تسجيل الدخول

شرح تذكرة السامع والمتكلم (18)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا طالبا للعلم يرجون نفعه اسمع نصيحة ناصح معواني أخلص لربك في أمورك كلها فالمخلصون هم أولو العرفان. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين.

وأصلي وأسلم على نبينا وعلى قرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم للإامام ابن جماعة الكناني الشافعي عليه رحمة الله تعالى.

وقد وصل بنا المسير أحبتي في هذا الكتاب المبارك إلى أدب المتعلم في نفسه؛ كيف يرسم طالب العلم منهجاً لحياته العلمية يسير عليه؟ منهجاً في التعامل مع العلائق، منهجاً في تجاوز العوائق، منهجاً في مأكله ومشربه ونومه، منهجاً في العزلة والتفرغ لطلب العلم. يرسم لنا ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه معالم طريقت السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم في طلب العلم، كيف كانوا يسوسون أنفسهم ويديرون حياتهم؟ كيف كانوا يضعون برامج لأنفسهم ويخططون لكل دقيقة ولكل لحظة من أعمارهم ومن أيامهم؟

في المجلس السابق أحبتي وقفنا على كثير من المهارات التي تكلم عنها ابن جماعة؛ كمهارة الحفظ وكيف يتجاوز الإنسان العوائق التي يمكن أن تقف أمامه؛ خاصة الرزق وعائق الزواج إلى غير ذلك من الأمور التي لفت انتباهنا إليها رحمة الله عليه. واليوم نكمل مسيرنا في آداب جديدة من الآداب التي ينبغي على طالب العلم أن يحكمها في حياته العملية إذا أراد أن يكتب له شيء في المستقبل بإذن الله، وأراد أن يكون له أثر أو بصمة في تاريخ هذا العلم وفي ميادين العلماء.

الأدب السادس الذي انتقل إليه ابن جماعة عليه رحمة الله تعالى قال: السادس من أعظم الأسباب المعينة على الاشتغال. وركزوا أحبتي في هذه القاعدة الجديدة، يقول: من أعظم الأسباب المعينة على الاشتغال -أي على الاشتغال بالعلم والفهم وعدم الملل- قال: أكل القدر اليسير من الحلال. من أعظم الأسباب المعينة على الاشتغال والفهم وعدم الملل، أكثر شيء أو من أكثر الأشياء التي تعينك يا طالب العلم على أن تنشغل بالعلم بكليتك، وعلى أن ترزق الفهم الجيد، وأن تدفع عنك السآمة والملل ما هو؟ قال: الأكل اليسير من الحلال. وهذان شرطان؛ الشرط الأول الأكل اليسير، وأن يكون من حلال ماله.

الآن أنظروا ماذا قال ونقل عن الشافعي. قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: ما شبعت منذ ست عشرة سنة. الإمام الشافعي رحمة الله عليه يقول لكم ما شبعت ما قال ما أكلت، الإنسان يأكل لكن قال: ما شبعت منذ ست عشرة سنة، وهذا رسم لمنهج في حياة طالب العلم الشافعي حينما كان يطلب العلم ما كان يشبع.

لماذا ما كان يشبع؟ أنظروا ماذا قال ابن جماعة رحمة الله عليه في ضرر الشبع على همة طالب العلم وعلى نشاطه، قال: وسبب ذلك أن الأكل جالب لكثرة الشرب، وكثرته -أي كثرة الشرب- جالبة للنوم والبلادة وقصور الذهن وفتور الحواس وكسل الجسم. هذا مع ما فيه من الكراهية الشرعية والتعرض لخطر الأسقام البدنية.

إذاً أحبتي كثرة الأكل تجذب كثرة الشرب، وكثرة الأكل والشرب في الحقيقة هي جالبة للنوم. الإنسان متى أشبَعَ شهوة بطنه شعرها بالكسل وأراد أن ينام، واختبر هذا في نفسك؛ أنظر حينما تتناول وجبة الغداء وتثقل فيها كيف تصبح؟ كيف يصبح النشاط؟ يصبح لسانه كسولاً، يرغب في النوم، يرغب في الاستجمام ففيه كثرة الأكل.

وهذا بالتجربة أحبتي يعني نحن لا نحتاج إلى إثبات علمي حتى نقف على صحة كلام ابن جماعة عليه رحمة الله، هل هذا بالتجربة؟ الإنسان إذا أكثر الأكل وشعر بالتخمة دب فيه النعاس والكسل والخمول وأحب الاستجمام والراحة. وهذا يضيع وقتاً كثيراً من حياة طالب العلم، خاصة إذا كان هناك عدة وجبات اليوم؛ يعني بعض طلبة العلم يريد أن تكون هناك وجبة إفطار ووجبة غداء ووجبة عشاء، وتكون كل الوجبات مشبعة، فهذا يبقى كسولاً خاملاً في مدة هذا اليوم، ولا يصلح للإنسان أن يضيع عمره، والإنسان الذي يبحث عن الهمة، الإنسان الذي يبحث عن الإنجاز، الإنسان الذي يبحث عن العلم لا يحق له أن يضيع ساعات العمر في تناول الطعام والشراب ثم النوم بعدها.

يعني حتى لو لم يكن للشبع أو لم تكن له سيئة إلا إضاعة الوقت في كثرة الأكل والشرب لكفى بها سيئة، فما بالك أن كثرة الأكل والشرب هي بحد ذاتها مضيعة للوقت وينتج عنها مضيعة للوقت في النوم والاسترخاء والاستجمام، فضلاً عن الأسقام البدنية التي يشير إليها ابن جماعة أن من أكثر الأكل والشرب فأصبح سميناً عنده تخمة، فهذه تدب فيه أحبتي الأسقام البدنية التي يثبتها العلم الحديث، فطالب العلم كلما كان خفيفاً لطيفاً في أكله وشربه كلما كان أنشط على طلب العلم وكلما ازداد كان عنده وقود يكمل به المسيرة في يومه.

وأما إذا أكثر طعامه وشرابه هنا تتشبع شرايينه بالدهون، وركز في كلام ابن جماعة حينما قال: أكل القدر اليسير من الحلال؛ لأن أكل الحرام أحبتي مانع من موانع بركة العلم، الله سبحانه وتعالى يمحو بركة العلم من الإنسان الذي يأكل الحرام، فلو أكل الإنسان قدرا يسيرا من الحرام فإن هذا ماحق لبركة العلم، لا تجد هذا العلم يثمر أثره وينتج في حياتك ولا في حياة مجتمعك لأنك بنيته من جسد غذي بالحرام فالنار أولى به.

ثم يكمل ابن جماعة رحمة الله عليه قال كما قيل: فإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب. أكثر الأدواء التي تحل بالإنسان سببها كثرة الطعام والشراب، ولذلك سئل أحد أطباء العرب الحارث بن كلدة عن الطب فقال: الطب الحمية. ما هو الحمية؟ التقليل من الطعام والشراب فهذا يحافظ على جسدك نشيطاً قويماً مستقيماً بإذن الله تعالى.

ثم يقول ابن جماعة: ولم يُرَ أحد من الأولياء والأئمة العلماء يوصف بكثرة الأكل ولا حُمِدَ به، وإنما تحمد كثرة الأكل من الدواب التي لا تعقل بل هي مرصدة للعمل. يقول ابن جماعة: حينما نظرنا في سير الأولياء وفي سير الأئمة العلماء الذين وصلوا إلى مرتبة عليا وأصابوا القدح المعلى وحازوا قصب السبق في العلوم، هؤلاء الأئمة لم يُعرف عن أحد منهم أنه كان مكثارا من الطعام والشراب، وإنما تحمد كثرة المأكل والمشرب من الدواب التي لا تعقل هي التي يحمد فيها كثرة الأكل والشرب.

فأنت تذهب إلى شاة سمينة تختارها لأضحيتك أو لعقيقتك لأن هذا السمن فيها دليل على صحتها، فضلاً أن هذه الدواب كثيرة العمل، قال: بل هي مرصدة للعمل. فهذا الطعام والشراب الذي تتناوله الدواب يذهب دائماً أو تحرقه دائماً في مسيرها وفي عملها وأشغالها.

أما أنت يا طالب العلم عملك هو الجلوس والعكوف على الكتب الشرعية وعلى المصنفات العلمية؛ تقرأ وتحلل وتحفظ، فحينما تأكل وتشرب ولا يوجد هناك عمل حركي في الأقدام تحرق به هذا الطعام والشراب، وإنما تبقى جالساً على أريكتك تمسك الكتاب أو تحفظ المتن هذا سبب في زيادة السمنة، هذا سبب في زيادة السمنة ودب الأمراض والأسقام فيه، فعليك أن تكون عاقلاً.

كل واشرب والبس وتصدق من غير سرف ولا مخيلة، هذه وصية محمد صلى الله عليه وسلم: أن يشرب الإنسان باعتدال، أن يأكل باعتدال، حتى تبقى النفس نشيطة تساعدك وتسعفك في طلبك للعلم.

قال: والذهن الصحيح أشرف من تبديده وتعطيله بالقدر الحقير من طعام يؤول أمره إلى ما قد علم. الإنسان العاقل الذي يهتم بالفكر والإنجاز والمطالعة والثقافة وبناء العلوم وصناعة النفس، هذا الإنسان الشريف لا يبدد أحبتي طاقته ولا يضيع عمره في قدر حقير من طعام بسبب شهوة طعام تؤول إلى ما نعلم في دورات المياه باسمها المعاصر، فكل ما تأكله في النهاية يذهب قوتاً للجسم وما زاد من حاجتك فإنه يذهب في الخلاء.

فالإنسان العاقل الشريف صاحب الهمة لا يضيع وقته ولا يبدد دينه ولا يشتت همه في مطعم ومشرب بل دائماً يجعل هدفه وغايته ومقصده أمامه ليقوده ذلك.

إلى الشرف والعلياء بإذن الله. قال: ولو لم يكن من آفات كثرة الطعام والشراب إلا الحاجة إلى كثرة دخول الخلاء، لكان ينبغي للعاقل اللبيب أن يصون نفسه عنه. يعني يقول ابن جماعة: لو لم تكن هناك سلبية لكثرة تناول الطعام والشراب إلا أنك تحتاج إلى دخول الخلاء كثيرا، والخلاء معروف، ومكان خبيث ليس بذاك المكان الطيب الطاهر، ندخله للحاجة ونخرج منه، وهو مكان اجتماع الشياطين والمخلوقات الضارة، إلى غير ذلك مما يذكره العلماء.

فهذا المكان كثرة قصدك له تتناسب طرديا مع كثرة تناولك للطعام والشراب؛ من أكثر تناول الطعام والشراب أكثر قصده إلى هذا المكان، والإنسان صاحب النفس لا يود الجلوس والمكوث كثيرا في مثل هذه الأماكن ولا التردد إليها. فيقول ابن جماعة: لو لم تكن من أضرار المطعم والمشرب الإكثار من المطعم والمشرب إلا كثرة زيارة هذه الأماكن الخبيثة، لكفى بذلك ضررا على صاحب الهمة الشريفة.

ثم قال: ومن رام الفلاح في العلم وتحصيل البغية منه مع كثرة الأكل والشرب والنوم، فقد رام مستحيلا في العادة. هذه ضعوا تحتها قاعدة: من رام الفلاح في العلم وتحصيل البغية منه مع كثرة الأكل والشرب والنوم، فقد رام مستحيلا في العادة. بعض طلبة العلم أحبتي يضع لنفسه قاعدة غريبة في العلم، ومنهجا في الحقيقة يلفت النظر، يرى أنه من حقه أن يكثر المطعم والمشرب والنوم والملهى والانشغال مع الناس، ثم في نفس الوقت يريد أن يكون عالما نحريرا محققا وحافظا علامة.

وهذا لا يمكن أن يجتمع أحبتي؛ إنسان يكثر النوم، ويكثر الأكل، ويكثر الشرب، ويكثر الجلوس مع الخلان والذهاب إلى الأماكن العامة والملاهي والملاعب، ثم بعد ذلك يقول: أريد أن أكون طالب علم محقق، وأن أقف على بطون الكتب وأن أحررها. فهذا أحبتي لا يمكن أن يجتمع، يعني هذا من المستحيلات، وإن لم يكن مستحيلا عقليا فإنه مستحيل في العادة كما ذكر لكم ابن جماعة.

فيا طالب العلم، إذا أردت أن تنجز، إذا أردت أن تحفظ، إذا أردت أن تفهم، إذا أردت أن تحقق تدقق، عليك أن تستهلك العمر في هذا الميدان، لا يصلح أن تستهلك ساعات العمر في المطاعم وفي المآكل وفي مجلس عند فلان وفي غداء عند فلان وفي نوم وثبات، ثم بعد ذلك تقول: لماذا لم أحصل العلم؟ المشكلة في برنامجك، المشكلة في طريقتك، في المنهج الذي وضعته لنفسك في طلب العلم؛ أن تضيع أغلب ساعات يومك في المآكل والمشارب والملاهي ومسائل التواصل وفي النوم، ثم بعد ذلك تقول: لماذا لا أحصل العلم؟ بالتأكيد لن تحصل. هذا علم سهر عليه الأئمة العظماء؛ أسروا ليلهم وأضاءوا نهارهم، وهجروا أهلهم وخلانهم، تعبوا وحصلوا وكدوا من أجل أن ترى هذه العلوم وهذه المصنفات بين أيدينا، وأنت تريد ذلك براحة الجسد.

فإياك أن يخدعك الشيطان وأن تسول لك النفس، واياك أن تظاهر بالعلم وأن تتشدق به وأنت لست أهلا له، وهذا أقوله خاصة لمن ارتفع في الدرجات الأكاديمية؛ إياك أن تصور نفسك أمام الناس بأنك عالم كبير، مع أنك اضعت سنوات الدراسة في الجامعة في النوم والأكل والشرب والجلوس مع الخلان والذهاب هنا وهناك. إياك أن تخدع نفسك وتقول: أنا حصلت الشهادة الشرعية معناها أنا مؤهل. كلا، بينك وبين الله، تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور. فاياك أن تلبس ثياب الزور وأنت في الحقيقة فارغ من الناحية العلمية.

قال ابن جماعة: والأولى أن يكون أكثر ما يأخذ من الطعام ما ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. يعني الآن ابن جماعة يقول: ما هو الحد الأعلى من الطعام؟ اريد أن آكل يا شيخ باعتدال، فهمك ما هو الحد الأعلى الذي تمنحونه لي؟ نقول: النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الحسن يقول: مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ، أو من بطنه. قال: بحسب ابن آدم. ثم قال صلى الله عليه وسلم: بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ. أي يكفيك لقيمات يقمن صلبه، هذا يكفيك؛ لقيمات تنهض بها الهمم ويسير بها الجسد تكفي.

قال: فإن كان لا محالة، يعني إذا كان الإنسان لا يريد أن يقتصر على لقيمات وربما هذا حالنا يعني لا نريد أن نكون مثاليين نقول إننا نقتصر على لقيمات، في حياتنا العملية في الحقيقة أكثرنا لا يأكل، لكن ما هو المقياس؟ قال: فإن كان لا محالة، يعني إن كنت لابد تريد أن تأكل، قال: فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه، كما نقل الترمذي. إذا النبي صلى الله عليه وسلم يقسم من أمور الله أثلاثا، اجعل الثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث لنفسه. أما أن تكون جميع الأثلاث للطعام، فهذا هو الكسل، وهذا هو الإسراف في الطعام، وهذا هو المدعاة والمجلبة للكسل والنوم.

قال: فاذا زاد على ذلك يعني ابن جماعة واضح يقول: النبي عليه الصلاة والسلام وضع لنا المقياس، ما هو أكثر حد مسموح به في الطعام؟ وألا نتجاوز إلى حد الإسراف. قال: فإن زاد على ذلك أي على الثلث، فالزيادة إسراف خارج عن السنة التي رسمها النبي صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا.

قال بعض العلماء: جمع الله بهذه الكلمات الطب كله. أي هذه الآية: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا. هذه جمعت لنا الطب؛ لماذا؟ لأن صحة الإنسان كما أن الإنسان يضره، ها انتبهوا بعض الطلبة أنا رأيت عنده أجحاف يعني أيضا يعني هي قضية لا إفراط ولا تفريط، كما أن كثرة الطعام والشراب مضرة بالبدن، كذلك التقليل من الطعام والشراب بحيث تتضرر صحة البدن أيضا لا يصلح؛ دائما الاعتدال والقصد هو المطلوب.

بعض الناس يحمل نفسه ما لا تطيق من قلة الطعام والشراب، يصبح البدن هزيلا، يصبح الحفظ ضعيفا، تضعف طاقته على التركيز في الحفظ والمراجعة وفي حضور مجالس العلماء، وهذا أيضا مما لا ينبغي. فهذا المنهج هو منهج الاعتدال هكذا رسمه القرآن الكريم: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا مَخِيلَةٍ.

إذا انتهينا من هذا الموضوع السادس، موضوع كيف يتناول طالب العلم الغذاء. انظر كيف يعني ابن جماعة رحمة الله عليه يصل إلى هذه النواحي الدقيقة في حياة طالب العلم، ولا يتكلم فقط عن أدب طالب العلم مع شيخه أو أن طالب العلم عليه أن يحفظ ويفهم، بل يركز على أدق الأمور في حياة طالب العلم. وهذا من عظمة هذا المصنف ومن أهمية هذا الكتاب، أنه في الحقيقة تطرق إلى مواضيع حساسة جدا في حياة طالب العلم، ربما بعض طلبة العلم يظن أنها مواضيع ثانوية، لكنها مواضيع أساسية قد تكون هي السبب في الكسل وضعف الإنتاج؛ موضوع النوم، موضوع الأكل والشرب، موضوع تشتت الهم، موضوع التفكير الدائم في الزواج. كل هذه المواضيع هي في الحقيقة هي العوائق التي تقف حاجزا أمام إنجاز كثير من طلبة العلم في حياتنا العملية.

الآن ننتقل إلى موضوع جديد، الموضوع السابع الذي انتقل إليه ابن جماعة عليه رحمة الله: موضوع الورع. موضوع حقيقة مهم جدا في حياة طلبة العلم، بل في الحقيقة هو موضوع مهم في حياة حتى العلماء اليوم والدعاة وفي حياة المصلحين؛ موضوع الورع أحبتي في حياتهم. ماذا يقول ابن جماعة ثم بعد ذلك نعلق تعليقا مختصرا؟

يقول ابن جماعة: الأدب السابع أن يأخذ نفسه بالورع في جميع شأنه، ويتحرى الحلال في طعامه وشرابه ولباسه ومسكنه، وفي جميع ما يحتاج إليه هو وعياله ليستنير قلبه ويصلح لقبول العلم ونوره به. ولا يقنع، وهذه قاعدة اكتب وعندها قاعدة هذا السطر الذي سأقرأه قاعدة مهمة جدا في حياة الدعاة والمصلحين وطلبة العلم، انظر ايش قال: قال ولا يقنع لنفسه بظاهر الحل شرعا مهما امكنه التورع ولم تلجه

حاجة أو يجعل حظه الجواز، بل يطلب الرتبة العالية ويقتدي بمن سلف من العلماء الصالحين. إيش يقول ابن جماعة هنا؟ خاصة في هذه القاعدة، ولا يقنع ولا يقنع لنفسه بظاهر الحل شرعاً مهما أمكنه التورع.

الآن أحبتي، هناك مسائل تبقى في دائرة الاشتباه عند العالم وعند طالب العلم؛ يمكن أن تكون حلالاً، يمكن أن تكون حراماً، لم يصل فيها إلى شيء يطمئن له القلب والفؤاد. فماذا يفعل طالب العلم والعالم والداعية مع هذه المسائل؟ المسائل المشتبهة التي يمكن أن تكون حلالاً ويمكن أن تكون حراماً، أو بعض التصرفات والمواقف التي يمكن أن يدخلها شيء من الحرمة. ماذا يفعل طالب العلم والداعية؟ هل يلج في هذه التصرفات ويقتحمها بكليته بحجة أنها يمكن أن تكون حلالاً؟ أم يأخذ نفسه بالورع وتقوى الله سبحانه وتعالى، ويمنع نفسه هواها حتى يربي هذه النفس على كبح جماحها وحتى يعودها على أن تكون وقافة عند حدود الله سبحانه وتعالى؟

النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. فإذاً، موضوع الشبهات أحبتي موضوع خطير في حياة طالب العلم، يعني ربما العامة قد يعذرون في اقتحام الشبهات لأنهم ليسوا في محل الاقتداء والقدوة، ليسوا أئمة ينظر إليهم، لكن العالم وطالب العلم هو في موطن القدوة. الناس ينظرون إليه، كيف يتعامل مع المسائل الشرعية؟ كيف يقف عند الشبهات؟ ما هو منهجه ومسلكه بها؟ ومسلكه بها. فلا يصلح لطالب العلم أن يري الناس من نفسه اقتحاماً لهذه الأبواب، لأنه من حام حول الشبهات أحبتي قد حام حول الحمى، ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه.

فهذه أحبتي أماكن خطر، كيف تضع تجد هناك لوحات موضوعة على بعض الأماكن مكان خطر؟ الشبهات أماكن خطر، لو روعي أو سمح العامي في المرور بها أو المكوث بها، فإن العالم والداعية لا يصلح أن يمكث بها. لا يصلح أن يمكث بها. حتى ولو كان هذا العالم أو طالب العلم رجح عنده جانب الحل وبقي هناك شوب حرمة، فهو لو أفتى بحل هذه المسألة، فإنه يجتنبها الناس ورعاً وتقوى لربه. يقول هذه المسألة وإن كان ظاهرها الحل لكنني لا أقتحمها وأخذ نفسي بالسلامة، لأنك في النهاية قد تفتي بغلبة الظن أو بالظن أن هذه المسألة حلال، لكن بما أن هناك احتمال ولو واحد أو اثنين أو ثلاثة بالمية أن هذه المسألة فيها حرمة، أنت يا طالب العلم وأنت أيها العالم عليك أن تجتنبها إذا لم تدع الحاجة إلى اقتحامها.

هذه فكرة أيضاً يعني في النهاية يا شيخ طيب أنا كطالب علم آه ظهر لي أنها مسألة مبنية على الحل، بقي هناك شائبة حرمة، لكن الظن الظاهر أنها على الحل، فلا تجوز لي أن أقتحمها. أقول: إذا لم تكن هناك حاجة فلا تقتحم هذه الأبواب، أما إذا ظهرت هناك حاجة ملحة وضعف صبرك في هذه الحالة بما أنك ترى أن ظاهر الحل في هذه المسألة هو الغالب على ظنك في هذه الحالة قمح يغتفر لك. لكن الأصل العام أنك تبتعد عن هذه الأبواب، خاصة مثلاً في واقعنا المعاصر بعض المعاملات البنكية التي تمارسها البنوك الإسلامية، بعضها دخل فيها شيء من الدخن، ويختلط فيها الحلال بالحرام، وفيها من الاشتباه.

فيسأل بعض الناس مثلاً عن المرابحة وعن التورق أو غيرها من المسائل، فقد يفتي العالم للناس بأن هذه معاملات في الأصل جائزة والظاهر فيها الحل، مع ما في هذه البنوك من الدخن بطبيعة النظام العالمي الذي يحكم هذه البنوك. وقد يفتي العالم للناس بأن الظاهر في هذه المعاملات إذا أجريت وفق شروط معينة كذا وكذا أنها على الحل، لكنني لا أفضل لكم اقتحام هذه الأبواب إذا لم تكن هناك حاجة ملحة. وهذا العالم وإن كان أفتى للناس بحل هذه المعاملة تسهيلاً لهم ورفقاً بهم لعموم الحاجة، ولكن هو نفسه هذا العالم لا يقتحم هذه الأبواب إذا لم تكن له حاجة.

لأن بعض العلماء تجده يدخل في هذه الأبواب بإقدامه وبيديه يعني ما عنده أي مشكلة، ويقتحمها بجرأة وبشراسة ليقنع نفسه وليقنع الناس بحلها. نقول ايها العالم أنت تعرف ما من دخل في هذه الأماكن وفي هذه البنوك، فحتى لو كانت هذه المعاملة في ظاهرها على الحل فأنت عليك أن تجتنبها ما دام لك سعة في المال وفي الرزق، ما في داعي أن تحصل على الترف بشراء دابة جديدة أو شراء منزل جديد أو ما شابه ذلك من خلال استخدام هذه الأمور إذا لم تكن لك حاجة. إذا كنت تستطيع أن تدبر نفسك من الرزق الذي رزقه الله سبحانه وتعالى لك، فتورع عن معاملات هذه البنوك، تبرع عن الدخول فيها واقتحامها.

وهذا لا يعني أنك متناقض. يعني بعض الناس يقول لا يا شيخ إذا أنا أفتيت أن هذه الأمور ظاهرها الحل، فيجب علي أن أفعلها وأن أري الناس أني أفعلها حتى لا يقولوا أنت تفتي بالحلقة لماذا لا تفعل؟ لا، هناك فرق؛ أنت تفتي بالحلقة بناء على غلبة الظن، لكن في النهاية هذه البنوك ضمن هذا النظام العالمي تبقى فيها شيء من الشبهات، فأنا علي أن أتورع وأن أخذ نفسي بالحزم والشدة، ولا ينبغي أن أخوض كما يخوض العوام فيها.

فإذا رأى العامة من هذا الشيخ ومن هذا العالم تورعاً وتقوى لله سبحانه وتعالى وثقوا بعلمه وظهرت بركة علمه على طلبته وفي حياة الناس. أما إذا كان هذا العالم كما قلنا دائماً يقتحم هذه الأبواب من دون أن ينظر في الورع ومن دون أن يكون له نصيب من مراقبة النفس، فهذا العالم لا يصلح أن يكون قدوة يقتادون به خاصة في مزالق الأمور.

وهنا أحب أن أُشير إلى قضية يعني ربما وقفت عليها قبل أيام أو في الأيام التي مضت، قضية إني وجدت بعض العلماء أو بعض الدعاة -لا أُريد بعض الدعاة- يتبجحون على وسائل التواصل الاجتماعي باباحتهم للمعازف والموسيقى والغناء، ويقولون لا يوجد دليل قطعي يدل على تحريمها وما شابه ذلك. أنا الآن لم أناقش هذه الطائفة في تحريم المعازف والموسيقى وفساد القلب بسببها وما تؤول إليه الحال في من لا أُريد أن أناقش في هذه الأضرار والمفاسد الظاهرة للعيان، لكن أُريد أن أناقش هؤلاء الذين يتصدرون للدعوة والافتاء في دين الله.

يقولون بحل المعازف والغناء والموسيقى، أقول لهم: أنتم حتى لو أفتيتم الناس بأنه لا يوجد دليل قطعي على تحريم المعازف، حتى لو أفتيتم الناس واخترتم هذا المسلك، ألا ينبغي بكم كعقلاء -الآن أناقشكم كعقلاء- ألا ينبغي بكم أن تتورعوا عن استعمال هذه المعازف وهذه الموسيقى وهذا الغناء في برامجكم وفي حياتكم وفي المقاطع التي تريدونها على وسائل التواصل؟ الآن أنت أخذتها بحلية هذه المعازف، أليس من اللائق بك أن تتورع يعني حتى لو كنت تعتقد أنها حلال؟ اعتبر يا عمي الرأي المقابل فيه شبهة، يعني الرأي المقابل هو الرأي الصواب الذي لا منازعاً لكن أُريد أن أعتبر الرأي المقابل الذي هو رأي جماهير العلماء من الاقدمين من السلف الصالح، ألا تعتبره شبهة تجعلك أيها الداعية الذي تقول بحل الغناء والموسيقى، ألا يجعلك قول جماهير العلماء بتحريم المعازف، ألا يجعلك تتوقف وتتورع عن استعمالها حتى لو أفتيت بحلها؟

لانه من العجب العجاب أن تجد هؤلاء القوم الذين يفتون بحل المعازف ويستعملونها في منصاتهم وفي أماكنهم وفي برامجهم، ويقولون لا أحد يناقشنا لأننا نرى أن الموسيقى والمعازف حلال. اخي، حتى لو كنت ترى أن الموسيقى والمعازف حلال، أنا لن أناقشك الآن في رأيك، لكن أليس من الورع الذي تعلمناه من مشايخنا ومن سلفنا الصالح ومن الأئمة الكبار أنك لو رأيت بحلها وهناك عدد كبير بل هم الأكثر يرون حرمتها، أليس من الورع أن تجتنبها، لا تستعملها، وأن تري الناس أن ترك هذه الأمور هو الأفضل وهو الأورع وهو الأتقى وإن لم يكن فيه دليل بالتحريم بناء على رأيك؟ لماذا إذا كانت الموسيقى والمعازف حلال في وجهة نظرك ينبغي أن تستعملها في كل برامجك وأن تظهر للناس أنك جريء على اقتحام هذه

الأبواب. صدقني لن ينفعك هذا عند الله سبحانه وتعالى. كلا. إن تظن أنك إذا أظهرت الجرأة في استعمال هذه المعازف وهذا الغناء وأنك ترى أني رأيت أن هذا الشيء حلال فأنا أفعله كما أشاء. ليس هذا هو المنهج السديد. ليس هذا هو العقل. ليس هذا هو الرشد.

أخي، باتفاق العقلاء والمصلحين، هذه المعازف وهذا الغناء وهذه الموسيقى فيها ضرر كبير على قلب الإنسان وعلى إيمانه ودينه. حتى ولو لم تقل بحرمتها هذا شأنك، لكن باتفاق العقلاء، باتفاق الأنفس الزكية التقية، أن هناك ضرر بهذه المعازف.

ولو لم يكن هناك ضرر إلا أنها تعود الإنسان الانصراف والاشتغال عن ذكر الله وعن الصلاة لكفى بها ضررا. فما بالك في أضرارها الكبيرة في أنها تنبت النفاق في القلب وتصرف الإنسان عن الأمور النافعة، وتشغل القلب بدلا من أن يكون هذا القلب ممتلئا بذكر الله وبحفظ كتابه وبدراسة العلوم الشرعية وبدراسة ما هو نافع لهذه الأمة، يكون القلب ممتلئا بالمعزوفات وكلام الفاجرين من المغنيين والمغنيات.

أليست كل هذه المفاسد حتى ولو لم تصل بك إلى القول بالحرمة تجعلك تأخذ بالورع؟ خذ كلام ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه بتأمل وتعقل حين قال: ولا يقنع لنفسه بظاهر الحل شرعا. لا تقنع نفسك أيها الداعية حتى لو أفتيت بحل شيء بظاهر هذا الحل شرعا، مهما أمكنه التورع.

ألا يمكننا أن نتورع عن هذه المعازف؟ دعونا من هذه الحجج التي دائما تتحججون بها أن واقع الأمة وواقع الناس وأن الحاجة الدعوية أصبحت ملحة لاستخدام المعازف حتى نواكب القنوات الخليعة أو نواكب أصحاب الدعوات الأخرى. صدقوني لو كانت هناك همم من رجال وكان هناك عمل دؤوب مستمر قائم على تقوى الله سبحانه وتعالى لفقنا غيرنا ولأنجزنا وحققنا الكثير الكثير.

لكن أننا دائما نتعلل ونبرر تجاوزنا لحدود الله سبحانه وتعالى، ونبرر اقتحامنا بالشهوات، نبررها أننا نريد أن نواكب الآخر، نريد أن ننافس في هذا الميدان، في ميدان الإعلام، في ميدان التواصل الاجتماعي، لا نريد أن نبقى متخلفين والناس تنظر إلينا نظرة دونية بسبب رأي بتحريم المعازف وليس بذاك الرأي القطعي. هذه التبريرات والوقوف مع النفس دائما في هذه الزوايا الضيقة هو في الحقيقة من عجز النفس.

لو كان الإنسان صاحب هم، صاحب إنجاز، صاحب قيم، صاحب أفكار، صاحب عقل، لا تجده يبرر هذه التبريرات الباردة، تجده يبدأ ويقتحم أبواب العلم والمعرفة وتعليم الناس وينزل المقاطع العلمية النافعة، والله سبحانه وتعالى يصرف قلوب الناس إليك. يا أخي، هذه القلوب، الله سبحانه، لا تظن أن المعازف والموسيقى سبب جعله الله سبحانه وتعالى لقبول دعوتك وبارتفاع شعارك، بل هي صارفة ملهية، من راقبها ومن راعاها ومن نظر فيها علم مفاسدها على قلوب الناس وعلى أحوالهم.

فإياك، يعني هذه فقط نصيحة على الهامش، إياك أيها الداعية الذي تتشدق بحل الغناء والمعازف، يعني إياك أن تظهر نفسك في مظهر الإنسان المقتنع وأنت تفعل هذه المعازف. إياك أن تتظاهر أنك إنسان جريء، وإنسان عقلاني، وإنسان وصلت إلى مرحلة عليا في فهم مقاصد الدين وأنت تستعمل هذه المعازف والغناء.

اعلم أنك تأخرت خطوة، ضعفت، لم تكن في القدر المرجو في حياة الناس. نعم، هذا أفضل من أن تظهر نفسك في مقام الإنسان المقتنع بما يفعل، الإنسان الواثق بطريقه ومسلكه، فإن هذا لا يرضي الرب سبحانه وتعالى.

أكمل المسيرة أحبتي. قال ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه: قال ويقتدي بمن سلفه من العلماء الصالحين في التورع عن كثير مما كانوا يفتون بجوازه. يعني هل كان العلماء يفتون بجواز مسائل ويتورعون عنها؟ نعم، هذا ابن جماعة يقول لكم ذلك.

العلماء في القدم، علماء السلف الصالح رحمة الله تعالى عليهم، كانوا يفتون بحل بعض المسائل لأن الظاهر فيها الحل، ولا يريدون أن يضيقوا على العوام، لكن لوجود شبهة ضعيفة بالحرمة يمنعون نفسهم من اقتحام هذه الأبواب. وهذا هو العقل، وهذا هو العقل الذي ينبغي علينا أن ننتهجه في حياتنا العلمية كطلبة علم.

قال: وأحق من أُقتدي به في ذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث لم يأكل التمرة التي وجدها في الطريق خشية أن تكون من الصدقة مع بعد كونها منها. يعني انظر إلى ورع محمد صلى الله عليه وسلم لما مر، كما جاء في الحديث المتفق، لما مر في طريقه على تمرة ملقية على الأرض.

الآن تمرة ملقية على الأرض، أي إنسان فينا، بل هذا يعني مما ينبغي ويحسن بنا إذا رأينا تمرة مرمية أو ملقاة في طريقنا أن نأخذ هذه التمرة نميط عنها الأذى ونأكلها حتى لا تذهب. لكن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ نفسه بالورع، خشي أن تكون هذه التمرة من تمر الصدقة فمنع نفسه منها، خشي أن تكون هذه التمرة من تمر الصدقة.

قال يعني ابن جماعة مع بعد كونها منها يعني تمرة ملقية على الأرض، ما يدرينا أنها من تمر الصدقة أو من تمر الهدية. لكن النبي صلى الله عليه وسلم ارتقاء بنفسه، ولأنه صلى الله عليه وسلم لا يبيح لها أن تأكل الصدقات وما كان لنبي أن يأكل الصدقات، فإنما هي أوساخ الناس كما جاء في الحديث النبوي.

النبي صلى الله عليه وسلم أخذ لنفسه بالعزائم مع شدة جوعه، مع شدة جوعه صلى الله عليه وسلم وقلة شبعه عليه الصلاة والسلام ما كان يشبع، وقل أن تجد عنده الطعام الكثير في منزله، وكانت تمر عليه الأشهر ولا يوقد في بيته نار، بابي هو وامي صلوات الله وسلامه عليهم. شدة جوعه وحاجته، يمر على تمرة في الطريق، يخشى أن تكون من الصدقة، فيمنع نفسه من تناولها أخذا بالعزائم.

طبعا اكيد هذه التمرة اخذها غيره من الصحابة، فإن هذا زمن كان زمن جوع، زمن فقر، وأي إنسان وجد شيئا من هذا التمر فكأنما وقع على غنيمة. لكنه صلى الله عليه وسلم، كما قلنا، أخذا للعزيمة بنفسه امتنع عن تناولها.

قال: ولأن أهل العلم يُقتدى بهم ويُؤخذ عنهم، فإذا لم يستعملوا الورع فمن يستعمله؟ انظر، يقول لك ابن جماعة: أهل العلم هم مكان القدوة محل نظر الناس، إذا أهل العلم لم يأخذوا بالورع ولم يُعلّموا الناس الورع فمن يستعمل الورع؟ عوام الناس تريدون أن يتورعوا، وأنت أيها العالم تخوض في المطاعم والمشارب والمآكل والملاهي والحياة الدنيا من دون توقف عند حدود الله سبحانه وتعالى ولا اتقاء للشبهات.

ثم تقول للعامة اتقوا الله! قبل أن تقول للعامة اتقوا الله أنت عليك أن تتقي الله سبحانه وتعالى وأن تأخذ نفسك بالورع وبشدائد الأمور وعزائمها. قال: وينبغي له أن يستعمل الرخص في مواضعها عند الحاجة إليها ووجود سببها ليقتدى به فيها، فإن الله تعالى يحب أن تُؤتى رخصه كما يحب أن تُؤتى عزائمه.

ابن جماعة رحمه الله عليه واضح أنه معتدل في طرحه الأدبي والمنهجي. يقول: كما أن العالم يأخذ نفسه بالورع فيما لم يتيقن مائة بالمائة من حله، في المقابل الرخص الشرعية التي أتى الله سبحانه وتعالى بها تخفيفا عن الناس، الرخص الشرعية الثابتة بالنصوص التي أتى الله سبحانه وتعالى بها تخفيفا على الناس، كالفطر في السفر، والقصر والجمع، والفطر للمريض والحيض والنفسا في رمضان، التخفيف من الصلوات في السفر، والمسح على الخفين، وغير ذلك من الأمور التي جاءت تخفيفا وتوسعة على الناس.

هذه الأمور ينبغي على العالم أن يقوم بها، هذه الرخص ينبغي على العالم أن يقوم بها أمام العامة متى وجد سببها الشرعي، متى وجد سببها الشرعي، ليُقتدى به أيضا في هذا الباب. لأنني في الحقيقة رأيت بعض طلبة العلم ينتهج أمام العوام منهجاً فيما يحسبه فيه نظر وهو أنه يأخذ نفسه بالعزائم أمام العوام دائما في الرخص التي أباحها الله سبحانه وتعالى وأتى بها تسهيلا على هذه الأمة.

مثلا حينما يأتي شخص يعتقد مذهب جماهير الفقهاء بجواز الجمع مثلا بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة شديدة البرد، فقط مثال، أنت تعتقد أن هذه رخصة من الله سبحانه وتعالى تؤمن بذلك.

فاذا كنتم من بذلك يا اخي الكريم، فاذا جاء وقت المغرب والعشاء وقدمك الناس للامامة او كنت في الصف الاول والناس تنظر اليك ماذا ستفعل؟ حاول ان تأخذ بهذه الرخصة، رخصة الجمع. رخصة الجمع حاول ان تأخذ بها حتى تري الناس انك تترخص بالرخص التي انزلها الله سبحانه وتعالى. بعض طلبة العلم يقول لا يا شيخ انا اخذ بالجلد واظهر للناس انه حتى لو وجد سبب الرخصة في المطر الشديد والبرد فاني اصلي في جماعة المسجد واتي في جميع الصلوات ولا اجمع بينها.

اخي الكريم، كما قال لك ابن جماعة: إذا وجدت الرخص التي رخص الله سبحانه وتعالى بها لعباده، وقد وجد سببها، فالعقل منك -إن كنت في موطن القدوة والناس تنظر إليه- أن تأخذ بهذه الرخص؛ لانه كما جاء في الحديث الصحيح: أن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه. فلا تظن ان اتيانك للرخص اقل مرتبة من اتيانك بالعزائم. قال الله: كما يحب أن تأتي العزائم يحب أن تأتي رخصه. فعليك ان كنت في موطن القدوة والناس تنظر اليك ووجد سبب الرخصة ان تأخذ بها، لتعلم الناس ان هذا الدين دين يسر، الدين فيه توسعة، دين لا يأخذ الناس بالشدائد، وأن هذه الرخصة هذا هو المكان الصحيح لتطبيقها.

لان الناس العوام احبتي ربما ترى الانسان العالم او مكان القدوة تراه لا يأخذ الرخص في اماكن وجودها، فتظن ان سبب الرخصة لم يوجد بعد، مع انه في الحقيقة وجد سبب الرخصة، وجد سبب الرخصة وحل موطنها، لكن العالم اراد ان يأخذ بالعزيمة لا يريد ان يأخذ بالرخصة، فظهر في موطن الانسان الذي لم يترخص بسبب عدم وجود سبب الرخصة، وان كان في الحقيقة سبب الرخصة قد وجد، وان كان سبب الرخصة قد وجد.

فايها العالم، يا طالب العلم، ارحموا عقول العوام. ارحموا عقول العوام، خذوهم باليسر والرفق في دينهم، قربوهم من هذا الدين وحببوهم بهذه الشعائر، اياكم ان تأخذوهم بالعزائم في اماكن الرخص، في اماكن الرخص الشرعية الثابتة. خذوهم بالرخص متى وجد سبب الرخصة حتى يأخذ الناس هذا الدين بكليته، وحتى نكون ميسرين لا معسرين، مبشرين لا منفرين. فهذا هو منهج الائمة الاثبات رضوان الله تعالى عليهم.

اما ان كان عندك رأي ان هذه الرخصة لم تثبت وان النصوص لا تدل عليها فهذا امر اخر، فهذا امر اخر. واذا كانت الرخصة ثابتة ولكن انت بتحقيقك للمناط وجدت ان هذه الرخصة لم يوجد سببها بعد، فهنا بين للناس، انا ابين للناس في الحقيقة اذا لم افعل الرخصة في موطن معين لاني لم اقتنع بوجود سببها، ابين، اذا سئلت اقول: السبب اني لم اخذ بالرخصة ان هذا مثلا الجو صحو، او الجو لا يوجد برد شديد، او ان هذا المطر خفيف جدا جدا لم يوجد في الحقيقة السبب الشرعي لرخصة الجمع. نعم، أبين للناس حتى يفهموا ويتبصروا في امور دينهم، فهذا هو المنهج الوسط الذي سار عليه علماء اهل السنة والجماعة رضوان الله تعالى عليهم.

نذهب الان، بعد ان انتهينا من موضوع الورع، الى ادب جديد، الادب الثامن. الادب الثامن ربما له علاقة بالادب السادس موضوع الطعام والشراب، لكن تطرق اليه ابن جماعة الان من زاوية اخرى. يقول ابن جماعة: قال ان يقلل استعمال المطاعم التي هي اسباب البلادة وضعف الحواس، كالتفاح الحامض والباقلاء وشرب الخل. وكذلك ما يكثر استعماله البلغم المبلد للذهن المثقل للبدن، ككثرة الالبان والسمك واشباه ذلك.

الان في هذا الفصل ابن جماعة سينصح بترك مجموعة من الاطعمة وجد بتجربة العلماء انها سبب في الامراض والاسقام، وفي النهاية هذا الفصل -لهذا الفصل الثامن- لا نستطيع ان نجزم بدقة المعلومات التي اوردها ابن جماعة ولا ايضا نجزم بخطأها، انهه هناك فعلا بعض الامور التي اتى بها من التجارب فعلا ثبت ان لها ضرر، وبعض الامور التي اتى بها لا، لربما كان هناك مبالغة من ابن جماعة رحمة الله عليه، او لامر ساد في عصره ظن ان هذه الاطعمة فيها مثلا اسقام، والعلم الحديث اثبت ان هذه لا، بالعكس فيها فوائد للجسم وما شابه ذلك.

فهنا لا تثريب على ابن جماعة؛ لانه تكلم بالمعطيات التي وجدت في عصره. ابن جماعة هذا الفصل الثامن حينما مدح طعاما أو امر بتجنب طعام هو تكلم ضمن المعطيات الموجودة في عصره وما بلغ اليه علمهم. فاذا وجدنا في هذا العصر بعض المعلومات الخاطئة عند ابن جماعة فهذا لا تثريب عليه، فهذا ما بلغهم، ورحمة الله تعالى عليهم فان قصدهم النصح.

مثلا ما هي المطاعم التي يقول ابن جماعة انها تسبب البلادة وضعف الحواس تضعف حواسها؟ قال: التفاح الحامض، لان هذه النصيحة لكم احبتي اذا اشتريتم تفاح من اماكن الفواكه والخضار لا تشتروا تفاحا حامضا، لان التفاح الحامض خالي سبب البلاء. قال والباقلاء، الباقلاء أيضا تسبب البلادة وضعف الحواس كما يقول. قال شرب الخل، مع انه في الحقيقة مثلا لو وجدنا اليوم هناك فوائد كثيرة للخل، هناك فوائد كثيرة ينصح بها الاطباء، لكن ربما يعني الاكثار، لانه ابن جماعة ترى دقيق، قال: أن يقلل الاستعمال، فربما الاكثار من شرب الخل قد يكون له مضار على البدن، هل يمكن ذلك؟

قال وكذلك ما يكثر -ما يكثر وكذلك ما يكثر استعماله- البلغم، هناك بعض اشياء اذا استعملها يكفر استعمالها كثرة استعمالها تكثر البلغم، المبلد للذهن. البلغم يبلد الذهن ويثقل البدن، وانت تريد تتخلص من هذا البلغم، ما هي الامور التي تكثر البلغم؟ الالبان، كثرة الالبان يقول اللبن ومشتقات الالبان كالجبنة وما شابه ذلك، قالوا تسبب كثرة في البلغم، السمك واشباه ذلك من الاطعمة. وكما قلنا هذه امور مبنية على يعني التجربة فيرجع فيها لما يقوله الاطباء اكثر مما يقوله العلماء، يعني هذا مجال طبي وليس مجال شرعي.

قال وينبغي ان يستعمل ما جعله الله سبحانه وتعالى سببا لجودة الذهن، في المقابل هناك اطعمة ينصح بها العلماء في الحقيقة ووجدوا بالتجربة انها تذكر الذكرة وتقوي الحفظ وتساعد على الفهم وتنشط الانسان، مثل ايش؟ مثلا هذه الامور قال: كمضغ اللبان، اللبان اظن معروف لديكم. مضغ اللبان والمستكة على حسب العادة، الحكة هذه احنا بنسميها، احنا نشتريها من العطارين نسميها المستكة. هذه ايضا قال العلماء: مضغ اللبان والمستكة هذا يسبب جودة الذهن وينشط الذاكرة قال على حسب العادة.

طبعا احبتي حينما تدعكم مثل هذه يعني التي تشبه العلك، عليك ان تحترز ان لا تظهر امام العامة بها إذا كنت عالماً في مكان القدوة، ان هذا فقط تنبيه على الهامش: إذا كنت عالماً في مكان قدوة فلا ينبغي للعالم ان يظهر وهو يعني يعلك او يأكل المستكة اللبان امام العوام وامام طلبته، ربما في مجلس خاص او ابناء في البيت مع الاسرة مع الاهل لا اشكال في ذلك، يتوسع في ذلك ولا يتوسع في غيره. اما امام الناس تجد بعض طلبة العلم أو بعض العلماء الذين يقتدى بهم او بعض الدعاة يتعمد اخذ اللبان والمستكة وعلكة بشكل في الحقيقة لافت، بشكل لافت، فنقول: وحدك أو امام البيت والاسرة ما في مشكلة، لان هناك يتوسع، اما امام العامة وامام الطلبة في الحقيقة ينبغي ان يأخذ نفسه بالمروءة وان يظهر بهيبة وجلال ووقار كما ذكر لنا سابقا ونحن ندرس اداب العالم وكما سيذكر ابن جماعة ايضا في اداب المتعلم.

قال: واكل الزبيب بكرة، ان اكل الزبيب في الصباح وهذا كثير ما ينصح به فعلا العلماء، كثير ما ينصح به العلماء اكل الزبيب بكرة اي في الصباح قبل ان تبدأ برنامجك اليومي. قال والجلاب ايضا الجلاب وعصير الجلاب مما ينصح به للذاكرة ولجودة الذهن. قال ونحو ذلك، ليس هذا موضع شرحي ولا يتعلق اصلا بابن جماعة، يعني هذا ليس تخصص ابن جماعة وانما هي من العادات والتجارب التي ثبتت في زمنه. قال: وينبغي ان يجتنب ما يورث النسيان بالخاصية اجتناب الخاصية.

يعني هناك أمور من خصائصها ومن أنها تورث النسيان، أمور وأفعال سيذكرها ابن جماعة الآن من خصائصها أنها تورث النسيان. وفي الحقيقة سنقرأ أشياء نستغربها الآن، ستقرؤون لنا أموراً تستغربون كيف ابن جماعة يعني اقتنع أن هذه الأمور تورث النسيان.

ابن جماعة يقول: التجربة، طبعاً لا دليل شرعي عليه، وإنما تجارب الناس تقول: هذه الأمور تورث النسيان. ولكني أنا في الحقيقة استغربت يعني كيف ابن جماعة يولد مثل هذه الأمور على أنها تولد النسيان. أنظروا إيش قال؟ قال كأكل أثر سؤر الفأر.

كأكل أثر الفأر، إيش يعني؟ إذا جاء الفأر قال وأكل من طعام. تقول ابن جماعة مثلاً أنت واضع قطعة جبن على منضدة، جاء فأر في منزلك أكل شيئاً من هذه قطعة الجبن. يقول ابن جماعة: لا تكمل باقي القطع، لأن هذه القطعة المتبقية إذا أكلتها فإن ذلك يورث النسيان. طيب، من أين أتى بذلك؟ نقول: التجربة. وهذا غريب، يعني هل فعلاً هذا شيء علمي ثابت أني إذا أكلت هذه القطعة التي بقيت بعد سؤر الفأر ستورثني نسياناً؟ هذا ربما من الأشياء التي أتوقف عندها.

قال: قراءة ألواح القبور. كان إذا دخلت مقبرة أن هناك القبور، كل قبر تجد عنده لوح مكتوب عليه اسم المتوفى وتاريخ الوفاة، أليس كذلك؟ يقول ابن جماعة: قراءة هذه الألواح تورث النسيان. وهذا أيضاً من الأشياء الغريبة التي نص عليها ابن جماعة.

قال: الدخول بين جملين مقطورين. أيضاً أعجب وأعجب، يعني إذا كان جمل مربوط مع جمل، مقطور إما بقربه أو خلفه، إياك أن تدخل بين جملين مقطورين. والظاهر أنه يكون بقربه، يعني جمل ربط مع جمل آخر ويسيران بالقرب من بعضهما، يقول: لا تدخل بين الجملين، لأن هذا يورث النسيان. وهذا أيضاً من الأمور العجيبة.

قال: وإلقاء القمل، يعني إذا ألقيت القمل، ولا أدري يعني يقصد ألقيته عن بدنك أو عن مكان إلى مكان آخر، لا أدري ماذا يقصد؟ قال: إلقاء القمل يولد النسيان، قال: ونحو ذلك من المجربات فيه. وهذا في الحقيقة كما قلت لكم يعني يظهر أن فيه شيئاً يحتاج إلى نظر، فلا تقفوا كثيراً وانتقلوا بنا إلى الأدب التاسع.

في الأدب التاسع أحبتي ابن جماعة رحمة الله عليه سيناقش قضية أظن قضية مهمة في حياة طالب العلم، وهي قضية النوم. يعني ناقشنا قضية طعام الشراب، قضية الرزق، قضية النكاح، الآن سيأتي إلى قضية النوم، سيناقش هذه القضية، وهي ظنها في حياة كثير من طلبة العلم من العوائق التي قد تدمر الإنسان، فقد تدمر نعم طلبة علم. كثرة النوم من العوائق الخطيرة التي ينبغي أن يتجاوزها الإنسان، ربما أحياناً يدبك مرض أو داء يجبرك على كثرة النوم حتى تنتهي مدة النقاهة كما يقولون، لكن أن يبقى الإنسان نائماً معتاداً على كثرة النوم بالساعات الطوال فهذا مضيعة للأعمار، فهذا مضيعة للأعمار.

لذلك من آداب المعلومة عند العلماء كما قال ابن جماعة أن يقلل نومه، ما لم يلحقه ضرر في بدنه وذهنه، على هذا أمر مهم. تقليل النوم ما لم يلحقه ضرر في بدنه وذهنه، يعني الأمر يقول ابن جماعة باعتدال، لأن بعض طلبة العلم حينما يأخذ أدباً من الآداب إما إفراط أو تفريط؛ يا إنسان يكثر النوم كثيراً، يا إنسان يقلل النوم بحيث يضعف بدنه وعقله، لأنه أيضاً تقليل النوم أحبتي يؤثر على الدماغ وعلى العقل ويؤثر على البدن. وقد رأيت أنا في حياتي الشخصية بعض طلبة العلم أصابه داء وأمراض عصبية بسبب تقليله للنوم أكثر من القدر المعقول، لا ينام إلا ساعة أو ساعتين، وهذا في الحقيقة يهلك البدن مع الوقت ويضعف الأعصاب وقدرتك على الاستيعاب.

الاعتدال دائماً مطلوب في المأكل في المشارب في النوم. ابن جماعة بدقة يقول: أن يقلل نومه ما لم يلحقه ضرر في بدنه وذهنه، ولا يزيد في نومه في اليوم والليلة. شف ابن جماعة سيضع لنا ساعة، يقول: إياك أن تزيد على ثمان ساعات وهو ثلث الزمن، يعني اليوم كم ساعة؟ اليوم مقسم إلى أربعة وعشرين ساعة صح، ثلث الأربعة وعشرين كم؟ ثمانية. فيقول لك ابن جماعة: الحد الأعلى المسموح لك به أن تنام ثمان ساعات، بعد ذلك إياك أن تنام أكثر من ثلث اليوم، إياك أن تنام لأنك تضيع عمرك وتفوت فلاحك وتحصيلك.

إذاً ابن جماعة ما قال لك نم فقط اربع ساعات أو خمس ساعات ولا تزد، أعطوك فسحة جيدة، قال لك: معك ثمان ساعات كحد أعلى. يعني قال: من استطاع أن يقلل خمس ست ساعات جيد، وما تلاقيش شخص رايح لخالد يظن أنه قال في الخطة البراقة إن الوقت المناسب خمس ساعات لطالب العلم، يعني يعود نفسه أن ينام من خمس إلى ست ساعات. فأقول: من خمس إلى ثمان ساعات، يعني هذا المعدل من خمس إلى ثمان ساعات هذا المعدل المعقول.

التقليل عن خمس ساعات إلى أربع أو ثلاث ساعات في المجمل يضعف البدن وليس شيئاً جيداً. من آتاه الله سبحانه وتعالى مواهب وكرامات هذا أمر آخر، لكنني أنا أخاطب العامة من طلبة العلم والمتوسط المجمل أننا ننام من خمس إلى ثمان ساعات لا نقلل ولا نزيد على ذلك. قال ابن جماعة: فان احتمل حاله أقل منها فعل، يعني من احتمل حاله أن يقلل عن الثمان ساعات فليقلل، سبعة، ستة، خمسة، والامر أحبتي في الحقيقة التعويض يأتي من خلال تعويد النفس رويْداً رويداً بإذن الله تصل إلى برنامج مستمر.

لكن كما قلنا أيام أحياناً قد يدب الإنسان مرض أو يأخذ علاج يسبب له كثرة في النوم، فهذا في هذه الحالة لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. قال: ولا بأس أن ينتقل إلى موضوع آخر بعد أن انتهى من معالجة موضوع النوم بشكل سريع، قال: ولا بأس أن يريح نفسه، يعني موضوع الاسترخاء. موضوع استرخاء الجسم وأن يطلب الجسم الراحة. طلبة العلم يقول: إياك أن تذهب إلى فرجة، إياك أن تخرج في رحلة مع أصدقائك، إياك أن تتنزه وأن تذهب تنظر في الأماكن الجميلة لأن هذا مضيعة للوقت.

في الحقيقة نعم الأصل في حياة طالب العلم الجدية وأنه لا يضيع وقته في النزهة والتفرج والرحلات والجلوس مع الأحباب والأصحاب، لكن قطع هذا الباب أيضاً بالكلية ليس بصحيح، لأن هذه النفس إذا حملتها ما لا تطيق وأرغمتها على القراءة طوال الوقت هذا في الحقيقة أيضاً يضعف طاقتها على الإنتاج والاستيعاب والفهم والتعليم. هذه النفس لابد من أن ترزقها وأن تمنعها شيئاً من الاستجمام والراحة حتى تعينك ساعة الراحة على ساعة العمل.

يعني أنت تستعين بساعة الراحة وساعة الاستجمام على العمل والإنتاج، المشكلة إذا كان العكس، أنه حياة طالب العلم أغلبها استجمام وراحة ولا يعطي العلم إلا فتات العمر والزمن، هنا تأتي المشكلة الكبرى، ويعيش أكثر طلبة علم في أنه يعطي العلم فتات الوقت، إذا سمع في اليوم المحاضرة من ساعة أو من ساعتين ظن نفسه أنه بلغ القدر العالي وانه وأن هذه النفس لا تعطيه أكثر من ذلك، مع أن نفسه تطيق عشر ساعات أكثر من ذلك في طلب العلم، لكنه لا يريد أن يرغم نفسه وأن يعودها على الجدية في حياته العلمية.

الجدية مطلوبة وهي الأصل ولن تفلح من دون هذه الجدية ومن دون الثمن العشر وإحدى عشرة ساعة بطلب العلم لن تفلح. لكن أتكلم أن هذه الجدية ينبغي أن يتخللها شيء من الراحة وإجمام النفس، حتى تستطيع هذه الدابة -النفس اعتبرها دابة- حتى تستطيع أن تسير معك وأن يكمل هذا البدن المسير، عليك أن تأخذه رويْداً رويْداً. وكما قال ابن جماعة رحمة الله عليه: ولا بأس أن يريح نفسه وقلبه وذهنه وبصره إذا كَلَّ شيء من ذلك.

يعني إذا ضعف شيء من ذلك فلا بأس أن يريح نفسه وقلبه ودينه وبصره أو ضعف، كيف يريح نفسه وقلبه وذهنه وبصره إذا ضعف؟ قال: بتنزه النزهة، قال: وتفرج في المستنزهات الحدائق. شف، النظر يقولون في الخضرة وفي

ورود والأزهار وعلى والبحار والأنهار والمناظر الجميلة، هذا يبعث السرور في النفس ويرزقها نشاط وطاقة إيجابية كما يقولون للعودة مرة أخرى للعمل. قال: بحيث يعود إلى حاله. قال: ولا يضيء عليه زمانه. يعني عندما تذهب للفرجة في المتنزهات خلص أنت تريد أن تريح هذه النفس لتعينها على ساعة العمل من جديد. لكن إياك أن تضيع الزمان في هذه الأماكن. قال: ولا بأس بمعاناة المشي ورياضة البدن به، المشي ورياضة البدن. في الحقيقة من الأمور التي ينصح بها حتى علماء الشريعة يعني ليس هذا من فن يعني الرياضيين كما يظن البعض أن الشريعة تقول لك إياك أن تمارس الرياضة ونم في بيتك، بل علماؤنا كانوا يمارسون الرياضة. المشي ولو إنسان لعب شيء من الكرة أو اه ركض أو مارس السباحة والألعاب التي تقوي البدن. فهذا شيء إيجابي، نسأل الله أن يقدرنا على ذلك. فقد قيل إنه ينعش الحرارة المشي فإنه ينعش الحرارة ويذيب فضول الأخلاط وينشط البدن، يذهب الأخلاط الفاسدة التي تكون في الدماغ أو في اه الأمعاء وما شابه ذلك من مواطن الجسد. هذه الأخلاط الفاسدة ما الذي يذهبها؟ يذهبها المشي ورياضة البدن.

الان ذهب إلى موضوع حساس يعني ربما في حياة طالب العلم موضوع الوطء، موضوع النكاح، المعاشرة الزوجية باختصار. اه كيف يكون منهج طالب العلم في المعاشرة الزوجية؟ إذا كان متزوجا. اه إذا كان أعزب نقول يا طالب العلم حافظ على عزوبيتك ما آتاك الله سبحانه حتى تنجز. لكن إذا كانوا متزوجا فما منهجه في المعاشرة الزوجية؟ قال: ولا بأس بالوطء الحلال ولا بأس بالوطء الحلال إذا احتاج إليه. اه يعني ابن جماعة يقول: الوطء الحلال لا بأس به إذا احتاج إليه. قيد ذلك بالحاجة، لكن في الحقيقة تقييد بالحاجة فقط يعني أرى أنه يحتاج إلى شيء من النظر وإعادة الصياغة. لأن وقت المعاشرة الزوجية هذا أيضا حق للزوجة، هذا أيضا حق للزوجة فانت عندما تنكح زوجها كما أنك تريد أن تعف نفسك تريد أن تعفها، فعملية المعاشرة الزوجية أو الوطء كما هو مطلب لك هو مطلب لزوجك. فحتى لو قلنا اه أنك الآن لا تحتاج إلى الوطء أو لا تشعر الآن الآن بالحاجة إليه فعليك ألا تنسى حق زوجك عليك.

إن بعض طلبة العلم يأخذ نفسه، وإني لا أحتاج للبطيء الآن وأريد أن أبذل جهدي في الطلب. إذا لا تتزوج إذا كنت لا تريد أن تلبي حاجة الطرف الآخر. فكما أنت يحتاج إلى هذا الأمر أحيانا لتخفف من وطأة الشهوة على نفسك، زوجتك تحتاج إليه. فتقييدي الجماعة لا بأس بالوطء الحلال إذا احتاج إليه، نقول ليس فقط إذا احتاج إليه، وكذلك إذا احتاجت الزوجة إليه حتى ولو لم يحتج إليه. هكذا بنيت الحياة الزوجية. طيب، دعونا نسمع الأذان ثم نكمل بعده إن شاء الله.

اه إذا نعود أحبتي إلى موضوع اه الموضوع الاخير الذي تطرق إليه في هذا الفصل، موضوع الوطء الحلال. أن الإنسان المتزوج طالب علم يعاشر زوجه إذا احتاج إليها وإذا احتاجت زوجته إليه، فإن هذا مما يديم العلاقة الزوجية اه بصفاء وود. وقد قال الأطباء يعني هو الآن يبرر لماذا نصح بعدم الإكثار من الوضع قال قد الأطباء بأنه يخفف أو عفوا هو يبرر الان لماذا؟ ينصح بالوطء الحلال إذا احتاج إليه. قد قال الأطباء بأنه يخفف الفضول وينشط ويصفي الذهن. أن الإنسان أحبتي خاصة إذا مرت عليه فترة متزوج ولم يطأ آآ هذا قد يشغل ذهنه وعقله أولا، وقد آآ اه يشتت ذهنه وتفكيره يشتت دينه وتفكيره.

والأطباء إذا نصحوا بالتالي بأن الإنسان عليه أن يطأ بشكل معتدل. الإنسان المتزوج يطأ بشكل معتدل لأن هذا الوطء سبحان الله هذه من حكمة الشريعة الإسلامية أنها جعلت حتى في الوطء اه تقوية للذهن ونشاطا للبدر. لكن كل شيء باعتدال، كل شيء باعتدال. قال الأطباء: يخفف الفضول، يعني كما يقول إن الأبخرة والأخلاط التي تكون في البدن يتخلص منها الإنسان بالوطء. وكذلك ينشط ويصفي الذهن، ينشط ويصفي الدهن ويجمع شتاته لأن الإنسان بطبيعة الفتن التي أحيا بها في زمنه يكون ذهنه منشغلا، فيجد سبحان الله في معاشرة الزوجية وفي العلاقة بينه وبين أهله سببا في التخفيف من هذا الشحن ومن هذا الإثارة ومن هذه الضوضاء العقلية التي يحياها. نقول بسبب هذه الشهوات.

اه قال: إذا كان عند الحاجة فقد قال الأطباء بأنه يخفف الفضول. الفضول كما قلنا الأشياء الزائدة على البدن، الأخلاط الرديئة الدهون الرديئة وما شابه ذلك، وينشط ويصفي الذهن إذا كان عند الحاجة باعتدال. قال: ويحذر كثرته حذر العدو. كلمة جريئة من ابن جماعة وقوية، قال: ويحذر كثرته حذر العدو أن يحذر من كثرة الوطء والانزال حذره من عدوه. قالوا: لماذا؟ قال: فانه كما قيل يعني من الحكم المعروفة عند الأقدمين ماء الحياء في الأرحام يضعف السمع والبصر والعصب والحرارة والعظم وغير ذلك من الأمراض الرديئة. ماذا يقصدون بذلك؟ أنه ما ينزل منك في الوطء وفي المعاشرة، ما ينزل منك هذا الماء الذي ينزل هو ماء الحياة يعني هو شيء من بدنك.

أنت تنزله في رحم زوجتك، شيء من بدنك أنت تنزله في رحم زوجتك، فإذا كثر الإنزال منه فانت في الحقيقة تستهلك قواك البدنية، تستهلك سمعك وبصرك واعصابك وعظمك وعضلك. فهكذا كان هكذا الحكمة القديمة، وفي الحقيقة حتى الطب الحديث يقول الإكثار الإكثار والاسراف في هذا الباب. لذلك تجد العلماء سبحان الله يمنعون ويحرمون آآ ما يسمى بالاستمناء أو العادة السرية بمصطلحها المعاصر، لما فيه من كثرة إنزال هذا الماء وإخراجه من البدن، هذا يؤثر سلبا على سمع الإنسان وبصره وقوته وعقله، فيكون كما قال العلماء عجوزا في سن الشباب، يكون عجوزا في سن الشباب.

وفعلا هذا أمر اشتهر بين الأطباء قديما وحديثا، أن كثرة إنزال الماء يضعف بدن الإنسان وتخور قواه. فلذلك من جماعة ناصح حينما قال: واحذر كثرته حذر العدو. قال: والمحققون من الأطباء يعني هو أولا ذكر الرأي الطبي ابتداء لما قال إنه مفيد عند الحاجة، لكن ذكر الآن رأي آخر، ولكن هذا الرأي الآخر في الحقيقة يعني يحتاج إلى دراسة. قال من الأطباء يرون أن تركه أولى، إلا لضرورة أو استشفاء، يعني تتعامل مع الوقت والإنزال تعاملك مع الضرورات، لا تقتحمها إلا عند الضرورة القصوى أو الاستشفاء وإلا فتركه أولى.

وبالجملة قال: فلا بأس أن يريح نفسه إذا خاف مللا. لأن المهم أنك عموما لا بأس بشيء من الوطء أولا كما قلنا هو حق الزوجية والترك الكامل له هذا في الحقيقة لا يصح ويحرم شرعا أن تمنع زوجتك منه لأن هذا حقها الشرعي، ولا يمكن أن تأتي الشريعة بما فيه الضرر في أصله أن تأمرك الشريعة بالنكاح وأن تأمرك بالمعاشرة الزوجية ويكون أصل المعاشرة الزوجية ضرر بالبدن لا يمكن. لكن الإسراف فيها وتجاوز الحد المعقول نعم هذا فيه أضرار، هذا هو الذي فيه الضرر، وليس الجماع أو الوطء برأسه ضررا. فهذا علينا أن ننتبه لأن كلام ابن هنا قد يتفهم منه البعض أنه خلص ينمغي أن أترك المعاشرة الزوجية وهذا خطأ، هذا خلاف الدين هذا حرام. يعني هذا حق للزوجة عليك وحق لك أيضا، ولبدنك فعليك أن تراعي هذا الحق ولكن كما قالوا باعتدال حتى تحافظ على قواك.

وكان بعض أكابر العلماء يجمع أصحابه في بعض أماكن التنزه في بعض أيام السنة، ويتمازحون بما لا ضرر عليهم في دين ولا عرض. عاد إلى قضية أن التنزه هو دأب العلماء، يعني العلماء كانوا يستجمون يستريحون في المتنزهات ويتمازحون بأدب واعتدال. فهذا شاهد يريده إلى الجماعة. الأدب العاشر والأخير في أدب طالب العلم مع نفسه آآ قضية العشرة معاشرة الطالب لأصدقائه وللمجتمع حوله، قال: العاشر أن يترك العشرة. أن يترك العشرة، هكذا أطلقها، فإن تركها من أهم ما ينبغي لطالب العلم، ولا سيما لغير الجنس بغير الجنس أي يقصد لمن لا يجانسك في الطباع والأخلاق والصفات والهمم لأن هنا المعاشرة إذا كانت لطالب علم مثلك عنده همة عالية.

بالعكس، المعاشرة هنا قد تكون إيجابية، لأن هذا طالب علم جنسه من جنسك في الصفات والأخلاق والهمم والعمل. فمصاحبتك له تنشطك تدفعك للاستمرار في ميدان الطلب.

لكن الكلام إذا كان الرفيق من غير جنسك، أي من غير طبعك وصنفك وهمتك، فهذا ترك العشرة هو أفضل قطعا بلا نزاع، بل لا يمكن أن يفلح الإنسان في ميدان طلب العلم ما دام يكثر معاشرة الناس الذين لا يتوافقون معه في الهدف والغاية.

لذلك قال: أن يترك العشرة. فإن تركها من أهم ما ينبغي لطالب العلم، ولا سيما لغير الجنس، وخصوصا لمن كثر لعبه وفكرته، فإن الطباع سراقة. يقول لك: لا تعاشر من كثر لهوه ولعبه ومزاحه وآآ من كثر لعبه آآ يعني هواه فكره وتأمله ودراسته وعلمه، لأن الطباع سراقة.

وكثير من طلبة العلم ذهب ماء وجوههم وذهبت همتهم وحماسهم للطلب لما عاشروا هذا الصنف من الناس، وهذا شيء عشناه. أن الإنسان متى عاشر إنسانا إلى الفكر والعقل والذهن كثيرا لعبوا باللهو والمزاح، فإنه يأخذ من طبعه وينطبع بسجيته وأخلاقه، فالطباع سراقة.

فإذا أصبح طالب العلم كسولا خمولا يحب اللهو واللعب، فهنا لا يلومن إلا نفسه، لأنه هو الذي اختار أن يعاشر هذا الصنف من الناس فسرق طباعهم وتخلق بها، بدلا من أن يكون قدوة لهم هم الذين يستقون منه يكون هو الذي استاقى منهم.

قال: وآفة العشرة ضياع العمر بغير فائدة، وذهاب المال والعرض. يعني حتى المال والعرض يذهب، لأنك حينما تعاشر هؤلاء الناس للأسف تبذل مالك في إطعامهم وشرابهم، وفي لهوك معهم، وفي التفرج والتنقل، فيضيع مالك ويضيع عرضك بكثرة الكلام والخوض في الناس. ومن خاض الناس خاض الناس في عرضه، من أكثر الخوض في الناس؟ خاض الناس في عرضه، فكما تدين تدان.

قال: وذهاب المال والعرض إن كانت لغير أهل. يعني العشرة تذهب بالمال والعرض خاصة إذا كانت لغير الأهل، الشخص غير المؤهل لأن تعاشره. وذهاب الدين إن كانت لغير أهله، يعني ويذهب دينك إن كانت عشرتك لغير أهل الدين من أصحاب المجون والعياذ بالله. فانظروا آفة العشرة معاشرة الناس.

طبعا هو يعني عندما نتكلم في أي فكرة دائما أياك أن يعني كما يقول أن تتطرف في فهمها. يعني لأن بعض الأشخاص الآن ماذا يقولون يا شيخ طب النبي صلى الله عليه وسلم يقول: المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يستر على أذاهم.

المراد بمخالطة الناس هنا التي امتدحها النبي صلى الله عليه وسلم المخالطة العلمية الدعوية التي تثري بها فوائدك وتثري بها الناس من العلم والمعرفة، وتوقفهم على الشرائع وعلى الأوامر والنواهي، وتتحمل ما يصيبك نتيجة لدعوتك وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر. هذه هي العشرة المحمودة التي يريدها النبي صلى الله عليه وسلم.

أما العشرة المذمومة التي ينهاك عنها ابن جماعة هي عشرة المزاح واللعب والضحك والتفرج والتنزه الذي لا حاجة لك به ويضيع عمرك، التي لا فائدة منها ترجى ولا تبني علما ولا صرحا ولا ترفع عقلا. هذه هي العشرة المذمومة التي يذمها العلماء.

وأما عشرة العلم وعشرة المعرفة والتعليم فهذه لا بد منها، لا ينبغي أن يتركها عالم أو متعلم. إذا آفة العشرة ضياع العمر بغير فائدة، ذهاب المال وذهاب العرض وذهاب الدين كما ذكر ابن جماعة.

قالوا: والذي ينبغي لطالب العلم ألا يخالط يعني من الذين تخالطهم؟ قال: ألا يخالط إلا من يفيده أو يستفيد منه، يعني لا تخالط إلا شخصا أنت تفيده أو شخصا أنت تستفيد منه، لان هكذا تكون العشرة نافعة وفائدتها مرجوة ويكون فيها الخير والسعادة، وتجتنب آفة ضياع العمر وذهاب المال والعرض والدين.

لذلك روي في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان حديثا منكرا: أهْدِ عالماً أو متعُلماً، ولا تكن الثالث فتهلك. يعني أهْدِ في حياتك، اذهب أما عالم أو متعلم، عش عالماً أو متعلمًا ولا تكن الثالث. وهو العابث منهما، الثالث هو العابث اللاهي، فلا تكن الثالث العابث اللاهي فتهلك.

قال: فإن شارع أو تعرض لصحبة من يضيع عمره معه ولا يفيده ولا يستفيد منه ولا يعينه على ما هو بصدده أي من طلب العلم وتحصيله، يتلطف في قطع عشرته، يعني ما تستمر، اقطع عشرة هؤلاء الأشخاص في أول الأمر قبل تمكنها، لأن الأمور في مبادئها سهلة.

لكن إذا تمكنت صحبة بعد ذلك ستعود أصابع الندم، ويصعب عليك أن تنحل من هذا الرباط، فابدأ بقطعها من البداية. فقال: فإن الأمور إذا تمكنت عسرت إزالتها. ومن الجاري على ألسنة الفقهاء: الدفع أسهل من الرفع. يعني أن تدفع قبل أن يستقر أسهل من أن ترفعه بعد أن يستقر.

فإذا دفعت صحبة هؤلاء الناس قبل أن تحكمها هذا يكون سهلا عليك وتستطيع أن تخلص منهم بالسلام. لكن إذا صحبتهم ورافقتهم سنوات العمر ثم بعد قدح في دينك أن تتركهم، هنا لن تسلم وسيصعب عليك الفراق حينئذ.

قال: فإن احتاج إلى من يصحبه. بعض الناس يقول لك: يا شيخ أنا في الحقيقة لا أعرف العزلة، أن تقول لي اجلس وحدك اقرأ كتاب أو اسمع درس ما بعرف، أحتاج إلى شخص يلازمني في الطلب وينشطني، أحتاج إلى عشرة الناس. قال: فإن احتاج إلى من يصحبه في هاي الحالة قال: فليكن صاحبا صالحا دينا تقيا ورعا ذكيا، كثير الخير قليل الشر، حسن المداراة قليل المماراة أي الجدل، إن نسي تذكره، وإن ذكر أعانه، وإن احتاج واساه، وإن ضجر صبره. يعني شخص يملك الأخلاق العالية باختصار.

فصلها ابن جماعة وأنت قاعد قراءتها وحدك، يقول لك: صاحب ورافق شخصا يمتلك الأخلاق الرفيعة الذي تجملك صحبته ولا تسوءك. هذه هي الفكرة باختصار حتى لا نطيل.

وذكر بعد ذلك أبيات علي بن أبي طالب يقول فيها: فلا تصحب أخا الجهل، وإياك وإيَّاه، فكم جاهلٍ أردى حليماً حين آخاه، يقاس المرء بالمرء إذا ما هو ماشاه. أنت تقاس بمن تختار رفيقا؟ إن اخترت إنسانا راقيا رفيعا سمحا عالما متعلما، حينئذ تقاس به، وإن اخترت شخصا لاعبا لاهيا عابتا، فإنك أيضا تقاس به.

وأخيرا قال ابن جماعة أيضا نقلا عن شاعر آخر وليس من كلامه، يعني وقال غيره: إن أخاك الصدق من كان معك، ومن يضر نفسه لينفعك، ومن إذا ريب الزمان صدعك، شتت شمل نفسه ليجمعك. جميل هذه الابيات: إن أخاك الصدق من كان معك. أخاك الصادق الذي يستحق أن يسمى صديقا هو من كان معك في لحظات الحياة في حلوها ومرها، ومن يضر نفسه لينفعك، ومن إذا ريب الزمان صدعك يعني إذا حلت بك المصائب وحلت بك النكبات شتت شمل نفسه، يعني تحمل تشتيت نفسه وتكليفها الصعوبات ليجمعك، يعني يشتت شمله ليجمع شملك. والمراد منه أنه انسان يفتديك ويقف معك إلى آخر لحظة، وقل أن يجود الزمان بمثلهم. وهذا نهاية المجلس، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.