يا طالبا للعلم يرجون نفعه، اسمع نصيحت ناصح معواني. لربك في أمورك كلها، فالمخلصون هم أولو العرفان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم للإامام ابن الكيناني الشافعي عليه رحمة الله تعالى. وقد بدأنا الحديث في المجلس السابق عن آداب طالب العلم في نفسه، أخذنا ثلة من هذه الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها.
منها أن يطهر باطنه من الأدناس والأرجاس حتى يكون هذا القلب مستعداً لقبول هذا الفيض الإلهي وهذا العلم الرباني. ثم بعد ذلك أن يخلص النية لله سبحانه وتعالى، أن يكون هدفه ومقصده من طلب العلم رضا الله عز وجل، وأن يحيي شريعته وأن يرفع لواءه وأن يرفع الجهل عن نفسه وعن أمته.
ثم انتقلنا إلى الثالث، الذي يتحدث عن أهمية استغلال وقت الشباب. فاستغلال شرخ الشباب في طلب العلم وتحصيله وجمعه من أهم الأمور التي ينبغي أن يعنى بها من كان يؤمن ويرسم أن يكون شيئاً في المستقبل، وأن يكون له بصمة في تغيير تاريخ هذه الأمة وأن يكون إماماً للمتقين. الشباب هي الفترة العمرية التي ينبغي أن نستغلها وأن نحرص على ساعاتها ودقائقها أشد الحرص.
فاليوم الذي يشرق أو تشرق شمسه لن يعود مرة أخرى، واليوم الذي تغيب شمسه طويت صفحته وانتقل إلى الله سبحانه وتعالى ليكون شاهداً لنا وشاهداً علينا. والإنسان العاقل الذي يدرك أنه سيسأل عن شبابه فيما أفناه يعلم أن كل لحظة وكل دقيقة تذهب فإنه لا عوض عنها ولا بدل لها، كما قال ابن جماعة عليه رحمة الله.
فصاحب الهمم يتأسف على كل لحظة تذهب منه في هذا العمر. صاحب الهمة يحزن عندما تضيع ساعة من عمره في شيء لا ينفع، أو في مجلس لهو أو لعب لا يعينه على ساعة الطاعة. والانسان كلما كان يحاسب نفسه على أوقاته وعلى أعماله أين تذهب؟ وكيف يقضيها؟ كلما كان حجم الإنجاز الذي ينجزه أكبر وأكبر.
لذلك أحبتي، موضوع استغلال الوقت وحسن إدارة الحياة من أهم الأمور ومن أبرز الأمور التي تعين طالب العلم أن ينجز وأن يتقدم وأن يضع بصمة في هذه الحياة. وأما يا طالب العلم الذي يبدد زمنه أمام وسائل التواصل الاجتماعي وفي المجالس العامة وفي القيل والقال، ولا يحسب اليوم الذي يذهب وتغيب عليه الشمس ثم شمس ثم شمس وأيام وشهور من دون أن يحفظ متنا أو يراجع كتابا، ثم يتذكر بعد ذلك حينما يأتي شخص يذكره بدورها أن يحضرها ثم بعد ذلك يتكاسل، يحيا هذه الحياة بفتور الهمم، هذا لا يمكن أن ينجز ولا يمكن أن يكون له شيء في تاريخ أمته. لذلك أصحاب الهمة هم الذين يعرفون قدر أوقاتهم وقدر أعمالهم وقدر زمانهم.
اليوم أحبتي سيتكلم أو سينتقل بنا ابن جماعة أيضا إلى موضوع مهم من مواضيع طلب العلم. وهذا الموضوع وفي الحقيقة عائق أمام كثير من طلبة العلم يعوقهم عن الاستمرار في طلب العلم، ألا وهو موضوع الرزق. سيتكلم في الأدب الرابع عن موضوع الرزق. كيف تكون نظرة طالب العلم للمال وللرزق وكيف يحيا مع هذه القضية؟
قضية أساسية في الحياة، أي إنسان وأي طالب علم يريد أن يكون عائلة وأسرة، ويريد أن يكون عنده شيء من المال يقضي به حوائجه ويكف به نفسه عن الناس. فالآن إيش علاقة طالب العلم بالرزق؟ وكيف يحيا؟ وهل طالب العلم الناجح هو الذي يكون غنياً أو يكون فقيراً؟ هذه القضايا هي التي سيبدأ ابن جماعة رحمة الله عليه باثارتها في الأدب الرابع.
فقال عليه رحمة الله تعالى: الرابع أن يقنع من القوت بما تيسر وإن كان يسيراً، ومن اللباس بما يستر مثله وإن كان خَلَقاً أي رديئاً. قال: فبالصبر على ضيق العيش ينال سعة العلم، وبجمع شمل القلب عن الآمال تتفجر منه ينابيع الحكم.
نعيد مرة أخرى قراءة النص ونركز فيه: أن يقنع من القوت بما تيسر وإن كان يسيراً. إذاً، النظرة الأولى التي يعطيها ابن جماعة يا طالب العلم أن عليك القناعة بما رزقك الله سبحانه وتعالى. أن تقنع من القوت بما تيسر، ما يسره الله له عز وجل من القوت ومن الرزق عليك أن تقنع به حتى ولو كان يسيراً.
لماذا؟ لأن طالب العلم متى كان همه في هذه الحياة الدنيا جمع الأموال ورفع الأرصدة البنكية وكنزها والحفاظ عليها، وكان دائماً همه وشغله الشاغل التفكير كيف يكسب وكيف يتاجر وكيف يصنع؟ لن يجتمع قلبه على العلم أبداً. وهذا العلم، كما ذكرنا في المحاضرة السابقة، يحتاج إلى اجتماع قلب وحضور، فلا يصلح لقلب مشتت في شعاب الحياة الدنيا، يفكر في تجارة ثم يفكر في صناعة، ثم يفكر أين يحفظ ماله، ثم يفكر أين يستثمره. متى كان قلب طالب العلم ودينه مشتتاً في شعاب الحياة الدنيا في أموالها وكنوزها وقصورها وأرزاقها، ضاع هذا القلب وانفض عن سوق العلم.
لذلك الأمر الأساسي في قضية طالب العلم وعلاقته بالرزق هذا هو الذي ينبغي أن ننطلق منه. ينبغي أن يكون طالب العلم الطامح صاحب الهدف صاحب الهمة، الذي يريد أن يحصل ويحفظ الكتب ويستهلك الوقت في الحفظ والمطالعة والتحرير، ينبغي أن يكون قنوعاً بما رزقه الله سبحانه وتعالى من المال، حتى ولو كان يسيراً.
فالقناعة أيضاً هي البداية. قال: أن يقنع من القوت بما تيسر وإن كان يسيراً. قال: ومن اللباس بما يستر مثله وإن كان خَلَقاً، هي نفس الفكرة ويقنع بما رزقه الله من اللباس. قال: فبالصبر على ضيق العيش تنال سعة العلم، وربما في نسخة أخرى تنال ساعة العلم، وبجمع شمل القلب عن مفترقات الآمال تتفجر منه ينابيع الحكم.
هذه من المقولات الجميلة التي سطرها ابن جماعة علي رحمة الله، يقول: بالصبر، يعني لماذا على طالب العلم أن يقنع بما رزقه الله سبحانه ولا يكون هدفه في هذه الحياة الدنيا جمع الأموال وكنزها؟ قال: بأن بالصبر على ضيق العيش حتى ولو كان قوتك يسيراً يا طالب العلم، فبالصبر على ضيق العيش وتحمل ذلك يرزقك الله سبحانه وتعالى بسطة في العلم.
وبجمع شمل القلب، وهذا هو الأهم، وكلما جمعت شمل قلبك وجمعت ذهنك على العلم، ولو تسبب ذلك في قلة في الرزق، ولكن أريت الله سبحانه وتعالى منك صبراً على طلب العلم وحفظ السنة ومدارستها، ولو كما قلنا كان ذلك سبباً في انشغالك عن الرزق وعدم تحصيلك الكثير منه، فإن الله سبحانه وتعالى ببركة هذا الصبر وببركة هذه الهمة وببركة سعيك في رضاه سبحانه وتعالى يجعل تتفجر من هذا القلب ومن هذا الذهن الذي تفرغ لخالقه ومولاه.
الله سبحانه وتعالى أحبتي إله كريم، متى رأى من هذا العبد إيثاراً له عز وجل وتقديماً لمرضاته وسعياً في إحياء شريعته وحفظاً لهدي محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الله عز وجل لم يخيب هذا الطالب، لم يضيع تلك الجهود وتلك الساعات التي اشتغل فيها هذا الطالب بالعلم وبتحصيله مقابل الرزق. فالله سبحانه وتعالى يكافئه مقابل هذا الصبر وهذا الجد.
لا يشترط أن تكون المكافأة الإلهية أن يرزقه الله سبحانه وتعالى كنوزاً يجلس عليها، بل يكفي أن يرزقه الله سبحانه وتعالى الحكمة، وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، كما قال عز وجل.
فالله سبحانه وتعالى إذا كنت واثقاً به يا طالب العلم لن يخيب سعيك. متى تفرغت لمرضاته ولطلب العلم ولاحياء شريعته، فإن الله سبحانه وتعالى أولاً سيكفل لك الرزق، وكما قلت لك لا تشترط على ربك أن يكافئك بالمال في الدنيا أو سعة الرزق في الدنيا، ولكن كن واثقاً أن الله سبحانه سيكافئك بجدك وباجتهادك في طلب العلم بتفجر ينابيع الحكمة منك، كما قال ابن جماعة عليه رحمة الله.
وهذه الكلمة التي قالها ابن جماعة ليست من بنات أفكاره، بل هذا كان ديدن وأكثر علمائنا. فالآن ابن جماعة سيقص علينا قصص الأئمة الكبار ويأتي لك.
الإمام الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة الأمة، كلهم عاشوا على الفقر، وطلبوا العلم في الفقر، فرزقهم الله سبحانه وتعالى بركة وأعلى ذكرهم، وجعل حكمهم وأقوالهم وآثارهم موروثة في هذه الأمة إلى يوم القيامة.
هذه مصنفاتهم بين أيدينا، نترحم عليهم ونذكرهم بالخير، وندعو الله سبحانه وتعالى الرفعة لهم، وكفاهم بذلك رزقاً. الرزق لا يشترط، إذا لا يشترط في الغنى أن تكون غني اليد بالمال، بل الغنى الحقيقي أن تكون غني القلب، وأن تكون إنساناً منجكراً مقدراً.
هذا هو الغذاء الحقيقي: أن تكون إنساناً لك بصمة في تاريخ هذه الأمة، تقدم شيئاً، تترك أثراً، تغادر هذه الحياة والناس تدعو لك بالخير وتثني عليك بالخير؛ لأنك قدمت، لأنك بذلت، لأنك صنعت شيئاً، لم تكن رقماً زائداً على هذه الحياة تحيا كما تحيا البهائم وتموت كما تموت البهائم، هدفك أن تحصل طعامك وشرابك وملذات الحياة الدنيا.
هذا هو الغنى الحقيقي الذي يبحث عنه أصحاب الهمم العالية. أنظروا إلى الإمام الشافعي صاحب الهمة الكبيرة، ماذا يقول؟ قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح، لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح.
مقولة واضحة للإمام الشافعي يقول: الذي يطلب هذا العلم بعز النفس والكبر والخيلاء وجمع المال هذا لا يفلح. طالب العلم لا يكون بعز النفس والحرص على الملابس الفاخرة على السيارات والدواب والبيوت والمنازل، ثم يكون الإنسان حرصه واهتمامه بهذه الأمور، ثم يزعم أنه طالب علم، هذا هذا لا، لا يطلب أحد هذا العلم بالملك وعز النفس فيفلح.
إنسان يبحث عن الملك ويبحث عن متاع الحياة الدنيا، ويبحث عن الكبر وعز النفس ويأنف عن الجلوس بين يدي العلماء، هذا لا يفلح. قال: كيف يطلب العلم إذاً يا إمام؟ قال: ولكن من طلبه بذل النفس؛ أن تذل هذه النفس، وأن تجبرها على ضيق الحياة.
نعم، طالب العلم آآ يخرج مواصلات من بيته إلى مجلس العلم، يدفع المال ويبذله من أجل حضور مجالس العلم، يدفع المال من أجل شراء الكتب حتى ولو ضاقت به الدنيا يشتري الكتب التي يحتاجها ويذكرها مع الشيخ. طالب العلم علم يبذل المال من أجل شراء مثلا حاسب آلي لسماع الدورات والدروس الشرعية، هنا تبذل الأموال.
هنا الإنسان لا يحزن إذا دفع المال في هذه الأمور؛ لأنها ترد عليه علماً وعقلاً وفهماً وشيئاً يقربه من مولاه. فالإنسان يجب أن يذل نفسه ويذل ما له من أجل أن يحصل العلم، قال: ولكن من طلبه النفس وضيق العيش وخدمة العلماء. تذل نفسك لمشايخك ولعلمائك، نعم، إذا لم نتذلل لعلمائنا.
إذا ما طبعا بالمذلة المهانة أمام العلماء، لكن المراد أن نخدم علمائنا وأن نوقرهم وأن نجلهم وأن نلبي مطالبهم وأن نقدم لهم كل ما نستطيع مقابل العلم الذي يمنحوننا إياه. نعم، هذا العلم هو أعظم كنز يمكن أن في هذه الحياة الدنيا، فالعالم الذي يمنحك هذا العلم الرباني يمنحك كنزا عظيماً، فيستحق منك أن تبجله وأن تعظمه وأن توقره وأن تحترم شيبته وعلمه وفهمه.
نعم، هكذا يفلح الإنسان، لكن للأسف اليوم نرى الكثير من طلبة العلم إذا الشيخ قسى عليه، أو منعه من أمر معين، أو نظر إليه بنظرة قاسية، أو قال له كلمة، أو أنبه على غياب؛ تجد طالب العلم يقول: لن أعود إلى هذا الشيخ مرة أخرى، كلمني بطريقة قاسية، عاملني بأسلوب جاء فيه جفاء، آه، قال لي كلمة أحرقتني أمام الزملاء، عن طلب العلم أنت من ستخسر؟ إذا كنت من العلماء أن يحترموك فاعلم أنك ستخسر من البداية.
الطالب هو الذي يحترم العالم، نعم، العالم عليه أن يوقر الطالب وأن يحترمه، وكما ذكرنا في أدب العلماء، لكن في النهاية العالم قد يوفق طالباً، قد يؤنب، قد يخطئ، العالم قد يخطئ، أليس بشراً؟ قد تصدر منه كلمة جفاء. وظيفتك يا طالب العلم أن تلزم غرزه، وأن تحترمه، وأن توقره، وأن تجله، حتى ولو سمعت منه كلمة في غير موضعها، أو ربما كان في ضيق هذا العالم فتصرف بتصرف لا يليق، عليك أن تعتذر للعلماء، أن توقر العلماء، أن تحترم العلماء، وهكذا يرزقك الله سبحانه وتعالى بركة العلم.
نعم، بالصبر على جفاء العالم، بالصبر والتعب والجلوس الساعات الطوال في انتظارهم، والوقوف على أبوابهم، والكد والتعب من أجل الوصول إليهم، وسهر الليالي والأيام، نعم، هكذا تنادي العلم بهذا النمط. هكذا قال الإمام الشافعي وعلى هذا صار العلماء.
قال: ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح. وقال الشافعي أيضاً: لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس، يقول: لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس. كاين ولا الغني المكفي؟ قال: يا إمام طيب، إذا كان الرجل مش مفلس، لكن غني عنده الكفاف فقط، ما ينفع هذا لطلب العلم؟ قال: ولا الغني المكفي.
طبعا الإمام الشافعي، هل نريد فعلا حقيقة هذه المقولة؟ يعني يريد أن يقول: طالب العلم يجب أن يكون فقيرا حتى يصح طلبه، وفي الحقيقة لا يريد ذلك، وإنما يريد أن يوصل رسالة لطالب العلم في زمانه أن طالب العلم لا يهتم بجمع المال وكنزه، لا يجعل الرزق عائقاً يمنعه من طلب العلم واقتحام أبوابه، بل يرضى بالكفاف ويجعل همته وهدفه نصب عينيه رضا الله سبحانه وتعالى، ورفع لواء الشريعة، وإحيام المعالم التي اندرست بطلبه للعلم.
هذا هو الهدف الأسمى والأسامى الذي يسعى من أجله، ويبذل وقته وحياته وزهرة شبابه من أجل تحصيله، حتى ولو سبب ذلك قلة في المال، حتى ولو سبب ذلك قلة في المال. ولكن في الحقيقة دعوني أيها الأحبة أقول كلاماً عاماً أن هذه المسألة قضية الرزق والمال تحتاج إلى شيء من الاتزان، فكل يعني فكل إنسان أستطيع أن اقول يصلحه شيء لا يصلح الآخر، هناك إنسان يصلحه الفقر العلم، وهناك إنسان لا يصلحه الفقر وطلب العلم، بل يحتاج أن يكون غنياً مكفياً حتى يطلب العلم، فالناس على أصناف، على أصناف.
هناك صنف فعلاً إذا امتلك المال شغله المال، وانصرف عن مجالس العلم، فهذا لا يصلح له العلم إلا الفقر، وهناك قسم بالمقابل إذا كان فقيراً تفرق همه وتشتت ولا يجتمع قلبه، وأما إذا رزق مالاً يكفيه اجتمع قلبه أهل العلم.
فهل فعلا يجب أن يكون طالب العلم فقيرا معدماً حتى يطلب العلم؟ أقول: لا، بل القضية أن الله سبحانه وتعالى يعلم ما يصلح كل إنسان، فإذا كان فقيراً، إذا كان فقيراً فليشتغل بطلب العلم ولينظر في حاله، فلعل الفقر هو أصلح له في طلب العلم، هو الأجمع لهم، ولقلبه، ولخاطره؛ لأن الله سبحانه وتعالى يعلم يا طالب العلم الفقير أنك إذا أصبحت غنياً ستنصرف عن العلم وستنشغل بالدنيا، ووالله كم رأينا أحبتي من أناس رأينا كانوا في قلة من الدنيا، ولكنهم كانوا محبين للعلم، مجالسين للعلماء، فلما فتحت عليهم الدنيا بزهرتها تركوا مجالس وأقبلوا على هذه الحياة وتجارتها، رأيناهم وكثر.
فلا تحزن يا طالب العلم الفقير على قلة مالك وقلة بضاعتك في هذه الحياة الدنيا، فالبضاعة الحقيقية هي التي تتاجر فيها مع ربك سبحانه وتعالى. هذه البضاعة التي فعلا يفتخر الإنسان بالوصول إليها وامتلاكها وتحقيقها، وليست أموال الدنيا الزائلة التي تنتقل إلى الورثة.
وفي المقابل كما قلنا رأينا بعض طلبة العلم إذا كان فقيراً أو قل ماله زاد وانشغل وتشتت قلبه ولا يجتمع له، فإذا آتاه الكفاف ورزق شيئاً من المال وأصبح وضعه جيداً انصرف للعلم، وكفاه الله سبحانه وتعالى لمونة التفكير في الرزق.
فأظن أن القضية تحتاج إلى شيء من الاتزان؛ لأن بعض الناس حينما يقرأ مثل هذه المقولات للشافعي ومقولات مالك وأبي حنيفة التي ستأتي معنا يظن أن طالب العلم يجب أن يكون فقيراً ولا يصلح الغناء لطالب العلم، ولا أظن أن هذه النظرة نظرة متكاملة للموضوع، لأني كما قلت لكم أرى أن بعض طلبة العلم الفقر يمنعه من الطلب، ولا يصلح له إلا الغنى، فنقول.
وربك سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء ويختار، هذه تقاسيم الله وعزاه، والإنسان اسألوا الله ما يصلحه. والإنسان يسأل الله سبحانه وتعالى ما يصلحه ويرضى بما قسمه الله له. النبي كان يدعو ربه سبحانه وتعالى: اللهم إني أسألك علما وعنه رزقا واسعا. كان يسعد رزقه الواسع ولكنه يرضى بما كتبه الله سبحانه وتعالى له، ويعلم أن الخير فيما اختاره سبحانه وتعالى.
طيب نكمل، نستهلك الوقت في هذا الموضوع. آه قال الإمام مالك: لا يبلغ أحد من هذا العلم ما يريد حتى يضربه الفقر ويؤثره على كل شيء. هذا أيضا الإمام مالك إذا قولته أو مقولته متوافقة مع مقولة الإمام الشافعي رحمة الله أو متقاربة، أنه لا يبلغ أحد من هذا ما يريد حتى يضربه الفقر، يعني حتى يأكله الفقر، وحتى يؤثر العلم على كل شيء. وهذا هو المراد كما قلت لكم كلام الأئمة، هم يقصدون في الحقيقة يعني هذا هو المقصد الذي علينا أن نركز عليه، أن إذا كان هناك شيء يشتت شملك العلم فأعرض عنه حتى تحصل العلم في هذه الفكرة.
أي شيء يشتت عقلك وذهنك وقلبك في الحياة الدنيا فعليك أن تنقطع منه وأن تقلل منه ولا تأخذ منه إلا بقدر الحاجة وتعود إلى العلم مرة أخرى، هذا الذي يريده العلماء. فإذا المال والسعي في تجارات الحياة الدنيا سيرضيك عن العلم فاعلم أن عليك أن تقلل من هذا السعر، إذا كنت تطمح أن تكون عالما عليك أن ترضى من قوت الحياة الدنيا بما يقيم عيشك، وتنصرف إلى العلم مطالعة وقراءة وتحريرا.
أحبتي، هذا العلم في الحقيقة أظن أننا في الوقت المعاصر ما زلنا لا نعرف حقيقة طلبه. أكثر الناس وأكثر طلبة العلم بل أكثر من يحمل شهادات الدكتوراة والشهادات الجامعية العليا إلى الآن ممن قابلتهم ورأيتهم لا يعلمون ما هي حقيقة طلب العلم! صدقوني لا يعلمون ما هي حقيقة طلب العلم؟ يظنون أن العلم هي بالقراءة الساعة والساعتين، أو قراءة شيء من الكتب المعاصرة، أو بكتابة رسالة تقدمها لجامعة أو لهيئة، أو ببعض المجالس العلمية التي يحضرها، ولا يعلم أن العلم لا ينال براحة الأجساد وإنما بسهر الليالي وظمأ الهواجر.
لا يعلمون أن العلم بالسنوات الطوال، العلم أحبتي يحتاج إلى عشرة والعشرين والثلاثين من الأعوام. هكذا طلب الأئمة في العلم، كان أحدهم يبدأ في الحادي عشر من عمره ثم يتصدر في الأربعين يكون عالما، يرحل في طلب العلم ثلاثين عاما، يرحل في طلب العلم أربعين عاما، عشرين عاما، خمسة عشر عاما، حتى يصبح عالما ربانيا يرضى، ويسير في الصحاري وفي الغابات، ويترك الأهل والخلان، ويترك التعرض للأخطار من أجل أن يسمع حديثا أو يقف على فائدة. هكذا طلب العلم: سهر الليالي وظمئ الهواجر وهجرة الأوطان والأهل والخلة.
هكذا بذلوا وحصلوا وتعبوا في ضيق من العيش وصعوبة في الحياة، فأنالهم الله سبحانه وتعالى الرفعة وما كانوا يستعجلون للتصدر كما يحدث مع أحبائنا اليوم. تجد أحدهم إذا طلب العلم في سنة أو سنتين أو قرأ كتابا أو كتابين أو جالس شيخا أو شيخين، إذا هو الإمام الكبير والنحير الذي لا يقبل أن يناقش، وإذا حصل على شهادة دنيوية أو نال مرتبة أو كرسيا يجلس عليه أصبح إماما أعظما لا يناقش وله الحق في الترجيح، مع أنه في سلم العلماء الاقدمين في سلم العلماء الأقدمين ما زال في الخطوة الأولى في طلب العلم.
في بعض الناس الذين قابلناهم أو رأيناهم أو عايشناهم يظن نفسه إماما كبيرا، ولو وضع عند الأقدمين لوضعوه في مجالس المبتدئين في طلب العلم. لماذا أحبتي؟ لأننا في هذا الزمن هناك ضياع، هناك تشتت في معنى حقيقة طلب العلم. طلب العلم أحبتي هي السنوات الطوال، أعيد وأكرر هي ملازمة الأساتذة والشيوخ والعلماء، وصحبة لأستاذ وطول زمان كما قال الشافعي، هذه من أركان العلم التي لا تنخجل.
لا يمكن للشخص يعني من كرامات العلم أن يفتح له العلم في سنة واحدة وينال الفقه والأصول والاعتقاد. العلماء أولياء الله سبحانه وتعالى المقربون من الله عز وجل بذلوا أعمارهم وسنوات الحياة من أجل العلم، فلا تظن اخي الكريم، اياك أن يخدعك الإعلام، اياك أن تخدعك وسائل التواصل الاجتماعي، اياك أن تخدع بالدراسات الأكاديمية، عليك أن تعرف حقيقة العلم من هنا من كلام ابن جماعة ومن كلام غيره من الأئمة الكبار. عليك من ثنايا حروفهم أن تلتقط ما هو العلم الشرعي وأن تعرف حقيقة ثقته وأن تعرف الغثاء الكبير الذي تحياه الأمة في هذا الوقت، نسأل الله السلامة والعافية.
الإمام مالك عليه رحمة الله تعالى لما قال: لا يبلغ أحد من هذه العلم ما يريد حتى يضربه الفقر ويؤثره على كل شيء. هذه المقولة ليس مجرد تنظير من الإمام مالك بل كان هذا واقع حياة الإمام مالك. الإمام مالك كما تروي كتب السير لما كان يطلب العلم اضطر أن يبيع سقف بيته من أجل أن يطلب العلم. هل تعلمون ذلك؟ نعم الإمام مالك إمام دار الهجرة احتاج لمال في أثناء الطلب، فلم يجد طريقا لتحصيل المال إلا أن ينقض سقف بيته، كان من جريد النخل أو ما شابه ذلك، باع سقف بيته من أجل أن يطلب العلم.
أحدنا اليوم أحبتي يأنف من دفع شيء من المال يشتري كتابا يحضر به المجالس مع الشيخ، يجلس مدة الدورة كاملة -أنا أععرف بعض الطلبة معنا يجلس مدة الدورة كاملة وليس معهم كتاب!- يا فلان لماذا لا تشتري كتابا تسمع به الدرس وتنظر فيه؟ يقول: يا شيخ والله المشوار حتى أذهب إلى المكتبة بعيد، فأنا أسمع إن شاء الله وألخصه في المستقبل، أشتري الكتاب. الله أكبر! الله أكبر لهذه الدرجة وصل عندنا الكسل والبخل ببذل المال!
تجد وحدهم إذا أراد أن يأكل طعاما أو يشرب شرابا ذهب إلى أقاصي الديار من أجل أن يأتي بهذا الطعام أو الشراب، وإذا أراد أن يلهو ويعبث في هذه الآية يدفع الأموال ويسقى بها يسافر إلى بلدان السياحة، وإذا قيل له: اشتر كتابا تحفظ منه المتن أو تنظر أثناء شرح الشيخ تجد الشيطان يثبطه ويضعف عزيمته وهو يركن إلى إبليس وإلى خطراته ووساوسه. فيا من دفع المال في هذه الأمور مع أن لديه ماء وافرا، أقول لك: الإمام مالك نقض سقف بيته ليشتري الكتب والصحف من أجل أن يطلب العلم، وأنت رزقك الله سبحانه وتعالى المال والحمد لله.
اليوم الكتب والطبوعات ووسائل التواصل فتحت كل كتب وسائل الوصول على الكتب وتصويرها ونقلها والوصول إليها بأسهل طرق، ولكن الكسل والشح بالمال يمنعنا من طلب العلم. أبو حنيفة رحمة الله عليه يقول: يستعان على الفقه بجمع الهم. انظروا إلى كلام أبي حنيفة قال: يستعان على الفقه بجمع الهم. يستعان على الفقه بماذا؟ بجمع الهم. كيف يعني؟
كما قلنا لكم إن الفقه في المسائل الشرعية، سواء مسائل الاعتقاد أو أصول الفقه أو الحديث أو شروح الأحاديث أو مسائل التمذهب الفقهي، هذه المسائل تحتاج إلى اجتماع الهم القلب عليها، قلب مشتت في شعاب الحياة الدنيا، يفكر في مآكلها ومشاربها وملذاتها وأرزاقها، هذا لا يصلح لضبط الفقه ولفهمه، لا يصلح. الفقه في الدين يحتاج إلى جمع الهم وجمع شتات القلب والانكباب على علوم الشريعة.
نكمل. قالوا: يستعان على حذف العلائق العلائق الاجتماعية، قال: بأخذ اليسير عند الحاجة ولا يزد. قال: ويستعان على حتى تتخلص من علائقك مع الناس، عليك أن ترضى من هذه الدنيا بماذا؟ باليسير من كل شيء، لأنك إذا كنت تبحث عن ماء كثير ستزداد علائقك مع الناس، تتاجر مع فلان وتتصل بفلان، وفلان يكلمك، وفلان يخبرك عن التجارة، إذا كنت إنسانا منشغلا بالتجارة وبالأموال، طبيعة الحياة الدراسية كل ديك علائق كثيرة ومصالح كثيرة منفتحة وتحتاج أن تتابع هذه المصلحة وهذه المصلحة وهذه المصلحة.
فأي قلب يجتمع على طلب العلم؟ فكما قال الإمام الشافعي: يستعان على حذف العلائق يعني على تقليلها والتقلل منها، قال: بأخذ اليسير عند الحاجة، أن تأخذ منها بقدر الحاجة، قال: ولا يزيد. قال فقال ابن جماعة بعد أن ذكر كلام الشافعي وكلام مالك وكلام أبي حنيفة يقول معلقا: قال فهذه أقوال هذه
فهذه أقوال هؤلاء الأئمة، الذين لهم فيه القدر المعلى غير مدافع، وكانت هذه أحوالهم رضي الله عنهم. يعني يقول: هذه الأقوال التي نقلتها لكم من كلام أبي حنيفة ومن كلام الشافعي، هذه أقوال الأئمة الذين لهم القدر المعلى وأحرزوا قصب السبع في هذا الميدان، في ميدان العلم. أنظروا ماذا قالوا لكم؛ يعني أنا إذا أردت أن أقتدي بإنسان، أنا أقتدي بالأئمة الكبار؛ الإام مالك إمام عظيم، إمام مالك إمام دار الهجرة، الإمام الشافعي إمام ملء الدنيا علوماً، الإمام أبو حنيفة إمام كبير جداً، الإمام أحمد بن حنبل من الأئمة الكبار.
وهؤلاء الأئمة الكبار كلهم ينصون على ويركزون على واحدة في العلم، الكل متفق عليها، وهي أن هذا العلم يحتاج إلى اجتماع القلب والهم. هذه القضية يا طالب العلم عليك أن تحفظها جيداً من الآن؛ العلم لا يصلح إلا باجتماع القلب. فمتى تشتت القلب في شعاب الحياة الدنيا ضاع العلم، احفظها، هذا كلام سلفك الصالح، كلام أئمتك الكبار، ليس كلام عبد فقير، بل هو كلام الأئمة الكبار.
الكل متفق على أن هذا العلم إنما تحصيله وجمعه والبروز فيه يكون بجمع القلب والهم على المطالعة والحفظ والمدارسة، والرضا بما يرزقك الله سبحانه وتعالى، ولا يكون همك في الحياة الدنيا جمع الأرصدة وتكثير الأموال وكنزها وأن تكون كل يوم في مظهر جديد وفي لباس جديد. ومن كان هذا فليرض بما قسمه الله له من العلم، ولا يطمح أن يكون شيئاً.
فكلامي الآن مع أصحاب الهمم العالية الذين يقولون: يا شيخ كيف نحقق وكيف ننجز كما أنجز العلماء الكبار؟ قال الخطيب البغدادي رحمة الله عليه: أنظروا هذه للعزاب، هذه الفكرة التي سيذكرها الخطيب البغدادي للعزاب ولمن لم يتورط بعد بالزواج، وأما من تورط بالزواج فقد قضى الله أمراً كان مفعولاً. يقول الخطيب البغدادي: ويستحب للطالب، طالب العلم، أن يكون عزباً ما أمكنه. لماذا؟ قال: لأن لا يقطعه الاشتغال بحق الزوجية وطلب المعيشة عن إكمال الطلب.
وهذه أيضاً من الحكم التي ينبغي أن تؤخذ باتزان، أن تؤخذ بماذا؟ باتزان. الخطيب البغدادي إمام كبير وصاحب كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآادب السامع، وهو من أئمة علم الحديث الكبار، كما ذكرنا في شرحنا على نزهة النظر. ماذا يقول لطالب العلم؟ قال: يستحب للطالب أن يكون عزباً، الأفضل في حق طالب العلم إذا استطاع أن يضبط شهوته بهذا الضعف؛ طالب العلم الذي لا تغلبه، يستطيع أن يكبح جماحها وأن يسيطر عليها وأن ينشغل بهم العلم، غلب العلم على عقله وفكره فما عاد يفكر بالنساء.
هذا الطالب، هذا النوعية من الطلاب، نعم هذا نقول له: لو أخرت الزواج فهو أفضل في حقك، حتى لا تنقطع ولا تنشغل عن العلم بحق الزوجية؛ إذ إنك إذا تزوجت هناك حق شرعي، حق الزوجية، ولا يحق لك أن تقصر في حق الزوجية في أنك تطلب العلم. نعم، تتفاهم مع زوجك أنك طالب علم وأنك تريد أن تتقدم في هذا المجال، وعليك أن تحسن اختيار الزوجة الصالحة التي تعينك على الإتمام في هذا الباب.
ولكن في النهاية ولزوجك عليك حق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: ولزوجك عليك حق. فقضية حق الزوجية هذا حق يشغل، هذا لابد منه. وأيضاً ليس فقط حق الزوجية، حق أنت إذا تزوجت تحتاج إلى كسب القوت من أجل أن تنفق على زوجك، وغداً سيصبح لك أبناء، وستحتاج أن تنفق على أبنائك وتبدأ تكون أسرة. فيقول العلماء: يستحب لطالب العلم إذا قدر على ضبط شهوته أن يؤخر الزواج.
ولكن إذا كان طالب العلم مشغولا بهم الزواج وقد غلب هذا الهم على فكره، فإن قلبه تشتت وما عاد يستقيم عليه، فهنا يكون الأصلح في حقه الزواج. إذا كان طالب العلم مشتت القلب بسبب شهوة النكاح وحاول أن يكبح جماحها فما استطاع، فهذا الطالب ما هو الأحق في حاله الذي نصحه به؟ إذا كان لديه قدرة على الزواج فليتزوج، هذا هو الأولى.
خاصة في زمن مثل هذا الزمن، أحبتي، انتشرت الشهوات، زمن انتشرت فيها الشهوات في كل مكان، في الجامعات، وحتى رأيت تدرس الشريعة في صلب الجامعة تجد الشهوات أمامك، تجد الفتن أمامك، فليس كل طالب أو طالبة ذهبت إلى المعاهد الشرعية تكون ملتزمة بالهدي الشرعي، وليس كل طالب يكون ملتزماً بالهدي.
فطالبة العلم قد تفتن في المعاهد الشرعية، وطالب العلم قد يفتن في المعاهد الشرعية بسبب من ضعف إيمانه ورقة دينه ممن يحضر هذه المعاهد والجامعات بعمومها كثر فيها الاختلاط والفساد، وسائل التواصل كثر فيها الفحش، التلفاز، الطرقات في بلدان الفواحش منتشرة، نسأل الله السلامة والعافية وأن يقينا المنكرات ما ظهر منها وما بطن. فطالب العلم يعيش اليوم في معركة مع شهوته وفي كبح جماحها.
فإذا كان طالباً قادراً على كبح الجماح ورزقه الله سبحانه وتعالى تفرغاً في أماكن لا يرى فيها مثل هذه الشهوات ولا يتعرض فيها لمثل هذه المنكرات، فهذا نقول له: استمر في طلبك للعلم ودع الزواج إلى أن ييسره الله سبحانه وتعالى حتى تستطيع أن تحصل. لأن بعض طلبة العلم هو الذي يفتح على نفسه الباب.
والله يا أحبتي رأينا بعض طلبة العلم ممن رزقهم الله سبحانه وتعالى التفرغ لطلب العلم واتاهم الله سبحانه وتعالى ذكاء، ولم نجد فيه ذاك يعني تلك الشهوة، ولكن أصبح يفكر في الزواج في وقت مبكر، يعني هو الذي فتح على نفسه هذا الباب، أصبح يطمح إلى الزواج ويفكر في فتح بيت ويقول الاستقرار وما شابه ذلك.
ويقول: هذا لن يؤثر على طلبي للعلم، ثم إذا به بعد أن تزوج انقطعت مجازله به بالكلية، انقطع عن مجالس العلم بالكلية مع أنه كان في معزل عن ذلك ابتداءً، وكان في مأمن من ذلك، كان يستطيع أن يبقى على حاله في طلب العلم ولم تكن في تلك يعني في تلك البلدان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي المدينة النبوية أو غيرها من المناطق التي قل فيها مثل هذه الشهوات لم يكن هناك حاجة داعية له إلى هذا الأمر، ولكن هو الذي يورط نفسه ويقحمها في هذه يعني نقول في هذه الأبواب فيخسر كثيراً من عمره، يخسر كثيراً من عمره.
ربما يقول القائل يا شيخ ربما هو محتاج، نحن نقول من كان محتاجاً لطلب العلم فهذا حقه الزواج قولا واحداً لا يخالف في ذلك أحد، فإن الابتعاد عن الفتن وعفة النفس أولى من طلب العلم في حقه. لكن نحن نقول: من استطاع أن يكبح جماح شهوته، من استطاع أن يصبر ولم تكن هناك الشهوات، أو لم يكن متعرضاً للشهوات، ورزقه الله سبحانه وتعالى تفرغاً في مواطن تقل فيها مثل هذه الأمور، فلا يفتح على نفسه باباً مغلقاً، بل يحاول أن يركز في طلب العلم قدر استطاعته، يحاول أن يركز في طلب العلم قدر استطاعته حتى ينال شيئاً من هذا العلم ثم بعد ذلك ينكح إن شاء الله.
فهذه نصيحة من الخطيب البغدادي. وسفيان الثوري رحمة الله عليه يقول: من تزوج فقد ركب البحر. أنظروا سفيان الثوري ماذا يقول؟ يقول: من تزوج فقد ركب البحر، يعني إذا تزوجت يا طالب العلم أنت ركبت الأمواج، فإن ولد له ولد فقد كسر به. يعني أول ولد قد يأتيك بعد الزواج اعرف أن هذه السفينة غرقت، يعني غرقت في هموم الحياة الدنيا. لأنك أنت أولا ركبت إذا تزوجت بدأت تركب أمواج، ها لم يكسر بك بعد، بدأت تركب أمواج الحياة، فإذا ولد لك انكسرت السفينة وبدأت في هموم الحياة تصارع من أجل قوت العيال.
فهذه من الحكم التي يعني تكلم بها بعض السلف رحمة الله عليه، يعني بعض الناس الآن نظرته لهذا الموضوع، موضوع الزواج، أما في الجانب الأيمن تماماً أو في الجانب الأيسر تماماً ما عنده اتزان. البعض يقول: ما في داعي للزواج وتستطيع أن تكبح جماح شهوتك ولا تتزوج حتى تققطع في العلم مشوار، وأي إنسان يتزوج قبل
لذلك هذا الاسم يصادف به طلب العلم، وهذا أظنه شيء من التكلف، وفيه شيء من الشدة. وفي الجانب الآخر هناك من يحثه الطلبة: تزوجوا في وقت مبكر وأدخلوا في وقت مبكر.
لطلبة العلم؛ شف عموم الناس الذين ليسوا بطلبة علم، هؤلاء نحثهم على الزواج المبكر في هذا الزمان. عموم الناس الذين يشتغلون باتجاه والصناعة وغيرها من أمور الحياة؛ متى رزق أحدهم مالا فنحن نحثه على الزواج المبكر حتى يعف نفسه، لأنه لا يوجد ما يشغله من العلم، فهذا عليه أن يعف نفسه في وقت مبكر. لكن كذلك بالتحديد عن طالب العلم، حتى لا يفهم كلامي بشكل خاطئ، أن بعض الناس يستعجل في دفع طلبة العلم إلى الزواج ويحثهم على الزواج المبكر. ونحن نعلم مضائق الحياة الدنيا أحبتي، يعني لا نغمض على أنفسنا على أعيننا ونقول انك وتوكل على الله سبحانه وتعالى.
نعم، تزوج وتوكل على الله، لكن أيضا علينا أن نأخذ بالأسباب. يا طالب العلم، انظر في واقع حياتك، خاصة في هذا البلد وفي غيره من البلدان؛ تجد قضية تحصيل وظيفة أو تحصيل حياة كريمة تستطيع أن تحيا بها بكرامة، شيء يحتاج إلى جمع المال وتفرغ له. فما بالك أنك إذا تزوجت وأصبح عندك أطفال؛ هموم الحياة تزداد ثم تزداد، وهذه كل، وهذه كلها مشاغل تصرفك عن مجالس العلم، وتقلل من قدرتك على العطاء للعلم، وعلى مدارسة الكتب وتحليلها والجلوس مع الأشياء.
فنحن لا نتطرف أقصى اليمين ولا نتطرف أقصى الشمال، فلننظر بنظرة اعتدال أن نقول: يا طالب العلم، إذا رزقك الله سبحانه وتعالى قوة على كبح جماح شهوته بالصيام، ورزقك انقطاعا عن مواطن الشهوات بعد أن رحلت مثلا إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقت فيها سنوات، وابتعد ولم يكن لك مباشرة للنساء في أعمالهم وفي وسائل التواصل وما شابه ذلك بحمد الله أن تكبح الجمح فتفرغ للعلم، ولا تستعجل في اتخاذ القرار. فنعطي العلم وقتك وزهرة الحياة، ثم بعد ذلك، ها، ثم بعد ذلك إن شاء الله تتزوج.
وأما إذا غلبت عليك الشهوة وفقدت التركيز، ولم تعد تفكر إلا بالزواج ولديك القدرة على الزواج؛ فتوكل على الله، هذا فرضك، وأن تعف نفسك أولى من أن تباشر العلم، ولعل الله ييسر لهذه الأمة من يطلب العلم. لذلك، يعني هذه السنة، سنة، أو هذا نقول له هذا الأدب، هذه السنة، هذا الأدب تأخير الزواج لطلبة العلم، هذا اتخذه كثير من العلماء. الإمام أحمد بن حنبل متى تزوج؟ تزوج على الأربعين من عمره، تزوج على الأربعين من عمره لأنه كان منشغلا بهم العلم والتفكر فيه، وسافر من أجله وارتحل.
حتى القاسم بن محمد تلميذ الإمام مالك بن انس؛ كان متزوجا في مصر، فلما ظهر له طلب العلم وأحبه وشرف به، أراد الرحيل إلى مالك بن انس في المدينة والإقامة عنده. فماذا قال لزوجه؟ خيرها بين أن تبقى في عصمته وترضى بالبقاء في مصر وهو يبقى في المدينة مدة من الزمن يطلب العلم، أو أن تعود إلى بيت أهلها. يعني انظر كيف كانوا شديدين وحريصين على طلب العلم، ويدركون أن هذه الحياة لا يمكن فيها أن تجمع كل شيء. صعب، هكذا الحياة الدنيا أن كل شيء يأخذ وقت.
فالإمام، طبعا هذا ليس سنة، يعني يقول الطالب: أنا آخذ رأي القاسم بن محمد الآن يخلي زوجته. أنا أقول لك: انظر في كيف نظرتهم، يدركون أن حق الزوجية حق، ولا ولا يصح للقاسم بن محمد أن يفرط في حق الزوجية من دون رضاها. إذا هي رضيت بالمقام معه مقابل ذهابه إلى مالك بن انس سنوات؛ فهي تنازلت عن حقها، وإن لم ترضى فليس له أن يبقيها وأن يؤذيها. فحق الزوجية حق، وقدام، عليك أن تراعيه، فإياك أن تتورط به وأنت في بداية طلبك للعلم مع قدرتك على كبح جماح شهوتك، لأنك متى التزمت به عليك أن توفيه حقه.
لا، في هذا أكثر من ذلك، قالوا بالجملة: فترك التزويج. لاحظ الآن القاعدة التي ذكرها ابن جبال، قال: وبالجملة، يعني عموما، فترك التزويج لغير المحتاج إليه أو غير القادر عليه أولى. ترك التزويج لغير المحتاج إليه، هذا الضابط الذي ذكرناه، يعني انسان لم تغلبه شهوته، فترك التزويج لغير المحتاج إليه من طلبة العلم أو غير القادر عليه؛ أنا طالب علم الآن لا يملك قوت عيالي، قال: أولى، لا سيما للطالب الذي رأس ماله جمع الخاطر، واجمام القلب، واستعمال الفكر. رأس مال طالب العلم وقته، متى ضاع هذا الوقت وذهب في شعاب الحياة الدنيا في حق الزوجية وكسب المعيشة وكسب الرزق؟ والان ولد لك ولد؛ هناك تبعات، هناك مدارس، هناك مصاريف، هذا كله أحبتي يشغل الإنسان.
ولكن بعد كل هذا التعليق، أقول: حتى لو تزوجت يا طالب العلم، حتى لو أصبح عندك أولاد؛ لا تنقطع عن طلب العلم، أبقي حبلا بينك وبين العلم الشرعي، أبق مجالس العلم حاضرة في حياتك، حتى ولو بالقليل، فقليل دائم خير من كثير منقطع. إياك أن تقول: والله أنا تزوجت أو كثرت علي هموم الحياة فلا أستطيع أن أكمل العلم الشرعي. والله رأينا من النماذج المشرقة من عنده أولاد خمسة وينشغل في وحقوقهم، ويعمل من الصباح إلى المساء، وما زال يطلب معنا العلم.
هناك أصحاب همم عالية، لا يمنعهم الزواج والنكاح والأطفال والأبناء عن طلب العلم. هذه النماذج المشرقة هي التي ندعو إليها في النهاية؛ نعم، الزواج سنة محمد صلى الله عليه وسلم وهديه صلى الله عليه وسلم، ومن تزوج فهذا لا يعني انتهاء الحياة العلمية، بل الإنسان يستطيع أن يتزوج وأن يأتي بالعلم. نعم، يستطيع، هي طبعا الزواج مشغلة مشغلة، وسيأخذ جزء من الوقت لا محالة، ونحن نقول لك: اخر الزواج، أنت تستطيع أن تعطي وقتا أكثر للعلم.
لكن في النهاية، هل يعني إذا تزوجت أني أنقطع عن العلم؟ أني لا أحرص على حضور المجالس الشرعية وأن أطلب العلم؟ بعض أهل العلم كابن عقيل الحنبلي رحمة الله عليه قال كان يقول: واجد الهمة في الثمانين أكثر من الهمة في العشرين، وهذه ذكرناها كثيرا، يعني بعد أن أصبح عنده أولاد. وابن عقيل الحنبلي على فكرة مات ابنه وهو صغير، وهو شاب يعني صغير في، كان أظنه في الثامنة أو شيء من عمري. ابن عقيل كان له ابن من العلماء، لكن هذا الابن مات في الثامنة والعشرين من عمره، وبقي ابن عقيل، يعني شوف هموم الحياة الدنيا، مصائب الحياة الدنيا مات ابنه وكان متزوجا وله أبناء ويحتاج إلى رزق، يعني عنده هموم في الحياة الدنيا.
بعض طلبة العلم يظن أن العلماء قديما كانوا متفرغين للعلم ولا يوجد لهم هموم لذلك أفلحوا، كانوا متزوجين وكان عندهم أبناء وهموم وابتلاءات وضيق في شو؟ أفلحوا. الإمام النسفي رحمة الله عليه كان يقول: كنت يوما جالسا في منزلي أفكر في هم أطفالي، كان عنده عائلة وأطفال، قال: لا أجد قوتا ولا أجد طعاما يكفيها. فجالس الإمام النسفي مهموم ومحزون يفكر كيف يطعم هؤلاء الأطفال. قال: فإذا بمسألة علمية ترد على ذهني وانقدح لي حلها، فقفزت مسرورا، وذهب الحزن والهم الذي كنت به.
انظروا كيف العلم الشرعي كان سببا في فك همه وحزنه. قال: كنت مهموما أفكر في قوت العيال، من أين أتي لهم بالطعام؟ فإذا مسألة شرعية كانت أشكلت علي فتحت لي في هذا المجلس، وهذه هدية من الله لكم. قال: فكانت سببا في ذهاب همي، فرحت وسررت جدا أنها فتحت. فالعلم دائما فيه بركة، حتى ولو كنت في ضيق من الحياة، حتى ولو كثر عيالك وقل مالك، فالعلم بركة، إياك أن تنقطع.
نذهب الآن إلى الأدب الخامس. الأدب الخامس أحبتي؛ بعد أن تكلمنا عن موضوع الرزق وعن قضية المال وقضية الزواج في حياة طالب العلم، نذهب إلى قضية الحفظ في حياة طالب العلم. في الحقيقة، كتاب جميل من جماعة؛ أنه يتكلم عن محاور عديدة وعن عوائق طبعا، محن طلبة العلم يسألون عن حلها وكيف يقتحمونها، فلذلك أجد هذا الكتاب كتابا نافعا على طالب العلم أن يهتم بقراءته في بداية طلبه للعلم.
قال الخامس: أن يقسم أوقات ليله ونهاره ويغتنم ما بقي من عمره؛ فإن بقية العمر لا قيمة له. قضية تقسيم أوقات الليل والنهار في طلب العلم هي عود على قضية اغتنام الأوقات. لكنني أنتقل إلى الجملة التي تليها، هي التي تهمني في هذا الأدب الخامس. قال: وأجود الأوقات للحفظ الأسحار، وللبحث الأبكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل.
ابن جماعة يقترح عليك برنامجاً يومياً، هذا اقتراح من ابن جماعة اقترح عليك يا طالب العلم برنامجاً يومياً تملأ به وقتك وتضعه خطة في حياتك. ما أول برنامج اليومي الذي يقترحه ابن جماعة عليك؟ يقول ابن جماعة: استيقظ قبل الفجر في وقت السحر واجعل هذا وقت للحفظ. نعم يا شيخ، ما هذا وقت استغفار، وقت قيام ليلة، استغفر؟
وأطلب العلم أيضاً، العلم من أعظم العبادات التي تتقرب بها إلى الله، أنت وظيفتك طالب علم. وصدقني أن طلبك للعلم في هذا الزمن وانشغالك به من أفضل العبادات التي تتقرب بها إلى رب البريات. فإاياك أن تقول: الله سحر وأطلب العلم، لا، هذا وقت قيام ليل واستغفار. أوالا تستطيع أن تجمع؟ استغفر وصل لله سبحانه وتعالى، ثم اجلس واحفظ وردك من الفقه والاعتقاد أو الأصول أو ما شابه ذلك. المهم يقول وفي دعاء وقت السحر للحفظ.
قال: وللبحث الأبكار. الآن بعد الفجر، من الفجر وحتى الساعة التاسعة يعني وقت الضحى وقت البكور، قال: هذا أجعله للبحث. المراد بالبحث هنا، أه عموماً تستطيع أن تسمع فيه درساً، تعطل فيه مجلس علم، وإذا كان هناك بحث مثلاً أنت لجامعة أو لشيخ أو تريد أن تكتب، لا ليس الكتابة، الكتابة دعوها. المهم هناك بحث عن مسألة، أه بحث تريد أن تقدمه لجامعة، أه كما قلنا سماع محاضرة تلخيص محاضرة، هذا كله جعلوه في وقت الأبكار.
لأنه وقت صفاء الذهن، الناس نيام، أغلب الناس عوام الناس تكون نيام في هذا الوقت أو قد ذهبوا إلى أعمالهم، فأنت اجعل وقت البكور للبحث الدقيق. وقت صفاء راقي جداً فعلاً للبحث العلمي. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: بورك لأمتي في بكورها. وأخفيه من البركات الشيء العظيم، ويفتح الله عز وجل فيه على العبد الخير العميم الكبير.
قال: والكتابة وسط النهار. إذا كنت تريد أن تكتب مثلاً كتاباً أو تصنيفاً أو عندك مثلاً أمور تحتاج إلى كتابتها في ميدان الميادين، فيقول لك ابن جماعة: ادعو لها في وسط النهار، يعني بعد الظهيرة أو قبل الظهيرة بحسب وقت القيلولة. قال: واجعل للمطالعة والمذاكرة الليل. القراءة المفتوحة، قراءة المطالعة العامة والمذاكرة العامة مع الزملاء والأصحاب تكون متى؟ قال: اجعلها في الليل.
فالمطالعة والمذاكرة، المطالع القراءة العامة، أريد أن أطالع كتاب مثلاً في السير أو كتاب في الآداب والأخلاق والتزكية، أو كتاب مثلاً في سير العظماء أو ما شابه ذلك، هذا قال المطارع، أو إذاكر مع زملائي درس درسناه سابقاً في الصباح مثلاً مع الشيوخ، فالمطالعة والمذاكرة في الليل.
هذا تقسيم ابن جماعة، وهذا برنامج، هذا ليس إلزامياً. يقول لك نعيد البرنامج سريعا: وقت السحر للحفظ، وقت البكور للبحث في المسائل وسماع الدروس وعطور مجالس العلم، وقت الظهيرة من بعد الظهيرة مثلاً إلى العصر أو من بعد العصر مثلاً إلى قبيل المغرب هذا للكتابة والتأليف والتصنيف أو ربما تجعله لتلخيص مثلاً الدروس التي سمعتها في الصباح.
وقال: والليل تجعله للمطالعة والمذاكرة. ثم بعد ذلك تنام في وقت جيد حتى تستطيع أن تستيقظ السحر، يعني أكيد في وقت للنوم. هو عندما يقول لك والمطالعة والمذاكرة الليل لا يقصد جميع الليل، ساعتين ثلاث أربع، ثم مثلاً تنام الساعة الواحدة والثانية عشر مثلاً وتستيقظ عند السحر، تمام؟
وإذا استيقظت للصحراء وذكرت الله واستغفرت وقرأت شيئاً في العلم ثم بعد ذلك صليت الفجر في جماعة الحاضرة وجلست للشروق وبحثت شيئاً بعد الشروق للساعة التاسعة، ثم تنام مرة أخرى، تعطي هذا الجسم يحتاج إلى راحة. وزنات إلى قضية النوم مع ابن جماعة، لابد يرتاح هذا الجسم؛ لأن بعض طلبة العلم يرهق نفسه بترك النوم فإذا بالامراض تأتي عليه، وهذا خطأ.
هذه النفس عليك أن تحسن قيادها، فالإنسان لا يكلف نفسه ما لا تطيق، وكل إنسان أدرى بنفسه. هذه النفس عليها أن تأخذ قدرها في الراحة حتى تساعدك على الإتمام، حتى تساعدك على إتمام المسير إلى الله سبحانه وتعالى، ولكن أيضاً لا تمنعها مرادها كما تشاء، يعني لا تأخذ وقتها دائماً في الراحة والنوم بحجة أن هذا الجسم يحتاج إلى راحة يبقى نائماً. هذا لا لطالب العلم ولا يمكن أن يفلح بهذا النهج.
إذاً هذا البرنامج مقترح، وفي الحقيقة أه طالب العلم ربما يكون أدرى بنفسه. ربما هناك بعض طلبة العلم يقولون: يا شيخ، تقول لي يحفظ عند السحرة، أنا لا أستطيع الحفظ عند السحرة، أنا والله وقت السحر يكون العقل مقفلاً عن الحفظ، أستطيع المطالعة والمذاكرة. طالع وذكر، أحفظ بعد الفجر يا اخي ما في مشكلة.
والله يا شيخ أنا وقت الحفظ عندي عند الظهيرة أو بعد العصر، ممتاز، أنت قسم برنامجك بالطريقة التي تراها مناسبة، هذا في النهاية برنامج مقترح صار عليه كثير من الأئمة. وربما كانت المدارس الشرعية في زمن ابن جماعة تسير على هذا النمط، لكن ربما في زمننا ظروف الحياة تغيرت، استيقاظ الناس ونوم الناس تغير، أنظر في وقتك وزمنك وقسمه تقسيماً جيداً. المهم أن تقسمه تقسيماً جيداً بحيث تنتفع بساعات يومك وليلك، هذا هو المهم.
الخطيب البغدادي يعطيه نصيحة يقول: أجود اوقات لحفظ الأسحار. لذلك ابن جماعة قادرة تستغل وقت السحر في الحفظ، يعني بتجربة العلماء هاي بالتجربة أجود أوقات الحفظ ما هي؟ الأسحار. لكن في الحقيقة أحبتي العلماء قديماً يعني في زمن الخطيب البغدادي أو في زمن ابن جماعة، أه ما كان هذه الضوضاء التي في زمننا حقيقة، ما كان في كهرباء ولا كان في إنارة ولا كان في شيء مما يوقظ الإنسان جبراً، تجد الإنسان فعلاً عند الغروب تغرب الشمس ما في أنوار، هو هذا أه مشعل يكون في البيت أو أه مصباح من الزيت يشغله أو ما شابه ذلك، يعني إنارة ضعيفة.
ثم سرعان ما تطفأ هذه الأنوار وينام الناس جميعاً، فهناك أمور تساعد الناس على الاستيقاظ في السحر. طالب العلم اليوم حتى ينفذ هذا البرنامج يحتاج إلى عزيمة وإصرار فعلاً، يكون الإنسان ملك وقته، إذا انتهى من العشاء يعود إلى منزله يطالع يذاكر في ساعة أو ساعتين ثم يجبر نفسه على النوم حتى يستيقظ مبكراً من أهل السحر. أما إذا هو بينام الساعة الثانية والثالثة وما بقي شيء على الصحراء، أنت نمت وقت السحر فكيف ستستيقظ على السحر؟ لا تستيقظ.
فهنا الأمور تحتاج إلى شيء من التعقل، يعني يبقى طالب العلم على وسائل التواصل الاجتماعي وفي زيارة لفلان وعلان وفي سهر وفي لعب، ثم يقول: أريد أن أستيقظ على حتى أحفظ! يعني أنت لا تضحك على نفسك كثيراً، حاول أن تكون متزناً، حاول أن تكون متزناً. ربما بعض الناس عندهم وقت الساحة لا يستطيع أن يستغله أبداً في طلب العلم، نقول له: احرص على أن يكون لك فيه ورد من الاستغفار أو قيام الليل في أقل حال.
واجعل برنامجك في النهار، فإنار قضية يعني وضع البرنامج هذا يعود إلى همة طالب العلم وإلى ظروف الحياة التي تحكمها، أكثر من قضية أن نضع برنامجاً معيناً. الخطيب البغدادي المهمة عودة للخطيب البغدادي يقول: أجود أوقات لحفظ الأسحار. ثم وسط النهار يعني يقول البغدادي: إذا ما استطعت أن تحفظ في السحر فاحفظ في وسط النهار بعد الظهيرة. قال: ثم الغداء، يعني الغداء هي الصباح بعد الفجر إلى الساعة الثامنة والتاسعة.
خطيب بغدادي يعطيك نصيحة يقول: بالتجربة أفضل أوقات الآن في السحر قبل الفجر، فإن لم تستطع فاجعل الحفظ وسط النهار عند الظهيرة، فإن لم تستطع فاجعله في الصباح بعد الفجر، فوقت الفجر يعني وقت الغداء الخطيب البغدادي يجعله آخر الأوقات، يجعله آخر الأوقات المفضلة. وهذا غريب؛ لأنه كثير شيوخ اليوم ينصحون الطلبة بالحفظ بعد الفجر، لذلك نرى أن هذه الأمور أمور اجتهادية.
ليست أموراً إلزامية. قال الخطيب البغدادي: وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار. إذاً الخطيب البغدادي يعود فيقول لنا: إذا استطعت أن تحفظ في الليل، فإن حفظ الليل أنفع من حفظ النهار. لماذا؟
لانه في زمنهم أحبتي كان الليل وقت السكون يعني كما قلت لكم بعد العشاء الناس خلص في بيوتها والأنوار مطفئة والكل نائم، فلحفظ الليل كان عنده في وقت السكون الوضوء ما فيه ضوضاء. لكن ربما في زمننا الناس لا تنام إلا بعد الثانية عشر للأسف، الناس لا تنام.
الأضواء والكهرباء ووسائل التواصل والتلفاز واجتماع العائلات والزيارات بالعكس تبدأ بعد العشاء في زمننا. فأظن هذه الأمور يعني ربما تتغير بتغير الزمان والمكان. قال: ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع. وهذا في الحقيقة أمر مجرب، وأنا شخصياً جربته.
وقت الجوع أنفع من وقت الشبع في أيام إقامتنا في المدينة النبوية على ساكنيها أفضل الصلاة وأتم التسليم. ما كنا نفضل الأكل إلا بعد أن ننهي دراستنا في آخر الليل.
يعني كان كنا نذهب إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصباح، بعد أن ننهي الدوام المقرر علينا في الجامعة، نذهب إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبقى إلى ما بعد العشاء ما بين مراجعة وحفظ ومذاكرة ومجالسة للشيوخ، ثم بعد ذلك بعد أن ننهي البرنامج اليومي نتناول وجبة العشاء ونحن عائدون إلى مساكننا، فيكون العشاء هو الذي نختم به الليل. لماذا؟ لأننا كنا نجرب من أنفسنا أننا إذا أكلنا وجبة الغداء في وسط النهار ثم ذهبنا إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم نشعر بأن التخمة وأن مقفل تماماً، نشعر بالتخمة وأن العقل مقفل تماماً.
لا نشعر بالنشاط عن الحفظ والطلب والجلوس مع الشيوخ، تشعر بالكسل. فعلاً إذا الإنسان ملأ بطنه يجلس بكسل، والنفس تتثبط عن الحفظ والمراجعة ولا يشعر بالنشاط والهمة. لكن عندما نكون جياعاً ويكون المعدة فارغة، تشعر فعلاً بالنشاط والهمة والقدرة على العطاء.
فهذه نصيحة مجربة مئة بالمئة، أن وقت الجوع أنفع من وقت الشبع. آه، طبعا بعض طلبة العلم يقول: يا شيخ، أثبتت الدراسات الحديثة أن الأكل المتأخر في آخر الليل يعني له مضار في الصحة. نقول: نعم، لربما يكون له شيء من المضار، لكن الإنسان يمارس الرياضة، وما كان كسولاً خمولاً لربما هذه المضار يعني تزول.
فإذا كان ممارسة للرياضة وحركة في أثناء الحفظ والمراجعة، لا يبقى دائماً جالساً، يكون في حركة نشاط رياضي أو شيء معين، آه أو يذهب ويأتي إلى المسجد على قدميه أو ما شابه ذلك، لربما آه هذا الطعام المتأخر يذهب ضرره، والله تعالى أعلم.
قال: وأجود أماكن الحفظ الغرف وكل موضع بعيد عن الملهيات، وليس بمحمود الحفظ بحضرة النبات والخضرة والأنهار وقوارع الطرق وتجيج الأصوات لأنها تمنع من خلو قلبي غالباً. يقول لك ابن جماعة نقلا عن الخطيب البغدادي: أين تحفظ؟ ابن جماعة إذاً ينقل عن الخطيب البغدادي، يقول لك أين تحفظ؟ ما هو المكان المناسب؟ عرفنا الوقت، كنا قبل قليل نتكلم عن وقت الحفظ. طيب، ما هو المكان المناسب للحفظ؟ يقول لك احفظ في غرفة منعزلة عن الناس، أو في مكان أنت بعيد فيه عن الملهيات والمشغلات.
هي القاعدة العامة تدور حول ماذا؟ أن المكان الذي يجب أن تحفظ فيه يكون مكاناً لا يتشتت فيه عقلك ودينك بسبب ما فيه من المعالم والتصاوير والخضرة وما شابه ذلك. الخطيب البغدادي يقول: الإنسان إذا حافظ على قوارع الطرقات وفي أماكن الخضرة والأماكن المبهجة، هذا سيشغله ويبقى ينظر إلى النهر وإلى الشجر وإلى العشب وإلى ما حوله من الخضرة، فيشغله ذلك عن التركيز في تمام؟
وأما إذا جلس في غرفة منعزلة عن الناس وما فيها رسوم وأشكال وضجيج وأصوات وكلام وحديد وصور، هنا هذا يساعد على التركيز وانكباب العقل والذهن على الكتاب والمتن الذي بين يديه. هذه هي الفكرة التي يريد أن يوصلها الخطيب البغدادي: أهمية اختيار مكان مناسب لا يشغل طالب العلم في أثناء حفظه. وهذا في الحقيقة أمر مهم.
لأننا لو وجدنا بعض طلبة العلم يعني يمسك الكتاب يريد أن يحفظ وهو جالس مع صديقه يحدثه أو أمام أهل، والأهل يتحدثون وينظرون إلى التلفاز وهو جالس معهم وهو يريد أن يحفظ، من هذا يعني خداع للنفس في الحقيقة، أنت تضحك على نفسك يعني إياك أن تضيع عمرك بهذه الطريقة. لا يصلح أن تمسك أن تمسك كتاب العلم وتبدأ بالدراسة والحفظ والمذاكرة وأنت أمام الناس وفي مجالس الناس تضحك، ثم تعود تنظر ثم تشتغل وتلتهي ثم تعود، هذا ليس حفظاً، والحفظ يذهب ويضيع بهذه الصورة.
الحفظ يحتاج إلى تركيز، إلى مكان مناسب بعيد عن الضوضاء. وأذكر يعني أن الشوكاني رحمه الله عليه في كتابه ذكر آه أنه كان إذا أراد أن يحفظ وأن يطالع أن ذهب إلى سدة في فوق بيته جلس فيها وأغلق عليه الباب. هكذا يطلب الإنسان، نعم كما فعل الشوكاني رحمه الله عليه وكما فعل غيره من العلماء.
قبل أن ننتقل للأدب السادس، أتكلم عن قضية الحفظ بشكل عام يعني بعض المهارات التي يحتاجها الطالب لأن كثير من الطلبة يسألوننا عن مهارة الحفظ، كيف ننميها وكيف نحافظ على محفوظاتنا؟ اقول أحبتي، هناك مجموعة من المهارات عليها أن تنمو في حياة طالب العلم، من مهارات الحفظ عليها أن تنمو في حياة طالب العلم إذا أراد آه أن يستمسك العلوم.
أولاً، أول قضية من قضايا الحفظ موضوع أثناء الحفظ هذي أول قضية، قضية التكرار، اكتبوها عندكم. التكرار أمر مهم جداً ومحوري في طلب العلم الشرعي. وأذكر يعني هذه من القصص التي أذكرها آه في أيام إقامتنا في المدينة النبوية، كنا نجلس في الحرم نحفظ المتون والمنظومات، فكنت أرى طالب علم من بلاد إفريقية، كنت أرى طالب علم البلاد الإفريقية يبدأ يحفظ من الفجر ويستمر إلى الساعة العاشرة وهو يحفظ، يبدأ من الفجر ويستمر إلى الساعة العاشرة وهو يحفظ، وأنا أستغرب من حاله.
فذهبت إليه مرة، جلست معه وتحدثت له وزرنا الأصدقاء، فسألته يعني: أنت كم مرة تعيد البيت حينما تحفظ؟ فقال لي: أنا أعيد البيت ثلاث مئة مرة. يعيد البيت الواحد من المنظومة ثلاث مئة مرة. وسبحان الله تعجبت من حالي يعني أنا كنا نكرر، لكن لم نصل إلى هذا النفس الذي وصل إليه هذا الأخ. يعيد البيت ثلاث مئة مرة يعني، فقلت: لماذا تصنع هذا؟ قال: أنا إذا أعدت به ثلاث مئة مرة، كل بيت أحفظه أعيده ثلاث مئة مرة، لا يحتاج إلى أن أراجع المنظومة مرة أخرى في حياتي.
لماذا؟ لأن المنظومة كررها فوق يعني البيت الواحد وكان له ثلاث مئة مرة، والبيت الذي يليه ثلاث مئة مرة، ثم يجمع بين البيتين لا أدري كم مرة مرات، لكن بعدد كبير، فتكون المنظومة مر عليها مئات المرات عندما حفظها، فترسخ في ذهنه، ربما يحتاج بعد خمس ست سبع سنوات إلى أن يعيدها مرة أخرى. رسخت كالصخر، هكذا الحفظ أحبتي بالتكرار.
لا أريد أن يعني أن تصل إلى هذه الدرجة، فعلا هناك أناس قد يضبطون حفظهم بأقل من هذا، يعني هذه قدرة هذا الأخ يقول: أنا أضع أن الثلاث مئة مرة تجعلني لا أنسى. هناك أناس رزقهم الله سبحانه وتعالى ذاكرة متينة جداً، ربما يستطيع أن يحفظ المنظومة والقصيدة بأقل من ذلك، ربما بتكرار عشرين أو ثلاثين مرة يؤدي الغرض لديه.
لكن المهم أن القاعدة العامة عند السواد الأعظم من طلبة العلم أن عليهم التكرار كثيراً. لأن بعض طلبة العلم أحبتي ينخدع بالحفظ الأول. أنت إذا حفظت البيت من أول مرة أو حفظت الآية من أول مرة وسمعتها من دون أخطاء، لا تظن أن هذه الآية دخلت في عقلك الباطن. أنت صحيح سمعتها أو قرأتها من دون أخطاء، لكن هذا حفظ أولي على القشور، سرعان ما يذهب.
فنحن نريد أن تدخل هذه المنظومة أو هذه الأبيات أو هذه المتون إلى العقل الباطن، إلى عقلك الباطن، وترسخ في القلب وفي.
داخل. وهذا الرسوخ لا يكون إلا بالتكرار. هذا حال السواد الأعظم من طلبة العلم، يعني إياك أن تقيس نفسك على الشافعي أو النوادر الشواذ الذين رزقهم الله سبحانه وتعالى ذاكرة حديدية. لا، نحن نتكلم عن السواد الأعظم، عن حالنا وحال طلبة العلم عموماً.
إن التكرار هو الوسيلة الأساسية للحفظ، من لا يكرر عشرين وثلاثين مرة البيت والآية هذا لا يمكن أن ترسخ عنده هذه الآيات وهذه الأبيات. سيبقى ينسى، وستبقى هذه المنظومات والمتون تتفلت منه، ثم يعود إليها بعد مدة وهو يشعر بالنسيان، فتتثاقل النفس عن المراجعة. فنحن نقول يا طالب العلم، لماذا تضيع الجهد ابتداء؟
احفظ المتن بشكل جيد ومتين، عندما تعود إليه في المستقبل تجد المراجعة سلسة وسهلة. أما إذا حفظت البيت وشتات ذهنه، سيبقى البيت ضعيفاً، فكلما تعود تشعر أن هذا البيت قد نسي تماماً، وأن هذه الآية قد فقدت تماماً. فالتكرار إذاً قضية محورية أساسية في طلب العلم.
ثانياً، التدرج في الحفظ من المتون الصغيرة إلى المتون الكبيرة، هذه أيضاً من مهارات الحفظ. بعض طلبة العلم من المتحمسين يريد أن يقفز المراحل، يقول: يا شيخ أنا لماذا أحفظ مثلاً الآجرومية وأنا استطيع أن أدخل في الألفية مباشرة؟ لماذا أحفظ مثلاً المقدمة الجزرية في التجويد وأنا استطيع أن أدخل في الشاطبية؟ لماذا أحفظ الورقات وأنا استطيع أن أحفظ الكوكب الساطع؟ لماذا أحفظ متناً مختصرة في الفقه مع أني استطيع أن أحفظ المتن المطول؟ نقول أحبتي:
قدرات الإنسان على الحفظ تحتاج إلى تمرين وممارسة، يعني تستطيع أن تتخيل عملية الحفظ بأنها عضلة، الذاكرة عبارة عن عضلة. هذه العضلة تحتاج إلى أن تعودها على الحفظ رويداً رويداً، وإياك أن تكسرها مرة واحدة بأن تحفظ شيئاً لا تطيقه. هذا يرهقها ويحملها ما لا تطيق، فلا تعينك. الآن لو الإنسان عنده عضلة متشنجة، ماذا يفعل حتى تفك هذه العضلة؟ يبدأ يمارس بيده الرياضة رويداً رويداً، حتى تفك هذه العضلة ثم تصبح نشطة، أليس كذلك؟
لو أنه مرة واحدة قال: هذه عضلة متيبسة أريد أن أجعلها نشيطة، حمل شيئاً ثقيلاً، ماذا سيحدث؟ هذه العضلة ستتمزق. وتخيل هذا الأمر في الحفظ أيضاً، هذا العقل إذا لم يكن ممارساً للحفظ من الصغر للحفظ الكبير، تبدأ معه مرة واحدة بحفظ الألفيات، أنت تحمله ما لا تطيق، فتنقطع عن الطلب ويصبح بينه وبين العلم نفرة. إياك أن تنفر عقلك من العلم وذاكرتك من العلم.
بينما إذا بدأت معه بالصغير، فتعود المنظومات والمتون الصغيرة؛ الآجرومية، والورقات، والمقدمة الجزرية، ومتن في الصرف، ما هو المقصود، والسلم المنورق في المنطق، ومتن مختصر في الفقه. إذا عودته أن يحفظ الصغير، أصبح عنده دربة على الحفظ، حينئذ ينتقل معك إلى المتوسط ثم إلى الكبير.
فإياك يا طالب العلم أن تتكاسل وتقول: لماذا يا شيخ نحفظ المتون الصغيرة؟ دعنا ندخل في المتون الكبيرة. كل طالب مشى على هذا النهج وجدته قد انقطع. بعض طلبة العلم لا يسمع النصح، يريد أن يسير على عقله. تقول يا اخي: العلم لا يكون بهذه الطريقة، العلماء الربانيون هم الذين يعلمون الناس صغار العلم قبل كباره. وهذا الذي ذكره ابن عباس في تفسير قوله تعالى: وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ، قال: هم الذين يعلمون الناس صغار العلم قبل كباره.
فتعلم صغار العلم، اضبط المسائل الأساسية في منظومة قصيرة، تعود على الحفظ، عود الذاكرة والعضلة العقل على الحفظ حينما تصبح مرنة تستطيع أن تحفظ. الإنسان أحبتي بتجربتنا يبدأ حياته العلمية ربما بحفظ خمس أبيات أو ست أبيات، لا يستطيع أن يجاوز ذلك في المجلس الواحد، وعليه أن يبقى على هذا، لا يحمل العقل خمسين بيت في مجلس واحد وطاقته خمس أبيات فقط.
كما قلت، أنت تنفر نفسك عن العلم، ابدأ بحفظ خمس ست أبيات لا تجاوز ذلك. مع الوقت تستطيع في المجلس الواحد أن تحفظ عشرين وثلاثين، وهذا شيء مجرب، لكن عندما تنمي قدراتك في الحفظ. أما الإنسان مرة واحدة يحفظ عشرين وثلاثين، هذا في الحقيقة يفقد حفظه بشكل سريع، لأنه هو يوهم نفسه أن حفظ الثلاثين والأربعين مع أن عضلة الذاكرة وعضلة العقل هي لا تطيق هذا الرقم، فيكون كل ما جمعه في هذه الساعة مجدداً ضائعاً تائهاً.
فنقول لطالب العلم: تدرج في الحفظ، ودرج عضلة العقل والذاكرة على الحفظ، حتى أعدك في المستقبل على أن تنهل العلوم الكثيرة في أوقات قليلة. يعني أنا أعرف مقصدك، أنك تريد أن تحصل العلم الكثير في وقت قليل، أقول لك: العلم لا يأتي هكذا، عليك أن تبدأ بالقليل. عندما تصبح العضلة قادرة على الجمع وعلى الحفظ، تستطيع إن شاء الله أن تحصل عدد كبير من الأبيات ومن النصوص في وقت قصير، فهذه أهمية التدرج.
المراجعة. هذه الفكرة الثالثة، قضية المراجعة أحبتي قضية محورية في حياة طالب العلم، وأكثر طلبة العلم عندهم نفور منها. طالب العلم أثر عليه أو من أسهل الأمور عليه أن يحفظ، من أسهل الأمور عليه أن يحفظ، كله يحفظ يحفظ، يقول لك الشيخ: أنا أحفظ أحفظ، لكن قل له: عد إلى المتن مرة أخرى لتراجع، يقول لك: لا يا شيخ، أنا أراجع! هذا أمر صعب.
النفس تطاوعه على الحفظ؛ لأن الحفظ الابتدائي كما قلت لكم سهل، أن نردد في مجلس واحد أحفظ مائة بيت ما عندي مشكلة، هذا الحفظ الابتدائي، لكن العودة للمراجعة هذا أمر شاق على الناس. وأنظر في نفسك، انظر في نفسك تجدها تطاوعك على ربما حفظ نصف المصحف وحفظ خمس صفحات اليوم، لكن انظر إليها لو قلت لها: عودي إلى أجزاء قد سبقت، تجدها تتثاقل ويصعب عليها الرجوع.
فالمراجعة أمر صعب على النفس مع أنها أهم من الحفظ، المراجعة في حياة طالب العلم أهم من الحفظ، وهي الأصعب على النفس، فنجاح طالب العلم في حياته العملية يعتمد كثيراً على قدرته على مراجعة ما سبق والعودة إليه، وأن يطوع نفسه على هذه العودة. لأن المنظومات التي حفظت سابقاً في حياتك والنصوص التي حفظتها هي رأس مالك، فبعض طلبة العلم لجهله يفرط في رأس المال ولا يهتم بالمحافظة عليه، ويذهب إلى كسب رأس مال جديد.
فهمتم المثل؟ محفوظاتك السابقة هي رأس المال الذي عندك، هي التي تتاجر به في العلم، تمام؟ عليك أن تحافظ على رأس المال، هل رأيتم رجل عنده رأس مال يضيعه ويبدده ويذهب إلى كسب رأس مال جديد؟ هذا يوصف بالسفه، ما في إنسان يضيعه رأس المال الذي عنده من أجل أن يذهب إلى رأس مال جديد ويبحث عن رأس مال جديد قد يحصله وقد لا يحصله.
الإنسان العاقل يحافظ على رأس المال الذي بين يديه، يحافظ على محفوظاته وعلى المنظومات التي حفظها فيما سبق، ثم إن كان هناك فسحة من الوقت بعد أًكد المحفوظات رأس المال القديم يذهب إلى رأس مال جديد، يضيف إلى الربح إلى القديم. المحفوظات الجديدة هي ربح تضيف على رأس المال القديم، وأما إنسان يشتت ويبدد رأس المال القديم ويذهب ويبحث عن ربح جديد هذا سفه.
فنقول لطلبة العلم دائماً: الله الله في المراجعة، الله الله في الرجوع إلى المحفوظات القديمة. أن تحفظ متناً واحداً متقناً أفضل من أن تحفظ عشر نجوم وأنت لا تتقنها، أفضل من أن تحفظ عشرة متون وأنت لا تتقن منها شيئاً. القليل الدائم خير من الكثير المنقطع، دائماً تذكروا أحبتي، قليل نافع تنفع به خير من كثير مشتت ضائع إذا طلب منك أن تستحضره لا تستطيع أن تستحضره.
فدائماً نهتم بقضية المراجعة، قضية استغلال فترة الشباب بداية الأعمار. بداية العمر الآن نصيحة لكل أب ولكل أم تطمح أن يكون ابنها طالب علم أو عالم من علماء الأمة، ابدأ مع ابنك منذ الصغر، ابدأ الآن معه من الصغر، هذا الابن أعينه على حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى في وقت مبكر، يستطيع أن يحفظ كتاب الله في سن السابعة، الثامنة، التاسعة، العاشرة، يستطيع أن يحفظ بسهولة، لكن إذا
الله أباً حريصاً، وأما حريصةً، ثم عوده على حفظ كلام أهل العلم من الصغر، بدل من أن يحفظ الابن أسماء اللاعبين وأسماء أفلام الكرتون وألعاب البلايستيشن وغيرها. لماذا لا يكون هذا الابن معبأ عقله من كلام هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ومن كلام الصحابة والتابعين؟ ولماذا لا يحفظ شيئاً من كلام العرب ومن المنظومات؟ لماذا؟ يستطيع.
فالحقيقة أحبتي، أنا أرى اليوم بعض الأطفال لم يتجاوز السادسة والسابعة، يستطيع أن يسمع لك كل الالعاب التي يلعبها، وأسماء من يلعب بهم والأعمار، ومن أين أتوا وكيف يقوم بهذا؟ وكيف يأتي به؟ وكيف يمارس هذه اللعبة؟ وهو ما زال في سن السادسة والسابعة. عقله مليء، لكن للاسف مليء بغثاء، مليء بأمور غير نافعة. والناس يتحججون، يقولون يا شيخ هذا العصر ماذا نفعل؟ يستسلمون مباشرة، كلمة الاستسلام والخضوع دائماً على أسئلة الناس.
تقول له يا فلان أدرك ابنك، ابنك الآن في سن السابعة، الثامنة، التاسعة، وهو يحفظ أسماء اللاعبين وأسماء البرامج التلفزيونية وأسماء وأسماء، ولا يحفظ شيئاً من كتاب الله سبحانه ولا يحفظ شيئاً من كلام العرب. ثم بعد ذلك يأتي هذا الرجل يتباكى على حال الأمة، ويقول إن القدس محتلة، وإن أعداء الأمة تسلطوا علينا، ويبدأ تسمع منه معزوفة كاملة في حال هذه الأمة ويتباكى عليها.
لو كنت صادقاً، لو كنت صادقاً في همك، وأنك تريد لهذه الأمة الخير، وأنك تحمل هم هذا الدين، لو كنت صادقاً لبدأت بابنك وعلمته كيف يكون رجلاً، وكيف يحمل هم الدين في حياته؟ هنا الصدق يظهر. مللنا أحبتي حقيقة من الشعارات الفارغة، مللنا من كثرة البكاء على حال هذه الأمة وندب حظها من أناس لا يريدون أن يعملوا، بل شغلهم الشاغل البكاء والعويل وإنزال المنشورات والبوستات. نبكي ونتباكى، نذهب ونعطي، ثم بعد ذلك إذا نظرت في تربيته لأبنائه فإذا أبناؤه أمام التلفاز، وأمام وسائل التواصل، وأمام الملهيات.
يا فلان لماذا ابنك لا تعلم العلم؟ لماذا لا تربيه أن يكون مثقفاً عاقلاً قارئاً؟ لماذا لا تربيه؟ يبدأ يتعذر وينشغل. إذاً لا تبكي على هذه الأمة، ابكِ على خطيئتك على ذنبك وعلى تقصيرك في حق هذه الأمة. نعم، هذا الشيء هو الذي تستطيع أن تقدمه لهذه الأمة، أنت تستطيع أن تربي ابنك ليكون خادماً لهذا الدين. هذا الرباط تستطيع أن تقدمه، لا نريد منك أن تتباكى على وسائل التواصل، نشكرك، لا نريد منك أن تتفاعل كثيراً، نشكرك.
نحن نريد منك أن تربي عالماً، أن تنتج إنساناً يحمل هم الدين، أن تنتج خادماً لدين الله سبحانه، هذه وظيفته. صدقني على وسائل التواصل لن يفيد كثيراً، ولن يغير من واقع هذه الأمة، فلا أحد يسمعك، هل هناك أحد يسمعك؟ ربما وجدت من يضع لك إعجاب أو شيء من ذلك، لكن أنت تضحك على نفسك. هذه الساعات على وسائل التواصل نشكرك عليها، فرغها لأبنائك، فرغها لبناتك، علم ابنتك العفاف والطهارة وعلمها مبادئ الدين لتكون زوجة صالحة في المستقبل، علم ابنك كيف يخدم دين الله سبحانه وتعالى.
ليس شرطاً أن يكون ابنك عالماً، لكن أقل القليل أن يكون عالماً بما يصلح به دينه ودنياه، أن يكون مثقفاً بسيرة محمد صلى الله عليه وسلم وبالأخلاق الحميدة. ما المانع يعني أن يكون مهندساً، طبيباً، محاسباً، أو ما شابه ذلك، وفي نفس الوقت له دراية بدينه وباعتقاده وما يدين الله سبحانه وتعالى به ويحفظ كتاب الله؟ هل حفظ كتاب الله سبحانه هو حكر على طلبة العلم وعن العلماء الربانيين أم هو لكل شاب ولكل فتاة تريد أن تحيا هذه الحياة، حياة المسلم النقي الطاهر العفيف؟ فهذا الأمر انتبهوا عليه، استغلال فترة الشباب وشرخ العمر في طلب العلم.
أخيراً، أنا لا اريد أن أنتقد الأدب السادس في هذا اليوم، أخيراً أحبتي قضية التفهم لما تحفظ. الحفظ يا شيخ ليس مقصوداً لذاته، وبعض سمعت استاذاً في الجامعة قال لي: عليك أن تفهم أكثر من أن تحفظ، وهذا الحفظ هو عبارة عن نسخ جديدة تضيفونها، يعني أنت نسخة جديدة من ألفية ابن مالك وأنت الذي تحفظ صحيح البخاري أنت نسخة جديدة من البخاري، إيش تفعلون بالحفظ؟ عليكم بالفهم.
أذكر من نصائح الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي رحمه الله تعالى وهو من المشايخ الكبار الذين قضوا في بلاد الحرمين، إنه كان يقول يعني هذه قصة قرأتها في سيرته، كان يقول الشيخ حمود بن عقلا عليه رحمة الله: كنا نعتمد على الحفظ في طلبنا للعلم، قال: حتى أتانا شيخ من مصر يعني عادي يا شيخ من مصر درس في المعاهد الشرعية في بلاد الحرمين، قد أتانا شيخ من مصر فزهدنا في الحفظ وقال لنا عليكم بالتفهم بدع الحفظ، قال: فأخذنا بنصيحته فأضاع علينا علمنا.
انظروا إيش قال؟ قال فأضاع علينا علمنا. قال يعني كنا نشتغل بالحفظ نحفظ المتون والمنظومات العلمية ونحاول أن نرسخ العلم من خلال حفظه، فلما جاءهم هذا الشيخ الذي له نصيب من الجهل، قال زهدنا في الحفظ وقال إيش تفعلون بالحفظ؟ عليكم بالفهم. قال: فأخذنا بنصيحته ظن أنها نصيحة في قال فاضاع علينا علمنا أي ذهبت بركة العلم.
فالعلم الشرعي له جناحان، جناح الحفظ وجناح الفهم. لا مجال، لابد من الحفظ، فاحفظ فكل حافظ إمام كما قال الرحبي عليه رحمة الله. فالحفظ هو ركن من أركان عملية التعلم، كما أن الفهم ركن آخر من أركان عملية التعلم. أي طالب علم فرط في أحد الجانبين لا يوثق بعلمه، خذوها مني. أي طالب علم يفرط في أحد الجانبين، يعني لا يريد أن يحفظ يريد أن يفهم لا يوثق بعلمه، وأي طالب علم يريد أن يحفظ ولا يريد أن يفهم لا يوثق بعلمه.
طالب العلم والعالم الرباني هو الذي يجمع بين الحفظ والفهم، لأن العلم الشرعي هو عبارة عن مسائل في الفقه، مسائل في الاعتقاد، آلاف المسائل الفقهية، كثير من المسائل الاعتقادية، مسائل لغوية، مسائل صرفية يبنى عليها العلم، أقوال المفسرين، أقوال الأصوليين. هذه الأقوال إذا لم تكن مستحضرة في ذهن طالب العلم وفي ذهنه وهو يفتي في دين الله، وكيف يكون استحضارها؟ بالحفظ.
إذا لم تكن مستحضراً مع تفهم لها وتعقل لمدلولها، أنى له أن يفتي في دين الله سبحانه؟ كيف يفتي الإنسان في دين الله وهو لا يستحضر أقوال العلماء في المسألة؟ أحبتي هذه قضية لا أجامِلُ فيها أحداً، لأنني رأيت كثيراً للاسف ممن يتصدر اليوم للتعليم ويزهد طلبة العلم في الحفظ، لأن هذا الأستاذ الذي يتصدر للتعليم لم يحفظ شيئاً في حياته ويريد أن يبرر نقصه وضعفه فيظهر للطلبة أن موضوع الحفظ ليس موضوعاً أساسياً جوهرياً، وأن المهم الفهم. هو يريد أن يظهر نقصه في صورة كمال، يريد أن يظهر أن عدم الحفظ لديه ليس لأنه كان كسولاً مهملاً أو لأنه لم يدله أحد على هذا الطريق، بل لأنه لم يرَ الحفظ شيئاً جيداً وأنه كان يضيع وقته في حفظ منظومة.
لماذا تعيد ألفية ابن مالك مئات المرات؟ ولماذا تحفظ الكوكب الساطع؟ صدقوني أحبتي، أولاً من تجربة شخصية في حياتي العلمية، الكتب التي قرأناها عن المشايخ من دون أن نهتم بحفظها ضاع أكثرها من أذهاننا، وما بقي منها إلا رسوم عامة نعود إليها في كل فترة، وأما الكتب والمنظومات والمتون التي اهتممنا بحفظها ورسوخها هي التي تشكل شخصيتنا العلمية، وهي التي تعيننا على جمع المسائل العلمية مع بعضها البعض في مكان واحد.
فأن تدرس مسألة فقهية لها ارتباط بأصول الفقه وباللغة العربية لا يكون ذلك إلا إذا استحضرت المسألة الأصولية واللغوية والمنطقية، وهو أن تدرس المسألة الفقهية، وهذا لا يكون إلا لمن حفظ، لأن المسائل العلمية كثيرة جداً بالآلاف المؤلفة. والمنظومات والمتون تساعدك على حفظ الأصول، ومن حفظ الأصول أحبتي وأحكمها استطاع أن يبني عليها وأن يرتقي. أما من كانت الأصول عنده ضائعة مشتتة تائهة، أنى له أن يستحضرها وأن يأتي بها من ذاكرته؟ أنى له أن يفتي في دين الله سبحانه؟ والله هذه من النصائح.
التي أضاعت كثيراً من طلبة العلم وهي ليست نصيحة أصلاً. أن تقول لطالب العلم: لا تحفظ، عليك بالفهم؛ هذه ليست نصيحة، بل هذا من تلبيس إبليس، وهذا ناتج عن الجهل بطرائق أهل العلم في تعلمهم.
الجبيني رحمة الله عليه يقول: لم أفت حتى حفظت اثنتي عشرة ألف صفحة من كلام الباقلاني، يتكلم عن كلامه في العقائد، بغض النظر عن دقة هذا الرقم لكنه رقم عالي جداً صحيح؟ يقول: حفظت اثنتي عشرة ألف صفحة من كلام الباقلاني. أنا أظن الرقم مبالغ فيه في الحقيقة، ليست بهذه الصورة، لكنه يدل بالجملة على أنه حفظ آلاف الصفحات والأوراق واستحضرها في ذهنه قبل أن يتكلم في دين الله سبحانه وتعالى.
آآ كل العلماء لو قرأت في سيرهم تجد أذهانهم مليئة بالحديث النبوي الشريف وبحفظ مسائل الفقه، وبحفظ مسائل الأصول، وباستحضار الشعر العربي وكلام الأئمة وكلام المفسرين؛ كلها موجودة ومطبوعة في الذهن، وبهذا وعلى هذا صنفوا. وأما اليوم، حتى تعرفوا سبب تخلفنا العلمي وضعف البناء العلمي الشرعي في بلداننا وفي كثير من البلدان حولنا؛ لما خرج لنا من يصدّر لنا أهمية الفهم وعدم أهمية الحفظ، وأن الحفظ عبارة عن نسخ مكررة ولا نحتاج إليه وتضييع لوقت طالب العلم، انظروا كيف أصبح حال العلم في زماننا!
أصبح عندنا أنصاف متعلمين، أصبح عندنا عقول مهترئة متآكلة، أصبح هناك اندراس في معالم العلم الشرعي؛ لم نجد لا نجد الآن لا ألفية ابن مالك ولا أصول الكوكب الساطع ولا جمع الجوامع ولا المتون العلمية الأصيلة إلا ما ندر. ما السبب في ذلك؟ السبب في ذلك العزوف عن حفظ المنظومات والتركيز في كلام الأوائل، وأصبحنا نقرأ كتباً معاصرة نتفهمها ونقرأها سريعا ونزعم أننا علماء بها.
لذلك إياكم أن يخدعكم أحد بقضية التفهم فقط، لكن الحفظ وحده أيضاً والابتعاد عن الفهم منهج خاطئ، لأنه بعض طلبة العلم يركز على الحفظ، طب وإذا قلت له: طب هذه المنظومة التي حفظتها، هل استشرحتها؟ هل قرأت عليها كتاباً؟ هل سمعت شرحاً لا يعني؟ قال: لا. طب ماذا تنتظر؟ عليك أيضاً أن تسمع الشروح وأن تقف على معاني هذه الأبيات؛ لأن المطلوب في النهاية في النهاية هو في الحقيقة الوصول إلى المعاني، المحفوظات هي وسائل لابد من سلوكها للوصول إلى المعاني.
فإذا كنت تسلك الوسيلة ولكنك في النهاية لا تصل إلى المعنى فأنت كمن أخذ أو استقل سيارة لكنها لم توصله إلى مقصوده، فماذا استفدنا؟ فهذا لا يصلح أحبتي، أي متن تحفظ عليك أن تستشرح أبياته كلمة كلمة وحرفاً حرفاً حتى تكون جمعت بين الحفظ والفهم.
وهكذا ينمو العلم وتحصل الفائدة ونَصنع عالماً بهذه الأمور. أظن أني أكثرت الكلام وأطلت عليكم الحديث في هذا المجلس، في المجلس القادم بإذن الله لعلنا نمر على ما بقي من آداب طالب العلم في نفسه، وننتقل بعد ذلك إلى أدب طالب العلم مع شيوخه وأساتذته، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل