كيف تكون نبرة صوته، ثم كيف يؤدب طلابه؟

سعى ابن جماعة لرسم هذه الآداب بالتفصيل الدقيق، ليرسم لنا معالم الجيل الصالح من الأئمة الكبار الجهابدة، الذين ربوا تلاميذهم على تلك الآداب، وأنشأوا علومهم على تلك الأخلاق، فكانوا قدوة حسنة للأجيال اللاحقة من هذه الأمة. في المحاضرة السابقة أحبتي رأينا كيف تحدث ابن جماعة عن العالم حينما يعزم وهو في منزله على الذهاب إلى المحاضرة أو إلى الدرس، كيف ينوي ويستحضر، وكيف يصلي ركعتي الاستخارة، وكيف يتنظف ويتطيب ويجمل نفسه.

ثم عند ذهابه للدرس، استغلوا وقت الذهاب في الذكر لله سبحانه وتعالى وأن يسأله التوفيق والسداد. ثم إذا حضر، كيف يصلي ركعتين إلى التلاميذ، وكيف يجلس بسكينة ووقار، وكيف يرتب الناس في مجالسهم. ذكرنا ثلة من تلك الآداب. واليوم نكمل الرحلة مع ابن جماعة في هذه الأخلاقيات والآداب التي ينبغي أن يحرص عليها العالم.

وعليكم أحبتي أن تنظروا في هذه الآداب بكل حرص، وأن تسعوا إلى التمثل بها في حياتكم العلمية. نحن لا نقرأ مثل هذه الأمور التي سطرها علماؤنا الأكابر من أجل الفكري أو العلمي أو لأجل التفقه أو التندر أو أن نستفيد فوائد عامة. نحن ندرس هذه الآداب حتى نسعى لتطبيقها في حياتنا، لنعيد لهذا العلم حرمته، ونعيد له ماء الوجه الذي أذهبه كثير ممن يتصدرون للعلم اليوم بسبب سوء أدبهم وعدم تلقيهم الأدب قبل العلم.

قد يكون الإنسان عنده حصيلة معرفية، ولكنه حينما نشأ في طلب العلم وسلك هذا الدرب لم يوفق إلى معلم وإلى مرب وإلى مؤدب يعلمه ويربيه، ويبين له أن الأدب ينبغي أن يكون قبل العلم. لم يوفق إلى أن يقرأ المصنفات الأدبية التي سطرها علماؤنا في الأخلاقيات والمسلكيات التي ينبغي أن يتحلى بها العالم الرباني. ربما ظن أن ذاك من الترف أو من فضول الكلام، وأن عليه أن ينشغل بتحصيل المعلومات في أبواب العلوم الشرعية الدقيقة، ووضع هذه الآداب على هامش الحياة.

فنتجت لنا تلك النماذج المشوهة من المتصدرين ومن الأكاديميين والمحاضرين، الذين قد نجد عندهم شيئاً من العلم، ولكننا نفقد كثيراً من الأدب. فهذه فرصة لكم أحبتي، فرصة أنكم تقفون على هذا الكتاب لتتعلموا الآداب والأخلاقيات والمسلكيات قبل أن يتقدم بكم العمر فيصبح تعلمها كبيراً على النفس. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يؤدبنا وأن يعلمنا ويربينا، وأن يهيئ لنا سبل التوفيق حتى نتحلى بهذه الآداب والمسلكيات قبل أن يذهب بنا الزمان بعيداً عنها.

وصلنا أحبتي مع ابن جماعة إلى الأدب السادس حين قال: السادس ألا يرفع صوته زائداً على قدر الحاجة، ولا يخفضه خفضا لا يحصل معه كمال الفائدة. إذن لاحظوا إلى هذه الدرجة ابن جماعة يتكلم في أدبيات العالم، إلى درجة نبرة الصوت التي ينبغي أن يتحلى بها. فيقول ينبغي ألا يرفع صوتاً زائداً على قدر الحاجة، لا يكون بصراخ، وفي المقابل أيضاً لا يخفضه خفضا لا يحصل معه كمال الفائدة، خاصة لمن بعد في مجلسه.

الآن من حوله قد يسمع، لكن حينما يكون الصوت منخفضاً من يجلس في آخر المجلس يفوته كثير من العلم بسبب انخفاض الصوت. فباختصار العالم صوته معتدل. وفي الحقيقة يعجبني في المدرس أو المحاضر أو العالم في أثناء المحاضرة أن يتلاعب بنبرة صوته شيئاً، أن يتلاعب بنبرة الصوت، لأن التلاعب بنبرة الصوت سبب في جلب انتباه السامع وإيقاظ النائم.

بعض الطلبة إذا بقي حاضراً من البداية إلى النهاية على نبرة صوت واحدة ينام، يمل، يصيبه شيء من الفتور. لكن المحاضر حينما يرفع صوته ثم يخفضه ثم يرفع في الوقت المناسب هو يشد انتباه الطالب كلما ذهب به عينه يميناً وشمالاً. فأظن من المهارات، وهذه فقط على الهامش يعني، من المهارات التي ينبغي أن يتحلى بها المحاضر هي قضية كيف يرفع صوته ليجلب الانتباه ثم يعود إلى الوضع الطبيعي، ثم يخفض، ثم يرفع، حتى يكون هناك أجواء من الانجذاب.

طالب يستطيع هذا المدرس أن يحصل قدر الإمكان أكبر كمية من التركيز خلال المحاضرة لطلبته. ثم ذكر الخطيب البغدادي أثراً ليدلل على هذا الأدب الذي ذكره. روى الخطيب في كتابه الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع -وهذا الكتاب أحث عليه أحبتي من طلبة العلم يعني بعد الفراغ من دراسة تذكرة السامع والمتكلم أححثكم على قراءة الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، ولكن احرصوا أن تكون النسخة التي تقتنونها محققة تحقيقاً جيداً.

لأن هناك نسخ تجدونها غير محققة لهذا الكتاب، وهذا الكتاب فيه الأحاديث الضعيفة وأحياناً تكون مرذولة جداً، وقد يتساهل العلماء أحياناً في إيرادها في باب الأدب والأخلاق، لكن ينبغي لطالب العلم أن يكون على دراية بها، فعليكم أن تقتنوا هذا الكتاب لما فيه إن شاء الله من النفع العميم. روى الخطيب في كتابه الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله يحب الصوت الخفيض ويبغض الصوت الرفيع.

إن الله يحب الصوت الخفيض. طبعا المراد بالخفيض هنا يعني المعتدل الذي لا يزيد على قدر الحاجة، لا يكون صراخاً. طبعا هذا الحديث في الحقيقة أحبتي، حديث حكم عليه طائفة من أهل العلم بأنه موضوع: إن الله يحب الصوت الخفيض ويبغض الصوت الرفيع، هذا الحديث حكم عليه طائفة من أهل العلم بأنه موضوع. وهو ضعيف جداً، يعني حتى ولو لم يصل إلى درجة الوضع، هو ضعيف جداً فلا ينبغي الاستدلال به في الحقيقة.

ولكن هناك أخلاقيات وادبيات تدل عليها النصوص الشرعية العامة، يعني نحن لسنا محتاجين لهذا الحديث بحد ذاته لنؤكد على هذا الأدب. فالله سبحانه وتعالى حينما قال لنبيه: وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا، قد تشير هذه الآية، قد تشير -بغض النظر عن سبب نزولها- لكن أقول قد تشير إلى شيء من هذا الأدب، وأن الإنسان يكون معتدلاً في نبرة صوته ولا يكون دائماً صخاباً.

والنبي صلى الله عليه وسلم عندما رأى أصحابه علو شرفاً في سفر من الأسفار فرفعوا أصواتهم في الدعاء فقال: ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا أَبْكَمَ. فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أن دائماً الصوت المعتدل هو أفضل الأصوات، من خلالها تصل الأفكار إلى الآخرين من دون إزعاج، بدون شعور بشيء من الصخب.

وكذلك الإنسان عندما يكون صوته معتدلاً، تظهر الألفاظ منه بشكل أوضح وأبلغ، وتصل إلى السامع وتركن في قلبه وتستقر فيه على وجه أكمل، ألا وكان الصوت صخاباً منزعجاً منه، فهذا قد يؤدي إلى فوائد كثير من المعلومات والفوائد فيما لا حاجة له. قال أبو عثمان محمد بن الشافعي -محمد بن الشافعي هذا ابن الإمام الشافعي رحمة الله عليه- يقول: ما سمعت أبي يناظر أحداً قط فرفع صوته. ويتكلم عن موطن المجادلة بحد ذاتها، لأن مقام المجادلة والمناظرة هو مظنة ارتفاع الأصوات، أن الإنسان يريد أن يبيّن استعلاءه على الخصم. فكثير من أصحاب الحجج الضعيفة يستخدمون أسلوب رفع الصوت ليثبت أن رأيه هو الصحيح.

وفي الحقيقة ارتفاع الصوت لا يدلل على قوة الرأي، بل بالمقابل يدل على ضعف صاحبه. لأنك لو كنت صاحب حجة، لما احتجت إلى صخب ورفع الأصوات على الخصوم من أجل أن تثبت رأيك. رأيك إذا كان صواباً يثبت بالحجج، فإن سلطان الحجج أقوى بكثير من سلطان الصوت.

والحجة الواضحة البينة التي يقررها صاحبها أمام الناس، إذا كانت صحيحة، يكتب لها القبول بإذن الله، ويظهر بها الانتصار، ويظهر بها الحق. وفي النهاية، المراد بالجدال أحبتي لو أذن به، إنما المراد بالجدال هو إظهار الحق وليس الانتصار للنفس. فأنت إذا كنت تبحث عن إظهار الحق لله سبحانه وتعالى، فلست بحاجة إلى رفع الصوت والصراخ على خصومك ومخالفك.

لذلك ابن الإام الشافعي ينص لنا أن الإمام الشافعي في مناظراته الكثيرة التي تنقلها لنا الكتب، لم يكن يرفع صوته على خصومه؛ لأنه كان رحمة الله عليه طالباً للحق، وكان يقول: أسأل الله أن يظهر الحق -أن يرجو ويسأل الله أن يظهر الحق- على لسان صاحبه أي مجادله ومخاصمه، حتى لا يدخل شيء من الدخن وحب الاستعلاء على الآخرين. فيتمنى أن الحق يظهر على لسان صاحبه، على لسان مجادله؛ لأنه هو في النهاية يريد الحق لله سبحانه وتعالى، ولا يبحث عن شيء من التصدر، وأن يقال للناس: ما شاء الله، الإام الشافعي غلب فلان، وفلان غلب في مناظرته فلان. هذا ليس مقصداً للجدال والمراء إلا عند أصحاب النفوس المريضة.

البيهقي يعلق على هذه القصة يقول: أراد والله أعلم فوق عادته، يعني كأنه يريد أن يقيد حينما يقول ابن الإمام الشافعي: ما سمعت أبي يناظر أحداً قط فرفع صوته، المراد أنه لا يرفع صوته فوق العادة، ولكن يكون صوته معتدلاً حتى لا يتوهم الإنسان حينما يقرأ كلام محمد بن الشافعي أن الشافعي كان صوته منخفضا أكثر من اللازم. قال: والأولى ألا يجاوز صوته مجلسه ولا يقصر عن سماع الحاضرين.

فإذاً، الصوت لا يقصر عن سماع الحاضرين، يسمعه كل من في المجلس، وفي نفس الوقت لا يكون صراخاً يخرج إلى خارج المجلس يسمعه الناس في الأسواق وفي الطرقات. فكأن ابن جماعة حاول أن يعطي أو أن يمنح الصوت المعتدل ضابطاً عاماً، الصوت المعتدل هو الذي يسمعه من في المجلس ولا يخرج إلى خارج المجلس، هذا هو اختصار ما يريد ابن جماعة أن يوصله إليكم.

قال: فان حضر فيهم ثقيل السمع، فلا بأس بعلو صوته بقدر ما يسمعه؛ فقد روي في فضيلة ذلك حديث، وكأنه يشير إلى الحديث الضعيف جداً الذي يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ينسب إليه أنه قال: إسماع الأصم صدقة، إسماع الأصم صدقة. الأصم الذي يعني في أذنه ثقل، وليس المراد الأصم هنا الذي عفواً يفقد حاسة السمع تماماً؛ لأنه كيف تسمع الأصم؟ الذي يفقد حاسة السمع تماماً هو أصم، المراد بالاصم من كان في سمعه ثقل.

فجاء الأثر في إسماع الأصم صدقة، ولكن هذا الأثر ضعيف جداً ومنكر. يعني روي عن طريق سهل بن سعد الساعدي، لكنه ضعيف فيه أبو أيوب أحمد بن عبد الصمد لا يعرف، ويأتي بالمناكير، وأيضاً فيه إسماعيل بن قيس بن سعد -عفواً- النسائي وغيره، وانظروا الكلام في الحديث في كتب العلل والرجال.

فإذاً، هذا الحديث الذي يشير إليه في فضل إسماع من كان في سمعه ثقل حديث ضعيف لا يعتمد عليه، ولكن الأدب الذي يشير إليه بشكل عام أدب مقبول، في أن لو كان في المجلس بعض كبار السن خصوصاً من في سمعهم ثقل، لا مانع من أن يرفع نبرة الصوت قليلاً، لا مانع من أن يرفع نبرة الصوت قليلاً، لكن ليس على حساب الآخرين، ليس على حساب الآخرين ومن كان في الطرقات ومن كان في خارج المجلس. يعني أنا أرفع صوتي لكن لا أؤذي من كان في خارج هذا المجلس، أو يقترب هذا الرجل الذي في سمعه ثقل، الشيخ يقرب في المجلس حتى يدنو منه ليكون استماعه أفضل.

قال: ولا يسرد الكلام سردأ بل يرتله ويرتله ويتمهل فيه ليفكر فيه هو وسامعه. قال: ولا يسرد الكلام سردأ. يعني حينما تلقي محاضرة لا ينبغي أن تكون المعلومات تسرد سرد سرد سرد سرد، بحيث أن السامع لا يجد وقتاً للتفكير فيما يقوله المعلم. هذا خطأ منهجي قد يمارسه بعض المدرسين، أنه حينما يلقي المحاضرة تجده يسردها سردأ من بدايتها إلى نهايتها، خاصة إذا كان يقرأ من كتاب ولا يوجد عنده ملكة على الإعطاء من خارج الكتاب نفسه يشرح ويواجه الطلبة.

فهؤلاء هذا النمط من المحاضرين الذي يلقي محاضرته من خلال الكتاب، تجده يسرد المحاضرة سردأ أو يسرد الفصل سردأ، فالسامع والطالب لا يجد وقتاً للتفكير في الأفكار التي يطرحها المدرس. لذلك ولا يسرد الكلام سردأ بل يرتله. المراد بالترتيل التأني، وليس المراد بالترتيل التجويد في القرآن الكريم، لا، المراد بالترتيل هنا أن يخرج الكلام مرتلاً يعني بتأني، تخرج الحروف من أماكنها الصحيحة، وتسمع بكل هدوء من دون أن تدخل الكلمات بعضها في بعض.

قال: بل يرتله ويرتله ويتمهل فيه ليفكر فيه هو نفس المدرس يفكر في الكلام الذي يلقيه. يعني ليس فقط التفكير والتمهل من أجل السامع، بل من أجل المحاضر؛ لأنه أحياناً المحاضر قد يسبق لسانه إلى ذكرى خاطئة، فعندما يكون الكلام بتؤدة، يجد العالم وقت الاستدراك والتراجع وإعادة توضيح الفكرة ويفكر في الكلام الذي يتفوه به، أما الذي يلقي الكلام هكذا سريعاً سريعاً، فكثيراً ما تخرج منه ألفاظ غير صحيحة في غير موطنها، ولا يجد وقتاً للتفكير فيها لما فاته.

وهذا الأدب كان أدب محمد صلى الله عليه وسلم في إلقاء الكلام، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم كان كلامه فصلا، لا يسرد الكلام سردأ، يتكلم بالجملة ثم يأتي بالجملة الأخرى فيفصل الكلام بعضه عن بعض حتى يتعلم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. كان كلامه فصلا يفهمه من سمعه، وانه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً، شف التأني عنده صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً لتفهم عنه صلى الله عليه وسلم في مقام التعليم.

طبعا هذا الكلام في مقام التعليم ولست يعني في منزلي وفي بيتي دائماً أعيد الكلمة ثلاثة، لأن لكل مقام مقال. التعليم كان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يرسخ فكرة عند أصحابه يعيدها ثلاثة، لذلك أحياناً أقول لأحبتي بعض الأحبة يتبرم من تكرار المعلومة ويقول: يا شيخ نود أن تقصر في التكرار وأن يعني حتى نقطع أكثر وأكثر.

في الحقيقة أحبتي أدب ومنهجية محمد صلى الله عليه وسلم تخالف ذلك، محمد صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يرسخ الأفكار والمبادئ والأحكام في عقول الصحابة كان يعيدها ويكررها، لأن الإنسان بطبعه ينسى، الفكرة التي تعاد على مسامع الحاضرين مراراً وتكراراً يكون لها رسوخ أكبر من الفكرة التي تمر مرور الكرام وتذهب.

ولذلك التكرار في المعلومة مهم جداً حتى ترسخ، لكن يكون التكرار طبعا مقبُولاً وليس ممجوجاً. بعض أنواع التكرارات ممجوجة، يعني المعلومة تكرر مرتين ثلاث أربع خمس في المجلس، لكن بعد ذلك يصبح ملل ولا داعي لمثل هذا التكرار الممجوج. فلذلك ننبه أن موضوع التكرار مهم جداً، إبراهيم تلميذ الإمام أحمد يقول: كنت أسمع المسألة من أحمد بن حنبل ألف مرة حتى أضبطها. يسمع المسألة كم مرة؟ ألف مرة. طب اجعلها مبالغة، يعني كل واحد مبالغة اعتبرها مبالغة، لكن في أدنى أحواله أنه كان يسمعها مئات المرات المسألة حتى ترسخ. هكذا العلم.

المشكلة اليوم في طلبتنا أنهم يملون من التكرار ومن إعادة النظر في الكتاب مرة أخرى بعد الفراغ منه، أو من سماع المحاضرة، أو الرجوع مرة أخرى إلى بعض الفوائد، ويفوتهم علم كثير بسبب هذا الكسل وبسبب هذا الملل. أحبتي، التكرار منهجية مهمة لطالب العلم حتى ترسخ عنده الأفكار والمسائل في اللغة، في الفقه، في الاعتقاد، في أصول الفقه، في الآداب، التكرار أساس مهم من أسس المعرفة الصحيحة الراسخة، فإياكم أن تغفلوا عن هذا المبدأ.

ثم يقول ابن جماعة بعد ذلك، أو يأصل ابن جماعة قاعدة -هذه قاعدة، اكتبوا عندها: قاعدة يؤصلها ابن جماعة- يقول: إذا فرغ من مسألة أو فصل سكت قليلاً، حتى يتكلم من في نفسه كلام عليه. هذه قاعدة من قواعد التعليم والذكر والتدريس يذكرها ابن جماعة لمن يريد أن يتصدر، بإذن الله، لهذا الباب في المستقبل، يقول له: إذا فرغت من طرح مسألة على التلاميذ، أو انهيت من باب من الأبواب، عليك أن تعطي مهلة للتلميذ حتى يسأل، حتى يسأل وترفع الإشكال، إذا أصاب هذا التلميذ شيء من الإشكال واللبس في هذا الموضوع.

طيب، لماذا مثلاً أنه اه أثناء الشيخ يعطي اه الفكرة والمسألة التلميذ يسأل؟ يعني لماذا ينتظر التلميذ حتى يفرغ الشيخ من المسألة؟ هذه لبعض الطلبة فكرة خاطئة عنها؛ لأني أجد بعض الطلبة وأثناء أثناء طرح الشيخ للمسألة أو كلامه في الفصل أو في الباب، يقاطع الشيخ يريد أن يوجه له سؤالاً. لا، هذا أدب خاطئ. الشيخ يطرح المسألة يكررها، ثم يمنح الطالب فرصة ليسأل، أما أثناء طرح الشيخ للمسائل والأحكام والباب، تجد الطالب يزاحم الشيخ ويدافع ويريد أن يسأل ويقاطعه. في الحقيقة هنا الشيخ شواش؟ المسألة لا تقرر بشكل واضح، فالطلبة لا يفهمون مراد الشيخ بسبب أن أحد الطلبة يزاحم الشيخ ويقاطع ليسأل.

فهذا أدب على طلبة العلم أن يتحلوا به، هذا الأدب يعني هو يتعلق بالطالب أكثر من تعلقه بالمدرس. يقول ابن جماعة: لأننا سنذكر إن شاء الله أنه لا يقطع على العالم كلامه فإذا لم يسكت هذه السكتة ربما فاتت الفائدة، إنه سيذكر إن شاء الله لما يأتي على يتكلم عن آداب طالب العلم أنه ينبغي لطالب العلم ألا يقاطع الشيخ وهو يتحدث. بعد أن ينهي الشيخ تقرير المسألة أو الحكم الشرعي يعطي فرصة للطالب حتى يسأل، فهنا جمعنا بين حق الطالب وحق الشيخ: حق الشيخ في ألا يقاطع وألا يقرر المسألة بشكل واضح تماماً من دون أي تدخل خارجي ليفهمها الطلاب على الوجه الصحيح.

الآن بعد ذلك الشيخ يعطي فسحة من الوقت، إذا كان طالب عنده إشكال يطرح السؤال؛ لأنه في الحقيقة أيضاً هناك مشكلة أن بعض المدرسين قد يتجاوز كل المادة وكل المنهج، ثم بعد ذلك كيسمح للطلبة بإلقاء السؤال، والطالب حينما يفوت موطن سؤاله أو الموطن الذي استشكله قد لا يعرف أو لا يحسن العودة إليه مرة أخرى، وكيف يوجه السؤال إلى هذه المسألة التي طال الفصل عنها؟ فلذلك أيضاً من حسن إلقاء المدرس أن يمنح الطلاب شيئاً من الوقت أثناء المحاضرة أو الدرس ليسألوا عن الفكرة التي تم طرحها؛ لأن كما قلنا هذه الفكرة يجعل من الصعوبة على الطالب أن يعود إلى طرحها مرة أخرى، وهذا الذي أراد ابن جماعة أن يقرره في هذا الباب.

طيب، ننتقل الآن إلى الأدب السابع. الأدب السابع يتحدث فيه ابن جماعة عن وظيفة المعلم والمدرس في ضبط المجلس وألا يسمع للغط والماراء والجدال فيه. وهذا أمر مهم: ضبط الشيخ لمجلس العلم، وألا يسمح للغط ولا جدال ولا مراء فيه إلا ضمن حدود معينة، ويربطها ابتداء وانتهاء. إيش يا أخوي ابن جماعة؟ يقول: السابع أن يصون مجلسه عن اللغط.

الطالب يدخل من هنا يتحدث ويدخل معه طالب آخر، وهناك طالب يرفع صوته من مكان بعيد وهذا يرد على هذا، يصبح في شيء من الإزعاج في الحقيقة لباقي الطلبة، صوت يخرج من أحد الطلبة وهذا يرد علي وذاك يرد وهذا يناقش، يحدث لغط وشغب في الحقيقة تفوت به الفائدة وتفوت به هيبة العلم والوقار والسكينة التي ينبغي أن تكون مستحضرة في هذه المجالس. وهنا ابن جماعة يأتي بسجع لطيف يقول فيه: فإن تحت اللغط، بل فإن الغلط تحت اللغط، أي الأخطاء الأغلاط إنما تخرج وتأتي في أثناء هذا اللغط، اللغط والصراخ من هنا ومن هنا وتداخل كلام التلاميذ مع بعضهم، والمدرس لا يضبط هذا المجلس، هذا مظنة وقوع الغلط.

فاحفظوا هذه الجملة من ابن جماعة: الغلط تحت اللغط فانتبهوا عليها. وهذا في الحقيقة وجدت في كثير من المجالس التي حضرناها، أن يكون طالب يلقي كلمة هنا وهذا يرد عليه بكلمة هنا، يقول احد الطلاب يتكلم بكلام خطير مخالف لقواعد الشريعة، لكن المدرس لا ينتبه إلى هذا الخطأ الفادح الذي صدر من أحد الطلاب بسبب أن كلامه وقع متداخلاً مع كلام غيره، ولربما هذا الخطأ الفادح الذي تحدث به أحد الطلاب شكل شبهة عند طالب هادئ ساكت، أخذ هذه الشبهة وأخذ يفكر بها وربما أثرت على معتقده.

فالقضية مهمة يا أحبائي، يعني القضية ليست قضية ترف أو قضية كما قلت لكم يعني مجرد أدب يسير، لا، أحياناً بعض الأخطاء الأدبية مخالفتها قد تسبب وتطرح أفكاراً خاطئة وتسبب انحراف اعتقاد بعض الناس، فعلينا أن نتمثل بهذه الآداب صيانة للشريعة قبل أن تكون آداباً بحد ذاتها. قال: أن يصون مجلسه عن اللغط، فإن الغلط تحت اللغط، وعن رفع الأصوات واختلاف جهات البحث.

أيضاً يصون المجلس عن رفع الأصوات، قضية واحدة: يصون عن اللغط، يصون عن رفع الأصوات واختلاف البحث. اختلاف جهات البحث يعني يكون المدرس والطلاب يبحثون في قضية، يدخل طالب في موضوع آخر وينقل أذهان الطلاب والمدرسين إلى أماكن أخرى، وهذا أيضاً ينبغي للمعلم أن يمنعه. يقول: من يريد أن يسأل يسأل في موطن البحث الذي نحن فيه، ولا يخرج منها بعيداً إلى باب آخر. نحن مثلاً ندرس في علم النحو، لا يأتي الطالب يسأل في مسألة فقهية لا علاقة لها بكل هذا الميدان أو البحث الذي نحن الآن بصدده، عندما يأتي درس الفقه يسأل، أما اختلاف جهات البحث في أثناء المحاضرة الواحدة أيضاً مما يشوش أذهان الطلبة.

قال الربيع: كان الشافعي -الربيع بن سليمان المرادي، تلميذ الإمام الشافعي رحمة الله عليه، وهو الذي كتب الرسالة الجديدة- كان الشافعي يملي هذه الرسالة والربيع هو الذي يكتبها بخطه. كان الشافعي إذا ناظره إنسان في مسألة فعدل إلى غيرها يقول: نفرغ من هذه المسألة ثم نصير إلى ما تريد. هذا كلام عن قضية أن العالم ينبغي أن يمنع الطلاب عن اختلاف جهات البحث.

الشاهد الذي أتى به ابن جماعة لهذه القضية: طريقة الشافعي في مناظرته، ولاحظوا كيف الشافعي واضح أنه كان من أئمة المناظرين، هناك أدبيات كثيرة تؤخذ من الشافعي في مناظراته، فالشافعي إذا كان يناظر شخصاً فهذا الشخص في أثناء المناظرة في مسألة من المسائل وقبل أن أراد أن يخرج بالشافعي إلى مسألة أخرى، يقول له الشافعي: انتظر، لا تخرج بنا إلى هذه المسألة الأخرى حتى نفرغ من هذه التي بين أيدينا؛ لأن في ذلك ضياعاً في الحقيقة للحق.

وهذا أجده أحياناً في بعض المناظرات التي شاهدتها، أجد الخصم الضعيف عندما تضعف حجته يحاول أن يخرج بالبحث إلى مسألة أخرى حتى يشوش على السامعين، ولا يظهر لهم ضعف في الاستدلال والاحتجاج. انتبهوا ولاحظوها، الإنسان الضعيف إذا وجد نفسه في مأزق في أثناء مناظرته ومجادلته يحاول أن يشتت موطن البحث، يوزع موطن البحث ويشتت أذهان السامعين حتى لا يعرف أين أخطأ هذا الرجل، لذلك الشافعي كان دقيقاً ويتفطن لهذا الأمر، فأي شخص يناظر الشافعي يحاول أن يتفلت بموطن النزاع، يقول له الشافعي: انتظر، نفرغ من هذه، نبين الصواب فيها أمام الناس، ثم بعد ذلك ننتقل إلى مسألة أخرى.

قال: ويتلطف في دفع ذلك من مبادئه قبل انتشاره وثوران النفوس. يا الله، ابن جماعة دقيق، دقيق في تحليل ما يقع في المجالس العلمية وهذه الاشكاليات التي في الحقيقة أجدها اليوم حاضرة أمامي، ليست فقط أشياء في الماضي وانتهت، اليوم انظروا في المحاضرات الجامعية أو في مجالس العلم، إذا بدأ النقاش بين الطلبة والمدرس لم يضبط الأمر ابتداءً، ما يحدث أن النفوس تشحن والطلاب بينهم تنافس، يبدأ هذا الطالب يريد أن يظهر تفوقه على صديقه وعلى نظيره، النفوس تثور ويبدأ الكلام وترتفع الأصوات وربما يشوب نزاع وخصومة في المجلس.

فيقول ابن جماعة للشيخ المدرس: عليك أن تضبط الأمر من البداية، قبل أن تثور النفوس، وتبدأ الأحقاد، ويَبدا النظر. وحينئذ إذا ثارت النفوس، قد يستعلي الطالب على شيخه، ولا ينظرن إليه باعتبار، لو قالوا الشيخ اسكت قد لا يسكت.

لأن النفس ثارت وتريد أن تنتصر، هنا الطالب ما عاد يفكر بعقله، أصبح يفكر بنفسه، أن ينتصر لها، وأن يظهر تفوقها، وأنه لا يمكن أن يخطئ، فيبدأ يرد على صديقه وعلى نظيره في حضرة الشيخ، والشيخ لم يعد يملك زمام المبادرة في هذا، فلذلك ابن جماعة يعطي نصيحة للمعلم. الضغط يكون من البداية، وليس في الأثناء، وعندما تثور النفوس تبدأ تقول: والله أنتم لماذا لا تنضبطون؟ لماذا لا تسمعون الكلام؟ أنت عليك في البداية أن تضبط الأمر وتغلق باب الشر في بداية الأمر، قبل أن ينتشر ويخرج -كما قلنا- عن السيطرة.

قال: ويذكر الحاضرين بما جاء في كراهية المماراة، لا سيما بعد ظهور الحق. الآن المحاضر أحياناً المحاضر أحبتي قد يجد من بعض الطلبة حب للجدال والمراء، وهذا شيء ملحوظ، بعض الطلبة أوتي جدلاً، وأوتي مراءً، ويحب النقاش ولا يعرف السكوت والهدوء. فعلى المدرس وعلى المحاضر أن يذكي -عفواً- الطلبة بكراهية المراء وما جاء في ذلك من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة الكرام.

يبين لهم أن القصد هو ظهور الحق، بغض النظر على لسان من ظهر، المهم أن يظهر الحق، خاصة قال: بعد ظهور الحق. يعني لو أن المحاضر أنشأ نقاشاً بين التلاميذ فاحدهم ظهر الحق على لسانه، الآن هنا مظنة أن من خالفه من التلاميذ يحدث في قلبه شيء من الحسد، أو الحقد، أو الغل. بعد المدرس أن يتدارك ذلك من البداية، قد يظهر الله الحق على لسان بعض التلاميذ، فبعض التلاميذ الآخرين يشعرون بشيء من الحسد، أو شيء من يعني شيء يدخل النفس، أنه لماذا ظهر الحق على لسانه صديقي ولم يظهر على لساني؟

فالمدرس المتفطن والذكي يعرف مداخل النفوس، ويعرف ما يمكن أن ينشر في هذا الموطن من حسد وغل وحقد وتحاشد بين الطلبة. فابتداءً بمجرد أن ظهر الحق يذكر الطلبة بأن الذي نسعى إليه في حياتنا العلمية إنما هو ظهور الحق لله سبحانه وتعالى، أننا نبحث عن درب الهداية، درب الاستقامة. يذكرهم بأقوال السلف وبأقوال من قال: لئن أكون ذنباً في الحق خير من أن أكون رأساً في الباطل. يذكرهم بالتواضع للعلم، وأن يتذكر الإنسان وقوفه بين يدي الله سبحانه وتعالى، يذكرهم بهذه الأدبيات حرصاً على نفوس الطلبة ألا يدخلها شيء من أمراض القلوب.

ويبين له أن مقصود الاجتماع على هذه المحاضرة أو الدرس ظهور الحق وصفاء القلوب وطلب الفائدة، وأنه لا يليق بأهل العلم تعاطي المنافسة والشحناء. يذكرهم بكل هذه الأدبيات؛ لأنها سبب العداوة والبغضاء، بل يجب أن يكون الاجتماع ومقصوده خالصاً لله سبحانه وتعالى ليثمر الفائدة في الدنيا والسعادة في الآخرة، ويتذكر قوله تعالى: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ. هذه الآية ابن جماعة الآن يستنبط من مفهومها.

مفهوم الذي أخذ ليس من منطوق، هي الآية لها منطوق ولها مفهوم كما يعلم في أصول الفقه، فيقول إن هذه لها مفهوم النداء، قال: فإن ذلك مفهم أن إرادة الباطل حق -عفواً- فإن ذلك مفهم أن إرادة إبطال الحق أو تحقيق الباطل صفة إجرام فليحذر منه. أنظروا إلى هذا الاستدلال وتأملوا فيه قليلاً، الله سبحانه وتعالى يقول في الآية: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ. فأحقاق الحق وإبطال الباطل هذا شيء يحبه المجرمون -عفواً- يكرهه المجرمون.

إحقاق الحق وإبطال الباطل، أن يحق الحق ويظهر، وأن يبطل الباطل ويذهب، هذا شيء يكرهه المجرمون. من مفهوم الآية أنه ربنا يقول: لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ. إذاً المجرمون يكرهون إحقاق الحق وإبطال الباطل، فمفهوم ذلك -مفهوم المخالفة- أن المجرمين يحبون إبطال الحق ويحبون إحقاق الباطل، أليس كذلك؟ بما أنهم يكرهون إحقاق الحق وإبطال الباطل، إذاً هم يحبون إبطال الحق وإحقاق الباطل.

فلذلك هذه الآية يردع بها المعلم تلاميذه، ويبين له من خلال هذه الآية أن هذه الآية تدل بمفهومها أن من يحب إبطال الحق ويحب إحقاق الباطل فيه من صفة المجرمين، لأنهم هم الذين يحبون هذه الأخلاق الرديئة. لذلك قال: فإن ذلك مفهم أن إرادة إبطال الحق أو تحقيق الباطل صفة إجرام صفة أهل المجرمين فليحذر منه.

طيب، الثامن، الأدب الثامن. قال أن يزجر -لاحظوا الآن هذه أيضاً قاعدة مهمة، قواعد حقيقة ذهبية نفيسة، من لم ينشأ على هذه القواعد نفسه عليها، غداً عندما يصبح مدرساً يخطئ كثيراً كثيراً، ويعض أصابع الندم على أنه لم يتمثل هذه الأدبيات والأخلاقيات في حياته العلمية والمعرفية- أنظروا إلى هذا الأدب الثامن، يقول: أن يزجر من تعدى في بحثه، أو ظهر منه لدد -أي خصومة- في البحث أو سوء أدب.

أن يزجر، نعيد العبارة من أولها: أن يزجر من تعدى في بحثه، أو ظهر منه لدد في بحثه أو سوء أدب؛ لأنها معطوفة على لدد، أو ظهر من لدد في بحثه، أو سوء أدب، أو ترك الإنصاف بعد ظهور الحق، أو أكثر الصياح بغير فائدة، أو أساَد أدبه على غيره من الحاضرين أو الغائبين، أو ترفع في المجلس على من هو أولى منه، أو نام، أو تحدث مع غيره، أو ضحك، أو استهزأ بأحد من الحاضرين، أو فعل ما يخل بأدب الطالب في الحلقة. وسيأتي تفصيله إن شاء الله في باب آداب طالب العلم.

الآن لاحظ، إذاً قضية الزجر، إذاً في الأدب السابق كان يتكلم عن وظيفة المعلم والمدرس في ضبط المجلس وألا يسمع فيه اللغط. الآن في هذا الأدب الثامن يتكلم عن موضوع زجر المعلم للطالب الذي يخطئ، وتأديب المعلم لهذا الطالب. لذلك بدأ البداية أن يزجر، والأخطاء التي يخطئها الطالب لها أشكال كثيرة في الحقيقة، قد تكون آداب مع المعلم يرفع صوته على المعلم أو يرفع صوته على أحد الطلاب، قد يكون الخطأ الذي يخطئه الطالب أنه نام في المجلس، أو ضحك، أو استهزأ بالشيخ، أو بطالبه، أو برجل غائب، أو ترفع على من لا ينبغي له أن يترفع عليه، أو شيء من هذه الأدبيات التي يخطئ فيها كثير من الطلبة.

الطالب طالب، يعني ما زال يحتاج إلى تعليم وإلى تأديب، فإذا هو مظنة الخطأ ووظيفة المعلم أن ينبهه. والمشكلة أحبتي أن المعلمين اليوم يخافون على أخطاء أدبية من طلاب العلم ولا ينبهونهم عليها، فينشأ الطالب ويتربى على هذا الخطأ، فينشأ الطالب على هذا الخطأ ويترعرع عليه، لذلك على المعلم أن ينتبه في توجيه الطلاب نفسياً وأدبياً.

حتى موضوع النفس، يعني ربما علماؤنا في القدم يشيرون إلى موضوع معالجة المعلم لنفس الطالب، لكن إشارات بعيدة. اليوم مع ظهور دراسات علم النفس والكتابات فيها، أظن أننا كطلبة علم وكمتصدرين للتعليم نحتاج إلى هذه الدراسات العلمية، أنا كيف طالب؟ كيف المعلم وكيف الشيخ اهتم بنفسية الطالب ويتأمل فيها، ويعرف هذا الطالب هل عنده نفسية غضبية سريع الغضب فيحاول أن يقلل منها؟ وهذا الطالب لا، عنده حياء زائد يمنعه من العلم كيف يجعله يتجرأ في ميدان العلم؟ هذا الطالب عنده عجب بنفسه كيف يساعد على التخلص؟ هذا الطالب يظهر منه النفاق والرياء، هذي وظيفة المعلم.

أنت وظيفتك كمعلم ليست فقط إلقاء المحاضرة على الطلاب وانتهى الأمر ونراكم في المجلس القادم، لا. في القدم حقيقة أحبتي المعلم والشيخ كان مربياً قبل أن يكون معلمأ. اليوم عندنا نحن انفصال بين التربية والتعليم، نجد المعلم والمحاضر في الجامعة وما شابه ذلك همه أن يلقي هذه المحاضرة وينتهي ويعود إلى مجلسه، أو الشيخ إذا عقد مجلس من مجالس العلم همه أن يمنح الطالب شيء من العلوم الفقهية والنحوية واللغوية أو كل ما شاء ثم ينتهي المجلس ويذهب الطالب إلى حياته، والطالب في الحياة لا يجد شيخاً رصيداً ليحدثه عن مشاكل الأدبية. نعم هناك بعض الطلبة أنا وقفت عليهم.

يبحثون عن شيخ يخبرونه بما يجول في خواطرهم وفي عقولهم، يبحثون عن شيخ يوجههم ويأخذوا بنفوسهم إلى درب الفلاح والصلاح وإلى درب النجاة. يعانون من مشاكل في التعامل مع أصدقائهم، مشاكل أنه يعاني هو من الحسد لأصدقائه. بعضهم يعاني مشكلة الحياة الزائر كما قلت لكم. البعض يعاني من مشكلة العجب والافتخار. البعض يعاني من حب التصدر، هذه أمور نفسية، وظيفة المعلم أن يجلس مع الطالب وأن يحاوره وأن يناقشه. هكذا كان السلف رحمة الله عليهم.

يأتي الطالب إلى الشيخ يسأله عن القلوب قبل أن يسأله عن أحكام الظاهر. يأتي الطالب، يأتي ابن القيم كثيرا ما كان يقول: كنا نأتي إلى ابن تيمية رحمة الله عليه فنسأله عن كذا وعن كذا ونظر في وجهه وفي سمته، فكلما نظرنا في وجهه ازددنا إيمانا وازددنا حبا لله سبحانه وتعالى بالنظر إلى وجوه مشايخهم. فهذا الأمر على المعلم وعلى المحاضر أن ينتبه عليه، أن وظيفتي لا تقتصر على منح المعلومة فقط، بل وظيفة التربية وصناعة الجيل وصناعة العقول وترقية القلوب، هذه وظيفة مهمة جدا، بل قد تربو على وظيفتك في منح المعلومة وإعطائها للطلبة.

فلذلك علينا أن نتعلم هذه الأمور حتى نحاول أن نتمثلها في حياتنا العلمية. لكن بعد أن أصل ابن جماعة لموضوع الزجر، وأن العالم يزجر، يزجر ينهر الطالب المخطئ، وضع لنا في الحقيقة ضابط يدل على فطنة ابن جماعة وعلى حكمته في قضية العقاب والزجر. إيش قول هذا الضابط؟ انظروا في النهاية ماذا قال بعد أن ذكر موضوع الزجر والصور التي تستحق الزجر، قال: هذا كله بشرط ألا يترتب على ذلك مفسدة تربو على غيره خوفا أو تربو عليه.

هذه قاعدة في الحقيقة الآن تدرس في الكتب الغربية والأجنبية قواعد العقاب وما شابه ذلك، وهذه القواعد التي تدرس اليوم في العلم الحديث سبق إليها علماؤنا الكبار في تقريراتهم العلمية المنهجية، ولكن من يقرأ حتى يخرج لهذه الأمة ذاك التراث العظيم للأسف؟ فابن يعطي المدرسين والمعلمين قاعدة في العقاب والزجر: أن العقاب والزجر ما فائدته؟ أنت ماذا تطلب منه؟ أن ينكف الطالب عن ذاك الأدب السيء، صحيح؟ هذا هو المطلب من الزجر والعقاب.

فالزجر ليس مقصودا لذاته، والعقاب ليس مقصودا لذاته، وإنما المراد به الردع. فيقول ابن جماعة: الزجر والعقاب شرطه ألا تكون مفسدته أكثر من مصلحته، أحيانا بعض الطلبة زجره أمام الآخرين قد يسبب عنده مشكلة نفسية أكبر، انتبهوا لهذا الكلام. بعض الطلبة إذا تم زجره أمام أصدقاؤه ونهره قد يسبب هذا عنده مشكلة داخلية أكبر تمنعه من حضور مجالس الشيخ وانقطاعه عن درب العلم تماما. فالمعلم عليه أن يتفطن، بعض المعلمين يقول: أنا أزجر، من أحب أن يجلس فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب. لا، هذا ليس بصحيح.

على المعلم أن يراعي كما قلت لكم نفسية الطالب إذا وجد أن الطالب لو زجره أمام أصدقاؤه ربما يسبب له إشكالية نفسية، يشعر الطالب بحياء شديد أو يشعر بغضب كبير يحول بينه وبين حضور مجلس العلم مرة أخرى، فعليه ألا يهجره أمام الطلبة بل ينتظر ذهاب الطلبة، يحضر هذا الطالب على انفراد ويحدثه. فإذا الحكمة في الزجر، فالزجر ليس مقصودا لذاته وإنما المراد منه الإصلاح، فإذا كان الزجر سيؤدي إلى إفساد أكبر فعليه أن يتوقف عن الآن ويبين للطالب موطن الخلل في قالب آخر، في قالب آخر.

انظروا محمد صلى الله عليه وسلم حينما كان بعض الصحابة، كان صلى الله عليه وسلم يدرك أن زجر الصحابة مباشرة في وجوههم، يا فلان لماذا فعلت كذا؟ قد يسبب حاجز يمنعهم عن إيش؟ عن قبول النصح، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام المؤيد من السماء، فكان كثيرا ما يجد أخطاء عند بعض الصحابة فيصعد على المنبر فيقول: ما بال أقوام كذا وكذا، ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لاحظوا التعميم حتى لا يوجه الزجر والنهر مباشرة إلى أعيانهم، لأن هذا كما قلت لكم، خاصة في البيئة العربية، قد يسبب نفور من بعضهم عن قبول الحق حتى ولو من محمد صلى الله عليه وسلم.

فيراعي محمد صلى الله عليه وسلم المعلم المؤدب المربي بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه، يراعي هذه النفوس. هذه النفوس أحبتي من يريد النجاح كداعية إلى الله أو عالم، إذا أراد النجاح، عليه أن يدرس طبائع النفوس وعليه أن يحسن الدخول إليها ويتعلم ذلك، معذرة لشيء التعب، فعليه أن، كما قلت لكم، أن يعرف طبائع النفوس ويتعلم مفاتيح النفس، التي عندها عجب كيف يتعامل مع النفس التي عندها حياء، كيف يدخل إليها؟ هنا المهارة وهنا النجاح بعد توفيق الله سبحانه وتعالى في إيصال الدعوة إلى الآخرين وفي نشر الفضيلة في المجتمع على وجه منضبط تتآلف عليه القلوب وتجتمع عليه النفوس ولا تنفر منه.

حتى لا أطيل في هذه الفكرة، أكمل ما قال ابن جماعة، قالوا: ينبغي أن يكون له نقيب فطن كيس. النقيب يعني مساعد، يقول: يعني المحاضر أو الشيخ يأتي بمساعد معه وهذا كان عند العلماء الأقدمين حاضرا، لكن ربما هذا اليوم فيه شيء من الصعوبة أن تأتي بمن يساعدك في أثناء المحاضرة، إلا إذا كنت عالما كبيرا والطلبة يتدافعون إلى خدمتك، قد تجد من يقوم بهذه الوظيفة، لكن اليوم حتى العلماء يفقدون أمثال هؤلاء الذين يعينونهم على ضبط الدرس.

قالوا: ينبغي أن يكون له نقيب، كما قلنا، مساعد يمثله في المجلس، ويكون هذا النقيب فطن كيس، يعني لا تختار نقيبا أحمق يصرخ على الطلبة: انتقم، وأنت اجلس، وأنت لا تفعل، وأنت كذا. لأنه هذا النقيب تعامله مع الطلبة بهذه الناس ليسبب نفور بينه وبين الطلبة، وقد يؤدي إلى مصائب أكبر من الخصومات والنزاعات. يعني أنت من منحك الحق أن تصرخ علينا أو أن ترفع صوتك علينا أو تعاملنا بهذه الطريقة؟ هذا يحصل في الحقيقة من بعض النقباء الجهال الذي إذا منح منصب النقابة ظن نفسه في مركز علوي، له الحق على التسلط على الطلبة وأن يزجر فلان وينهر فلان، لا.

فالمحاضر عليه أن يختار نقيبا ذكيا فطنا يعرف قدر نفسه، ويعرف وظيفته كيف يؤديها بالشكل الصحيح برفق ولين من دون استعلاء، لأنك أنت طالب مثلك مثل باقي الطلبة، فليس لك أن ترفع صوتك عليهم أو أن تعاملهم بشيء من الاستعلاء النفسي. قال: وينبغي أن يكون له نقيب فطن كيس درب متدرب، درب صفة مشبهة بمعنى أنه بلغ في التربة مبلغا قويا بحيث أصبح يوصف بالصفة المشبهة التي تدل على اللزوم.

قد يرتب الحاضرين، يعني إيش وظيفته؟ ذكر وظيفة هذا النقب: قد يرتب الحاضرين ومن يدخل عليهم على قدر منازلهم، يرتب الناس في المجلس، يوقظ النائم إذا أحد الطلبة نام في مجلس الشيخ، هذا النقيب ينقزه يقول: استيقظ، ويشير إلى من ترك ما ينبغي فعله كما ينبغي فعله أو فعل ما ينبغي تركه. إذا ويشير هذا النقيب إلى من ترك، إذا طالب ترك ما ينبغي فعله، شيء ينبغي على هذا الطالب أن يفعله وهذا طالب تركه هذا النقيب ينبهه، من الآداب العامة التي ينبغي أن يتمسك بها الطالب في المجلس.

إذا ويشير إلى من ترك ما ينبغي أو فعل بالعكس يعني أو فعل هذا الطالب ما ينبغي تركه، ويأمر بسماع الدروس والإنصات لها، أي إنسان يتحدث مع زميله يقول: يا فلان استمع للشيخ أو ما شابه ذلك. فإذا الشيخ قد يستعين ببعض النقباء، لكن يكون هذا النقيب كما قلنا على درجة عالية من الكياسة والدربة في هذا الباب.

الأدب التاسع قال: أن يلازم الإنصاف في بحثه وخطابه. يعني أن يكون هذا الإمام والشيخ والمعلم منصفا في أثناء البحث. الإنصاف في أثناء البحث في أثناء الخطاب مع الطلبة، يكون هناك أيضا هناك انصاف، لا يرفع صوته على فلان ويخفض صوته على فلان، أو بعض المدرسين أو ينظر لفلان نظرة حادة وينظر إلى فلان نظرة ود. لا، هذا لا يصلح.

النظرة تكون متساوية للجميع. الخطاب متساوي للجميع. البحث يتساوى فيه جميع الطلبة. حتى إذا ناقش أحد الطلبة فتحت النقاش أحد الطلبة عليه يفتح النقاش مع طالب آخر؛ لأنه بعض المدرسين يعني قد يكون في مجلسه بعض الطلبة النابهين فيحب المدرس النقاش مع هذا الطالب، ويتغافل عن باقي الطلبة وهذا سوء أدب يكون سبباً في نفرة الطالب من المعلم. وفي الحقيقة المشكلة من المعلم هنا ابتداءً ليست من الطالب؛ لأن المعلم هو بنفسه يستروح لطالب معين فيظهر هذا الاسترواح أمام باقي الطلبة، وهذا مجلبة لبغض الطالب لشيخه. فعليكم تتفطنوا أيها المدرسون لهذه القضية؛ إذ أن يلازم الإنصاف في البحث حينما يباحث أحد الطلبة عليه أن يكون منصفاً. الإنصاف في خطابه يخاطب الجميع بقدر واحد.

قال: ويسمع السؤال من مورده على وجهه. أي طالب يسأل سؤالاً يسمع من مورده. بعض المحاضرين -وقد رأيناهم أحبتي- تجده إذا فلان سأل لأنه نبي يتوجه إليه بكل جوارحه، وإذا سأل طالب آخر ربما أقل مرتبة من صديقه في المعرفة؛ يعني يسمعه وهو من دون أن ينظر إليه أو بنظرة فيها شيء من التقليل من مقداره، أو يؤشر له حركة يعني استعجل يلا ها. وفي الحقيقة لا ينبغي أني إذا سمع من فلان يسمع من فلان ولا يظهر تفوق طالب على غيره. إذاً: ويسمع السؤال من مورده على وجهه، وإن كان صغيراً حتى ولو كان السائل صغيراً ولا يترفع عن سماعه فيحرم الفائدة. يعني إياك أيها المعلم أن تترفع عن سماع الأسئلة وتغلقها تماماً ولا؛ لأن في الحقيقة أنت أيها المعلم اسمك معلم في هذا الموطن، لكن أيضاً ما زلت طالب علم؛ يعني أنت لست معلما وانتهى الأمر، أنت معلم وطالب علم حتى تمثل تحت الثراء فتبقى طالب علم، تعلم ما أفادك الله سبحانه وتعالى من العلوم وتطلب علم ما جهلت. فلذلك الأسئلة التي يسألها الطلبة كثيراً ما أفادتنا وفتحت لنا آفاقاً ووصلتنا إلى معارف وكانت سبباً في نبش الكتب والمصنفات لنصل من خلال هذا السؤال إلى معرفة جديدة بل إلى معارف. فكم من سؤال فتح آفاقاً أحبتي للمعلم والمدرس؟

فإذاً القضية في استماع السؤال من الطلبة ليس فقط تأدباً معهم بل أيضاً حتى المدرس تستفيد، قد تكون أخطأت في قضية معينة في السؤال من الطالب قد يكون سبباً في تنبيهك على هذا الخطأ. قال: وإن عجز السائل عن تقرير. انظروا إلى هاي الآداب الدقيقة، يا الله ما أجملها! يقول: وإن عجز السائل عن تقرير ما أورده أو تحرير العبارة فيه لحياء أو قصور؛ يعني بعض الطلبة ما عنده قدرات لغوية عالية للتعبير عن أفكاره التي تدور في خلاده، فيأتي بسؤال رقيق في البناء، فأنت أيها المعلم أيها المدرس يقول لك ابن جماعة: إذا رأيت الطالب لم يحسن صياغة السؤال -وهنا كما تعلمون في العادة يبدأ بعض الطلبة يتهكمون على زميلهم أنه لا يعرف كيف يسأل وكيف يخاطب الشيخ- وعليك أن تكون ذكياً فطناً، مباشرة تأخذ الفكرة من الطالب، تستنبط الفكرة من ذهنه وتعيد أنت صياغتها للطلبة، تقول: أحسنت يا فلان جزاك الله خيراً، يتكلم زميلكم عن مسألة أو يوجه السؤال حول قضية معينة وهي قضية كذا وكذا، من دون أن يشعر الطالب أنه انتقص طريقته في السؤال ومن دون أن يفتح مجال للطلبة الآخرين ليتهكموا لزميلهم؛ لأنه بعض المدرسين إذا وجد طالباً لا يعرف السؤال يعني يعطي المجال للطلبة أن يتهكموا بل بعضهم يدخل مع الطلاب في التهكم والتقليد، وهذا في الحقيقة أدبيات لا تليق بمنصب العلم ولا بمنصب العالم.

وأتعجب من وجودها فيمن يتصدى خاصة في الدراسات الأكاديمية؛ يعني تجد عنده مثل هذه الأمور لا يلتفت إليها أبداً، تهكم بفلان، ساء أدب فلان؛ لأنه فهم العلم خطأً، فهم أن وظيفته منح المعلومة ولم يدرك أن وظيفته هي التعليم قبل -عفواً- هي التأديب قبل أن يمنح العلم بطلبته. لذلك قال: وإن عجز السائل عن تقرير ما أورده وهو تحرير العبارة فيه لحياء أو قصور، ووقع على المعنى -انظروا إلى هذه العبارة- وقع على المعنى على الفكرة التي يريد الطالب أن يسأل عنها، هذا معنى وقع على المعنى أي وصل إلى الفكرة التي يريد الطالب أن يسأل عنها، عبر عن مراده. اه، يقوم المعلم نفسه بالتعبير عن مراد الطالب بشكل واضح وبين، وبين وجه إيراده، وبين لماذا يورد الطالب هذا السؤال، ورد على من رد عليه؛ يعني يرد المعلم على من رد على هذا الطالب، ويقرر كلامه بالوجه الصحيح السديد، ثم يجيب بما عنده أو يطلب ذلك من غيره؛ يمكن المعلم يجيب، ممكن أحياناً يندب بعض الطلبة للإجابة حتى ينشئ جواً من النقاش العلمي في أثناء المحاضرة، وهذا يتفاوت بحسب طبيعة المجلس، المجالس الخاصة تحتمل النقاش العلمي، لكن المجالس العامة في المدارس الجامعة أو المساجد الجامعة فهذا قد يعني يصعب في فتح النقاش العام.

قال: ويتروى فيما يجيب به. المعلم أيضاً لما تجيب تتروى، بعض المعلم يعني بعض المعلمين لا يكاد يسمع السؤال إلا ينطلق بالإجابة، وهذا مظنة الخطأ، لا، ممكن تكون الإجابة حاضرة هذا شيء آخر، لكن بشكل عام المحاضر عليه أن يتأمل في سؤال الطالب ثم يخمر الإجابة قبل أن ينطق بها. قال: وإذا سئل عما لم يعلمه -هذا القضية الآن يتكلم عنها مهمة جداً- قال: لا أعلمه أو لا أدري. هذه الكلمة التي فقدناها اليوم، هذه الكلمة التي فقدناها اليوم للأسف في كثير من المتصدرين للتعليم والتدريس وإفادة الناس، كلمة لا أدري، هذه الكلمة التي سرقت وسلبت وطويت في صناديق مغلقة وكأنها أصبحت في ضمن النسيان، مع أنها كانت على لسان علمائنا وأئمتنا من أهل السلف رحمة الله تعالى عليهم، وكانت على لسان الأكابر جيلاً بعد جيل، كانوا يتوارثونها ويلقنونها لطلبتهم يعلمونها توارثاً: إذا سئلتم عما لا تعلمون فقولوا لا ندري، بقولوا ايش؟ لا ندري. كانوا يخشون من قوله تعالى: وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ.

واليوم أحبتي كثير من طلبة العلم يعاني مشكلة عويصة مع هذه الكلمة، أنا لا أتكلم عن العلماء، أتكلم عن مشكلة طلبة العلم، هناك طلبة علم عنده مشكلة عويصة مع كلمة لا أدري، طالب علم ما زال ناشئاً ومع ذلك عنده مشكلة مع كلمة لا أدري، في المحاضرات تجده يناطح الأساتذة ويناطح الأكابر، وإذا سئل عن شيء دائماً يجيب عنه، وإذا سأله صديقه عن شيء دائماً يجيب ويفتي ويظن نفسه الحق في أن يتكلم ما يشاء بما يشاء، وفي الحقيقة هذا يدل على أنه يستهين بحق الله سبحانه وتعالى، ولا يعلم أن عظم هذه الشريعة وليس لها موطن وموقع في قلبه لو كنت تعلم خطر الكلام والإفتاء على الرب سبحانه وتعالى. ابن القيم سمى كتابه: إعلام الموقعين عن رب العالمين، والبعض يسميه إعلام، لكن قل إعلام الموقعين، أنت الفتيا هي توقيع عن رب العالمين. أيها المحاضر الأكاديمي إذا كانت الإجابة ليست عندك عن هذا السؤال، فإياك أن تنحرج وتقول كيف أقول للطلاب لا أدري، أتكلم بأي شيء. أنت توقع عن الله سبحانه، من وقع عن الله كذباً وزوراً فيا ويلهم من ربه سبحانه وتعالى.

نعم، جريمة كبرى جريمة كبرى يرتكبها بعض الطلبة ويرتكبها بعض المتصدرين ويرتكبها بعض العلماء حينما يتكلمون في مسائل لا يعرفونها من أجل ألا ينظر الناس إليهم بنظرة الجهالة في هذه المسائل ويخشون من أن يقولوا لا ندري، يظنون أن هكذا قدرهم ينحط عند الناس وعند طلبتهم وينفض الناس عنهم. أخي الكريم، أنت ايش يهمك؟ وهذه القضية الجمهور، هذا الصنم الذي يعبده كثير من طلبة العلم والعلماء اليوم، صنم الجمهور يجب أن ينسف هذا الصنم في حياة طالب العلم، صنم الجمهور وصنم الناس المصفقة، هؤلاء كم أضلوا! هذا الصنم عبادته أنشأت الشذوذات، أنشأت ضياعاً في حياة هذه الأمة، صنم الجمهور هو الصنم الذي يحيينا في هذا النزاع والشقاق والخلاف والتناحر، والكل يريد أن ينتصر على حساب الآخرين؛ لأن الكل أصبح يريد الجمهور.

إلا من رحم ربي من الصادقين المخبتين لله سبحانه وتعالى. هذا صنم الجمهور يا طالب العلم، أكرر كثيرا صنم الجمهور الذي يعشعش في قلبك ويسكن في عقلك ودماغك، عليك أن تتخلص منه من الآن قبل أن تتصدر وإلا لا تطلب العلم.

إذا كان صنم الجمهور هو مقصدك الآن في طلبك للعلم احذر، والله احذر، ستسأل أمام الله سبحانه وتعالى وستقف بين يدي الله، يقول لك الرب هل كنت تتعبدني أم كنت تعبد الجماهير؟ هل كنت تفتي من أجلي أم كنت تفتي من أجل الجماهير؟ هذا الصنم اكسره الآن، حطمه في نفسك، حطمه في قلبك قبل أن يتحطم عليك في نار جهنم والعياذ بالله.

فيقول ابن جماعة: وإذا سئل عما لم يعلمه قال لا أعلمه أو لا أدري. قال: فمن العلم أن يقول لا أعلم. وعن بعضهم، عن بعض السلف، لا أدري نصف العلم. بعض السلف ايش يقول؟ كلمة لا أدري هي نصف العلم. فعلى الإنسان أن يعلم، وعلى المعلم بشكل عام، أن يلقن هذه الكلمة لتلاميذه تلقينا. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقاتله. عن ابن عباس رضي الله عنه يقول: إذا أخطأ العالم لا أدري، إذا كان العالم لا يحسن أن يقول لا أدري أصيبت مقاتله، لأنه أولا سيظهر جهلك ولو بعد حين، يعني أنت تكلمت بشيء لا تتقنه، وأفتيت بشيء من أجل فقط أن لا تقول لا أدري، أفتيت بشيء يخالف شرع الله، أولا سيظهر جهلك في الدنيا وسيفضحك الله سبحانه وتعالى وسيهتك سترك أمام الناس ولو بعد حين، وستفضح أمام الله يوم القيامة أمام الأشهاد، فأنت في صفقة خاسرة في الدنيا وفي الآخرة، الإنسان العاقل لا يزدري بنفسه ولا يضعها في هذه المواطن، صدقني لو قلت لا أدري ارتحت وسترت على نفسك وسترك الله سبحانه وتعالى، بل بالعكس الله إذا رأى من عبده أنه يحسن هذه الكلمة يمنحه العلم ويوصل إليه المعرفة، لأنه يعلم أن هذا العبد لا يعبد الجمهور وإنما يعبده سبحانه وتعالى فيورثه المعرفة الحق، فإذا هذا الخلق من الأخلاق التي ينبغي ألا تضيع من حياتك يا طالب العلم.

وقيل ينبغي للعالم، انظروا إلى هذه القواعد، قال ينبغي للعالم أن يورث أصحابه لا أدري لكثرة ما يقولها. كيف يعني العالم أصحابه وتلاميذه لا أدري؟ هو لم يقل لهم يلا مباشرة قولوا لا أدري، ليس بهذه الطريقة، قال: لكثرة ما يقولها، أي الطالب عندما ينظر في أسلوب الشيخ فيرى الشيخ كثيرا ما يقول لا أدري إذا سئل لا أدري، الطالب سيرث هذه الكلمة من الشيخ لأن اه وراثة آداب الشيخ حينما يتمثل بها الشيخ في حياته، لأن هناك من ينظر، يمكن أنا أنظر عليك ساعتين ثلاث في كلمة لا أدري وأنك ينبغي أن تحرص عليها وو وكذا ثم التطبيق أنا نفسي لا أستخدمها، فهنا أنت كطالب هل ستتلقى مني هاي المعلومة؟ إذا كان الشيخ الذي ينصحنا ويقول لنا قولوا لا يدري هو نفسه لا يقولها، كيف أخذها؟ كيف أتمثل بها؟ لذلك كلام هذا دقيق. ينبغي للعالم أن يورث أصحابه لا أدري من خلال ايش؟ لكثرة ما يقولها، أي من خلال امتثال بها في حياته العلمية، إذا سئل عن شيء يقول لا أدري، فهنا الطالب ينظر في شيخه فيقول: اه الشيخ قال لا أدري ولم يجد إحراجا ولم أرى وجهه اه أصبح في التراب وبكل ثقة يقولها، والله بعض المشايخ ما زلت أذكرهم تعلمت على أيديهم بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم، كانت هذه الكلمة على لسانهم ويا الله كم اه أتمنى أن أعود إلى مجالستهم مرة أخرى لأننا تعلمنا من أدبهم أكثر مما تعلمنا من علمهم.

تعلمنا من أدبهم كانوا يقولون لا أدري مرارا وتكرارا ولا يجد أي حرج ولا يتلون وجهه، لا يتلون وجهه حمرة وخجلا، يقول لا أدري بقلب رحب منشرح، يقول هذه المعلومة ما درست بكل بساطة وبكل وضوح وبكل هدوء وانتهى الأمر. انظروا كيف عندما تؤخذ الأمور بسلاسة ووضوح كيف تنتهي على خير.

قال محمد بن عبد الحكم: سألت الشافعي رضي الله عنه عن المتعة، المتعة النكاح المتعة الذي أذن به في بداية الإسلام ضمن ظروف معينة ثم نسخ بعد ذلك، قد أكان فيها طلاق أو ميراث أو نفقة تجب أو شهادة؟ يعني بعد يعني ايش طبيعة المتعة كان الفراق؟ هل كان يعني يترتب عليها طلاق أو في ميراث انبنى عليها أو ما شابه ذلك؟ فإيش قال الشافعي؟ قال: والله ما ندري، هذه معلومة ما وصلتني، أبدا أتكلم بشيء من عندي من كيسي لا يصلح. قال: واعلم أن قول المسؤول انظروا هنا كيف ابن جماعة يعلمك، قال: واعلم أن قول المسؤول لا أدري لا يضع قدره كما يظنه بعض الجهلة، بل يرفعه، لأنه دليل عظيم على عظم محله وقوة دينه وتقوى ربه وطهارة قلبه وكمال معرفته وحسن تثبته، وقد روينا معنى ذلك عن جماعة من السلف، وإنما يأنف من قول لا أدري من قلبا ضعفت ديانته وقلت معرفته، لأنه يخاف من سقوطه من أعين الحاضرين، وهذه جهالة ورقة دين، يعني دينك ليس متينا يعني علاقتك بالله فيها مشكلة إذا لأنك تعمل كما قلت لك ما هي قضية هل أنت تعبد الله أو صنم الجمهور؟

اختر، من كان يعبد الله لا أدري يده سهلة، ومن كان يعبد الجمهور كلمة لا أدري عنده صعبة، تجرعها في قلبه صعب جدا جدا، لا يكاد يستسيغها أبدا، يتجرأه ولا يكاد يصيبه، قال: وربما يشتهر خطأه بين الناس فيقع فيما فرر منه، يعني أنت ابتداء لماذا استحيت من قول لا أدري؟ حتى لا يقول الناس إنك الوقت وأنك لا تعلم، عفوا، حتى لا يقول الناس إنك والله يا فلان ما عنده معرفة بهذه المسألة، فأنت خشية من أن يقول الناس إنك لا تعرف في هذه المسألة أفتيت فيها من دون علم وخطرت فيها من دون معرفة، وأنتم إذا أنت تريد أن تفر من كلام الناس لكنك في الحقيقة عندما يكتشف الناس كذبك وجهلك وأنك تكلمت فيها بغير علم وأنك أخطأت فيها وقعت فيما فررت منه، فالإنسان الكيس لا يضع نفسه في هذا المنسك.

قالوا: ويتصف عندهم بما احترز عنه، ستوصف بالجهل، تكلمت أنت بغير علم ستوصف بالجهل. وقد أدب الله تعالى العلماء بقصة موسى مع الخضر عليه السلام حين لم يرد موسى عليه السلام العلم إلى الله سبحانه لما سئل هل أحد في الأرض أعلم منك، هذه القصة التي ختم بها ابن جماعة هذا الفصل، قصة أنه موسى عليه السلام كيف الله سبحانه وتعالى أدبه حينما قال في موقف معين سئل عن شيء معين وهو لا يعلمه لكنه تكلم فيه بغير علم فالله سبحانه وتعالى أدبه، ما هو ذاك الموطن؟ أن موسى عليه السلام كما جاء في البخاري وفي غيره من كتب وعظ الناس يوما فابكاهم، فخرج له أحد الناس من المجلس فقال: يا موسى عليه السلام، هل هناك أحد أعلم منك؟ الآن موسى عليه السلام هل كان على دراية بإجابة هذا السؤال؟ لم يكن على دراية، لكنه عليه الصلاة والسلام استعجل هنا فقال: لا، قال: لا أحد أعلم مني في هذا الموطن.

فهنا أدبه الله سبحانه وتعالى وأخبره يا موسى هناك من هو أعلم منك، وبدأ القصة بمن هو يا الله؟ طبعا موسى عليه السلام انصاع إليه تأديب الله سبحانه وتعالى مباشرة من دون نقاش، علم موطن الخطأ حينما قال لا ونسب أنه أعلم أهل الأرض في تلك اللحظة، فالله سبحانه وتعالى أخبره عن الخضر، وبموسى عليه السلام مباشرة عندما عرف بالخضر وأنه أعلم منه طلب أن يلقاه حتى يتعلم منه، فهذه القصة قصة موسى عليه السلام وكيف أدبه الله عز وجل هي قصة لكل العلماء، أن لا تقولوا أننا نعرف كل شيء، لا تقول نعرف كل شيء.

من أفتى الناس كما قال أحد السلف: من أفتى الناس بكل ما يسألونه عنه فهو مجنون، من أفتى الناس بكل ما يسألونه عنه فهو مجنون، يعني أنت لا يمكن أن تكون أحط علما بكل أحوال الناس وقصصهم وواقعهم، لابد هناك شيء لم تقف.

خاصة إذا لم تكن متبحرا بتلك القوة، فعليك أن تتفطن لهذه القضية. وهذا ختام مجلسنا اليوم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.