تسجيل الدخول

شرح تذكرة السامع والمتكلم (12)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا طالبا للعلم يرجو نفعه، اسمع نصيحة ناصح معواني. لربك في أمورك كلها، فالمخلصون هم أولو العرفان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا ومربينا ومؤدبنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب تذكرة السامع والمتكلم بأدب العالم والمتعلم للإمام المربي الفاضل ابن جماعة الكناني الشافعي رحمة الله تعالى عليه. وما زلنا نعيش مع ابن جماعة في ثنايا هذا الفصل الذي يعقده في أدب العالم في نفسه.

ابن جماعة رحمة الله عليه في اثني عشر باباً يتحدث لنا عن العالم من بداية عزمه للذهاب إلى الدرس الشرعي أو إلى المحاضرة الشرعية، وحتى أثناء هذه المحاضرة وفي ختامها؛ ما هي الأدبيات التي ينبغي أن يتحلى بها؟ فذكر لنا في البداية ماذا يفعل العالم في بيته إذا أراد أن يحضر نفسه للذهاب، من التنظف والتطيب ولبس الثياب الجيدة التي تليق بأهل العلم، وتحدث عن استحضار النية الصالحة في إلقائه للمحاضرة وأن يستحضر أنه يريد أن ينفع الأمة وأن ينشئ جيلاً صالحاً من طلبة العلم، وتكلم عن ركعتي الاستخارة.

ثم إذا ذهب إلى الدرس، في أثناء الذهاب وفي الطريق كيف يستغل الوقت بذكر الله سبحانه وتعالى، ثم إذا انتهى كيف يسلم على الطلبة ويصلي ركعتين أيضاً، ثم يجلس بكل سكينة ووقار وهدوء ويستقبل الطلبة بوجه طلق، ويبدأ محاضرته بالبسملة وبالحمدلة لله سبحانه وتعالى. وتكلم عن جلوس الطلبة بين يديه وكيف يقدم الناس بعضهم على بعض.

تحدث عن ضبط الشيخ والمعلم لمجلس العلم، وأن يمنع اللغط فيه، وأن الغلط تحته اللغط. تكاد لا يتكلم ابن جماعة عن توريث العالم لطلَبته، لا أدري، وتكلم عن تعامل العالم مع الطلبة حينما يخطئون وكيف يزجرهم وما هي قواعد التأديب للطلبة. أدبيات جميلة متناثرة ذكرناها في المحاضرات السابقة ينبغي للمتصدرين أن يعتنوا بها.

لما كان علماؤنا الأكابر رحمة الله عليهم يهتمون بتعليم الطلبة هذه الآداب، كان ينشأ في الجيل السابق جيل من طلبة العلم المتمكنين أدبياً وأخلاقياً قبل أن يكونوا متمكنين علمياً. وتمكن طلبة العلم في باب الأدب وفي باب الأخلاق هو الذي يؤهلهم ليصلوا إلى مرتبة الريادة والقيادة والسيادة في هذه الأمة، ليأخذوا بيدها وينتقلوا بها من هذا اللغط ومن هذا الضعف ومن هذا الهزال الذي تحياه إلى صناعة جيل جديد وصناعة حضارة حقيقية لهذه الأمة.

فالاجيال السابقة علماؤها كانوا يتخرجون على هذه الأدبيات وعلى هذه الأخلاق، تغرس فيهم في المعاهد الشرعية التي كانوا يتخرجون منها وفي الحلقات الشرعية. وأما اليوم، حينما فقدنا هذه الأدبيات في المحاضرين وفي المتصدرين للتدريس، سواء في الجامعات أو المحاضرين الأكاديميين أو حتى في البرامج الشرعية، قل من يتطرق لهذه الأدبيات ويتمثلها في تعامله مع الطلبة.

أصبح الطلبة الذين يتخرجون من هذه المعاهد والجامعات يفقدون كثيراً من هذه الآداب، وهؤلاء الطلبة الذين يفقدون هذه الآداب هم الذين يتصدرون للمناصب العليا في الدولة، وهم الذين يملكون زمام الأمور في كثير من أماكن القضاء والوزارات وما شابه ذلك. فحينما يتصدرون مع قلة بضاعتهم الأدبية والخلقية، وحينما يتصدرون للتدريس في الجامعات وهم لم يتربوا على هذه الآداب، لك أن تتخيل واقع الأمة الذي ستحياه.

إذا كان طلبتها يفقدون الآداب، وإذا كان شيوخها يفقدون الآداب، فماذا نقول لعوام المسلمين؟ العالم الرباني المؤدب المربي الذي تم تنشئته تنشئة صحيحة، أحبتي، هو الذي يستطيع أن يوجه المجتمع نحو الصلاح، هو الذي يستطيع أن يتجاوز الأزمات، هو الذي يستطيع أن يؤلف القلوب ويجمع الكلمة على مرضاة الله سبحانه وتعالى، يعرف متى يسكت ومتى يتكلم، يعرف مواطن الخلاف المقبول ومواطن الخلاف المردود، يعلم الكليات فيقدمها والفرعيات فيؤخرها.

باختصار، العالم الذي تم تربيته على أخلاق العلم هو العالم المؤهل لقيادة هذه الأمة، وأما الشخص مهما بلغ من المعرفة العلمية، مهما أوتي من حفظ المتون والألفيات، إذا كان فاقداً لأدبيات العلم الشرعي ولاخلاقياته، لا يمكن أن يمسك زمام المبادرة وزمام القيادة في المجتمع، لا يمكن أن يكون هو الحل لهذه الأمة والموطن الذي يفزع إليه في النكبات وفي الكربات.

العالم صاحب الخلق الرفيع وصاحب الدين المستقيم وصاحب السنة واتباع منهج محمد صلى الله عليه وسلم، هو العالم الذي نرجو صناعته. من خلال هذا الكتاب نبث هذه الأفكار إليكم أحبتي، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن تنشئ هذه الأدبيات التي يطرحها ابن جماعة وغيره من أهل العلم غرساً صالحاً جديداً من طلبة العلم.

أملنا بالله سبحانه وتعالى أن نجدد غرساً لهذه الأمة، غرساً نشأ على طريقة أهل العلم السابقين، غرساً نشأ على العلم الشرعي الرصين مع الأدب والأخلاق، نشأ على كلام السلف رحمة الله عليهم وعلى تراثهم وعلى أخلاقهم وحياتهم وسلوكهم، فهذا هو الذي نطمح إليه وهو أملنا بربنا وهو حسبنا ونعم الوكيل.

نشرع اليوم في إكمال ما بدأ به ابن جماعة رحمة الله عليه في حديثه عن أدب العالم في درسه، وقد انتهينا إلى الأدب العاشر حين قال: أن يتودد لغريب حضر عنده وينبسط له ليشرح صدره. يتكلم في هذا الأدب العاشر عن تصرف العالم؛ كيف يتصرف العالم إذا حضر رجل غريب أو طالب علم غريب إلى مجلسه؟ كيف يتصرف العالم معه؟ كيف ينظر إليه؟ كيف يحدثه؟

فيقول ابن جماعة: على العالم أن يتودد للغريب، الإنسان الجديد على هذا المجلس، خاصة إذا كان من دولة أخرى شقيقة، فالعالم عليه أن يكون ذكياً فطناً في تعامله مع هذا الشخص الغريب حتى لا ينفره وحتى يستطيع أن يكسب قلبه للعلم الشرعي وله.

فيقول: عليه أن يتودد للغريب، يتحبب إليه، يمازحه، يبتسم في وجهه، قال: وينبسط له. الانبساط الابتسام، أن يبادله نظرات الود والحب والتقدير، قال: ليشرح صدره. لأنه هذا الطالب الغريب إذا وجد هذا العالم يتلقاه بهذا الصدر الرحب، وبهذه الابتسامة العريضة، وبهذا التودد والمحبة، سينشرح صدره وسيألف هذا المجلس ويحب العلم الشرعي ويحب هذا الشيخ المدرس.

قال: فان للقادم دهشة. هذا تعليل لماذا ينبغي أن يتودد مع الغريب أكثر من تودده مع من يلتزم حضور مجلسه. قال: لأن هذا الشخص الغريب الذي يحضر لأول مرة هذا المجلس له اندهاش، وشيء من الشعور بشيء من الغربة، وأنه لا يألف من حوله من الطلبة، فهذا الاندهاش وهذه الغربة وهذا الشعور بالانعزال عمن حوله يحتاج إلى عالم ذكي حتى يفككه، وحتى يشعر الطالب بالارتياح والتودد ويزيل عنه هذا الاندهاش وهذا الشعور بالنفرة عمن حوله. فالتودد والتحبب أمر مهم جداً وخلق على العالم أن يكتسبه حتى يستطيع أن يجذب الناس اليه.

قال: ولا يكثر الالتفات والنظر اليه استغراباً له. يعني إذا جاء طالب جديد على العالم أن لا يكثر النظر إليه حتى لكي لا يشعره بأنه يستغرب من قدومه. إذا كان هناك شخص غريب في المجلس، أحبتي، بعض الطلبة وبعض المدرسين يدمن النظر إليه، وهذا في الحقيقة يسبب له إحراجاً، بل قد لا يحضر إلى المجلس مرة أخرى، يعني يرى نفسه محل النظر، بدل أن يكون طالب علم يجد نفسه محط أنظار الجالسين ومحل نظر الشيخ، فقد يسبب ذلك له حياء يمنعه من إكمال هذه المجالس والحضور إليها. لذلك يقول لك ابن جماعة: ولا يكثر الالتفات إليه استغراباً له، فإن ذلك مخجله. وهذا كلام واضح بين.

قال: وإذا أقبل –الآن يتكلم عن جزئية أخرى- قال: وإذا أقبل بعض الفضلاء وقد شرع في مسألة، أمسك عنها حتى يجلس، وإن جاء وهو يبحث في مسألة أعادها له أو أعاد مقصودها.

فهنا يتكلم عن قضية أخرى، وهي قضية أن العالم إذا كان يتكلم في مجلس العلم في مسألة شرعية أو في فتوى أو ما شابه ذلك، وجاء رجل من الأفاضل من أصحاب المكانة في المجتمع أو من أصحاب المكانة الشرعية العلمية، أو طالب متقدم جداً عند الشيخ وله حظوة.

فاذا جاء هذا الرجل الفاضل اثناء كلام العالم في المسألة فعلى العالم ايضا ان يكون ذكيا فطنا. فاما ان يتوقف عن الحديث حتى يجلس هذا الفاضل ويعيد العالم طرح المسألة مرة اخرى ادبا معه، او انه يعني اذا اكمل هذه المسألة الى تمامها وما بقي له منها شيء، اذا جلس هذا العالم الفاضل يعيد طرح المسألة مرة اخرى او يعطي زبدتها باختصار.

وهذا حتى لا يكون هناك فجوة بينه وبين هذا الفاضل الذي اتى، لان بعض الافاضل ربما لو جلسوا ووجدوا العالم يتكلم في اثناء مسألة لم يلتفتوا الي او لم يلتفت هذا العالم الي او لم يعد المسألة من اجله، ربما ايضا سبب هذا نوع من الجفاء بينه وبين هذا العالم. فالعالم عليه ان يكون باختصار آآ ذكي في كسبه لقلوب الناس، خاصة اصحاب الوجاهة في المجتمع واصحاب المكانة.

فاذا جاءوا الى المجلس وانت كلم ايها العالم او ايها المتصدر او يا طالب العلم، عليك اما ان تسكت وتنتظر جلوسه ثم تعيد المسألة وتطرحها من جديد، او أن تكمل هذه المسألة إلى ختامها ثم بعد ان يجلس هذا الفاضل تعيد طرحها مرة اخرى أو تختصرها من جديد بصورة جيدة لائقة لا يشعر بها هذا الفاضل بالاحراج أو انه اتى في وقت غير مناسب.

قال: واذا اقبل فقيه وقد بقي آآ لفراغه وقيام الجماعة بقدر ما يصل الفقيه الى المجلس، فليؤخر تلك البقية ويشتغل قيل عنها ببحث أو غيره إلى أن يجلس الفقيه ثم يعيدها أو يتم تلك البقية كي لا يخجل المقبل بقيامهم عند جلوسه. هي قضية مشابهة للقضية السابقة يقول يعني اذا فاقبل فقيه الى مجلس العالم ان عالم عقد مجلسا.

فجاء رجل فقيه ليجلس في هذا المجلس، رجل من اهل العلم اصحاب المكانة الشرعية. قال: واذا اقبل فقيه وقد بقي فراغه وقيام الجماعة بقدر ما يصل هذا الفقيه الى المجلس، يعني هذا الفقيه وصل الى مجلس العلم وهو في نهايته ما بقي له شيء، فكيف يتعامل العالم مع هذا الموقف؟ لاحظوا هي مواقف يطرحها ابن جماعة ويعطي العالم وطالب العلم المتصدر الادب في التعامل مع هذه المواقف.

يقول ابن جماعة: فليؤخر تلك البقية. يعني المجلس ما بقي له الا خمس دقائق، والعالم علم ان هناك فقيه يريد ان يحضر، هذه الخمس دقائق يؤخرها العالم وينقضي القدوم هذا الفقيه. طب ايش يفعل في خلال خمس دقائق؟ ابقى يعني ساكتا؟ لا، قال: ينشغل بالبحث في مسألة اخرى، يعني اطرح موضوع اخر قضية جدلية على الطلبة آه، تشاغل انت وهم في موضوع جانبي حتى يأتي هذا الفقيه.

فحينما يأتي هذا الفقيه الدرس الذي انت فيه لتشعر هذا الفقيه بانك احترمته بانتظاره، لا تشعره بالخجل لان الفقيه وهذا الرجل صاحب المكانة اذا وصل الى المجلس عند فراغه وشعر ان الطلبة يعني انه وصل في النهاية والطلبة يريدون أن يقوموا، هذا أيضا فيشعره بالخجل اني اتيت في وقت غير مناسب. فهذا كله من باب تأليف القلوب. هذه الادبيات اللي يطرحها ابن جماعة ادبيات تساعد على تأليف القلوب.

فيقول اه فليؤخر تلك البقية ويشتغل عنها ببحث أو غيره إلى أن يجلس الفقيه، ثم يعيدها آه اما أن يكمل هذه البقية أو يعيدها ثم يعيدها أو يتم تلك البقية كي لا يخجل المقبل بقيامهم عند جلوسه. فاذا وصل هذا الفقيه وجلس، اما أن تكون هذه البقية هو تحدث عنها سابقا ويعيدها مرة اخرى كانه يطرحها لاول مرة حتى لا يخجل هذا القادم، أو انه اصالة هو لم يتحدث بها اخرها الى قدومه، فعندما جلس هذا القادم بدأ يتحدث بها.

وهذا نوع من تأليف القلوب لان هذا القادم كما قلنا لو انه حينما جلس شعر ان الشيخ انهى المحاضرة والطلبة يريدون أن يقوموا، لك أن تتخيل موقفه ولك ان تتخيل نفسك، ربما بعضنا وقع في هذه القضية ان يأتي إلى المجلس في ختامه ويشعر أن الجميع يلملم اوراقه ويلملم كتبه ويريد أن يقوم ويشعر بشيء من الانحراج، فهذا اسلوب يطرحه ابن جماعة حتى تتآلف القلوب ولا يشعر آه هؤلاء الناس بذاك الخجل.

قال: وينبغي مراعاة مصلحة الجماعة في تقديم في وقت الحضور وتأخيره إذا لم يكن عليه فيه ضرورة ولا مزيد كلفة. يتكلم الان عن الوقت الذي يعقد وقت الدرس، يعني متى يعقد العالم المحاضرة والدرس؟ متى يعقد العالم المحاضرة والدرس؟ فيقول على العالم ان يراعي الطلبة. يعني بعض الناس اذا اصبح مؤهلا للتدريس وتصدر له يظن أن له الحق في ان يضع وقت الدرس وقت ما يشاء تماما ولا يسأل الطلبة ولا يشاورهم، كل هؤلاء طلبة عليهم أن يحضروا عندما انا آتي بغض النظر.

وفي الحقيقة ليس الامر بهذه الصورة تماما عند العلماء. يعني هذا ابن جماعة العالم الكبير يبين أن العالم عليه ان ينظر في الاوقات التي آآ تناسب الطلبة فيعقد المحاضرات والدروس فيها ولا يعقدها في اوقات لا تناسب مواعيد الطلبة، وهذا ايضا من حرمة العلم أن هؤلاء الطلاب لهم حق في تعلم العلوم الشرعية وانت حينما تضع الدرس وقت غير مناسب قد تحرم كثير منهم من طلب العلم. ولذلك يقول: وينبغي مراعاة مصلحة الجماعة.

هذا الادب يتحدث عن متى يكون موعد الدرس أو المحاضرة، فينظر العالم في مصلحة الجماعة مصلحة اغلب الطلبة من حيث تقديم الوقت أو تأخيره إذا لم يكن عليه فيه ضرورة ولا مزيد كلفة. بما انك ايها العالم لا يوجد ضرر عليك في وضع الدرس بعد الظهر أو بعد العصر أو بعد المغرب ولا يوجد مزيد كلفة، فانظر فيما يناسب الطلبة، قد لا يناسبهم بعد الظهر يناسبهم بعد العصر أو يناسبهم بعد المغرب، فاذا العالم ينظر في المصلحة العامة قبل ان يحدد موعد المحاضرة.

وانظر إلى اي حد وصل هذا الامر. يقول: وافتى بعض اكابر العلماء أن المدرس اذا ذكر الدرس في مدرسة قبل طلوع الشمس، يعني بعد الفجر، لو أن المدرس عقد في المعهد أو بالجامعة الدرس بعد صلاة الفجر مباشرة قال أو اخره إلى بعد الظهر. قديما كان بعد الظهر وقت القيلولة، ربما هذا يختلف عن زماننا، لكن قديما كان بعد الظهر وقت القيلولة تقفل فيه المحلات والاماكن ويعود الناس الى ديارهم ليصلوا ويتناولوا طعام الغداء، فهذا إذا الوقت غير مناسب، لذلك قال أو اخره إلى بعد الظهر.

قال: لن يستحق معلوم التدريس الا أن يقتضيه شرط. لماذا لا يستحق المعلوم اللي هو الاجرة؟ قال: لمخالفته العرف المعتاد في ذلك. هذه فتوى افتى بها العلماء ان العالم إذا وضع موعد الدرس في وقت غير مناسب باختصار، وهذا يختلف باختلاف الازمنة، يعني لو جاء محاضر اليوم عقد محاضرة الساعة الثانية عشر ليلا واذا لم يأتوا الطلاب انا اغيبهم، أو هناك محاضرة بعد الفجر اذا لم يأتوا الطلاب أغيبهم.

افتى العلماء ان هذا المحاضر الذي يضع مواعيد محاضراته في وقت غير مناسب لا يستحق الاجرة على تعليمه وتدريسه، لا يجوز له ان يأخذها الا قالوا الا اذا يعني كان الواقف الذي -طبعا هذه القضية قديمة نعود فيها انه المدارس والمعاهد قديما كانت عبارة عن اوقاف- يأتي شخص ثري صاحب اموال وتجارة يريد أن يفعل شيء لله سبحانه وتعالى فيبني مبنى ويقول هذا معهد شرعي المعلمون لهم رواتب شهرية انا اصرفها لهم، والطلبة اما أن يسكنوا في هذا المعهد أو يعودوا الى ديارهم ويعودوا في اليوم المقبل.

المهم فهناك راتب يجريه هذا الواقف على المعلمين الذين يدرسون في هذا المعهد، فلو أن الواقف قال المعلم اصرفوا له راتبه مهما فعل من المخالفات، خلص يصرف له راتبه حتى لو وضع الدرس في وقت غير مناسب. لكن اذا الواقف ما تطرق لهذا الموضع فالاصل العام الذي افتى به كثير من العلماء ان المحاضر إذا وضع درسه في وقت لا يناسب الطلبة -وينظر طبعا في العادة والعرف، العادة والعرف هي التي تحكم ان هذا الوقت يناسب ولا يناسب- ففي هذه الحالة هذا العالم لا يستحق اجرته لا على التعليم ولا على التدريس. وهذا

دلل على الفكرة التي يؤصل لها ابن جماعة وهي أن العالم ليس لأنك عالم أو متصدر تضع الدرس وقت ما تشاء حتى لو خالف ذلك الأوقات المناسبة للجميع، تقول أنا أفعل ما أشاء على الجميع أن يحضوروا. لا، ليس بهذا المنهج. هي قضية قضية تعلم، علاقة بين عالم وتلميذ.

علاقة بين شيخ وطالب، وهذه العلاقة ينبغي أن تبنى على الحب، وعلى الود، وعلى الاحترام، وعلى التقدير المتبادل. نعم، على الطالب أن يحترم شيخه وأن يوقره وأن يبجله، وأن يحترم مواعيد الشيخ وأن يحضر في الوقت المناسب. أدبيات كثيرة سنتحدث عنها من أدبيات الطالب، لكن في المقابل الشيخ أيضاً يمنح الطلبة شيئاً من التقدير ويحاول أن يساعدهم في حضور هذه المدارس من خلال وضع الأوقات المناسبة لهم.

فإذاً في هذا الأدب العاشر تكلم ابن جماعة عن التصرف مع الشخص الغريب، وعن تصرف العالم عند قدوم الأفاضل إلى المجلس، والعالم يتحدث في أثناء مسألة شعرية كيف يعيدها لعالمه أو يختصرها من جديد، وإذا حضر الفاضل أو الفقيه في الختام كيف يداري العالم في إظهار أن المجلس لم ينته بعد من أجل ألا يحرجه، وتكلم أيضاً عن وضع الوقت المناسب للمحاضرات والدروس بما يتناسب مع الجميع.

ثم بعد ذلك سينتقل إلى الأدب الحادي عشر، يقول ابن جماعة رحمة الله عليه في الأدب الحادي عشر: جرت العادة أن يقول المدرس عند ختم كل درس: والله أعلم.

إذا وصل بنا ابن جماعة في الأدب الحادي عشر إلى ختام المجلس، بعد أن ينهي المحاضر من إلقاء المحاضرة أو الفتيا أو ما شابه ذلك، بماذا يختم كلامه؟ فقال: جرت العادة أن يقول المدرس عند ختم كل درس: والله أعلم، حتى يكل العلم إلى العالم الحقيقي سبحانه وتعالى. قال: كذلك يكتب المفتي بعد كتابة الجواب، يعني أيضاً وهذا الأدب يحصل للمفتي إذا كتب جواباً على ورقة أن يختم جوابه بقوله: والله أعلم. قال: لكن الأولى أن يقal قبل ذلك كلام يشعر بختم الدرس، كقوله: وهذا آخره، أو ما بعده يأتي إن شاء الله تعالى، ونحو ذلك.

يعني إذاً من الأدبيات التي يستحب للعالم أن يتعاهدها في ختم الدروس أنه، كما يقول ابن جماعة، إذا أراد أن يختم الدرس أولاً يشير بكلمة أن الدرس قد انتهى فيقول: وهذا آخر المجلس وما بعده سيأتي إن شاء الله في المحاضرة القادمة أو ما شابه ذلك، ثم يقول: والله أعلم، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، فيختم المجلس أيضاً بالصلاة على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

قال: ليكون قوله والله أعلم خالصاً لذكر الله تعالى ولقصد معناه. يعني قالوا: لو أنه كان يتحدث في مسألة وفجأة يقول والله أعلم، قد يظن أن كلمة والله أعلم لها ارتباط بالكلام السابق، لكن لو أنك فصلت فقلت: وهذا آخر المجلس، ثم قلت: والله أعلم، أصبحت كلمة والله أعلم أو هذه الجملة مستقلة بنفسها معناها مقصود لذاته، ولو ذكرت مع المسألة قد يفهم، قد يتوهم أن لها ارتباط بالمسألة السابقة، لذلك فضلوا أن يفصل بينهما بما يشعر بختم.

قال: ولهذا ينبغي أن يستفتح كل درس ببسم الله الرحمن الرحيم ليكون ذاكراً لله في بدايته وخاتمته. إذاً، ذكر الله سبحانه وتعالى ينبغي أن يكون مع المدرس وفي أثناء الدرس في البداية وفي النهاية، بل حتى في أثناء المحاضرة لو أن المدرس أعطى راحة ذكر فيها الله سبحانه وتعالى فإن هذا يكون من الأمور الجيدة، أن يبقى ذكر الله سبحانه وتعالى على لسان المعلم دائماً، يلاحظ الطالب أن المعلم كثير الذكر لله سبحانه، لأن هذه قضية مهمة تربوية ينبغي على طالب العلم أن يلاحظها في شيوخه، قضية المداومة على الذكر.

لأن الطالب إذا تأمل شيخه فرآه حريصاً مداوماً على ذكر ربه سبحانه وتعالى، هذه الأخلاق تنتقل للطلبة، هذه الممارسات يحرص عليها الطلبة، لكن كلما كان المدرس قليل الذكر لله، قليل استحضار هذه الأدعية والأذكار، فإن هذه الأخلاقيات أيضاً الخاطئة قد تتسرب للطلبة، فعلى المعلم أن يكون نبيهاً في هذا الموطن.

قال: والأولى للمدرس أن يمكث قليلاً بعد قيام الجماعة. يعني الآن قال المدرس والله أعلم وانتهى المجلس، فيقول: يفضل أن المدرس ينتظر قليلاً حتى ينفض الطلبة. حتى ينفض الطلبة، لماذا؟ سيذكر لك ابن جماعة مقاصد هذا الأدب. قال: فإن فيه فوائد وآداباً له ولهم. إيش هذه الفوائد والآداب؟ قال: منها عدم مزاحمتهم، يبقى أن المدرس يخرج مع الطلبة ستحصل مزاحمة على الباب، المدرس يأخذ حذاءه والطالب يأخذ حذاءه وهذا يزاحم هذا، وهذا لا يليق بمنصب العلم أن يكون المدرس مزاحماً للطلبة في مثل هذه المواقف.

قال: ومنها إن كان في نفس آآ أو في نفس أحد بقايا سؤال سأله الطلبة قد يكون عنده شيء من الحياء يستحي أن يسأل أمام زملائه، فإذا انفض المجلس وقام الطلبة وعادوا يأتي هذا الطالب إلى شيخه فيسأل بينه وبينه فيجيبه الشيخ، وهذه أيضاً مصلحة للطلبة. قال: ومنها عدم ركوبهم بينهم إذا كان ممن يركب وغير ذلك.

قصد في زمانهم يكون الطالب ما عنده شيء يركبه، يعود إلى المنزل على أقدامه، والمدرس قد يكون يعني عنده شيء من المال آتاه الله القدرة على شراء دابة من الدواب، قال: ولا بد أن الطلبة كلهم يعودون على أقدامهم ويرون المدرس يركب دابته. اليوم مثلاً في وقتنا نحاضر عندنا سيارة، فتخيل أن الطلبة كلهم عادوا إلى بيوتهم على أقدامهم والمدرس عاد بسيارته أمامهم، يعني قد يعني بعض نفوس الطلبة لا تطيب أو قد لا يكون هذا المنظر مناسباً لهم، فتطييباً لنفوسهم وخواطرهم يعود الطلبة ويخرجون ويتفرقون، ثم المدرس يخرج بدابته.

وهذه قضية يعني بعض القضايا قد لا تكون أساسية مفصلية لو خولفت، لو أن المدرس اضطر أن يخرج مبكراً ويزاحم الطلبة لحاجة عرضت له أو يخرج بدابته أمامهم، هذه الأمور أنا أظنها من يعني من ثنايا الآداب وليست من أساسياتها، فعلينا أن نفرق بين الأدب الأساسي الذي لا يقبل خرمه وبين الأدبيات التي تكون في الثنايا وليست ضمن الأصول.

قال: ويستحب إذا قام أن يدعو بما ورد في الحديث، أن يدعو بما ورد في الحديث: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. دعاء كفارة المجلس وسيذكر المصنف مرة أخرى في ختام هذا الكتاب المبارك، وهذا الدعاء وإن كان بعض أهل العلم يضعفه لكنه له طرق عديدة، ويتقوى بهذه الطرق بإذن الله فيرتقي إلى الحسن لغيره والله تعالى أعلم.

إذاً، دعاء كفارة المجلس علينا أن نحرص عليه: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

الأدب الثاني عشر والأخير من آداب العالم في درسه بدأه ابن جماعة بقاعدة في الحقيقة مهمة، قاعدة مهمة ويتخطاها بعض طلبة العلم في هذا الزمان، لذلك احرصوا واسمعوا ماذا ساقول الآن، اكتبوا جنبها أو بقرب منها قاعدة، اكتبوا قاعدة. ما هي هذه القاعدة؟

قال: ألا ينتصب للتدريس إذا لم يكن أهلاً له، ولا بذكر الدرس من علم لا يعرفه، ولا بذكر الدرس من علم لا يعرفه أهو اشترطه الواقف أو لم يشترطه، فإن ذلك لعب في الدين وازدراء بين الناس. هذه هي القاعدة، القاعدة تقول: لا يجوز لك أيها الطالب أن تصدر نفسك لتعليم علم من علوم الشريعة إلا إذا كنت متقناً لهذا العلم.

إلا إذا كنت إيش؟ متقناً لهذا العلم. وأما من تصدر لتدريس علم من العلوم وهو غير متقن له، كما يحدث الآن في كثير من الذين يتصدرون، حتى لو كان يحمل شهادة الدكتوراة الجامعية؟ نعم، حمل الشهادة الأكاديمية ليس مقياساً على علم شرعي، خاصة في هذا الزمن، كثير بل أكثر من يحمل الشهادات الجامعية يكون ضعيفاً علمياً، ويحرم عليه أن يدرس لأنه ليس مؤهلاً مؤهلاً للتدريس.

وقد رأينا بأعيننا أناساً يحملون شهادات أكاديمية بل وصلوا إلى مراتب الأستاذية، وصدقوني أحبتي يحرم عليهم الحديث في دين الله لأنهم لا يتقنون شيئاً، يتقنون الكلام بعضه ببعض، ينسبون الأقوال إلى غير أصحابها، لا يعرفون كيف تبنى الشريعة لأنهم لم في تحصيل العلم ابتداء وإنما حرصوا على نيل الشهادات الأكاديمية والترقي في مناصب الدنيا فحازوها ونالوها وأصبحوا يدرسون.

لكن سيلقون ربهم سبحانه وتعالى، وسيسألهم: كيف أذنتم لأنفسكم أن تتحدثوا في دين الله وأنتم لستم مؤهلين؟ هل سنجيب أنه أعطينا شهادة جامعية يا الله؟ الشهادة الجامعية ليست مقياسا على العلم. العلم ما درسته، ما حصلت، ما يظهر في، ما جمعته في عقلك ودماغك ويظهر في لسانك وفي كتابك، هذا هو العلم، يشهد لك العلماء. مالك بن أنس يقول: لم أتصدر للتدريس والفتيا حتى شهد لي سبعون من أهل المدينة، شهد لمالك سبعون عالما من علماء المدينة الكبار أنه أصبح مؤهلا للتدريس، حينئذ تصدر، ظهرت عدالته وظهر علمه وإتقانه، فأهل للتدريس.

أما أن تقيم محاضرات ودورات وتغرر بالطلبة، وتنصحهم أن يذهبوا إلى مجالسك وتطلب منهم الحضور، وترفع شعارات معالي فلان والأستاذ الدكتور المشارك فلان وأنت لا تتقن العلم الشرعي وكلامك غير منضبط؛ لأنك لم تتعب في تحصيل العلوم، ولم تتعب في حفظ المنظومات، ولم تتعب في التلخيص والنظر والجمع.

فإياك إياك فإنك ستسأل بين يدي الله سبحانه وتعالى يوم تلقاه، وكما قال لك ابن جماعة: هذا لعب في الدين وازدراء بين الناس. لذلك نعيد القاعدة: ألا ينتصب للتدريس إذا لم يكن أهلا له، ولا يذكر الدرس من علم لا يعرفه، يعني لا تذكروا الدرس من العلوم التي لا تتقنها، أنت مثلا متقن في التفسير لا تتكلم في المنطق، أنت متقن في المنطق لا تتكلم في التفسير، أحترم مقدار ما تملكه، إذا كنت متقنا في هذا وفي هذا تحدث، وأما الشيء الذي لا تتقنه فاياك أن تتكلم به، فإن هذا لعب بدين الله سبحانه وتعالى.

وأحذركم من اللعب بهذا الدين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور. الإنسان الذي يتظاهر بأن عنده شيئا وأنه يتكلم فيه، وهو في الحقيقة لم يؤتى هذا الشيء، لم يؤتى هذا العلم، شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بشخص يلبس ثياب الزور، ثياب الكذب.

فإياكم يا أيها الطلبة من هذه المنهجية الخاطئة، إياكم أن تتحدثوا على وسائل التواصل الاجتماعي بلسان العالم وأنتم تدركون أنكم لستم بعلماء، إياكم من هذه الاقتطاعات التي تقتطعونها من كلام الأئمة أو من كلام من علا كعبه في العلم في هذا الزمان وتضعونها على صفحاتكم وتنسبونها لأنفسكم حتى يتوهم الناس أنكم متمكنون وأن عندكم شيئا كبيرا من العلم.

وكم من إنسان يمارس هذه الممارسات على وسائل التواصل حينما نجلس معه في الحقيقة نزدريه، ونعلم أنه يتصنع العلم على وسائل التواصل الاجتماعي، وبعضهم يعني يضع لنا أسماء كتب كبيرة، أنه يقرأ كتاب تعارض العقل والنقل، ويقرأ كتب الغزالي، ويحب كتب الجويني وكذا، وهو في الحقيقة لا يعرف شيئا من هذه الكتب، إذ هو يضع فقط أسماء الكتب حتى ينظر الناظر إلى هذا الشخص: ما شاء الله، فلان طالب علم يقرأ الكتب الدقيقة، ووصل إلى شرح المواقف ومجموع وأعلام الموقعين وهو في الحقيقة لا يقرأها، ولو قرأ لم يفهم منها شيئا، فلماذا هذا التصنع؟ ولماذا هذا التظاهر؟ هذا يصدق عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: المتشبع بما لم يعط.

يعني الذي يظهر للناس أنه متشبع من العلم وأنه يدرك هذه وأنه قرأها وهو لم يعطها في الحقيقة، هذا كلابس ثوب زور، فاحذروا أحبتي من هذا الخلق الرديء المقيت فعلا، خاصة أن كثير من طلبة العلم في هذا الزمان لا يحبون أن يتعبوا في طلب العلم، ويحبون أن يظهروا في مظهر تمكن، هم لا يريدون التعب في تحصيل العلم ويريدون أن يظهروا في مظهر طالب العلم الحريص عليه الذي يتعب، يسير ليله ونهاره ويهجر أهله من أجل العلم وهو ليس كذلك، فاحذروا من هذا النفاق ومن هذا التلون، الإنسان يكون واقعيا مع نفسه، يكون صادقا والله سبحانه وتعالى يبارك له، أن تكون صادقا، إذا كنت قليل البضاعة في العلم أظهر قلة البضاعة، وقل: أنا انسان ما زلت على مراتب التحصيل، إذا يسر الله لي أن أصبح عالما أو متمكنا أدرس، أما قبل ذلك فإياكم من هذا التصنع ومن هذا التظاهر؛ فانه لا يليق بأخلاقكم وبأدبكم.

قال: وعن الشبلي رحمة الله عليه، قال: من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه. من تصدر قبل أوانه، من يتصدر قبل أن يكون راسخا في العلم، فإن هذا مجلبة لهوانه؛ في أن هذا الرجل قليل بضاعة العلم، بضاعته مزجاة، فتصدره قبل الأوان المناسب للتصدر سيظهر بضاعته المزجاة وهذا سبب في هوانه في أعين الناس، وكذلك في عند الله سبحانه وتعالى.

وعن أبي حنيفة رحمة الله عليه قال: من طلب الرياسة في غير حينه لم يزل في ذل ما عاش. وهذه أيضا مشابهة لكلمة الشبلي رحمة الله عليه، وأبو حنيفة كان إماما في هذا الخلق، يربي طلبته على عدم التصدر وعلى عدم عقد المحاضرات والدروس قبل أن يتمكنوا من تحصيل العلم الشرعي ومن ترسيخه. لذلك يروى أن أبا يوسف تلميذ أبي حنيفة أحب أن يتصدر وأن يفارق حلقة أبي حنيفة، كان هو طالب في حلقة أبي حنيفة، فرأى نفسه أنه قد قطع شوطا في الفقه، فاحب أن يعقد لنفسه حلقة خاصة به في المسجد في الكوفة، ويأتي إليه الطلبة.

فجاء أبو حنيفة إلى درسه، ففقد أبا يوسف، فسأل عنه: أين أبو يوسف؟ فقالوا: لقد أنشأ حلقة لنفسه في أقصى المسجد. فعرف أبو حنيفة كيف يداويه، فقال لأحد التلاميذ عنده: أذهب فاسأله عن هذه المسائل. لقنه مجموعة من مسائل الفقه يدرك أبو حنيفة أن أبا يوسف لم يطلع عليها بعد، فذهب هذا التلميذ بهذه المسائل إلى أبي يوسف وقعد بين يديه وسأله عنها مسألة مسألة، وأبو يوسف لم يعرف الإجابة عليها.

فعرف أبو يوسف أن هذا التلميذ إنما هو مبعوث من أبي حنيفة له حتى يؤدبه، ففارق أبو يوسف حلقته وعاد تلميذا إلى أبي حنيفة، يتعلم من هذا الخلق. فاياكم أن تصبحوا زبيبا قبل أن تتحصرموا كما يقولون، إياكم أن تصبحوا زبيبا قبل أن تتحصرموا، فالعنقود العنب متى يصبح زبيبا؟ أولا لا بد أن يصبح حصرم، ثم بعد ذلك يصبح زبيبا، هل يمكن أن يقفز إلى الزبيب قبل أن يصبح حصرم؟ إذا أصبح زبيبا مباشرة، قفز قبل أن يتحصرم، فإن هذا مذلة له وضياع للعلم وإضاعة للوقت وتشبع بما لم يعطى، فعليك أن تتحصرم ثم تصبح زبيبا.

قال: واللبيب من صان نفسه عن تعرضها لما يعد فيه ناقصا، وبتعاطيه ظالما، وباصراره عليه فاسقا. كلمات خطيرة، إيش هذا الكلام؟ يقول: اللبيب من صانها عن تعرضها لما يعد فيه ناقصا، وبتعاطيه ظالما، وباصراره عليه فاسقا. كيف يكون الإنسان بالتدريس إذا تصدر للتدريس فيما لا يحسن وفيما لا يتقن يكون ظالما فاسقا؟ انظر ماذا قال، قال: فانه الآن سيعلل هذه القواعد التي تكلم بها وأسسها.

قال: فإنه متى لم يكن أهلا لما شرطه الواقف في وقفه أو لما يقتضيه عرف مثله، كان باصراره على تناول ما لا يستحقه فاسقا. يعني كيف يكون الإنسان إذا تصدر للتدريس فيما لا يحسن فاسقا؟ تقول: طبعا بناء على مسألة الوقف القديمة ونستطيع أن نقيس في وقتنا الحاضر، لو أن إنسانا من الأغنياء الأثرياء أنشأ مدرسة أو معهدا لتدريس الشرعي وجلب إليه مجموعة من المحاضرين والمدرسين يظن أنهم على درجة من الإتقان وفرض لهم راتبا شهريا جيدا.

الان هذا الواقف لهذه المدرسة هو يظن أن من أتى بهم من الأفاضل على درجة من العلم، لكنه ليس متخصصا، فقد يقبل في بعضهم، فيكون بعضهم ليس متينا ضعيفا، فهذا المعلم الضعيف عليه أن يخبر صاحب الوقف وصاحب المعهد أنه ضعيف وأنه ليس مؤهلا للتدريس في هذه المادة، ولكن للاسف أصحاب الديانة الركيكة الضعيفة يقولون: ندرس هذه المادة إيش المشكلة؟ وأحضر المحاضرة وأدخل وأعطي ما عندي وأذهب وأخذ الراتب.

فابن جماعة يقول: من يفعل هذا الفعل من المدرسين إذا كان غير مؤهل لتدريس هذه المواد، فإنه يكون باصراره على اخذ الراتب الشهري فاسقا، يكون فاسقا. انظر إلى الشدة في الموضوع، لماذا؟ لأنك تأخذ مالا لا تستحقه، هذا الراتب الشهري الذي يضعه الواقف.

أو صاحب المعهد إنما يضعه بناء على أنك متقن، فإذا أنت كنت غير متقن عليك أن تخبر وتقر بذلك وتترك التدريس، ليأتي من هو متقن يدرس هؤلاء الطلبة. أما تأتي وتقول حتى لو لم أكن متقناً أحضر قبل المحاضرة وآتي إلى الطلبة وآخذ هذا الراتب وأترزق، لا يعد أكل مال حرام؟ أنت تأكل مالاً حراماً وتخون أمانة العلم وتخون صاحب الوقف، وعليكم أن تحذروا، وهذا كلام أيضاً نوجهه لمن يتصدرون في المعاهد والجامعات.

إذا كنت أنت أيها صاحب الشهادة الجامعية تحمل شهادة دكتوراه ولكنك تعلم أنك ضعيف في الفقه أو في أصول الفقه أو في الاعتقاد، إياك وإياك أن تدرس في الجامعة وأن تأخذ راتباً شهرياً. وفي الحقيقة، بعض من يتصدر الآن للتدريس في الجامعة يأخذ راتباً شهرياً لا يستحقه.

لان هذه المواطن أماكن التدريس إنما هي لمن كان متقناً، لمن كان يدرك ما يقول ويعلم ماذا يعلم الطلبة. أما شخص لا يعرف ماذا يقول ويعرف بما لا يعرف، كيف له أن يتصدر إلى هذه الاماكن؟ وكيف تأخذ راتباً مفروضاً لك وانت لا تؤدي هذه الوظيفة المنوطة بك بالشكل الجيد؟ أنت غير متقن، تعلم ثم تعال إلى هذه الاماكن. فعلى الذين يتصدرون تدريس المعاهد والجامعات يأخذون أموالاً عليهم أن يتقوا الله سبحانه وإلا كانوا فسقة، كما يقول ابن جماعة رحمة الله عليه.

قال فإن كان الواقف شرط في الوقف بأن يكون المدرس عامياً أو جاهلاً لم يصح شرطه اه، بقول لك لو نفرض أنه الواقف صاحب المدرسة، صاحب المعهد، صاحب الجامعة اه اشترط أن يكون المدرس في هذه المدرسة عامي أو إنسان جاهل، في الحقيقة الشريعة ترفض هذا الشرط، الإسلام والشريعة المحمدية ترفض هذا الشرط. ليس لك يا صاحب المعهد ويا صاحب المدرسة أن تقول أشترط في المدرس في المدرسين في هذه المدرسة أن يكونوا عواماً أو جهالاً. إلا أن هذا شرط يصادم الشريعة، نحن نقبل شروط الواقفين كما قال ابن القيم في الإعلام ما لم تصادم أصول الشريعة، أما شرط الواقف إذا كان مصادماً للشرع فانه لا يقبل. طب يا شيخ هو واقف هو حر، صاحب الوقف ليس له ذلك، ليس له أن يشترط شرطاً يخالف الشرع، والشريعة تأبى وترفض أن يدرس ويتصدر للتدريس من كان جاهلا عاميا أنه يفسد دين الناس ويفسد عقائد الناس كما نشاهد اليوم.

فلو أن الحكومة أو الجهة المسؤولة المؤسسة قالت ما عندنا مشكلة أن يدرس أي مدرس جامعي، المهم أنه يحمل شهادة الدكتوراه حتى ولو لم يكن متقناً، ليس لهم ذلك، يعني هذا دين، هذا دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. ثم يقول: وإن شاط جعل ناقص مخصوص مدرساً سقط اسم الفسق وخطر الإثم ويبقى التنقص به والاستهزاء به بحاله.

ما معنى هذا الكلام؟ يقول: إذا كان الواقف اه إذا كان الواقف اه شرط جعل ناقص مخصوص مدرسة. يعني هذا الواقف قال أريد فلان الفلاني يدرس في مدرسته، الذي أسس المعهد أو المدرسة هو نص على شخص معين، فلان ابن فلان، وهذا الشخص المعين الذي عينه ناقص، يعني ليس كامل الآلة العلمية. فلو أن صاحب الوقف وصاحب المعهد قال أريد فلان الفلاني يدرس في مدرستي وهذا الفلان الفلاني هو ناقص.

الان هذا الرجل إذا اخذ راتباً شهرياً، هذا الناقص المخصوص الذي نص عليه الواقف باسمه إذا أخذ راتباً شهرياً مقابل عمله في هذه المدرسة أو المعهد أو في مقابل تدريسه يقول ابن الجماعة يرتفع عنه الفسق والإثم. لأنه يأخذ راتب مقابل أن صاحب الوقف يريد بحد ذاته. يعني شو في عنا صورتين؟ صورة أنه صاحب الوقف خلص يبني المعهد ويقول للناس أو للمشرفين أحضروا لي المتقنين هنا، من كان غير متقن لا يجوز له أن يحضر فلو غم حاله عليه أن يبين حاله ويقول أنا غير متقن لا يجوز أن يحضر.

لكن الصورة التي يتكلم عنها ابن جماعة أن مدرس المدرسة أو مواقف المدرسة واقف قد يكون على علاقة ود ومحبة مع محاضر معين أو مع شيخ معين، فيقول أنا أريد فلان الفلاني بغض النظر متقن أو ناقص الآلة، لا، أنا أريد أدرس في معهدي. فالان هذا الشيخ الذي أتى ليدرس بناء على طلب صاحب الوقف، ما يأخذه من الراتب الشهري المفروض له لا يكون حراماً ولا يكون فاسقاً باخذه وإن لم يكن كامل الآلة؛ لأن صاحب الوقف هو طلبه بشخصه، طلبه بشخصه على أي حال كان وخلاص يريد حبه كما نقول. فهنا لا يكون آثماً باخذه للراتب الشهري.

لكن أقول يعني تعديلاً على كلام ابن جماعة، لكن إذا كان ناقص الآلة، صحيح أنت لا تكون آثماً باخذك للراتب الشهري لأنه نص عليك باسمك، لكن لا يجوز لك أن تدرس أو أن تتكلم بكلام لا تعرفه. خلص خود راتبك الشهري وارجع، شيء لا تتقنه لا تتكلم لي وأنت تأخذ راتبك بناءً على أنه صاحب الوقف يريد أن يمنحك الراتب، لكن كونه يريد أن يمنحك راتب ونص عليك باسمك هذا لا يبيح لك أن تتكلم في الدين وانت لا تتقن، هذا لا يبيح لك حتى ذلك. فلذلك عدلوا وأوضحوا عبارة ابن جماعة أن هذا المعلم الناقص لو نص عليه باسمه ليس له أن يتكلم في دين الله بما لا يعرف، وإذا تكلم بما لا يعرف فهو آثم. فارتفاع الإثم عن أخذ الراتب فقط وليس ارتفاع الإثم عنه أن يتكلم بما لا يتقن.

قال: لكنه يبقى التنقص به والاستهزاء به بحاله. يعني حتى لو نص عليك باسمك وأتيت تدرس ستبقى ناقصاً وستزري بنفسك. فالأصل أن ترفض، الأصل أن ترفض حتى لو نص عليك صاحب الوقف تقول له أنا أريد أن أتعلم أُكمل آلتي العلمية ثم بعد ذلك أتصدّر للتدريس عندك، قبل ذلك ليس لي أن آتي إلى هذه الأماكن فإنها ليست محلا لي.

قال: ولا يرضى ذلك لنفسه قريب، ولا يتعاطاه مع الغنى عنه لبيب. أليس هذا القريب الذكي لا يعرض نفسه لهذه المواطن يتكلم بأشياء لا يتقنها ويتصدى لتدريس علوم لا يحسنها؟ فالإنسان العاقل الذي يعرف قدره ويعرف عظمة الموقف بين يدي الله لا يعرض نفسه لهذا الخطر.

قال: ولا يظهر من واقف شرط ذلك قصد الانتفاع. الواقف الذي يشترط مثل هذه الشروط يشترط أن يدرس فلان الفلاني مع أنه صاحب بضاعة مزجاة في العلم، أو يشترط أن يدرس الجهلة أو من كان عامياً غير متقن، هذا في الحقيقة شرط لا نفع به، فلا يظهر لنا أن هذا الواقف لما اشترط هذه الشروط أراد فعلاً تحقيق المنفعة. فلذلك مدى التزامنا بشرط الواقف في الحقيقة يعود إلى مقدار المنفعة التي تتحقق من هذا الشرط، وليس دائماً يجب علينا أن نتبع شروط الواقفين من دون أن نناقش أو ننظر فيها، بل علينا أن ننظر في مدى استقامتها مع حدود الشرع.

قال: ولا يؤول أمر وقفه إلا إلى ضياع. هذا الواقف الذي يقول أريد أي مدرس يدرس في معهد، ما عندي مشكلة، ويسمي أشخاصاً غير مؤهلين، هذا وقفه سيؤول إلى الضياع؛ لأن الطلبة لن يأتوا إليه يعلمون والله هذا المعهد يدرس فيه من هب ودب، كل شخص عنده شيء من العلم ولو لم يكن متقناً يأتي ويدرس والكل مقبول عندهم، فالطلبة سينفرون من هذا المعهد. لذلك ابن جماعة يقول لهذا الشخص سيؤول إلى الضياع إذا استمررت على هذه المنهجية في تعيين أي موظف أي إنسان يحمل شهادة أكاديمية وإن لم يكن صاحب علم.

قال: وأقل مفاسد ذلك أن الحاضرين يفقدون الإنصاف لعدم من يرجعون إليه عند الاختلاف؛ لأن رب الصدر أي الشيخ المتصدر للتدريس لا يعرف المصيبة فينصره أو المخطئ فيزجره. يقول: أقل مفسدة في تعيين هؤلاء أصحاب البضاعة المزجاة في العلم، أقل مفسدة في تعيينهم للتدريس في هذه المعاهد والجامعات، ما هي؟ أن الحاضرين الطلبة الذين يحضرون هذه المجالس يفقدون الشخص الذي يعودون إليه في عند اختلافهم وفي مشاكلهم وفيما يظهر لهم من مستجدات في حياتهم؛ لأنهم يعلمون أن رب السطر بضاعته مزجاة.

فلا يعرف الصواب ولا يعرف الخطأ، لا يعرف ما يقوم على الأدلة والمناهج الصحيحة وما لا يقوم عليها. فإذا فقد الطلبة الشيخ المربي المنصف الذي يعودون إليه ليعرفوا الصواب من الخطأ، ففي النهاية سيهجر هذا المعهد وسيظل الطلبة وتضيع الأحكام الشرعية بين.

وهؤلاء، فلان يفتي بفتاوى شاذة، وفلان يتصدر على الإذاعات يفتي بفتاوى أخرى شاذة، فلان يبدع كما يشاء، وفلان يخفض كما يشاء، فلان يأخذ بالرخص وفلان لأن للاسف ما نعانيه اليوم أحبتي في المعاهد والجامعات أزمة علم.

نحن نعاني اليوم في معاهدنا وفي جامعاتنا وفي الساحة العلمية في الحقيقة أزمة علم، لأن هناك من يتصدر للتدريس في الجامعات والمعاهد ويتصدر على التلفاز وعلى الإذاعات ليفتي في دين الله بغير علم.

هو ليس مؤهلاً أحبتي هذه أقولها لكم وخذوها عني، لا يجوز لكم أن تذهبوا إلى إنسان يتظاهر بزي العلماء ويتكلم بكلام العلماء وهو غير معروف بتحصيله العلمي الرصين. لا تقل فلان يحمل شهادة جامعية هذا ليس عذر بينك وبين الله، حتى لو كنت عامياً.

العلماء يقولون: عليك أيها العامي أن تبحث عن العالم المتقن، العالم الذي أفنى عمره في تحصيل العلم وضبطه وجلس على يد الأكابر ينظر ويتأمل ويحفظ وفكر، فتاريخه يشهد له بأدائه العلمي الرصين.

محفوظاته، كتاباته، شهادة العلماء له إلى غير ذلك، أما أن يكون مجرد محاضر جامعي أو شيخ إمام مسجد أو إنسان يتصدر على إذاعة من الإذاعات هكذا يفتي الناس لا يجوز لك أن تسأله.

احذروا أحبتي من المتسلقين على العلم، احذروا من هؤلاء الذين يظهرون على وسائل التواصل الاجتماعي وكما قلت لكم على شاشات التلفاز على غيرها من الوسائل يتكلمون في دين الله، ووالله لم يتعلموا العلم كما تعلمه العلماء. صدقوني لا يحفظون المتون الشرعية والمنظومات.

العلمية ولا يحسنون نسبة الأقوال إلى أهلها، ولا يعرفون كيفية بناء الفروع على الأصول، ولم يقرؤوا في اللغة العربية ليكونوا من أهل اللسان العربي الرصين، وإنما هي مجرد ثقافات عامة جمعوها من خلال قراءتهم في أثناء مراحل الدراسة الجامعية، قرؤوا كتاباً من هنا، كتاباً.

من هنا، كتاباً من هنا، شكلوا ثقافات عامة ونصبوا أنفسهم ليتكلموا في دين الله عز وجل، وهؤلاء هم الطامة الكبرى، هؤلاء هم الذين أشاهدهم اليوم يميعون الفتاوى الشرعية ويخالفون المذاهب الفقهية ويصدرون إلى شذوذات وإلى.

عقلانيات، هؤلاء هم الذين يزرعون الأفكار الخاطئة، هؤلاء هم الذين يولدون الإرجاء ويولدون الخوارج ويولدون العقلانية بدون الحداثية. كل هذه المذاهب الباطلة إنما نشأت من الجهل، لأن الذي يتصدر للكلام في دين الله اليوم.

لم ليس مؤهلاً وليس تام الآلة وليس متمكناً ولم يستفرغ وسعه وطاقته في تحصيل العلم الشرعي، وإنما ضمن ظروف معينة وجد نفسه أمام الناس بارزة، ضمن ظروف معينة وجد نفسه بارزاً أمام الناس.

فأعطى لنفسه ومنح نفسه حق الكلام في دين الله، ولو وضع على المسطرة العلمية وعلى المحك العلمي لوجدتم بضاعته مزجاة. فاسمعوا ما أقول: لا يجوز لكم أيها الناس أن تسألوا.

محاضراً جامعياً أو إنساناً يفتي على الإذاعة أو أي شخص يتصدر حتى تعلموا أن هذا الرجل على مقدار علمي بشهادة العلماء وش هذا التاريخ ومعرفة هذا الرجل ما مقدار تحصيله، خاصة في زمن الفتن؟ يعني عند العلماء الاقدمين.

العامي قد يطمئن لمن يتصدر للتدريس، لأنه في القدم كان من يتصدر للتدريس والفتيا لا يتصدر حتى يكون متقناً، لأنه يعلم أنه سيفضح. لكن اليوم لأن الأجواء العلمية ضعيفة فلو تصدر رجل قليل البضاعة ربما لن يفضح، لماذا؟ لأن أقرانه الذين يتصدرون معهم مثله.

فعملية انفضاح أمره وانكشاف قلة بضاعته محدودة، خاصة مع فضاء التواصل الاجتماعي أو ما شابه ذلك. لكن قديماً كان يستحي الرجل من أن يتصدر بين الأكابر لأنه سيكشف مباشرة، سيكشف مباشرة. جميع الفرق قديماً كانت تهتم بدراسة العلوم الشرعية، اتباع أهل السلف رحمة الله عليهم، أو حتى ممن يخالف السلف.

في المنهج وفي الاعتقاد من المعتزلة وغيرهم، الكل يحرص كان على طلب العلم، يعني حتى أصحاب المدارس العقلانية القديمة من المعتزلة كانوا يتكلمون بعد أن يدرسوا ويبحثوا وينظروا. فلذلك كان من يتصدر بشكل عام عنده بضاعة علمية، بغض النظر مقدار تفاوتها، لكن في النهاية في بضاعة علمية موجودة، في كلام علمي يمكن أن.

تناقشه. اليوم الذي يتصدر لا يملك مفاتيح العلم الشرعي، لا يملك أساسيات البناء، لو سألته في مسائل في متون متقدمة في الأجرومية في في أصول المتون لم يدرسها لم يطلع عليها لأن بناءه العلمي كان على كتب معاصرة في الجامعات، ولم يتعب نفسه في الذهاب والجلوس بين.

العلماء أو في حفظ المتون أو في تمكين البناء الذي يقوم عليه علمه لا يريد أن يتعب نفسه، لكن كما قلنا ضمن ظروف معينة ضمن مناصب معينة أصبح مؤهلاً أو أهل، عفواً لم يصبح مؤهلاً، أهل للتدريس أو للإفتاء أو ما شابه ذلك. فأصبحت الأمة تعاني في طواف. كثير من.

الفتاوى الشاذة التي تصلني أحبتي يقولون والله يا شيخ سامحنا الشيخ فلاني يفتي بها على الإذاعة، في الحقيقة طامة كبرى طامة كبرى. بعض الشيوخ على الإذاعات وعلى التلفاز يفتي بما يخالف أقوال الأئمة جيلاً بعد جيل.

ويبيح ذلك لنفسه بحجة أن الواقع اختلف، وأن النوازل يجب أن ننظر إليها بنظرة أخرى. اخي من ينظر في النوازل وفي المستجدات ينبغي أن يكون متيناً بنى علمه على أصول المذاهب المعتبرة، ثم بعد ذلك يحقق المناط المستجدات. وأما هكذا بهواه وبذوقه يشرع للناس ديناً.

يذهبون إليه بدل الأقوال المعتبرة لأهل العلم، هذا فليتق الله سبحانه وتعالى. وهذه الشذوذات التي نسمعها اليوم من هنا وهناك إنما سببها قلة الديانة ممن يتصدر للحديث، قلة الديانة وليس فقط قلة العلم، لأنه لو كان قليل العلم لكن عنده ديانة.

ستحجزه ديانته عن الخوض في دين الله سبحانه وتعالى، ويعلم قدر هذا العلم، وأما أصحاب الديانة الركيكة وأصحاب القلوب الضعيفة وأن يبحث عن المناصب وعن الدراهم والدنانير، هؤلاء نسوا لقاء الله سبحانه وتعالى والوقوف بين يديه.

المهم أن يأخذ راتبه، المهم أن يذكر اسمه، المهم أن يشار إليه بالبنان ثم فلتذهب الأمة إلى الجحيم، هكذا يريدون. نسأل الله السلامة والعافية. لذلك في زمن الفتن يجب علينا أن نحتاط وجوباً.

الأمر دين، الأمر ليس له ليست نزهة على شواطئ البحار ليست قضية شكلية في الحياة يمكن أن تؤخذ من أي شخص، الأمر دين، والدين يؤخذ من الأكابر. كان السلف يقولون: انظروا أن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. انظروا بدك تنظر، بدك تبحث.

لا تقول والله يا شيخ أنا أبويا نبحث، أنا مهندس، أنا دكتور، أنا أخي هذا دين. قضية أنك مهندس دكتور عندك أشغال في الحياة الدنيا هذا أمر يعود على نفعك.

خاص أو على أسرتك، لكن قضية الدين هذا هو الرقم الأول في حياتنا، هذا هو المرتبة الأولى، لا نساوم على ديننا، لا نساوم، لا نساوم على مبادئنا، لا نساوم على أحكام شرعنا، لا نسمح لأي شخص أن يتسلق علي من هنا ومن هنا، ليخوض فيها بجهل وببضاعة مسجاة وقلة علم أبداً.

لا نسمح لأحد، تريد أن تتكلم؟ تكلم بعلم، اثبت لنا أنك من أهل العلم، اثبت لنا تشبعك وتضلعك من العلوم الشرعية، ومن القراءة العلمية ومن الفهم الدقيق، ثم بعد ذلك تكلم. وأما قبل ذلك فالأمر عظيم، والسؤال عظيم بين يدي الرب سبحانه وتعالى.

قيل لأبي حنيفة رحمة الله عليه في المسجد حلقة ينظرون في الفقه، فقال: ألهم رأس؟ قالوا: لا. قال: لا أفقه هؤلاء أبداً. يعني سئل أبو حنيفة رحمة الله عليه عن قوم في في مساجد الكوفة كأن هناك في مسجد الكوفة قامت حلقة من طلبة علم يتناقشون فيما بينهم في المسائل الفقهية.

فأبو حنيفة سئل عن هذه الحلقة: إيش رأيك فيها؟ فقال أبو حنيفة: هؤلاء الطلبة الذين أنشأوا حلقة في المسجد لتدارس الفقه، هل لهم رأس؟ يعني شيخ يرجعون إليه يصوبوا اجتهاداتهم وآرائهم ويبين لهم الصحيح من الفاسد أم يتحدثون من دون وجود رأس يعودون إليه؟

فقالوا: والله يا شيخ، هذه الحلقة ليس فيها رأس، يعني لا يوجد عالم متضلع مشرف عليها يعود إليه الطلبة، هم طلبة فيما بينهم يجتهدون ويتناظرون ويتكلمون. فقال: لا يفقهوا هؤلاء أبدا، لا يمكن أن يصبح هؤلاء فقهاء، لأنهم في النهاية ما عرفوا الصحيحة من السقيم، ما عرفوا المستقيم من الفاسد. فوجود الرأس الذي هو الشيخ المعلم المتقن مهم جدا للطالب، حتى يعرف كيف تبنى مناهج أو كيف تبنى المسائل، وكيف تبنى الفروع على الأصول، وكيف تضبط القواعد.

فلذلك لا يمكن أن ينشأ الطالب إلا على يد شيخ وأستاذ. ولذلك كانوا يحذرون من أخذ العلم من الصحفيين، الذين يأخذون العلم من قراءة الكتب فقط ولم يدرسوا على أيدي الشيوخ؛ بأن الذي يكون بناء العلم فقط من قراءة الكتب ولم يتعلم على أيدي أهل العلم من المشايخ الأفاضل ولم يثنِ الركب بين أيديهم، قد يقرأ شيئا خاطئا يرسخ في ذهنه ويبدأ ينشره ولم ينتبه على الخطأ والخلل.

فلذلك من يريد أن يتصدر عليه أن يمنح نفسه فرصة من الجلوس بين يدي العلماء؛ لأن العلماء يقومون له دينه وطريقته ويبينون له المنهج الصحيح من المنهج المعوج. فلذلك قضية أخذ العلم من الصحفيين ممن لم يتعلموا على أيدي الشيوخ، هذه قضية ينبغي أيضا أن ينتبه عليها طالب العلم.

ثم ختم هنا قال: ولبعضهم في تدريس أه، يعني هنا أبيات ذكرها بعضهم ولا أعرف لمن هذه الأبيات، لم يذكروا ذلك من جماعة ولا أعلم في الحقيقة لمن تنسب هذه الأبيات، والظاهر أن ابن جماعة أيضا لا يعرف ذلك لأنه لم ينسبها. يقول: نظم بعضهم أبيات مختصرة في حال الرجل الذي يتصدر للتدريس وهو غير مؤهل بعد لهذه المرتبة.

إيش هذه الأبيات؟ أبيات ظريفة. يقولون: تصدر للتدريس كل مهوس جهول تسمى بالفقيه المدرس. يقول لك: تصدر للتدريس كله مهووس، انسان مهووس جهول يعني هو مش فقط مهوس، جهول هاي صيغة مبالغة، يعني مش فقط جاهل بل كثير الجهل جهول. تصدر للتدريس كل مهوس جهول تسمى بالفقيه المدرس. يعني الناس سمته وسمى نفسه الشيخ فلان الفلاني، العلامة فلان الفلاني، الرأس الأكبر فلان الفلاني، الفقيه المحدث ألقاب مملكة في غير موضعها، كهر الهر يحكي انتفاخا صولة الأسد.

قال: فحق لأهل العلم أن يتمثلوا ببيت قديم إن شاع في كل مجلس. يعني إذا أمثال هؤلاء تصدروا، فحق لنا أن نتمثل ببيت مشهور عند الناس. إيش هذا البيت الذي نتمثل في هذه الحالة؟ لقد هزلت، مش احنا طبعا في عاميتنا نقول هزلت، ويقول: لقد هزلت حتى بدا من هزالها كُلاها وحتى استامَها كل مُفلِس.

أصبحت هزلت فبدأ من هزالها كُلاها، واستامها كل مفلس، أصبحت لا قيمة لها. وهكذا للاسف يعني حال هؤلاء إذا اصبح هؤلاء هم الذين يتصدرون للتدريس، بالله عليكم إيش اصبحت قيمة العلم إذا اصبح العلم يخوض فيه فلان وفلان وقيل وقال وأظن ولا أظن، هذول الجماعات أظن ولا أظن وأتذكر أن هناك فيه، ولكن هذا الكلام الممجوج الذي لا ينبني على أصول علمية.

ماذا سيحدث في العلم؟ وكيف سيسود العلم في المجتمع بأمثال هؤلاء؟ فعلا لقد هزل حتى بدا من هزالها كُلاها وحتى استامها كل مفلس. في المجلس القادم أحبتي بإذن الله نشرع في الفصل الثالث في آداب مع طلبته مطلقا وفي حلقته. أسأل الله العظيم أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يجعل ما سمعناه حجة لنا لا علينا يوم نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.