تسجيل الدخول

شرح تذكرة السامع والمتكلم (14)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا طالبا للعلم يرجو نفعه، اسمع نصيحة ناصح معوان. لربك في أمورك كلها، فالمخلصون هم أولو العرفان.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين؛ نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي في عودة جديدة لمدارسة كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم للإلام ابن جماعة الكناني الشافعي رحمة الله تعالى عليه. هذه أحبتي شرعنا فيها لمقصد عظيم، ألا وهو رفع الهمم، وتشييد العزائم، وإعادة التبصر بطريق طلب العلم، وللوقوف على مناهج السابقين، وعلى آدابهم وأخلاقهم ومسالكهم في طلب العلم وفي إعطائه، والوقوف على سير الأوائل من الأئمة، وكيف كانوا يلتقون بطلبتهم ويعلمونهم؟ وعلى ماذا يوقفونهم؟ كيف كانوا يوجهونهم ويحثونهم دائماً على معالي الأخلاق والآداب؟

وننظر أيضاً في مسالك الطلب، وفي طريقة التصنيف، وفي طريقة التعلم، وما الذي يجب أن يبدأ به وما الذي يجب أن يؤخر. كل هذه الآداب والأخلاقيات والسلوكيات والمناهج نجدها مبثوثة ضمن كتاب تذكرة السامع والمتكلم للإمام ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه. ودراسة مثل هذه الكتب والمصنفات من أهم الأمور في حياة طالب العلم. كثير من طلبة العلم في وقتنا المعاصر عزفوا عن دراسة مثل هذه المصنفات، وربما يرونها من فضول العلم الذي لا حاجة إلى الاطلاع عليه والاشتغال به.

وفي الحقيقة أن هذه الكتب هي أس طلب العلم، وهي المبدأ الذي يجب على الطالب أن ينطلق منه في حياته العلمية. فإن طالب علم الشريعة اليوم ينقصه كثير من مناهج الطلب وآدابه وسلوكياته وأخلاقه، ينقصه الوقوف على مناهج السابقين في كيفية تلقي العلم وطرحه، تجده ضعيفاً في طلبه للعلم، وإذا تصدر لتعليم العلم تجده ضعيفاً أيضاً في أخلاقيات العالم وفي السلوكيات التي ينبغي أن يتحلى بها.

لذلك أحبتي مدارسة هذا الكتاب وغيره من الكتب التي تتكلم عن أدب طلب العلم ومناهجه ومسالكه من أهم الأمور في حياة طالب العلم، عليه أن يتمسك بهذه الكتب، أن يعتني بتحريرها وقراءتها وإدامة النظر فيها؛ لأنها ستوقفك على الكثير والكثير من الأمور التي تجهلها، وربما لن تقف عليها إذا كبر بك السن. لذلك من الآن احرص على متابعة هذه المجالس، على متابعة هذا الكتاب، على المتابعة الجادة والوقوف الدقيق على كلام ابن جماعة، وعلى التأمل والسعي إلى التطبيق وليس مجرد التحصيل من دون أي تطبيق في حياتك العلمية.

وقفنا قبل رمضان أحبتي عند الأدب السادس من آداب العالم مع طلبته، وفي هذا الأدب وما بعده سيبدأ ابن جماعة يتكلم عن كيفية إلقاء المحاضرة، وما هي المهارات التي ينبغي أن يتحلى بها العالم والمدرس والمحاضر في إيصال الأفكار والقواعد والمعلومات إلى طلبته. وهنا سنلاحظ دقيق فهم ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه لنفسيات الطلبة، وكيفية إيصال المعلومة للطالب بالشكل الجيد، وكيف أن الدراسات المعاصرة في مناهج التدريس سبقها علماؤنا فيما دونوه وسطروه قبل مئات السنوات في كيفية تعامل المعلم مع طلبته، كيف يوصل لهم القواعد والمسائل بالشكل الجيد وبالتدرج وبضرب الأمثلة، كيف يتعامل مع الطلبة إذا وجد الطالب غافلاً، إذا وجد الطالب نبياً، إذا وجد الطالب ذكياً، إذا وجد الطالب منشغلاً أثناء المحاضرة.

مهارات دقيقة جداً جداً سيطرحها ابن جماعة الآن، تعطيكم إشارة إلى مقدار فهم هذا الإام العظيم لمناهج الطلب وكيفية الإلقاء وكيفية تعامل المعلم مع طلبته. ننظر أحبتي فيما طرحه ابن جماعة في هذا الباب ونقف على جليل علمه بأنفسنا. يقول ابن جماعة في الأدب السادس: أن يحرص على تعليمه وتفهيمه ببذل جهده. هكذا بدأ الأدب السادس، أن على المعلم أن يبذل قصارى جهده وطاقته في إيصال المعلومة للطالب.

قال: أن يحرص على تعليمه وتفهيمه ببذل جهده، يبذل أقصى جهده. ليست القضية أن تلقي درساً وتذهب وتعود إلى منزلك، والله أنا فعلت ما علي وانتهى الأمر! كلا، المعلم أحبتي عليه أن يبذل طاقته، وأن يحتسب هذا الجهد الذي يبذله عند الله سبحانه وتعالى في تعليمه للطلبة؛ لأن المراد من عملية التدريس وإلقاء المحاضرة أن تصل هذه المعلومات وهذه القواعد وهذه الأفهام إلى الطلبة، إلى الأجيال اللاحقة. فعلى المعلم أن يكون مخلصاً شديد الحرص في إيصال هذه القواعد لطلبته، ولا يكون سريع الملل كثير التضجر، يريد من الطالب أن يسرع الفهم ولا يتكلف إعادة الدرس أو إعادة المعلومة له مرة أخرى. كلا، صفات المعلم الناجح أنه حريص على طلبته، حريص على نفعهم، يحاول أن يوصل الفكرة لهم بأقصى طاقته.

ثم قال ابن جماعة: وتقريب المعنى -يعني أن يحرص على تعليمه وتفهيمه ببذل جهده- وتقريب المعنى له من غير إكثار لا يحتمله ذهنه، أو بسط لا يضبطه حفظه. أها، لاحظ الكلمات الدقيقة! قال: وتقريب المعنى له. لكن هذا المدرس عليه ألا يكثر الكلام، وألا يحشو ذهن الطالب بالكثير من المعلومات في وقت ضيق. لماذا؟ لأن كثرة إيراد المعلومات في وقت ضيق على ذهن الطالب تعبه وتجعل المعلومات تتشوش لديه وتتداخل مع بعضها البعض. فعلى المعلم أن يعطي القسط المناسب من المعلومة، هذا أمر مهم، والمعلم ينظر في الطالب، إذا وجد الطالب بدأ يشعر بالضجر والملل وأن حجم المعلومات غزير جداً ما عاد يستوعب، الطالب هنا يقف المعلم، وهذا من الأمور الدقيقة في عملية التدريس.

قال: وتقريب المعنى له من غير إكثار. ما في داع للإكثار أكثر من حاجة الطالب في هذا المجلس؛ لأن المراد في النهاية من عملية التدريس وحضور المجالس أن تحصل الفائدة، فأي شيء يمنع حصول الفائدة على المعلم أن يجتنبه ويحترز منه. قال: وتقريب المعنى له من غير إكثار لا يحتمله ذهنه، أو بسط لا يضبطه حفظه. بعض المعلمين يحب أن يبسط المعلومة بشكل زائد، والبعض عنده حب إظهار مقدراته العلمية. بعض المدرسين فتن بحب إظهار مقدراته العلمية، فتجد في المحاضرة الواحدة يذكر مئات المراجع أو عشرات المراجع للطلبة، ويحيلهم على هذا وعلى هذا، ويقول إنه وجد هذه المعلومة في كتاب فلان، وأن هناك حاشية على هذا الكتاب تنص على أنه كذا وكذا، يحب أن يظهر مقدراته العلمية وما حصله في زمن الدراسة أمام الطلبة.

وهنا أذكر الإمام الطاهر ابن عاشور في كتابه اليس الصبح بقريب، كان يتكلم عن نفسه في بداية التدريس، يقول إنه في بداية التدريس كان مفتوناً بإظهار نفسه أمام الطلبة وحب إعطاء معلومات من كتب شتى، وإظهار اطلاعه على الكتب الدقيقة التي قل أن يقف الطالب عليها في هذا الزمان. قد قالوا: كنت مفتوناً بذلك، ثم حينما كبرت وعلا كعبي في التعليم وعرفت المقصد من عملية التعليم والهدف منها رشدت في تدريسي، وأصبحت اقتصر على المعلومة التي يحتاجها الطالب في هذا المكان، من دون حاجة إلى إظهار المقدرات العلمية.

القدرات العلمية اخي الحبيب هذه شيء بينك وبين الله سبحانه وتعالى، هذه هبة وهبها الله سبحانه وتعالى لك، لا توجد حاجة إلى أن تظهرها لطلبتك، وإنما نسميه نحن فرد العضلات في العمليات العلمية؛ لأن الأمر يقتصر في عملية التدريس على الإرشاد والتوجيه وتوطين القواعد وتأصيلها عند الطلبة، متى حصل هذا المقصد انتهى الأمر، بأي وسيلة حصل هذا المقصد انتهى الأمر، من دون حاجة إلى إسهاب يشتت ذهن الطالب ويصعب عليه أن يحفظ وأن يضبط معه. وهذا فائدة نفيسة من ابن جماعة علينا أن نعتني بها.

قال: ويوضح لمتوقف الذهن العبارة. عبارة جيدة لطيفة. قال: ويوضح -يعني على المعلم أن يوضح لمتوقف الذهن- يعني إذا رأيت الطالب توقف ذهنه عند معلومة معينة ما عاد يستطيع أن يدركها، هذا هو المتوقف الذهني، الطالب توقف عند معلومة وذهنه ما عاد يدركها. ماذا يفعل المدرس في هذه الحالة؟ قال: ويوضح لمتوقف الذهن العبارة، يجلس معه ويبين ويعطيه الراحة في السؤال والراحة في الإجابة. قال: ويحتسب إعادة الشرح له وتكراره. ويحتسب له، هذه العبارة الجميلة، يحتسب يعني أنت أيها المدرس تحتسب عند الله سبحانه وتعالى إعادة الشرح. المعلومة لو عدتها مرة ومرتين.

وأربع وخمس. بعض الطلبة أحيانا يشكو من كثرة التكرار، ويقول: يا شيخ، وضحت! قد تكون وضحت لطالب، لكن هناك طالب ما زال يحتاج إلى إعادة توضيح تكرار وإعادة طرح المسألة مرة بعد أخرى. هذا من الأمور المهمة في عملية التعليم حتى تصل المعلومة وترسخ في ذهن الطالب، هذا أولا.

ثانيا، كلما أعاد المعلم شرح المعلومة والفكرة ازدادت هناك الغزارة فيها، وربما تفتح للمعلم أيضا آفاق أخرى في إيصال هذه المعلومة، وتذكر شيئا كان قد نسيه فيها. فأعادة شرح المعلومة أظن أنه من الأمور المهمة المهمة التي ينبغي أن يتحلى بها المتصدر للتدريس، لما لها من الآثار الجليلة. بعض طلبة العلم عنده مشكلة مع التكرار، لا يحب تكرار المعلومة، يريد دائما الجديد الجديد، ويغفل أن تكرار المعلومة هو سبيل أصيل في ضبطها.

أخي الحبيب، أيها الطالب، إياك أن تسأم من تكرار المعلم للمعلومة في المحاضرة، إذا لم يكن -طبعا- تكرارا مملا؛ هناك بعض التكرارات مملة جدا فعلا، لكن أتكلم عن التكرار المعتدل، لأن ضبط المسائل والقواعد -خاصة في بداية الطلب- لا يمكن إلا بإعادة تكرار المسألة.

لذلك أنا أذكر دائما؛ إبراهيم الحربي يقول: كنت أسمع المسألة الفقهية -يعني من أحمد بن حنبل- أكثر من ألف مرة، تصوروا! ألف مرة يعيد تكرار هذه المسألة، وسمعها من شيخه حتى ترسخ وتحفر هذه المسألة في القلب والذهن. لذلك المعلومات إنما تثبت بالتكرار وإعادة النظر فيها. فكتاب واحد تعيد استشراحه على أكثر من مدرس -صدقني- أفضل من مئات الكتب أقرؤها قراءة الجرد والسرد. نعم، النفس تحب الجديد، تحب المرور على معلومات أخرى في هذا الباب، لكن أحذرك من الاستعجال وقفز المراحل قبل أن يكون البنيان قويا متينا. البنيان القوي يمتاز بأنه أديم التكرار وإعادة النظر فيه مرارا وتكرارا. هكذا البنيان القوي يقوم على هذه المناهج. فقضية التكرار وإعادة النظر من المدرس في المسألة أكثر من مرة ينبغي ألا تكون سببا في سأم الطالب من هذا المدرس، وفي تضجره أو تسبب تضجره منها.

بعد أن تكلم ابن جماعة عن أهمية بذل المعلم جهده وطاقته واستفراغ كل ذلك في تعليم الطالب، بدأ يتكلم الآن عن كيفية إلقاء الدرس والمعلومة للطالب. فيقول ابن جماعة -قال- ويبدأ -أي المعلم- بتصوير المسائل، ثم بالأمثلة. بحضور مناهج التعليم الآن؛ أنت أيها المتصدر للتدريس، كيف تدرس الطلبة؟ عليك أولا أن توضح المسألة، تعطي المسألة راحتها في التوضيح، تأخذ مسألة معينة في علم النحو، في علم أصول الفقه، في علم الاعتقاد، في علم مصطلح الحديث، تأخذ المسألة وتوضح المقصود منها للطالب، وإياك أن تنتقل إلى مسألة أخرى قبل أن تنتهي من المسألة التي بين يديك. بعض المعلمين عنده حب استطراد دائما في طرح الكلام، وهذا خطأ، إياك أن تستطرد للطالب قبل أن تتأكد -أيها المعلم- من أن المعلومة والمسألة وضحت لديه.

فإذا يقرر المعلم المسألة بشكل واضح يبينها بكل ما يحتاج إليه الطالب، بعد ذلك لا تنتقل إلى مسألة أخرى قبل أن تأتي بمثال على المسألة السابقة. بعض المدرسين اليوم عندهم مشكلة كبيرة في قضية الأمثلة، تجده يوضح المسألة، لكنه يتكاسل عن ضرب الأمثلة أو البحث عنها. صدقوني -أحبتي- الضرب بالأمثلة والبحث عن أمثلة جديدة للمسائل والقواعد من أكثر الأمور المهمة في توضيح المسائل وحل الشبهة، لأن الطالب قد توضح له أنت المسألة ببيانك، لكنه ما زال مفتقرا لشيء من المثال يتضح له البيان التام. المثال مهم جدا للبيان التام والتوضيح الشامل؛ لأن أي مسألة تبقى في مجرد التنظير بعيدة عن التطبيق، يبقى الطالب يشعر بشيء من الخلل أو شيء من النقص في فهمها، لذلك عليه أن يهتم جدا المدرس في ذكر الأمثلة.

ماذا يقول ابن جماعة؟ قال: ويبدأ بتصوير المسألة، ثم يوضحها بالأمثلة. هذه قاعدة مهمة جدا. قال: وذكر الدلائل. الآن ذكر الدلائل، الآن سيستثني ابن جماعة في قضية ذكر الدلائل، قال: وذكر الدلائل. ويقتصر على تصوير المسألة وتمثيلها لمن لم يتأهل لفهم مأخذها ودليلها. إذا يقول ابن جماعة: على المدرس أن يصور المسألة للطالب، ثم يذكر مثالا عليها، ثم بعد ذلك يأتي بالدليل الذي يؤكد صحة هذه المسألة. والقول للمدرس، لكن هل دائما المدرس يذكر الدليل؟ أو ذكر الدليل مرحلة عليا تكون للطلبة المتأهلين لفهمه؟ ابن جماعة يبين لذلك أنه في المرحلة الابتدائية حينما يكون الطالب في بداية طلبه، تطرح له المسائل والامثلة مجردة عن الدلائل -خاصة في الفقه- أحبتي! هنا أنبه الأحبة الذين يدرسون الفقه للطلبة؛ من أكبر الأخطاء التي يمارسها بعض المدرسين اليوم أن يبدأ مع الطالب المبتدئ في ذكر أدلة المسائل الفقهية، وهذا خطأ. الطالب المبتدئ -خاصة في الفقه وفي الاعتقاد- يحتاج إلى أن يتصور المسألة كما هي ويعرف مثالا عليها، هذه مرحلته. الآن في مرحلة متوسطة متقدمة يبدأ الطالب بمعرفة دليل هذه المسائل.

وابن جماعة واضح جدا في طرحه، يقول: ويقتصر -أي المعلم- على تصوير المسألة وتمثيلها فقط لمن لم يتأهل بعد لفهم مأخذها ودليلها. فهذا من القواعد المهمة التي دائما ننبه عليها المدرسين وأحبتنا الطلبة الذين سيتصدرون غدا للتدريس. حينما تبدأون مع الطلبة المبتدئين، فالطالب المبتدئ يقتصر معه على توضيح المسألة وكشفها وذكر مثالها، وإياكم أن تتعبوا ذهنه بذكر الاستدلالات والمناقشات والردود على هذه المسائل، هذه مرحلة متقدمة في العلم للمتوسطين، فانتبهوا على هذا المنهج.

ثم قال: ويذكر الأدلة والمآخذ لمحتملها. وهذا كلام صحيح، أن الأدلة ومآخذ المسائل والقواعد إنما تذكر للطالب الذي يحتملها، وهو الطالب المتوسط الذي انتهى من مرحلة التأسيس والتأصيل. قال: ويبين له معاني أسرار حكمها وعللها. ويبين له معاني أسرار حكمها وعللها، يعني المعلم أيضا إذا وجد الطالب ذكيا متقدا، أو كان الطلب عنده في مرحلة متوسطة، يبين لهم الأسرار والحكم. يبين لهم أسرار هذه المسائل وحكم هذه المسائل وعللها، وما العلاقة بينها، وعلى ماذا بنيت، وكيف بنيت على هذا النهج؟ يعني يبين ارتباط المسألة بالعلل.

طالب العلم اليوم نحتاج أن يكون ذكيا، فطنا، يعرف القواعد كيف تبنى وعلى ماذا بنيت مع بعضها البعض. نحن لا نحتاج إلى طالب يحفظ المسائل حفظا من دون فهم، هذا لا يصلح، نحن نحتاج إلى عقول، نحتاج إلى طلبة يتعاملون مع النوازل، مع المستجدات، مع حاجة العصر. وهؤلاء الطلبة الذين يتعاملون مع مسائل العصر بكل تميز، لابد أن يكون تعليمهم بشكل دقيق جدا، مبني على دراسة والتحليل والتعمق في طرح الأفكار، وليس على مجرد حفظ المسائل والقواعد من دون أي تحليل أو تعليل لها من قبل المدرسين.

فالمدرس الناجح إذا أراد أن يخرج جيلا من طلبة العلم المؤصلين الذين يستطيعون أن يتعاملوا مع الواقع ومع المستجدات، عليه أن يهتم بهذه الدقائق؛ قضية بيان الحكم والأسرار والعلل التي تقف خلف هذه القواعد، وعلى ماذا بنيت وكيف ارتبطت مع بعضها البعض، حتى تحصد صورة كاملة للطالب ومنهجية كاملة أمامه يستطيع أن يوظفها هذا الطالب وينزلها على المسائل المعاصرة.

قال: ويبين له معاني أسرار حكمها وعللها، وما يتعلق بتلك المسألة من فرع وأصل. يعني ويبين أن هذه المسائل ما الفروع التي تبنى عليها، وكيف يمكن ربطها بالفروع؟ وهذا أيضا من الأمور المهمة، لأن الطالب -خاصة في بعض علوم مثل علم أصول الفقه- كثير من المدرسين يهتم في أصول الفقه بطرح المسألة الأصولية، ولا يعرف الطالب كيف يطبق هذه المسألة الأصولية وينزلها في الواقع، كيف يبني عليها ويفرع عليها مسائل، وهذه اشكالية في البناء العلمي للطالب. فعلى المدرس أن يهتم كما أنه يهتم بتوضيح المسألة وتصويرها وتمثيلها، أن يهتم بتعليم الطالب كيف ينزل هذه القواعد والمسائل في واقعه المعاصر.

قال: ومن وهم فيها في حكم أو تخريج أو نقل، أن ينقل بعبارة حسنة الأداء بعيدة عن تنقيص أحد من العلماء، ويقصد ببيان ذلك الوهم طريق النصيحة وتعريف النقول الصحيحة، وبذكر ما يشابه تلك المسألة.

أقف عند وتعريف النقول الصحيحة. بعد أن ينتهي المعلم من توضيح المسألة للطالب وذكر الأمثلة عليها وذكر دليل المعلم

على هذه المسألة، لا مانع أن ينتقل المعلم لبيان من أخطأ في هذه المسألة من أهل العلم، في وجهة نظر المعلم أن فلان أخطأ في هذه المسألة وجرح عن الصواب. فالمعلم يبين للطالب من الذي ابتعد عن الصواب في هذه المسألة.

لكن هنا ابن جماعة دقيق جدا، ويبين أن بيان الأقوال الخاطئة لأهل العلم ينبغي أن يقوم على الأدب، ينبغي أن يقوم على الأدب، ولا يحق للمدرس أن يقدح وأن يطعن وأن يتنقص من مخالفيه في هذه المسألة. اليوم أحبتي، نحن نعاني أزمة أخلاق في كثير من المتصدرين للتدريس؛ أزمة أخلاق واضحة.

أي شخص يخالف في رأيه وفي منهجه إذا أراد أن يبين رأيَه في تلك المسألة، فانه يتنقص من هذا العالم، ويصفه بأشنع الألفاظ وبأقبحها، وكأن هذا العالم لم يضع شرا إلا وقع فيه، وهذا ابتعاد عن منهج أهل العلم الربانيين. حتى لو خالفك شخص في المعتقد وأردت أن تبين الخلل في عقيدته، عليك أن تلتزم بالأدب معه، خاصة إذا كان من أكابر أهل العلم ممن له باع وقدم في هذا العلم.

كثير من العلماء كان بينهم اختلاف في مسائل الاعتقاد وحوار ونقاش حاد، لكن لم يكن بينهم شتيمة ولا تقبيح ولا تنقص ولا قدح في الأديان والأعراض. هذا اليوم نجده للأسف في بعض المتصدرين، خاصة لتدريس مسائل الاعتقاد؛ تجدهم يقبحون مخالفين لهم، ويصفونهم بالحمق والسفه، مع أن المخالفين لهم أئمة كبار شهدت لهم الأمة جميعا بالعلم، وأثنت على فكرهم ووعيهم.

تبني هذا المنهج، منهج التنقص من المخالفين والقدح في عقولهم وأذهانهم ووصفهم ووسمهم بالألفاظ، هذا لا يفعله إلا شخص حرم التوفيق من الله سبحانه وتعالى. هذا من دلائل حرمان التوفيق من الله سبحانه وتعالى: أن يشغلك بالكقدح في أديان العلماء، وأن يشغلك بالتنقص منهم ونبذهم بالكلام.

العلماء قديما يرد بعضهم على بعض من دون حاجة إلى قدح وإلى تنقص وإلى لمس. بل أنا أظن أحبتي وأعتقد أن الذي يستخدم منهج التنقص من الآخرين والقدح هذا عنده زعزعة وشك في علمه، لو كان واثقا من علمه متأكدا من منهجه ومسلكه لما احتاج إلى كل هذا اللمز والتنقص والقدح.

لكن من كانت بضاعته مزجا، ومن كان علمه مهترئا، ومن كان عنده مئة شك وشك في فكره، يستخدم لتغطية هذا النقص وتغطية هذا الجهل أسلوب الانتقاص من الآخرين والتنقص من علومهم وعقولهم وأفكارهم. وإلا لو كان متينا في علمه متقيا لربه لما سلك هذه المسالك الرديئة.

أعود فأقول أو أقرأ عبارة ابن جماعة ونركز فيها؛ قال: ومن وهم فيها. أن يبين العالم لطلِبته من وهم فيها، من وهم في هذه المسألة في بحكم أو تخريج أو نقل بعبارة حسنة الأداء. تقول: العالم الفلاني وإن كان من الأموات تقول: رحمه الله، تترحم عليه وتذكره بالخير وتثني عليه، ممن سهى في هذه المسألة.

انتهى الأمر؛ ممن سهى في هذه المسألة وأخطأ قال: بعيدا عن تنقص أحد من العلماء، لا تحتاج إلى التنقص. ويقصد ببيان ذلك، ويكون هدفك من بيان خطأ العالم الفلاني في هذه المسألة، ليس الانتصار للشيخ والطريقة والنفس، وإنما من بيان خطئه وسهوه ووهمه، كما قال ابن جماعة: طريق النصيحة.

النصح لهذه الأمة وبيان ما هو الصواب، حتى لا يذهب أحد إلى المناهج الخاطئة. هذا هدفك، ليس هدفك الانتصار للنفس وبيان قدراتك وأنك أنت أنت، وأنت من حصلت على المعلومة الصحيحة وبرزت في هذا الميدان، وغيرك هو جاهل لم يصل إلى شيء من العلم قد وصلت إليه. هذه كلها مقاصد رديئة تبين جهلك أيها المدرس وأيها المتنقص.

قال: ويقصد ببيان ذلك الوهم طريق النصيحة وتعريف النقود الصحيحة أن توقف الطالب على النقل الصحيح. إذا كان الإشكال في بعيدا عن أي مقصد للنفس وإظهار القوة العلمية وإظهار المتانة والانتصار للطائفة والجماعة، هذا لا تحتاج أبدا. والله سبحانه وتعالى إنما يبارك في من صدق في عمله.

أحبتي صدقوني، من أراد أن يبارك الله في دعوته وفي علمه، عليه أن يكون ناصحا لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعوامهم، بكون دائما ناصح لهذه الأمة، هدفك النصيحة الإرشاد، إه اخذ الناس إلى الجادة الصحيحة وابعادهم عن المناهج الخاطئة، فقط هذا الهدف دون أي شيء آخر. والله سبحانه وتعالى صدقني سيبارك في سعيك وعلمك وجدك واجتهادك، وتجد القبول يكتبه الله سبحانه وتعالى لك.

قال: ويذكر ما يشابه تلك المسألة وما يفارقها ويقاربها ويبين أخذ الحكمين والفرق بين المسألتين. يعني من مهارات التدريس أنه المعلم إذا وضح مسألة للطلبة، ووجد أن هذه المسألة هناك مسألة أخرى تشابهها قد تتداخل على الطالب في ذهنه، فمن مهارات التدريس أن المعلم يبين المسائل المتشابهة.

ويقول للطالب: إياك أن تشتبه عليك هذه المسألة بتلك المسألة، فتلك المسألة مأخذها كذا وكذا، وهذه المسألة مأخذها آخر كذا وكذا. فمن دقة التعليم وفنونه أن يعرف المعلم ما يمكن أن يفكر به الطالب الآن، وكيف يمكن أن يدخل اللبس على الطالب في هذه.

وهذه تحتاج إلى ذكاء من المدرس: أن يعرف المسائل المتشابهة التي يمكن أن تختلط على الطالب، فيبدأ بكشف الخفاء وتوضيح المتشابهات المتناظرات من المسائل، ويبين له ما أوجه الفرق بين هذه المسألة وبين تلك المسألة الأخرى حتى لا تتداخل عليه.

نكمل مع ابن جماعة، قال: ولا يمتنع من ذكر لفظة يستحى من ذكرها عادة إذا أحتيج إليها ولم يتم التوضيح إلا بذكرها. فإن كانت الكناية تفيد معناها وتحصل مقتضاها تحصيلا بينا لم يصرح بذكرها، بل يكتفي بالكناية عنها.

وكذلك إذا كان في المجلس من لا يليق ذكرها بحضوره لحيائه أو لجفائه، فيكني عن تلك اللفظة بغيرها. ولهذه معاني واختلاف الحال والله تعالى أعلم. ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم التصريح تارة والكناية أخرى.

هذا أيضا من مهارات التدريس ومن آدابه: أن المعلم إذا احتاج إلى ذكر لفظة مستهجنة في عرف الناس، لكنه احتاج إلى ذكرها في ضمن سياق التعليم حتى يتضح للطالب أمر معين. فهل المعلم يذهب إلى الكناية عن هذا اللفظ بدلا من التصريح به، أو يصرح به؟

فالان ابن جماعة يضع لنا منهجا يقول: النبي صلى الله عليه وسلم من خلال استقراء الأحاديث النبوية اتضح لنا أنه في مقامات وسياقات معينة استخدمت الكناية عن الألفاظ التي يستهجن التصريح بها كالفرج وما شابه ذلك، وفي سياقات أخرى استخدم صلى الله عليه وسلم التصريح بها لأن المقام كان يستلزم التصريح.

فلذلك يقول ابن جماعة: على المعلم أن يقتدي بهدي محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا كان المقام الذي يعلم فيه يقتضي منه التصريح بهذه الألفاظ المستهجنة حتى يعرف الطالب الحكم في المسألة، ولا يوجد أوب أطريقة لإيصال الفكر لهذا الطالب إلا من خلال التصريح، فيصرح، وهنا لا ينبغي للمعلم أن يستحي ويقول: أبدا، أنا لا أصرح، هذه لفظة مستهجنة، حتى ولو لم يفهم الطالب. لا، العلم أولى من هذه القضايا، هذه قضايا أدبية.

إيصال الأفكار الصحيحة للطالب هذا أمر أهم من ذلك في هذا في حالة التعارض. لكن إن أمكن إيصال الفكرة للطالب وتوضيح المسألة من خلال الكناية من دون حاجة إلى التصريح، فاذهب إلى الكناية. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم مثلا في حديث رفاعة امرأة رفاعة القرظي، حينما أتت على النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته أن زوجها الجديد عبدالرحمن بن الزبير ليست فيه قوة على الجماع.

فطلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيدها إلى زوجها الأول رفاعة القرظي، وكان رفاعة القرظي قد طلقها ثلاثا، ومعروف في الفقه أن المرأة إذا طلقها خذوها ثلاثا لا تعود إليه حتى تنكح زوجا غيره نكاحا كاملا بالوطء. فعندما جاءت كما قلنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت قد نكحت بعد رفاعة عبدالرحمن بن الزبير، قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إن عبدالرحمن بن الزبير ليس فيه قدرة على.

ولكن تبين أن أنه كانت لديه قدرة على ذلك، وأن امرأة رفاعة القرظي أرادت وكان قلبها متعلقا برفعة، فأرادت أن تعود إليه. فالنبي صلى الله عليه وسلم رفض أن يعيدها إلى رفاعة القرظي حتى يحصل الوطء التام بينها وبين عبدالرحمن ابن الزبير. لكن النبي

صلى الله عليه وسلم لم يصرح بهذه الألفاظ، وإنما كنى عنها بالأدب اللائق، خاصة أنه يتكلم مع امرأة، أنه يتكلم ويخاطب امرأة. فلا ينبغي أن يصرح في هذا المقام بالوطء والجماع، وإنما عبر صلى الله عليه وسلم بأسلوب أدبي رائق لها. فقال لها: لا، أي ليس لك أن تعودي إلى رفاعة حتى تذوقي عسيلته، أي حتى تذوقي عسيلة عبد الرحمن بن الزبير ويذوق عسيلتك، أي حتى يحصل الوطء والجماع بينكما. لكن لم يحتج النبي صلى الله عليه وسلم إلى التصريح بهذه الألفاظ وإنما ذهب إلى الكناية.

ننتقل الآن أحبتي إلى الأدب السابع من آداب العالم مع تلاميذه، وما زال ابن جماعة يتحدث عن طرق التدريس ومهارات التدريس التي ينبغي أن يتحلى بها المدرس والمعلم. قال: إذا فرغ الشيخ من شرح درس، الآن المعلم فرغ من شرح الدرس فماذا يفعل؟ قال: إذا فرغ الشيخ من شرح درس قال: فلا بأس بطرح مسائل تتعلق به على الطلبة. يبدأ المعلم الآن أن يختبر فهم الطلبة للدرس من خلال طرح مسائل على الطلبة وينظر في إجابتهم. إذا كانت إجاباتهم موفقة، إذا الطلبة تشبعوا وقد فهموا الدرس تماماً. وإذا كانت الإجابات بعيدة عن الصواب معناها ما زال هناك إشكالات في ذهن الطلبة، إذاً على المعلم أن يعيد طرح المسائل مرة أخرى. لذلك قال: إذا فرغ الشيخ من شرح درس فلا بأس بطرح مسائل تتعلق به على الطلبة، يمتحن بها فهمهم وضبطهم لما شرح لهم.

فمن ظهر استحكام فهمه له بتكرار الإصابة في جوابه شكره، يعني المعلم الآن يختبر الطلبة من خلال طرح الأسئلة في نهاية المحاضرة، إذا وجد طالباً دائماً يحسن الإجابة والصواب منه يتكرر فماذا يفعل المعلم تجاهه؟ يشكره، يثني عليه، يمدحه، حتى يشجعه ويشجع الآخرين، طبعا مع أمن العجب في هذا الطالب. قال: ومن لم يفهمه تلطف في إعادته له، نقطة ومن لم يفهمه تلطف في إعادته له. يعني إذا طرح مسألة على طالب وهذا الطالب وجد المعلم أن هذا الطالب لم يفهم هذه المسألة، من خلال عرف المعلم أن هذا الطالب لم يفهم المسألة بعد، فماذا يقوم المعلم في هذه الحالة؟ هل ينهر هذا الطالب ويهجره ولماذا ما فهمت؟ وأنا أكلّمك من الصباح وأنت لا تفهم، هل يكون هذا هو نهج المعلم؟ قال: كلا. قال: ومن لم يفهمه، يعني من شعر المدرس أنه لم يفهم بعد، قال: تلطف في إعادته له.

انظروا: تلطف في إعادته له، من غير إظهار الضجر والملل والسآمة والنفرة من هذا الطالب، وأنت بطيء الفهم وبليد! كلا، بل يتلطف بوجه بشوش وابتسامة ودعابة، يعيد المعلم هذه المسألة للطالب حتى تتضح له. لأن المقصد في النهاية كما قلنا هو التعليم، هو صناعة الفكر ونشر الوعي. ليس المراد أحبتي مجرد أن يأخذ المعلم الراتب الذي وضع له من المؤسسة ثم يعود إلى منزله، كلا. عملية التعليم يجب أن تنهض في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وأن يكون الهدف من التعليم التعليم، وأن نخرج أجيالاً واعية عاقلة تستطيع أن تقود الأمة بما فيه الخير والصلاح. لذلك هذه الدقائق في عملية التعليم وهذه مهارات من الأمور المهمة وليست على هامش الطريق كما قد يظن البعض.

قال: والمعني بطرح المسائل، يعني ما الهدف من طرح المسائل على الطلبة؟ قال: أن الطالب ربما استحيا من قوله: لم أفهم، أما لرفع كلفة الإعادة عن الشيخ، أو لضيق الوقت، أو حياءً من المحاضرين، أو كي لا تتأخر قراءتهم بسببه. هنا يبين ابن جماعة الهدف من عملية طرح المعلم الأسئلة على طلبته، أن بعض الطلبة قد يكون فعلاً لم يفهم المسألة، ولكن هذا الطالب الذي لم يفهم استحيا من السؤال. استحيا من السؤال لماذا؟ قال: لأنه يريد أن يرفع الكلفة عن المدرس، لا يريد أن يتعب المدرس في الإعادة، أو يشعر أن الوقت ضيق ولا يريد أن يعطل على إخوانه، أو يشعر بحياء من الحاضرين ولا يريد أن يؤخر عليهم القراءة. المهم لهدف ما، لمقصد ما، هذا الطالب الذي لم يفهم استحيا من سؤال المعلم. طيب، المعلم إذا لم يسأل الطالب ولم يستشكل، كيف يعرف أن هذا الطالب لم يفهم؟ كيف سيعرف؟ الطريقة التي يعرف من خلالها هو أن يبادر بسؤال الطلبة، فيسأل الطلبة ويطرح عليهم، ومن خلال السؤال يتضح له الطالب الذي فهم من الطالب الذي لم يفهم. فهذا هو الهدف من طرح الأسئلة كما ذكر ابن جماعة.

قال: ولذلك قيل، انظروا كيف مهارات دقيقة وآداب دقيقة يتكلم عنها ابن جماعة، انظروا ماذا يقول؟ قال: ولذلك قيل: لا ينبغي للشيخ أن يقول للطالب: هل فهمت؟ إلا إذا أمن من قوله نعم قبل أن يفهم، فإن لم يأمن من كذبه بحياء أو غيره فلا يسأله عن فهمه. انظروا هذا الأدب الدقيق، يقول علماء التزكية وعلماء الآداب: المعلم في أثناء درسه عليه أن يتجنب أن يقول للطالب: هل فهمت؟ عليه أن يتجنب ماذا؟ أن يقول للطالب: هل فهمت؟ إلا إذا أمن من أن يقول الطالب: نعم، وهو لم يفهم. الآن المعلم ينظر في الطلبة أحبتي، إذا وجد طالباً حيياً، فالمعلم الأفضل في حقه ألا يقول لهذا الطالب الحيي: هل فهمت؟ لماذا؟ لأن هذا الطالب الحيي يخشى أن يقول: نعم فهمت، وهو لم يفهم بعد. فيكون هذا الطالب الحيي وقع في الكذب، ومن الذي قاده إلى الوقوع في الكذب؟ المعلم.

المعلم دائماً يقول: هل فهمت؟ هل فهمت؟ وهذا طالب حيي يخشى أن يقول: نعم وهو لم يفهم بسبب الخجل، ولا يريد أن يظهر أمام الطلبة في منظر البليد أو الذي لا يحسن الفهم سريعاً، فيقول: نعم، تخلصاً من سؤال المعلم واستشكاله. فلذلك يقول علماء الآداب والسلوك: ينبغي على المعلم أن ينظر في الطلبة، إذا لم يأمن أن يقول الطالب: نعم وهو لم يفهم، فلا يقول له: هل... خلص، يعيد ويطرح المسألة مراراً وتكراراً من دون أن يواجه الطالب بهذا السؤال: هل فهمت؟ لا توجه إليه هذا السؤال. لماذا كما قلنا؟ لأننا نخشى أن يقول هذا الطالب: نعم، من شدة الحياء وهو لم يفهم بعد، فيكون الطالب كذب والذي أجبره على الكذب هو سؤال المعلم. فانظروا كيف وصل العلماء إلى هذه الدقة في تحليل نفسيات الطلبة، وكيف ينبغي أن يراعي المعلم هذه الشخصيات المتباينة لمن عنده في الحلقة.

أما إذا كان الطالب جريئاً، لا يستحي أن يقول: لا لم أفهم، فهنا لا مانع أن يقول له المعلم: هل فهمت؟ لأن هنا يأمن من كذبه، يأمن أن يقول: نعم، لأنه هذا طالب جريء ما عنده مشكلة، إذا لم يفهم يقول: لا من دون أي... فهنا لو قال له المعلم: هل فهمت؟ فهذا لا إشكال فيه تماماً. قال: لأنه ربما وقع في الكذب بقوله: نعم، لما قدمناه من الأسباب، أي بسبب حيائه أو خشيته من ضيق الوقت أو حياء من الحاضرين. بل يطرح عليه مسائل كما ذكرناه، فإن سأله الشيخ عن فهمه فقال: نعم، فلا يطرح عليه المسائل بعد ذلك إلا أن يستدعي الطالب ذلك، لاحتمال خجله بظهور خلاف ما أجاب به. ما معنى هذا الكلام؟

نحن قلنا إن المعلم إذا كان هناك طالب حيي في الحلقة لا يوجه إليه السؤال: هل فهمت؟ طيب، كيف يعرف المعلم هل فهم أو لا؟ من خلال طرح الأسئلة، يعني ما زال ابن جماعة يبين لنا أهمية طرح المعلم الأسئلة على الطلبة، وهو أن بعض الطلبة كما قلنا قد يكونون حييين، فالمعلم لا ينبغي أن يقول له: هل فهمت؟ كلا، ماذا يفعل؟ يوجه إليه سؤالاً طرح في الدرس، فاذا أجاب هذا الطالب بشكل جيد معنى هذا الطالب فهم وانتهينا، إذا ما أجاب بشكل جيد هذا الطالب يقوم المعلم بطرح المسألة وتوضيحها مرة أخرى له تمام، يعيد المسألة مرة أخرى لهذا الطالب. وبعد أن يعيد هذه المسألة مرة أخرى لهذا الطالب يقول له: هل فهمت؟ فإذا قال الطالب: نعم، قال العلماء: لا يطالب المعلم الطالب باعادة الجواب مرة أخرى. لماذا؟

لأنه يخشى أن يكون الطالب ها لاحظوا المعلم سأل الطالب، الطالب أجاب إجابة خاطئة، المعلم أعاد شرح المسألة للطالب، بعد أن أعادوا مسألة للطالب كالعادة ايش نقول للطالب؟ وضحت المسألة؟ فهمت؟ الآن الطالب لحيائه قد يقول ايش؟ نعم، وهو لم يفهم بعد. هنا المعلم لا يستفز الطالب، لا يقول له: طب أعد المسألة علي مرة أخرى! لا لا لا، يوجه إليه السؤال، لماذا؟ حتى لا يحرج هذا الطالب.

لأنه إذا قال له: وضحت المسألة؟ فالطالب قال: نعم. فحينما طلب منه المعلم أن يعيد شرحها مرة أخرى اكتشفنا أن الطالب لم يفهم بعد. هذا قد يوقع الطالب في الحياء والخجل أمام زملائه، ونحن لا نريد له ذلك، لعل الله أن يوفق هذا الطالب في المستقبل أو في مكان آخر أو مجلس آخر لإعادة فهم هذه المسألة، وليس المراد هو إحراج الطالب.

يعني نحن لسنا في محكمة نريد أن نحرج وأن نهينه كيف أنت لا تفهم! الفهم منة من الله سبحانه وتعالى، ونحن حريصون أن يبقى هذا الطالب متصل بالبرامج العلمية وحضور مجالس العلماء، فلربما مسألة استصعبت علي لا نجبرها أن تدخل هذه المسألة لابد أن تدخل الآن في ذهنك وليس لك أن تنتهي من هذا المجلس حتى تفهمها، الأمر ليس بالشدة وإنما الأمر بالتؤدة واللين.

لذلك قال: فإذا سأله الشيخ عن فهمه قال بل يطرح عليه مسائل كما ذكرناه، فإن سأله الشيخ عن فهمه أي بعد طرحه للمسائل مرة أخرى فقال قال: نعم، فلا يطرح عليه المسائل بعد ذلك، إلا أن يستدعي الطالب ذلك. إذا هو قال: يا شيخ أعد مرة أخرى انتهى الأمر. لكن بشكل عام المعلم لا يكرر عليه، قال لاحتمال خجله بظهور خلاف ما أجاب به إن هو قال: نعم أجاب بنعم، فإذا قال له المعلم: أعد المسألة مرة أخرى فظهر أن هذا الطالب لم يفهم بعد، سيظهر عليه الخجل والحياء أمام زملائه، ونحن لا نريد له ذلك.

قال: وينبغي للشيخ أن يأمر الطلبة بالمرافقة في الدروس كما سيأتي إن شاء الله. كما سيأتي في آداب الطلبة ما معنى المرافقة في الدروس؟ يعني المعلم يحث طلبته على أن يترافقوا مع بعضهم البعض في المدارسة. لأن الإنسان إذا كان معه زميل يدارسه ويذاكره نشطت همته، وأما إذا شعر أنه وحده في طريق العلم شعر بالوحشة وذهب عنه الأنس بالعلم وشعر بالتضجر والملل فينققطع عن المجالس العلمية.

لذلك الرفقة في طلب العلم من أهم الرفقة، على طالب العلم أن يهتم بإيجاد صديق نصوح حريص على العلم يزامله في هذه الرحلة الشيقة، هذا يشد من أزر صديقه وهذا يرفع من همة الآخر حتى تكتمل هذه الرحلة في حياة طالب العلم رحلة طلب العلم. وكلاهما يؤزر بعضهما بعضاً وينصر بعضهما بعضاً.

إذا وجدت صديقك شعر بالسأم والملل والفتور تنشط وتذكر بأهمية العلم، والآخر يفعل بك هذا الفعل إذا وجدك أنت أصبت بالفتور، فالمرافقة في العلم من الأمور المهمة وسينبه عليها ابن جماعة حينما يتكلم عن آداب الطلبة مع بعضهم البعض. قالوا: ينبغي للشيخ أن يأمر الطلبة بالمرافقة في الدروس كما سيأتي إن شاء الله، وبإعادة الشرح بعد فراغه فيما بينهم ليثبت في أذهانهم ويرسخ في أذهانهم، ولأنه يحثهم على استعمال الفكر ومؤاخذة النفس بطلب التحقيق.

يعني المعلم أيضاً يرشد الطلبة إلى أهمية أن يجلسوا مع بعضهم بعد الانتهاء من المحاضرة في مجالس أخرى يتذاكرون مع بعضهم ما ذكر الشيخ من مسائل، هذا يذكر زميله وهذا يذكر وهذا يطرح استشكال وهذا يعيد. هذه المجالس بين طلبة العلم وبين زملاء الدراسة مجالس مهمة جداً في تلاقح الأفكار في كشف المبهمات والمشكلات.

بل ربما يكون الطالب ظن نفسه قد فهم من أستاذه، فعندما يجلس مع زملائه يكتشف أن فهمه كان خاطئاً فيعدل فهمه من زميله، ومجالس المذاكرة بين طلبة العلم من أهم المجالس في الحقيقة. إياكم أحبتي أن تفوتوا بركتها، احرصوا دائماً يا طلبة العلم على أن يكون هناك لقاء بينكم في مجالس خاصة تتذاكرون ما قاله الأشياخ وتحللون وتنقحون وتقفون على الدقائق ويعدل بعضكم فهم بعض. هذه المجالس لها دور في فهم العلم وضبطه وحفظه وتحقيقه.

ننتقل مع ابن جماعة إلى الأدب الثامن. قال: أن يطالب الطلبة في بعض الأوقات بإعادة المحفوظات ويمتحن ضبطهم لما قدم لهم من القواعد المهمة والمسائل الغريبة. ويختبرهم بمسائل تنبني على أصل قرره أو دليل ذكره. من الآداب المهمة على المعلم أو من مهارات التدريس للمعلم، أنه في المحاضرة القادمة حينما يأتي في المجلس القادم يبدأ باختبار محفوظات بعض الطلبة، خاصة إذا كان المعلم يدرس متناً من المتون أو منظومة من المنظومات أو نثراً من المنثورات.

على المعلم أن يختبر بعض الطلبة في بداية المحاضرة في محفوظاتهم، يقول: يا فلان ابدأ سمع ماذا حفظت؟ وأنت وأنت، حتى ينشط الذاكرة ويجبرهم على الالتزام بالحفظ. لأن الطالب إذا لم يشعر برقيب عليه ربما تسلل وتضجر وذهب عن الحفظ، لكن حين إذا شعر أن المعلم يتابع ويسأل ويختبر أمام الزملاء حينئذ سيحرص على الحفظ حتى لا يحرج أمام زملائه وصحبته.

فإذاً يراجع المعلم محفوظات الطلبة في بداية المحاضرة. قال: ويمتحن ضبطهم لما قدم لهم من القواعد المهمة والمسائل الغريبة؟ كيف ذلك؟ من خلال طرح مسائل جديدة، يقول مثلاً ابتكرنا المحاضرة السابقة القاعدة كذا وكذا يا فلان، اذكر لي مثالاً على هذه القاعدة أو من أمثلة هذه القاعدة كذا وكذا. يا فلان، وضح ارتباط القاعدة بهذا المثال.

المهم يطرح مسائل واستشكالات ويعود الطلبة على الفهم والتدقيق والتحرير ولا يعودهم أن يكونوا جامدين واقفين عبارة عن نسخ تحفظ من دون أي فهم وأي تحليل. هذا لا يصلح لطالب العلم. قال: فإذا كان المعلم أو إذا سأل المعلم طالباً من الطلبة في الدرس القادم عن شيء وطلبه أن يبين له ارتباط مسألة أو فهم ارتباط مثال بمَسْأَلَةٍ، فأصاب الطالب في هذا الجواب فماذا يفعل المعلم تجاهه؟

قال: فمن رآه مصيباً في الجواب ولم يخف عليه شدة الإعجاب، انتبهوا، ولم يخف عليه شدة الإعجاب، شكره وأثنى عليه بين أصحابه ليبعثه وإياهم على الاجتهاد في طلب الازدياد. يعني أنا كمعلم طرحت مسألة على الطلبة وهذا الطالب أجاب بشكل جيد، فتبين لي أن هذا الطالب استوعب جيداً ما ذكرته في المحاضرة السابقة.

هنا إذا أمنت من عجب هذا الطالب بنفسه، لأن بعض الطلبة عنده شخصية تحب دائماً الظهور والبروز، إذا كانت شخصية الطالب تحب البروز أمام الأقران، فالمهلم ينبغي أن يكون ذكياً، لا يكثر من مدحه ورفعه أمام الطلبة حتى يعوده على كسر النفس وتهذيبها. أما إذا كان الطالب خفيف النفس لطيف الظل ليس ممن يحب الإعجاب والبروز، فهنا لو أثنى عليه أمام أصدقائه ليرفع همته وليرفع همة من حوله فهذا لا مانع منه بل هو من الأمور المستحبة.

قال: ليبعثه وإياهم على الاجتهاد في طلب الازدياد. قال: ومن رآه مقصراً، يعني المعلم في المحاضرة اللاحقة بدأ بتسميع المحفوظات للطلبة فوجد أن هذا الطالب لم يحفظ، أو سأله عن قاعدة ذكرها في المحاضرة السابقة فوجد أن هذا الطالب قد نسيها ولم يراجعها جيدا، فرآه مقصراً ماذا يعمل؟ المعلم ايش دوره؟

قال: ومن رآه مقصراً ولم يخف نفوره، الطالب مقصر ولم تخف نفوره، ماذا تفعل معه؟ قال: عنفه على قصوره وعرضه على ما يقتضي علو الهمة ونيل المنزلة في طلب العلم. أما إذا خفت نفوره، يعني الطالب ليس شديد الحرص على مجالس العلم وهو جديد عليها، فوجدته مقصراً في الحفظ مقصراً في فهم بعض القواعد، هذا الطالب يخشى عليه أن ينفر، إذا المعلم واجهه بالتعنيف: لماذا ما راجعت؟ لماذا ما فعلت؟ لماذا؟ لماذا قصرت؟ لا، هذا طالب يخشى عليه النفور، ونحن لا نريد له أن ينفر.

نريد أن يبقى في مجالس العلم، هم جلسائنا، يشقى بهم جليسهم، هذه المدارس فيها خير حتى لو كان الطالب لا يفهم كل المسائل، لو فهم بعضها خير، فهنا إذا كان الطالب ممن يخشى نفوره

المعلم لا يواجهه بالتعنيف، آه، والزجر والتقريع، بل يعني يحثه بشكل لطيف، يعني في المحاضرة القادمة تكون مستعداً. يكفي، وصلت الرسالة من دون الحاجة إلى تعنيف وزجر، قد يكون سبباً في حرمان هذا الطالب من مجالس العلم مرة أخرى.

قال: لا سيما إن كان ممن يزيده التعنيف نشاطاً، والشكر انبساطاً. ويعيد ما يقتضي الحال إعادته ليفهمه الطالب فهماً راسخاً. يعني، آه، كما قلنا: إذا كان الطالب ممن لا يُخشى، إذا كان الطالب ممن لا يُخشى فتنته ونفوره عن مجالس العلم، وكان مقصراً، آه، هنا المعلم يزجر، لماذا؟ حتى يبعثه على طلب العلم من جديد ويرفع عزيمته، لأن هناك طلبة الحمد لله عندهم عشق للعلم، لا ينفرون حتى لو زجرهم المعلم، فإذا سمعوا زجراً من المعلم هذا يكون باعثاً إيجابياً لهم على عدم التقصير مرة أخرى، وعلى الإتقان في حفظهم وضبطهم، باعثاً إيجابياً.

فباختصار، هنا المعلم ينبغي أن يراعي المصالح والايجابيات والسلبيات. متى كان هناك إيجابية في الشكر أو الثناء أو التقريع والزجر، أثنى وزجر. ومتى كانت المصلحة في ترك الزجر أو الشكر والثناء، ترك ذلك. وهذا يحتاج إلى معلم صاحب نظر، وصاحب آه نفس، وصاحب فراسة، وصاحب تأمل لطلبته. وهذا أيضاً يكون مع كثرة الممارسة، ومع الطلبة والجلوس معهم، يعرف شخصية كل طالب فيهم، وأن هذا الطالب عنيف، هذا الطالب، هذا الطالب هادئ، هذا الطالب شرس. هذا من الأمور المهمة التي تحدث مع كثرة التقاء المعلم بطلبته.

لذلك كان السلف يحرصون على الملازمة للطالب. المعلم يحب هذه الملازمة ويهجر الطالب إذا غاب. ليس الأمر أن تأخذ محاضرة في جامعة وتعود وتنقطع عن المدرس. ليس هكذا بُني العلم. قديماً أحبتي، كان العلم هي رحلة شيقة بين معلم وتلميذ. المعلم ينصح ويربي ويبعث ويوجه. ليس فقط المعلم، كالأب، كالأب الحريص على أبنائه، أب عنده شفقة على هذا الابن، على هذا التلميذ، أن يضيع وأن يتيه في مسالك الحياة. فتجد الشيخ حريصاً دائماً على توجيه الطلبة للآداب والأخلاق، ويتفقدهم إذا غابوا، ويألف أحوالهم من الفقر والغنى، ومن الحزن والهم والفرح، دائماً معهم، يشاركهم في الحياة، علاقة متينة، علاقة قوية كانت تخرج لنا شخصيات ناضجة واعية، شخصيات تحمل هم الأمة، لأنها وعَتِ العلم بكليته بشموليته.

أما اليوم تذهب إلى جامعة، يجلس معك، يعطيك معلومة، وعندما ينتهي الفصل، انتهى التقاؤك بهذا المدرس. هل هكذا تبنى العلوم؟ هل هكذا مصنع الرجال؟ ويكون المعلم على ارتباط بالطلبة، فعلينا أن نعيد النظر في مناهج التعليم والتدريس في واقعنا المعاصر. إذا كنا نبحث عن صناعة واقع جديد نُصبو إليه من طلبة علم يحملون هم هذه الأمة، لما فيه الصلاح والفلاح بإذن الله.

التاسع: قال: إذا سلك الطالب في التحصيل فوق ما يقتضيه حاله أو تحمله طاقته، وخاف الشيخ ضجره، أوصاه بالرفق بنفسه، وذكره بقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، ونحو ذلك مما يحمله على الأناة والاقتصاد في الاجتهاد. وهذا الأدب التاسع أحبتي هو أيضاً من آثار العلاقة المتينة بين المعلم بين طالبه. إذا كان المعلم عنده آه تواصل مباشر مع الطلبة، فإنه يعرف أن هذا الطالب الآن يشعر بالضجر والملل، وأن هذا الطالب ليس على همته المعتادة منه، فيسأله ويستفسر منه.

فإذا رأى أن هذا الطالب سبب فتوره أنه حمل نفسه من العلم فوق طاقته، وهذه قضية أنبه عليها أحبتي من طلبة العلم: بعض طلبة العلم في بداية إقباله على العلم يقبل بنَهَم، ويريد أن يأكل العلم بكليته مرة واحدة، ويريد أن لا يفوت شيء من العلم في أول مجلس من مجالس العلم، وهذا لا يصلح أحبتي، العلم يُبنى بالتدرج والتؤدة والتأني، وبمرور الزمان وكثرة الجلوس مع الأشياخ ومتابعة المجالس والمحاضرات والنظر في الكتب والمصنفات، العلم لا يمكن أن تأخذه مرة واحدة، فإياك أن تحمل نفسك فوق طاقتك، وإياك أن تحملها أقل من طاقتك.

لأن هذه العبارة قد يفهمها البعض: الشيخ قال لنا: لا تحملوا أنفسكم فوق طاقتكم، معناها خلاص درس الاسبوع يكفي. كلا، لا تحمل نفسك فوق طاقتك، ولا تحملها أقل من طاقتك، فليعرف طاقتك وقدراتك، اسلكها جيداً، اصبرها جيداً، ثم بعد ذلك احمل هذه النفس من الطاقة ما تطيق، بالاعتدال والتأني. فلذلك المعلم من وظيفته أن يرشد الطالب إذا وجد طالبا يطلب العلم بشكل خاطئ يحمل نفسه -كما قال ابن جماعة- فوق طاقته في الفهم والاستيعاب والمحفوظ، يوقفه المعلم ويقول له: إياك أن تستمر على هذا النهج، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إِنَّ المُنْبِتَ لَا أَرْضًا قَطَعَ، وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى. وهذا الحديث منكر من الناحية الحديثية لكنه الصحيح من حيث المعنى، ومنكر من حيث الناحية الحديثية فيه ضعف، لكنه من حيث المعنى صحيح: أن المنبت لا أرض قطع ولا ظهر أبقى. فالذي يحمل نفسه فوق طاقته لم، لا أرضاً قطاع ما قطع المشوار الذي يريد أن يصل إليه، لم يصل في طريقه إلى العلم ولم يحصل غايته، وأفنى دابته وأفنى نفسه وجسده.

فعليكم أحبتي أن تعرفوا هذه الحكمة، يحمل جسده ونفسه وعقله ودينه ما يستطيع، وقليل دائم خير من كثير منقطع. الأهم مش الديمومة؟ أهم شيء في حياتك يا طالب العلم الديمومة. صدقني، لو كنت تعطي العلم في اليوم فقط ساعة واحدة، لكنك تواظب على ذلك يومياً، ستجد بركة هذا العلم، وستجد خلال سنوات أنك حصلت كماً كبيراً من العلم. المواظبة والديمومة هذا أهم شيء، الآن ماذا أعمل يومياً؟ هذا يختلف من طالب إلى طالب آخر.

واحذروا من المقارنة. بعض الطلبة عنده مشكلة مقارنة، ينظر إلى زميل له ربنا آتاه قدرة عالية على الفهم والاستيعاب، يجلس ثمن تسع ساعات يومياً في المذاكرة، يريد أن يصبح مثل زميله، ليصبح مثل فلان، فيبدأ يجلس ثمن تسع ساعات مثله، يومين، ثلاث، أربعة، ينكسر وتنهدم النفسية، لماذا؟ لأنه حمل نفسه فوق طاقته. الناس أحبتي أشخاصهم تختلف ونفسياتهم تختلف. والله سبحانه وتعالى أتى كل شخص من القدرة في الفهم والاستيعاب والحفظ ما لم يؤت غيره، فالإنسان لا يقارن نفسه بالآخرين، بل ينظر في طاقاته وما وهبه الله سبحانه وتعالى من ملكات يسعى لتطويرها. نحن مع السعي في تطوير الملكات، أن ينمي الطالب قدرته في الحفظ والفهم والاستيعاب، واليوم يجلس ساعة، غداً يجلس ساعة ونصف، بعد ذلك ساعتين، لابد من تنمية الملكات والطاقات والقدرات، لكن لا تقارن نفسك بالآخرين حتى لا تتشوف النفس إلى فعلهم في وقت أنت لا تستطيع فيه أن تفعل فعله، فالإنسان يكون معتدلاً مع هذه النفس، يحسن سياستها وتدبير شؤونها وأحوالها.

قال: وكذلك إذا ظهر له منه نوع سآمة أو ضجر أو مبادئ ذلك، أمره بالراحة. يعني المعلم إذا وجد الطالب بدأ يظهر منه السآمة والتضجر من المجالس العلمية، أو أثناء الدرس شعر أن هذا الطالب فقد التركيز معه، بدأ يشعر بالسآمة والتضجر، ما عاد يرتبط معه ذهنياً، هنا يوقف المحاضر الدرس ويطلب من الطالب أن يستريح وأن يأخذ نفساً كما يقولون، حتى تعود إليه الهمة من جديد، لأن إرغام الطالب على تحصيل العلم في وقت هو غير مستعد فيه لتلقيه يكسر نفسه، ويجعل بينه وبين العلم نفوراً. كلا، نحن نريد أن نحبب الناس بالعلم، نريد أن نشعرهم بأن هذا العلم أرقى شيء يمكن أن تسعوا في طلبه في هذه الحياة، وهذا يتطلب مهارة، مهارة من المعلم في تحبيب الطلبة بدروسه وربطهم بالعلم الشرعي.

قال: وتخفيف الاشتغال، إذا، إذا ظهر له منه نوع سآمة أو ضجر أو مبادئ ذلك، أمره بالراحة. وتخفيف الاشتغال، قلل من كمية المحفوظات، ما في مشكلة الآن، أنت تقوم بمرحلة نفسية صعبة، قد يكون الطالب يمر ببلاء، يأمره المعلم بماذا؟ بأن يقلل من كمية المحفوظ أو الاشتغال بالعلم، ولا يشير على الطالب بتعلم ما لا يتحمله فهمه أو سنه، هذا أيضاً أمر مهم.

إياك أيها المعلم أو يا طالب العلم أن بعض طلبة العلم الحمد لله اليوم صدر نفسه ليرشد الناس في ما هي الكتب التي يقرؤونها وما الكتب التي يبدأون بها، مع أن هذا الطالب هو نفسه لم يقرأها ولم يحفظها. ولكن سمع من فلان ومن فلان أن هذه الكتب مهمة، فحتى يظهر تفوقه يبدأ يتنصب منصب المعلم الموجه الناصح.

فنحن نقول: المعلم المتمكن في علمه، المعلم المحسن في أدائه المتقن لعملية التعليم، عليه أن يركز على هذه القضية؛ قضية ألا يرشد الطالب إلى علم أو إلى كتاب وهذا الطالب غير متأهل بعد إلى هذا العلم ولا إلى هذا الكتاب. وهذا يحتاج أن يكون المعلم على اطلاع قوي في العلوم وفي المصنفات والكتب.

يعني كيف يعرف المعلم أن هذا العلم لا يليق بهذا الطالب؟ عليه أولاً أن يكون عارفاً بما هو هذا العلم، ما هي مسائله؟ يكون عارفاً بهذا الطالب فيقارن بين العلم وبين عقل الطالب ليعرف أن هذا العلم لا يناسب الطالب. كذلك حينما ينصح المعلم الطالب بكتاب أو يبعده عن كتاب، ينبغي أن يكون المعلم ممن مارس هذا الكتاب ونظر فيه في أقل أحواله حتى ينصح أو يزجر.

أما معلم ما سمع بكتاب وما عامله وما مارسه، يبدأ يحث الطالب على هذا الكتاب والارتباط به، فهذا قد يكون سبباً في تحميل الطالب ما لا يطيق، وهذا ينفر الطالب من العلم. لذلك يقول ابن جماعة: ولا يشير -أي المعلم- على الطالب تعلم ما لا يتحمله فهمه أو سنه.

يعني الطالب إذا كان سنه صغيراً، هناك نوع معين من الكتب والمصنفات والمنظومات هي التي تليق به، فلا يحمل ولا يشير المعلم على هذا الطالب بما لا يتحمله فهمه أو سنه. قال: ولا بكتاب يقصر ذهنه عن فهمه. لا يرشد المعلم الطالب إلى كتاب يقصر ذهنه عن فهمه؛ طالب ذهنه غير مستعد لفهم هذا الكتاب، هناك كتب مجلدات ضخمة، كتب صعبة في علم الاعتقاد، وفي علم الفقه، وحواشي في المنطق، وكتب متينة جداً في أصول الفقه، هذه الكتب قد يقصر فهم الطالب عنها، فإاياك أيها المعلم أن ترشد الطالب إليها وهو لم يستعد بعد لدراستها.

قال: فإن استشار الشيخ من لا يعرف حاله في الفهم والحفظ في قراءة فن أو كتاب، لم يشر عليه بشيء حتى يجرب ذهنه ويعلم حاله. إن استشار الشيخ، مفعول به ومن اسم الموصول والفاعل؟ يعني إن استشار الشيخ، من الذي استشاره؟ شخص جاء، شخص يستشير هذا الشيخ وهذا الشيخ لا يعرف هذا الطالب، لم يجالسه وليس من طلبته وليس من الملازمين له.

فكيف سيشير الشيخ على هذا الطالب؟ المهم إذا جاء طالب جديد إلى الشيخ يستشير هذا الشيخ فيما يحفظ فيما يقرأ، فهنا ماذا يقول ابن جماعة؟ قال: فإن استشار الشيخ من لا يعرف حاله، الآن هذا الشيخ لا يعرف حال هذا الطالب، لا من حيث الفهم ولا من حيث الحفظ. فان استشار الشيخ من لا يعرف حاله في الفهم والحفظ في قراءة فن أو كتاب، انظروا ماذا يفعل الشيخ؟ قال: لم يشر عليه بشيء حتى يجرب ذهنه ويعلم حاله.

لا تستعجل أيها الشيخ، لا تشر عليه بالعلوم وبقراءة المصنفات حتى تختبر ذهن هذا الطالب، تقول لهذا الطالب: احضر معي هذه الدورة، وأنا أرى إن شاء الله في نهاية هذه الدورة ما الذي يصلح لك. تختبر في خلال هذه الدورة فهم هذا الطالب واستيعابه. بعض المعلمين للأسف يستعجل، فماذا يقول؟ يقول لبعض الطلبة: اذهب إلى ادرس في فن المنطق واقرأ هذا الكتاب وهذا الكتاب، أو اذهب إلى فن أصول الفقه واحفظ في هذه المنظومة. وهو لا يعرف أن هذا الطالب قدراته الذهنية ضعيفة جداً.

أن هذا الطالب همته مهترئة، ليس له قدرة على أن يفهم مسائل في المنطق أو في اصول الفقه أو دقائق مسائل الاعتقاد. فإرشادك الخاطئ أيها المعلم قد يكون سبباً في تدمير طالب علم وأنت لا تشعر بذلك. العلماء يقولون على المعلم أن يتأنى في نصحه للطالب، إذا جاءه طالب جديد ماذا يفعل معه؟

يقول له هذا الطالب انضم إلى ركب واحضر معي هذه المجالس، إذا وجدت فيك قدرة على شيء معين ساخبرك، أو من دون أن يقول إذا وجدت فيك قدرة على شيء معين يقول احضر هذه المجالس وفي نهايتها إن شاء الله أو في ختام هذه الدورة أرشدك إلى ما يصلحك. وفي خلال هذه الدورة المعلم يسارق النظر إلى هذا الطالب، ينظر في فهمه، في استيعابه، يحلل شخصيته ويعرف ما الذي يصلح له وما الذي لا يصلح له.

قال ابن جماعة: قال لم يشر عليه بشيء حتى يجرب ذهنه ويعلم حاله. قال: فإن لم يحتمل الحال التأخير أشار عليه بكتاب سهل من الفن المطلوب. يعني إذا كان هذا الطالب طالباً أتَى يريد أن يسافر، يعني طالب لن يجلس عند هذا الشيخ مرار طريق، يريد أن يعرف شيئاً ثم يذهب، فقال يا شيخ إيش أفضل كتاب ترشدني إليه؟ مثلاً في أصول الفقه أو في الاعتقاد أو في الفقه أو كذا. هنا المعلم لا يجد وقتاً ليختبر ذهن هذا الطالب ويعرف حاله.

فهنا ابن جماعة يقول لك: أرشد هذا الطالب إلى أسهل كتاب في هذا الفن، إذا كان الطالب عابر طريق كما يقولون. بعض الطلبة أحياناً يأتوننا من بلدان من الخارج، من بلدان الخليج أو ما شابه ذلك، يسألوننا، يقولون لنا يا شيخ إيش أفضل كتاب في هذا العلم؟ وأنا أعرف هذا الطالب لن يرتبط معي هو منشغل في حياته ويسافر غداً إلى بلده، فهنا أُشير على هذا الطالب بأول كتاب وأسهل كتاب في هذا العلم ليرتبط، ثم بعد ذلك الله سبحانه وتعالى ييسر له من يرشده إلى ما هو أعلى منه.

قال: فإن رأى ذهنه قابلاً وفهمه جيداً نقله إلى ما يليق بذهنه، وإلا تركه. يعني هذه عودة والله أعلم إلى الشخصية السابقة، الشخصية التي جلست معك، يعني جاءك طالب جديد سألك عن علم عن فن معين من الفنون، أنت قلت له احضر معي هذا المجلس. هذا الطالب ليس عابر طريق بل هو يريد أن ينضم إلى ركبك أيها المعلم، تقول له احضر معي هذه الدورة وأنا في ختامها ألاحظ همتك وأرى ما الذي تطيقه من هذه العلوم، فإذا جُرِّب بهمته واختبره فوجده صاحب همة عالية، يرتقي بهذا الطالب إلى الكتاب الذي يناسبه؛ لأن بعض الطلبة أحبتي الله سبحانه وتعالى آتاهم ذهناً جيداً، فابقاؤهم على الكتب المختصرة السهلة كثيراً هذا يشعرهم بالملل والضجر والسآمة.

يعني بعض الطلبة يبان أو بعض المرشدين والناصحين يظن دائماً إرشاد الطلبة إلى الكتب السهلة هو أفضل شيء، هذا خطأ. بعض الطلبة الذين آتاهم الله سبحانه وتعالى ذهناً متقداً، إرشادهم إلى الكتب السهلة هذا يضر بهم، يضر بهم. فعلى المعلم أن ينظر في حال الطالب، متى وجد ذهنه عالياً واستيعابه مرتفعاً وأن هذا الطالب قطع مشواراً جيداً، فهنا يرشده إلى كتاب أعلى حتى يرتقي بذهنه ويرتقي بهمته.

قال: فإن رأى ذهنه قابلاً وفهمه جيداً نقله إلى كتاب يليق بذهنه. قال: وإلا تركه. يعني إذا ما وجد حداً مع هذا الطالب، ما استطاع أن يعرف شخصه وما استطاع أن يصل إلى مقدار فهمه. هذا الطالب طلب منه المعلم أن يحضر هذه المجالس لكنه لم يلتزم بحضورها، فما استطاع أن يعرف شخصيته، في هذه الحالة يترك المعلم: لا أستطيع أن أقدم لك نصيحة تليق بك، انتهى الأمر ما في داعي إلى أن تقسم ظهر هذا الطالب. يكفي أن يقول له: لا أستطيع أن أنصحك لأني لم أقف على شخصيتك بعد. وهذه أفضل نصيحة يمكن أن تقدمها في هذا الحال.

قال: وذلك لأن نقل الطالب إلى ما يدل نقله إليه على جودة ذهنه يزيد انبساطه، وإلى ما تدل على قصوره يقلل نشاطه. هذه الفكرة التي ذكرت لكم قبل قليل؛ أن الطالب إذا كان متقد الذهن فالمعلم أخذ بيده ونصحه بكتاب عالٍ في الفن، هذا يزيد نشاط هذا الطالب، طالب ذكي جداً.

يستطيع أن يقرأ كتباً متأهلة أو متقدمة في هذا الفن؛ فإرشاد المعلم لهذا الطالب إلى هذه الكتب يزيد انبساطه وهمته، وأرشاده إلى كتب مبسطة بصلة لا تليق بعقله وذهنه هذا يثبط همته، فعلى المعلم أن يهتني بهذا المنهج.

قال: وأخيراً نختم بهذه القاعدة: ولا يمكن الطالب من الانشغال في فنين أو أكثر إذا لم يضبطها، بل يقدم الأهم فالأهم كما سنذكر إن شاء الله، وإذا علم أو غلب على ظنه أنه لا يفلح في فن أشار عليه بتركه والانتقال إلى غيره مما يرجى فيه فلاحه.

الأخيرة تتعلق، أه، وهي قاعدة مهمة جداً لطلبة العلم، وكثير ما يسأل عنها؛ قضية هل أبدأ بفنين أو بفن واحد؟ وهنا النصيحة التي أقدمها لأحبتي الطلبة: أن هذا الأمر يختلف من طالب إلى طالب، ومن عقل إلى عقل، بعض الطلبة ربنا سبحانه وتعالى آتاهم ذهن واسع، ووقت متسع، وفقهم إلى معلمين ومدرسين مهارة؛ فيستطيعون بكل هذه العوامل أن يجمعوا بين فنين في دراسة واحدة إيه ده، فهذا نعم أوجهه إلى دراسة فنين حتى يستغل عمره، لكن إذا كان الطالب لا يستطيع أن يجمع بين اثنين وصارت فهمي فن واحد، هنا ماذا أقول لهذا الطالب؟ أقول له: اقتصر على فن واحد ولا تحمل نفسك ما لا تطيق.

قال: وإن علم أو غلب على ظنه أنه لا يوجد في فن أشار عليه بتركه. إذا غلب على ظن المدرس أن هذا الطالب إذا أرشدته إلى هذا لن يتقنه وسيصعب عليه أن يفهمه، أو أن هذا الطالب شرع مع المدرس في هذا الفن لكنه لم يتقن هذا الفن، في هذه الحالة المعلم يشير على هذا الطالب أن يقف عن هذا الفن ويذهب إلى ما هو أصلح وأنفع له حتى لا يذهب عمره سدى.

هذه هي نصائح لا أريد أن أطيل أكثر من ذلك في بعض القضايا لكن لأنها واضحة، لكن أنبه وأعيد التكرار عليها حتى تتضح للمعلم وللطالب. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن نكون وفقنا لما أبدينا من النصائح والتوجيهات، وأن ينفعنا بكلام ابن جماعة، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناته يوم القيامة إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.