يا طالباً للعلم يرجو نفعه، اسمع نصيحة ناصح معواني. لربك في أمورك كلها، فالمخلصون هم أولو العرفان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين.
وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم للإمام بدر الدين ابن جماعة الشافعي رحمة الله تعالى عليه.
وما زلنا نسير في هذه الرحلة الشيقة مع ابن جماعة، وهو يرسم لنا معالم الطلب، ويمنحنا أدبياته التي ينبغي أن نتأدب بها ونحن نسير في هذا الطريق العظيم؛ إذ ربي سبحانه وتعالى أدب طالب العلم هذا النهج الذي نفقده في هذا الزمان، ونحتاج أن نقف على ملامحه ودقائقه وتفاصيله.
ها هو ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه ينتقل بنا طوراً بعد طور في تعلمه والوقوف على مراسمه، واليوم أحبتي نشرع في الفصل الثالث، الذي يتكلم عن أدب العالم مع طلبته مطلقاً وفي حلقة العلم خصوصاً.
وفي الفصل السابق تحدثنا عن أدب العالم في درسه على جهة العموم: كيف يفعل العالم في منزله قبل أن يغادر، وفي أثناء الطريق، وإذا وصل كيف يضبط الحلقة وكيف يتعامل مع الطلبة بأنواعهم؟ لكن في هذا الفصل سيتكلم ابن جماعة بخصوصية أدق؛ في هذا الفصل الثالث سيتكلم ابن جماعة بخصوصية أدق: علاقة المعلم مع الطالب، وتوجيه المعلم للطالب، وكيف يؤدبه، وكيف يعلمه، وكيف يرتقي به فهماً وعقلاً وأدباً.
إذن، الفصل السابق كان يتكلم عن أدب المعلم في درسه عموماً، وأدب المعلم في الدرس منه ما عاد إلى نفسه؛ كيف ينويه وماذا ينوي؟ ماذا يفعل قبل الذهاب كما قلنا؟ ماذا يلبس؟ كيف يتنظف؟ ماذا يفعل أثناء الذهاب للمحاضرة من الذكر إذا وصل إلى مجلس الدرس إلى آخر تلك التفاصيل.
أما الآن كما قلت لكم فنحن ندخل في العمق أكثر وأكثر في علاقة المعلم مع الطالب، وهنا نلحظ تفوق السلف رحمة الله عليهم وعلماء الأمة في دراسة العلاقة النفسية التي تربط معلماً بالطالب بأدق تفاصيلها رحمة الله عليهم رسموها؛ تفوقنا على المناهج الغربية المعاصرة التي كتبت في تعامل المعلم مع الطالب النفسي، وكيف يدير المعلم المحاضرة وما شابه ذلك مما يكتب اليوم في علوم التربية.
ستلاحظون كم كان علماؤنا دقيقين، وكم كانوا خبيرين بدقائق النفس البشرية وما تحتاج إليه من التلطف والرعاية والاهتمام والنظر وعدم الاستعجال وغض الطرف إلى غير ذلك من الأمور التي ستلاحظونها جلية عند ابن جماعة رحمة الله عليه من خلال هذه الفصول.
دعونا إذن نستمر مع هذه الرحلة الشيقة مع ابن جماعة لنقف على هذه الأدبيات، ليس وقوفاً عابراً، بل وقوف من يريد أن يطبق، من يريد أن يعمل؛ فإن هذه المعاني وإن هذه الأدبيات إنما مقصدها الأساسي العمل والتطبيق، وأن نتمثلها في حياتنا وعند تدريسنا، أن نطبقها حينما نتعامل مع طلبتنا وفي حلقات العلم.
ليس المراد أحبتي مجرد أننا نسمع المحاضرة ونقف على الأطلال ما ذكره السابقون ونعيش لحظات روحانية مع تلك الجماليات، ثم نتخطاها نتجاوزها ولا نعمل بها.
إذاً، علينا أن ننتبه؛ المراد من الوقوف على هذه الأدبيات إنما هو العمل، إنما هو التطبيق، إنما هو التخلق بها في واقعنا الخارجي.
يقول ابن جماعة رحمة الله عليه: الفصل الثالث في أدب العالم مع طلبته مطلقاً وفي حلقته، قال: وهو أربعة عشر نوعاً.
سنتكلم إذن في عدة مواضيع هي التي ترسم لنا علاقة المعلم مع الطالب، وليس في يعني فقط فكرة واحدة أو مجموعة، بل هي في أربعة عشر موضوعاً.
بدأها ابن جماعة بموضوع النية مرة أخرى ليركز ويؤكد وينبه أن النية هي التي تصنع كل شيء، ليؤكد أن النية هي التي تصنع كل شيء، هي التي تنقل الأمة من الضعف إلى العزة، ومن الهوان إلى الاستعلاء على غيرنا من الأمم.
النية الصالحة هي الأساس، هي المنطلق في حياة العالم، هي المنطلق في حياة طالب العلم، كلما كانت النية سامية عالية رفيعة سمت بنفس صاحبها وأخذت به وبمن حوله إلى العلو إلى الارتقاء، وكلما كانت دنية تحوم حول الحياة الدنيا وملذاتها فإنها تسهل بصاحبها وتنزل به إلى الحضيض.
يقول ابن جماعة رحمة الله عليه: أن يقصد بتعليمهم وتهذيبهم وجه الله سبحانه وتعالى.
انظروا ما هي النوايا التي ينبغي أن يراعيها العالم أثناء توجيه الدرس، أثناء التعليم، أثناء ممارسة العملية التعليمية في حياته مع طلبته؟ أولاً: النية العامة، أن يقصد بتعليم الطلبة قال: وجه الله سبحانه وتعالى.
ثانياً: نشر العلم.
ثالثاً: إحيای الشرع؛ إذاً مجالس العلم التي تعقد وهذه الدورات التي نقوم بها علينا أن ننوي بها نشر العلم وإحيای من دثر أو مقاربة الاندثار من معالم هذه الشريعة الغراء.
ثم بعد ذلك أكمل قال: ودوام ظهور الحق.
إذاً، مجالس العلم ومجالس الشريعة التي يعقدها العلماء من أهم وظائفها دوام ظهور الحق، حتى لا تأتي أجيال لاحقة من هذه الأمة فتقول: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، إن هذه النية وهذا المقصد من أهم مقاصد إقامة المجالس الشرعية دوام ظهور الحق، وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِّنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حتى يأتي أمر الله.
فالعالم الرباني الذي يريد أن يكون في المراتب العليا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وظيفته الجهاد في إظهار العلم وإدامة تعزيز هذا العلم، وإزالة الغبار وما دثر وما تم تشويهه وتم إزالته من هذا الطريق.
ثم ذكر ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه قوله: وخمول الباطل.
إذاً، ينوي ظهور الحق وخمول الباطل من الجهة المقابلة، ودوام خير الأمة بكثرة علمائها.
إذاً، العالم أيضاً ينوي صناعة الرجال، ينوي صناعة العلماء، وهذا أطلب للعلم جداً وإخلاصاً؛ لأن صناعة العلماء أن تنشئ طالب علم في مدارج الترقي إلى مرتبة العالمية هذا أمر لا ينال براحة الجسد، يحتاج عالم يعطي ثمرة الحياة والوقت لهؤلاء الطلبة.
صناعة العلماء أحبتي أمر عظيم، ومهمة جليلة ينبغي أن تفنى من أجلها الاعمار والأرواح؛ صناعة العلماء هذا ما نحتاج إليه اليوم في الحقيقة.
كلما فقدنا عالماً، كلما رقد عالم تحت الثرى، كلما غاب عالم في غياهب السجون، ننظر إلى عالم آخر يعود ليمسك الراية وينطلق من جديد بهذه الأمة، وهؤلاء العلماء من الذي سيصنعهم؟ إنهم العلماء، إنهم العلماء السابقون يصنعون العلماء اللاحقين.
لابد من بقاء هذه السلسلة في هذه الأمة؛ كلما ذهب عالم ورث علمه نحى رايته لمن بعده، فتفريغ العلماء لتدريس الطلبة ومنحهم الأوقات الواسعة للقيام بهذه الوظيفة أمر عظيم جداً، لا يعقل أن يكون العالم منشغلاً بتحصيل لقمة العيش طوال حياته.
لا يقبل أن يكون العالم منشغلاً طوال حياته في تحصيل لقمة العيش واللهث خلف لقمة العيش، لا يجد وقتاً للتفرغ للطلبة؛ هذا الذي يريدونه منكم اليوم، يريدون من العالم أن يبقى متلفتاً خلف الدنيا، أن يبقى تائياً ضائعاً يريد أن يحصل شيئاً من الحياة يسد به رمقه ورمق أطفاله.
نعم، يريدون إغلاق أبواب الخير من خلال إلهاء صناع الحياة وصناع الحضارة من خلال إلهاءهم بالبحث عن الرزق.
وظيفة هذه الأمة أن تنشئ المعاهد الشرعية الصادقة، أن تدعم العلماء الصادقين الذين يربون الأجيال، أن تقف معهم وأن تعلم أنهم صمام الحياة، صمام الحياة بلا منازع، هم الطريق، هم المسلك، لا يوجد مسلك آخر من عند غيرهم، هم المسلك لظهور أمر هذه الأمة من جديد.
قال: ودوام خير الأمة بكثرة علمائها واغتنام ثوابهم.
إذاً، أن ينوي أيضاً اغتنام ثوابهم؛ ثواب الطلبة كيف يغتنم ثواب الطلبة؟ أن كل علم سيعلمه هؤلاء الطلبة لمن بعدهم إنما هو في ميزان حسنات الشيخ، كل دعاء، كل ثناء يثني به الناس بعد ذلك على الشيخ هو في ميزان حسناته بإذن الله.
فإذاً الشيخ أيضاً عليه أن ينوي اغتنام الثواب؛ ثواب ما سيعلمه الطلبة هؤلاء لمن بعدهم، ثواب الدعاء والثناء الجميل من الناس بعد ذلك على الخير الذي تركه.
هذا العالم له، فإذن اغتنام الثواب أيضاً من النوايا التي ينبغي أن تكون مستحضرة عند العالم. قال: واغتنام ثوابهم، وتحصيل ثواب من ينتهي إليه علمه من بعدهم، وأن يحصل الثواب لكل شخص سينتهي إليه العلم من بعد تلاميذه. فهؤلاء التلاميذ سيقومون بنفس المهمة، يوصلون العلم لمن بعدهم، ومن بعدهم، هكذا يصل إلى من بعدهم.
فنحن أحبتي الآن نقرأ كلام ابن جماعة، هذا الكلام الذي صنفه ابن جماعة، كل شخص يقرأ هذا الكلام ويستفيد منه، فهو في ميزان حسناته، ثم في ميزان حسنات شيوخ ابن جماعة. وهكذا تستمر السلسلة النقية الطاهرة حتى تصل إلى المعلم الأول بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.
إذن العلم سلسلة ينقلها الكبار إلى من بعدهم، ثم إلى من بعدهم، حتى تبقى هذه الأمة قائمة شامخة لعلمائها وبعلومها إلى يوم القيامة. قال: وتحصيل ثواب من ينتهي إليه علمه من بعدهم، وبركة دعائهم. أن يحصل بركة الدعاء وترحمهم عليه، فهم حينما يدعون للعالم يترحمون عليه، رحمه الله ترك لنا هذا المصنف، رحمه الله صنع لنا هذا العمل.
الناس أحبتي حينما ترى آثار العالم تدعو له تترحم عليه، هؤلاء الذين يستحقون أن نترحم عليهم وأن ندعو لهم، هؤلاء العلماء الكبار الذين تركوا لنا هذه المصنفات الجليلة والآثار الجميلة. هؤلاء يستحقون منا الدعاء في كل ركعة، في كل صلاة، في كل أونة وحين، لأنهم تركوا لنا تراثاً جليلاً عظيماً لنا كابراً عن كابر حتى وصل إلينا.
فالعالم عندما يعلم عليه أن ينوي أيضاً أن يحصل دعاء الناس، هو لا يريد أن يحصل دعاء الناس من أجل أن يثني على نفسه، ويريد أن يحصل الدعاء لأن الدعاء سبب في نزول الرحمات على هذا الشرك. قال: وبركة دعائهم له وترحمهم عليه. قال: ودخوله في سلسلة العلم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم.
العالم أيضاً يستحضر هذه النية الجميلة، أنه دخل في سلسلة العلم التي مبدأها ورأسها ومعلمها الأول محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ورث هذا النبي العظيم العلم لصحابته، والصحابة لمن بعدهم، وهي سلسلة تسير إلى قيام الساعة. فالعالم ينوي أن يقحم نفسه في هذه السلسلة، لعله يكون أحد المفاصل والمعاقد المهمة في هذه السلسلة الذهبية، يلقى الله سبحانه وتعالى وإذا بسلاسل العلماء هو موجود معهم في زمرتهم، في ركبهم، فأن يكون العالم جزءاً مفصلاً معقداً في معاقد هذه السلسلة هذا أمر عظيم على العالم أن يستحضره في التعليم.
قال: وعباده في جملة مبلغي وحي الله تعالى وأحكامه، فان تعليم العلم من أهم امور الدين، وأعلى درجات المؤمنين. لاحظوا كم هي النوايا التي ينبغي لعالم أن يستحضرها، يعني النية الأساسية وجه الله سبحانه وتعالى ويتفرع منها هذه النوايا الفرعية المهمة: نشر العلم، وإحياء الشرع، ودوام ظهور الحق، والوقوف للباطل، ودوام خير الأمة بكثرة علمائها، واغتنام الثواب، إلى آخر ما ذكر.
نوايا عظيمة تمنح العالم وقوداً يشجعه على الاستمرار في عملية التعليم. حينما يستحضر العالم النية الأصيلة والنوايا الفرعية في أثناء تعلمه، ويعلم موضعه وموطنه وركنه الأصيل في هذه الأمة، هذا يمنحه الحافز أن يستمر، أن يتعب، أن يضحي، أن يبذل جهده وثمرة وقته، وأن يقف روحه من أجل هذا العلم العظيم.
قال صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها يصلون على معلم الناس الخير. يصلون: الثناء من الله، الاستغفار من الملائكة، الدعاء من الكائنات والمخلوقات على هذه الأرض، كلها تتوجه إلى ذاك العالم الذي يعلم الناس الخير. وقد مر معنا تخريج هذا الحديث فيما سبق.
قال ابن جماعة -كأن ابن جماعة بعد أن ذكر هذه النوايا العظيمة وذكر هذا الأثر الجليل- جاءه شيء من الحماس، وجاءه شيء من التعظيم لهذا العلم ولقدر تعليمه، فماذا يقول؟ يقول: لعمرك ما هذا إلا منصب، وإن نيله لفوز عظيم، نعوذ بالله من قواطعه ومكدراته وموجبات حرمانه وفواته. أي والله، كما قال ابن جماعة.
نعوذ بالله أحبتي، أي إنسان يصبره الله سبحانه وتعالى ليكون عالماً، ليكون معلماً للناس، مرشداً، مربياً، قائداً، موجهاً، عليه أن يستعيذ بالله، وأن يعتصم بالله، وأن يلتجئ إلى الله، وأن يدعو الله سبحانه وتعالى ألا يحرمه من مجالس العلم، فإنها والله نعمة عظيمة، من حرمها فهو الخسران الكبير، من حرمها بعد أن أعطيها فهذا حرمان نسأل الله سبحانه وتعالى ألا يوقعنا فيه.
فنعوذ بالله من قواطعه، أن تكون عالماً، أن تكون مربياً، موجهاً، توجه الناس إلى الخير، ترشدهم إلى معالم الطريق، ترسم لهم طرق النجاح ومسالك الفلاح، هذا أمر عظيم ومرتبة جليلة استعملك الله سبحانه وتعالى فيها يا طالب العلم، فاياك أن تحرم، واستعذ بالله كما استعاذ ابن جماعة من القواطع.
بعض الناس يظن أن الله سبحانه وتعالى إذا أشغله بالدنيا بعد أن كان منشغلاً بالعلم، وجعله مقبلاً عليها بعد أن كان مقبلاً على ربه وعلى مصنفات العلم، يظن أن هذا الانشغال بالدنيا هو مجرد انشغال من طبيعة الحياة، ولا يلتفت أنه قد يكون محروماً، حرمه الله سبحانه وتعالى وهو لا يشعر، صرفه الله سبحانه وتعالى وهو لا يشعر. فنعوذ بالله من القواطع ومن المكدرات.
ونعوذ بالله من موجبات الحرمان وفوات هذا الفضل العظيم. المعاصي والذنوب أيها العلماء، أيها المتصدرون، هي من أهم الأسباب التي توجب الحرمان. معاصي الخلوات مما يوجب الحرمان والصرف عن هذا التوفيق العظيم والمنصب الجليل الذي منحكم الله سبحانه وتعالى إياه. فساد النوايا وطلب الدنيا من موجبات الحرمان، ابتعادكم عن مجالس العلم وأن يصرفكم الله سبحانه وتعالى عنها.
فعليكم أن تعيدوا النظر وأن ترتبوا الأوراق من جديد في النية، في الأعمال الصالحة، في تجديد التوبة لله سبحانه وتعالى، في إظهار العجز والافتقار للرب عز وجل حتى يمنحكم الله سبحانه وتعالى فرصة الاستمرار في مجالس التعليم والتصدر لقيادة هذه الأمة.
ثم انتقل بعد ذلك إلى الأدب الثاني. إذاً الأدب الأول ركز فيه ابن جماعة على موضوع النية: ماذا ينوي العالم؟ كيف تكون النية؟ وهو يريد أن يتصدر لتعليم طلبته. الأدب الثاني قال: ألا يمتنع من تعليم الطالب لعدم خلوص نيته. هذا أدب دقيق جداً ينصح به ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه علماء هذه الأمة.
يقول للعالم: عليك أيها العالم أن تعلم الطالب وأن توجهه، ولو شعرت ابتداء أن هذا الطالب عنده شيء من الرياء، شيء من طلب الحياة الدنيا، فلا تستعجل بحرمانه من العلم وتقول له: أنا ساحرمك من العلم لأني أسمع فيك شيئاً من الرياء أو انكباباً وحرصاً أن تنال بهذا العلم الدنيا. لا يبدأ معه بهذا المنهج، على العالم أن يعلمه حتى ولو شعر بعدم خلوص نيته ابتداء. ولاحظوا كيف العلماء حال الطالب الناشئ.
نكمل مع ابن جماعة، قال: فإن حسن النية مرجو له ببركة العلم. هذا الطالب الذي سلك مسلك العلم جديد، ربما خالط نيته شيء من حب الدنيا وحب التصدر أو ما شابه ذلك، وهو طالب ناشئ غض طري، فنحن لا ننيس من الخير ولا نبعده عن ذلك، بل نرجو له صلاح النية مع بركة العلم.
فإن طالب العلم كلما وقف على آثار العلماء وعلى سيرهم وعلى مناهجهم ومسالكهم، ونظر في إخلاصهم وفي حياتهم، كلما ازداد خوضاً لهذا الطريق فإن نيته تصلح بإذن الله. إذا كان صادقاً في طلبه وكان جادا في قراءته واطلاعه، يوقفه الله سبحانه وتعالى على أصحاب النوايا الصحيحة وأصحاب العزائم الصادقة، فالله سبحانه وتعالى يوفقه إلى نية صحيحة سليمة بدل تلك النية الفاسدة السقيمة، فلذلك لا نستعجل على الطالب.
قال ابن جماعة: فإن حسن النية مرجو له ببركة العلم. بركة العلم، لذلك قال بعض السلف رحمة الله عليهم وتنقل عن أكثر من واحد منهم قال: طلبنا العلم لغير الله. كثير من العلماء كان قال من السلف في بداية طلبنا للعلم وسعينا في تحصيله كنا نطلب العلم نطلبه لغير الله، نطلبه أما لننافس سلك الله الخاصة في الاجواء العلمية التي كانت في العصور المتقدمة، كان طلب الحديث والذهاب إلى الشيوخ وتسطير الأسانيد والمتون.
كان مورثا للعز والفخر. فلعل الطالب في بداية طلبه ودخوله في هذا المضمار دخل بنية أن ينافس الأقران، وأن يظهر عليهم، وأن يبرز إلى شيء من ذلك، من النوايا تدخل على صغار طلبة العلم وعلى الناشئة. فيقولون: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله.
مع استمرارنا في الطلب، ومع وقوفنا على سير العلماء، ومع تأديب مشايخنا، ومع نظرنا في مناهجهم وسلوكهم، أبى العلم الذي حصلناه إلا أن يكون لله. كأن العلم هو الذي أعادهم إلى الطريق الصحيح، هو الذي أخذ زمام المبادرة من، وقال لهم: عودوا، أنا العلم لا أقبل نية فاسدة، أنا العلم هذا طريقي، هذه النية التي تصلح لي ولا تصلح أي بنية أخرى.
فكان العلم مربيا لهم، موجها لهم، ناصحا لهم بعد أن حصلوه، كان هو الأب والمعلم والشيخ الذي أخذ إلى الطريق الصحيح. قال: طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله. قيل معناه: فكان عاقبته أن صار لله. ايش معنى؟ فأبى العلم إلا أن يكون لله أي أوفى بأن يكون إلا لله، أي أصبح عاقبته في نهاية أمرنا إلى الله سبحانه وتعالى بالإخلاص والنوايا الصحيحة السليمة.
قال: الآن سيفسر لنا أمر نفسي يتعلق بالطالب الناشئ. وانظروا إلى دقة توصيل ابن جماعة لنفسية الطالب الناشئ الجديد في هذا الميدان. قال: ولأن إخلاص النية لو شرط في تعليم المبتدئين فيه مع عسره على كثير منهم لادى ذلك إلى تفويت العلم كثيرا من الناس. لكن الشيخ يحرض المبتدأ على حسن النية بتدريج قولا وفعلا.
يقول ابن جماعة رحمة الله عليه في هذا النص: يقول لو أننا شرطنا في الطالب المبتدأ، قلنا له لا نعلمك العلم حتى تكون نيتك خالصة لله سبحانه وتعالى، في الحقيقة قل أن نظفر بطالب ناشئ يمتلك هذه النية الصحيحة السليمة، قل الظفر. لذلك ابن جماعة يقول: هناك عسر على الطالب المبتدئ أن يتعلم النية المجردة لله، لأنه ما زال غضا طريا، لا يمتلك تجربة واسعة، لا يمتلك اطلاع على كلام الأئمة وعلى سيرهم. فإن تطالبه ابتداء بتجريد نية خالصة لله سبحانه وتعالى بعيدة عن أي لعاعة من لعات الحياة، قد يكون فيه نوع من.
فأنت إذا حرمته العلم حتى يمتلك هذه النية، أنت في الحقيقة تفوت على الناس علما كثيرا، تفوت على الناس صناعة طلبة علم يوجهون في مساجدهم وأحيائهم ومناطقهم. فنحن لا نشترط في الطالب المبتدئ خلوص النية لله سبحانه وتعالى، لأننا ندرك عسرها، ولا نريد أن نفوت العلم على الناس وأن نحرمهم من علم هؤلاء الطلبة. فنرجو لهم صلاح النية مع بركة هذا العلم مع الاستمرار في هذا الطريق، ولكن لا نحرمهم منه.
بعض الناس قد يكون مخطئا في توجيه، بعض المدرسين يرى في بعض الطلبة شيئا من الانكباب على الدنيا بالعلم أو حرص على الدنيا بالعلم فيحرمه منه ويقول له: لن أعلمك، أراك والله منافقا، أراك مرائيا. يقول العلماء: هذا خطأ ابتداء، ابتداء وفي الجملة هذا خطأ. حتى لو وجدت من الطالب شيء من الحرص على الدنيا بالعلم، وأن يظهر علمه، شيء من التنافس مع الأقران وأبراز النفس، أنت توجهه وتحاول أن تعالج هذه النية فيه، لكن في نفس الوقت امنحه العلم، امنحه العلم الصحيح، ووجهه التوجيه الفاضل الهادئ بتدرج، كما قال ابن جماعة بالتدريج.
أبدأ معه في معالجة نيته، لأن هذا الطالب قد يكون ذكيا فطنا، فأعطاء العلم، منح العلم قد يكون فيه خير كبير لهذه الأمة، قد يكون هذا من المنقذين لهذه الأمة. إياك أن تتهاون في هذه القضية، وأن تستعجل في اتخاذ القرار في تنحيته عن مجالس العلم. لذلك قالوا: ولأن إخلاص النية لو شرط في تعليم المبتدئين فيه ما عسره على كثير منهم لادى ذلك إلى تفويت العلم كثيرا من الناس.
يعني لو فوتنا العلم على كثير من الناس، لكن الشيخ يحرض المبتدأ، ها لاحظ، يعني لاحظ في نفس في نفس الوقت، ها نحن لن نحرمه من العلم، لكن لن نتركه مع نيته الفاسدة، نقول خلاص ما في مشكلة إن شاء الله مع الوقت تنعدل أموره وأحواله. لا، نحن نمنحه العلم مع شيء من فساد نيته، لكن في نفس الوقت كما قال: يحرض العالم المبتدأ على حسن النية بتدريج قولا وفعلا.
أحيانا أحبتي هناك مهارات، العالم الذكي قد يوصل الفكرة إلى الطالب من خلال قصة يمنحها له، من خلال تصرف يقوم به العالم، من خلال توجيه بعيد ويعلم أن هذا الطالب فطن سيلقط الفكرة من بعد. فالعالم الذكي فيك مقالب جماعة يوصل فكرة النية الصالحة إلى هذا الطالب الفطن النبيل رويدا رويدا بذكاء وحرص وبتدريج.
لا ينهره دائما: أنت منافق، أنت مرائي، أنت لا تصلح للعلم. هذه العبارات المباشرة التي تحمل شيئا من الجفاء قد تصرف هذا الطالب العلم بالكلية. ونحن لا نريد أن نصرف الناس عن العلم، بالعكس، نحن نريدهم أن يأتوا إلى حظيرة العلم وأن نبقى معا يشد بعضنا بعضا ويأزر بعضنا بعضا، لكن الأمر رويدا رويدا بهدوء وتؤدة ونظر من العالم وتبصر في حال الطلاب ينتج أكلها بإذن الله.
قال ابن جماعة: ويعلمه بعد أنسه به.ها، ويعلمه بعد أنسه به. لاحظوا العبارات الدقيقة من ابن جماعة في توصيف حالة الطالب مع شيخه. الآن الطالب إذا لم يكن بينه وبين الشيخ تواصل مباشر، هناك ما زال حوادث كبيرة بينه وبين الشيخ يصعب أن توجه إليه النصيحة مباشرة. إنما لا يوجد علاقة بينك وبين هذا الطالب مباشرة، ما زال هناك حواجز كبيرة بينك وبينه، فيحتاج إلى نصيحة غير مباشرة، وألا تكون موجهة إليه أمام التلاميذ والطلبة، بل كما قلت لكم بالمثال وبالقصة وبالإشارة.
لكن إذا ازدادت العلاقة بين المعلم وبين هذا الطالب وأصبح هناك أنس وارتباط بينه وبين هذا الطالب بحد ذاته، اه، هنا يمكن للمعلم أن يخاطب هذا الطالب بشكل مباشر وأن يوجهه توجيها مباشرا بتعديل هذا السلوك، بتصفية النية، عليك أن تترك هذه الأعمال، أن تبتعد عن هذه الأفعال إلى آخر هذه الأمور، لأن هذا الانس بين العالم وبين الطالب يجعل هذا الطالب يتلقى ويتقبل من الشيخ أكثر وأكثر.
الانس والعلاقات الود التي نشأت بينهما تجعل الطالب على قدرة كبيرة للتلقي من هذا الشيخ، حتى لو كانت نصيحة الشيخ مباشرة له وفيها شيء من التأنيب والشدة، لكن الطالب سيراعي حرمة الشيخ وحرمة هذه بينهما. لذلك قال: ويعلمه بعد أنسه به، بعد نشوء علاقة الود بينهما.
أنه ببركة حسن النية ينال الرتبة العلية من العلم والعمل، وفيض اللطائف، وأنواع الحكم، وتنوير القلب، وانشراح الصدر، وتوفيق عزمي، وإصابة الحق، وحسن الحال، والتسديد في المقال، وعلو الدرجات يوم القيامة، يأكل له نص واحد. يعني العالم إذا شعر أن هذا الطالب أصبح بينه وبينه أنس وألفة وحب يوجه إليه، ويخبره أن النية هو سبيل للرفعة في الدنيا وفي الآخرة، سبيل لتحصيل الحق والاستمرار في طلب العلم، سبيل لأن تكون من اصحاب الدرجات العليا لتوفيق العزم.
كما قال: توفيق العزم هو استمرار الهمة، أن يكون عزمك ماضيا دائما يا طالب العلم، أن تكون مستمرة لا تفتر، لا تبتعد، لا تغيب ثم تعود. توفيق العزم وإصابة الحق وحسن الحال والتسديد في الرأي. هذا كله من بركات النية الصالحة، هذا كله من بركات النية الصالحة في طلب العلم.
الله سبحانه وتعالى يفيض عليك من البركات والرحمات والخيرات والتسديد والتوفيق والاعانة والتوجيه، يسخر لك العلماء، يسخر لك حياة بعيدة عن الشواغل والعلائق والعوائق. هذا كله ببركة ماذا؟ ببركة النية الصالحة. فعلى المعلم أن يخبر هذا التلميذ بهذا المنهج، أن النية الصالحة هو سبيل النجاح والتوفيق في طلب العلم.
إذا في الأدب الثاني عالج ابن جماعة قضية معينة، كيف يتعامل المعلم مع الطالب الناشئ الذي يعاني شيئا من النوايا الفاسدة. واضحة القضية؟ كيف يتعامل المعلم مع الطالب الناشئ الذي اختلطت نيته، نيته فيها شيء من الفساد، هل هل يصرفه عن العلم ويبعده عنه ولا يمنحه إياه؟ أن يتعامل معه بهدوء ويتدرج معه في اصلاح النية.
هذا أدب اهتموا به جيداً. قضية تربوية رائقة في الحقيقة، الأدب الثالث: قال أن يرغبه في العلم وطلبه في أكثر الأوقات بذكر ما أعد الله سبحانه للعلماء من منازل الكرامات، وأنهم ورثة الأنبياء، وعلى منابر من نور تغبطهم الأنبياء والشهداء، ونحو ذلك مما ورد في فضل العلم والعلماء من الآيات والأخبار والآثار والاشعار.
الأدب الثالث الذي ينبغي للعالم أن يسلكه مع طلبته وفي حلقة العلم أن يكثر من ذكر شرف العلم، ويكثر ذكر الآيات والأحاديث والآثار والاشعار والحكم التي تدلل على فضل العلم، وعلى فضل العلماء وما أعد الله سبحانه وتعالى لهم من المرتبة العظيمة والخير الجزيل يوم القيامة والرفعة لهم في الحياة الدنيا.
هذه الآثار التي سبق أن سردناها منها في مطلع هذا الكتاب على العالم أن يحرص دائماً على سماع الطلبة لها؛ بأن الطالب في رحلته العلمية يصيبه شيء من الفتور، من الكسل، الشعور بالعجز، الشعور أن هذا العلم آآ لا يكسبه شيئاً من آآ أموال الحياة الدنيا. بعض الطلبة يظن أن العلم ينبغي أن يكسبه مالاً وجاهاً وما شابه ذلك، فإذا شعر للأسف أن العلم لا يكسبه المال والجاه ينصرف عنه، وهذا شيء من النوايا الفاسدة التي ينبغي للع العالم أن يعالجها، ومعالجته لها تكون من خلال ذكر الآثار النبوية والآيات القرآنية التي تنبه الطالب أن هذا العلم آآ مكتسباته ليست رعاعات الحياة الدنيا، ليست الأموال والجاه والمساكن والدواب، لا، إنما مكتسباته عند الله سبحانه وتعالى في جنات النعيم على منابر برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
فالعالم حتى يحافظ على عزائم الطلبة على هممهم مشتعلة، عليه أن يذكرهم دائماً بفضل العلم وشرف العلماء وما أعد الله سبحانه وتعالى لهم من الأجر العظيم والفضل الجزيل في الدنيا وفي الآخرة. هذا أمر منهجية مهمة؛ طالب العلم كل فترة يحتاج آآ إلى نصيحة، إلى توجيه، إلى رفع العزائم، وذلك يكون بفضل بذكر فضل العلم وشرفه.
إذاً أحبتي، هذا أمر ومنهجية عظيمة على طالب العلم أن يهتم بها، أو عفواً على العالم أن يهتم بها: قضية المحافظة على عزائم الطلبة. بعض المشايخ جزاهم الله خيراً على صنعهم وعملهم لكنهم آآ لا يلتفتون إلى هذه القضية، تجد الشيخ يدرس ويحاضر يقول: من أتى أتى، ومن لم يأتي فلا أتى الله به! وهذا في الحقيقة ليس يعني بصحيح بهذه بهذه المنهجية العامة، ينبغي على العالم أن يكون حريصاً على طلبته ودوداً معهم، كما سيرسم لنا آآ ابن جماعة رحمة الله عليه فيما يأتي معنا.
القضية ليست فلان حضر وفلان غاب، من غاب فاته النصيب، ومن حضر فحياها لها. القضية أن العالم عليه أن ينشئ علاقة وارتباط بينه وبين الطلبة، لأنه يعلم أن هؤلاء هم المادة الخام لهذه الأمة، عليه أن يحافظ على قلوبهم وعزائمهم وهممهم، وأن يحافظ على اشتعالهم وتوقدهم، خاصة أحبتي ضمن هذا الزمن، هذا الزمن الذي ما عاد العلم الشرعي قيمته وأصبح الناس يزهدون به، ويعتبرونه بضاعة كاسدة لا تروج، ويعظمون العلوم التجريبية والعلوم الدنيوية.
لذلك جعلوا العلم في آخر العلوم، أصبح العلم الشرعي على آخر سلم العدو، أي شخص يستطيع أن يدخل فيه، أي شخص يستطيع أن يتكلم فيه فهو ثقافة عامة، تستطيع أن تحصله بأي كتاب -عفوًا- وبمجالسة أي شيخ، نعم يريدون جعل هذا العلم بضاعة كاسدة حتى ينفر أصحاب الهمم والذكاء عنه؛ لأن أصحاب الهمم والذكاء والعزائم إنما تشتاق نفوسهم للعلوم الشريفة التي تشعرهم بالتقدم والعبقرية والفهم والنضوج والتحليل، وأنها تجعلهم في سلم الحياة الدنيا.
فعلى المعلم أن يحرص دائماً يذكر الطلبة بعظم هذا العلم ودقة هذا العلم وشرف هذا العلم، وأنه لا ينال أصالة إلا بتعب الاجساد وسهر الليالي وهجرتها والابتعاد عن الأهل والأوطان وهجر الفراش، إلى غير ذلك من المسالك العظيمة التي ينبغي أن يغرسها العالم وأن يحشوها حشواً في عقول طلبته خاصة النابهين منهم.
لأن آآ في الحقيقة أنا أتكلم عن التعاون ومع ممارسة كثير من النابهين تركوا العلم؛ لأنهم شعروا أن العلم الشرعي بضاعة كاسدة في المجتمعات المعاصرة، وأن العلوم التي يرنو إليها أصحاب العقل والفهم علوم الطب والمهندسة العلوم التجريبية الدقيقة والفلك. ايش العلم الشرعي؟ العلم الشرعي كما قلت لكم يصورونه -ويريدون هذا- يصورونه على أنه معلومات عامة يخوض فيها أي شخص أو وسائل التواصل، وهذا أمر خطير.
إعادة حرمة العلم ومكانة العلم ودقة مسلكه ووعورة الطريق وأنها تحتاج الأذكياء وأصحاب العقول وأصحاب العزائم وأصحاب الحفظ والتفهم والتدبر، إعادة هذه المكانة السامية هي وظيفة العلماء، أن يغرسوها في الطلبة: أيها الطالب، أنت تدرس أشرف علم على هذه الأرض، أشرف علم هو علم الشريعة؛ لأنه العلم الموصل إلى الله سبحانه وتعالى، أخطر علم هو علم الشريعة، وأدق علم هو علم الشريعة.
لكن من الذي يعيد هذه المهابة؟ ومن الذي يصنع آآ هذا التعظيم هو العالم؟ من كما قلنا ذكر شرف العلم وخطورة العلم. ثم بعد ذلك يقول ابن جماعة: ويرغبه مع ذلك بتدريج على ما يعين على تحصيله من الاقتصار على الميسور وقدر الكفاية من الدنيا والقناعة بذلك عن شغل القلب بالتعلق بها وغلبة الفكر وتفريق الهم بسببها.
الآن بدأ ابن جماعة ينتقل إلى أمر آخر ينبغي للعالم أن يعلمه لطلبته، ننظر العالم لا يعطي الطلبة الدرس المحاضرة في الحديث أو الفقه أو العقيدة والتفسير ويذهب إلى بيته لا يصلح. العالم وظيفته الأساسية أو من وظائفه الأساسية فضلاً عن التدريس التوجيه للطلبة، أن يمنحهم مسالك الطلب، وأن يوجههم إلى الطرق الصحيحة، أن يعلمهم كيف يتجاوزوا عقبات الحياة، كيف يقفزوا عن المعوقات ويستمروا في الطريق بهمة عالية.
فهنا يتكلم ابن جماعة أن العالم عليه بالتدريج أن يعلم الطلبة أن طلب العلم وتحصيل العلم لا يصلح لقلب منشغل بالدنيا يبحث عن الدينار والدرهم، عليه أن يقنع الطالب قدر الإمكان أن تحصيل العلم الشرعي يحتاج إلى قناعة بالرزق، قناعة لما آتاك الله سبحانه وتعالى به، أن لا يكون همك بالبناء والقصور والحياة المترفة؛ لأن هذه النية لا يمكن أن تجامع العلم الشرعي.
العلم الشرعي يحتاج إلى صفاء ذهن واجتماع قلب وتفرغ نفسي واستحضار دائماً لهذا النفس والعقل والذاكرة، من أجل الانكباب على مصنفات العلماء والتناول منها والاقتراف من معينها. هذا الاجتماع للقلب والفكر والروح على مصنفات العلماء وعلى التحصيل والحفظ لا يمكن أن يجتمع مع قلب وذهن منشغل بتحصيل الرزق والمال وبناء القصور والسيارات والملذات والمطاعم، هذا لا يجتمع مع هذا لا يمكن، هذا أمر دائماً ننبه عليه إخواننا الطلبة، العلم لا يجتمع مع قلب منشغل بالدنيا.
لأن العلم يحتاج إلى صفاء ذهن وفكر وروح، فينبغي أن تكون الدنيا في آخر سلمات طالب العلم. الآن العامي الخطاب له بشكل آخر، لكن خطابي الآن لطلبة علم يريدون بلوغ المناصب العليا في العلم والمراتب العليا فيه، وأن يحصلوا قدراً واسعاً يؤهلهم أن يكونوا. هؤلاء نمنحهم هذه القاعدة، وهي أن العلم والحرص على الدنيا لا يجتمعان.
أنا أدرك صعوبة الواقع على أكثرنا، وأننا نحارب في أرزاقنا، وأنه يضيق علينا في هذا الباب، لكن مع ذلك علينا أن لا ننسى وألا نضيع الطريق، نحصل القليل من الرزق ما يكفينا ويكفي عيالنا، ثم بعد ذلك ننكب على العلم، هذه هي القاعدة الكلية المطردة التي عاش عليها العلماء جيلاً بعد جيل.
والعلماء كما قال الشافعي: إنما طلبوا العلم بكرة. فالشافعي بين منهجاً عاماً أن هذا العلم إنما يناله من طلبه بالفقر. وكان الشافعي فقيراً، وكان مالك فقيراً في بداية حياته، مالك نقض سقف بيته، تصوروا إنسان ينقض سقف البيت ويبيع من أجل أن يحصل مالاً يطلب به العلم! والشافعي رحمة الله عليه عاش يتيماً في بداية في نشأ يتيماً مع أمه، توفى والده وهو صغير فنشأ يتيماً، فأمه رهنت بيتها بستة عشر ديناراً حتى يستطيع الشافعي أن يذهب إلى اليمن ليطلب العلم! قوم ترهن بيتها وتستدين هذا المال من أجل أن يطلب ابنها العلم!
هكذا طلب العلماء العلم رحمة الله عليهم بالفقر بقلة ذات اليد. أحمد بن حنبل ما كان يجد شيئاً يقيم صلبه عليه رحمة الله تعالى.
فالعالم إذا عليه أن يكون مربيا ناصحا مشفقا على طلبته صادقا في توجيهه لهم، وأن يخبرهم بالحقائق لكن بالتدريج؛ لأنه بعض الحقائق قد تكون صادمة لبعض الطلبة. أن تقول لهذا الطالب إن العلم يقتضي منك أن تبتعد عن الدنيا والا... بالمال وأن تكون فقيرا معدما.
طبعا النصيحة بهذا الشكل خاطئة، والطالب المبتدئ إذا آه خاطبه المعلم ابتداء بهذه بهذه الحقيقة آآ قد لا يعود إلى مجالس العلم مرة أخرى. لذلك ابن جماعة كان دقيقا حين قال: ويرغبه مع ذلك بتدريج، يعني رويدا رويدا. ليس تقول لهذا الطالب ترى العلم يطلب منك أن تكون فقيرا! خطأ، وليس أصلا هذا هو المقصود، يعني ليس المقصود أن أن تقول للطالب العلم يساوي الفقر، هذا أصلا خطأ، وإنما العلم يساوي عدم انشغال القلب بالدنيا، هذه هي المساواة.
العلم يعني عدم انشغال القلب بالدنيا. قد تكون غنيا صاحب مال ثري آتاك به شخص، منحك الله سبحانه وتعالى إياه، وقفت على جرة آآ ورثت ورثت ورثة، المهم قد تكون غنيا لكن ليس هذا هو الموضوع أن تكون غنيا أو الموضوع، المهم أن تعلم أن العلم مع انشغال القلب بالدنيا لا يجتمعان؛ لأن العلم يحتاج إلى ذهن صاف. فلذلك ابن جماعة أحبتي ماذا يقول؟ نعيد الفقرة مرة أخرى: ويرغبه مع ذلك بتدريج على ما يعين على تحصيلها، على ما يعين على العلم. وأول شيء عينا إلى تحصيل العلم قال: الاقتصار على الميسور وقدر الكفاية من الدنيا والقناعة بذلك عن شغل قلبي بالتعلق بها.
يعني تقنع بما رزقك الله سبحانه وتعالى ببيتك بأهلك بذريتك، تقنع حتى لا يبقى الدين منشغلا مرتبطا؛ لأن هذا الارتباط هو محرقا للعلم ومحرقا للأوقات، هذا هو الواقع ولذلك قال: والقناعة بذلك عن شغل القلب بالتعلق بها أي بالدنيا وبالمال، وغلبة الفكر وتفريق الهم بسببها. من اللحظات التي مرت بنا في الحياة نجد أنفسنا لا نستطيع أن نمسك الكتاب، لا نستطيع أن نحفظ بيتا لأن القلب منشغل والخاطر متشتت متفرق لواقعة وقعت، لحادثة حدثت، لسفر طرأ، بمرض نزل. ففي الحقيقة هموم الحياة تشتت ذهن الطالب وتحرمه من الطلب.
كثير من إخواننا الطلبة الذين يدرسون في الجامعات إذا جاء موعد الاختبارات النهائية أقفال باب العلم وانكبوا على دراستهم الجامعية، وغدا هناك تسجيل جامعي وهناك اختبارات في المنتصف. كل هذه الأمور والذهاب مع الأهل والعودة وطلب الدنيا والسعي في الرزق مشتتات. لذلك نحن ننظر في واقعنا لماذا لا ينتج علماء؟ لأنه لا يوجد إنسان يفرق قلبه وعقله وحياته للعلم. يوجد إنسان يمنحنا دورا، يمنحنا شيئا من وقته من لعاعة الوقت. لكن هل هناك إنسان يمنحنا وقته كله؟ يمنح العلم ثمرة الحياة والوقت؟ وقف نفسه لله سبحانه، هذا الذي نبحث عنه، هذا الذي يصنع العلماء. أما إنسان مشتت الذهن دائما منغمس في الدنيا من رأسه إلى أخمص قدميه، يمنح العلم شيئا من فضالة الوقت ساعة في ساعة ونصف، وخلص يكفي يا شيخ خلينا نسعى في تحصيل الرزق.
مثل هذا الآن الحياة ظروف، وبعض الناس فعلا هو مضطر أن يعمل أوقاتا كثيرة، لكن أنا أخاطب الطالب الذي يستطيع أن يضبط وقته وأن يفرغ نفسه وأن يجمع خاطره على العلم، أقول له: العلم يحتاج إلى تعب وعدم انكباب على الحياة الدنيا وتقليل من العلاقات الأسرية والعائلية والذهاب والخروج حتى يبقى هذا الذهن مجتمعا بالحفظ والمذاكرة.
سريعا أكلم ما قاله ابن جماعة بعد ذلك، قال: فإن انصراف القلب عن تعلق الأطماع بالدنيا والإكثار منها والتأسف على فائتها انصراف القلب عن كل هذه الأمور عن التعلق بأطماع الدنيا، عن الإكثار منها، عن التأسف على فائتها؛ أجمع لقلبه، أروح لسره، وأشرف لنفسه، وأعلى لمكانته، وأقل لحساده، وأجدر لحفظ العلم، وأجدر الأخيرة لحفظ العلم وازدياده. إذا هي يعني ارتباط واضح وثيق، الاضطراب في نواحي العلم يقتضي ابتعادا عن انشغال القلب بالدنيا، وكل من يريد الارتقاء عليه أن يبتعد أكثر وأكثر عن شواغل الدنيا.
عكس بالعكس، كل من ازداد انشغاله بالدنيا وازدادت ارتباطاته وعلائقه وذهابه وعودته قل علمه. هي علاقة بهذا المنهج تبنى، فأنت يا طالب العلم أيها الطالب الفطن عليك أن تكون كيسا نبيها فطنا تقارن، تعقد مقارنات: أنا ماذا أريد؟ أريد العلو في العلم، إذا علي أن أقلل من علاقات الدنيا والإنشغال بها. والله أريد الدنيا، إذا سيقل العلم. فالطالب الفطن هو الذي يختار ما يصلح والأنجح والأفلح له بإذن الله.
قال: ولذلك قل من نال من العلم نصيبا وافرا إلا من كان في مبادئ تحصيله على ما ذكرت من الفقر والقناعة والإعراض عن طلب الدنيا وعرضها الفاني. يعطيك قاعدة أغلبية، هذه القاعدة ليست قاعدة كلية مطردة في كل الناس، بعض الناس الله سبحانه وتعالى منحهم العلم ومنحهم المال، لكن هذه ليست هي القاعدة الأغلبية. القاعدة الأغلبية كما يقول ابن جماعة وذكرها الشافعي وذكرها الأئمة يعني هذه قاعدة أخذت من السلف رحمة الله عليهم تناقلها العلماء جيلا بعد جيل: قل من نال من العلم نصيبا وافرا إلا من كان في مبادئ تحصيله على ما ذكرت من الفقر والقناعة.
أحبتي هو الواقع هكذا، إذا أنا أريد أن أفرغ نفسي للعلم معناه ساعات العمل والكسب ستقل، الرزق بالتالي الشيء الأغلبي أن مقدار دخلي سيقل، وهذا الذي يتكلمون عنه. إذا أنا أريد أكثر وقتي للعلم، إذا ساعات العمل التي سأعملها ماذا سيحدث فيها؟ ستقل. إذا قلت ساعات العمل بالتأكيد المردود المادي سيكون ضعيفا. عليك أن تقرأ، هذه هي الخلاصة، عليك أن تقنع بهذا المردود المادي إذا كان شوقك وعشقك وشغفك للعلم، أما من كانت نفسه لا تطاوعه على هذا المردود اليسير أين هذا؟ سيزيد بالتالي ساعات العمل، يحصل مردود أكبر لكن سيكون على حساب العلم. على هذا جبلت الحياة، على هذا وجدت.
لكن هل هناك حالات أخرى قليلة الوجود أن يكون غنيا وأن يكون وقته منصرفا للعلم؟ يمكن، وهذا الذي نسعى إليه أن نقول للأغنيا وأصحاب الأموال: عليكم أن تقفوا الأوقاف لطلبة العلم، عليكم أن تسخروا أموالكم لصناعة هذا الطالب، لو أنك منحته مالا يسد به رمقه ويكفي عياله وتفرغ به ذهنا وقلبا وعقلا لطلب العلم، والله إن هذا الأمر في هذا الوقت أعظم من بناء مساجد وتشييد الآبار وما شابه ذلك في بلادنا. صناعة العلماء؛ لأن الأمة الآن تفقد العلماء، لا نفقد المساجد، الحمد لله المساجد وافرة ودور القرآن قائمة، لكننا نفقد العلماء، نفقد طلبة العلم الجادين الصادقين.
لكن قل من وفقه الله سبحانه وتعالى لهذه النباهة ولهذا التفطن من أصحاب الأموال والثروات، أكثرهم إذا جاءنا: يا شيخ نريد نفعل مع آآ نصنع مشروع لله سبحانه وتعالى أن نقف وقفا فنبني مسجدا. نقول يا أخي أن تبني مسجدا في مناطقنا وأحيانا المساجد لو ذهبنا مسجد في قارة أفريقيا في بعض الأماكن المعدمة جزاه الله خيرا يعني أدى شيئا، لكن في بلادنا الحمد لله المساجد قائمة في أغلب المناطق قائمة مجيدة، نحن نحتاج إلى المصلين، نحتاج إلى من يعلم في هذه المساجد، إلى من يوجه، نحن نشكو من ضعف الأئمة وضعف الخطباء، أصبحت الخطب والأئمة أصبحت بضاعتهم مزجاة للأسف في العلم، لا يملكون علماً شرعياً، أصبحت الإمامة والتأذين والخطابة وظائف تنال من الوزارات وليست تنال على الكفاءات. فلماذا كل هذا الضياع؟ لأن أصحاب الأموال والثروات لا يعرفون كيف يبذلون أموالهم، من يحمل منهم الخيل هذه الأمة لا يحسنون صرف المال وتوجيه المال للجهة المقصودة الأهم الأكثر الآن في الأمة.
لا أثقل في هذه الفقرة، قال ابن جماعة وسيأتي في هذا النوع أكثر من هذا في أدب المتعلمين عندما نتكلم عن أدب المتعلم ومسالك التعلم لطالب العلم. نحن الآن كل ما درسناه في أدب العالم سواء في حياته، في علاقة مع ربه، في درسه، في طلبته، مع حلقته، سيأتي القسم الآخر من الكتاب يتكلم عن طالب العلم كيف يصنع نفسه. طيب، الأدب الرابع قال: أن يحب لطالبه ما يحب لنفسه، كما جاء في الحديث: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ويكره له ما يكره لنفسه. إذا هذا الأدب الرابع يتكلم ابن جماعة عن علاقة الحرص، المعلم حريص على الطالب.
حريص على الطالب كما هو حريص على نفسه، حريص على أن يحصل النفع لطلبته كما هو حريص على تحصيل النفع لنفسه، ويكره لطلبته من الشرور ومن ضياع العلم ما يكرهه لنفسه. هذه العلاقة مهمة جداً أن تنشأ بين المعلم وبين طلبته، وأن تكون مستحضرة دائماً للعالم أثناء ممارسته للتدريس.
قال ابن عباس رضي الله عنه: أكرم الناس علي جليسي الذي يتخطى رقاب الناس إلي، لو استطعتم ألا يقع الذباب عليه لفعلت. ما أجمل هذا الأدب من هذا المؤدب رضي الله تعالى عنه! ابن عباس يقول: أكرم الناس علي هذا الطالب الذي يتخطى رقاب الناس، ويأتي من أماكن بعيدة، ويركب مواصلات من هنا إلى هنا، ويقصد أن يجلس بين يديه، هذا ينبغي أن يكون من أكرم الناس عليه، لأنه تعب من أجل أن يمثل بين يديك وليترقى منك. يقول ابن عباس: لو استطعت أن أرد عنه الذباب لفعلت، لا أريد ذبابة تقع عليه بشدة، آه، شعوره بالمسؤولية أولاً، وكرامة هذا الطالب ثانياً، شعور المسؤولية تجاه هذا الطالب وكرامة هذا الطالب عند ابن عباس جعلته يقول: الذباب لا أسمح أن يقع عليه. فما أجمل هذا الأدب وهذه العلاقة التي تنشأ بين المعلم وبين طلبته! وفي رواية عن ابن عباس أيضاً: أن الذباب ليقع عليه فيؤذيني، كان يرى ذبابة على الطالب تؤذيه. طبعا وهي كناية عن حب الخير لهذا الطالب، وحرص ابن عباس عليه، وأنه يريد أن يمنحه كل شيء لو استطاع أن يعطيه علمه مرة واحدة دفعة واحدة ويغرسه فيه لفعل، لأنه حريص على تعليمه، يحب له الخير كما يحب لنفسه.
قال: وينبغي أن يعتني بمصالح الطالب، ويعامله بما يعامل به أعز أولاده، من الحنو والشفقة عليه، والإحسان إليه، والصبر على جفاء ربما وقع منه. يا الله، ما أجمل هذه الأدبيات! وما أجمل هذه العلاقة التي يرسمها علماؤنا بين المعلم والطالب! علاقة نفقدها اليوم عند كثير من المشايخ ومن المتصدرين، يظن أحدهم أنه إذا تصدر للعلم وجلس على الأماكن الرفيعة أنه في بروج عاجية، لا ينزل أبداً والطالب ينظر إليه بعروس يخاطبه من بعيد، لا يكاد يتكلم معه كلمتين ثم يصرفه. ليس هكذا بني العلم، العلم قديماً أحبتي، العالم يجلس على الحصير، على الوساد مثله مثل أي طالب، أو يجلس على كرسي من هذه الكراسي والمجالس العامة، لا يحتاج إلى رسوم وإلى طقوس وإلى هيبات معينة، الهيبة إنما يظهر بلسانك، وبعلمك، وبأدبك، وبأخلاقك.
فكان المعلم قديماً ينشئ علاقة ود وحب بينه وبين طلبته، علاقة الشفقة وتبادل الكلام والوزاع والمداعبة حتى مع الهيبة، مع المحافظة على الهيبة، حتى يكون العلم منتجاً، لأن الطالب كلما أحب شيخه شعر أن هذا الشيخ حريص عليه، يحبه، يتودد إليه، يريد أن يصنع منه شيئاً، يريد أن يرتقي به، الطالب يتعلق بالشيخ ويصبح ينهل من علمه أكثر وأكثر. لذلك أنظروا إلى هذه المعالم التي يذكرها ابن جماعة، أن المعلم يهتم بمصالح الطالب، إذا وجد طالبا فقيراً أعانه، عرف أن هذا الطالب وقع في مصيبة من مصائب الحياة الدنيا يقف بقربه، يذهب يعزيه، هذا الود وهذا الحب هو الذي يصنع العلماء.
هذا الود وهذا الحب هو الذي يصنع العلماء، لذلك يقولون الإام الكبير أبو إسحاق الشيرازي رحمة الله تعالى عليه، ايش كان يقول؟ انظروا إلى أدب العلماء قديماً، يقول أبو إسحاق الشيرازي: من قرأ علي مسألة فهو ولدي. هذه لم يذكرها ابن جماعة لكن أنقلها لكم، من قرأ علي مسألة فهو ولدي. أنظر كيف كانوا يعلمون الطلبة! يقول أبو إسحاق الشيرازي: أي طالب قرأ علي مسألة من مسائل العلم الشرعي فهو بمثابة أولادي. ويقول رحمة الله عليه أيضاً فيما نقله يعني السبكي في طبقات الشافعية، كيف كان يخاطب الرازي تلاميذه؟ أقول له: يا تلميذ يا فلان؟ هكذا كان يقول الشيرازي؟ لا، الشرازي كان يقول لهم: يا أولادي. انظر هذه الكلمة حينما تطرق ذهن أو سمع الطالب، المعلم يقول له: يا ولدي، ويقول لطلبته: يا أولادي. هذا الحب الذي ينشأ، هذه العلاقة، الود والاحترام بين المعلم وطلبته، هي أساس مفصل مهم جداً في بناء الشخصية العلمية السوية.
قال: والصبر على جفاء ربما وقع منه. يعني أيها المعلم، لا تظن في الطالب المثالية، بعض الطلبة حينما يخاطب المعلم، الطالب يكون غير متعود على الخطاب المؤدب الهادئ بوقار واحترام مع الشيخ، قد يخاطب الطالب شيخه بشيء من الجفاء، قد يرفع صوته شيئاً عليه، قد يخاطبه بعبارة لا تليق، يتجاوز خطوط الأدب. المعلم الموفق هو الذي يضبط نفسه، ولا يصرف هذا الطالب يقول: أنت تتكلم معي بهذه الصورة؟ إياك أن تعود إلى المجلس! لا، هذا لا يصلح، عليك ألا تستعجل إلا إذا بلغ سين الزبير يعني هذا الطالب تجاوز خطوط حمراء كثيرة، بإمكانك حينئذ أن تصرفه، لكن إياك أيها المعلم أن تظن في الطلبة المثالية، وأن كل الطلبة على درجة عالية من الاستعداد في خطابك في التعلم معك، قد نعم قد يجفوا بعض الطلبة مع شيوخهم، قد يكسوا بعض الطلبة في العبارات على شيوخهم، لكن الشيخ صاحب النية السليمة يتجاوز هذه العثرة، ويغض الطرف لأنه يريد أن يصنع العلماء، هو لا نفسه أنه أنت تتكلم معي، القضية عند العالم أكبر من ذلك، الحياة لا تدوم محورها ليس نفسه، هو محور الحياة عنده الله سبحانه وتعالى، صناعة العلماء أن الراية الصالحة التي سبق أن سردناها هذا هو محور الحياة عند العالم.
فلذلك كلما كانت هذه النوايا مستحضرة عنده تجاوز عن عثرات الطلبة، صفح عنهم، تودد إليهم، أنشأ حبا وعلاقة معهم، ما شعر بالاستعلاء النفسي عليهم والازدراء لهم، لا لا، كل هذه النوايا لا تصلح، النوايا التي تصلح هي النوايا المستقيمة التي تدور حول صناعة العالم، التي تدور حول صناعة العالم الموجه لهذه الأمة. قال: والصبر على جفاء ربما وقع منه، ونقص لا يكاد يخلو الإنسان عنه، أي انسان فيه نقص، أيها المعلم لا تطالب الطلبة بالمثالية. قال: والصبر على جفاء ربما وقع منه ونقص لا يكاد يغدو الإنسان عنه، وسوء أدب في بعض الأحيان، وسوء أدب في بعض الأحيان. قال: ويبسط عذره بحسب الإمكان. يعني يعذره ما وجد لذلك سبيلا، ويوقفه مع ذلك على ما صدر منه بنصح وتلطف لا بتعنيف وتعسف، قاصداً بذلك حسن تربيته وتحسين خلقه وإصلاح شأنه.
يعني المعلم إذا كما قلنا صدر من الطالب سوء أدب أو جفوة، المعلم عليه أن يضبط نفسه، يضبط المشاعر، لا يحشو على هذا الطالب، لا يحرمه من العلم، لكن مع ذلك لا مانع من التوجيه للطالب، وأن يخبره وأن يوقفه على الأدب الخاطئ الذي سلكه، وأنه لا يجوز له أن يخاطب شيخه بهذه الطريقة وبهذه الكلمة، وعليك أن تعظم حق العلم وحق المعلم، يوجهه يربيه، وقصد بتوجيهه ليس أن ينصر وأن ينتقم لها، لا، هو قصد بتوجيهه وإيقافه على أخطائه أن يحسن تربيته وتأديبه، لأن هذا الطالب إنما هو مشروع عالم، مشروع قائد، مشروع صانع، مشروع إمام، فنحن حينما نربيه وحين نوجهه إنما نريد أن نأخذ به إلى مدارج العلو وأن نرتقي بنفسه وسلوكه إلى ما هو الأصلح والانفع له.
قال: فان عرف ذلك بذكائه بالإشارة فلا حاجة إلى صريح العبارة، وإن لم يفهم ذلك إلا بصريحها أتى به. يعني العالم ابتداء حينما يعالج الأدبيات الخاطئة والسلوكيات المشينة التي قد يقوم بها بعض الطلبة مع شيوخهم، حينما يعالج هذه الاشكاليات يبتدأ معهم بالتلميح ولا يبتدي معهم بالتصريح، يبتدي معهم ماذا؟ بالتلميح، يلمح لهم على هذه الأخطاء، إذا كان الطالب ذكياً فالتقط الاشارة من الشيخ يكفي ذلك ولا يحتاج شيء أن يصرح مباشرة لهذا الطالب: أنت أخطأت، وأنت قلت كذا وهذا عيب ولا يصلح، لا، هذا المنهج لا يسلك ابتداءً، وإنما يسلك مسلك، فإن كان ذكياً كما قال ابن جماعة والتقط هذا الأدب أنعم به وأكرم، حصل المقصود، وأما إن كان بليداً أو عنده يعني شيء
من الابتعاد في الذهن، فإنه بإمكانه أن يوقفه على خطئه مباشرة، لكن بتلطف؛ أنت يا فلان أولاً، ليس أمام الطلبة، يأخذه بعد المحاضرة على جنب، يخاطبه: يا فلان، ترى أنت فعلت كذا وكذا وهذا لا ينبغي ولا يحسن بك، وأنت طالب صاحب همة وصاحب حرص، وهذه الآداب لا معكَ.
نعم، يمكنه أن يصارحه، لكن حتى المصارحة ينبغي أن تكون بذكاء وفهم من العالم، وليس مصارحة غليظة تنفر طالباً من مجالس التحصيل. قال: وراعى التدريج في التلطف، ويؤدبه بالآداب السنية، ويحرضه على الأخلاق المرضية، ويوصيه بالأمور العرفية على الأوضاع الشرعية.
عبارة جميلة ورائقة من ابن جماعة: يؤدبه بالآداب السنية، ويحرضه على الأخلاق المرضية، ويوصيه بالأمور العرفية على الأوضاع الشرعية، كما وضعها الشارع سبحانه وتعالى. فالآداب والأخلاق والأعراف التي يحث المعلم طلبته على التمسك بها، هي الآداب والأخلاق والأعراف التي وضعت على مقياس الشرع، وبما يتوافق مع منهج الله سبحانه وتعالى.
لان هناك بعض الأدبيات وبعض الأخلاق وبعض الأعراف قد تكون مخالفة للشرع أصلاً، ليست هي شرعيةً ليست مرضيةً، وإنما قد يجعلها العرف الخاطئ أدباً، أو يجعلها العرف الخاطئ خلقاً. وإنْ لو لاحظنا وتأملنا ودققنا لوجدنا هذه الأدبيات أو الأخلاقيات أو الأعراف لا تتوافق مع منهج الحق الذي رسمه الله سبحانه وتعالى، فعلى المعلم أن يكون نبياً في هذه الجزئية.
الأدب الخامس: قال إن يسمح له بسهولة الإلقاء في تعليمه وحسن التلطف في تفهيمه. آه، هنا في الحقيقة يتكلم عن منهجية خطيرة جداً ابن جماعة؛ منهجية إلقاء الدرس، المعلم كيف يلقي المحاضرة على الطلبة وما هو المنهج الذي يسلكه في ذلك؟ بعض المدرسين أحبتي يسلكون مسلك التعقيد في إصال المعلومات للطلبة، وهذا منهج خاطئ.
بعض المعلمين يحاولون الاستعلاء على الطلبة من خلال التحدث بعبارات معقدة مغلقة، يشبعون بها نهمهم من النفس المعرفي: إننا نستطيع أن نعبر عن مسائل العلم بألفاظ عالية جداً. لكن إشباع النهم المعرفي لك أيها العالم، وإظهار النفس أمام الطلبة بمقدرتك على التكلم بعبارات السابقين عالياً رفيعاً، لا أظنه مقصداً سليماً صحيحاً شرعياً ربانياً.
بل على العالم أن يأخذ تراث الاقدمين ويعيد صياغته بعبارة سهلة تلائم أذهان الطالبين، هذه القاعدة التي ارتضيها في حياتي واجدها هي المسلك الصحيح للتعليم في هذا الزمان. علينا أن نأخذ تراث الاقدمين، لا مجال أن نأخذه كما هو وأن نقرأه وأن نتفهمه وأن نصل بين الطالب وبين تراث الاقدمين، لكن علينا أن نعيد صياغة هذا التراث بعبارة تتلائم مع أفهام الطالبين في هذا الزمان.
أن يكون المعلم حريصاً على تعقيد العبارة وأن يحافظ على القالب القديم لها، والطالب المعاصر لا يوجد عنده قدرة ابتداء على فهم القالب القديم، هذا خطأ منهجي في التدريس. علينا أن نراعي في الدرس، سواء الدرس العقدي أو الفقهي أو النحوي، أي درس نقوم به، علينا أن نراعي أذهان الطلبة، وأن المقصود في النهاية ليس هو إظهار العضلات والمقدرات العلمية والقدرات اللسانية العالية على الاتيان بعبارات مغلقة معقدة.
أبداً، ليس هذا من مقصد العلم ولا يفعل هذا العالم صاحب النية السليمة، العالم الصادق الذي يريد أن يعلم الطلبة وينشئ الأجيال، يرتقي بمستوى الطلبة رويداً رويداً. فابتداءً كما قلت لكم يأخذ تراث الأقدمين، يعيد صياغته بعبارة واضحة بينة سهلة يفهمها، ويرتقي بفهم الطالب رويداً رويداً، حتى يصبح هذا الطالب عنده القدرة على قراءة تراث الأقدمين بنفسه وتحليله.
فنحن لسنا متعبدين بعبارة الغزالي والرازي وابن تيمية وابن القيم وفلان وفلان، لسنا متعبدين بألفاظهم، وإنما نقصد علومهم الصحيحة. فما كان من علومهم صحيحاً اتينا به وصغناه بعبارة سهلة تتلاءم مع الواقع يفهمه الطالب، إذا فهم الطالب المعنى انتهى الأمر، يعبر عنه بما شاء، هذا أمر مهم لسنا متعبدين بألفاظ الأقدمين.
أنت تريد العلم منهم، فالعلم خذه أيها العالم النحرير وصغه بعبارة سهلة واضحة حتى يفهمها الطالب ويحب العلم. كثير من الطلبة يقول: يا شيخ، أنا مشكلتي أنني تعلمت النحو ابتداءً على شيخ معقد العبارة، أو تعلمت الاعتقاد على شيخ مغلق، أو تعلمت البلاغة أو المنطق أو غير ذلك من علوم الآلة أو اصول الفقه على شيخ عبارته عالية، يأتي لنا بعبارة السبكي كما هي، ويغوص بنا في دهاليز الجويني وألفاظ ابن النجار وكلام الكمال ابن الهمام وغير ذلك، فاتعب عقولنا.
وهذا في الحقيقة خطأ، خطأ من المعلم، أنا أقولها بشكل واضح هذا خطأ؛ لأن الأمر إنما هو مبني على الإفهام وليس مبنياً على التعقيد. فلذلك أوجّه أحبتي الطلبة إذا كتب الله لكم أن تصبحوا علماء وأن تتصدروا للعلم، عليكم أن تحسنوا هذه المهارة؛ مهارة فهم كلام السابقين وإعادة صياغته بشكل واضح بين يفهم الطالب المعاصر.
ثم حينما يلتقي هذا الطالب المعاصر هو بنفسه يعود ويقرأ عبارات الأقدمين، فيحصل المقصود من إنشاء العلماء. لذلك ابن جماعة هو الذي يؤكد هذا المنهج، يقول: أن يسمح له بسهولة الإلقاء في تعليمه، سهولة الإلقاء أمر مهم جداً نبه عليه العلماء، ولكل زمن حكمه، ولكل زمن ألفاظه، ولكل زمن عقول يعني الناس أبناء زمانهم كما قال السلف.
الناس أبناء زمانهم، كل زمن الناس فيه على درجة معينة من التعقل والتفاهم والتخاطب، على العالم أن يراعي هذا الأمر في أثناء تدريسه وترسيبه لهذا الموطن. قال: أن يسمح بسهولة الإلقاء في تعليمه وحسن التلطف في تفهيمه، لا سيما إذا كان أهلاً لذلك لححسن أدبه وجودة ذهنه.
فالمعلم كلما وجد الطالب أهلاً لأن ينال العلم، ووجد فيه جودة في الذهن وسرعة في تحصيل المسائل وحفظها وتفهمها، سمح له أكثر وأكثر بالاستفسار وتبادل الأفكار، ويوضح له القضية بشكل جلي؛ فإن بعض الطلبة ذكي فطن، أحياناً يحتاج أن توضح له القضية بشكل آخر، وأن تعيد طرح المعلومة له مرة أخرى.
بعض المدرسين يأنف من ذلك، يقول: والله أنا طرحت المسألة، من فهمها فهمها، ومن لم يفهمها لم يفهمها. لا، إذا وجدت طالباً نبيهاً ذكياً فطناً، لو طلب منك أن تعيد المسألة مرة أخرى أعدها؛ لأنك تريده، أنت تريد لهذه المعلومة أن تصل إليه. يعني أيها العالم، هل مقصدك فقط أن تلقي معلومة وينتهي الأمر؟ هل هذا هو المطلوب مني، أم المطلوب منك بقدر الإمكان أن تغرس الفكرة والمعلومة في ذهن الطلبة؟
المطلوب أن تغرس الفكرة في الطلبة، هذا هو المراد وهذا هو المناط. فالمعلم إذا وجد طالباً مؤهلاً للتحصيل ذكياً، عليه أن يحرص على تعليمه وتفهيمه، ويعيد شرح المعلومة له مرة ومرتين وثلاث وأربع، ويسمح لهذا الطالب أن يطرح إشكالاً، ويعيد المعلم الكرة مرة أخرى ويجيب عن هذا الاشكال، لأننا في النهاية نريد أن نصنع العالم.
فلذلك قال: ويحرضه -هذا المعلم، خاصةً للطالب الذكي- أيها المعلم، أيها المتنصب للتدريس، إذا وجدت طالباً نبيهاً ذكياً ماذا تفعل معه؟ قد يحرضه على طلب الفوائد وحفظ النوادر والفرائض، ولا يدخر عنه من انواع العلوم ما يسأله عنه وهو أهل له، لأن ذلك ربما يوحش الصدر وينفر القلب ويورث الوحشة.
يعني المعلم إذا وجد طالباً نبيهاً يحثه يحفزه على الحفظ وعلى قراءة الكتب والاطلاع عليها، ويرشده إلى الكتب المهمة التي تعينه، أي علم يستطيع المعلم أن يمنحه لهذا الطالب يعطيه إياه، خاصةً بهذا الضابط إذا كان الطالب مؤهلاً لحمل هذا العلم. لأنه أحياناً بعض الطلبة يستعجل في تحصيل علوم ولكنه ليس مؤهلاً لتحصيلها، فهنا من الأمانة العلمية ألا يمنحها المعلم له، لأنه يدرك أن هذا الطالب إذا نال هذا العلم وهو ليس مؤهلاً، الآن قد يكون هذا العلم سبباً في فتنته.
قضية أن يمنح المعلم الطالب كل العلم، وأن يعطيه ما يستطيع، عليه أن يراعي به أهلية الطالب لتحصيل هذا العلم. فإذا كان الطالب مؤهلاً لتحصيله، فعلى المعلم أن يبذله بقدر استطاعته، لأن الطالب إذا وجد المعلم يمنعه العلم ويحول بينه وبين الحصول على المعرفة، كيف ستحدث أو كيف ستصبح العلاقة بين المعلم وبين هذا الطالب؟ قال: هذا يوحش الصدر وينفر القلب ويورث الوحشة.
الطالب يقول: لماذا هذا المعلم لا يريد أن يعطيني المعلومة؟ لماذا يحرمني من علمه؟ لماذا يتشاغل مع أني مؤهل؟ إذا كنت أيها الطالب مؤهل نعم لك أن تطلب هذه العلوم، وينبغي للمعلم أن يمنحك ما وجد لذلك موسعة. لكن إذا
هذا الطالب غير مؤهل، فعليه أن يعذر الشيخ في حرمانه من هذا العلم؛ لأن حرمان الشيخ له ليس لأنه لا يريد منح العلم، ولكن لأن هذا الطالب ما زال غير مؤهل لتحصيله.
قال: وكذلك لا يلقى إليه ما لم يتأهل له، قاعدة عامة لا يلقي المعلم للطالب معلومة لم يتأهل لها بعد. قال: لأن ذلك يبدد ذهنه ويفرق فهمه، يعني من النصح للطالب ألا تمنحه شيئاً لا يطيقه عقله، هذا يبدد الذهن ويشتته. يعني بعض الطلبة يخبرنا أن شيوخهم بدأوا معهم بمصنفات دقيقة، الشيخ يبدأ بجمع الجوامع لتاج الدين السبكي، أو يبدأ بشروح معقدة في الاعتقاد، أو يبدأ بكتب كبيرة في الفقه، وهذا خطأ. أنت تعطي هذا العلم الجملة طالب ذهنه غير مؤهل بعد لاستقبال هذا الزخم العالي.
لذلك العلماء كانوا يقولون: العالم الرباني هو الذي يعلم الطلبة على قال العلم قبل كباره، وهذه المنهجية التي نخاطب بها أحبتنا الطلبة أن يبدأ من المتن المختصر المهذب الذي يمنحه القواعد الأساسية، ثم حينما ينضج فكرياً يرتقي إلى المتن المتوسط أو الكتاب المتوسط، ثم إلى الكتاب العميق الموسع. أما أن يبدأ بالكتاب الموسع وينسى الكتاب المختصر، هذا جهل من المعلم ومن الطالب، جهل من المعلم ومن الطالب؛ لأن الطالب أحبتي عقله يحتاج إلى مرونة، وهذه المرونة في تحصيل العلم الشرعي وفي تحليل مسائله وتنقيحها إنما تنمو رويداً رويداً، لا يمكن لعقل طالب مبتدئ فجأة أن يفتح على درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، وأن تذهب معه إلى معيار العلم للغزالي، وأن تعود به إلى الملل والنحل، هذا تحميل للعقل ما لا يطيق، وتشتيت للقوة والذهن خطأ.
بل حتى ما يسمى اليوم المقارن والذي يدرس في الجامعات، هذا من أكبر المناهج الخاطئة التي يمارسها العلماء. من أكبر المناهج الخاطئة التي تمارس في جامعاتنا اليوم الفقه المقارن، ما يسمى بالفقه المقارن، أن نبدأ بإعطاء الطلبة جميع أقوال الأئمة في المسألة الواحدة، هذا ظلم قتلت الطالب. الطالب الناشئ المبتدئ الذي يأتيكم أيها الدكاترة الأساتذة إلى الجامعة لا يطيق عقله أن تمنحه كل الأقوال المذهبية في المسألة، يحتاج إلى أن يأخذ قُولاً واحداً على مذهب من المذاهب المعتبرة يحفظ هذا القول يسير عليه.
أما ما نشاهده اليوم من ظلم للطلبة في إحدى الجامعات التي درسنا فيها، يبدأون مع الطلبة بكتاب بداية المجتهد لابن رشد القرطبي، وهذا شيء مضحك المبكي! بالله عليكم تبدأون مع الطلبة بكتاب اسمه بداية المجتهد؟ يعني هذا الكتاب وضعه ابن رشد لشخص قد امتلأ علماً ويريد الآن أن يصل إلى مراتب الاجتهاد فيقارن بين أقوال العلماء، اسمه بداية المجتهد تمنحونه لطلبة؟ والله كنا أن نرى الطلبة إخواننا والجنسيات الأخرى الذين كانوا معنا في المدينة النبوية لا يفهمون شيئاً من هذا الكتاب. الكتاب يبدأ بذكر المسائل من الطهارة إلى آخر أبواب الفقه، وفي كل مسألة يعرض لك أقوال المذاهب الأربعة وغير المذاهب الأربعة، وفي داخل المذهب المالكي خصوصاً ينقل لنا عدة أقوال في المذهب.
بالله عليكم المسألة الواحدة حينما تدرسها على عشرة أقوال، ماذا ستحصل منها وأنت ما زلت طالباً ناشئاً؟ والله أحبتي كنا نأسف أن الطلبة يخرجون من الجامعة وينهون هذا الكتاب وكل ما أخذوه ذهب فساداً، وهذا يمارس في كل إلا ما رحم ربي اليوم، يقولون علينا أن نعلم الطالب المقارنة بين الأقوال وألا يكون حبيساً لمذهب. أيها العالم الذكي، أيها المحاضر، نحن نعم لا نريد للطالب أن يكون حبيساً للتقليد بالمطلق، لكن نريد أن نرتقي بذهنه في مدارج التعلم، أنت تقتل تقتل عقله وذهنه وفكره حينما تجعله حبيساً أو عندما تعلمه المسألة عفواً على الأقوال الفقهية جميعها، قتلت الذهن! هذا الذهن ما زال غضاً طرياً ناشئاً بالكاد يضبط قولاً واحداً بدليله، كيف أنت تحشوه مرة واحدة أقوال متنوعة لمناهج متعددة؟ كيف؟ هذا ظلم وقتل للطالب.
وأنا نبهت على هذا لأني أجده مستقراً في الجامعات الأكاديمية ما يسمى بدراسة الفقه على المنهج المقارن، هذا خطأ فادح يرتكب مع طلبة العلم الناشئين في مراحل البكالوريوس أن يبدأ معهم بدراسة الفقه على المذاهب الأربعة وغير الأربعة، والله يخرجون من دون أن يضبطوا شيئاً، دينهم مشتت، المعلومة تائهة ضائعة، هو أخذ أنا هذه ولا الرأي الفلاني والطالب لا عنده قدرة على ترجيح، ولا هو دارس في أصول الفقه بإتقان للغة العربية بفهم واستيعاب. لذلك علينا أن نعدل مناهج التعليم وأن نسير على ما سار عليه الأئمة من ثمانية قرون تخرج علماء.
لماذا هذا القرن العشرين نجد ضعفاً في إنتاج العلماء؟ لأن هناك مشاكل كبيرة، من أهمها فقد مسالك الطلب التي كان يسلكها العلماء الأوائل، أننا فقدنا تلك المناهج الناصعة الواضحة البينة المجربة التي سار عليها العلماء جيلاً بعد جيل. أما اليوم فأصبح الأساتذة المعاصرون لضعف بضاعتهم العلمية -وأنا مؤمن بهذا- أصبحوا يضعون مناهج تعليم على رأيهم ويقولون هذه هي حاجة الوقت المعاصر. انتظر اخي الحبيب، ليس هذه حاجة الوقت المعاصر، وإنما أنت لانك لم يتم تنشئتك بطريقة الأوائل تريد أن تذهب بطلبتك إلى المناهج المعاصرة. أما العلم سلسلته ومنهجيته واضحة، إنما يبدأ بصغار العلم قبل كباره، هذه هي القاعدة التي ينبغي أن تراعى اليوم في جامعاتنا وفي معاهدنا وفي متن التحصيل الشرعي لدينا إذا أردنا أن نصنع العالم.
أخيراً، الفقرة الأخيرة التي أختم بها قال: وكذلك لا يلقى إليه ما لم يتأهل له؛ لأن ذلك يبدد دينه ويفرق فهمه. فإن سأله الطالب شيئاً من ذلك لم يجبه، ويعرفه -طبعاً لا تجيبه لأنه غير مؤهل- وتعرفه أن ذلك يضره ولا ينفعه، وأن منعه إياه منه شفقة عليه ولطف به لا بخلاً عليه، ثم يرغبه عند ذلك في الاجتهاد والتحصيل لذلك وغيره. يعني المعلم يكون فطناً في صرف الطالب عن هذا العلم إذا الطالب غير مؤهل، سألك عن مسألة، عن معلومة، عن علم من العلوم، فإنك تقول له: أنا لن أجيبك الآن لأنك لست مؤهلاً وليس لأني أريد حرمانك، يبين له علة امتناعه حتى لا يوحش صدر الطالب، وهذا من التفطن لمسالك النفسيات البشرية، فأنت أيها العالم في النهاية تتعامل مع بشر، مع مخلوق عنده مشاعر، عنده أحساس، لا ينفع أن تتعامل معه على أنه إنسان مصمت تماماً لا يوجد عنده أي مشاعر بشرية، عليه أن تقبل منك أي مقولة على أي هيئة صدرت منه، أنت تتعامل مع بشر، إنسان عنده مشاعر أحساس، يحتاج أن يفهم لماذا العالم فعل معي هكذا؟ ولماذا تصرف معي الأستاذ بهذا الشكل؟ كلما أوضح المعلم لتلاميذه تعاليل أفعاله وتصرفاته أحبه التلاميذ أكثر وأكثر وعرف هو أن العالم إنما يريد لهم النصح. قال: وقد روي في تفسير رباني أنه الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره.
أخيراً أحبتي أتكلم عن فائدة للإمام السبكي رحمة الله تعالى عليه، يتكلم فيها عن علاقته بشيوخه، يتكلم فيها عن علاقته بشيوخه وأساتذته، كيف أن العالم الذي كان سهلاً معه ليناً استفاد منه السبكي أكثر من العالم الذي كان غليظاً معه شديد العلي. يقول السبكي عليه رحمة الله: وكنت أنا كثير الملازمة للذهبي الإمام الذهبي صاحب سير أعلام النبلاء. السبكي كان من تلاميذه، وكنت أنا كثيراً ملازمتي بالذهبي أمضي إليه في كل يوم مرتين بكرة والعصر، يعني في الصباح وفي العصر. وأما المزي رحمة الله عليه فما كنت أمضي إليه غير مرتين بالأسبوع، يعني الذهبي أذهب إليه مرتين في اليوم، والإمام صاحب تهذيب الكمال المزي أذهب إليه مرتين فقط في الاسبوع. لماذا هذا التفاوت؟ قال: وكان سبب ذلك أن الذهبي كان كثير الملاطفة لي والمحبة فيّ بحيث يعرف من عرف حالي معه أنه لم يكن يحب أحداً كمحبته فيّ، وكنت شاباً فيقع ذلك مني موقعاً عظيماً. وأما المزي فكان رجلاً عبوساً مهيباً، يعني السبكي يرسم لنا علاقته بشيوخه، يقول علاقتي مع الذهبي كانت علاقة شديدة وطيدة لأن الذهبي كان يظهر لي كل
حب والتودد، وكنت وأنا شاب أجد هذا الحب ويقع في قلبي هذا الحب موقعاً عظيماً، فأحب الذهاب للذهبي كثيراً. وأما الإمام المزي رحمة الله عليه قال: فكان عبوساً رجل فيه شدة، مع أنه الإمام الكبير الإمام المزي رحمة الله عليه صاحب مصنفات عظيمة، لكن سبحان الله الناس تختلف في طبائعها. الإمام المزي قال: كان إماماً آآ عبوساً لا يمنح من اللطف واللين ما يمنحه الذهبي له، فلذلك ما كنت أذهب إليه إلا مرتين في الأسبوع، أما الذهبي لشدة تودده يلجئني أن أذهب إليه كل يوم، لشدة هذا الحب والود. وهذا يرسم لكم العلاقة، يعني هذه السير عندما نقرأها تعطينا مناهج مسالك، أن أنظر إلى المعلم إذا كان مثل الذهبي كيف تنشأ علاقة حب واحترام بينهم وبين الطالب، وأما المعلم العبوس الذي لا يلين جانبه للطلبة كيف تكون هناك شيء من الجفوة بينه وبين أحبته من الطلبة.
وكما قال المعلق رحمة الله على الملاطف وعلى العبوس، رحمة الله على الذهبي وعلى المزي وعلى السبكي رحمة الله عليهم جميعاً. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن نكون وفقنا في إصال الأفكار ورسم الملامح التي يريد ابن جماعة أن يوصلها لأجيال هذه الأمة، وأن يرزقنا التطبيق والعمل والانتفاع والنية الصالحة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يسلمك.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل