تسجيل الدخول

تذكرة السامع والمتكلم (16)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا طالباً للعلم يرجو نفعه، اسمع نصيحة ناصح معواني. أخلص لربك في أمورك كلها، فالمخلصون هم أولو العرفان.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، أصلّي وأسلّم على نبينا وعلى قرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي في مجلس نعقده في شرح كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم للإامام ابن جماعة الكناني الشافعي عليه رحمة الله تعالى. وقد وصل بنا الحديث أحبتي إلى الباب الثالث من أبواب هذا الكتاب المبارك، وكنا قد أسلفنا بابين سابقين. الباب الأول كان يتكلم عن فضل العلم والعلماء والتعلم والتعليم، ثم الباب الثاني كان يتكلم عن أدب العالم بأنواعه‌: أدب العالم في نفسه، أدب العالم مع طلبته، أدب العالم في مجلس العلم وفي حلقته.

واليوم نذهب إلى الباب الثالث من أبواب هذا الكتاب والذي يتكلم عن أدب طالب العلم، والذي يتكلم عن ماذا؟ عن أدب طالب العلم. وهذا هو الموضوع الأهم والأبرز الذي يعنيكم أحبتي الطلبة، موضوع أدب طلب العلم.

وسيتكلم أيضاً عنه بشمولية كعادته ابن جماعة رحمة الله عليه؛ سيتكلم عن أدب طالب العلم مع نفسه وفي علاقته مع ربه سبحانه وتعالى، ثم سينتقل للكلام عن أدب طالب العلم مع شيوخه وأساتذته، ثم يختم بالكلام عن أدب طالب العلم في حلقة علمي ومع زملائه وأصدقائه. وهذا من الأمور المهمة جداً في بداية الطلب أن يتعلم الطالب آداب العلم وكيف يطلب العلم.

وهذا للأسف غاب عن الدراسات الأكاديمية المعاصرة إلا ما رحم ربي. جل الدراسات الأكاديمية المعاصرة التي تدرس العلوم الشرعية للأسف عزفت عن تدريس وعن تعليم الطلبة مثل هذه الآداب في بداية طريقهم وبداية سلوكهم لمنهج الطلب، مع أن هذه هي المنطلق وهي البداية. بل ربما دراسة مثل هذه الأمور وتعلمها هي التي ستحدد: هل هذا الطالب سيكتب له النجاح والقبول في مسيرته العلمية والشرعية، أم أن هذا الطالب سيعزف أو تفتر همته، أو لن يكون له قبول بين الناس في الباب الدعوي وفي الباب العلمي؟

لذلك أرى أن إعادة مثل هذه المناهج ومثل هذه الدراسات ومثل هذه المحاضرات إلى المحاضر الجامعية وللدراسات الأكاديمية من أهم الأمور التي ينبغي أن يلتفت إليها المدرسون والذين يضعون المناهج، إذا كان لهم نية صالحة في إعادة النظر في مناهج التدريس للعلوم الشرعية في جامعات وفي محاضر التعليم، وإذا كان هناك فعلاً همة عالية لصناعة جيل جديد من طلبة العلم، جيل مميز يمتاز بالخلق والأدب والسلوك، ويعرف كيف يطلب العلم ومن أين يبدأ ومن أين ينتهي، ويحسن مهارات العلم ويحسن تجاوز العوائق والتعامل مع إلى آخر الأمور التي ستمر معنا بإذن الله في محاضرة اليوم وما بعدها.

فهذا التنبيه قبل أن ندخل في هذا الباب، آداب المتعلم، تنبيه على الأهمية الخطيرة جداً لهذا الفصل ولهذا الباب في حياة طالب العلم، وهو الذي سيرسم كما قلنا معالم سيره في حياته، وهو الذي سيرسم ويحدد لنا معالم السير في هذه الحياة ونستفيد خبرات وتجارب ومهارات كثيرة إليها ابن جماعة عليه رحمة الله تعالى.

ولنبدأ بهذه الرحلة مع الإمام الكبير: يقول ابن جماعة في الباب الثالث في أدب المتعلم: وفيه ثلاثة فصول؛ الفصل الأول في آدابه في نفسه. سنبدأ في الفصل الأول من هذا الباب؛ الفصل الأول يتكلم عن أدب طالب العلم مع نفسه.

وأدب طالب العلم مع نفسه يقتحم فيه ابن جماعة موضوع أدب طالب العلم في علاقته مع الله تعالى وكيف يزكي هذه النفس وكيف يديرها. وأنا أقول والله تعالى أعلم: إن محط الرحى في رحلة الطالب في العلوم الشرعية ينبني على هذا الفصل الأول؛ كيف يحكم الطالب التعامل مع هذه النفس؟ كيف يحكم ويحسن إدارة النفس؟ يكبح جماح الشهوات، يححسن ترتيب الأوقات، يحسن التعامل مع علائقه المتعددة، يحسن تجاوز العوائق المتنوعة؟

مدار حياة طالب العلم يقوم على هذا الفصل؛ أدب طالب العلم في نفسه، كيف يتعامل مع هذه النفس؟ لماذا؟ لان هذه النفس أحبتي عندها جموح ولا ترغب لك الفلاح. النفس الأمارة بالسوء لا ترغب لك الفلاح، تريد الشهوات، تريد أن تستروح في هذه الحياة الدنيا. وأنت حينما تفطمها بالعلم وبالقراءة وبالمطالعة أنت تتعامل معها في غير مرادها وفي غير شهوتها. فعملية فطام هذه النفس وتوطينها على التعلم وعلى المدارسة وعلى الحفظ وعلى المراجعة وعلى القراءة وعلى المجالس الطويلة في مجالس العلماء وحلقات العلم وفي متابعة الدورات الشرعية، هذا أمر يحتاج إلى مجاهدة وإلى مدافعة وإلى استمرار وهناك تعب.

وهناك ماذا؟ هناك تعب في مداواة هذه النفس وكبح جماحها. الأمر لا ينال براحة الجسد، الأمر ليس طريقاً مفروشاً بالورود، متى أردت أن تحفظ تحفظ تطاوعك هذه النفس؟ متى أردت أن تقرأ وتحضر دورة تجد هذه النفس تطاوعك؟ كلا! أنظر في نفسك: أي مجلس علم تريد أن تحضره؟ أي دورة تريد أن تشارك بها؟ أنظر كيف بعد الدرس الثاني والثالث تبدأ هذه النفس تتململ؟ تبعدك عن هذه المجالس. أنظر وشرعت في حفظ متن من المتون: كيف هذه النفس تتململ؟ لا تريد المراجعة والتعب والتحصيل، تريد أن تستروح وتلهو وتجلس مع الناس وتلبي بالشهوات بأنواعها، تمام؟

فإذاً علينا أحبتي أن ندرك أهمية هذا الفصل الأول ومحوريته في حياة طالب العلم، أن يدير طالب العلم نفسه بإدارة جيدة وأن يحكمها وأن يعرف مداخلها ومخارجها وكيف يسوسها في حياته. والله سبحانه وتعالى أولاً وآخراً هو الموفق، فعليك يا طالب العلم أن تطرق بابه سبحانه وتعالى، وأن تسأله أن يعينك على كبح جماح هذه النفس وعلى حسن إدارتها وتوجيهها؛ لأن الله سبحانه وتعالى فإما أن يختار هذه النفس لتزكو وإما ألا يكتب لها ذلك. فعليك أولاً وآخراً أن تلتجئ بابه وأن تريخ ركائبك باب الخضوع والدعاء لله سبحانه وتعالى، والله عز وجل هو المرجو وهو المأمون أن ينيلك المراد بإذنه.

يقول ابن جماعة عليه رحمة الله: الفصل الأول في آدابه في نفسه؛ قال: وهو عشرة أنواع. سيتكلم رحمة الله تعالى عليه على عشرة مواضيع تتعلق في أدب طالب العلم مع نفسه، عشرة مواضيع هي التي سيدور عنها أو حول الحديث ابتداءً.

نبدأ في الموضوع الأول؛ قال: الأول أن نطهر اسمعوا الكلام العالي النفيس من ابن جماعة رحمة الله عليه، وانظروا كيف كان السلف عليهم رحمة الله يطلبون العلم، وانظروا اليوم كيف بالعين نحن حتى تعرفوا الفرق بين علم السلف وعلم الخلف.

قال عليه رحمة الله: الأول أن يطهر قلبه من كل غش ودنس وغل وحسد وسوء عقيدة وخلق، ليصلح بذلك لقبول العلم وحفظه والاطلاع على دقائق معانيه وحقائق غوامضه. فإن العلم كما قال بعضهم: صلاة السر وعبادة القلب وقربة الباطن. وكما لا تصح الصلاة التي هي عبادة الجوارح الظاهرة إلا بطهارة الظاهر من الحدث والخبث، فكذلك لا يصلح العلم الذي هو عبادة القلب إلا بطهارته عن خبيث الصفات وحدث مساوئ الأخلاق ورديئها.

ابن جماعة رحمة الله عليه أحبتي بدأ في الحقيقة بموضوع مهم. لاحظوا أنه لم يبدأ بموضوع إخلاص النية لله سبحانه وتعالى في رحلتك العلمية، بدأ بشيء قبل إخلاص النية وهو ماذا؟ هو تهيئة القلب وإصلاحه من أجل أن يكون مستعداً لقبول العلوم. هذه أول خطوة في حياتك يا طالب العلم أن تهيئ هذا القلب وأن تصلحه وأن تعده ليقبل هذا النور وهذا الإشعاع.

أنت الآن تريد أن تضع في هذا القلب الوحي الإلهي، تريد أن تضع فيه شريعة رب العالمين، شريعة الإله سبحانه وتعالى. هذه الشريعة النقية الطاهرة لا تقبل الجلوس والاستواء في مكان متسخ، في مكان لا يتسع لها، في مكان فيه مزاحمة؛ لا تدخل إلا على قلب نقي طاهر كما قال من الخبث والدنس. فالخطوة الأولى في حياتك يا طالب العلم أن تصلح هذا القلب.

وأن تنظر فيه: ما فيه من الأوساخ؟ ما فيه من المعاصي والذنوب؟ ما فيه من البعد عن الله سبحانه وتعالى؟ تطهر، كيف أطهر؟ بالتوبة، بالإقبال على الله سبحانه وتعالى من جديد، بفتح صفحة جديدة مع خالقك ومولاك.

بالاستغفار، بالتضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا القلب فسيحاً متسعاً لهذا النور الإلهي ولهذا الفيض الروحاني أن يفيض عليك. هذه العلوم الشرعية هي فيض إلهي رحماني يدخله في قلبك يا طالب العلم، فلا يدخل إلا على قلب طاهر، طاهر من ماذا؟ قال: من الغش والدنس والغل والحسد على إخوانه، ومن سوء الاعتقاد والبدع، ومن الخلق الرديء. إذا طهرت القلب من جميع هذه الرزايا وهذه الأخلاق الذميمة، أصبح القلب طاهراً نقياً، فصلح أن ينسكب فيه ماء العلم، وأن تسيل فيه أنهار المعرفة.

الآن أصبح هذا القلب مستعداً، قبل ذلك لا يمكن لا يمكن أن تأتي للعلوم الشرعية وتضعها في هذا القلب حفظاً ومراجعة وتلقيناً، وأنت تعاني من كل هذه الأمراض ومن كل هذه الأدواء.

أحبتي في حياتنا العلمية، تعاملنا مع كثير من طلبة العلم، وجدنا مشاكلهم يعني يشكون من أنهم لا يقطعون في العلوم الشرعية ولا ينجزون، وسرعان ما يأتيهم الفتور، وعندما ننظر في حالهم وفي أخلاقهم وفي سلوكياتهم في هذه الحياة، نعلم لماذا حرموا العلم! تجد عندهم مشاكل كبيرة في الأخلاق، سواء في علاقتهم الأسرية أو مع أصدقائهم أو مع المجتمع الذي يحيون به، تجد عندهم سوء خلق، في غل أو حسد أو سوء معشر، تجد عندهم بعداً عن الله سبحانه وتعالى وإسرافاً بالذنوب والمعاصي، ويظن أن ذلك كله لا يحول بين بين العلم، ويظن أن العلم يدخل قلبه في وقت ما يشاء كما يشاء! وهذا في الحقيقة جهل بطبيعة هذا العلم المعدني. هذا العلم أحبتي لا يقبل، لا يقبل القلوب السيئة، ولا يقبل القلوب القذرة. هذا العلم محله قلوب روحانية سامية ارتقت في علاقتها مع الله سبحانه وتعالى عبادة وذكراً وإقبالاً، ارتقت وسمت في علاقتها مع الناس في معاشرها وأخلاقها وفي طيب لسانها وفي حسن حديثها، كل الأخلاق التي يمكن أن تأتي على ذهنك تجدها تحاول وتسعى أن تكتسبها، كل الأخلاق الصفات الحميدة فيها سعي واكتساب إليها. أما أن تكوني طالبة، أن تظن أن هذا العلم سيأتيك وسينعقد في قلبك وأنت بعيد عن علاقتك مع الله سبحانه وتعالى، وأنت بعيد عن الأخلاق السامية الرفيعة، فاعلم أنك أخطأت الطريق، واعلم أنك لم تعرف الباب الذي عليك أن تطرقه ابتداء.

لذلك ابن جماعة رحمة الله عليه كان واضحاً جداً، يقول: قبل أن تفكر في حفظ المصنفات وتحقيق المسائل والغوامض، قبل أن تفكر في المراجعة والتحقيق والجلوس في مجالس العلماء ومزاحمة الناس، فكر في هذه النفس كيف تطهرها؟ كيف تسمو بها؟ فكر في هذا الذهن كيف تحكم خواطره وشوارده؟ فكر كيف تزكو وتنمو في علاقتك مع الله سبحانه وتعالى.

حينما تحكم هذه الأمور وحينما يصبح هذا القلب مهيئاً، بعد ذلك نعم اسأل عن حفظ المتون والمصنفات، مدارسة العلماء ومزاحمة طلبة العلم في المجالس، نعم في تلك اللحظات تبدأ السؤال. أما وهذا القلب رديء بعيد عن ربه سبحانه وتعالى، مزحوم بحب الدنيا والشهوات، فاعلم أن هذا القلب لن يساعدك، لن يساعدك في مسيرك إلى الله سبحانه وتعالى، ولن يساعدك في هذه الرحلة المستدامة.

واعلم يا طالب العلم أن تهيئة القلب واصلاحه ليس عملية مرحلية فقط ثم بعدها تنتقل للعلوم وانتهى الأمر، كلا، عملية إصلاح القلب هي عملية مستدامة في جميع مراحل الحياة، عملية مستدامة قبل الطلب وفي أثناء الطلب وإلى أن تلقى الله سبحانه وتعالى، لا تظن في لحظة واحدة أنك تستطيع الاستغناء عن اصلاح هذا القلب وعن مراعاة خواطره وشوارده وعن مراقبته؛ لأنه في لحظة واحدة يمكن أن ينقلب عليك، وما سمي القلب قلباً إلا لتقلبه، لذلك سمي قلباً، والنبي صلى الله عليه وسلم كان دائماً يعلم أصحابه أن يقولوا: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. وكان كثيراً ما يدعو بهذا الدعاء.

فعملياً تهيئة القلب واصلاحه ومراقبته ليست عملية مرحلية، تهيئ القلب ثم بعد ذلك تدخل العلوم الشرعية ولا تعود بعد ذلك تلتفت إلى هذا القلب، كلا، بل هي عملية كما قلنا مستدامة في حياة طالب العلم إلى أن يلقى الله عز وجل.

فإذاً أحبتي باختصار، ليس كل قلب يصلح لحمل العلم، ليس كل قلب يصلح لحمل العلم ولشرف الرسالة، وكما قال ابن القيم رحمة الله تعالى عليه في مفتاح دار السعادة: الله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته أصلاً فرعاً. الله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته أصلاً بالنبوة، فرعاً في ميراث النبوة وهم العلماء. الله عز وجل يعلم القلب الذي يصلح لحمل هذه الشريعة حملاً حقيقياً يكون قدوة تقتدي بها الناس، ويعلم القلوب المهترئة الرديئة التي لا تصلح أن تكون محلاً للنور هذا الفيض الإلهي.

إذاً ليس كل قلب يصلح لحمل الشريعة، ليس الذي يحمل الشريعة هو الذي يدخل الجامعات ويحمل الكتب ويأخذ ويترقى في الحياة الدنيا في التخصصات، ليس هذا هو المعيار، ليس هذا هو المعيار، ليس المعيار أن تكون عالماً ربانياً، أن تكون في الماجستير أو في الدكتوراه أو أستاذ دكتور أو أستاذ مشارك أو يشار إليك بالبنان، ليس معيار أنك عالم رباني أن تخرج في شاشات التلفاز أو على اليوتيوب وتتكلم أمام الناس، بل معيار ذلك شيء وقر في القلب من صلاحه، من علاقته مع ربه سبحانه وتعالى، من ترقيته ومتابعته.

حينما يرى الله سبحانه وتعالى صلاح هذا القلب واستعداده لطلب العلوم، يفيض عليه سبحانه وتعالى من الفيض الإلهي، فتجد هذا القلب مقبل على الله سبحانه وتعالى وتجده مقبلاً على العلوم الشرعية يلتهمها بعشق ونهم وحب، تجد الغوامض تنفك والحقائق تظهر وتجد بصيرة في كلام هذا العالم الرباني. فمعيار القبول عند الله سبحانه وتعالى ومعيار العالم الرباني الصحيح وطالب العلم الذي يسير على هذا الدرب هو أن يكون صالح القلب، لا يشترط أن يأتي بدرجة في البكالوريا أو في التوجيهي الثانوية العامة عالية، ليس هذا المعيار، المعيار صلاح القلب، المعيار مراقبة هذا القلب، متابعة الخطرات والشوارد، إحكام هذه النفس، السيطرة على هواها وعلى مرادها.

نعود لنقرأ كلام ابن جماعة مرة أخرى ونتأمل فيه، قال ابن جماعة: الأول أن يطهر قلبه من كل غش ودنس وغل وحسد وسوء عقيدة وخلق. إذاً عملية التطهير والتنظيف قال: ليصلح بذلك لقبول العلم وحفظه. إذاً قبول العلم وحفظه في هذا القلب يتوقف على عملية تطهير شامل من البدع من الأخلاق الرديئة من الذنوب والمعاصي. قال: ليصلح بذلك لقبول العلم وحفظه والاطلاع على دقائق معانيه وحقائق ضوابطه.

إذاً كل هذه المهارات العلمية هل تريد الوصول إليها؟ هل تريد أن تحققها وأن تكون طالب علم متميز؟ انظر ابتداء في قلبك. صدقوني أحبتي ما حرم الإنسان من العلم إلا بمعصية، وما حرم الهمة إلا بذنب أذنبه لأنه هتك الستر بينه وبين خالقه سبحانه، وما رزق همة وتوفيقاً وتسديداً إلا بتوبة وعودة إلى الله سبحانه وتعالى. ما حرمت العلم وما كسرت همتك إلا بذنب أحدثته، ولن تعود هذه الهمة إليك، ولن يعود انشراح الصدر وإقبال النفس على العلم مرة أخرى إلا بتوبة تحدثها لخالقك سبحانه وتعالى. جرب ذلك من نفسك وستراه يقيناً واقعاً.

قال: فإن العلم كما قال بعضهم صلاة السر، يشبهون طلب العلم والعلم الشرعي بأنه صلاة السر، أي صلاة الباطل. والصلاة التي نفعلها يومياً هي صلاة الظاهر، وكما أن صلاة الظاهر تحتاج إلى أن تطهر جوارحك من الحدث ومن النجس، فكذلك صلاة السر صلاة الباطن وهو العلم الشرعي يحتاج أن تطهر هذا القلب من الحدث ومن النجس.

طيب، ما هو النجس الذي يكون في القلب؟ قال: خبيث الصفات. فكذلك انظروا ماذا قال: لا يصح العلم الذي هو عبادة القلب إلا بطهارته عن خبيث الصفات. النجاسة التي على القلب هي الصفات الرديئة.

والأخلاق الذميمة. هذه نجس، قال: وحدث مساوئ الأخلاق أيضاً جعل الحدث الذي يكون في القلب هو مساوئ الأخلاق ورديئها. تقريباً هناك يعني شبه اشتراك أو شبه التقاء بينهما: أن الخبث القلبي وحدث القلب الذي عليك أن تطهره حتى تصحح القلب بطلب العلم، هو أن تخلص هذا القلب من الأخلاق والصفات والبدع والذنوب والمعاصي التي لا ترضي الله سبحانه وتعالى. هذا ملخص كلام ابن جماعة عليه رحمة الله في هذه الصور.

ثم قال بعد ذلك: وإذا طيب القلب للعلم ظهرت بركته ونما، كالأرض إذا طيبت للزرع لما زرعها وزكى. وفي الحديث: إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب. يقول ابن جماعة: يا طيب القلب وطهر من الأنجاس ومن الأحداث، أي من الأخلاق والبدع، من الأخلاق الرديئة والبدع والذنوب والمعاصي، إذا هذا القلب ظهرت بركة العلم فيه. ظهرت ماذا؟ بركة العلم فيه.

وهذه العبارة أريد أن أقف عندها قليلاً. لماذا كان أحبتي بعض الطلبة يقول: يا شيخ نحن نرى بعض علماء السوء عندهم علم، يتكلمون في الفقه وفي أصول الفقه، ويتكلمون في المنطق وفي العربية وفي علوم كثيرة من علوم الشريعة، ومع ذلك نراهم علماء سوء، يبيعون دينهم وعلمهم بعرض من الدنيا بخس، ويقفون مع الظلمة ويؤيدونهم ويصفقون لهم، فكيف حصل هؤلاء على العلم؟

أحبتي، العلم الذي نتكلم عنه ونقول إنه يحتاج إلى طهارة قلب، هو العلم الذي يورث صاحبه عملاً. العلم الممدوح الذي نطمح أن نصل إليه هو العلم الذي يورث صاحبه عملاً. وهذه الفكرة بينتها في بداية شرحي لهذا الكتاب، أن العلم الذي مدح في القرآن الكريم وعلى السنة الصحابة والتابعين هو العلم الذي يورث صاحبه العمل والتقوى، العلم الذي تظهر بركته على صاحبه وفي المجتمع.

هذا النوع من العلم هو الذي يحتاج إلى صلاح القلب، وإلى طهارة الفؤاد، وإلى التنقية وإلى التنظيف. أما العلم بمعنى فقط حفظ المعلومات من دون عمل بها، ومن دون ظهور بركتها وأثرها على الإنسان في شخصه وعلى مجتمعه، فهذا قد يحصل لعلماء السوء. لذلك علماء السوء هم نموذج لطالب العلم الذي أنكب على العلم من دون أن يطهر قلبه وينظفه من البدع ومن الذنوب والمعاصي ومن الأخلاق الرديئة ومن الغل والحسد، فحينما طلبوا العلم، طلبوها بقلب مشوه، فدخل العلم مشوهاً.

لم يدخل العلم بكليته، لم يدخل ذلك الفيض والنور الإلهي بكليته، دخله شيء من المعلومات، شيء من الدقائق، شيء من الأفكار، لكنها دخلت على قلب ثان، قلبي المشوه مشوش بعيد عن خالقه، فحينما ائتلفت وامتزجت به، أخرجت لنا عالم السوء الذي يبيع دينه بعرض من الدنيا بخس. نعم، قد يحسن طرح المعلومة، وقد يحسن ترتيب الفكرة، لكنه لا يحسن العمل بها، ولا تظهر بركته لا عليه ولا على طلبته، ويختم له بخاتمة السوء والعياذ بالله.

فلذلك إياكم أن تقولوا: لماذا هناك علماء سوء وعندهم علم، أليس شرط العلم كما قلت يا شيخ طهارة القلب؟ هؤلاء قلوبهم صدئة مهترئة قذرة، إذاً كيف نالوا العلم؟ اعلم حتى لا تخدع، أن هذا الذي لديهم ليس العلم الإلهي، ليس العلم الروحاني الرباني الذي نتكلم عنه ونطمح للوصول إليه. العلم الذي لديهم هو حفظ المعلومات، هو ادراك بعض القضايا. أما العلم الذي ينفع عند الله سبحانه، ويقود الأمم، ويؤدي إلى إصلاحها، وإلى نهضة في الحضارة، وإلى قيادة هذه الأمة إلى طريق الفلاح والنجاح، لا يمكن أن ينال بقلب الصديق المهترئ.

فحتى نفرق بين عالم السوء وبين العالم الرباني، كان لزاما علينا أن نقف عند هذه الفكرة. فيقول ابن جماعة: هذا القلب كالأرض، الأرض إذا حرصتها جيدا، إذا وضعت فيها البذر بشكل جيد، إذا أوردت إليها الموارد الجيدة، ماذا يحصل؟ تنمو وتخرج زرعها وهيجا وأشجارها. كذلك هذا القلب، إذا راقبته وإذا حصدته وإذا بذرته وإذا تابعته وراقبته، بإذن الله يؤتيه دارا طيبة لك في الدنيا وفي الآخرة. وفي الحديث المشهور: إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب.

قال سهل التستري عليه رحمة الله: حرام، انظروا هذه العبارة من هذا الإمام العارف، حرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما يكرهه الله عز وجل. وأعيد العبارة، قال الإمام العارف سهل التستري عليه رحمة الله: حرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما يكرهه الله سبحانه وتعالى. ما معنى هذا الكلام؟ عبارة احفظوها: القلب لا يدخله النور والفيض الإلهي، هذه خلاصة الكلام، القلب لا يدخله النور والفيض الإلهي والمعارف الإلهية، ولا تحل فيه ولا تمتزج به إلا إذا كان نقيا طاهرا بعيدا عن المكاره التي يكرهها الرب سبحانه وتعالى.

هذا القلب متى كان مليئا بما يغضب الله عز وجل من الخطرات والشهوات والبدع والذنوب والمعاصي والتعلق بالدنيا والاقبال عليها، حرام عليه أن يذوق ذاك النور الإلهي، وهذا كلام العارفين بالله. حتى تفهموا أن تلك العلوم التي يمتلكها ارباب الدنيا من علماء السوء ليست علوم الهية، ليست نورا الهيا، وإنما هي مجرد تحصيل، كما أن الغرب تجد عنده معارف في الكيمياء والفيزياء وعلوم الحياة الدنيا، هؤلاء حصلوا شيئا من علوم الأصول والفقه وحفظ المعلومات، لكنها ليست نورا الهيا يثمر في حياته وفي حياة أمته.

لا يمكن لهذا العالم، عالم السوء، أن يقود الناس، بل إمامة الناس في هذه الحياة وقيادة هذه الأمة إنما تكون لقلب اجتنب مكاره الرب سبحانه، لقلب أقبل على الله عز وجل باخبات وانكسار وخضوع وتذلل وتحبب وتودد لخالقه ومولاه، فنظر الله عز وجل إليه، فعلم أن هذا القلب يصلح الآن لأن يثير عليه من نوره ومن معارفه، فيفتح الله سبحانه وتعالى عليه ويفيض عليه من علمه، فتجد صاحبه منشرحا هادئا متزنا يعرف متى يتحدث ومتى يسكت، ومتى يخدم ومتى يجمع، ومتى وماذا يفعل، وكيف يفتي، وكيف يقود الناس معهم في حياتهم، وكيف يقودهم إلى بر الأمان؟ نعم هذه الحكمة الإلهية إنما تأتي في قلب أقبل على الله، واما القلب الذي هو مليء بما يكرهه الله، فحرام عليه أن يذوق طعم هذا النور، كما ذكر الإمام العارف سهل التستري عليه رحمة الله.

حتى لا نطيل، ننتقل أحبتي إلى الأدب الثاني أو الموضوع الثاني من أدب طالب العلم في نفسه. قال الثاني: بعد أن طهرت القلب ونقيته وأصبحت تربته مستعدة لقبول هذا العلم وبذله فيه، قال: حسن النية في العلم. الآن تبدأ عملية الإخلاص، القلب الآن مهيا مستعد لقبول النور والفيض الإلهي المعرفي. هنا تبدأ عملية الإخلاص لله سبحانه وتعالى، تروي في قلبك وتستحضر أن هذا الطريق الذي اريد أن أسلكه ليس لشهادة دنيوية، وليس لمنصب من مناصب الحياة الدنيا، ليس ليشار إلي بالبنان، ليس ليصارع الخلان، ليس لأن يجتمع الناس حولي، وإنما اريد به وجه الرب سبحانه وتعالى.

أريد أن يرضى الله عز وجل عني، أريد أن ألقى ربي سبحانه وتعالى فيقول لي: فلان ابن فلان لماذا طلبت العلم؟ فأقول: يا رب من أجلك، فيقال لي: صدقت، لا اريد أن يقال لي: كذبت، فتأتي الملائكة لتسحبني من قدمي وتلقي بي في نار جهنم، لا اريد ذلك. صدقوني أحبتي، لا شيء في هذه الحياة الدنيا يستحق أن تجازف بعلمك، الناس الذين تطمح نفسك إليهم وإلى وصالهم وترغب في أن تجمعهم وأن تحلقهم حولك في المجالس وأن يثنوا عليك وأن يشيروا إليك، هؤلاء الناس قلوبهم بيد من؟ بيد الله سبحانه وتعالى.

اليوم إذا كانوا معك غدا سيكونون عليك، في اللحظة التي تحتاج فيها إليهم سيذهبون عنك، إياك يا طالب العلم أن تجازف برحلة الحياة، رحلة طلب العلم هي رحلة حياة، إياك أن تجازف بها وأن تهديها لناس لا يستحقونها، إياك أن تهديها للخلق بل للخالق سبحانه وتعالى. اجعل نفسك وقفا لخالقك ومولاك، اجعل هذه الحياة العلمية التي رغبت في خوضها وأن تحيا من أجلها، اجعلها وقفا لله سبحانه وتعالى.

أقول: يا رب، هذه الحياة، وهذا التعب، وهذا النصر، وسهر الليالي، وتعب الأقدام، والحفظ والمراجعة، والانعزال عن الخلان من أجل التحصيل والتدقيق، يا رب أسألك أن يكون هذا أدخره لك حين ألقاك. أسألك أن يكون في صحيفتي، ولا أريد به شيئاً من الناس.

أسألك يا رب ألا تجعل همي في هذه الحياة الدنيا أن يثني الناس عليَّ أو أن يُشار إليَّ بالبنان. أسألك يا رب أن يكون هدفي ومقصدي أن أنصر دينك، أن أُعلي رايتك، وأن يُجمع الناس على الخير، وأن أهديهم إلى سبيل الرشاد وإلى منهج أهل السنة والجماعة، حتى ولو لم يُنسب إليَّ شيء من ذلك.

قالت: نعم، الإمام الشافعي رحمة الله عليه يقول: أتمنى لو أن علمي انتشر في هذه الأرض ولم يُنسب إليَّ منه حرف. أما عالية جداً في علاقته مع الله سبحانه وتعالى. إذاً، يقول ابن جماعة: حسن النية في طلب العلم بأن يقصد به وجه الله عز وجل، العمل به، وإحياء الشريعة، وتنوير قلبه، وتحلية باطنه، والقرب من الله سبحانه وتعالى يوم لقائه، والتعرف لما أعد لأهله من رضوانه وعظيم فضله.

إذاً، كل هذه النيات ينبغي أن تكون مستحضرة؛ أن ينوي أن يقصد به وجه الله، وأن يقصد بطلبه للعلم العمل به. أنت لا تطلب العلم من أجل أن تتكاثر منه، بل تطلبه من أجل أن تعمل به. قال: وإحياء الشريعة؛ تنوي إحياء الشريعة ورفع معالمها المندرسة، وتنوير قلبه بمعارف الله سبحانه، وتحلية باطنه وتجميله بالعلم، والقرب من الله سبحانه وتعالى يوم لقائه في جنات النعيم، والتعرض لما أعد لأهله من رضوانه وعظيم فضله من الدرجات العالية، يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ.

موضوع النية أحبتي في الحقيقة موضوع خطير، وأجده اليوم غائباً عنا وعن كثير من طلبة العلم. الطلبة الآن يقتحمون المجالس العلمية، ويقتحمون الطريق في طلب العلم من دون أن يكون لهم متابعة حثيثة بموضوع النية، مع أن السلف رحمة الله عليهم كان أكبر موضوع يشغلهم في طلب العلم موضوع النية.

سفيان الثوري قال: سفيان الثوري انظروا ماذا قال من جماعة؟ ما عالجت شيئاً أشد عليَّ من نيتي. تصوروا الإمام الكبير الإمام سفيان الثوري، إمام من أئمة الحديث، ممن يُشار إليه بالبنان، ماذا يقول؟ يقول: ما عالجت شيئاً أشد عليَّ من نيتي. يعني أكبر موضوع اتعبني في حياتي العلمية ما هو يا امام؟ قال: نيتي، كيف أجعلها خالصة لله سبحانه؟

وطالب العلم اليوم تمر عليه السنة والسنتين والثلاث والاربع والخمس، تمر السنوات على طالب العلم أحبتي ولا يلتفت إلى نيته، ولا يمكن أن يشكك في نيته، وأن ينظر لعل هذه النية عدلت أو اصبحت تريد الدنيا، كلا، يبرئ نفسه من الرياء، يبرئ نفسه من النفاق، لا يخشى على نفسه أن يكون أصاب شيئاً من ذلك.

إذا كلمته في موضوع الإخلاص كان الأمر عنده انتهى، ويقول: يا شيخ، إيش تكلمنا في الإخلاص؟ هذا موضوع مفروغ منه، إنني مخلص. وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب كان يخشى على نفسه النفاق. شيء عجيب أحبتي اليوم في طلبة العلم، شيء عجيب، أنك تجد طالب العلم يتعامل مع موضوع النية والإخلاص لله سبحانه كأنه موضوع منتهٍ تماماً، موضوع لا يمكن أن يتسرب إليه شك في نيته، أو أن هذه النية ربما عارضها شيء من متاع الحياة الدنيا، لربما اصبحت تريد لعاعة من لعاعات الثناء أو بالمدح أو ما شابه ذلك.

لا تشكك في ذلك! وهذا من غريب طلبة العلم في هذا الزمان، حينما نقرأ في سيرة السلف كيف كانوا يخشون الظهور وأن يُشار إليهم ويسعون لإخفاء أنفسهم، واليوم الطلبة يتزاحمون على إبراز أنفسهم وعلى الصراع في مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى أن يُشار إليهم وأن يتلقبوا بالألقاب، وأن تجد مسطرة في المصنفات وعلى بداية الكتب: تحقيق فلان، وتنقيق فلان، ومراجعة فلان. هذا التدافع، هذا التتابع، هذا ليس أمارة... هذه العبارة مخيفة، أمارة مخيفة أننا أصبحنا نتاجر بدين الله سبحانه، نتاجر بالعلم الشرعي ولا نقصد به وجه الله سبحانه وتعالى.

انظروا، إذا كان سفيان الثوري يقول: ما عالجت شيئاً أشد عليَّ من نيتي، فماذا أقول أنا وماذا تقول أنت؟ متى آخر مرة أخي الكريم وقفت مع نفسك وقفة حق، وجلست تعاتبها على حبها للظهور، وحبها لثناء الناس، وحبها لأن يوقرها الناس؟ هل جلست مع نفسك جلسة مصارحة وتكلمت مع هذه النفس: لماذا غضبتِ أيتها النفس حينما رفع فلان عليك صوته؟ لماذا غضبتِ أيتها النفس حينما اخذ فلان تلك الوظيفة ولم تأخذي؟ لماذا غضبتِ أيتها النفس حينما مدح فلان وأثنى عليه الناس ولم تمدحي؟ لماذا غضبتِ؟ لماذا شعرتِ بالضيق؟

نعم، هناك مشكلة فيك أيتها النفس أنك لست خالصة لربي، لست متوجهة بحق إلى الله سبحانه وتعالى، بل ما زلتِ تدافعيني إلى هذه الدنيا وتؤزيني إليها أزاً. متابعة النفس أحبتي مفصل أساسي في إخراج العالم الرباني، مفصل أساسي في إخراج العالم الرباني الذي نطمح إليه. لا يمكن أن ننشئ علماء وطلبة علم ربانيين إلا إذا راقبنا النيات وعالجناها وتابعناها، وهذه أيضاً ليست مرحلة مرحلية أو فترة مرحلية وتنتتهي؛ معالجة النية هذه قبل الطلب، وفي أثناء الطلب، وحينما إلى أن تلقى الله سبحانه وتعالى.

أمر متعب جداً، هو الأمر الأخطَر. من استطاع أن يكبح هذه النفس وأن يسيطر على موضوع النية، فهذا سيساعده كثيراً في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى، سيساعد في الحفاظ على همته مرتفعة، لأن في هذه الحياة أحبتي يا طلبة العلم ستمر بكم وضائق ومآزق، ستكون الحياة فيها شيء من الصعوبات، سترتحلون، ستغتربون، ستبتلون، تتعرضون لكثير من المضائق والاتعاب والهموم والأحزان.

الذي يعينكم على الاستمرار في رحلة طلب العلم مع وجود كل هذه المحن هو أن تكون نيتكم لله سبحانه، هنا الله سبحانه وتعالى يرسل مدده إليكم لتنهض هذه الهمم في خضم البلاء. وأما من كانت نيته الدنيا وما فيها، فهذا سرعان ما ينقطع أحبتي عند أول عقبة يتعرض لها، لأن هذا القلب لا يوجد عنده عنصر الصبر والاصرار على طلب العلم، لماذا؟ لأنه طلب العلم لعاعة الحياة الدنيا، فحينما شعر أن هذه اللعاعة لن يجدها وأنه سيفقدها، ما عاد عنده دافع لطلب العلم.

لكن القلب الذي اختار ابتداءً أن يكون دافعه لطلب العلم هو الله سبحانه وتعالى، هذا القلب لا يمكن أن ينقطع عن طلب العلم، لماذا؟ لأنه مهما حل به من البلاء ومن الأحزان، مهما مر بالعقبات، مهما واجه، هو يعلم أن دافعه ما زال متيقناً: أنا طلبت العلم لله سبحانه وتعالى، أنا لم أطلبه لشيء من لعاعات الحياة الدنيا ولا لملذاتها، فمهما واجهني في هذه الحياة أنا لم أخسر شيئاً.

لماذا؟ لأني لا يمكن أن يعني مهما فقدت ومهما أضعت، لا يمكن أن تضيع الله سبحانه، لا يمكن أن تفقد الرب عز وجل، يمكن أن تفقد كل المقاصد الأخرى لطلب العلم: الجاه، وأن يُشار إليك بالبنان، ربما تفقد الإخوان والأصدقاء، ربما تصبح منعزلاً، تحبس، تسجن، تصاب بأي... لكن لا يمكن أن تفقد الله سبحانه، فمن جعل دافعه الله في طلب العلم فلا يمكن أن يفقد هذا الدافع، ومن جعل دافعه الدنيا فما أسرع أن يفقد هذا الدافع وأن يخسره.

قال ابن جماعة عليه رحمة الله بعد ذلك: ولا يقصد به الأغراض الدنيوية. بدأ يفصل في النيات الفاسدة التي ينبغي أن يجتنبها طالب العلم في حياته. ذكر النيات الصالحة التي عليه أن ينويها أن يقصد وجه الله سبحانه وهي الشريعة وتنوير قلبه وتحلية باطنه والقرب من الله عز وجل، وانتقل ليبين ما هي النيات الفاسدة الذي ينبغي على طالب العلم أن يجتنبها.

قال: ولا يقصد به الأغراض الدنيوية؛ مثل ماذا؟ قال: من تحصيل الرياسة والجاه والمال، ومباهاة الأقران أي الأصدقاء، وتعظيم الناس له، وتصدره في المجالس ونحو ذلك، فيستبدل الأدنى بالذي هو خير. الأدنى هي هذه النيات الفاسدة، وهذه النيات أحبتي كثيراً ما تدخل وتأتي على قلب طالب العلم، وما منا من أحد إلا وقد راوده شيء من هذه الخواطر؛ حب ثناء الناس عليه، حب الظهور، حب الرياسة، حب أن يُشار إليه بالبنان وأن يُذكر.

مجالس، وأن يمدح وأن يحمد. هذه النيات عليك يا طالب العلم أن تعالجها في بدايتها. متى ما وردت هذه الخواطر على قلبك بادر في علاجها وفي مدافعتها ومزاحمتها. إياك أن تستقر هذه الخواطر في القلب، لأنه متى استقرت في قلبك يصعب عليك بعد أن تدفعها. إذا استقرت في القلب وصرت معها في ذهنك وأصبح طلبك للعلم معها، يصعب عليك أن تتخلص منه إلا بمدافعة أشد. واما في بداية خطورها على القلب يكون دفعها أسهل وأسهل.

إذاً، هذه النيات الفاسدة على طالب العلم أن يقاومها وأن يمنعها من أن تحل وأن تتربع في عرش قلبه، بل يجعل هذا القلب دائماً قاصداً لله سبحانه وتعالى، ينظر إلى ما عند الله عز وجل وما أعده من الدرجات العلى للعلماء العاملين وللقادة المصلحين.

قال أبو يوسف رحمة الله تعالى عليه تلميذ أبي حنيفة: يا قوم، أريدوا بعلمكم الله، أريدوا بعلمكم الله تعالى، يعني اقصدوا بهذا العلم الله عز وجل. لماذا؟ قال: فإني لم أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلُوَهم، ولم أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أعلُوَهم إلا لم أقم حتى أفتضح.

أقف هنا، أبو يوسف رحمة الله عليه ماذا يقول لنا؟ يقول لنا: اطلبوا بهذا العلم وجه الله سبحانه وتعالى. فمن تجربته الخاصة عليه رحمة الله يقول: ما جلست مجلساً أريد فيه التواضع والسكينة، ولا أقصِد إظهار العلم ولا أقصِد حب الظهور على الناس ومباهاة الناس ومجاراة الأقران، وإنما أقصِد وجه الله سبحانه وتعالى وتواضعتُ في هذا المجلس إلا رزقني الله عز وجل الرفعة في هذه الحياة الدنيا، الرفعة والعلو.

وقال: وما جلست مجلساً أنوي فيه أن أترفع على الناس وأن أباهي بعلمه وأن يثني الناس عليه، قال: إلا افتضحت في هذا المجلس وكشف الله عز وجل سوأتي. سبحان الله، كيف تأتي العقوبات أحياناً؟ فعلاً هذه عقوبات، الإنسان متى كان قصده أن يباهي الناس بعلمه وأن يُشار إليه وأن الناس حوله، سرعان ما تأتيه العقوبة في الدنيا قبل الآخرة بأن يفضحه الله سبحانه وتعالى وأن يصرف قلوب الناس عنه.

وأما الإنسان الصادق الذي يتوجه لله سبحانه وتعالى ولا يلتفت إلى الجمهور ولا إلى أحد من المصفقين ولا إلى الناس، وإنما يريد الله سبحانه وتعالى، حتى لو بقي معه خمسة أو أربعة أو ثلاثة من الطلبة يبذل لهم الجهد والوقت والثمرة من دون أن ينظر إلى عدد ولا ثناء ولا إشارة للناس، يتجه إلى الله سبحانه وتعالى، فيبارك له ويطرح له القبول ولو بعد حين.

فإذاً، إذا أردت عز الدنيا والآخرة فعليك بالإخلاص. هذه الرسالة التي يريد أبو يوسف رحمة الله عليه أن تصل إليك.

والعلم عبادة من العبادات وقربة من القربات، وأي عبادة شرط قبولها ما هو أيها الأحبة؟ أول شرط من شروط قبول العبادات لله سبحانه وتعالى الإخلاص، لا توجد عبادة تقبل من صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر ولا صدقة، لا تقبل العبادات إلا بالشرط الأول، وهو الإخلاص لله سبحانه وتعالى.

والعلم هو عبادة من العبادات وقربة من القربات. قال: فإن خلصت فيه النية لله تعالى قُبِل وزَكَا ونَمَت بركته. بما أن العلم عبادة من العبادات، متى أخلصت فيه النية لله سبحانه وتعالى قُبِل منك هذا التقرب، قُبِل منك هذا التعب وهذا الجد وهذا التحصيل وهذا السهر، تقبله الله سبحانه وتعالى.

وإذا تقبله الله عز وجل رأيت بركته في حياتك، رأيت بركة العلم في حياتك، في أبنائك، في ذريتك، في سعيك، أينما ذهبت في هذه الحياة تجد هذه البركة وهذا الخير. أينما حللت كنت رجلاً مباركاً، تشتاق الناس إلى الجلوس معك وإلى سماع حديثك، يتهافتون إلى رؤيتك وإلى أن تستروح القلوب بين يديك.

وكان ابن القيم رحمة الله تعالى عليه يقول: كنا إذا أصابنا هم من هموم الحياة الدنيا نذهب إلى ابن تيمية رحمه الله تعالى فنجلس بين يديه وننظر إلى وجهه، فسرعان ما يزول ما في قلوبنا من الهم والحزن. لماذا؟ لأنهم حينما نظروا إلى وجوه الصالحين -هذه وجوه حينما صدقت لله كما نحسبها والله حسيبها- جعل قذف الله عز وجل فيها نوراً وهدوءاً وسكينة، فمن نظر إليها وجلس معها استروح ونزلت عليه البركات وأحاطت به الرحمات.

فيا طالب العلم، من الآن نقول لك: متى أخلصت لله سبحانه وتعالى، فاعلم أنك ستجد بركة هذا العلم أينما حدثت، تكون إنساناً مباركاً، إنساناً تزرع الخير والأمل وترشد الناس وتأخذ بأيديهم إلى بر الأمان. هذه هي ثمرة الإخلاص لله سبحانه وتعالى: أن يكتب الله عز وجل لك القبول في الدنيا قبل الآخرة.

قال: وإن قُصِد به غير وجه الله -طيب، الحالة الأخرى إن قُصِد به غير وجه الله سبحانه وتعالى ماذا يحدث؟- قال: حَبِط وضاع وخسرت صفقته في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا وفي الآخرة. والله مسكين هذا الإنسان الذي يجلس الساعات يطلب العلم ويقرأ ويدرس ويعلم ويحفظ ويراجع ولكنه لم يعالج نيته، ثم بعد ذلك الله عز وجل بعد تلك السنوات وبعد ذلك الكد والتعب الله سبحانه وتعالى يحبط العمل ويفقده البركة ويعود سعيه عليه وبالاً. لماذا؟ لأنه لم يقصد وجه الكريم سبحانه وتعالى.

قال: وربما تفوته تلك المقاصد ولا ينالها فيغيب قصده ويضيع سعيه. يعني حتى المقاصد الدنيوية التي سعى في طلبها من الجاه وحب الثناء وأن يجتمع الناس حوله، قد لا يدرك أيضاً هذه المقاصد بعد الكد والتعب، فلا هو حصل الدنيا ولا هو حصل الآخرة، لم يحصل الدنيا ولا الآخرة.

فقوله: ربما تفوته تلك المقاصد، هي المقاصد الدنيوية التي طلبها بهذا العلم، فإذا هو خسر دنياه وخسر مغفرته والعياذ بالله. فالإنسان يعمل على ما هو مضمون، الضمان هو طاعة الله، رضا الله سبحانه وتعالى، هذا الشيء الذي تضمنه.

إذا أخلصت لله سبحانه وتعالى وكنت صادقاً فماذا تضمن؟ رضا الله. وأما إذا طلبت الدنيا فهل تضمن الدنيا؟ هل أنت متأكد أنك ستنال ما سَعِيت من أجله؟ كلا، فالإنسان الفطن الكيس أحبتي لن يكون حريصاً على شيء يخشى فواته وحصوله على خطر، ويضيع الأجر العظيم والثواب الكبير في رضا الله سبحانه وتعالى، فضلاً أن ثواب الله عز وجل لا يقال إنه شيء من متاع الحياة الدنيا.

يعني حتى لو كنت متأكد أنك ستنال متاع الحياة الدنيا، حتى لو كنت متأكد، فإن رضا الله عز وجل أغلى من الدنيا وما فيها، وهذه الدنيا لو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة آبداً.

فالإنسان إذا كانت عنده موازنة صحيحة ونظر في العواقب وآتاه الله سبحانه وتعالى عقلاً راشداً، فانه لا يفضل هذه الدنيا بمتاعها ولو تيقن من حصوله عليها على رضا الله سبحانه وتعالى.

ثالثاً، انتقلنا للموضوع الثالث. الموضوع الأول إذا كان ما هو؟ تهيئة القلب وترقيته وإعداده لقبول العلم. ثانياً كان الإخلاص لله سبحانه وتعالى. وفي الحقيقة أنا اختصر الأمور، أنا لا أريد أن أسهم في ذكر سير السلف رحمة الله عليهم، كيف كانوا يطهرون قلوبهم ويزكونها، كيف كانوا يحرصون على الإخلاص لله سبحانه وتعالى ويراقبون الخطرات، لأن هذا سيأخذ منا مجالس كثيرة، لكني أريد كما قلت أن أفتح الأذهان لما ذكره ابن جماعة، وأنت يا طالب العلم عليك أن تقرأ هذا الكلام وأن تدمن النظر فيه حتى يدخل إلى قلبك وحتى يمتزج بفؤادك وعقلك ودمي، حتى تسير على هذه الخطى العظيمة الرشيدة التي يذكرها ابن جماعة لك. إياك أن يفوتك حظك من هذا الأدب الذي نطرحه بين يديك.

قال: الثالث -وهذا الثالث بداية التعمد في هذا الباب- قال رحمة الله تعالى عليه: الثالث أن يبادر شبابه وأوقات عمره إلى التحصيل، ولا يغتر بخدع التسويف والتأمل، فإن كل ساعة تمضي من عمره لا بدل لها ولا عوض عنها.

أيش قال؟ نعيد الأدب الثالث أو الموضوع الثالث الذي يجب أن يعالجه طالب العلم النفسي. ما هو؟ أن يبادر شبابه وأوقات عمره إلى التحصيل، ولا يغتر بخدع التسويف والتأمل، فإن كل ساعة تمضي -لم يقل كل يوم أو كل أسبوع أو كل شهر- قال: فإن كل ساعة تمضي من عمره لا بدل لها ولا عوض عنها.

انتهى الأمر الآن في الحقيقة، هذا لب هذا الباب. بعد الإخلاص لله سبحانه وتعالى، عليك أن تعرف تلك القاعدة العظمى التي لا تتخلف من قواعد طلب العلم؛ ما هي؟ الحرص على الأنفاس والساعات والدقائق. هذا أغلى ما تملك يا طالب العلم في هذه الحياة الدنيا، هذا هو رأس مالك في هذه الحياة الدنيا؛ الوقت، الساعات، تلك الساعات التي تجلس بها أمام وسائل التواصل الاجتماعي، تلك الساعات التي تقضيها مع زملائك وأصدقائك في المقاهي وفي المشارب وفي المأكل، تلك الساعات التي تجلسها في مباحات الحياة الدنيا. نعم، تلك الساعات التي اعتدت أن تضيعها فيما لا ينفع في الدنيا ولا في الآخرة، هي رأس مالك وهي أغلى ما تملك.

أحبتي، بكل وضوح ومن دون مجاملة، من وضع قدمه في طريق طلب العلم عليه أن يعلم أن عمره هو رأس مالك، وأنه متى أضاع هذا العمر وهذه الساعات فلن ينال نصيبا من هذا العلم. عليه أن يدرك من أراد طلب العلم -خصوصا، أوجّه رسالة- أنك إذا دخلت في هذا الطريق عليك أن تعرف أن هذه الساعات التي كنت تضيعها يمينا وشمالا انتهى أمرها، والآن ستدأب بساعات جديدة ملؤها العلم والمعرفة والحفظ والمراجعة. عليك أن تتيقن تماما إذا اردت أن تنجح في طريق طلب العلم أنه لا مجال للساعات الضائعة، لا مجال للساعات الضائعة هنا وهناك، لا مجال لأن تكون حاضرا في كل مجلس وفي كل ملهى وفي كل دعوة وفي كل مرح وفي كل لهو. لا مجال، هذا العلم إنما يؤتى لمن أغلق باب غرفته وجلس على مكتبه وبدأ ينظر ويقرأ ويحلل ويحفظ؛ هذا العلم لهذا الصنف، لمن -كما سيأتي بعده- لمن اعتزل الناس، وليس المراد العزلة التامة، لكن المراد هجر مواطن اللهو واللعب وهجر وسائل التواصل، وانكب على طلب العلم وعلى فحصه وتحليله ومجالسة أهله ومحادثة زملائه في العلم فقط. هكذا ينمو العلم وهكذا ينمو الذهن وهكذا تحصله.

أما من رام أن يكون طالب علم ولا يؤتي العلم من يومه إلا سويعات معدودة، وفي أثناء هذه السويعات يكون غافلا لاهيا، فهذا لا يطمح أن يكون طالب علم، هذا فليسترح، فليسترح طالب العلم؛ يومه في طلب العلم، حياته في طلب العلم، العلم أصبح عنده قصة الحياة. إذا ترك طلب العلم فإنما يكون لحاجة من حوائج الدنيا يقضيها ثم يعود إلى العلم، فالعلم هو أصل الحياة لديه، إذا انشغل لحاجة أهله، أبنائه، رزق أو عمل يسعى في طلبه ثم يعود إلى العلم، فالعلم صبغ فكره وعقله ودماغه فلا يكاد ينفك عنه إلا عاد إليه. هكذا حياة طالب العلم الجاد الصادق الذي يبدو أن يكون له شيء في المستقبل.

أما طالب العلم الذي يعطي العلم ساعة، ساعة وربع، ساعة ومرت وأحيانا ينقطع شهر وشهرين ويسافر هنا للسياحة وهنا للاستجمام وهذا ليس بطالب علم. أحبتي، حتى لا يغتر الإنسان ولا يخدع نفسه ولا يصدر نفسه لوسائل التواصل ولا لزملائه أنه طالب علم ولا يكذب على الناس؛ اعلم قبل أن تسمي نفسك طالب علم عليك أن تنظر في وقتك، هل أنت تسخر هذه الحياة وهذه الساعات لطلب العلم؟ أم الساعات عندك مبددة، ضائعة، تائهة، لا تدري كيف تستغلها؟ هذا الذي يفرق بين طالب العلم الصادق وبين من يطلب شهادة في جامعة أو ما شابه ذلك.

إذا نقول من ابن جماعة بادروا الشباب؛ أيها الشباب في فترة العشرينات والثلاثينات من العمر، هذه أفضل فترة للتحصيل، القدرة عالية جدا، آلات المعرفة والتحصيل والحفظ ما زالت في أوجها. استغلوا فترة الشباب وبادروا الشباب في التحصيل والقراءة والمطالعة والحفظ، استغلوا فترة الشباب هذا هو رأس المال عليكم أن تستغلوه. بادروا اوقات العمر كما قال لكم ابن جماعة في التحصيل، وإياكم أن تغتروا خدعة التسويف والتأمل؛ سوف أدرس هذا المتن مع الشيخ الفلاني في المستقبل، والله هذه الدورة فاتتني سوف أعد إليها في المستقبل، ويسوف، هذا الدرس لم أستطع أن أسمعه اليوم سوف أسمعه بعد كذا. دائما التسويف اعرفوا أنها من مصائب الشيطان، سياسة التسويف من مصائد الشيطان حتى تفطر الهمم وتضيع الفوائد وينقطع الطالب عن العلم.

التسويف والتأمل، إني سأفعل كذا وسأفعل كذا، يبقى الطالب يقول: سأفعل وسأفعل وسأفعل وسأحفظ، ويضع خطة وبرنامج، ثم يعيد النظر في الخطة وفي البرنامج، يجلس سنوات وهو يضع خطط وبرامج لطلب العلم ولم ينجز متنا واحدا ولم ينجز مبنى واحدا على وجه الإتقان. وهذا من أحاديث الشيطان أحبتي، الشيطان يعلم كيف يخدعك، إذا لم تكن متيقظا ستضيع منك ساعات العمر وتتشتت. إياك أن تقول في طلب العلم: أفعل هذا غدا أو بعد غد، إلا للضرورة القصوى، يعني حلت بك مصيبة أو نزل بك بلاء أو أصابك مرض قد تؤجل بعض الشيء، لكن أنت في حالة صحية جيدة تقول: أفعل هذا غدا، مع أن اليوم هو لا يعلم أنك بدأت تسير على خطى إبليس في التسويف. فاحذروا أحبتي من التسويف والتأمل، هذه عباءة للشيطان.

قال: فان كل ساعة تمضي من عمره، هذه القاعدة جميلة، قال: لا بدل لها. اعلم أن كل شمس تشرق عليك كل يوم حسبت عليك، إما أن تملأ هذا الوقت وهذه الساعات بالخير والعمل والتحصيل والطلب، تكون حياتك حياة إنجاز، حياة مفعمة بالعمل والعطاء والجد، وإما أن يأتي هذا اليوم يشهد عليك يوم القيامة أنك قضيته باللعب واللهو والضحك والمزاح والقيل والقال. يوم أشرف عليك انتهى، أشرف عليك هذا اليوم حجب عليك، أنظر في هذا كل ساعة تمضي من هذا اليوم من دون فائدة اعلم أنها لن تعود. وهذا الأمر في الحقيقة مما ينغص على طالب العلم الجاد؛ طالب العلم الجاد كلما تذكر أن الساعة التي تمضي لن تعود ولا عوض لها أصابته نقصا، لأنه يدرك كم من ساعات مضت من عمره كان بامكانه أن يتزود فيها علما ومعرفة وتأصيلا لكنها ذهبت سدى.

حينما تسمع هذه الكلمة أن الساعة التي تمضي لن تعود، على قلبك أن يتفطر وأن يتقطع على تلك الساعات التي ذهبت سدى من حياتك. نعم، حينما تسمع هذا الكلام لابن جماعة، إذا كنت عاقلا ستبكي على عمر مضى كان بامكانك أن تصبح فيه طالب علم متميزا، كان بامكانك أن تحفظ فيه الألفيات والمتون وأن تحقق وأن تنهي وأن تنجز عددا كبيرا من المصنفات، لكنك أبيت إلا أن تكون مع العابدين. نعم، الساعة التي تمضي لن تعود، لن تستطيع التعويض، حينما تسمع هذه الكلمة عليك أن تتحفز للعمل وأن تدرك من الآن أن علينا أن نحسب الساعة، أن أحسب الدقيقة، أن أدرك أن ما ذهب لن يعود، إذا لا مجال لأن أضيع شيئا.

قال: فان كل ساعة تمضي من عمره لا بدل لها ولا عوض عنها. قال: وعليه أن يقطع -قال: ويقطع ما يقدر عليه من العلائق الشاغلة والعوائق المانعة عن تمام الطلب-. سطر جريء وهو سطر مهم هنا في الحقيقة، في هذا فائدة ثالثة، كل كلمة مهمة من ابن جماعة. قال: ويقطع ما يقدر عليه من العلائق الشاغلة والعوائق المانعة عن تمام الطلب. كلمة العلائق ضعوا تحتها خط، وكلمة العوائق ضعوا تحتها خط. الحواجز في حياة طالب العلم على نوعين أحبتي؛ إما علائق وإما عوائق. قال: احفظوها جيدا، هذه حلقة هنا وهذه حلقة هنا، هناك عوائق وهناك ماذا؟ علائق. ما الفرق بينهما؟ العلائق هي علاقاتك في هذه الحياة الدنيا؛ مع أسرتك، مع أبيك وأمك، مع إخوانك، مع زوجتك، مع أبنائك، مع أصدقائك، مع المجتمع الصغير والكبير، هذه تسمى ماذا؟ العوائق هي العقبات التي تقف أمامك تحاول أن تحجبك وأن تمنعك من الاستمرار في طلب العلم، العوائق مثل ماذا؟ مثل الرزق.

مثل الفتور وضعف الهمم، مثل بلاء ابتليت به، مثل مرض حل بك، عوائق عديدة تصيب الإنسان؛ الشهوات التي تعصف بنا، الشبهات التي تحف بطالب العلم، هذه كلها عوائق. فهناك علائق وهناك عوائق.

إذا استطاع طالب العلم أن يحكم علائقه وأن يتجاوز عوائقه أفلح بإذن الله، ومتى غلبت العلائق حياة طالب العلم؟ متى غلبت العلاقات الاجتماعية حياته؟ كل إنسان يطالبه بلذة من لذات الحياة الدنيا أقبل إليه؛ في المناسبات، في الأفراح، في المجالس، مع الأسر، مع الأصدقاء، ومع الأحباب. كلما التفت إلى هذه العلائق واستجاب لها، كلما ابتعد عن طلب العلم وخسر الطريق، وكلما ضعف أمام العوائق وسدد في وجهه ولم يستطع أن يقتحمها وأن يقفز عنها، أيضاً انحرف عن طريق طلب العلم وخسر الرحال.

فطالب العلم الذي يكتب له النجاح بإذن الله هو الذي يستطيع أن يحكم علائقه يضبطها بضوابط معينة. أخي الكريم، طلب العلم لو مجاملة فيه للناس ولا لأقرب الناس إليك، لا مجاملة. طلب العلم معناه كما قلنا أنك تجلس في غرفتك وتغلق عليك بابك، وتبدأ بالحفظ والقراءة والمراجعة والتحصيل، الساعتين والثلاث والأربع والخمس والست والسبع والثمان، تجلس وتُعطي وقتك للعلم، هكذا يقوم العلم؛ على هذا صارت أمتنا وعلماؤنا وسلفنا الصالح.

أما إنسان يريد أن يلبي كل علاقة اجتماعية وكل دعوة وكل مناسبة، سينتهي عمره من دون أن يحصل، فعلى طالب العلم أن يتيقظ من الآن. العلائق مشغلة، العلائق مشغلة. نعم، هناك علائق ومناسبات يجب أن تحضرها؛ من المناسبات الأقربين الوالد والوالدة والإخوة والأصدقاء، لكن لا يكون هذا ديدني، أحضر ما يحق الشر على حضوره من مناسبات النكاح والولائم وما شابه ذلك، ما بتحتاج إليه. ثم بعد ذلك لو أعز الناس عليك بأن تجلس معه، اعتذر منه، قل: هناك ما يشغلني وهو أني أُريد أن أقود أمتي إلى بر الأمان، وهذا يحتاج أن أفرغ وقتي وعمري لله سبحانه وتعالى. نعم اعتذر من أعز الناس إليك، اعتذر من أبيك إذا لم يكن هناك حاجة إلى أن تكون عندهم الآن، نعتذر. اعتذر من إخوانك ومن أصدقائك ومن زوجك ومن أي شخص، فإن العلم عِز تتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى. إذا كان هناك واجب شرعي في حقل بر الوالدين من طلب وما شابه ذلك، أو في حق الزوجة والأبناء الذي يجب أن يؤدى، ثم بعد ذلك تعود للعلم.

أما أن تتوسع الساعات وتبرر لنفسك أنه إيش أفعل يا شيخ؟ هذه علاقات اجتماعية وهذا يحتاج، ربما يحزن إذا لم أذهب، وهذا وهذا، الذي يقطع في هذا طلب العلم، ستبقى تعتذر وتبرر لنفسك انقطاعك عن العلم وانشغالك بالعلائق. لكن صدقني أنت من سيخسر في النهاية، إذا لم تكن رجلاً على قدر الرهان ستخسر، إذا لم تكن رجلاً تستطيع أن تعتذر وأن تبين للناس الخط والمنهج الذي تسير عليه، واني هجرت دنيا الناس واختبرت دنيا أخرى هي دنيا الله سبحانه وتعالى، هي الحياة مع العلم في رحابه ومع مصنفاته، ستخسر. نعم عليك أن تكون رجلاً في قرارك، أن تكون إنساناً ثابتاً تري الناس لله عز وجل ما يرضيه، الله عز وجل يرضى عنك ويرضي عنك الناس.

أما إذا كان همك أن يرضى الناس عنك وتركت العلم من أجل ذلك فأنت انقطعت عن ربك سبحانه وتعالى، وصدقني كما قال العلماء، الناس عندما يريدون منك أن تجالسهم من أجل حظهم منك، فإذا قضوا وترهم منك انتهى كل شيء وعادوا إلى دنياهم. أي إنسان حتى أقرب الناس إليك إنما يريد جلوسك لحظه منك، إذا انقطع حظه منك انتهى، ولكن أنت تحتاج إلى حظك من الله سبحانه وتعالى، وهذا الحظ من العلم والتقرب إلى الله والتعرف عليه والفقه والتعلم لدينه سبحانه وتعالى لن يفيدك فيه الناس. لن يفيدك فيه الأوقات الضائعة والساعات التافهة، لن يفيدك إلا الاعتزال والجلوس جلسة رجل في طلب العلم وتحصيله حتى تلقى الله.

الله سبحانه وتعالى قال: ويقطع ما يقدر عليه من العلائق الشاغلة والعوائق المانعة عن تمام الطلب وبذل الاجتهاد وقوة الجد في التحصيل. وبث الاجتهاد وقوة الجد في التحصيل، عليه أن يجتهد ويكون قوياً في تحصيله، يا يحيى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ. جِد ومثابرة، ليس بالنعس والنوام والكسل والأكل والشرب ينال هذا العلم أحبتي. بسبب السهرة ووسائل التواصل وبالتلفاز واللعب يمين وشمال ينال هذا العلم؟ هذا العلم العلماء سافروا من أجله السنوات وهجروا أهلهم وأوطانهم واغتربوا وتعبوا، وهناك من سرق وهناك من تعرض للأذى، وهناك من لم ينم كثيراً من الأيام، وهناك من انقطع عن رزقه. العلماء بذلوا الغالي والنفيس من أجل أن يحفظوا على هذه الأمة دينهم، وأنت ماذا بذلت؟ تقول لي بدأت ساعتين ثلاثة يا شيخ في الجلوس؟ أنت تضحك على نفسك يا طالب العلم؟ تزعم أنك طالب علم ولا تعرف تجلس على قدميك أربع خمس ساعات تسمع مجلس علم وتحضر وترشح وتحفظ؟ ما هذا العلم الذي تدعيه؟ وما هذا الطريق الذي سلكته؟

فقال: بذل الاجتهاد وقوة الجد في التحصيل. قال: فإنها قواطع الطريق، أي أي العلائق والعوائق. قال: هذه قواطع الطريق؛ العلاقات الاجتماعية والعوائق التي تقف أمامك من الرزق والبلاء والمرض، هذه هي قواطع الطريق، قال: ولذلك استحب السلف التغرب عن الأهل والبعد عن الوطن.

يقول السلف الصالح: لماذا استحبوا لطالب العلم أن يرحل عن وطنه وأن يغترب في طلب العلم؟ قالوا: لأنه بسفره يقلل من تاريخه الاجتماعية، يقلل من علائقه الاجتماعية، وأيضاً يستطيع أن يتجاوز ويتعلم كيف يتعامل مع العوائق. لماذا أحبتي؟ الآن أنت في بلدك مع أهلِك وأصدقائك وإخوانِك ومع أسرتك، دائماً تجد الوالد أو الوالدة أو الإخوان أو الزوجة أو الأبناء يطالبونك: اذهب إلى فلان، واجلب لفلان، واذهب وثبت بنا إلى هنا، واذهب بنا إلى هنا، ودعنا نذهب. تجد دائماً طلبات مستمرة لا تنتهي. لكن عندما تغتنم في طلب العلم أنت أمير نفسك، لا أحد يطالبك بشيء في غربتك، وهذا في الحقيقة شيء وجدناه من أنفسنا عندما كتب الله لنا ذهاب إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدنا فرقاً كبيراً في القدرة على استغلال الأوقات والأعمار. عندما تكون في بلدك الأهل والأحباب لا يمكن أن تنفك عنهم، لا يمكن أن يأتي يوم إلا وهناك طلبات لابد أن تلبيها لهم، هناك احتياجات يطالبونك بها ولا تستطيع أن تتملص منها، لكن عندما اقتربنا، الإنسان يجلس وحده أحبتي ساعات ولا أحد يطالبك بأي شيء، أهذا هو الإمساك؟ هذه الساعات التي اقتربتها في طلب العلم من أجلها، هذه الساعات تشترى بالدنيا وما فيها، هذه ساعات الاضطراب في طلب العلم وتأصيله والعزلة عن الناس والابتعاد عنهم، صدقوني ساعات تشترى بالدنيا وما فيها.

إذاً السلف الصالح لماذا كان أحدهم يرحل الخمس والست والعشر سنوات والخمسعش والثلاثين والاربعين؟ لماذا إنسان يرحل عشرين عاما في طلب العلم؟ شيء عظيم مذهل؛ لأنه يدرك أنه لو جلس في وطنه لانشغل بدنياه، وأن رحلته في طلب العلم من أهم فوائدها -هناك فوائد عديدة للإغتراب في طلب العلم- لكن من أهم الفوائد أنك تنقطع عن مجتمعك وعن من ألفت، وتذهب لتجلس وحدك في عالم آخر، تجمع قلبك وفكرك على طلب العلم. هكذا ينمو العلم ويزداد، وتتعلم كيف تتعامل مع العوائق.

نعم، الإنسان كلما اقترب وواجه صعوبات الحياة الدنيا كلما استعصت عليه واستعصى عليه -يعني هي تصرعه أحياناً وهو يصرعها- يبدأ يتعلم كيف يصارع هذه العقبات. لكن الإنسان الذي يجلس دائماً في بيته مدللاً مكرماً معززاً، هذا أحبتي إذا مر به عائق من عوائق الحياة لا يستطيع أن يتجاوزه؛ لأنه تعود على الدلال، لم يتعود أن يكون خشناً رجلاً يقتحم بنفسه الصعوبات ويتجاوز العقبات. لكن إذا سافر، ستمر به عقبات كما قلنا، تصارعه ويصرعها حتى يستحكم له الأمر، وتعلم كيف يكون رجلاً ثابتاً أمام عوائق الحياة الدنيا.

قال ولذلك استحب السلف التغرب عن الأهل والبعد عن الوطن، قال: لأن الفكرة إذا توزعت قصرت عن درك الحقائق.

الدقائق، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. وكذلك يقال: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك. يريد أن يقول أحبتي، أمر مهم جداً؛ أن من قواعد العلم الشرعي أن هذا العلم يحتاج في ثنايا طلبه إلى حضور القلب واجتماعه بكليته. أحبتي، هذا العلم يحتاج إلى ماذا؟ إلى حضور القلب والذهن والفكر، واجتماعه بكليته عليك يا طالب العلم، حتى تستطيع الإنجاز ومراجعة ومذاكرة وغوصاً في دقائق المسائل وتحليلاً لها، يحتاج لاجتماع القلب.

أما إذا كنت تقرأ وتحفظ بقلب متشتت في شعاب الحياة الدنيا، أحياناً يفكر في الزواج، وأحياناً يفكر في الرزق، وأحياناً يفكر في المتعة وفي اللهو، لا يجتمع لك، مشتت في الجامعة وفي هنا وفي الدراسة وفي المال وفي الرزق وفي الزوجة وفي الملأ. أي متى تطلب العلم وكيف تحصل العلم؟ الحبيب الإنسان وهذا بالتجربة المتواترة جيلاً بعد جيل، لا يمكن أن ينال العلم وأن يحصل المعرفة إلا باجتماع قلبه وحضوره عليها، وألا يتشتت ذهنه في الهموم والغموم ومشاكل الحياة الدنيا وعوائقها.

فلذلك يقول: الفكرة إذا توزعت يعني الفكر، العقل إذا توزع في هذه الحياة الدنيا قصر أي ضعف عن إدراك الحقائق، أي الوقوف على القواعد والمسائل وحلها، والله سبحانه وتعالى يقول: وَمَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ. أما أن يكون قلبك للعلم بكليته، واما أن يكون مع الدنيا، أما في ساعة واحدة القلب مع العلم ومع الدنيا هذا لا يمكن. فلذلك من فوائد الاغتراب أيضاً أن الاغتراب البعد عن الأهل يجمع عليك قلبك. إذا لم تستطع الاغتراب خارج الوطن اغترب في داخل الوطن، اغتنم في بيتك، اجعل في بيتك حجرة خاصة بطلب العلم تغلقها على نفسك وتغتنم عن الناس، اذهب وصل الصلوات في المساجد الجماعة والجماعات واذهب ثم عد إلى منزلك، ما في داعي للاختلاط الزائد، عد واجلس وأغلق عليك بابك وكن مغترباً في وطنك، تستطيع ذلك، وأنظر كيف ستجني ثمار ذلك.

أما بعض الطلبة يريد أن يحفظ وهو يجلس في الأماكن العامة، يريد أن يقرأ وأصدقاؤه وأهله حوله، أتقرأ وكيف يجتمع قلبك في القراءة والمطالعة والحفظ والمراجعة والناس من حولك يشغلونك؟ إذاً إياك أن تخدع نفسك يا طالب العلم، متى شعرت أن القلب لا يجتمع؟ اعلم أن هذه الساعة لا تصلح لطلب العلم، وعليك أن تحل هذا الموضوع سريعاً وأن تسعى في جمع شتات هذا القلب وإحضاره، حتى يستحكم العلم في قلبك، وحتى تجد ثمرة هذا العلم في حياتك، وحتى تشعر بالانجاز والتقدم.

نقل الخطيب البغدادي في الجامع، أي في كتابه الجامع لأخلاق الراوي وآاداب السامع عن بعضهم أنه قال: لا ينال هذا العلم. طبعا هذه العبارة ابن جماعة سيقول فيها مبالغة، لكن انظر كيف كان العلماء يعرفون قدر العزلة. أنظر ماذا قال، قال: لا ينال هذا العلم إلا من عطل دكانه، وخرب بستانه، وهجر إخوانه، ومات أقرب أهله فلم يشهد جنازته. لاحظوا العبارة، طبعا فيها مبالغة، لكن هو الخطيب البغدادي آه طبعا ينقل هذه العبارة عن غيره وليست العبارة مقصودة لذاتها، ليست المقصود نفس العبارة يعني فعلا أنا لا أستطيع أن أطلب العلم حتى أكون منقطعاً عن الرزق وأخرب دكاني وأعطل بستاني ورزقي ويموت أقاربي وأبي وأمي ولا أشهد جنائزهم، ليس المراد هذا بحقيقته، وإنما هو تشديد في أهمية المحافظة على الأوقات، وأهمية الاعتزال عن الناس، والأكباب في حجرتك على طلب العلم وعلى قراءته.

يريد رحمة الله تعالى عليه أن تنعزل بعيداً في كهف العلم، وفي صومعة المعرفة، تحفظ وتطالع، تقرأ وتحلل حتى تستطيع أن تنتج، أن تنجز. أحبتي العلم يحتاج إلى اجتماع القلب، إلى ساعات العلم ليس بالساعة ولا بالساعتين، العلم بالساعات، وهذه النماذج المشوهة التي تخرج أمامكم في الإعلام وعلى وسائل التواصل، هؤلاء ليسوا بعلماء، هؤلاء الذين يأخذون المعرفة الآن وإذا بها يصدعون بها وسائل التواصل لا تأخذ هذه المعرفة وقتها في التخمر وفي التحليل وفي التعمق وفي التدليل، هؤلاء ليسوا بعلماء، هؤلاء عن العلم، إذا كان الرجل في سيرته العلمية ما عرفنا عنه الجلوس والعزلة في طلب العلم فهذا لا يثق بعلمه، هذه خذوها قاعدة.

إذا أردتم أن تعرفوا العالم الجاد وطالب العلم الجاد انظروا في سيرته، متى وجدتم هذا الإنسان في أغلب دهره وزمانه مع الناس، داهية في مجالسهم وفي مآجرهم وفي مشاربهم وفي العمل الدعوي وفي وفي كذا ولكننا ما عرفنا منه تفرغاً للعلم، لا تثقوا بعلمه، خذوها عني وانقلوها عني، لا تثقوا بعلمه، إياكم من يوثق بعلمه هو الشخص الذي عرف عنه الجلوس والعزلة والقراءة والتأمل والحفظ وجذب الكتب والمصنفات، هذا الذي أنا أثق بعلمه وأعرف أنه أو أن العلم اخذ وقته حتى ينضج لديه. أما هكذا قراءة بعض الكتب وبعض المصنفات في الجامعات والدراسات الأكاديمية لا تصنع ربع ولا خمس طالب علم، لذلك إياكم أن تخدعوا أنفسكم وإياكم أن تنخدعوا بما يتصدر لكم، انظروا في سيرهم وفي إنجازهم وفي قراءتهم، تحكم عليه، أهم علماء؟ ليسوا بعلماء.

إذاً الخطيب البغدادي يقول: لا ينال هذا العلم إلا من عطل دكانه، وخرب بستانه، وهجر إخوانه، ومات أقرب أهله فلم يشهد جنازته. ابن جماعة قال: وهذا كله وإن كانت فيه مبالغة، فيه مبالغة واضح، لكن ايش المقصود به؟ أنه لا بد فيه في العلم من جمع القلب واجتماع الفكر، هذا أصل من أصول طلب العلم. لا عجو ابن جماعة الآن في هذه الأسطر يجمع لك أصول طلب العلم، يقول لك: بادر الشباب وأوقات العمر، لا تغتر بخدع التسويف والتأمل، كل ساعة تمضي لا عوض لها ولا ردد عنها، أحذر العوائق والعلائق، عليك بالجد والاجتهاد في التحصيل، اغتنم في طلب العلم، اجمع قلبك وخاطرك وهمك في طلب العلم، نصائح ذهبية هي أساس الطريق.

هذه النصائح في هذا الفصل عليكم أن تحفظوها وأن تضعوها في عقولكم، إياكم أن تغيب عنكم كلمات وهمسات ابن جماعة، لأنها هي الطريق والله هي منارات الطريق، من فقدها تاه في هذه الصحراء، العلم بحر خضم، ومناراته ومعالمه ما ذكره لكم ابن جماعة في هذه الأسطر.

وقيل: أمر بعض المشايخ، وهنا المشايخ، لكن الأشهر والأسفح المشايخ بالياء، أمر بعض المشايخ طالباً له نحواً مما رواه الخطيب البغدادي، يعني أن هناك شيئاً من الشيوخ نصح أحد طلبته وقال له نصيحة قريبة من النصيحة التي ذكرها الخطيب البغدادي سابقاً، عطل دكانك، وخرب بستانك، واهجر إخوانك، إلى آخر ما ذكروا. قال: فكان آخر ما أمره أو قال: اصبغ ثوبك كي لا يشغلك فكر غسله.

يعني هذا الشيخ زاد على نصيحة الخطيب البغدادي أن قال لطالبه: حتى ثيابك التي تلبسها البس ثياباً مصبوغة لا يظهر عليها الأذى والقذر، لأن الثوب الأبيض سرعان ما يتسخ ويظهر عليه الأذى والقذر فيحتاج إلى غسل، أليس كذلك؟ فهذا الشيخ يوصي طالبه حتى يحفظ وقته يقول له: اصبغ ثيابك بألوان قاتمة حتى إذا جاء عليها الوسخ لا يظهر، وبالتالي لا تحتاج إلى المسارعة في غسله، فتستغل الوقت في طلب العلم. أنظروا الدقائق أحبتي! كان العلماء رحمة الله عليهم -وهذا فيما أذكر أنه عن ابن عقيل الحنبلي عليه رحمة الله، وكان ابن عقيل إمام كبير من أئمة الحنابلة- كانوا يدقون الطعام دقاً والشعير والقمح دقاً ويشربونه شرباً ويكسونه سريعاً، قال: حتى لا يأخذ وقتاً طويلاً في مضغه.

أنظر كيف يكسبون يعني شيء مهول تكلم عن شيء مهول! انظروا إلى أين وصل الحساب؟ أن الطعام الذي يكون يعني إحنا في عرفنا نسميها الحساء، الحساء أكلة أسرع من أكل ماذا؟ الرز واللحم والدجاج وما شابه ذلك، أليس كذلك؟ ألا تشربونه سريعاً؟ وهذا يحتاج إلى نضف وإلى أكل لقمة تتبع لقمة، فالعلماء كانوا يدقون الشعير والقمح ويسفونه سفاً ويأكلونه سريعاً لاستغلال أوقات الحياة.

المجد ابن تيمية منذ صاحب الملتقى كان إذا دخل الخلاء يقول لابنه: يا بني، امسك كتاباً واقرأ بصوت مرتفع حتى لا يضيع وقتي وأنا في الخلاء. أنظروا الاهتمام بالوقت! وأنصحكم أحبتي بقراءة كتاب قيمة الزمن عند العلماء للشيخ عبد الفتاح أبو غدة عليه رحمة الله تعالى، كتاب رائع جداً جمع.

في أشياء كثير من القصص استغلال العلماء للأزمان كيف كان بالعساكر يستغل الساعات في ذهابي وإيابه بالكتاب لا يفارق ذنبه أينما ذهب كان في طريقه كان على دابته كان مع إخوانه دائماً لا يفارقه الكتاب. كم عدد الكتب التي قرأها وجرادها بالعساكر؟ هكذا العلماء وصلوا أحبتي.

باستغلال الساعات والأعمار كانوا يدركون قيمة الوقت، كانوا يدركون أن اليوم الذي تغرب شمسه لن يعود مرة أخرى. فأفلحوا وأنجزوا وأنتجوا مصنفات تحليلات كلام عظيم جداً أحدنا يحتاج إلى دهر طويل لأن يقرأ تلك المصنفات أو يقف على شيء منها.

فاقدروا حق العلم، أعطوه قدره أحبتي إذا أردتم أن يكون لكم شأن. وأخيراً أختم بما قاله الشافعي رحمة الله عليه: قال الشافعي لو كلفت شري وفي نسخة شراء بصلة لما فهمت مسألة.

ماذا يريد أن يقول الشافعي؟ يقول مشهوراً، قال: لو كلفت شراء بصلة لما فهمت مسألة. يريد أن يقول لو أن زوجتي أتت تطلب أن أشتري شيئاً من متاع الحياة الدنيا بصر وما شابه ذلك، لأضاعت علي جزءاً من عمري من وقتي ولشغلت عن هذه المسائل.

شرد هذا الذهن وذهبت اجتماع القلب، طبعا أحياناً أحبتي عندما تقرأ هذا النص عليكم أن تزنوه بوزنه؛ الشافعي لا يقول لكم قصروا في حقوق أزواجكم وأمهاتكم آبائكم ولا يريد هذا، هو يريد فقط أن يشير إلى الفكرة، يقول: لو أنني كلفت بشراء بصلة اذهب إلى السوق يا شافعي واشترى لي بصلة، لضاع جزء من الوقت وذهب اجتماع القلب، تكون أنت في نصف دراستك تأتي زوجتك تقول لك يا فلان قم اذهب فأحضر لي كذا أو ائتني بكذا. طبعا الزوجة لها حق، لكن الكلام عن أصل الفكرة أن أي شيء يشتتك في هذه الحياة الدنيا يضيء عليك اجتماع القلب وبالتالي تضيع عليك كثير من المعارف.

فإن كان لابد من شتات القلب فليكن في حوائج الحياة التي لابد منها، في قضاء حق الوالدة والوالد في قضاء حق الزوجة وحق الأبناء، ثم وبعد ذلك عد إلى العلم لأن ما بقي هذا القلب مشتتاً متفرقاً في شعاب الحياة كلما فاته نصيبه من العلم. إذن فوائد عظيمة كلام السلف الصالح رحمة الله واضح بين أيديكم أحبتي تعلموا كيف طلبوا العلم لتسيروا على خطاهم.

وإياكم أن يغركم القيل والقال، وإياكم أن يغركم أنصاف المتعلمين، إياكم أن يغركم أنكم لقيتم بعض الناس تصدروا على وسائل للتواصل أو نالوا الشهادات العليا وجلسوا على كراسي التدريس الأكاديمي وهم لم يبذلوا جهدهم وتقولون هذا فلان قد وصل ما أنه لم يا شيخ الجهد الذي تقصه علينا. اعلم أن من وصل من دون أن يبذل الجبن الذي أقص عليكم أنه لم يصل بعد، وإنما أنتم يتوهمون وصوله وهو يتصنع هذا الوصول، وقال صلى الله عليه وسلم: المتشبع بما لم يعط كملابس ثوبي زور.

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعيننا على استغلال الشباب والأعمار والازمان والأنفاس والخطرات في طلب العلم، أن يعيننا على أحكام على وتجاوز عوائقنا، أن يعيننا على جمع قلوبنا وعقولنا وهمومنا على العلم دراسة وقراءة وتحليلاً وفهماً إنه ولي ذلك والقادر عليه. في المجلس القادم أحبتي بإذن الله نقف على ملامح جديدة من أدب طالب العلم مع نفسه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.