تسجيل الدخول

شرح تذكرة السامع والمتكلم (19)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا طالبا للعلم يرجو نفعه، اسمع نصيحة ناصح معواني. لربك في أمورك كلها، فالمخلصون هم أولو العرفان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على حبيبنا وعلى قرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب تذكرة السامع والمتكلّم بأدب العالم والمتعلم للإمام ابن جماعة الكناني الشافعي رحمة الله تعالى عليه. وقد وصل بنا المسير أحبتي إلى الفصل الثاني من آداب طالب العلم، وهذا الفصل خطير، جد خطير؛ لأنه يتكلم عن أمور محورية أساسية في حياة طالب العلم، تتعلق ببنائه العلمي والمعرفي، وفي اختياره للشيخ، وفي اختيار للبرنامج العلمي الذي سيسير عليه، وفي طريقة تعامله مع أشياخه وأساتذته.

ويكاد يكون هذا الفن وهذا النوع من آداب طالب العلم درساً في هذا الزمان، وانطمست معالمه إلا عند القليل القليل ممن بقي على هذا الثغر يرابط ويناضل عنه. لذلك أناشد طالب العلم بأن يقرأ هذا الفصل بعناية من كلام ابن جماعة رحمة الله عليه، وأن يهتم بمراقبته ورعايته في حياته العلمية؛ لأنه تملك النجاح بإذن الله والفلاح في حياتك وفي مسيرتك، واغفال هذا الفصل لربما يكون سبباً كبيراً في إخفاقك في حياتك العلمية وفي إنتاجك المعرفي.

يقول ابن جماعة رحمة الله عليه: الفصل الثاني في آدابه، أي آداب الطالب مع شيخه وقدوته. الشيخ هو نفسه القدوة، لكنه أراد أن يبين أن القدوة أو أن الشيخ هو محط القدوة، ففصل بينهما ليبين أن الشيخ -أنه شيخ ومعلم- هو أيضاً قدوة لك يا طالب العلم في حياتك وفي مسيرتك في آدابه مع شيخه وقدوته وما يجب عليه من عظيم حرمته.

قال: وهو ثلاثة عشر نوعاً. سيتكلم إذاً عن ثلاثة عشر موضوعاً ابن جماعة رحمة الله عليه، وكلها مواضيع في الحقيقة مهمة في غاية الأهمية كما سيتضح لكم بإذن الله. نبدأ في الموضوع الأول، بل وهو الموضوع الأخطر في الحقيقة؛ موضوع اختيار الطالب للشيخ المناسب، موضوع اختيار الطالب للشيخ المناسب.

قال ابن جماعة عليه رحمة الله: الأول؛ أنه ينبغي للطالب أن يقدم النظر ويستخير الله سبحانه وتعالى فيمن يأخذ العلم منه، إذاً أو فيمن يأخذ العلم عنه. إذاً ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه يقول لك يا طالب العلم: عليك أن تنظر ابتداءً، وأن تستشير، وأن تتفكر في الشيخ الذي ستطلب العلم منه.

إذاً الموضوع ليس هو موضوع شيخ أعلن عن نفسه أنه شارح لكتاب، فأنا مباشرة ألتحق بهذا الشيخ من دون أن أعرف: هل هو مؤهل؟ هل هو سليم الاعتقاد؟ حسن الخلق حسن المسلك والطريقة؟ لا. ينبغي أن تعتني -خاصة في هذا الزمن يا طالب العلم- بالأسماء التي تظهر لك، لا تطلب العلم ولا تتخذ شيخاً ولا تلازم أحداً ملازمة تنقطع بها عن الناس حتى تكون متأكداً أن هذا الشخص أو العالم أو -كلمة انقطعت له- هو مؤهل لأن يكون شيخاً، ولأن يكون قدوة، ولأن يكون مربياً لك، وعليك أن تستخير الله.

يعني أنظر حتى الموضوع فيه استخارة! ربما هذه الآداب الحقيقة نحن نغفل عنها في حياتنا العلمية، لكن السلف رحمة الله عليهم كانوا يحرصون عليها. يقول: عليك أن تستخير الله سبحانه وتعالى في كل أمورك، ومن هذه الأمور التي علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الاستخارة فيها؛ أن تستخير الله في اختيار الشيخ المعلم، تصلي ركعتين ثم تقول بعد ذلك: يا رب، اللهم إن كنت تعلم أن في هذا المعلم خيراً لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري وعاجل أمري وآجله فيسره لي واقدره لي، وإن كنت تعلم أن فيه شرًّا لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري وعاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان.

المهم أنك تستخير الله سبحانه وتعالى في اختيارك للشيخ حتى يوفقك الله سبحانه وتعالى للشيخ الأولي والأفضل في هذا الميدان؛ لأن الاختيار الخاطئ للشيخ قد يكون سبباً في انتهاء حياتك العلمية، وفي مضيعة عمرك، وتشتت اوقاتك، وفي ربما سلوكك لمناهج خاطئة في هذا الزمن خصوصاً؛ لأن بعض الأشياء -الجهل بهم- يقود بعض الطلبة إلى أن يغتر برسومهم وأشكالهم.

فإذا هذا الشيخ مخالف للاستقامة ولمنهج أهل السنة ولطريقة السلف الصالحين رحمة الله تعالى عليهم في الاعتقاد والعلم، ولربما هو أيضاً لم يطأ شبراً من علوم الشريعة وإنما هو ممن يتصنع العلم، فالطالب يغتر به ويلازمه، إذاً هو لا يحصل الفائدة المرجوة، ولربما كما قلنا زاغ عن المنهج الصحيح منهج أهل السنة والجماعة، فالموضوع خطير. الموضوع يتعلق بحياتك العلمية الفكرية وفي علاقتك مع الله سبحانه وتعالى.

الشيخ الموفق يوفقك بإذن الله أو يأخذ بيدك إلى الخير، والشيخ -نقول المتصنع أو الشيخ الذي لا يصلح أن يكون شيخاً ولا يصلح أن يكون مربياً- ربما يودي بك في المهالك، فالموضوع إذاً خطير كما أهـ... أنا على ذلك منظور ابن جماعة رحمة الله عليه كيف يقول: ينبغي على طالب العلم أن يقدم النظر ويستخير الله فيمن يأخذ العلم عنه ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه، وليكن إن أمكن -قال: وليكن إن أمكن، يعني الأفضل- أن يكون هذا الشيخ ممن كملت أهليته وتحققت شفقته، أي ممن اكتملت أهليته في تدريس العلوم. إنسان مشارك في العلوم الشرعية، وليس إنسان مقتصراً على فن واحد وليس له دراية بالفنون الأخرى؛ لأن الأشياخ الذين يقتصرون على فن واحد من الفنون وليس لديهم دراية بالفنون الشرعية الأخرى أو المشاركة بها هذا سيسبب فجوة في العلم الذي هم متخصصون فيه؛ لأن العلوم الشرعية أحبتي لا تنفك عن بعضها البعض، يصعب أن تنفك، كل علم يحتاج إلى العلم الآخر في جانب من الجوانب، فالعلوم لا تنفك عن بعضها.

فإذا كان العالم مؤهلاً مكتمل الآلة مكتمل الدراسة في هذا، يعطيك فائدة متكاملة. لكن العالم للأسف بطبيعة الدراسات الأكاديمية اليوم، تجد بعض الأشخاص متصخصص في جانب معين وجاهل تماماً في أبواب أخرى، يعني يعرف في علم الرجال في علم الحديث ولا يعرف في الفقه ولا في أصول الفقه ولا في اللغة ولا النحو ولا الصرف ولا الاعتقاد، فمثل هذا الإنسان عنده قصور كبير في حياته، وإن كان متخصصاً في علم الحديث، أو شخصاً متخصصاً في علم الاعتقاد وضعيفاً جداً في اللغة وفي أصول الفقه وفي الفقه وفي البناء المعرفي.

فالأول والأفضل إن كان إن كان هناك شيخ مكتمل الأهلية مشارك في العلوم الشرعية المتنوعة أن يكون هو المختار لديك؛ بأن الشيخ كما قلنا القاصر لن يعطيك صورة متكاملة ولن يعطيك فائدة منهجية تبنيها وتنطلق بها في حياتك، ربما يعطيك فوائد في طبيعة تخصصه الذي اختص به، لكن حتى في تخصصه لا يمكن أن تكون الصورة عنده واضحة خذها، خذها من الآن، لا يمكن أن تكون الصورة مكتملة عنده في تخصصه حتى يكون مشاركاً في علوم أخرى.

لذلك قال: وليكن إن أمكن ممن كونت أهليته وتحققت شفقته، أن يكون إنسان عنده شفقة على طلبته حريص، يتواصل معهم، يسأل عن أحوالهم ويعرف أمورهم وشأنهم كما مر معنا في آداب العالم، عالم حريص فعلاً يتقطع ويتفطر قلبه على تلميذ مفرط وعلى تلميذ مهمل، يحاول ينصح دائماً ويوجه ويحث ويرفع الهمم، هذا هو المعلم الناجح الذي فعلاً تثق به بإذن الله.

لكن المعلم يعطي الدرس والمحاضرة ثم يغلق الكتاب ويخرج ولا يُرى، ولا يسأل عنك ولا عن حالك ولا أين وصلت في بنائك العلمي، هذا لا يمكن أن أختاره شيخاً ولا أن ألازمه هم في حياتي العلمية؛ لأنه إنسان غير مهتم بطلّابِه، وليس هذا كان دأب السلف رحمة الله عليهم، الشيخ كان شيخاً، كان مربياً، كان والداً لطلبته شفقة وحرصاً ونصحاً. قال: وظهرت مروءته، إذاً وليكن إذاً ممن كملت أهليته.

وتحققت شفقته، وظهرت مروءته، وعرفت عفته، واشتهرت صيانته، وكان أحسن تعليمًا وأجود تفهيمًا، ولا يرغب الطالب في زيادة العلم مع نقص في ورع أو دين أو عدم خلق جميل. الطالب عليه أن يحاول أن يبحث عن الشخص الذي اجتمعت فيه هذه الصفات قدر الإمكان، الكمال لله سبحانه وتعالى الكمال الكامل.

لكن نتكلم نحن الآن عن الكمال البشري وهناك كما البشر هناك كمال إلهي، فإن يوجد شخصية كمال البشير هذا منكر، والنبي صلى الله عليه وسلم من فيه الكمال البشري بأبي هو وأمي، ما سوى مقام النبوة الكل يعصيه الكل يخطئ.

لكن أنت تبحث عن الشيخ الذي فيه من درجات الكمال ما هو مستطاع، أن بلغ درجة عالية من درجات الكمال البشري، فأن يكون ممن كما قال لك تحققت أهليته وتحققت شفقته ومعروف بالمروءة، ليس من يكثر اللعب واللهو والمزاح والضحك، كذلك من عرف بالعفة وليس من عرف بمعاشرة النساء والخروج معهن والجلوس في الأماكن المشبوهة. قال: واشتهرت صيانته العلم احترامًا وتوقيرًا فلا يجالس الظلمة ولا السلاطين، ولا يجالس اه سلاطين الجور نقصد، ولا يجالس اه كذلك المنافقين وأصحاب والفجور يصون علمه عن كل ما ينكر أن يشينه.

قال: وكان أحسن تعليمًا وأجمل تفهيمًا، أيضًا ينبغي أن تراهي في الشيخ الذي تريد اختياره أن يكون يحسن التعليم، يحسن إيصال المعلومة لطالب العلم بشكل جهل، بأن بعض الناس ربما آتاه الله سبحانه وتعالى مقدار كبير من المعرفة العلمية، لكن لا يوجد عنده بيان لا يستطيع أن يوصل الفكرة إلى ذهن الطالب، يعني هذا عالم جزاه الله خيرا عنده علم لكن لا يصلح أن يكون معلما، بعض الناس ربنا سبحانه وتعالى لم يؤتيهم القدرة على إيصال الأفكار ولا على صياغة المعلومات، فمثل هذا الشخص ربما تكون الفائدة التي تحصلها منه محدودة مع توقيرنا له ولعلمه.

فينبغي أن يكون المعلم ممن يحسن طرق التدريس وصياغة المعلومة وإيصالها للطالب، وأن يكون أجود تفهيما. قال: ولا يرغب الطالب في زيادة العلم مع نقص في ورع أو دين أو عدم خلق جميل، يعني يقول لك بالجماعة إذا كان الإنسان ورأيته عنده علم اطلاع لكن رأيته يفقد الورع في دين الله، أو رأيته يفقد الدين ما عنده ديانة، إنسان يبيع دينه بعرض من الدنيا بخس كما هو حال علماء السلاطين، أو يفقد الأخلاق في معشره وفي تعامله مع الناس، فهذا لا ترغب كثيرا في في التزود منه، لا ترغب في التزود من إلا إذا فقدت العالم تماما، فالإنسان هنا ينزل السقف سقف الطموح ينزل ويجد في هؤلاء المناصب الوحيدة الآن في طلب العلم، لكن الأصل أن يكون هؤلاء بعيدين عن التصدر، لا يصدر أمام الناس من يفقد الورع ويفقد الديانة ويفقد الأخلاق والسلوك الصحيح في التعامل مع الناس، هذا لا ينبغي أن يصدر بل ينبغي أن ينبه حتى يتلاشى مثل هذه الأمور ثم بعد ذلك يصدر نفسه على أنه عالم مربي.

فابن جماعة رحمة الله عليه هنا صاغ لنا منظومة كاملة في طبيعة الشيخ الذي يصلح أن تختاره وأن تنظر فيه. أبو حنيفة رحمة الله عليه كما ذكر الزنوجي في بتعليم المتعلم طريقة التعلم يقول كان أبو حنيفة ينظر في شيخه اه شهرين حتى يختار أبوك، يعني بأبو حنيفة رحمة الله عليه ما كان مباشرة يختار الشيخ الذي يلازمه مباشرة من أول كلمة يسمعها منه، بل ينظر في حال هذا الشيخ مدة شهرين فأكثر حتى يتيقن تماما أن هذا الشيخ فعلا رجل مؤهل رجل حصل من العلم ما يجعله مؤهلا للتصدر يصلح أن يلازمه عنده من الأدب ومن الأخلاق ومن حسن المعشر ما يجعله صالحا لأن يكون مربيا وأستاذا وشيخا.

فهكذا كان السلف رحمة الله عليهم في تعبهم من من أجل وصول إلى الأستاذ المناسب، لأن هذا التعب القليل بإذن الله سيريحك في المستقبل كثيرا، لكن العجلة في هذا الباب واختيار الشيخ غير الموفق سيتعبك في المستقبل كثيرا. ويقول ابن جماعة رحمة الله عليه بعد ذلك قال فعن بعض السلف هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.

لماذا كل هذا الاحتياط من ابن جماعة رحمة الله عليه في موضوع اختيار الشيخ؟ قال: لأن علماءنا علماء السلف الصالح رحمة الله عليهم كانوا يقولون أن أن هذا العلم دين، هذا العلم العلم الشرعي دين نتعبد به ونتقرب به إلى الله سبحانه. قال: فانظروا عمن تأخذون دينكم، فانظروا عن من تأخذون دينكم. فلا يصلح للإنسان أحبتي أن يتعلم العلم عن شخص غير مؤهل في هذا الميدان، لا يصلح له أن يتعلم من شخص عنده قلة في الديانة، قلة في الورع، عنده سوء في الخلق، عنده آآ استهزاء بشعائر الدين، اه التزلف للسلاطين أو ما شابه ذلك، لا يصلح هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.

الإنسان إذا طلب شيئا من الحياة الدنيا طلب آآ مصلحة في شيء أو وظيفة تجده يسأل وبجد ويستفسر عن كل دقيقة من هذه الدقائق، فالعلم الشرعي أولى أن تستفسر وأن تحتاط وأن تكون منتبها له. لماذا في العلم الشرعي؟ نجد الناس يزهدون والطالب يأخذ من أي إنسان من كل إنسان متصدر يأخذ عنه ولا يسأل ولا يفتش، وإذا أراد أمرا من أمور دنياه فتش بعناية وحرص وتدقيق، هذا من قلة التوقير لدين الله سبحانه وتعالى.

فينبغي إذا التنبه على هذه القضية، قضية أهمية اه النظر في الشيخ الذي يأخذ عنه. قال وليحذر من التقيد بالمشهورين وترك الأخذ من الخاملين، فقد عد الغزالي وغيره ذلك من من الكبر على العلم وجعله عين الحماقة، فقد عد الغزالي وغيره ذلك من الكبر على العلم وجعله عين الحماقة. قال: لأن الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها، ويغتنمها حيث بها، ويتقلد المنة لمن ساقها إليه، فإنه يهرب من مخافة الجهر كما يهرب من الأسد، والهارب من الأسد لا يأنف من دلالة من يدله وعلى الخلاص كائنا من كان.

أحبتي هذا موضوع أيضا وفائدة مهمة وأشار إليها من جماعة رحمة الله عليه، هذه الفائدة تتعلق بماذا؟ يقول لك من جماعة: إياك أن تتقيد بالمشهورين. الآن هناك أناس تكتب لهم الشهرة في المجتمع فيتصدرون على أنه فضيلة وسماحة وشيخ وما شابه ذلك، وهؤلاء الذين يتصدرون بعضهم فعلا يكون مؤهلا مؤهلا للتدريس في الحقيقة، وبعضهم لا يكون مؤهلا ويكون متشبعا بما لم يعطى، خاصة في هذا الزمن لأن هناك من يصدر أناس معينين ليأخذوا زمام المبادرة في المجتمع ويريد أن ينحي وأن يقصي الآخرين.

فانتبهوا على هذه الجزئية، ليس كل إنسان متصدر وعنده لقب سماحة وفضيلة وعنده درجة عالية في أو منصب عالم أبدًا، هذا ليس مقياس خاصة في هذا الزمان، بل أكثر أكثر الذين يتصدرون في هذا الزمان أكثرهم ممن ليس مؤهلا لتدريس العلوم الشرعية، أما لضعف في التأصيل وهذا كثير غالب، واما بضعف في الديانة والورع وكثرة ملازمة لأبواب الظلمة وسلاطين الجور.

فينبغي فينبغي عليك أن تنتبه ليس العبرة بالتلقي عن المشهورين، إذا كان مشهور لكنه فعلا ممن ممن عرف بإتقان العلم وصيانته فأنعم به وأكرم والزمه، فإن الله سبحانه وتعالى نحسب أنه لم يشهر هذا الرجل مع شدة علمه وصيانة دينه إلا لأنه يريد بالناس الخير فالزمه والزم غرزه. لكن إياك تقتصر على المشهورين فقط، لأن بعض الطلبة وهذا أنا شيء وجدته في حياتي العلمية عندما كنا في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كنا نجد بعض الطلبة يهتموا بمجانسة الأسماء اللامعة التي يحضر كراسيها عدد كبير من الطلبة، مع أن الفائدة المرجوة وكنت نلاحظ ذلك، الفائدة المرجوة من مجلس هذا الشيخ وإن كان لامعا كبيرا فائدة محدودة جدا فائدة محدودة جدا لهذا الطالب.

لكن هذا الطالب ماذا يريد؟ هو يريد أن في المستقبل أن يقول: لقد جلست في مجلس الشيخ العلامة فلان الفلاني وحضرت كذا وكذا، متيقنون أنه لم يستفد إلا الشيء اليسير والنزر القليل جدا، مع أنه كان بإمكانه في تلك الفترة أن

مشايخ لم يكونوا مشهورين ربما كانوا على السواري، ويعلمهم الله سبحانه وتعالى. كانوا يدرسون وحدهم، قل من يجلس حوله من طلبة العلم لقلة مالهم ولثيابهم الرثة، وليسوا من أصحاب المناصب الكبيرة في الدولة أو ما شابه ذلك. فكان طلاب يزهدون في مجالسة هؤلاء ظنا منهم أن العلم لا يكون إلا ممن اشتهر صيته وعلا كعبه في المناصب وجلس على مخمل ولبس الثياب المرتفعة، ويظن آنذاك الشيخ الزاهد في ثيابه وفي مظهره لا يمكن أن يحتوي علما. وفي الحقيقة وجدنا البركة عند هؤلاء، عند الأخفياء.

عند هؤلاء الأخفياء، والله وجدنا البركة، هؤلاء الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا. هؤلاء الذين انصرفوا عن الدنيا وعن أموالها وزهدوا ابتغاء مرضات الله سبحانه. لا يريدون مزاحمة أهل الدنيا في مناصبهم، لا يريدون التعرض للسلاطين والتزلف لهم. يريدون وجه الله سبحانه وتعالى فرضوا من هذه الحياة الدنيا بالقليل. والله زدنا البركة على أيديهم، فكما قال لك ابن جماعة: إياك أن تتقيد بالمشهورين وتترك الأخ من الخاملين. فهذا من الكبر والتعالي. هذا الشيخ وإن رث حاله وقل ماله لكن صدقني فيه من الخير الشيء العظيم، وتجد فيه من الحرص على طلبته والشفقة عليهم السؤال في أنحاء والهم، أكثر من ذاك الشيخ صاحب المنصب العالي، حتى ولو كان ذاك الشيخ صاحب المنصب جيدا في علمه لكنه منشغل بمنصبه عنك.

أما هذا الشيخ الطيب الصالح كما نحسبه، الذي يجلس ولا يعرفه إلا الله سبحانه وتعالى ومن اختص به من طلبة العلم، كنا نجد عنده حرص الأب وتوجيه الأب والتربية والنصيحة، ويجد وقتا للسؤال عنا وللبحث عن أحوالنا. ففعلا هذه نصيحة ينبغي يا طالب العلم أن تهتم بها. الشهرة ليست مقياسا للعلم، العلم فعلا هو الانكباب على المصنفات، سهر الليالي والأيام. من بلغ هذه الدرجة في الدراسة والتحصيل استحق أن يكون عالما ولو كان رث الثياب قليل المال. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على امتثال مثل هذه الحكم وألا يكون مقصدنا في هذه الحياة التكاثر ألهاكم التكاثر. فعلا بعض طلبة العلم ألهاهم التكاثر، يريدون أن يتكاثروا أمام الناس بالجلوس عند أصحاب المناصب من أهل العلم. ولكن إياكم أن تضيعوا الأخفياء، فهؤلاء أولياء الله سبحانه وتعالى.

قال لأدنى الحكمة ضالة المؤمن، الحكمة ضالة المؤمن. فعلا وإن كان الحديث الوارد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ضعيف، لكن أصل الفكرة صحيحة؛ الحكمة يلتقطها الإنسان من أي شخص كان غنيا أو كان فقيرا، كان صاحب منصب أو كان رث الثياب. الحكمة هي التي تبحث عنها. والانسان أحبتي كما أنه تجد الإنسان الخائف يهرب من الأسد، الإنسان الخائف إذا هرب من الأسد تمام، فهو في أثناء هروبه يسأل أي شخص عن الطريق، هل يسأل شخص معين يقول أنا لا أسأل إلا والله شرطي مرور أو إنسان صاحب منصب عن طريق الهروب من الأسد؟ لا، يسأل أي شخص لأنه يريد الهروب والخلاص من الأسد. قالوا فكذلك الجهل، الجهل هو أسد يريد أن يفترسك وأنت يا طالب العلم تهرب من هذا الأسد الذي يخيفك ويريد أن يفترسك. فعندما تهرب من الجهل أنت تهرب إلى طرق العلم، صحيح؟ إذا هربت إلى طرق العلم لا يهمك أعطاك هذا العلم صاحب منصب أو وزير أو أعطاك إياه إنسان رث الهيئة، لأن مقصدك هو الهروب من بين مخالب الأسد، أسد الجهل إلى فساحة العلم وأمن العلم. وأمن العلم تحصله عند أي شخص عالم بغض النظر عن منصبه وعن هيئته وعن موطنه وعن ماله.

قال: فإن كان الخامل ممن ترجى بركته، انظر إيش قال؟ فإن كان الخامل يعني الشيخ أي شيء غير المعروف الذي لم يشتهر صيته، فإن كان الخامل ممن ترجى بركته كان النفع به أعم والتحصيل من جهته أتم. وصدق رحمه الله، والله كما قلت لكم إن البركة لتجدونها عند هؤلاء الأخفياء عند هؤلاء الأولياء، النفع عندهم أعم والبركة عندهم أتم لأنهم لم يلطخوا حياتهم بأدران الحياة الدنيا وأموالها والتزلف للظلمة، لم لم يقذروا هذه القلوب ولم تتسخ أبدانهم وعقولهم بأموال الحياة الدنيا، لم تتسخ وإنما كانوا صادقين صابرين على مر الحياة، لم يطلبوا الشهرة ولم يطلبوا الصيد بل طلبوا وجه الله سبحانه وتعالى، فالنفع عندهم أعم بإذن الله.

قال: وهذه قاعدة انتبهوا لها. قال: وإذا صبرت أحوال السلف والخلف لم تجد النفع يحصل غالبا والفلاح يدرك طالبا، والفلاح يدرك طالبا إلا إذا كان للشيخ من التقوى نصيب وافر وعلى شفقته ونصحه للطلبة دليل ظاهر. قاعدة جميلة واعتمد فيها أيضا على شيء من السجع، أعيدها مرة أخرى: وإذا صبرت يعني إذا اختبرت ونظرت وتأملت أحوال السلف والخلف لم تجد النفع يحصل غالبا والفلاح يدرك طالبا. إلا متى؟ متى الفلاح يدركك يا طالب العلم؟ قال: إلا إذا كان للشيخ من التقوى نصيب وافر، يعني إذا كان الشيخ نصيب عالي من تقوى الله سبحانه وتعالى وملازمة الطاعة والعبادة والتقرب من الله والبعد عن المعاصي. أما شيخ منهمك في المعاصي وفي معاونة الظالمين وفي الوقوف مع سلاطين الجور، هذا أي بركة ترجى من علمه؟ قال: إذا من كان له من التقوى نصيب وافر على شفقته ونصحه للطلبة دليل ظاهر.

إذا الشرط الأول أن يكون الشيخ على قدر عالي من التقوى. الشرط الثاني أن يكون الشيخ حريصا على طلبته، وهنا أوجّه رسالة للمدرسين الأكاديميين في الجامعات وفي المعاهد الشرعية: اتقوا الله سبحانه وتعالى في هؤلاء الطلبة، فإنكم مسؤولون عنهم أمام الله. هذا الطالب الذي وضع ثقته فيك أيها الشيخ عليك أن تكون حريصا نصوحا مشفقا عليه، إياك أن تهمله وأن يكون مقصدك من الدخول في هذه الجامعات أن تحصل الراتب وتعود إلى المنزل، فهم الطالب أو لم يفهم الطالب بعد عن العلم أو اقترب لا يهمك. إياك ستسأل أمام الله عن هذه الأمانة التي قلّدتَها، أنت مستأمن على هذا الدين بما أنك اخترت أن تتنصب في منصب التعليم الديني فاعرف حقها هذا المنصب، أنت مستأمن أن تكون حريصا على طلبتك، موجها أباب مربيا صادقا في التعليم، تعطي ثمرة الوقت والحياة من أجل هؤلاء الطلبة، لأن عليهم المعول بإذن الله في مستقبل هذه الأمة.

أما إذا بقي هم المدرس الأكاديمي أن يحصل المال والمناصب وأن يترقى في درجة الأستاذية الدكتورة حتى يحصل مناصب عليا وإذا نظرت في إنتاجه العلمي والمعرفي وفي طلبته تجد خوالا كما هو الحال للأسف في واقعنا المعاصر، فهذه خيانة لهذه الرسالة التي وضعت في أعناقكم.

قال: وكذلك إذا اعتبرت المصنفات وجدت الانتفاع بتنصيف بتصنيفه الاتقى والازهد أوفر والفلاح بالاشتغال به. يقول يعني حتى الأمر قسه على المصنفات، عندك مصنفين أو عندك عفوا مصنفان عندك مصنّفة، مصنف لإمام ومصنف لآخر، سبحان الله تجد البركة في هذا المصنف تعلو البركة في هذا المصنف بالكثير، والسبب صاحب هذا المؤلف هذا العالم الذي كتب هذا الكتاب كانت التقوى عنده أعلى، فالله سبحانه وتعالى كتب البركة في كتابه. لربما كان كتابه أقل حجما أقل حجما لا يشترط أن تكون موسوعات كبيرة، لكن البركة التي وجدها العلماء في هذا أو طلبة العلم في هذا الكتاب على قلة حجمه، آه قلة يعني من وضع فيه من المسائل، تجد البركة فيه أنفع بكثير من كتاب سطرت فيه آلاف المسائل لكن لم تكن النية صافية في كتابته وكان هناك شيء من طلب الحياة الدنيا والثناء الناس.

فانتبهوا على هذه القضية؛ أنه كما أن البركة في الشيخ الأتقى والأحرص على طلبته، كذلك البركة في المصنف تظهر إذا كنت أيها الكاتب وأيها المؤلف أكثر ورعا لله سبحانه وتعالى وتطلب الله عز وجل. لذلك في الحقيقة أرى يعني في واقعنا المعاصر أرى كثير من مصنفات المعاصرين لا ينكب الناس عليهم، وصدقوني لا تجدوا فيها نفعا وكبيرة كثير منها. هناك كثير مصنفات نافعة، لكن كثير من المصنفات المعاصرين لا تكاد تجد فيها من النفع والبركة والفائدة العلمية المتينة ما تجده في مصنفات أهل العلم من أهل الأقدمين وعلماء السلف الصالح. لماذا أحبتي؟ لماذا نجد البركة ونجد الزخم العلمي والمعرفي والتأصيل المنهجي كبير جدا في كتب السلف ونفقده في أكثر

كتب المعاصرين. هناك كثير من العوامل لو أريد أتطرق إليها لكن منها هذا العامل: قضية تقوى الله سبحانه وتعالى في التصنيف، أن العالم في القدم كعلماء السلف كانت نيتهم في كتابة هذه الكتب نفع الأمة وليست نيتهم إشهار النفس وإظهار العنوان العريض أن هذا مصنف من تأليف فلان ابن فلان ابن فلان، من جماعة فلان أو من هذا البلد الفلاني أو من كذا. ليس همه أن يوضع اسمه أن هذا الكتاب حققه فلان ودقق علي فلان، أنا لا، يريدون ذلك. بل يضعون هذه المصنفات لتنتشر في الآفاق وليصل إليها طلبة العلم ولينتفع الناس بها حتى ولو لم يعرف الناس أنها لهم. المهم أن هذا العلم يبقى ويحافظ عليه وينتقل للأجيال.

بهذه النية وبهذا القصد كتب سلفنا الصالح فبقيت البركة في مصنفاتهم. لكن كثير من المعاصرين فقدنا فيهم هذه الميزة؛ ميزة تقوى الله سبحانه وتعالى وحسن القصد في التأليف والتصنيف. من يريد وجه الله سبحانه وليس أن يوضع اسمي على كتاب ويقال: فلان ما شاء الله، فلان ألف كذا وكذا وكذا وله مئة مؤلف وله مئة كذا. هذا ليس مقصدا أحبتي التكاثر من التصنيف والتأليف. لربما ورقات يسيرة تكتبها بقلب صادق يكتب فيها الله عز وجل القبول والبركة أفضل من آلاف الأوراق ومن مجلدات تكتب بنية فاسدة فيمحق الله سبحانه وتعالى. فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ.

لا أريد أن أطيل في هذه الفكرة، أسعى في ختامها قالوا: وليجتهد على أن يكون الشيخ ممن له على العلوم الشرعية تمام اطلاع، وله مع من يوثق به من مشايخ عصريته كثرة بحث وطول اجتماع، لا ممن أخذ من بطون الأوراق ولم يعرف بصحبة المشايخ الحذاق. أيضا في الحقيقة هذا أمر مهم جدا، وهذا الكتاب كلما وقفت على قواعده ونظرت في منهجه أقف على أن ابن جماعة رحمة الله عليه إمام كبير. كان فعلا إماما كبيرا ومربيا ناصحا ومؤدبا ناجحا يعرف من أين تؤكل الكتف، يعرف ما هي الأخطاء التي يمر بها طلبة العلم في حياتهم الدراسية والتعليمية.

بعض طلبة العلم أحبتي ينشغل في بداية تأصيله العلمي على بعض الأشياخ الذين ليس لديهم عناية بمختلف العلوم الشرعية، بل حصلوا شيئا يسيرا في علم معين فيريد الطالب أن ينكب على هذا الشيخ ويختار شيخا معلما وأستاذا. نحن نوجه الطالب ونقول له: هذا الشيخ على ما فيه من الخير بإذن الله والصلاح، لكن ضعف إلمام هذا الشيخ بالعلوم الشرعية الأخرى سيجعل هناك فجوة في بنائه العلمي قطعا، ضعف اطلاع هذا الشيخ على العلوم الأخرى وعلى شتى العلوم الشرعية سيجعل هناك ضعفا في بنائه العلمي والمعرفي ولا بد.

فإياك يا طالب العلم أن كما يقولون تريخ رحالك عند هذا الشيخ وتبقى عنده السنوات، لأن هذا الشيخ هو غير مطلع على علوم الشريعة هو عنده دراية بفن أو لربما بفنين، تأخذ منه حاجتك إن كانت مناسبة لك ثم تنتقل إلى شيخ آخر. والملازمة الطويلة إنما تكون لمن علا كعبه في العلوم وكانت عنده مشاركة في جميع العلوم، وانتبهوا على هذه النص. لماذا؟ لأن العلوم الشرعية أحبتي كما قلت لكم وكما أعيد مرارا وتكرارا لأحبتي العلوم الشرعية علوم تبنى مع بعضها البعض بناء دقيقا، علم يفتح علم آخر وكتاب تدخل به على كتاب آخر، فتنتقل من النحو إلى الصرف ومن الصرف إلى البلاغة، ومن البلاغة تدخل بعد ذلك أو تعود إلى علم المنطق، ومن علم المنطق لو بتدخلوا في أصول الفقه وبعد ذلك تدخلوا في الفقه ثم تنتقل إلى التفسير.

وما هو الكتاب وكيف أنتقل من علم إلى آخر وما هو الكتاب الذي يدخل من هذا إلى هذا، هذا فن هذه مهارة هذا إتقان ولا يتقن أي شخص، لا ينبغي أن يكون الشخص الذي تختاره إنسانا متفننا متقنا لأنه هو الذي يعلم الأبواب كيف تفتح وكيف تدخل بعضها إلى بعض. أما إنسان اقتصر على فن واحد، مثلا إنسان مهتم بالقراءات ما عنده أي دراية بعلوم أخرى، هذا لا يمكن أن يلازمه ليطلب منه الفقه وأصول الفقه، ولا يمكن أن استنصحه ليأخذ منه اللغة العربية وما شابه ذلك لأنه ما عرف عنه إلا الاشتغال بالقراءات. والله إذا كان منشغلا بالقراءات وبفنون أخرى نعم انظر، لكن إذا كان منكبا على علم وليس لديه نشاط على طلب علوم أخرى فلا يصلح هذا أن يكون محط ملازمة طالب العلم وإنما تحصل منه بحاجتك وتنطلق بعد ذلك إلى ما هو أفضل.

فهذه قضية مهمة، أن يكون الشيخ ممن له على العلوم الشرعية تمام اطلاع. اه، طب يا شيخ علي، لابد يكون الشيخ الذي اختاره متقنا في كل العلوم؟ أنا أقول ينبغي أن يكون مشاركا في كل العلوم، لأنه كما قال الذهبي: ما من عالم إلا وقد برز في علوم وقصر في علوم، لكن العلماء جميعا يشاركون في العلوم. يعني هذا فلان عالم مبرز في الاعتقاد هذا الفن الذي أتقنه أو أعطاه موجة حياته، لكنه في النهاية لابد أن يكون مشاركا في العلوم الأخرى عنده اطلاع جيد في النحو وفي البلاغة وفي الفقه وفي أصول الفقه حتى يصل هذا الكعب أصلا في علوم الاعتقاد، أو إذا كان عالما في التفسير ينبغي أن يكون له مشاركة قوية في علوم باللغة وعلوم أصول الفقه والفقه إلى أول اعتقاد، ولا كيف يكون المفسر؟ فبالتأكيد هناك ما من عالم إلا وتجد عنده بروز في فن وقصور في فن، لكنه المهم أنه مشارك ومطلع على كل الفنون وقطع شوطا طيبا في كل الفنون ثم بعد ذلك رغب في التوجه إلى معين فجزاه الله خيرا.

وكلنا ذاك الرجل في النهاية، الكل في النهاية يتوجه إلى أمور معينة ينشغل بها ويجد أن حاجة الأمة ماسة فيها فينقطع، لكن متى ينقطع لها بعد أن يشارك في كل العلوم ويكون عنده اطلاع جيد وبناء معرفي متكامل؟ لأن العلوم، علوم المقاصد خاصة وهي العقيدة والفقه والتفسير، هذه لا يمكن أن ينالها إنسان إلا بامتلاكه لعلوم الآلة؛ من النحو والصرف والبلاغة وشيء من المنطق وشيء من أصول الفقه ويكون له معرفة في الفقه، حينئذ يستطيع أن يتمكن ويستحكم من علوم المقاصد.

قال: واحذر من الشيوخ الذين يدرسون من بطون الأوراق. هناك بعض الناس أحبتي ما درس على شيخ وما سمع من أتاذ، وإنما كان تحصيله في حياته من القراءة الشخصية. من اهتم بالقراءة الشخصية نعم ربما يحصل معلومات كثيرة ويحصل ثقافة لكنه في النهاية لا يوثق بعلمه. الإنسان الذي لم يجلس على سماع دروس الشيوخ ولم يتعود على ثناء الركب بين أيديهم، هذا لا يمكن أن يثق بعلمه لأنه في النهاية هو يقرأ ونفسه وحده يحلل ما يقرأ، يمكن أن يحذر بشكل صحيح ويمكن أن يحذر بشكل خاطئ، لكن الذي يأخذ من كلام الشيخ ومن فيه الشيخ مباشرة هذا يقف على المعلومة كما هي ويستطيع أن يسأل الشيخ، يحاول أن يتعلم وأن يستفسر منه.

فلذلك الشافعي رحمة الله تعالى يقول: من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام. انظر الإام الشافعي إيش يقول! الإنسان إذا أراد أن يبني فقهه في مطالعة بطون الكتب من دون أن يلازم الأشياخ ويقف على علمهم ويحاورهم ويناقشهم هذا أضاع الدين، فاحذروا من هؤلاء. وكان بعضهم يقول: من أعظم البلية تمشخ الصحفية والنسخة التي بين يدي تمشق الصحفية، طبعا الصحفية من دون إياهم الذين يدرسون من الصحف، والصحفية المراد بها أيضا التكنية عن الرجل الذي درس من الصحيفة أي من كتاب ولم يدرس على عالم ولم يلازم ولم يثني الركب بين أيدي العلماء.

فقال: من أعظم البلية تمشق هذا الصنف من الناس. هذا من اعظم البلاء لأن ضررهم أكثر من خيرهم، أي الذين تعلموا من الصحف. طيب، الآن انتهى من قضية من هذا المبحث الأول. لكن في الحقيقة أود في ختام هذا المبحث أن أسلط الضوء على موضوع، دعوني أحبتي أتكلم في موضوع كثر السؤال عنه من طلبة العلم.

وله علاقة بموضوع اختيار الشيخ، وموضوع اختيار البرنامج العلمي المناسب؛ فإن الناظر في وسائل التواصل الآن يجد -ولله الحمد- نشاطاً ملحوظاً بين أهل العلم في إقامة البرامج العلمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

هناك نشاط ملحوظ في هذه الفترة بين العديد من أهل العلم في إقامة برامج علمية متعددة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكل شيخ يطرح بمنهجية معينة للطالب، وهذا التنافس في الجملة محمود وفيه خير، وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ، وهو مصداق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته.

فهذه الأمة -أحبتي- نعم تضعف، قد تتعثر الخطوات، لكنها لا تموت بإذن الله. هذه الأمة قد تضعف، قد تتعثر في خطواتها، لكنها لا تموت بإذن الله، ويبقى فيها الخير قائماً. فأمثال هؤلاء العلماء الذين يقومون بهذه البرامج العلمية، جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء؛ هذا فيه دلالة على أن هذه الأمة ما زالت تنبض بالحياة، وفيها من الخير الكثير من أبنائها ومن فلذات أكبادها.

لكن النصيحة التي أريد أن أوجها إلى طلبة العلم الذين يسألون عن هذه البرامج: هذه البرامج ازدحمت في أذهان طلبة العلم وتداخلت عليهم، وبعض طلبة العلم يقحم نفسه في ثلاثة أو أربعة برامج، تَباطَنَ يسأل: هل من الصحيح أن أدخل في كل هذه البرامج؟ طيب، ما هو البرنامج الآنفع الأصلح؟ ما هي علامات النجاح في البرنامج الذي أريد أن أختاره لبناء معرفي؟ لأن القضية بالنسبة لطالب العلم قضية محورية.

قضية إني سأختار برنامجاً وأسير عليه سنوات، من ثلاث إلى أربع إلى خمس إلى ست إلى سبع سنوات؛ فأريد أن أختار البرنامج الصحيح الذي يقوم على منهج السلف الصالح في طلب العلم، ولا أريد أن أضيع زهرة العمر في برامج لا تؤتي أكلها. فهنا أرسل رسائل على شكل نقاط لك يا طالب العلم، حتى تترتب عندك الأمور والأفكار في هذا الباب.

أولاً: الآن سأتكلم عن معايير اختيار البرنامج الصحيح، معايير عامة لاختيار البرنامج الصحيح في طلب العلم. أولاً: عليك أن تلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى، وأن تسأله التوفيق والسداد والإرشاد والهداية إلى البرنامج الأنفع لك في دينك ودنياك. الموضوع يحتاج إلى التجاء إلى الله سبحانه وتعالى، وأن تقرع باب السماء، وأن تذلل وجهك، وأن تخضع جبينك وجبهتك بين يدي مولاك، تسأل ربك سبحانه وتعالى أن يأخذ بيدك إلى البرنامج وإلى الشيخ النافع لك والأصلح لك؛ الشيخ القادر على أن يبنيك علمياً ومعرفياً في هذا الزمان، وأن يبعدك عن الشبهات وعن مزالق الطرقات.

بعض طلبة العلم -أحبتي- جلس في بعض البرامج سنتين وثلاث وأربع وخمس ولم يحصل ثمرة، وكانت الفائدة محدودة جداً جداً، ففترت همته، وبعضهم انقلب على عقبيه وترك طلب العلم في الكلية؛ لأنه شعر أنه لا فائدة مرجوة من طلبه للعلم، لم يشعر بالتقدم، لم يشعر بالإنجاز، لم يشعر بفائدة واضحة، شعر أنه مشتت الذهن، فوقف عند نقطة معينة وعاد أدراجه.

فالموضوع مائة بالمائة حق أن تلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى وأن تقرع بابه وأن تسأله التوفيق، فهو أولاً وآخراً هو الموفق، وهو الهادي، وهو سيختار لك إن كنت ستصبح عالماً ربانياً أو ستبقى على حالك مع الناس. فالموضوع إذاً لا تعتبره موضوع حياتي بحت حاجة، ادعُ الله سبحانه وتعالى؛ فالصحابة كانوا يلتجئون إلى الله في أبسط امور الحياة وأهونها، وهذا الأمر من الأمور العظيمة في حياتك، من الأمور الخطيرة في هذه الحياة، وليس من الأمور الثانوية التي يعني يمكن للإنسان أن يقضيها بسرعة أو ما شابه ذلك، فانتبه على هذا الموضوع.

القضية الثانية -أحبتي- ينبغي أن تراعي في البرنامج، وهذه النصيحة الثانية أخص بها من كان مبتئداً في طلب العلم، أخص بها من كان مبتدئاً في طلب العلم، ماذا أقول له؟ أقول له: في بداية طلبك للعلم، في بداية طلبك للعلم، عليك أن تختار برنامجاً تأصيلياً يبنيك بناءً علمياً صحيحاً برؤية شاملة، وإياك أن تختار في البداية برنامجاً متعمقاً في علم واحد من علوم الشريعة.

احفظ ماذا أقول: في بداية طلبك للعلم، عليك أن تختار برنامجاً تأصيلياً يؤسس طالب العلم في مختلف العلوم الشرعية برؤية شاملة، يجعلك مشاركاً في مختلف العلوم، للنحو والصرف والبلاغة، وفي أصول الفقه وشيء من المنطق، وفي أصول التفسير والسيرة، وفي الأدب والسلوك، وفي أبو علوم الاعتقاد -رويداً رويداً- يعني يبنيك بناءً منهجياً متكاملباً بطريقة تبدأ من صغار العلم قبل كباره، ومن مصنف إلى شكل مهندس رائق، وإياك أن تدخل برنامجاً يعمقك في موضوع واحد فقط من علوم الشريعة وأنت في بداية طلبك.

هناك بعض البرامج تكون متخصصة بقوة قوة في دراسة الاعتقاد، يدخلها بعض المبتدئين من طلبة العلم وليس لديهم أي دراية مسبقة بعلوم الآلات؛ الدخول في مثل هذه البرامج خلل منهجي. لا تصلح هذه البرامج المتعمقة، إنما تصلح لطالب علم شارك في علوم الآلات، بنى نفسه منهجياً، حينئذ يجد في هذه البرامج المتعمقة حاجته. أما طالب علم ما زال في بنائه وفي تأصيله العلمي، في بداية خطواته، إياك أن تقتحم البرامج المتعمقة؛ لأنها كيف العقل، ستضيع ثمرة أو سيضيع جزء كبير من عمرك من دون إنتاج، ستشعر بالتشتيت، ولن تحصل الفائدة المرجوة من تعمقك.

عندما تتعمق أكثر وأكثر في المصنفات العليا ستجد أنك لا تفهمها، ولا تدرك مغزاها، ولا تستطيع تحليل النصوص؛ لماذا؟ لأنك لم تمتلك آلة الفهم، لم تدرس اللغة، لم تدرس النحو ولا الصرف ولا البلاغة، ولم تقف على شيء من أصول والمنطق. هذه علوم الآلات هي اللغة التي كتبت بها العلوم، هي اللغة التي كتب بها الاعتقاد والفقه والتفسير، فاياك أن تظن أنك تستطيع أن تتعمق في الاعتقاد وأنت ضعيف جداً في علوم الآلات، أو تتعمق في التفسير وأنت ضعيف جداً في علوم الآلات، هذا لا يمكن في العادة، لا يمكن.

فإذاً، هذه النصيحة انتبهوا لها: البرنامج الذي يختار يجب أن يكون برنامجاً تأصيلياً في مختلف العلوم الشرعية برؤية شاملة، ولا أدخل برنامجاً متعمقاً في جانب معين من جوانب علوم الشريعة؛ لأن هذا ليس وقت هذا التعمق، وإنما نحن الآن في مرحلة التأصيل.

ثالثاً -أحبتي- النصيحة الثالثة التي أرسلها لأحبتي من طلبة العلم: عليك أن تراعي في البرنامج الذي تريد اختياره أن يكون واضع هذا البرنامج ممن عُرِف بانشغاله بعلوم الشريعة وتفننه ومشاركته في مختلف العلوم، كما ذكر لكم ابن جماعة.

ينبغي أن تراعي في البرنامج الذي تختاره أن يكون واضع هذا البرنامج ممن عُرِف بانشغاله بمختلف علوم الشريعة؛ يعني نحن اتفقنا في النقطة السابقة أن يكون البرنامج برنامجاً تأصيلياً برؤية شاملة، صحيح؟ حتى يكون البرنامج التأصيلي فعلاً موضوعاً برؤية، عليكم أن تراعوا هذه الجزئية: أن يكون واضع هذا البرنامج شخصاً عُرِف بتفننه في العلوم الشرعية وانشغاله ومشاركته فيها.

لأنه الآن هناك بعض البرامج التي توضع، ويتصدر لوضعها من لا يُعْرَف أصلاً بانشغاله بعلوم الشريعة، وإنما هو مثقف -بين قوسين- مثقف شرعي وليس عالماً شرعياً أو متفنناً. والمثقف الشرعي لا يحق له أن يضع خطة علمية رصينة لطالب العلم يسير عليها؛ الذي يضع الخطة العلمية والبرنامج العلمي يجب أن يكون شخصاً عنده تجربة شخصية بهذه الفنون، جرب بنفسه، ذاق حلوها ومرها، عرف المصنفات التي توصل بالمصنفات التي لا توصل، هو الشخص المؤهل لأن يضع البرنامج العلمي.

أما المثقف أو عنده اطلاع نوعاً ما في بعض العلوم، هذا لا يصلح لأن يضع برنامجاً علمياً، فانتبهوا على هذه الفكرة؛ فإن كثيراً من الأخطاء التي يقع فيها بعض طلبة العلم ناجمة عن أنهم يتبنون مناهج وبرامج معينة في طلب العلم يضعها أشخاص غير مؤهلين، فتكون المصنفات أو الكتب التي وضعت بين أيدي الطلبة كتباً غير محققة، غير مدققة، كتباً لا توصل الطالب إلى بغيته في هذا العلم، والسبب في ذلك أن من وضع الخطة شخص غير مؤهل، لم يمارس هذا العلم، لم يصل في هذا العلم إلى درجة عليا تؤهله أن يضع خطة علمية.

وكما قلت لكم، احرص على أن يكون واضع الخطة إنسان مشارك في مختلف العلوم، لأن علوم الشريعة يدخل بعضها على بعض، فإذا كان واضع الخطة إنسان أتقن النحو والبلاغة، وصار في علوم الشريعة بشكل مؤصل على يد العلماء المؤصلين، يمكن أن تمنح صورة متكاملة في المصنفات التي تدرسها. يستطيع أن يمنحك رؤية متكاملة، يستطيع أن يمنحك رؤية متكاملة، لأن هذه الرؤية تكاملت عنده هو ابتداءً على يد أشياخه، ثم هو ينقل هذه التجربة جيلاً بعد جيل، وهكذا العلم أحبتي.

العلم نقله العلماء جيلاً بعد جيلاً، السلف ينقلون إلى الخلف، التجارب الكاملة برؤية منهجية شاملة هكذا انتقلت إلينا حتى وصلت إلينا، ونحن ينبغي علينا أن نتعلم هذه المنهجيات الشاملة، وأن نتلقاها من أشياخنا، وأن نمنحها لتلاميذنا في المستقبل. هكذا نورث العلم للأجيال اللاحقة، أما أن يأتي شخص عنده دراية ببعض العلوم ومنقطعة عن العلوم الأخرى، أو مثقف شرعي، أو إنسان قرأ بعض الكتب، وليس عنده خبرة وأحكام وحفظ مصنفات ومجالسة علماء وملازمة أهل العلم، ليضع خطة ويعلن عنها ويقول للطلبة اقتحموا هذه الخطة، فهذا خطأ خلل عليكم أن تحذروا منه حتى لا تضيع الأعمار.

تمام، انتهينا من هذه الجزئية؟ طيب، ننتقل إلى الجزئية التي تليها، الجزئية الرابعة. هناك مواصفات معينة يجب أن توجد في أي برنامج تريد الالتحاق به، أي برنامج تريد الالتحاق به، بعد أن تراعي أولاً أن يكون هذا البرنامج برنامج تأصيلي برؤية شاملة كما ذكرنا، وأن يكون واضع هذا البرنامج شخص مؤهل متفنن في علوم الشريعة.

الأمر الرابع، النقطة الرابعة: أن يكون هذا البرنامج أحبتي اشتمل على مجموعة من الميزات، اشتمل على مجموعة من الميزات. الميزة الأولى، طبعا هذا كله للطالب الذي هو يخطو خطواته الأولى في العلم، أنا أخاطب هذا النوع من الطلبة، لا أخاطب من أصبح مبرزاً ومتقناً في الفنون، أخاطب من كان مبتدئاً ويريد أن يضع خطة علمية.

البرنامج الذي تختاره يجب أن يكون أولاً يشتمل على شروح من الشيوخ، برنامج علمي يقتصر على أن الطالب هو الذي يقرأ وحده هذا لا يصلح. والآن نحن قرأنا كلام ابن جماعة أنه لا يصلح أن نأخذ العلم من صحفه، لا يصلح للإنسان أن يطلب العلم من دون السماع من الأشياخ مباشرة، فقضية أن البرنامج يجب أن يحتوي على دروس من الشيوخ حول المادة المطروحة هذا أمر مهم جداً.

أما أن أتي أضع لك برنامج أقول لك: هذا برنامج هو أن تقرأ هذا الكتاب وهذا الكتاب وهذا الكتاب وهذا الكتاب، ولا أشرح لك هذه الكتب، فهذا خطأ علمي. الطالب في بداية تعلمه يجب أن يتلقى من أفواه أهل العلم، سواء مباشرة أو عبر وسائل التواصل، المهم تتلقى من العلماء وتسمع تكرهوا المعلومة لأنهم يطرحونها بالشكل الصحيح.

أما إذا قرأت وحدك، ما الذي يضمن لي أنك فهمت صح وخطأ؟ ولا تظن أن الشيخ دائماً تستطيع تسأله على وسيلة التواصل: يا شيخ، أنا قرأت هذا، فهمي صح أو فهمي خطأ؟ أنت تسأل ربما عن جزئية عن جزئيتين، لكن هناك كثير من الجزئيات تظن أنك فهمتها بشكل صحيح وتكون فهمتها بالشكل الخاطئ، لأنك لم تسمع الشيوخ، فالتعلم من لسان ومن أفواه المشايخ هذا أمر لا مناص منه.

إياك أن تختار برنامج يعتمد على القراءة الشخصية، هذا لا يصلح لطالب العلم الذي يخطو خطواته الأولى، المنتهي المتقدم المتقن لو كان هناك برنامج بينه وبين أصدقائه أو يطرحه بعض الشيوخ في قراءة أو تجريب بعض الكتب للمتقنين، هذا أمر سهل مقبول، وكلنا قد ندخل في مثل هذه البرامج، لكن مبتدئ أو ما زال في بداية خطواته الأولى ولم يشارك في العلوم الشرعية ويبدأ ببرامج المتقنين ادخل المنهجي سيضيع عليك عمرك وزهرة شبابك.

بدلاً من أن تطلب العلم بالشكل الصحيح أنت تضيع الوقت، تقرأ من هنا ومن هنا ومن هنا، لكن لا تحصل فائدة متكاملة. إذاً، هذه الميزة الأولى في البرنامج، شروح الشيوخ موجودة على الكتب المطروحة فيه.

ثانياً: أن يكون للحفظ جزء كبير من هذا البرنامج أحبتي، خذوها قاعدة، قاعدة اتفق عليها كل العلماء، وكل طالب علم نجح لابد أن يكون مر على هذه القاعدة، مستحيل العلم لا يأتي إلا بجناحين بحفظ وبفهم، وأي إنسان يستغني بالفهم عن الحفظ لا يوثق بعلمه. نعم، شيخ مبالغة؟ ليست مبالغة!

أي إنسان يستغني بالفهم عن الحفظ، يقول: أنا لا أحفظ، لا أريد أحفظ لا في النحو ولا في الصرف ولا في البلاغة ولا أحفظ في الفقه متناً ولا كتاباً، ولا يحفظ في الاعتقاد، أنا فقط أفهم، هذا لا يوثق بعلمه. وخذوا مني المسائل عنده عفوًا ستكون مختلطة مع بعضها البعض، تجدون المعلومات عنده شاردة، يحاول أن يجمع من هنا ومن هناك، وبعد أن يكبر في السن قليلاً وتمضي به الحياة سينسى كل شيء، وسيبقى عنده شيء من الفتات.

الحفظ كما قال الرحبي: فاحفظ، فكل حافظ إمام. الحفظ عملية محورية خطيرة جداً في البناء المنهجي لطالب العلم، إياك يا طالب العلم أن يأتي إنسان يزهدك في الحفظ، أو يقول لك: لماذا تحفظ؟ أنت عبارة عن نسخة جديدة من ألفية ابن مالك! أنت عبارة عن نسخة جديدة من ألفية السيوطي! أنت عبارة عن نسخة جديدة من هذا المتن في الفقه الشافعي أو الحنبلي أو المالكي!

هؤلاء صدقني لو وقفوا على حقيقة العلم ولو شموا رائحته لما قالوا هذه الكلمات، لكن لضعف تأصيلهم وللنقص الذي يشعرونه في حياتهم يتكلمون بمثل هذه الكلمات، العلم لا يكون إلا بالحفظ. فأي برنامج علمي تختاره يجب أن يرشدك إلى ما تحفظ وينبهك على الكتب التي ينبغي حفظها، لا يوجد برنامج علمي لا يوجد فيه حفظ يعتمد فقط على الشرح والفهم وأما الحفظ فدعوها، لا يجوز لطالب علم أن يسير في برنامج علمي من دون حفظ وإلا سيضيع عمره، على أنه يستحيل في العادة أن ينشأ عالم من دون حفظ.

النقطة الثالثة في هذا البرنامج، من شروط البرنامج قلنا أولاً أن يكون هناك شروح من الشيوخ، ثانياً أن يكون هناك مقدار من الحفظ جيد، ثالثاً أن تكون المواد المطروحة أحبتي في هذا البرنامج أو المواد التي ستدرج في هذا البرنامج هذه المواد تأخذ حظها الكبير من الدراسة والتحليل والمذاكرة وسؤال الأشياخ.

إياكم أن تذهبوا إلى برامج تعطي وجبات سريعة للطلبة، هناك بعض البرامج وقفنا عليها للأسف تعطي وجبات سريعة للطلبة، تقول لهم: أنا أنهي لكم الآجرومية في أسبوع، وأنهي لك مثلاً المتن الفلاني في الفقه في شهر، وأنهي لقطر الندى في ثلاثة أسابيع، وأنهي لك هي المسألة ليست عرض وطلب، يعني أيهما أي برنامج يعطيني عرض أفضل أذهب إلى هذا البرنامج؟

الموضوع ليس أحبتي هذا دين، فدين الله سبحانه وتعالى لا يتلاعب به، ولا يؤخذ باللهو واللعب، يجب أن يؤخذ بالجد والصدق. فطالب العلم عندما يختار برنامج يأخذ برنامج يعطي المادة العلمية حقها في الشرح والتحليل والدراسة والمذاكرة، تأخذ وقتها الوافر من دون نقصان، هكذا يحصل طالب العلم على الفائدة المرجوة ويبني نفسه.

أما أن يضحك طالب العلم على نفسه، يقول: والله أنا الحمد لله شرحت كذا وكذا وكذا وكذا من المتون في مدة قصيرة، فعندما نسأله ونقف على علمه نجده ضحلاً لا يملك شيئاً، وإنما ما زالت مجرد رسوم، يعني هذا الذي بقي في ذهنه مجرد رسوم من هذه المصنفات، وأما التحليل لها وقراءتها فهو لم يقف على شيء.

يستحق أحبتي الوجوه المبتدئة والتأصيلية يموتون يجب أن تأخذ حظها في التخمر وفي الاستقرار في قلب طالب العلم. اجعل الآجرومية تأخذ شهراً واجعلها تأخذ شهرين وثلاثة وأربعة ما في مشكلة، اجعل للبلاغة والمنطق وأصول الفقه يأخذ وقته في التأصيل، اجعلها تتخمر في ذهنك يا طالب العلم، لا تستعجل، لماذا تستعجل؟

نعم، اجعل برنامجك مكثفاً صح، لكن برنامج مكثف مع تعمق مع تحليل مع نظر مع إطالة النفس حتى يهضم هذا الكتاب هضماً. فالبرامج التي تهتم الوجبات السريعة هذه لا تنتج شيئاً، خامساً وأخيراً.

مما أنصح به أحبتي من طلبة العلم من خطوات اختيار البرنامج، هاي النقطة الخامسة هي موضوع أن لا تشتت نفسك بين البرامج العلمية. هناك برامج علمية كما قلت لكم مطروحة الآن في الميدان.

طالب العلم يقول: أريد أن أشارك في هذا وفي هذا وفي هذا. أنا أقول لطالب العلم: إن استخرت الله سبحانه وتعالى واختترت البرنامج التأصيلي الذي هو برؤية شاملة، وراعيْتَ أن يكون واضح هذا البرنامج شخص مؤهل متفنن، وراعيْتَ النقاط التي ذكرتها قبل قليل في برنامج العلم الناجح: وجود شروح صوتية، يعتمد على الحفظ، أن تأخذ المواد وقتها في التدريس، إذا وجدت برنامج كامل في هذا الميدان أو حصل لك ثمانين بالمئة -ربما الكمال صعب لكن برنامج يعطيك ثمانين بالمئة من هذه الشروط- فالزم هذا البرنامج وأعطه حظه ووقتك بأسره، ولا تشتغل ببرامج أخرى تأصيلية؛ لأن هذا سيشتت ذهنك. الشيخ الفلاني يطرح هذا الكتاب، والشيخ الفلاني يطرح هذا الكتاب، أنا ماذا أدرس؟ يسألك الطالب.

تجد بعض الطلبة يشارك في هذا وفي هذا، هذا خطأ علمي، لا يصلح أن تتأصل على يد هذا وهذا في نفس الوقت. أنا أسمع الدروس على شيخي الذي تعلمت منه ووضع لي الخطة، بعد أن وثقت من علمه ومن برنامجه، من رؤيته ومن خطته، نعم أسير معه إلى النهاية. إذا وجدت فسحة من الوقت في أمور ثقافية، أمور فكرية، أمور على ما أسميه أنا هامش البرنامج العلمي، نعطيه بعض البرامج لا تتعلق بالبناء التأصيلي. بعض البرامج تتكلم عن أمور في التاريخ، أو تتكلم عن أمور تربوية، أو تتكلم عن أمور فكرية، هذه لا تتعارض مع البرنامج التأصيلي العلمي فيمكن أن نشارك بها. أما برنامج تقصيبي وبرنامج تقصيري آخر وبرنامج تأصيلي ثالث، وأنا أشارك في كل هذه البرامج، هذا خطأ.

البرنامج التأصيلي واحد، الخطة العلمية واحدة، لكن قد أشارك في برامج كما قلت تتكلم عن أمور توعوية وأمور تربوية، أمور فكرية نعم يمكن أن نشارك وهذا لا يتعارض مع برنامج التأصيلي العلمي. ويكون برنامج التأصيل العلمي له حظ أكبر من النظر، وله حد أكبر من النظر، والبرامج الأخرى التي أشارك بها تكون راجفة ومغذية للبرنامج الأصيل الذي اخترته. إذاً هذه نصائح أحببت أن أوجها لأحبتي الطلبة فيما يتعلق باختيار البرنامج العلمي نظراً لكثرة الأسئلة التي ترد حول هذه القضية. تمام.

دعوني أنتقل إلى الأدب الثاني أو الموضوع الثاني من مواضيع هذا الفصل. يقول ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه قال: أن ينقاد لشيخه في أموره ولا يخرج عن رأيه وتدبيره، بل يكون معه كالمريض مع الطبيب الماهر، فيجاوره فيما يقصده، ويتحرى رضاه فيما يعتمده، ويبلغ في حرمته، ويتقرب إلى الله بخدمته، ويعلم أن ذله لشيخه عز، وخضوعه له فخر، وتواضعه له رفعة. ويقال إن الشافعي رضي الله عنه عوتب على تواضعه للعلماء فقال: أهين لهم نفسي فهم يكرمونها، ولن تكرم النفس التي لا تهينها. هذا الهدف الثاني أحبتي من الآداب التي طرحها ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه لطالب العلم مع شيوخه، وهو أن طالب العلم بعد أن يختار الشيخ المناسب -يعني هذا الأدب الثاني ينبني على الأدب الأول، أنت اخترت الشيخ المناسب نعم وفقت إليه والحمد لله- بما أن الله وفقك إلى الشيخ المناسب عليك أن تشكر هذه النعمة الإلهية في أن تعرف حق هذا الشيخ وأن تعظم حرمته، فإن تعظيمك لحرمة هذا الشيخ من شكرك لنعمة الله عليك ومن توقيرك لهذه الشريعة.

والله سبحانه وتعالى لا يبارك لطالب علم يقل أدبه به، يقل أدبه مع شيوخه. أي طالب علم قليل أدب هذا لا يبارك له في علمه أحبتي، لا يبارك له في المطالب العلم، لا ينال العلم إلا بالادب مع الأشياخ. وأن يذلل نفسه لهم، وأن يخدمهم، وأن يعظمهم، وأن يكرمهم، وأن يوقرهم، ويعلم حرمتهم. هكذا الله سبحانه وتعالى يبارك في علمك. أما طالب علم يرفع صوته على شيخه أو يشتمه أو يخاطبه كما يخاطب صديقه ولا يعرف قدره وحرمته، هذا لا يبارك له في علمه.

والإمام الشافعي قال لكم: أهين لهم نفسي فهم يكرمونها. أنا أهين نفسي لشيوخي لماذا؟ لأنهم هم الذين يكرمون نفسي، حينما يعطوني الفائدة والمعلومة والمعرفة التي تقربني من الله سبحانه وتعالى. فهذا داء السلف مناسبة العلماء بتوقير وإجلال واحترام، بهذا الله سبحانه وتعالى يعطيك البركة ويمنحك العلم والمعرفة.

وأما إذا كنت قليل الأدب -وهذا للاسف يعني هذا من الأمور التي قلت في هذا الزمان- فالحقيقة وقل من ينشغل بهذا الأدب من طلبة العلم. تجد طالب العلم يذهب إلى الجامعة وإلى الذي يدرس على يديه يأخذ منه العلم ولا يعظمه، ويستغيبه ويذكره بشر من خلفه، ولا يوقره ويتكلم عنه كما يتكلم عن صديقه، فهذا أي علم يرجى منه؟ وأي نفع وأي خير يرجى من هذا الطالب؟ طالب لا يعظم شيخه الذي أعطاه العلم والمعرفة، كيف لهذا الطالب أن يفلح؟

فهذا الأدب اهتموا به أحبتي ويحتاج إلى مجاهدة النفس في إذلال النفس للأشياخ واحترامهم، وتعلم أدب السؤال، وأدب النظر إليهم، وأدب التحدث معهم، والجلوس بين أيديهم. فالأمر ليس هكذا عبثاً كما يظن بعض الناس أني أجلس كما شئت، وآكل مع الشيخ، وأمزح مع الشيخ، وأتكلم مع الشيخ بأي طريقة. كلا كلا، الأمر يحتاج إلى أدب الاحترام، إلى إجلال، فإن إجلالك للشيخ من إجلالك لدين الله سبحانه.

وقال: وأخذ ابن عباس رضي الله عنهما مع جلالته ونيته -وهذه ربانيته فيها شيء يعني أظنها تحتاج إلى نظر، ربما يكون عندك شيء في النسخة- مع جلالته ونيته ومرتبته، يعني ابن عباس مع جلاله في العلم ومرتبته في العلم اخذ بركاب الصحابي زيد بن ثابت الأنصاري وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، أخذ بزمام ناقته. وقال أحمد بن حنبل لخلف الأحمر -الإمام أحمد بن حنبل تلميذ لخلف الأحمر- فقال لخلف الأحمر: لا أقعد إلا بين يديك، أمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه. اليوم تجد طالب العلم في مجلس شيوخه يجلس ويعطي ظهره للشيخ ويمد بين يدي الشيخ إلى آخر هذه الأمور، ونسأل الله السلامة والعافية.

وقال الغزالي: لا ينال العلم إلا بالتواضع وإلقاء السمع. يقول الغزالي: لا ينال العلم إلا بالتواضع؛ تتواضع لله سبحانه وتعالى يرفعك في العلم، وتشغل المشايخ بالشكل الجيد الله سبحانه وتعالى يرفعك في العلم. أما تكبر وقلة أدب وسوء معشر، إياك أن تظن أنك تنال العلم بهذا المنهج.

قالوا: وما أشار عليه شيخه بطريق في التعلم فليقلده وليدع رأيه، فخطأ مرشده أنفع له من صوابه في نفسه. يعني الشيخ مع أينما وجهك، قلد الشيخ، ألم تختر شيخاً عالماً متفنناً متقناً مبدعاً؟ أليست هذه شروط الشيخ؟ إذا اخترت شيخاً متفنناً مبدعاً مبرزاً في العلوم الشرعية فلماذا تجادل في خطة العلمية أو في البرنامج العلمي الذي يضعه لك؟ قال: اقرأ هذا الكتاب، اقرأ هذا الكتاب، لا تجادل ولا تناقش فيه شيئاً أنت لم تسمع به. وإياك أن تقول لشيخك وهذا من سوء الأدب: يا شيخ ترى الشيخ فلاني وضع خطة علمية وضع فيها هذا الكتاب! إذا كان الشيخ وضع لك برنامجاً إياك أن تقترح عليه برنامجاً آخر، إياك أن تدخل عليه برنامجاً من شيخ آخر؛ لأن هذا قد يوغر الصدر عليك، والشيوخ في النهاية بشر، الشيوخ ليسوا ملائكة، بشر لهم قلوب، لهم مشاعر قد تجرحهم عندما تقلل من شأنهم، فأنت تتعامل مع بشر الله سبحانه وتعالى جعل فيه العلم، فعليك أن تحترم مشاعره. إذا وجدت برنامجاً أنفع أو وجدت مثلاً نصيحة معينة تيقنت أنها نصيحة نافعة جداً ربما غفل عنها الشيخ، قد تفعلها من دون أن تعود إلى الشيخ وتقول: يا شيخ ترى فيه فلان من الشيوخ فعل كذا، تريد أن تقول للشيخ أن فلان مثلاً أو تقارن بين الشيخ وبين الشيخ الآخر؟ هذا قد يوغر الصدر وهذا ليس بسديد، ليس بسديد. فالشيخ إذا قال لك -بعد أن تختاره متفنناً مبدعاً- إذا قال لك: خذ هذا الكتاب، خذ هذا الكتاب من دون أن تناقش وقلد.

الشيخ طب ممكن يكون خطأ اختيار الشيخ؟ ايش قال لك من جماعة؟ قال: خطأ الشيخ بإرشاده أنفع لك بإذن الله من صوابك مع نفسك. يعني حتى لو كان الشيخ فيه خطأ في إرشاده وأنت في رأيك الشخصي في صواب، لكن الله سبحانه وتعالى يطرح لك البركة مع وجود خطأ في منهجية الشيخ، يطرح لك البركة لأنك أردت بتقليد الشيخ تعظيم دين الله سبحانه وتعالى وتوقير حملة الشريعة.

تجد البركة يطرحها الله سبحانه وتعالى لأنك خالفت هواك من أجل الله سبحانه وتعالى وتوقيرا لحرمة هذا الشيخ وشيبته قررت أن تتبع هذا الشيخ مع أنك غير مقتنع، وهذا قل، طبعا قل، لكن لو نفرض هذا الفرض أن الشيخ المتفنن أخطأ في اختيار كتاب معين، خطأ الشيخ في اختياري هذا الكتاب أنفع من ايش؟ من صواب مع نفسك.

ولقد نبه الله سبحانه وتعالى على ذلك في قصة موسى والخضر عليهما السلام بقوله: إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. هذا مع علو قدر موسى في الرسالة والعلم، حتى شرط عليه السكوت فقال: فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً. يعني الخضر ايش قال لموسى عليه السلام؟

الخضر قال لموسى: أنا أظن أنك لن تطيق صبراً على تعليمي، فموسى قال: ستجدني إن شاء الله صابراً. خلص، موسى اختار الخضر معلماً، فقال له الخضر: إذاً من شرط التعليم أن لا تسألني عن شيء، الشيء الذي أفعله وأطلب منك تفعله من دون نقاش، من دون نقاش ومجادلة ولماذا ولماذا؟ لكن موسى عليه السلام لم يصبر على ذلك؛ المرة الأولى، الثانية، الثالثة، قال له الخضر: انتهى المجلس.

بما أنك لا تستطيع أن تصبر على تعليمي، سأعطيكم الأسرار، لاحظوا كيف، آه، موسى عليه السلام لم يكن يعرف ما عند الخضر من العلم، صح؟ والخضر كل تصرفاته الثلاثة، خرق السفينة، وفي قتل الولد، وفي إقامة الحائط من دون أخذ أجرة، كلها كان فيها مقاصد جميلة رائعة يعلمها الله سبحانه وتعالى ومنحها للخضر ولم يعطها لموسى.

الخضر كان يدرك أن موسى في هذه المرحلة لن يدرك الغرض والمغزى من هذه التصرفات، فطلب من موسى ألا يجادل وأن يقلده فقط، لكن موسى ما صبر، فضيع على نفسه عليه السلام كثير من الفوائد التي ممكن كان أن ينالها من الخضر. المهم، يعني هذه الفائدة التي يريد الجماعة أن يوصلها إليك، أن شيخك إنما يقول لك: خذ هذا الكتاب واقرأه، وأنت في بادئ الأمر قد لا تكون مقتنعاً، أو قد ترى أن هناك خطأ في خطة الشيخ، ولكن بالعكس، قد يكون الشيخ هو الصواب وله مغزى معين، وأنت لجهلك ولقصورك لم تقف على هذا المغزى فظننت أنه خطأ، فلذلك لا تثق بعقلك، احترم حرمة الشيخ، احترم علم الشيخ، بما أنك اخترت شيخاً متفنناً متقناً، فاعلم بإذن الله أن الخير في توجيهاته وإرشاداته حتى ولو لم تظهر لك في بادئ الأمر.

طيب، إذاً أقف عند هذا القدر بإذن الله في هذا المجلس، ولعلنا في المجلس القادم بإذن الله نكمل ما شرعنا فيه في شرح آداب الطالب مع شيخه وبعض القضايا المنهجية المهمة تطرحها من جماعة في هذا الباب. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.