تسجيل الدخول

تذكرة السامع والمتكلم (15)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا طالبا للعلم يرجو نفعه اسمع نصيحة ناصح معواني. لربك في أمورك كلها فالمخلصون هم أولو العرفان.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أحبتي في مجلس جديد نعقده بعد انقطاع في شرح كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم للإمام ابن جماعة الكناني الشافعي عليه رحمة الله تعالى.

وكنا انتهينا في الحديث قبل انقطاعنا أو كنا نتحدث قبل انقطاعنا في أدب العالم مع طلبته وفي حلقة العلم. ما هي الآداب التي ينبغي أن يتحلى العالم في تعامله مع طلبة العلم؟ كيف ينبههم؟ كيف يعلمهم؟ كيف يدرسهم؟ كيف يوجههم؟ هناك كثير من الآداب الدقيقة طرحها ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه في طرق التدريس، في طرق التوجيه، في طرق إدارة الحلقة والمجلس. من الذي يتكلم؟ من الذي يسكت؟ من الذي يسمح له بالكلام؟ من الذي يوجه لي السؤال؟ إلى غير ذلك من الآداب التي سبق وأشرنا إليها في مجالس سابقة.

واليوم نكمل شيئاً من هذه الآداب الرفيعة التي طرحها ابن جماعة عليه رحمة الله. قال ابن جماعة في الأدب العاشر من آداب المعلم مع طلبته: قال أن يذكر للطلبة قواعد الفن التي لا تنخرم أما مطلقاً أي لا تنخرم مطلقاً كتقديم المباشرة على السبب في الضمان، أو غالباً يعني لا تنخرم غالباً وإن كانت قد تنخرم في بعض الصور الجزئية: كل يمين على المدعى عليه إذا لم تكن بينة إلا في القسامة.

إذاً، بدأ هنا ابن جماعة رحمة الله عليه يبين للعالم كيف يدرس الطلبة. وقد كنا في المجالس السابقة ذكرنا شيئاً من طرق تدريس العالم أو المدرس أو المتصدر للطلبة من خلال التوضيح والمثال وتصوير المسألة قبل الدخول في أدلتها إلى غير ذلك من المهارات. اليوم ابن جماعة رحمة الله عليه يتكلم أيضاً في هذا الميدان مرة أخرى، ويبين أن المعلم الناجح المدرس الناجح هو الذي ينص على القواعد ابتداء. ينص على ماذا؟ ينص على قواعد الفن الذي يريد الطالب أن يدرسه، والكتب التي تجمع لنا قواعد الفن سواء فن النحو أو فن الصرف أو البلاغة أو غير ذلك من فنون العربية أو قواعد الفقه وأصول الفقه وأصول الدين، أو قواعد التجويد أو قواعد التفسير أو قواعد علم الحديث، هذه الكتب هي التي نسميها الآن كتب المتون.

وهذه الكتب ربما البعض من أو كثير من المعاصرين ينظر إليها على أنها تمثل زمن الجمود وزمن انغلاق الفكر، وفي الحقيقة هذه نظرة خاطئة تماماً تنم عن جهل بقيمة هذه الكتب وعن عدم تأصيل عليها. فكل إنسان تأصل على هذه الكتب يدرك قيمتها العظيمة في توضيح صورة الفن لدى طالب العلم. أي طالب علم تعلم على كتب المتون، ربما كلمة المتون هي التي يعني تشعر الإنسان بشيء من الجمود، سمها ما شئت، سمها الكتب التي تجمع قواعد الفن بدل أن تسميها كتب المتون، سمها الكتب التي تجمع قواعد الفن.

أن يتعلم الطالب هذه الكتب التي تجمع القواعد الأساسية في الفن ويتدرج من خلالها في الارتقاء، هذا من الأمور المهمة جداً. فعلى طالب العلم وعلى المعلم أن يختار كتاباً لطلبته يجمع القواعد الأساسية في الفن الذي يريد أن يدرسه، القواعد التامة التي لا تنخرق أبداً كما قال ابن جماعة والقواعد الأغلبية. هذه القواعد هي الأساس الذي ينبغي أن يكون عند الطالب يبني عليه علمه. فإذاً، أولاً على المعلم أن يدرس الطالب القواعد الأساسية في أي فن يريد أن يدرسه هذا الطالب. من الخطأ الكبير، وهذا للأسف اليوم يوجد في الدراسات الأكاديمية، أن يبدأ الطالب بدراسة الخلاف الفقهي بدراسة أقوال العلماء وتفاصيل قول فلان ابن فلان داخل المذهب والطالب لم يضبط بعض قواعد المذهب الأساسي المتفق عليها أو لم يأخذ مذهباً أصلاً من المذاهب يتمذهب عليه.

هذا جهل بطرق التدريس، هذا من الأسباب التي أعادتنا درجات كبيرة إلى الوراء في سلم صناعة العلماء وطلبة العلم المتقدمين. لذلك نقول أحبتي: إذا أردنا أن نصنع مناهج تدريس صحيحة، إذا أردنا أن نخرج طلبة علم حقيقيين يستطيعون أن يتعاملوا مع الواقع مع النوازل، علينا أن نحسن طرق التدريس وأن نحكمها جيداً. وابن جماعة في ثنايا كتابه تكلم عن كثير من هذه الطرق، وهذه التي معنا الآن هي إحدى هذه القواعد المهمة. أن المعلم والطالب كذلك ينتبه على هذه القضية: على المعلم أن يختار في بداية تعليمه كتاباً جامعاً يحتوي على قواعد الفن، القواعد الأساسية في هذا الفن، الطالب يجلس على هذه القواعد يفهمها، يضبطها، يأخذ أمثلة عليها، ثم بعد ذلك في المستقبل إن شاء الله يرتقي إلى كتاب أكبر جامع ثم ينتقل إلى كتب الخلاف، وهكذا ينمو ذهن طالب العلم.

وهنا ذكر مثالاً على قاعدة مطلقة كتقديم المباشرة على السبب في الضمان، أو قاعدة أغلبية. طبعا لا أفسر القواعد الفقهية ميدان القواعد الفقهية لكنه ذكر فقط مثالاً على القواعد المطلقة التي لا تنخرم، ثم ذكر مثالاً على قاعدة أغلبية كاليمين على المدعى عليه إذا لم تكن بينة إلا في القسامة. هذا الاستثناء يبين لنا أن قاعدة أن اليمين على المدعى عليه في حالة عدم وجود بينة هي قاعدة أغلبية، أنه في القسامة اليمين ليست على المدعى عليه، فإذاً هناك استثناء، فهذا ينبه على أن قاعدة اليمين على المدعى عليه هي قاعدة ماذا؟ قاعدة أغلبية.

فإذاً، المعلم يدرس الطالب القواعد المطلقة والقواعد الأغلبية. ثالثاً: والمسائل المستثناة من القواعد. بعد أن يدرس المعلم للطلبة القواعد الثابتة الأصيلة التي لا تنخرم والقواعد الأغلبية، ينتقل بعد ذلك لتدريسهم الاستثناءات. وهذا يكون في أي قاعدة؟ في القواعد الأغلبية، لأنه إذا كانت قاعدة مطلقة ليس لها استثناء، وإنما الاستثناء في القواعد الأغلبية، لأن القاعدة الأغلبية ما سميت أغلبية إلا لأن لها استثناءات. فبعد أن يعلم المدرس الطالب القاعدة الأغلبية ينتقل به بعد ذلك إلى المسائل المستثناة.

قالوا: ويعلمه المسائل المستثناة من القواعد، كقولهم مثلاً من المسائل المستثناة عند الشافعية، لأن ابن جماعة شافعي فلذلك يكثر من ذكر الأمثلة في مذهبه، كقوله: العمل بالجديد من كل قولين قديم وجديد. المذهب الشافعي معروف أن الإمام الشافعي عندما كان في العراق كان له مذهب قديم، وعندما ذهب إلى مصر غير كثير من أقواله وأصبح المذهب المصري يسمى له المذهب الجديد. فالآن الشافعي رحمة الله عليهم وعلماء المذهب كيف يتعاملون مع الأقوال القديمة والجديدة للشافعي؟ هل فقط المعتبر هو قول الشافعي الجديد أم يمكن الرجوع إلى الأقوال القديمة؟

فالقاعدة الأغلبية هي أن العمل بالجديد من كل قولين قديم وجديد. يعني أي مسألة للشافعي فيها قول قديم يخالف قوله الجديد فالقاعدة الأغلبية أن العمل بالجديد. قال إلا في أربع عفواً إلا في أربع عشرة مسألة، إلا في أربع عشرة مسألة ويذكر يعني الآن لاحظوا هذا الاستثناء أيضاً القاعدة الأغلبية أن العمل بالجديد في كل مسألة فيها قديم وجديد باستثناء أربع عشرة مسألة العمل فيها بالقديم، يترك فيها القول الجديد ويعمل بالقول القديم. إذاً هذه الأربعة عشر مسألة هذه استثناء، على المعلم أن يعلمها لطلبته، قال: ويذكرها. أي يذكر المعلم هذه الاستثناءات.

قال: وكل يمين على نفي فعل الغير فهي على نفي العلم. إلا من ادعي عليه أن عبده جنى فيحلف على البت على الأصح. يعني إذا طلب مني أنا كمدعى عليه أن أحلف يمين على ماذا؟ على نفي فعل الغير، على أن لم يفعل كذا، طلب مني أن أحلف يمين على أن غيري لم يفعل كذا، فأقول: أقسم بالله أن فلان الفلاني لم يفعل كذا، حينما تحلف يميناً على أن فعل الغير لم يفعل كذا أنت تحلف يميناً على ماذا؟ على نفي علمك بأنه فعل كذا وكذا، على نفي العلم يعني أنفي علمي بأنه فعل كذا وكذا. إلا مسألة واحدة، عليك أن تحلف يميناً باتاً بأن هذا الغير لم يفعل كذا.

أبداً مئة بالمئة هذا الشيء. ما هي هذه المسألة الاستثنائية؟ قال: إلا من ادعي عليه أن عبده جنى. أنا عندي عبد وأدعي على عبدي أنه جنى ارتكب جريمة، وطلب مني أنا السيد أن أحلف على أن عبدي لم يفعل هذا الفعل. هنا لا أحلف يميناً على انتفاء علمي بأنه فعل، لا، يجب أن أحلف يميناً باتّاً أنه مئة بالمئة لم يفعل هذا الفعل، وليس مجرد نفي العلم.

لا يهمني تصوير المسألة كثيراً، المهم نلاحظ أن القاعدة العامة أن كل مدعى عليه طلب منه أن يحلف يميناً على نفي فعل الغير، فانه يحلف على انتفاء علمه، إلا في مسألة واحدة هي المسألة الفلانية. فإذاً، هو يريد أن يوضح لك أن العالم عليه أن يعلم الطلاب القواعد الأصول المطلقة، القواعد الأغلبية، ثم يعليهم الاستثناءات بالتدريج، هكذا ينمو العلم يكون متسقاً متناسقاً، يتعلم القواعد الأصيلة القواعد الأغلبية، ثم تتعلم الاستثناءات فيبقى علمك ينمو رويداً رويداً تماماً.

ثم قال بعد ذلك: وكل عبادة يخرج منها بفعل منافيها ومبطلها، إلا الحج والعمرة. أيضاً مثلاً هذه مثال آخر، القاعدة من أي عبادة تفعلها كيف تبطل؟ إذا فعلت ناقض من نواقضها أو مبطل من مبطلاتها فانت هكذا تخرج من العبادة، صح؟ قال: إلا في الحج والعمرة. الإنسان في الحج والعمرة حتى لو ارتكب مفسد وفساد الحج ومبطل ومبطلات الحج أو العمرة، فانه عليه أن يستمر في أداء هذا النسك، وعليه كفارات معينة تذكر في كتب الفقه.

فإذاً هذا أيضاً من الاستثناء، وكل وضوء يجب فيه الترتيب إلا وضوء تخلله غسل الجنابة وأشباه ذلك. القاعدة الأغلبية كل وضوء من أركانه الترتيب بين الأعضاء إلا استثناء واحد، وضوء لا يشترط فيه الترتيب، الوضوء أثناء غسل الجنابة، إذا أنت نويت بغسل الجنابة أن ترفع الحدث الأصغر والأكبر وتوضأت فلا يشترط الترتيب في هذا الوضوء بحد ذاته، وغير ذلك. إذاً هذه المهارات، كل ما كان المعلم أحبتي متقناً لمذهبه أو للعلم أو الفن الذي يدرسه كلما كان قادراً على صياغة القواعد وهذه الاستثناءات، وكلما كان ضعيفاً كلما دخلت عليه الأمور في بعضها.

قال: وأشباه ذلك؟ قال: ويبين مأخذ ذلك كله. أي بعد أن يبين القواعد الأصيلة المطلقة والقواعد الأغلبية ويبين الاستثناءات، أن يبين لماذا هذا الاستثناء؟ المأخذ يعني سبب الاستثناء، لماذا هذا الفرع خرج عن هذه القاعدة التي كان ينبغي أن يكون فيها لكنه خرج؟ قال: يبين المآخذ. قال: وكذلك كل أصل وما يبنى عليه.

إذاً المعلم عليه أن يبين بشكل عام الأصول وما يبنى عليه، أنه مثلاً هذا أصل ويتفرع عليه كذا وكذا وكذا وكذا، وهذا الأصل والقاعدة يتفرع عليها كذا وكذا وكذا. إذاً باختصار يعني حتى نلملم الكلام، المعلم يدرس الطالب القواعد، ويدرسه ما ينبني على هذه القواعد وما يخرج من هذه القواعد، فحينما يقول وكذلك كل أصل وما يبنى عليه، ترى هذه الجملة كان ينبغي أن أنه الأصل هي القواعد العامة، فأنت تعلم الطالب القواعد المطلقة القواعد الأغلبية وما يبنى عليها ويتفرع عليها، وتعلمه في نفس الوقت التي خرجت منها وتبين هذا الفرع لماذا الاستثناء؟ هذا أمر مهم جداً في التدرج في ذهن الطالب وفي تعليمه، أمر مهم جداً في التدرج في عقلية الطالب.

قال: من كل فن يحتاج إليه. يعني هذه الطريقة التي في التعليم تسلكها في كل فن تحتاج إليها وتحتاج إلى تدريسه. قال: من علم التفسير والحديث وأبواب الدين والفقه، يعني علم أصول الدين وعلم أصول الفقه. قال: والنحو والتصريف واللغة ونحو ذلك.

أي فن، أي علم من العلوم، سواء العلوم اللغوية أو العلوم الشرعية أو العلوم العقلية، ينبغي أن تكون هذه الطريقة في التدريس واضحة حاضرة. أما ما يحدث اليوم في جامعاتنا الأكاديمية أن يبتدأ مع الطالب بكتاب يحتوي الأصول والخلاف والفروع والاستثناءات كلها مدموجة مع بعضها البعض، ولأسف كثير من المعاصرين كتابته غير منضبطة ولا تسير على الطريقة التعليمية الصحيحة، فتجد الطلاب مشوشاً على الطالب ولا يستطيع أن يعرف بدايته من نهايته، ما يعرف الأصل من الفرع وما يتفرع هذه القاعدة مما يستثنى منها، فهذا للأسف مشتت لطالب العلم ولا يثمر فيه أداء العلم، ولا يمكن أن ينتج شيئاً على مدار طلبه للعلم.

قال: أما بقراءة كتاب بالفن أو بالتدرج على الطول. يعني طريقة التدريس إما أن تختار كتاب جامع في الفن، يحتوي على القواعد وما عليها والاستثناءات، وإما أن تبدأ تتدرج مع الطالب، وهذا هو الأسلوب الثاني هو الأسلوب الأنجح، أن يختار المعلم كتاباً أولاً يحتوي القواعد فقط، الطالب يعرف القواعد ويحفظها مع ذكر أمثلة عليها، ثم ينتقل إلى كتاب أوسع يحتوي على القواعد مع استثناءاتها وسبب الاستثناء.

التدرج دائماً هو فيه خير وبركة، لذلك جاء في تفسير قوله تعالى: وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ، أن الرباني هو الذي يعلم الناس على صغار العلم قبل كباره. وهذا كله إذا كان الشيخ عارفا بتلك الفنون وإلا فلا يتعرض لها، بل يقتصر على ما يتقنه منها. أي كل هذه أصلاً القواعد التي نتكلم عنها مهارات التدريس، متى يفعلها المعلم؟ إذا كان أصلاً المعلم متقناً لهذا الفن.

أما أن يتصدر الشيخ أو الطالب أو المعلم لتدريس فن من الفنون وهو غير متقن له فهذا لا يليق به. قال: ومن ذلك نوادر ما يقع من المسائل الغريبة والفتاوى العجيبة والمعاني العجيبة، نوادر الفروق والمعاينة. أيضاً على المعلم أن يحسن تدريس المسائل الغريبة والفتاوى العجيبة، ويوقف الطالب عليها ونوادر الفروق.

والمعاينة، المعاينة هي المسائل التي يقع فيها المعاينة هي الألغاز، بعض المسائل الفقهية أو العقدية أو الأصولية مسائل دقيقة ويمكن يكون فيها شيء من الألغاز، فعلى المعلم أيضاً أن يطرح هذا على الطلبة المسائل الغريبة والعجيبة لكن ليس في بداية التعلم، لأن هذه المسائل الغريبة والفريدة والتي لا تسير على الأصول العامة هي مسائل تحتاج إلى شحن ذهن وتحتاج إلى طالب عنده أصول، المعلم هذه يطرحها على الطالب في وقت لاحق، فيه يعني مراحل متقدمة وليس في بداية تعلمه للعلم.

قال رحمة الله تعالى عليه: ومن ذلك ما لا يسع الفاضل جهله، أي المعلم الفاضل أن يجهله كأسماء مشهورين من والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين وكبار الزهاد والصالحين في الخلفاء الأربعة وبقية العشرة المبشرة بالجنة، والنقباء الاثني عشر الذين اختارهم النبي صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة الثانية، والبدريين الكثيرين من رواية الأحاديث، والعبادلة، وهذا لقب نطلق على عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير، هذا هو الصحيح المشهور عند علماء الحديث، والفقهاء السبعة، والفقهاء السبعة هم سبعة في المدينة كابن المسيب ومن معه.

قال: والأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة. بل يضبط أسمائهم وكناهم وأعمارهم ووفياتهم وما يستفاد من محاسن آدابهم ونوادر أحوالهم، فيحصل له مع الطول فوائد كثيرة النفع ونفائس عزيزة للجميع. يقول لي ابن جماعة في هذا النص إنه ينبغي على المدرس والمتصدر وعلى طالب العلم عموماً أن يكون على دراية باسماء كل هؤلاء الأئمة الكبار من الصحابة، وخاصة كبار الصحابة والتابعين، ومن عرف منهم بالعلم والفقه والديانة وعلماء الأمة ممن عرف بعلمه وضبطه كالائمة الأربعة.

فيضبط أسماء هؤلاء القوم ويضبط كناهم وحياة هؤلاء الناس ويقف على سيرهم، وهذا فيه خير عظيم حقيقة لطالب العلم، لأن هذه السير تعطيك كيف إنسان يطلب العلم وتوقف على حياة هؤلاء وكيف طلبوا العلم وكيف مارسوا؟ دائماً طالب العلم يبحث عن قدوة له في هذه الحياة، فإن لم يجد قدوة حية يستطيع أن يجد قدوة من هؤلاء الأئمة الكبار.

قال: وليحذر كل الحذر من منافسة بعضهم لكثرة تحصيله أو زيادة فضائله، لأن فضائلهم عائد إليك وحسن تربيتهم محسوب عليك، وله من جهتهم في الدنيا الدعاء والثناء والذكر الجميل وفي الآخرة الثواب الجزيل. يقول ابن جماعة عليه رحمة الله: وليحذر المدرس من منافسة بعض الطلبة، أحياناً بعض الطلبة قد يفوق المدرس في بعض الفنون ويبرز، وهنا المدرس قد يدخل شيء من الحسد ومحاولة منافسة هذا الطالب والتقليل من شأنه.

ومحاصرته حتى لا يبزغ نجمه. فيقول ابن جماعة: وليحذر كل الحذر من منافسة بعضهم، أي من أن ينافس المعلم بعض طلبته بسبب كثرة تحصيل هذا الطالب للعلم، أو زيادة فضائل له بين الناس، وانتشار ذكره وسيطه. لأن لماذا؟ قال: لأن ثواب عائد إليه.

يعني هذا الطالب إذا بزغ نجمه وأصبح عالماً كبيراً، فعلمه فائدته تعود على من؟ عليك أيها العالم، فأنت ما في داعي أن تنافس إذا كنت صادقاً مع الله سبحانه وتعالى يترك له الثواب. فاجعل الطلبة يتميزون حتى لو فاقك الطلبة، فخير ذلك عائد إليك؛ لأنك أنت من فتحت له الباب حتى يلج إلى العلم.

قال: لأن ثواب فضائلهم عائد إليه، وحسن تربيتهم محسوب عليه، وله من جهتهم في الدنيا الدعاء والثناء، هم يدعون لك بسبب العلم الذي منعته لهم والذكر الجميل في النهاية سيقال: فلان بن فلان ذاك العالم يقال إنه تربى على يديك، هذا أصلاً إذا كنت تبحث عن هذه الميزة.

والإنسان الصادق مع الله سبحانه إنما هدفه أن يصنع طالب علم أو عالم يقود هذه الأمة إلى بر الأمان، هذا هو الهدف الذي ينبغي أن يكون متفقاً عليه بين جميع المدرسين والمتصدرين لتعليم العلوم الشرعية، وفي الآخرة الثواب الجزيل.

إذاً، المعلم عليه أن لا ينافس طلبته، بل عليه أن يكون متواضعاً معهم، يريد الخير لهم. لا يكتم عنهم شيئاً من المعلومات خشية أن يفرغوه، بالعكس، دائماً يكون هدفه أن يعطي وأن يمنح وأن يوصل الخير لهم، حتى لو فاقه الطلبة فخير ذلك عائد إليه في الدنيا وفي الآخرة.

الأدب الحادي عشر قال: ألا يظهر للطلبة تفضيل بعضهم على بعض عنده في مودة أو اعتناء مع تساويهم في الصفات من سن أو فضيلة أو تحصيل، فإن ذلك ربما يوحش منه الصدر وينفر القلب. يقول ابن جماعة في الأدب الحادي عشر: على المعلم خاصة في مجلس العلم، بأن يظهر للطلبة أنهم سواسية عنده، ولا يفضل بعضهم على بعض إذا تساوى الطلبة في الفضيلة.

يعني الكل نشيط، الكل مجد، الكل صاحب ديانة، الكل صاحب همة، إذاً لا يوجد شيء يستحق أن تقدم طالباً على طالب في ظاهر الحال، فعليك أن تعاملهم جميعاً على أنهم سواسية.

لأنه أي تمييز من دون سبب ودافع له مقنع، هذا سيجعل القلوب تنفر من هذا المعلم، ويتهم بأنه يفضل بعض الطلبة على بعض أو يميل لفلان على فلان، ويسبب له مشاكل هو في غنى عنها، ويمنع من وصول خيره لكثير من الطلبة.

فالقاعدة العامة في باب التدريس أن المعلم الناجح لا يميز بين طلبته في مجلس التدريس، إذا كان الطلبة بهذا الضابط سواسية في فضائلهم. لذلك قال: أن لا يظهر للطلبة تفضيل بعضهم على بعض عنده في مودة أو اعتناء مع تساويهم في الصفات من سن أو كلهم متقاربون في السن، أو في الفضيلة، أو في تحصيلهم في تحصيل العلم والانكباب عليه، أو ديانة، فالكل متساوٍ في هذه الصفات، إذاً ينبغي على المعلم أن يعاملهم على أنهم سواسية.

قال: فان كان بعضهم أكثر تحصيلا وأشد اجتهادا، أو أبلغ اجتهادا، أو احسن أدبا فأظهر إكرامه وتفضيله وبين أن زيادة إكرامه لتلك الأسباب قال فلا بأس بذلك، لأنه ينشط ويبعث على الاتصاف بتلك الصفات. يعني متى يمكن للمعلم أن يظهر اهتمامه ببعض الطلبة عنده في مجلس؟ إذا كان بعض الطلبة يفوق غيره في التحصيل أو في الديانة والاجتهاد في العبادة أو ما شابه ذلك، فهنا قد يمدحه المعلم ويبرزه على إخوانه ويبين سبب ذلك: إني مدحت فلاناً لأنه اليوم حفظ المطلوب منه وأنتم قصرتم، والله اعتنيت بفلان لأنه فعل الواجب، لأنه منكب على العلم، فيظهر سبب تميز فلان عن أقرانه.

وهذا في الحقيقة قد يكون شيئاً إيجابياً في كثير من الأحيان، لأنه يحفز باقي الطلبة على أن يقتدوا وأن يزداد نشاطهم حتى يصلوا إلى تكريم استاذهم وشيخهم.

وكذلك لا يقدم أحداً في نوبة غيره، أو يؤخره عن نوبته إلا إذا رأى في ذلك مصلحة تزيد على مصلحة مراعاة النوبة، فان سمح بعضهم لغيره في نوبته فلا بأس، وسنذكر ذلك مفصلاً إن شاء الله. الآن النوبة المراد بها الدور في القراءة على الشيخ قديماً، وحتى الآن في بعض المحاضر العلمية يكون كل طالب يحجز موعداً للقراءة على الشيخ.

وهذا في الحقيقة شيء جربته بنفسي، حينما كنا ندرس في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كنا نتسابق أن نسجل أسمائنا، نأتي قبل الفجر ونأتي إلى الحرم إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، نسجل أسمائنا في ورقة حتى نحرز دوراً مبكراً للقراءة على الشيخ بعد المغرب، تصور يعني نحن نأتي قبل الفجر حتى نسجل أسمائنا في الورقة ونحجز دوراً مبكراً حتى نستطيع أن نقرأ على الشيخ بعد المغرب.

كنا نتسابق مع بعضنا البعض في الاستيقاظ والذهاب إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لننسجل أسمائنا في تلك الورقة، فمن كان يحضر مبكراً كان يسجل اسمه في أعلى الورقة فيأتي دوره مبكراً عند المغرب، ومن كان يأتي متأخراً بعض الطلبة كان يأتي على الظهيرة فهذا بالكاد يدرك دوراً في ذاك اليوم لكثرة تزاحم الطلبة على الشيخ.

فهنا الأدب في هذا الباب أن المعلم إذا جاء وقت صلاة المغرب مثلاً جاء شيخنا فأمسك هذه الورقة ونظر في أسماء الطلبة على الترتيب، هنا الأصل أن يلتزم بالترتيب المسجل في الورقة، ولا يقدم نوبة طالب على دور سابقه، لماذا؟ لأن هذا مباشرة سيوحش القلب. يعني أنا أتيت مبكراً لماذا تقدم زميلي الذي أتى علي؟ هذه مشكلة.

فيقول ابن جماعة: ولا يقدم أحداً في نوبة غيره، عندما يأتي دور فلان في الورقة لا يجوز أن يقدم شخصاً آخر عليه، قال: أو يؤخر عن نوبته، أو يؤخر هذا الطالب إلى آخر الطلبة مع أنه جاء مبكراً ودون اسمه مبكراً، قال: إلا إذا رأى في ذلك مصلحة تزيد على مصلحة مراعاة النوبة.

إلا ضمن مصالح معينة، مثلاً هذا الطالب ولده كبير فيخبره: أني أنا سأؤخرك في نوبتك إلى آخر المجلس؛ لأن مثلاً وردك يحتاج مني إلى جلوس وإلى فترة ولا أُريد أن أؤخر زملائك. المهم أن يأتي بإجابة مقنعة لهذا الطالب تفسر له لماذا أخر نوبته.

لاحظوا كيف كان العلماء يهتمون بنفسيات الطلبة، هذا أمر مهم جداً، المعلم صديق للطالب، الشيخ مربٍ وقدوة للطالب، فينبغي أن يكون مراعياً لنفسية الطالب في كل خطوة يخطوها، هذا الشيء إذا أراد أن يصنع عالماً أن يصنع إنساناً متزناً، ليس مجرد هو أن يلقي المعلومة ويذهب، بل يحتاج أن يراعي شخصية هذا الطالب وأن يبنيها بناء سليماً بحيث أن هذا الطالب يشعر بأن هذا الشيخ قدوة له، هذا الشيخ علمه كل شيء في التربية، في الأخلاق، في السلوك.

أن هذا الطالب في المستقبل سيصبح شيخاً وسينقل الآداب التي تعلمها من شيوخه إلى الطلبة الذين سيأتون بعد ذلك، فينبغي أن تكون سلسلة الأدب سلسلة متوارثة من الأشياخ إلى طلابهم وهؤلاء الطلاب يكبرون ثم يعلمون طلبتهم وهكذا.

فسلسلة الأدب وسلسلة صناعة شخصية طالب العلم هذه الأمور أحبتي توارثناها من علمائنا، وعلماؤنا نقلوها لنا عن أشياخهم وهكذا؛ لأن هذه الأمور أمور مهمة جداً، ولأننا غفلنا عنها في هذا الزمن: الطالب يذهب إلى الجامعة يأخذ محاضرة المعلم ينصرف والطالب ينصرف وانتهى كل اللقاء العلمي، هذا ليس علماً، ليس هكذا يصنع العلماء والدعاة، ليس هكذا نصنع أناساً يقودون هذه الأمة ويأخذون بأيديها إلى بر الأمان.

صناعة العالم صناعة طالب العلم تحتاج إلى دراسة شخصية الطالب ومراعاة نفسيته وعدم تسبب مشكلة نفسية له في بداية طلبه، يعني بعض الطلبة عندهم خير وفيهم خير كبير، سبب نفوره عن العلم أن بعض الأشياخ تصرفوا معه بتصرفات غير لائقة التي صنعت حاجزاً بين هؤلاء الطلبة وبين العلم، وهذا من كبير الأخطاء التي يقع فيها بعض المدرسين.

نعم، هذا ليس عذراً للطالب بأن ينقطع عن العلم، لكن أيضاً علينا أن نرحم هذا الطالب وأن نساعده في مسيرته العلمية.

من خلال معلم قدوة يقف معه إلى نهاية الطريق، ويصنع منه شخصية متزنة. قال: فإذا سمح بعضهم لغيره في نوبته فلا بأس، يعني يمكن الطلبة أن يتسامحوا فيما بينهم، فلان يقول لزميلي: تقدم، أنا سأذهب وأنا غدا آخذ نوبتك.

إذا كان الاتفاق بين الطلبة فهذا أمر واسع يتركه المدرس لهم، قالوا: وسنذكر ذلك مفصلا أي في آداب الطلبة عندما يأتي إلى ذكرها. قال: وينبغي أن يتودد لحاضرهم، ويذكر غائبهم بخير وحسن ثناء، يعني المعلم إذا كان طالب حاضر يتودد، يبتسم، يتكلم معه بكلام جيد هادئ، قد يتودد لحاضرهم ويذكر غائبهم بخير وحسن ثناء. والطالب الغائب: إياك أيها المعلم أن تذكره بسوء أمام إخوانك، ومن تقول: فلان غاب هذا رجل كسول هذا إبطال إبليس الطالب علم جيد.

إذا ذكرت طالبا في غيبته بسوء، هذا الطالب انتهى، لن يعود إليك مرة أخرى هذا الطالب، لن يعود إليك مرة أخرى، فانتبه أيها المعلم إياك أن تتحدث عن أحد الطلبة في غيبته بسوء. قالوا: وينبغي أن يتودد ويذكر غائبهم بخير وحسن، حتى لو كثر منه الغياب التمس له عذرا، حتى لو كان مقصرا تأنيبك له لا يكون بذكره أمام الطلبة، أن فلان مقصر ولا يحضر حتى يبلغ الطلب ذلك لزميلهم، كلا! إذا أردت أن تؤنبه وأن توجهه وأن تبين له خطأه فهل يكون بين المعلم وبين الطالب في مجلس خاص؟ أو أن يعرض: ما بال أقوام لا يحضرون الدروس ويقصرون؟ ولا يتكلم عن طالب بعينه حتى لا توحش الصدور في ذلك.

قال: وينبغي أن يتعلم أسمائهم وأنسابهم ومواطنهم وأحوالهم، ويكثر الدعاء لهم بالصلاح. يعني على المعلم، وهذا من لطيف أدب الشيخ، أن يتعرف على أسماء الطلبة وكناهم: أنت يا فلان من أي بلدة؟ كم عندك من الأولاد؟ وكيف وضعك؟ وماذا تعمل؟ انظر هذه العلاقة القوية المتينة التي تنشأ بين الشيخ وبين طلبته، علاقة مودة ومحبة وتوجيه، هكذا نصنع طلبة العلم.

الشيخ القدوة المربي الذي يسير مع الطالب في رحلته في صناعة علميته وشخصيته، هذا المعلم هو الذي ينتج والذي يقدم. نحن للأسف اليوم في حياتنا العلمية وفي حياة طالب العلم يفقدون أمثال هؤلاء القدوات، يقفون معهم خطوة بخطوة في حياتهم بالتوجيه والنصح والإرشاد والكتب التي يدرسونه، ويعلمونهم، ويعطونهم ثمرة الحياة.

حينما كان في الأمة يعطون ثمرة الحياة والجهد لهؤلاء الطلبة، كان ينتج في هذه الأمة علماء يقودون الأمة، لكن حينما أصبح العلم اليوم رسميات، أولا تكاد رسومه تندثر ويحصر في جامعات أكاديمية، وفقدنا المحاضر العلمية الصحيحة في المساجد ومجالس التعليم الشرعي، لاحظوا الإنتاج العلمي والفكري في هذه الأمة ضعف جدا، وما عدنا ننتج علماء، ننتج شيء من الثقافة، ننتج أناس أنصاف متعلمين، لكن العالم الرباني ما زلنا نشتاق إلى أن نرى أمثال هؤلاء يقودون الأمة إلى بر الأمان.

وهذه الأمة فيها خير، وستبقى تنتج، وإن كان هناك ضعف في هذه الفترة من حياة الأمة، لكن أملنا كبير بالله سبحانه وتعالى أنه سيكون هناك علماء، وسيخرج ثلة من الافاضل الذين يأخذون بأيدي طلبة العلم ويسيرون بهم نحو السعادة والاصلاح لهذه الأمة وصناعة الجيل.

ننتقل أحبتي إلى القاعدة الثانية عشرة، كمثال من الوقت. طيب، القاعدة الثانية عشرة قاعدة مهمة جدا جدا جدا، وهي ترسخ الفكرة التي ذكرناها قبل قليل في أهمية العلاقة الوثيقة بين المعلم والطالب. قال: أن يراقب أحوال الطلبة في آدابهم وهديهم وأخلاقهم باطنا وظاهرا، فمن صدر منه من ذلك ما لا يليق من ارتكاب محرم أو مكروه أو ما يؤدي إلى فساد حال أو ترك اشتغال أو إساءة أدب في حق الشيخ أو غيره أو كثرة بغير توجيه ولا فائدة أو حرص على كثرة كلام أو معاشرة من لا تليق عشرته أو غير ذلك مما سيأتي ذكره إن شاء الله في آداب المتعلم.

ماذا يفعل المعلم مع هذا الطالب الذي خالف الآداب؟ قد عرض الشيخ بالنهي عن ذلك بحضور من منه غير معرض به ولا معين له. يعني الآن المعلم عنده طالب. ابتداء قبل أن أدخل في ذلك اكتبوا هذه قاعدة مهمة: أن من وظائف المعلم أن يراقب أحوال الطلبة في آدابهم وهديهم وأخلاقهم باطنا وظاهرا.

هذه قاعدة مهمة جدا في علم التربية، أن المعلم كما قلنا ليس وظيفة المعلم أن يعطي المعلومة ويذهب ويغادر، كلا! المعلم هو أب وموجه وشيخ لهذا الطالب، هو كل شيء لهذا الطالب، يراقب في أخلاقه في سلوكياته في حياته في ألفاظه في توجهاته في طياراته، ينبه، ينصح، يرشده، إذا سأله دائما يبادر إلى إجابته متى وجد لذلك مستطاعا. دائما يسأل عنه يتفقده، هذه العلاقة الوثيقة هي العلاقة الجميلة الراقية التي يمكن أن تنشأ بين المعلم والطالب، وهي التي كما قلنا تصنع لنا جيلا مميزا من طلبة العلم بعقول أشياخهم، وامتازوا بشخصيات متزنة هادئة، تربوا على هدي سلف الأمة في الآداب والأخلاق، فينتجوا يصنعوا لنا شيئا يقودونها نحو بر الأمان.

لكن إذا كان الطالب فقط هو يحصل المعلومة من شيخه ولا يحصل الأدب والتوجيه والسلوك، هنا ستنتج عندنا شخصيات مشوهة غير متزنة، أن هذا الطالب هو يتخبط في هذه الحياة، يحاول أن يبحث عن الاتزان، يحاول أن يبحث عن الأدب الصحيح الذي ينبغي أن يسلك، عن المنهج الصحيح، ولا يجد شيخا وقائدا ربانيا يقود به هذه السفينة، سيأتيه وتتعثر خطواته، واليوم يخطئ غدا يصيب وغدا وهكذا يبدأ يتلمس الطريق وحده، وربما ينتهي عمره وهو لم يصل إلى المنهج الصحيح.

لكن المربي يقتصر على الأمة كل هذه المسافات، ويقتصر على الطالب كل هذه المسافات من خلال التوجيه المستمر والعناية المستمرة. فهنا يقول ابن جماعة: إذا لاحظ المعلم في الطالب أخلاق غير محمودة، تصرفات غير صحيحة، سلوكيات خاطئة، عن المعلم بحضرة هذا الطالب أن يعرض تعريضا عاما، يقول كما: ما بال بعض الطلبة يفعلون كذا وكذا؟ هناك إخوة للاسف يقومون بتصرفات خاطئة كذا وكذا، هناك إخوة يكثرون الكلام في المجلس عليهم أن يقللوا، ولا يعرض للطالب ينظر إليه بعض الطلبة يقولون كذا وكذا وينظر إلي، كشفته! أو يذكر باسمه: يا فلان أنت فيك من الأخلاق السيئة كذا وكذا وعليك أن تجتنبها.

هذه كلها أخطاء المئة عفوا أخطاء سلوكية منهجية تربوية علينا أن نجتنبها كمدرسين وكمتصدرين نتعامل مع الطالب كأنه ابن لنا، نريد له الخير نريد مصلحته نريد أن يبقى في مجالس العلم وفي محاضر التربية، لا نريد لهذا الطالب أن ينفر وأن ينقطع، يكفي الملهيات والمشغلات التي تأخذ هذا الطالب وتنفره عن العلم، فأنت أيها المعلم عليك أن تكون معينا لطالب العلم، وإياك أن تكون منفرا من هذا الميدان، فنحن اليوم بنستجلب الطالب استجلابا ونعض عليه بالنواجذ، ونحاول كما سيأتي معنا كما يقول الإمام الجماعة نرمي الشباك لنصير طالبا من هؤلاء الطلبة، لعل الله عز وجل أن يسخر على أيديهم النجاح والفلاح والفلاح لهذه الأمة.

التصرف الصحيح منك أيها المعلم بإذن الله سبب في تثبيت الطلبة في مجالس العلم وفي محاضر التربية، لذلك يقول: عرض الشيخ بالنهي عن ذلك بحضور ما صدر منه غير معرض به ولا معين له. قال: فان لم ينته. طيب هذا المعلم عرض تعريضا عاما وهذا الطالب لم ينته.

قال: فان لم ينته نهاه عن ذلك سرا ويكتفي بالإشارة، يعني إذا لم ينته الطالب عن أخطائه ماذا يفعل؟ هذا المعلم من بعد المحاضرة ينادي هذا الطالب بينه وبينه يقول: يا فلان ترى أنت تصرفت هذا التصرف الخاطئ وهذا لا يليق بطالب العلم أو هذا محرم أو مكروه أو لا يليق بالأخلاقيات أو تصرفت مع زميلك بهذا التصرف وينبغي أن تعتذر منه، المهم بينك وبين هذا الطالب يحتاج الأمر إلى ذلك تبين له خطأه. قال: ويكتفي بالإشارة مع من يكتفي بها، فان لم ينته نهاه عن ذلك جهرا ويغلظ القول عليه، يعني هذا الطالب نصحته سرا ما ارتدع، يعني احنا نسير مع الطالب بخطوات، أولا التعريض العام ما ارتدع النصيحة سرا بينك وبينه ما ارتدع هنا يصرح المعلم في مجلس العلم: يا فلان نصحناك كثير من المرات وأنت لا

لا تفعل هذا التصرف الآن. نعم، هنا أصبح الموضوع فيه جحر. طيب لماذا؟ انظر ماذا قال من جماعة قالوا: يغلظ القول عليه إن اقتضاه الحال لينزجر هو وغيره. أحيانا الأمر يقتضي الجرعة من المعلم، لأنه بعض الطلبة مفسد، لا يصلح أن يكون طالب علم. فهنا يصرح المعلم يقول: يا فلان ارتدع وانزجر عما أنت عليه. وفي هذا التصريح في الحقيقة يعني أنت في نهاية المرحلة زجرته وزجرت غيره.

قالوا: ويتأدب به كل سامع. هناك أي إنسان أو أي طالب حاضر في هذا المجلس حينما ينظر في هذا المعلم، المعلم طفح معه الكيل عرض وهذا الطالب لم يرتدع، نصحه سرا وهذا الطالب لم يرتدع، هنا المعلم يصرح من الطلبة ليريهم أن مجالس العلم لها حرمتها، وأن هذا العلم حرمته ووقاره ولا يسقط الإنسان لأي إنسان أن يحمله، والذي يحمل العلم يكون صاحب وقار صاحب أدب صاحب خلق صاحب سلوك. فإذا كنت أنت لست مؤهلا لحمل هذا العلم اتركه.

أما إذا تركنا بعض الطلبة الذين يحملون الأخلاق الرديئة في الاستمرار في طلب العلم، في الحقيقة نحن نخرج للأمة نماذج مشوهة. واليوم الآن في واقعنا نحن نرى كثير ممن يتصدر للتعليم ويحسب نفسه أنه من أهل العلم بذيء اللسان سليط اللسان مسقط دائما للخصوم عباراته نابية، لماذا؟ لأنه هذا الطالب لم يتربى، لم يوجد له شيخ أو لم يجد شيخا يربيه على الأخلاق الرفيعة، وينصحه ويزجره عن إظهار النفس وكثرة والخوض في أعراض الناس. فنشأ طالب علم مشوه، نشأ طالب علم مشوه.

أما طالب العلم الذي يتربى على أيدي العلماء الأفاضل، فهذا الطالب أحبتي يكون سبب في إصلاح إصلاح الأمة وزراعة الخير، طالب مؤدب مهذب مع خصومه مع المخالفين له، يزرع خيرا يجمع قلوب الناس يحاول يقلل الخلاف. فقضية تعليم الطلبة وإرشادهم هذه من الأمور المهمة جدا. وكيف الخطوات التي يسير بها المعلم في زجرهم وتقريعهم وتأنيبهم؟ إذا في نهاية وصلنا إلى التقرير والتأديب العام، قال لي: يتأدب به يكون سامع. فإن لم ينته قال: فلا بأس حينئذ أن يطرده يعني حتى مع الزجر العام له يا فلان أنت فعلت كذا وما زال هذا الطالب يستمر في أخطائه.

هنا الخطوة الرابعة والأخيرة يطرده المعلم، يطرده؟ نعم يطرده. لماذا؟ لأنه هذا الطالب لم يسمع لكلام الشيخ، فهو لا يستحق أن يجلس في مجلس الشيخ. إذا كان الشيخ يقول لك يا فلان ارتدع وأنت لا ترتدع، إذا أنتم وصلتم في قلة الأدب وسوء الاحترام إلى مراتب عليا لا يقبل أن تجلس في هذا المجلس، هنا يطرد من المجلس حتى لا يؤثر على باقي الزملاء.

حتى لا يؤثر على باقي الزملاء. انظروا إلى العملية التربوية التي يبينها ابن جماعة بشكل راقي. علماء التربية وعلماء الدين في الإسلام أحبتي وصلوا إلى مراحل متقدمة في علم علم التربية وتقويم السلوك، تقدموا كثيرا على هؤلاء المعاصرين الذين يدونون في علم التربية والسلوك وما شابه ذلك. نعم لهم خيرهم، لكن علينا أن نعرف تاريخنا وتراثنا وأن نقرأ كلام الأئمة حتى بالعلوم التي سطرها علماؤنا علوم التربية الدقيقة دراسة نفسيات الطلبة سلوكياتهم التعامل معهم الترقي معهم. وهذا علم تربية ما يميزه في الدين الإسلامي أنه علم صبغ بصبغة الدين، وأخذ من محمد صلى الله عليه وسلم ومن الصحابة ومن التابعين، يعني ليس علم تنظيري هوائي بل هو علم أخذ من الكتاب والسنة، فنحن نصبغه بصبغة الإسلام وبتعاليم الإسلام الحنيف.

قال: فلا بأس حينئذ بطرده والإعراض عنه إلى أن يرجع، ولا سيما إذا خاف على بعض رفقائه وأصحابه من الطلبة موافقته. ثم قال ابن جماعة رحمة الله عليه: وكذلك يتعاهد ما يعامل به بعضهم بعضا من إفشاء السلام وحسن التخاطب في الكلام والتحابب والتعاون على البر والتقوى وعلى ما هم بصدده. يعني أن المعلم كما يراقب علاقة الطالب معه عليه أن يراقب علاقة الطلبة مع بعضهم البعض. إذا وجد طالبا يقسو على إخوانه يكلمهم بشكل أو بنفس فيه شيء من التكبر أو الاستعلاء أو يرفع صوته عليهم أو لا يلقي السلام عليهم، المهم إذا وجدوا يتصرف مع إخوانه بشكل غير لائق فعلى المعلم أيضا أن يزجره وأن ينهره وأن يبين له طريقة التعامل الصحيح مع إخوانه.

قالوا بالجملة، فكما بالجملة يعني عموما فكما يعلمهم مصالح دينهم لمعاملة الله تعالى يعلمهم مصالح دنياهم مصالح دنياهم لمعاملتهم الناس لتكمل لهم فضيلة الحالتين. يعني أن المعلم كما يعلمهم مصالح الدين حتى يحسنوا التعامل مع الله سبحانه وتعالى، كذلك يعلمهم مصالح دنياهم حتى يحسنوا التعامل مع الخلق. الأدب الثالث عشر قبل الأخير من آداب العالم مع تلاميذه قال: أن يسعى في مصالح الطلبة وجمع قلوبهم ومساعدتهم بما تيسر عليه من جاه ومال عند قدرته على ذلك وسلام دينه وعدم ضرورته أي عدم ضلاله.

يعني أيضا من الأمور المهمة التي ينبغي أن يراعيها المعلم مع تلاميذه وطلبته أن يحاول المساعدة أن يقدم لهم المساعدة، يكون أخا لهم في نكبات الحياة وكرباتها. يقف معهم إذا أصيب أحدهم بضيق وبفقر وبقلة ذات اليد. إذا كان الشيخ جاه في الدولة ويستطيع أن يخرج أسيرا أو أن يحرر أو أن يعين مثلا فقيرا أو أن يستشفي لأحد الطلبة حتى يعمل في وظيفة من الوظائف من دون أن يسبق دور غيره أو ما شابه ذلك. أنا المعلم باختصار أن يبذل جاهه وماله في خدمة طلبته في خدمة طلبته، وهذا مما يقوي العلاقة بين المعلم وبين الطالب.

وهي حقيقة علاقة محبة علاقة وثيقة، الطالب ينظر باحترام واجلال وتعظيم لهذا الشيخ الذي لا يقف دوره في فقط التعليم بأمور ومسائل الدين واللغة وما شابه ذلك، بل هو إنسان مربي وموجه ومساعد ومعين، وهكذا تنشأ الشخصية المتزنة لطالب العلم أنه الطالب سينصرف كما قلنا باسلوب الشيخ، وينظر في الشيخ كيف تصرف معه وهو سيتصرف مع طلبته بهذا المنهج في المستقبل. قال: فَإِنَّ اللَّهَ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ حِسَابَهُ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ. وهذي كلها مقتطعات من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

ولا سيما إذا كان ذلك إعانة على طلب العلم الذي هو من أفضل القربات. يعني خاصة إذا كان الطالب يحتاج مثلا إلى مال ليشتري كتابا علميا فهذا من أفضل ما تخدم به هذا الطالب. إذا كان الطالب يحتاج لمال حتى يتفرغ لطالب العلم هذا من أفضل ما يدفع فيه المعلم المال لتلاميذه. قال: وإذا غاب بعض الطلبة أو ملازمي الحلقة زائدا عن العادة سأل عنه وعن أحواله وعن من يتعلق به. إن لم يخبر عنه بشيء أرسل إليه أو قصد منزله بنفسه وهو أفضل.

يا الله، ما أجمل هذا الخلق! أن المعلم يلاحظ أن بعض الطلبة الذين اعتادوا حضور الحلقة غابوا يوم يومين وثلاث، من المعلم عليه أن يبادر بالسؤال عن هذا الطالب لعله وقع في حادث أو في كربة. فإذا لم يستطع المعلم أن يعرف شيئا عن هذا الطالب الذي كان ملازما في حلقته وغاب الأفضل أن المعلم يذهب بنفسه ويسأل عن هذا الطالب. انظر ما أجملها أن يطرق المعلم منزلك ويسأل عنك، تفتح الباب المعلم يسأل عنك يا فلان أين أنت عن مجلسنا وعن العلم؟ وماذا حدث؟ لعلك وقعت في مكروه أو في كرب لعلنا نساعده.

انظر ما أجملها وكيف تنزل على قلب الطالب بردا وسلاما. ينظر إلى هذا الشيخ القدوة وهو الآن يقف أمام منزله وجاء قاصدا إليه. انظروا علاقة المحبة والألفة التي يمكن أن تنشأ بين هذا الطالب وبين هذا الشيخ. انظروا كيف كان سلفنا يفهمون عملية التعليم، وكيف نحن ننظر إليها اليوم؟ عملية التعليم العلاقة الوثيقة التي تنشأ بين المعلم وبين التلميذ بل بين الأب في الحقيقة وبين الابن هذه هي العلاقة علاقة المعلم مع تلميذه علاقة أب بابنه.

قال: فإن كان مريضا عاده، وإن كان في غم خفض عليه أي خفف عنه، وإن كان مسافرا تفقد أهله وما يتعلق به. بلغ هو أن هذا التلميذ مسافر يذهب يتفقد أهل هذا التلميذ.

تصور تلميذ مسافر يبلغه أن الشيخ تفقد أهلك، شيء راقي جداً وخلق رفيع عالي جداً يذكره بالجماعة هنا. قال: ويسأل عنهم، ويترضى حوائجهم، ووصلهم بما أمكن. وإن كان فيما يحتاج إليه فيه إعانة، وإن لم يكن -يعني إن كان يحتاج إلى إعانة أعانه، وإن لم يكن شيء من ذلك- تودد إليه ودعا له. يعني يا فلان لماذا غبت؟ ما في شيء والله يا شيخ الفترة هادي أصبت بفتور، أو انشغلت مع الأهل بشيء من الواجبات الاجتماعية. هنا المعلم يدعو له: وإن شاء الله نراك عما قريب تعود إلى مجالسنا وأنت أهل لهذا العلم، يعني يرفع همته ويزيل عنه الفتور الذي حل به.

انظر إلى هذه القاعدة الأخيرة التي ختم بها هذه الفائدة عشر وهي حقيقة قاعدة عظيمة جداً جداً. قاعدة عظيمة، اكتبوا عندها قاعدة قل: واعلم أن الطالب الصالح أعوج على العالم بخير الدنيا والآخرة من أعز الناس إليه وأقرب أهله إليه. الطالب الصالح قال: واعلم أن الطالب الصالح أعوج على العالم بخير الدنيا والآخرة من أعز الناس إليه. يعني أيها العالم من أعز الناس عليك؟ أبناؤك، زوجتك، طالب العلم الذي تربيه وتعلمه ليكون عالماً ربانياً، هذا نفعه أعظم لك في الدنيا وفي الآخرة من نفع أعز الناس عليك، هذي قاعدة.

لذلك كان العلماء يهتمون بطلبتهم أحياناً أكثر مما يهتمون بأبنائهم، قد يكون ابنه ما عنده اهتمام بالعلوم الشرعية، فتجد المعلم ربى ابنه ووجهه لما فيه صلاحه في الدنيا وفي الآخرة، لكنه حريص على طلبة العلم الذين يربيهم ويخرجهم ليكونوا علماء، كثيراً أشد من حرصه على بعض أبنائه. لماذا؟ لأنه يدرك أن هذا الطالب سيقود الأمة إلى النجاح إلى الصلاح، لعل انفراج أزمة هذه الأمة يكون على يد هذا الطالب المنغمس والمنكب على طلب العلم.

فيقول لك ابن جماعة: لا تزهب بتعليم الطلبة أيها الشيخ. وإياك أن تمل من مجالستهم وأن يصيبك ضجر منهم، فهذا الطالب الصالح أعود عليك بالخير والنفع في الدنيا وفي الآخرة من أعز الناس عليك. قال: ما زال يكمل، قال: ولذلك كان علماء السلف الناصحون لله ودينه يلقون لها -لاحظ العبارة ما أجملها- قال: يلقون شبك الاجتهاد، شبك الاجتهاد لماذا يكون الشبك؟ قال: لسيدي طالب ينتفع الناس به في حياتهم ومن بعدهم. علماء السلف رحمة الله عليهم كانوا يجتهدون في إلقاء الشبك ليصطادوا طالب علم ويمسكوا بطالب علم متمرس متمكن، ليعلموه ويوجهوه، لعل هذا الطالب يكون نجاح هذه الأمة وفلاحاً على يده، يقدر الله الصناعة على يديه ولو طالب واحد.

انظروا أهمية التدريس والتعليم قال: ولو لم يكن للعالم -ما زال يكمل ابن جماعة- ولو لم يكن للعالم إلا طالب واحد، واحد فقط ينتفع الناس بعلمه وعمله وهديه وإرشاده، لكفاه ذلك الطالب عند الله. يعني نحن لا نبحث عن جمهور، نحن لا نبحث عن من يصفق لنا على وسائل التواصل الاجتماعي، إذا المجلس ما حضره أكثر من خمسين طالب أنا لا أكمل الدورة، إذا شعرت أن الطلبة ينفضون أنا أنهي التعليم الشرعي وأذهب لأشتغل بدنياي، كلا. طالب واحد أيها المعلم تعلمه تربيه بالتربية التي ذكرها ابن جماعة في الأسطر السابقة، تخرج شخصية متزنة مشبعة بالعلم الشرعي، يكون عالماً ربانياً يهتدي الناس على يديه ويأخذ بأيدي الناس إلى بر الأمان، كفاك الله هذا مطلوب منك، طالب واحد.

انظر كيف كانوا يدركون أهمية التعليم وأهمية التربية، وأن الصلاح على الأمة لا يحتاج إلى آلاف من العلماء، ثلة ولو قليلة من العلماء الربانيين المتزنين يقودون هذه الأمة للصلاح. فلذلك قال: كان السلف رحمة الله عليهم يلقون شبكة الاجتهاد ليصطادوا ولو طالب واحد يربونه، يعلمونه، يلازمونه، لعل الله عز وجل أن يجعل على يديه علماً غزيراً وينتفعون به عند الله. إذا لقي المعلم ربه سبحانه يقول: يا الله خرجت لهذه الأمة هذا الطالب، وكفى بذلك فضلاً.

قال: فإنه لا يتصل شيء من علمه إلى أحد فينتفع به -يعني لا يصل شيء من علم هذا الطالب إلى الناس فينتفع- إلا كان له؛ أي لشيخه نصيب من الأجر، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. وأنا أقول -يعني ابن جماعة يقول-: وأنا أقول إذا نظرت وجدت معاني الثلاثة؛ اللي هو العلم الصدقة الجارية، والعلم الذي ينتفع به، والولد صالح الذي يدعو لك، وجدت هذه المعاني الثلاثة توجد في طالب العلم.

كيف ذلك؟ قال: وأنا أقول إذا نظرت -يعني إذا تأملت في الحديث اتزان- وجدت معاني الثلاثة موجودة في معلم العلم. أما الصدقة الجارية فإقراؤه إياه العلم وإفادته إياه -يعني إقراء العلم هذا صدقة جارية-. ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم في المصلي وحده: من يتصدق على هذا؟ النبي عليه الصلاة والسلام صلى الظهر مع صحابته، ثم جاء رجل متأخر بعد ذلك بعد أن انتهت الصلاة، فالنبي صلى الله عليه وسلم رأى متأخراً أراد أن يصلي بعده ويشقى لأصحابه: من يتصدق على هذا يصلي معه؟ حتى لا يفوته أجر الجماعة؛ أي بالصلاة معه ليحصل له فضيلة الجماعة.

قال: ومعلم العلم يحصل للطالب فضيلة العلم التي هي أفضل من صلاة جماعة. يعني إذا كان الإنسان صلى مع رجل صلاة جماعة حتى يكشف أجر الجماعة كانت صدقة -يعني أنا صليت صلاة الجماعة، تخرج المتأخر للمسجد فقمت معه مرة أخرى هاي صدقة تصدقت بها أنا على هذا الرجل-. العلم الشرعي الذي يعطيه المعلم لتلاميذه صدقة أعظم من هذه الصدقة بكثير، فهي من الصدقات الجارية. هكذا يريد أن يقول ابن جماعة.

قال: ومعلم العلم يحصل للطالب فضيلة العلم التي هي أفضل من صلاة في جماعة، وينال بها شرف الدنيا والآخرة. وأما العلم المنتفع به أو علم ينتفع، فهذا ظاهر من تعليمه للعلم النافع، قال: لأنه كان سبباً لإيصال ذلك العلم إلى كل من انتفع به. وأما الدعاء الصالح له من الولد الصالح، طالب العلم هو كالولد للشيخ، أليس كذلك؟ هو كالولد لشيخه، بل وأما الدعاء الصالح له، فالمعتاد المستقرأ على سنة أهل العلم والحديث قاطبة، من الدعاء لمشايخهم وائمتهم، وبعض أهل العلم يدعون لكل من يذكر عنه شيء من العلم، وربما يقرأ بعض الحديث بسنده فيدعو لجميع؛ أي لجميع رجال الإسناد.

فسبحان من اختص من شاء من عباده بما شاء من جزيل عطائه، هذه نعمة عظيمة. صدقوني أحبتي، أن طلب تعليم الناس العلم الشرعي والانكباب على هذا العلم والتدريس وإقامة المحافل له أمر عظيم جداً، تكفيك أيها المعلم أن الناس تدعو لك بالخير بالفلاح بالنجاح بالتوفيق، الناس تستغفر لك، يكفي كلما ذكرت في مجلس يقال عنك بعد أن يتوفاك الله سبحانه: كان الشيخ يرحمه الله، غفر الله له، أسأل الله أن يعلي درجته. هذا الدعاء لك بالمغفرة والرحمة والله خير من الدنيا وما فيها، والله خير من الدنيا وما فيها.

الآن أئمتنا الكبار أحمد والشافعي ومالك وأبو حنيفة، كلما ذكروا في مجلس وكلما ذكرناه ذكرناه في مصنف من المصنفات ماذا نقول؟ رحمهم الله. دائماً الثناء عليهم من مئات السنوات على ألسنة العلماء على هؤلاء الأئمة، وعلى من سبقهم من الصحابة ومن التابعين، والثناء الأكبر الأجل على سيدي آدم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأيها العالم، العلم الشرعي سبب في رفعتك في الدنيا وفي الآخرة، إياك أن تنصرف عن تعليم الناس الخير لأن العلم أصبحت بضاعة كاسدة اليوم، إياك. استمر في تعليم الناس الخير، حتى ولو طالب واحد كما قال.

قال لك ابن جماعة: يدعو لك ويذكرك بالخير ويعلم الناس من بعدك، والله يكفيك عند الله خير من الدنيا وما فيها، خير من الدنيا وما فيها. والله مجلس علم يجلس فيه الطلبة حولك تعلمهم وترشدهم فقهاً وعقيدة وأصولاً ونحواً ولغة ومنطقاً، تعلمهم أمور دينهم ودنياهم، وترشدهم إلى ما فيه الخير والصلاح، وتصنع عقولاً وأجيالاً نافعة لهذه الأمة؟ والله خير من الدنيا ومن أموالها وقصورها وملذاتها، فالكل ذاهب وزائل والحياة قصيرة، وفي.

أفضل واحد يصير ننتقل إلى الله سبحانه وتعالى ويبقى ما انتفعت به من تعليم الناس الخير.

الأدب الرابع عشر والأخير، وأختم به مجلس اليوم بإذن الله، أن يتواضع مع الطالب آه وكل مسترشد سائل، إذا قام بما يجب عليه من حقوق الله تعالى وحقوقه. يعني أي طالب وأي سائل أدى الحقوق التي تجب لله سبحانه وتعالى وأدى حقوق الشيخ، حق الله، حق الشيخ، فعلى الشيخ أن يتواضع له وأن يعامله بكل لين وطف. قالوا: ليخفض له جناحه ويلين له جانبه. قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا. وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله.

قال: وهذا لمطلق الناس، فكيف بمن له حق الصحبة وحرمة التردد عليه؟ وصدق التودد وشرف الطلب. يعني إذا كان الناس عموما عليك أن تواضع لهم أيها المعلم، فما بالك بطالب العلم الذي أعطاك حقك وعرف قدرك ولازمك ويتعلم على يديك ويكرمك ويكرمك بالخير؟ هذا أحق الناس أن تتواضع له. وفي حديث: الدين لمن؟ تعلمون ولمن تتعلمون منه وإن كان الحديث هذا باطل لا أصل له، لكن معناه صحيح. وعن فضيل بن عياض: من تواضع لله ورثه الله الحكمة.

قوله: ينبغي أن يخاطب كلا منهم، لا سيما الفاضل المتميز، بكنيته ونحوها من أحب الأسماء إليه وما فيه تعظيم له وتوقير. يعني كيف يخاطب المعلم طالبه؟ أنظروا إلى أين وصل علماؤنا في الحديث عن آداب الطلب وآداب التعليم، أن المعلم ينادي هذا الطالب بأحب الأسماء إليه: يا أبا محمد، يا أبا عيسى، يا أبا موسى، يا أبا قيس، يا أبا فلان. تناديهم بأسماء بكناهم، فحب الأسماء إليهم تودد، تواضع، احترام. ليست القضية هيمنة وفرض نفس وغطرسة، العلم رحم بين أهلها، والإنسان العالم عليه كلما ازداد علما أن يزداد تواضعا وحبا وألفة للناس، حتى يحبب الناس وطلبة العلم لهذا العلم. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكني أصحابه إكراما لهم.

وكذلك ينبغي أن يترحم بالطلبة إذا لقيهم، وعند إقبالهم عليه أن يرحب بهم، ويكرمه آه ويكرمهم إذا جلسوا إليه، ويؤنسهم بسؤال عن أحوالهم وأحوال من يتعلق بهم بعد رد سلامهم. آه وليعاملهم بطلاقة الوجه وظهور البشر وحسن المودة وإعلام المحبة، يعلمه أنه يحبهم: أيها التلاميذ إني أحبكم في الله. ما أجمل هذه العبارة حينما تخرج من الأستاذ ومن الشيخ لطلبته. وأضمار الشفقة: أن يضمر في قلبه الشفقة عليهم، لأن ذلك أشر لحصده لوجهه وأبسط لسؤاله، ويزيد في ذلك آه لمن يرجى فلاحه ويظهر صلاحه. يعني إذا كان طالب مميز يظهر له من الود والاحترام والترحيب، لكن ليس أمام زملائه كما قلنا إلا إذا كان في مصلحة. وإلا الأصل كما قال: بينك وبينه تظهر له المودة والاحترام: يا فلان، أنا أحسبك على خير، وأظن فيك الخير، وآمل أنك تكون غدا من علماء الأمة، اجتهد، إياك أن تفوت نفسك. العبارات الإيجابية هذه تصنع من بعض الطلبة علماء، تصنع منهم طاقة متفجرة في التعليم، في العمل، في السعي، في العطاء.

فالمعلم الناجح يحسن اختيار الأوقات المناسبة لتوجيه الرسائل المناسبة. روى أبو سعيد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الناس لكم تبع، وإن رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا. ومن هنا كان أبو سعيد الخدري كلما جاءه طالب علم يقول له: مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم. أنظروا العبارة الجميلة، أبو سعيد الخدري أي طالب علم يأتيه يريد أن يطلب على يديه، ماذا يقول له؟ مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جاء في أثر ابن ماجه رضي الله عن الإام ابن ماجه ورد في سننه قوله صلى الله عليه وسلم -هذا لم يذكره ابن جماعة هنا لكن أقوله لكم-: سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحبا مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم. كيف أبو سعيد الخدري التزم بأدب محمد صلى الله عليه وسلم بالترحيب بطلبة العلم؟

وكان البويطي من تلاميذ الشافعي رحمة الله عليه يبني القراء ويقربهم إلى طلب العلم، ويعرفهم فضل الشافعي وفضل كتبه، ويقول: كان الشافعي يأمر بذلك. يعني يأمر بالتودد لطلبة العلم ونعلمهم شرف العلم وأهمية العلم. وكان الشافعي يقول: اصبر للغرباء وغيرهم من التلاميذ. وقيل: كان أبو حنيفة أكرم الناس مجالسة وأشدهم إكراما لأصحابه. يعني أنظروا أئمة الهدى، أصحاب المذاهب المتبوعة، كانوا يعاملون طلبتهم على أعلى درجات التوقير والاحترام والتوقير. فنحن أحبتي ممن من أصحاب البضاعة المزجاة في العلم، علينا أن نكون متواضعين كما كان الأئمة الكرام. الشافعي على علمه وأبو حنيفة على جلالة قدره كان متواضعا متوددا متحببا. اليوم تجد طالب يقرأ كتابا أو كتابين لا تكاد تستطيع أن تسلم عليه وأن تجالسه، ويظن نفسه وصل إلى مراتب عليا. نحن أحق بالأدب والتواضع من أئمتنا ومن كبارنا.

والتواضع خلق رفيع سام متى تحلى به المعلم زرع الثقة بينه وبين الطالب، زرع التودد والمحبة بينه وبين طلبته. هذا هو الأدب الأخير الذي ذكره ابن جماعة رحمة الله عليه في أدب المعلم مع طلبته وحلقته. وفي المحاضرة القادمة بإذن الله نبدأ بباب جديد من أبواب هذا الكتاب المبارك، وهو آداب المتعلم.

هكذا انتهينا من الباب الأول في فضل العلم، وانتهينا من الباب الثاني في أدب العالم بأنواعها المتنوعة: أدب العالم مع نفسه ومع أه وفي مجلس العلم وفي حلقة العلم، ذكرناها بالتفصيل. وفي المحاضرة القادمة بإذن الله ننتقل إلى باب جديد في آداب طالب العلم. نسأل الله أن يرزقنا القوة والصحة والعافية، وأن يعيننا على الاستمرار في مدارسة العلم الشرعي، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.