تسجيل الدخول

شرح تذكرة السامع والمتكلم (20)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا طالبا للعلم يرجو نفعه، اسمع نصيحة ناصح معوان. لربك في أمورك كلها، فالمخلصون هم أولو العرفان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين؛ نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم لإمام جماعة الكناني الشافعي عليه رحمة الله تعالى. وكنا في المحاضرة السابقة أحبتي بدأنا الحديث عن العلاقة التي بين الطالب وشيخه، آداب الطالب مع استاذه وقدوته. وعرفنا أولاً كيف يختار الطالب شيخه بعناية وانتباه وطول زمان وأمد، ولا يستعجل في ملازمة الشيخ حتى يتأكد ويتوثق أنه أهل للتدريس والتعليم وللتصدر، ثم بعد ذلك يلازمه.

فإذا اختار الطالب شيخاً بعد أن عرف أهليته للتدريس، فكيف يتعامل الطالب مع هذا الشيخ؟ وكيف يقوم على خدمته وتوقيره وإجلَالِهِ وتعظيمه؟ وكيف يذل نفسه بين يديه من أجل أن يحصل العلم وينال بركة هذا العلم؟ فوقفنا على شيء جيد ذكره ابن جماعة رحمة الله عليه في ذلك ومن كلام السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم.

واليوم أحبتي ما زال ابن جماعة يرسم لنا تلك العلاقة التي تربط الطالب بشيخه، لأنه سيفصل لنا هذه العلاقة بالتفصيل: كيف يتعامل الطالب مع شيخه بأدب واحترام وتبجيل وتوقير وحسن ظن وخدمة ومراعاة لمشاعره ولظروف حياته، وإلى آخر ما سيذكره ابن جماعة عليه رحمة الله تعالى. وهذا النوع من الآداب يحتاجه ويفتقر إليه طلبة العلم في هذا الزمان جداً، لأننا رأينا كثيراً من طلبة العلم ربما يستهين بحق شيخه وأستاذه، وربما يذكر أستاذه بسوء فلا يرد عنه في غيبته، عندما يخاطب أستاذه لا يخاطبه بالأدب اللائق، وعندما يجلس بين يديه ويقف عنده لا يقف ولا يجلس بالصورة وبالهيئة التي تدل على الاحترام والتوقير والإجلال. وهذا بسبب اندراس تدريس هذه المعالم واندراس تطبيقها في حياة طالب العلم.

فأنبه أحبتي طلبة العلم على أهمية إحياء هذه المعالم التي يرسمها ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه في دراستنا ومذاكرتنا مع الأشياخ وفي حياتنا وفي تطبيقنا العملي. يعني نحن لا ندرس هذه الآداب التي يعطينا إياها ابن جماعة من أجل أن نعرفها وأن نتباهى أننا وقفنا عليها وأن ننظر على الناس بها، نحن ندرس هذه الآداب من أجل أن نطبقها أولاً على أنفسنا وفي معاملتنا مع مشايخنا وأساتذتنا، ثم بعد ذلك نبينها للناس ونرشدهم إليها، فالتطبيق هو المقصد الأول من تعلم هذه الآداب، فانتبهوا عليها جيداً.

نبدأ بالأدب الثالث اليوم؛ وقفنا عند الأدب الثالث، وما أظن الأدب الثالث من آداب الطالب مع شيخه، يقول ابن جماعة رحمة الله عليه: أن ينظره بعين الإجلال، ويعتقد فيه درجة الكمال. قال: أن ينظره بعين الإجلال، ويعتقد فيه درجة الكمال. وهذه العبارة "ويعتقد فيه درجة الكمال" ربما يفهمها بعض الطلبة بشكل خاطئ ويقول: إن ابن جماعة يغلو في الشيوخ، كيف أنا كطالب علم أعتقد في شيخي الكمال وهل هناك شيخ معصوم من الذنوب والأخطاء؟ هل هناك شيخ معصوم من التقصير؟ فكيف يطالبني ابن جماعة بأن أعتقد في شيخي درجة الكمال؟ هذا لا يمكن!

في الحقيقة أحبتي علينا أن نفهم مقصود ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه من هذه العبارة، والمقصود سيتضح أكثر وأكثر حينما نكمل النص. ابن جماعة رحمة الله عليه يقصد "ويعتقد فيه درجة الكمال" أنه دائما يحسن الظن في شيخه، ويعتقد في شيخه أنه ملازم للسنة، وملازم للعبادة وللأوراد، ويعتقد في شيخه أنه مجتنب للمعاصي في الجملة، وليس ممن إذا خلا بمحارم الله انتهكها، وليس من المرائين ومن المنافقين؛ حسن الظن بالشيخ في ملازمته للطاعة واجتنابه للمعاصي. هذا الذي يريده ابن جماعة في قوله "ويعتقد فيه درجة الكمال".

لأن الطالب أحبتي إذا نظر إلى الشيخ على أنه قدوة، أن هذا الشيخ ما شاء الله محافظ على السنة، محافظ على أوراده، محافظ على المندوبات، مجتنب للمكروهات، مجتنب للمحرمات؛ إذا نظر بهذه النظرة سيشعر بأن هذا الشيخ يصلح أن يكون قدوة له، يأخذ منه النفع والخير ويرشده ويربيه. ينظر بهاي النظرة نظرة التبجيل والتوقير.

لكن متى ما كان الطالب يسيء الظن بالشيخ ويعتقد أن شيخه مهمل في عبادته، أو أن شيخه مسرف بالذنوب والمعاصي، هل تعتقدون أن الطالب سيتلقى من شيخه الآداب والأخلاق والتربية والنصح والتوجيه؟ كلا! لأن الإنسان بطبعه إنما يقبل النصح والتوجيه والتربية ممن يحسب فيه الخير، ويعتقد فيه الإصابة، ويظن أنه على صلاح وبركة في دينه؛ هذا الشخص الذي قلبك يستريح له، فتبدأ تتلقى منه الخير والنصح والتوجيه والإرشاد.

وأما إذا شعرت أن قلبك لا ينشرح إلى هذا الشيخ، أو أن هذا الشيخ أنت تظن فيه ظن السوء وظن التقصير والتفريط أو الإصرار على الذنوب والمعاصي، فاعلم أن هذا القلب لن يستقبل هذه النصائح التي يزديها الشيخ، وللنقبل التوجيهات ولن يقبل التعليم. هكذا هي النفس البشرية أحبتي جبلت على أنها تقبل النصح والإرشاد ممن تعتقد فيه الخير والصواب، وتنفر ولا تقبل الإرشاد ممن تعتقد فيه الضياع والإهمال والفساد. فلذلك ابن جماعة يقول: على طالب العلم أن يعتقد في شيخه درجة الكمال، أي أن يعتقد أن هذا الشيخ ويحسبه -والله حسيبه- ممن هو محافظ على السنة ملازم لها، محافظ على الصلاة والخشوع وقيام الليل والذكر وحفظ القرآن وتلاوته، ومجتنب للمعاصي، حتى يؤثر ذلك على قلبه فيكون مستعداً لقبول النصح والتوجيه منه. تمام؟

ثم نتبع بعد ذلك بعد أن نأتي هذه العبارة على الوجه الصواب، قال: فإن ذلك أقرب إلى نفعه به. أي أن تنظر إلى شيخك بعين الجلال وأن تعتقد فيه درجة الكمال بالمعنى الذي قررناه، هذا يجعلك أقرب من أن تنتفع به وتحصل على الخير والإرشاد منه.

قال: وكان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدق بشيء وقال: اللهم استر عيب شيخي عني ولا تذهب بركة علمه مني. يقول ابن جماعة: بعض علماء السلف كان يقدم الصدقة قبل أن يذهب إلى مجلس الشيخ راجيا من الله سبحانه وتعالى بسبب هذا المعروف وهذا الخير أن يستر عنه عيب شيخه، لأننا في النهاية أحبتي الكل سيخطئ، الكل عنده ذنوب ومعاصي، حتى الشيوخ والعلماء الأكابر الكل يعصي ولا معصوم إلا من عصمه الله سبحانه وتعالى.

لكن الإنسان مادام أنه لم يقف على معصية الشيخ وعلى عيوبه، واعتقد فيه في ظاهره الكمال، ورآه متبعا للسنة في الإجمال، تراه منشرحا له. فكان علماء السلف يقولون: يا رب استر عيوب مشايخنا عنا، ولا تجعلنا نقف على عيوبهم لئلا ينفر القلب من مجالستهم. وهذه هي الحكمة سبحان الله التي كانت عند علمائنا، يدركون دقائق هذه النفوس، وأن هذه النفوس طبعها إذا وقفت على عيوب الشيوخ نفرت، وإذا سترت عنها عيوب الشيوخ ورأت منهم ظاهر الصلاح أقبلت. فكانوا يسألون الله سبحانه وتعالى أن يغيب عنهم عيوب شيوخهم ليستمر هذا القلب في النهل من علومهم.

وقد قال الشافعي رضي الله تعالى عنه -انظروا إلى إجلال الشافعي لشيخه مالك بن انس-: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك صفحا رقيقا هيبة له لئلا يسمع وقعها. يعني الإمام الشافعي يقول: عندما أكون جالسا، أو عندما كنت جالسا في مجلس مالك بن انس أتعلم منه، كنت أفتح الورقة بصوت منخفض حتى لا أزعج الإمام. انظر إلى أين وصل الإمام الشافعي في أدبه، ثم انظروا إلى أين يرفعه الله سبحانه وتعالى في علمه.

عندما كان طالب علم الإمام الشافعي، كان يتصفح الأوراق بصوت هادئ، يخشى أن يرتفع صوت الكتاب وهو يصفح أوراقه فيؤذي شيخه. فلما راعى الإمام الشافعي هذه الآداب في طلبه للعلم، الله سبحانه وتعالى رفع شأنه ونشر علمه ورزقه البركة فيه.

انظروا إلى الربيع رحمة الله عليه، ربيع بن انس قال: والله ما اجترأت أن أشرب الماء

أو الربيع المرادي، عفواً هذا ليس الربيعي، بدنا ننسى هذا. الربيع المرادي لأنه يتكلم عن شربه للماء بين يدي شيخه الشفاء بين يدي شيخه الشافعي. قال الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له، والله ما اجترأت أن أشرب الماء. لاحظوا هاي القضية انتهت.

والشافعي ينظر إليه هيبة له. الآن أحبتي الناظر في مجالسنا اليوم يجد الطلبة لا يقتصرون على شرب الماء بين يدي شيوخهم. ربما الشيخ يأذن للطلبة في شرب الماء، هذا لا حرج فيه في الجملة. لكن أنا أقصدان بعض الطلبة لأسف يتصرفون تصرفات فظيعة بين يدي شيوخهم، ويظنون أن هذا لا يؤثر على سلوكهم العلمي أو لا علاقة له بمنهج الطلب.

وهذا في الحقيقة فشل معرفي وفشل أخلاقي وسلوكي في نفس الوقت. أحبتي، طالب العلم عندما يجلس بين يدي شيخه لا يصلح أن يجلس على هيئة لا تليق بجلال الشيخ ووقاره. لا يصلح أن يمد قدميه بين يدي الشيخ أو يضع قدماً له فوق أخرى. لا يصلح أن يضحك ويمزح وأن يكثر الأكل والشرب والتثاؤب والتمايل وتشبيه الإصابع والنظر في السماء وصرف الوجه عن الشيخ أو أن يخرج من مجلس الشيخ من دون إذنهم.

كل هذه التصرفات التي نشاهدها اليوم في مجالسنا العلمية تصرفات شاذة عن منهج السلف الصالح في التعلم، تصرفات تدل على أننا ما زلنا نحتاج إلى أن نتربى وأن نتأدب وأن نوجه وأن نتعلم كيف نحترم الشيوخ، كيف نحترم الأساتذة، كيف نحترم العلم. الربيع المرادي يقول لكم: كأس الماء كأس الماء ما كنت أشربه بين يدي الشافعي إجلالاً وتوقيراً وتعظيماً له.

انظروا إلى هذا الأدب، إلى هذا الإجلال، إلى هذا التوقير، لهذا الاحترام للعلم وأهله. ثم انظروا كيف رفعهم الله سبحانه وتعالى. وأما من أخذ العلم بقلة الأدب فاعلموا أنه لن يفلح. والله أحبتي، من أخذ العلم بقلة الأدب وسوء النظر إلى شيوخه وسوء التعامل معهم فلن يفلح. قد يحصل معلومات، لكنه لا ينال بركة هذا العلم. يصرف الله سبحانه وتعالى له طلباً يعاملونه كما كان يعامل شيخه.

فكما تدين تدان، سيأتيك طلبة يا طالب العلم الذي تسيء التعامل مع شيوخك، سيأتيك طلبة يسيئون التعامل معك ويقلون أدبهم معك إذا كنت تتعامل بهذا المنهج وبهذه الطريقة مع شيوخك وأساتذتك. فكما تدين تدان. انظروا ماذا ذكر ابن جماعة بعد ذلك من قصة الشريك. قال: وحضر بعض أولاد الخليفة المهدي عند الإمام شريك فاستند إلى الحائط وسأله عن حديث فلم يلتفت إليه.

بعض أولاد الخليفة أولاد الخلفاء في ذاك الزمن الجميل كانوا يأتون لتعلم العلم الشرعي ويجلسون بين يدي العلماء، ما كان عندهم مشكلة في ذلك. فجاء ابن المهدي جلس بين يدي شريك. لكن ابن المهدي ماذا فعل؟ اتكأ على الحائط، اتكأ على الحائط، ثم بدأ يسأل شريك. فشريك لما رآه متكئاً على الحائط لم يلتفت إليه ولم يرعه اهتمامه.

فعاد ابن الخليفة السؤال فأعاد شريك بمثل ذلك؛ أي أنه لم يلتفت إليه. فقال ابن الخليفة: أتستخف بأولاد الخلفاء؟ الآن بدأ العتو والاستكبار النفسي يأتي إليه، إلى ابن الخليفة. فقال لشريك: تستخف بأولاد الخلفاء؟ فقال: لا، ولكن العلم أجل عند الله من أن أضيعه. انظر كيف الرد الهادئ المتزن، الرد الهادئ المتزن والواضح. قال: لا، أنا لا أستخف بأولاد الخلفاء، قال: ولكن العلم أجل عند الله من أن أضيعه.

لكنني لا أستخف بالعلم ولا أضيع هذا العلم الذي وهبني الله إياه، لا يمكن أن أقلل من شأن هذا العلم وأن أضعه من أجل تلبية رغباتك. هذا العلم جليل شريف، أجل من الخلافة وأجل من منصبك ومنصب أبيك، فلا يجوز لي ولا يحق لي كعامل رباني أن أضيعه. والله يا أحبتي، ماذا نقول لمن يتسولون على أبواب السلاطين اليوم، ممن يتزينون بزينة العلم، ماذا نقول لهم وهم يقرؤون هذا الكلام للإمام شريك وهو يخاطب ابن الخليفة بهذا الكلام، وهم اليوم يتسولون على أبواب السلاطين ليأخذوا لعاعة الحياة الدنيا؟ نقول لهم: تعلموا الأدب قبل أن تنشروا العلم.

نعم، تعلموا أدب العلماء وهيبة العلماء وجلالة العلماء قبل أن تتعلموا العلم وتنشروه. قال: ويروى أن العلم أزين عند أهله من أن يضعوه. وهذا نص يعني رواية أخرى لنص الإمام الشريك، أنه قال: العلم أزين عند أهله من أن يضعوه. وهذا المعنى أيضاً يتفق مع المعنى السابق.

قال: وينبغي ألا يخاطب شيخه بتاء الخطاب وكافه ولا يناديه من بعد، بل يقول: يا سيدي ويا أستاذي. الطالب أحبتي، من الآداب التي يجب أن يراعيها مع شيخه أنه لا يخاطب الشيخ بصيغة الخطاب. يقول له: أنت ماذا تقول؟ أو يقول له: جلبت لك الكتاب أو أحضرت لك الكتاب، قد أحضرت الكتاب يا شيخي، بالعموم من دون استخدام كاف الخطاب أو استخدام تاء الخطاب. ويعتبرونها نوعاً من إساءة الأدب.

الان نحن سنقرأ آداب كثيرة وسيذكرها ابن جماعة رحمة الله عليه. قد ينظر البعض إلى أن بعض الآداب التي يذكرها ابن جماعة والأدبيات فيها شيء من المبالغة، وأنه ربما استخدم ضمير الخطاب مع شيخك، سواء الكاف أو التاء، ولا يجد في ذلك قلة أدب، بل الشيخ نفسه لا يشعر بذلك قلة أدب. يعني في الحقيقة أحبتي، نعم لربما بعض الثنايا وبعض القضايا التي أشار إليها ابن جماعة قد تجدون فيها شيئاً من المبالغة.

ولكنني أحافظ على هذه المبالغة وأدرسها للطلبة حتى يعلم الطلبة قدر العلم وقدر العلماء عند السلف الصالح، ويعلم أين وصلوا في درجات الأدب، بغض النظر اعتبرت هذا مبالغة أو لم تعتبره مبالغاً، المهم أن تنظر كيف وصلوا إلى الأدب وكيف وصلوا إلى العلم. بعد ذلك ابن جماعة يقول لك: لا تخاطب شيخك بتاء الخطاب، وإنما تقول له: يا أستاذي ويا شيخي. أما تقول له: أنت وأحضرت لك واتيتك وجئتك وزرتك، هذه تاء الخطاب ليست جيدة عندهم في خطاب الأشياخ. كاف الخطاب ليست جيدة في خطاب الأشياخ.

وإنما كما قال لك: ولا يناديه من بعد، بل يقول: يا سيدي ويا أستاذي ويا شيخي ويا معلمي. من دون الحاجة إلى استخدام تلك الضمائر التي تشعر نوع إشعار أنك لا تعبأ بمقام المشيخة. لأنك عندما تخاطب صديقك تخاطبه بتاء الخطاب وكاف الخطاب، فهذا يصلح أن تستخدم هذا الخطاب الذي تعامل به العامة وأصدقائك مع شيوخك وأساتذتك. بل الخطاب يصدر: شيخنا ماذا يقول؟ أستاذنا ماذا يقول؟ معلمنا ماذا يقول؟ أما الشيخ تقول هكذا، وهذا من أدب السالف رضوان الله تعالى عليهم.

قال الخطيب البغدادي: الخطيب البغدادي ماذا يقول في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع؟ يقول: أيها العالم، أيها الحافظ، ونحو ذلك. إذن الخطيب البغدادي أيضاً يؤكد على الفكرة التي ذكرها ابن جماعة. يقول: عندما تخاطب الشيخ وعندما تنادي الشيخ، تقول له: أيها العالم، أيها الحافظ، إن كان من الحفاظ، أيها المعلم، أيها المربي، ماذا تقول؟ انظر لعبارات الأدب.

قال: وما تقولون في كذا؟ قال الخطيب البغدادي: يقول التلميذ، يعني: أيها الطالب، أيها العالم، أيها الحافظ ونحو ذلك، وما تقولون في كذا؟ وما تقولون في كذا؟ وما رأيكم في كذا؟ وشبه ذلك. قد يقول، يعني الآن الناظر يقول: هنا استخدم تاء الخطاب، ما تقولون في كذا وما رأيكم في كذا؟ أنه يستخدم تاء الخطاب وكاف الخطاب. نقول: نعم، لكنه عضدها بالجمع، عضدها بضمير الجمع، فقال: ما تقول، قد ما تقولون، فأتى بتاء الخطاب، لكنه أتى بواو الجمع للدلالة على تعظيمه وتوقيره لشيخه. أو ما رأيكم؟ ما رأيك؟ قال: ما رأيكم، هذا هذا الجمع فيما رأيكم أيضاً فيه دلالة إجلال واحترام.

فقد تستخدم، يعني هي العبرة ليست بتاء الخطاب وكاف الخطاب بحد ذاتها، المراد العبرة كيف يخرج الخطاب من الطالب تجاه شيخه، كيف يخرج الخطاب من الطالب تجاه شيخه، كيف يحافظ الطالب على أدبيات الكلام على الحوار والنقاش بلغة راقية تدل على إجلال واحترام وتوقير من هذا الطالب لشيخه. قال:

ولا يسميه في غيبته أيضا باسمه إلا مقرونا بما يشعر بتعظيمه. كقوله قال الشيخ فلان الفلاني أو قال أستاذنا فلان الفلاني كذا كذا أو قال شيخنا كذا وقال حجة الإسلام كذا أو نحو ذلك. طبعا أمارة حجة الإسلام يعني لا داعي لاستخدامها.

ما في داعي لاستخدام عبارة حجة الإسلام وهذه الألفاظ الزائدة عن آه على قدر الحق وإنما لنكتفي يا بأستاذنا وبشيخنا وبعالمنا. أما حجة الإسلام وسراج الإسلام وما شابه ذلك من الألقاب آه فلا داعي لأن نستخدمها مع أشياخنا اليوم. نعم جاءت فترة زمنية كانت هذه الألقاب شائعة فيها.

ربما هناك ظروف معينة حكمت بظهورها لكن أننا لا نرى أن تكون هذه الألفاظ شائعة اليوم على ألسنتنا في خطابنا لمشايخنا. يكفي أن نقول قال عالمنا وشيخنا وأستاذنا وانتهى الأمر. أما حجة الإسلام والسراج الإسلام وحتى لشيخ الإسلام هذه العبارات وإن كنا نطلقها على من نحبهم ونعظمهم من المشايخ من علماء السلف الله تعالى عليهم لكن اليوم في حياتنا لا نستخدمها مع شيوخنا وأساتذتنا.

ولا أرى أن تستعمل في ذلك وإنما نقتصر على ما اقتصر عليه السلف رحمة الله تعالى عليهم. ففي عصر الصحابة وفي عصر التابعين وتابعي التابعين لم تكن هذه الألقاب معروفة ولا مشهورة. وإنما كان المشهور الشيخ والعالم والمربي ولم المشهور لا شيخ الإسلام ولا حجة الإسلام ولا آآ هذه الألفاظ الكبيرة في دلالتها وإشارتها.

وإن استعملت يعني السلف يعني ما أقول السلف أقول في العصر السادس والسابع والثامن من الهجرة انتشرت هذه الألقاب واستعملت وأطلقت على العلماء وكانوا يعتبرونها من إجلالهم توقيرهم نحن ندرك ذلك.

لكن بما أنها زالت ولم تعد تستعمل فلا حاجة إلى إعادة استعمالها مرة أخرى. وإنما نبقى على المصطلحات الأولى التي كانت في عصر الصحابة والتابعين. طيب، هكذا انتهينا من الأدب الثالث فيما يتعلق أن الطالب يحسن الظن بشيخه ويحسن خطابه ودعاءه ويحسن الأدب معه في الكلام.

ننتقل الآن إلى الأدب الرابع: في الأدب الرابع يقول ابن جماعة عليه رحمة الله أن يعرف له حقه ولا ينسى له فضله. قال شعبة: كنت إذا سمعت من الرجل الحديث قمت له عبدا ما حيِي، وقال: ما سمعت من أحد شيئا إلا واختلفت إليه أكثر مما سمعت منه.

آآ في الأدب الرابع يركز ابن جماعة على قضية أن الطالب عليه أن يحفظ حق الشيخ. الشيخ أعطاك كنز عظيم عندما علمك وادبك ووجهك ونصحك ووقف على تعليمك وترك أهله من أجلك. فالشيخ له حق عظيم عليك، أن عليك أن تحفظ هذا الحق وتراعيه طوال عمرك.

الإمام شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث يقول: كنت إذا سمعت من الرجل الحديث كنت له عبدا ما حيِي. يعني أصبح كأني عبد له في حديث ليس مصنفات ولا كتب، حديث واحد تعلمته من شيخ أخدمه طوال عمري. وقال: ما سمعت من أحد شيئا إلا واختلفت إليه أكثر مما سمعت منه.

يعني أي شيء إذا سمعت من أحد أي معلومة وأفادني حديثا أو في الرجال أو في الفقه فإن هذا الرجل يصبح له حق علي. أزوره وأتعاهده أكثر من آآ سماعي منه وتعلمي منه. ما معناه مرة أخرى يعني يقول: إذا تعلمت من شخص أو من العالم أو من الأستاذ ولو شيء يسير فإن تخلفي إليه يعني ذهابي إليه وسؤالي عنه وقوفي في حوائجه أكثر بكثير وضعف المعلومات التي سمعتها منه.

وهذا يدل على أن المعلومة ولو كانت قليلة فهي عظيمة القدر. وكيف كان السلف رحمة الله تعالى عليهم يحترمون أشياخهم حتى ولو لم يستفيدوا منهم إلا نزل اليسير فيقومون على خدمتهم وتوقيرهم وإجلالهم وإعانتهم أكثر بكثير من المقدار الذي سمعوه منهم أقل من ذلك أن يعظم حضرته ويرد غيبته ويغضب لها، فإن عجز عن ذلك قام وفارق ذلك المجلس.

يعني إذا كان بحضرته بحضرة شيخه عظمه وأظهر التبجيل. وإن كان في غيبة الشيخ وذكر الشيخ أمامه بسوء فانه يرد عن هذا الشيخ ويذب عنه. وهذا من حق الشيخ على تلميذه، بعض التلاميذ تجد عنده تقصير وإفراط في حق شيوخهم فعلا.

يذكر أشياخهم أمامهم بالشر والسوء فلا تجد قلوبهم تجد قلوبهم تتحرك ولا تجد مشاعرهم تنتفض دفاعا عن هذا الشيخ فيما هو من حقه عليهم. قال: فان عجز عن ذلك يعني أحيانا فعلا بعض المجالس قد تضطر أن تجلس فيها ويذكر بعض مشايخ أهل السنة بالأذى وينال منهم ويخاض في اعتقادهم.

فيقول ابن جماعة: إذا ما استطعت أن تذب عن مشايخ الإسلام فغادر هذه المجالس التي يطعن فيها بعلماء السنة ويخاض في أعراضهم. قال: وينبغي أن يدعو له مدة حياته ويرعى ذريته وأقاربه وأدائه بعد وفاته.

يعني يتكلم كيف أنه يراعي الشيخ في حال الحياة بأن يدعو له في ظهر الغيب، وأن يطمئن على أسرته وعلى عائلته وعلى أودائه وأصدقائه بعد، ويتعهد زيارة قبره والاستغفار له والصدقة عنه، يعني يتعاهد الشيخ حتى بعد الوفاة.

وليس إذا مات الشيخ انتهت علاقتك بهذا الاستاذ الكبير الذي علمك ورباك. فليبقى يدعو لشيخه في صلواته ويزور قبره ليدعو له بالمغفرة والرحمة ويتصدق عنه، يعني يهدي له ثواب الأعمال الصالحة من الصدقة ونحوها. قال: ويسلك في السمت والهدي مسلكه، ويراعي في العلم والدين عادته نقتدي بحركاته وسكناته في عاداته وعباداته ويتأدب بآدابه ولا يدعو الاقتداء به.

فيديم علاقتك بالشيخ علاقة وطيدة إلى نهاية آية حياتك. هذا الشيخ الذي علمك وادبك من حقه عليك أن تتمسك بآدابه وبسلوكياته وبطرائقه المرعية، وأن تأخذ هذه الآداب وتنقلها إلى الأجيال اللاحقة من هذه الأمة.

هذا حق الشيخ على تلميذه أن أولى علم الشيخ إلى الأجيال اللاحقة. أليس هذا من أكبر الحقوق التي يجب أن تراعيها؟ فهنا ابن جماعة رحمة الله عليه يرسم لك الأدب عموما في الحفاظ على حق الشيخ.

وننتقل الأدب الخامس لا أطيل في بعض الأمور الواضحة أظنها. الأدب الخامس قال: أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه أو سوء خلق ولا يصده ذلك عن ملازمته وحسن عقيدته. الآن أحبتي بعض التلاميذ إذا يعني إذا تصرف معه الأستاذ بطريقة غير لائقة فيها شدة فيها نوع من القسوة.

هذا التلميذ يأخذ موقف من الشيخ ويغادر المجلس ولا يعود إليه مرة أخرى. وفي الحقيقة أحبتي الخاسر في هذا الأمر هو التلميذ هو الذي خسر. الشيخ بشر قد يصدر منه بعض التصرفات الخاطئة نعم، قد يصدر منه قسوة زائدة عن حدها.

قد يصدر منه سوء خلق تجاه طالب. قد يكون الشيخ في حالة نفسية متعبة جدا فيرد بشكل عنيف أو تخرج منه كلمة في غير موضعها. على الطالب أن يستقبل هذه الكلمة بكل هدوء وأن يتعامل مع هذا الموقف بكل ذكاء وفطنة، لا ينفر من الشيخ.

إياك أن تترك مجالسة هذا الشيخ حتى ولو قسى عليك حتى لو أخطأ. لأن الذي سيخسر النهاية هو أنت يا طالب العلم، ستخسر علم هذا الشيخ، ستخسر الود من هذا الشيخ، ستخسر التوجيه والنصح. فاعلم يا طالب العلم أن الشيوخ ولو قسوا عليك في صحبتهم خير.

إن الشيخ ولو تصرف معك بموقف فيه جفاء وغظة في صحبته خير وأنت من ستخسر نتيجة ابتعادك عنه، هو لن يخسر شيء. أنت الذي ستخسر، فانتبهوا على هذه القضية أحبتي من بعض طلبة العلم خاصة في وقتنا الحاضر يظن أن الشيخ يعني نحن نقول للشيوخ عليكم أن تتعاملوا بأبهج الطرق.

وقد ذكر ابن جماعة في آداب الشيخ كيف أن الشيخ يحترم الطالب ويتفقد أحواله، هذا أمر واضح. لكن في النهاية الشيخ بشر، هذا الشيخ بشر ربما في حالة نفسية أو في موقف معين غضب أو جاءه جاءته مشاعر استفزتها أو تصرفات معينة صدرت من بعض الطلاب لم تكن لائقة فأثارت المهم قد يخطئ.

فهل إذا كلما أخطأ شيخ تركناه؟ صدقني لن يسلم لك شيخ ولا أستاذ بهذا المنهج. لو كلما أخطأ الشيخ تريد أن تهجره وأن تتركه وتنصرف إلى غيره لم يسلم لك شيخ. فكل إنسان وكل عالم وكل أستاذ معرض للخطأ.

فانتبهوا على ما قاله ابن جماعة: قال أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه أو سوء خلق، ولا يصده ذلك عن ملازمته وحسن عقيدته، أي لا يصده ذلك عن أن يعتقد في شيخه أو أن يححسن الظن في شيخه، وأن يعتقد أنه إنما منه هذا التصرف نتيجة لغضب أو سهو أو ما شابه ذلك، فيحسن الظن بشيخه. حسن العقيدة يقصد بها أن يححسن الظن بشيخه.

قال: أفعاله التي يظهر أن الصواب خلافها على أحسن تأويل. يعني إذا رأيت أن الشيخ، هذا موضوع آخر، إذا رأيت أن الشيخ تصرف تصرفاً مخالفا للشرع فيما يظهر لي، فأحاول أن أتأول للشيخ بقدر ما أستطيع. أن أحياناً بعض الشيوخ قد يقعون في مواقع معينة أو في طرق معينة، يقومون بأعمال في ظاهر الامر بالنسبة لنا أنها مخالفة للشرع. ولكن هذا الشيخ الذي اخترته، وظهرت لي عدالته وأمانته وصدقه، وأنه ليس منافقا ولا مرائيا ولا لاعبا، إذاً بعد أن أصل إلى هذا الشيخ وألازمه، إذا رأيت منه تصرف فيما ظهر لي أنه مخالف للشرع، الأدب أن أتأول لهذا الشيخ في هذا التصرف.

هذا هو الأدب. أنا أتأول للشيخ بهذا التصرف وأقول: لعل الشيخ سها أو لعل هناك مقصد معين أنا لا أدركه، أو لعل هناك مصلحة رآها في هذا التصرف جعلته يفعله. المهم أني أحاول أن أجد مخرجا للشيخ بقدر المستطاع، طبعا بقدر المستطاع، وأحسن الظن به.

قال: ويبدأ هو عن جفوة الأشياخ بالاعتذار والتوبة مما وقع والاستغفار، وينسب الموجب إليه، ويجعل العتب فيه عليه، فإن ذلك أبقى لمودة شيخه وأحفظ لقلبه وأنفع للطالب في دنياه وآخرته. أي أن الطالب إذا وجد من الشيخ جفوة أو قسوة عليه، فالطالب بدل من أن يهجر الشيخ ويترك ملازمته بالعكس، ابن جماعة يقول له: بادر إلى هذا الشيخ.

حتى لو كان الشيخ هو الذي أخطأ؟ نعم، حتى لو كان الشيخ هو الذي أخطأ التقدير وتصرف التصرف السيء معك، أنت بادر إلى الشيخ بالاعتذار. لا تقل الشيخ عليه أن يعتذر لي. هذا غير معروف في قاموس العلماء. بعض طلبة العلم وصلت عندهم الآنفة إلى هذه الدرجة أن يطالب شيخه باعتذار، وهذه قلة أدب. الشيخ حتى لو أخطأ في حقك ليس عليه أن يعتذر لك، أنت من تعتذر له وإن كان هو المخطئ.

لماذا؟ إظهارا وإجلالا لحق الشيخ وتبجيلا وتعظيما لحق العلم. لذلك ابن جماعة يقول: ويبدأ هو عن جفوة الشيخ بالاعتذار. أنت أيها الطالب تبادر الشيخ بالاعتذار، تذهب يا شيخ أنا ربما أسأت التصرف، أو ربما بدر مني شيء ربما لا أعلمه وانت وقفت عليه، فلذلك تصرفت هذا التصرف معي، أنا أعتذر يا شيخ مما بدر مني أو لعله قد بدر مني سهوا أو ما شابه ذلك. اذهب اعتذر بين يدي شيخك وأستاذك، ووقره وبجله حتى تنال بركة هذا العلم.

قال: ويبدأ هو عن جفوة الشيوخ بالاعتذار والتوبة، يتوب يعني يطلب منهم التوبة. يعني هو التوبة ممكن البعض يقول: هل الانسان يتوب إلى شيخه؟ التوبة المراد من هذا الاعتذار، يعني يقول: سامحني واعذرني فيما فعلت، هذا المراد بالتوبة. والاستغفار، يعني أن يطلب من شيخه المسامحة تمام، يطلب من شيخه المسامحة والصفح عن زلته معه، وينسب الموجب إليه.

يعني ينسب الخطأ إليه، أنه أنا فعلا أنا الذي فعلت، ففعلا أخطأت فيه وكنت سببا في غضبك، حتى ولو كنت أنت داخليا غير مقتنع، ما في مشكلة، انسب الخطأ إليك بين يدي شيوخك. قال: ويجعل العتب فيه عليه، فإن ذلك أبقى لمودة شيخه، واحفظ لقلبه وأنفع للطالب في دنياه وآخرته.

قال: وعن بعض السلف: من لم يصبر على ذل التعليم بقي عمره في عماية الجهالة، ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الدنيا والآخرة. هذه القاعدة تلخص لنا ماذا يريد ابن جماعة أن يوصله؟ قاعدة ذكرها علماء السلف: من لم يصبر على ذل التعليم بقي عمره في عماية الجهالة. لماذا؟ أن الإنسان الذي لا يصبر على الشيوخ، على قسوة الشيوخ، على التصرفات الخاطئة التي قد تبدو منهم في بعض الأحايين، لن يجد شيخا وسيبقى جاهلا طوال عمره. إنه يعني أنت تصاحب شيخ وتلازم شيخ بشر، بشرط السلامة هذا لا يمكن، عليك أن تصبر على الجفوة والقسوة وارتفاع الصوت من الشيخ عليك. اصبر على ذل التعليم فالله سبحانه وتعالى يرزقك العزة في الدنيا والآخرة، عزة العلم في الدنيا والآخرة. واما إذا استكبرت في نفسك وأنفت من ذل التعليم فاعلم أنك ستبقى جاهلا طوال عمرك.

قال ولبعضهم: أصبر لدائك إن جفوت طبيبه واصبر لجهلك إن جفوت معلما. يعني إذا تركت الطبيب ولم تعالج نفسك من الداء عليك أن تصبر على ألم هذا الداء، وكذلك إذا أنت تركت المعلم ولم تصبر على جفوة المعلم فعليك أن تتحمل الجهاد. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ذللت طالبا فعززت مطلوبا. انظر ايش قال؟ ذللت طالبا، أي عندما طلبت العلم ذللت نفسي بشيوخي وأساتذتي، وكما سيأتي معنا كان ابن عباس يجلس على عتبة بيت زيد بن ثابت وينتظره حتى يخرج ليتعلم منه العلم، قال: فعززت مطلوبا. وقال قبله: إن المعلم والطبيب كليهما لا ينصحان إذا هما لم يكْرَما. أي المعلم والطبيب إذا أردت أن تحصل على الفائدة منهم فعليك أن تكرمهم ابتداء.

وقال معافى بن عمران: مثل الذي يغضب على العالم مثل الذي يغضب على أساطين الجامع. يعني اسطوانات الجامع، السواري التي في المساجد، لو غضبت عليها هل سيضرها غضبك؟ لن يضرها غضبك. وأنت أيها طالب العلم الذي تغضب على إذا غضبت على العلماء ماذا ستستفيد، هل ستستفيد شيئا؟ لن تستفيد شيئا. فانظروا إلى هذا التشبيه! يقول: إنسان أحبتي غضب على أساطين الجامع، هل سيستفيد شيئا من هذا الغضب؟ وهل أساطير الجامع ستتضرر من هذا الغضب؟ لا يوجد أي فائدة. فكذلك من غضب من شيوخه فانه لا يستفيد شيئا من هذا الغضب.

فقال الشافعي رضي الله تعالى عنه قيل لسفيان بن عيينة: أن قوما يأتونك من أقطار الأرض تغضب عليهم، يوشك أن يذهبوا أو يتركوك؟ فقال للقائل: كن حمقى مثلك إن تركوا ما ينفعهم بسوء خلقي. يعني هذا الرجل يخاطب سفيان بن عيينة كان عنده شيء من القسوة في مخاطبته لبعض التلاميذ، فقالوا له: وهؤلاء التلاميذ الذين أتوك من أقاصي الأرض يا سفيان أوشكوا أن يتركوك لشدتك عليهم. بس سفيان بن عيينة ماذا قال؟ قال لهذا السائل: إذا هم حمقى مثلك، إذا كانوا يفكرون بهذا التفكير عليهم أن يأخذوا العلم مني ويتركوني من سوء خلقي وانتهى الأمر.

فقال أبو يوسف رحمه الله تعالى: خمسة يجب على الإنسان مداراتهم، وعد منهم العالم ليقتبس من علمه. أي عليك أن تداري العالم حتى تأخذ من علمه، وعليك أن تصبر بالتالي على جفائه وقسوته تجاهك.

قال السادس: أن يشكر الشيخ على توفيقه أو على توقيفه على ما فيه فضيلة، وعلى توبيخه على ما فيه نقيصة، أو على كسر يعتريه، أو قصور يعانيه، أو غير ذلك مما في إيقافه عليه وتوبيخه وإرشاده وصلاحه. ويعد ذلك من الشيخ من نعم الله تعالى عليه باعتناء الشيخ به ونظره إليه، فإن ذلك أميل لقلب الشيخ وابعث على الاعتناء بمصالحه.

يعني يا طالب العلم عليك أن تشكر الشيخ على ما أفادك من المعلومات، وعلى ما وبخك في حالة خطأك والتصرفات غير اللائقة التي صدرت منك، في حالة تأنيبه لك على كسلك، في حال توجيهه لك عند قصورك، عليك أن تشكر الشيخ على كل ما يقدمه لك. وأن تعرف أن الشيخ كان كالأب الناصح لك، بل الأشياخ أحبتي في كثير من الأحيان أفضل من الآباء في هذا البيت في هذا الباب، لأنهم يعلمونك ويوقفونك عن الخيرات، ويرشدونك إلى محاسن الأمور، ويمنحونك الفوائد العلمية وطرق التعامل في هذه الحياة وإدارتها أكثر مما.

قد يعلمك والدك، قد يكون والدك قاصراً في هذه الجوانب، وشيخك الله عز وجل أعطاه مهارات ومعرفة وقراءة واطلاعاً، فيوقفك على مهارات الحياة ويعلمك وينبهك لكثير من الأمور قد لا تستطيع أن تحصلها من والدك. فعلى الإنسان أن يعرف حق شيخه وأن يشكره، كما قال لك على الفضيلة التي يمنحها لك وعلى توبيخه، نعم أشكره هو على توبيخه.

أشكر الشيخ في تلك اللحظة التي أنبني وقال لي: أخطأت يا فلان. أشكر الشيخ عندما نهرني على كسلي، أشكر الشيخ عندما غضب مني حينما قصرت في حفظي، أشكر الشيخ على كل هذه التصرفات التي ظهرت مني؛ إن هذه التصرفات هي التي جعلتني أتقدم، هي التي جعلتني أطور في أداء العلم والمعرفة.

الشيخ الذي لا يهتم بك، لا يؤنبك، لا ينهرك، لا يوقفك على خطئك، هذا ليس بشيء، ليس بشيء يستحق أن ألازمه وأن أقف معه. الشيخ الذي يسجنني ويوبخني ويؤنبني وينصحني ويرشدني، هذا هو الشيخ الذي أطمح أن ألازمه وأن أكمل معه في حياته العلمية؛ لأنه سينفعني، وحينما أصبح عالماً بإذن الله، ستصبح همسات هذا الشيخ وكلمات هذا الشيخ وقوداً تعلمني وتوجهني في الحياة.

سأتذكر الشيخ عندما فعل معي هذا الفعل وهذا التصرف، ثم سأطبق هذا التصرف مع تلاميذي، سأعرف وأحسن التصرف في هذا الموقف لأني رأيت قدوتي كيف فعل في هذه المواقف. فالشيخ المؤنب، الموجه، المرشد، الحاذق، الموبخ صدقني يا طالب العلم أفضل بكثير من الشيخ الذي يبتسم في وجهك ويغادر.

قال: ويُعَدُّ ذلك من الشيخ من نعم الله تعالى عليه باعتناء الشيخ به ونظره إليه. يعني عليك أن تحمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة، نعمة أن لك شيخاً يعتني بك ويوجهك وينصحك ويأخذ بيدك إلى مسالك الخيرات، فإن ذلك أميل لقلب الشيخ وابعثه على الاعتناء بمصالحه، فشكر الشيخ والدعاء له ويقول: يا شيخ جزاك الله عنا خيراً على تعليمك وإرشادك، جزاك الله خيراً على توبيخك ونصحك، والله هذا التوبيخ إنه كالعسل على قلبي لما انتفعت به.

اشكر الشيخ فإن هذا ادعى لمحبة الشيخ لك واستمرار الشيخ في تعليمه وتوجيهه اه في حياته العلمية. قال: وإذا أوقفه الشيخ على دقيقة من أدب أو نقيصة صدرت منه وكان يعرفه من قبل، فلا فلا يظهر أنه كان عارفا به وغفل عنه، بل يشكر الشيخ على إفادته ذلك واعتنائه بأمره.

يعني الشيخ أحياناً قد يوقفك، قد يوقفك على خاطئ صدر منك أو على نقيصة فيك، وأنت تعرف هذه النقيصة سابقاً، وأنت تعرف هذه النقيصة سابقاً أنها موجودة فيك، أو تعرف أن هذا التصرف خلل منك، وإنما وقع سهواً؛ ففي هذه الحالة إذا جاءك الشيخ وقال لك: يا فلان ترى أنت تصرفت هذا التصرف الخاطئ، إياك أن تقول للشيخ: ترى يا شيخ أنا بعرف إن هذا التصرف خاطئ، جزاك الله خيراً ما يعني ما في داعي تتكلم فيه، لأن بعض طلبة العلم يتكلم بهذه الطريقة وهذا لا يصلح.

إذا أوقفك الشيخ على خطأ أنت تعلم أنه خطأ وإنما وقعت فيه سهواً، فقل له: جزاك الله عني خير الجزاء، وأظهر للشيخ أن هذا فعلاً لم تكن وقفت على على خطئك فيه من قبل، لم تكن وقفت على خطئك فيه من قبل، بل أول مرة شخص يوقفني على هذا الخطأ، جزاك الله عني خيراً.

مع أنك في الحقيقة تعلمه سابقاً، وإنما وقعت فيه الآن سهواً أو خطأً، والشيخ لم ينتبه أنه مجرد سهو، فاياك أن تقول للشيخ وتظهر للشيخ أنه خلص ما في داعي أنا بعرف بعرف، بعض طلبة العلم بيتكلم بهذه الطريقة وهذه لا تصلح طريقة أنا بعرف بعرف، هذه ليست طريقة أدبية.

عليك أن تقول للشيخ: جزاك الله خيراً على توجيهك، حتى ولو كنت تعرف هذه النصيحة من مئات السنين، الإنسان يشكر شيخه يكفي أن الشيخ نظر إليك، يكفي أن الشيخ اعتنى بك حينما وجهك ونصحك.

قال: فإن كان له في دارك عذر وكان إعلام الشيخ به أصلح فلا بأس به. يعني أحياناً اه قد طالب العلم يقدر أن المصلحة أن يبين للشيخ أنه والله يا شيخ هذا التصرف إنما فعلته لغرض وكذا أو وقعت فيه سهواً. لماذا؟ الطالب أحياناً يخشى أن صورته عند الشيخ تتغير بسبب هذه التصرفات، فيبين للشيخ عذره، تمام؟

الذي عليك أن تحرص أيها الطالب ذكياً، أحياناً الشيخ إذا نظر إلى الطالب يخطئ أخطاءً ويكررها قد ينفر الشيخ من الطالب، فإذا الطالب لم يوقف الشيخ على عذره قد يكون سبباً في فجوة بينه وبين شيخه ونحن نريد بقاء الوصال بينهما. فنقول يا طالب العلم إذا رأيت أن من المصلحة أن توقف الشيخ على عذرك وسبب تصرفك هذا، هذا التصرف الذي عابك الشيخ فيه، فبين له عذرك إذا كانت المصلحة في ذلك.

وإذا لم يرَ المصلحة في ذلك وإلا تركه، إلا أن يترتب على ترك بيان العذر مفسدة فيتعين إعلامه به. إذا ما دام في العذر وأبدائه للشيخ مصلحة افعل، ما في مصلحة خلاص لا تفعل إلا إذا كان هناك مفسدة ستحدث، تمام؟ يعني أولاً إذا كان هناك مصلحة بين للشيخ عذرك، لم تجد مصلحة اترك بيان العذر إلا إذا كانت هناك مفسدة تخشى أن تترتب على تركك الأعذار لنفسك.

تمام، إذا انتهينا من الأدب السادس قضية أن يشكر الشيخ على توقيفه على ما فيه فضيلة وعلى توبيخه على ما فيه نقيصة. نذهب الآن للادب السابع أحبتي: قال: ألا يدخل على الشيخ في غير المجلس العام إلا باستئذان، سواء كان الشيخ وحده أو كان معه غيره.

بدأ يتكلم عن كيفية الدخول إلى مجلس الشيخ، الدخول إلى المجلس الخاص أو المجلس العام. المجلس الخاص الذي يكون في بيت الشيخ أو في حجرة خاصة بالشيخ، المجلس العام في المساجد وفي الأماكن العامة التي يعلم فيها الشيخ.

فبدأ يتكلم عن الدخول إلى المجلس العام، قال: ألا يدخل على الشيخ في غيره أو عفواً بدأ هو بالمجلس الخاص، قال: ألا يدخل على الشيخ في غير المجلس العام، يعني في المجلس الخاص. المجلس العام له أدبيات وسيأتي إليها، الآن هو يتكلم عن الدخول على الشيخ في غير المجلس العام أي في مجلسه الخاص.

إذا دخلت على الشيخ في مجلس خاص، لا تدخل على الشيخ إلا بالاستئذان، إياك أن تفتح الباب وتدخل، إياك أن تفتح الباب وتدخل؛ لأنه قد يكون الشيخ على هيئة لا يرغب أن يطلع أحد عليه فيها، فاياك أن تسيء الأدب مع شيخك لأن هذا قد يكون سبباً في نفوره منك، هذا قد يكون سبباً في نفور الشيخ منك، تمام.

قال: ألا يدخل على الشيخ في غير المجلس العام إلا باستئذان. قال: كان الشيخ وحده أو كان معه غيره، يعني سواء كان الشيخ في هذا المجلس الخاص وحده جالس أو كان معه إنسان يدردش معه، في كلا الحالين لا تدخل على الشيخ إلا بالاستئذان.

قال: فاذا استأذن بحيث يعلم الشيخ ولم يأذن له انصرف. يعني إذا استأذنت على وجه أنت متأكد أن الشيخ عرف أني أطرق الباب وأني أستأذن، لكن الشيخ ما أذن، سكت أو لم يصرح بالأذن، المهم لم يوجد أذن صريح لذلك فماذا تفعل؟ قال: تنصرف، لا تدخل تعطلوا يا زلمة يدقوا الأولى والثانية الثالثة إذا هو داخل هذا لا يصلح، عليك أن تحترم الشيخ، الشيخ ربما الآن مشغول، لا يحب أحد يدخل عليه، ربما عنده أمر معين، ظرف صحي، المهم لا تدخل على الشيخ من دون استئذان عليه.

قال: ولا يكرر الاستئذان. يعني إذا استأذنت استأذنت، لا تكرر الاستئذان وتزعج الشيخ، قال: وإن شك في علم الشيخ به فلا يزيد في الاستئذان فوق ثلاث مرات. يعني يقول لك ابن جماعة استأذن مرة على الشيخ، إن كنت متيقن أن الشيخ سمع أذنك أو استئذانك ولم يصرح لك بالدخول اكتفي بهذه المرة الواحدة وعد أدراجك، اكتفي بهذه المرة الواحدة وعود راجع. أما إذا شككت والله الشيخ ربما لم يسمع.

ترى عندك شك: سمع الشيخ ولم يسمع؟ يقول لك ابن جماعة: استمر حتى تصل إلى ثلاث مرات في الأذن، بعد الثلاث مرات لا تسد؛ لأن هذه السنة الاستئذان ثلاثة.

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فلا يزيد في الاستئذان فوق ثلاث مرات أو ثلاث طلقات. طبعا أو الحلقة، أما تطرق الباب إذا كان بعض الابواب عليها حلقة تطرق بالحلقة، قال: وليكن طرق الباب خفيا بأدب بأظفار الأصابع، وهذا كان أدب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الطرق على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. كانوا يطرقون بأظفار الأصابع.

لأنه بعض طلبة العلم يهد الباب وهو يطرق، وهذا لا يصلح، لا تطرق الباب طرقا شديدا، أطرقه طرقا خفيفا بأدب وبأطراف الأصابع بالاظفار يكون صوت هادئ مؤدب، قال: ثم بالأصابع، يعني إذا شعرت أنه الأظفار لا تصدر صوتا عاليا ما في مشكلة وطرقتا بأصبع بقاع أصبعك، قال: ثم بالأصابع.

طيب، إذن أولا تبدأ بالأظفار، إن لم يعني تجد تجاوبا حول إلى الأصابع، إن لم تجد تجاوبا بامكانك أن تمسك حلقة الباب وتأتي بها مرة أو مرتين. طيب، قال: فان كان الموضع بعيدا عن الباب، فان كان الموضع بعيدا عن الباب والحلقة فلا بأس برفع ذلك بقدر ما يسمع لا غير، يعني إذا كان الموضع الذي يطرق منه بعيد عن باب الشيخ أو بعيد عن حلقة الباب باختصار فلا مانع أن يعني يشد في الطرق أحيانا.

قد يكون الشيخ في حجرة داخلية لها باب، وأنت تطرق على باب خارجي، هناك باب داخلي، هناك باب خارجي، فاذا كنت في باب خارجي بالتأكيد الطرق الخفيف يصعب أن يصل صوته للشيخ، فتحتاج إلى أن تبالغ شيئا في الضرب وفي الطلق حتى يصل هذا الصوت صوت الطرق للشيخ فيعلم الشيخ أن هناك طالب قد أتى. فيقول: لا أشكال، يعني إذا كان المكان بعيد عن الباب أو عن موضع الحلقة فلا مانع من أن ترفع صوت الطرق قليلا ليصل الصوت إلى الشيخ ولا يزيد على ذلك.

قال: وإذا أذن وكانوا جماعة يقدم أفضلهم وأسنهم بالدخول والسلام عليه، ثم سلم عليه الأفضل فالأفضل، يعني الآن إذا دخل مع جماعة ربما أنت يا طالب العلم أتيت مع جماعة واستأذنتم عن الشيخ، فاذا أذن لكم الشيخ في الدخول من الذي يدخل أولا؟ الأفضل والأعلم، تقدم من هو أسام منك وأكثر علما وأدبا تقدمه بين يدي الشيخ هو الذي يسلم على الشيخ ثم بعد ذلك الأفضل فالأفضل حتى يصل الأمر إليك.

قال: وينبغي أن يدخل على الشيخ كامل الهيئة متطهر البدن والثياب نظيفهما بعد ما يحتاج إليه من أخذ طفر وشعر وقطع رائحة كريهة، لاسيما إن كان يقصد مجلس العلم فانه مجلس ذكر واجتماع في عبادة، يعني الإنسان على ربه سبحانه وتعالى في صلاة أو في طاعة يستحب له أن يدخل بثياب طاهرة نظيفة نقية، وأن يزال الشعر وازالة الضهر والرائحة الكريهة، أليس هكذا تفعل إذا شعرت في عبادة فيك صلاة أو ما شاب ذلك أو قراءة قرآن؟ قل: كذلك إذا دخلت على الشيخ عليك أن تدخل عليه بهذه الهيئة.

لأن الشيخ يعلمك الآداب التي توصلك إلى الله سبحانه وتعالى، فمن توقيدك لشعائر الله ومن توقيدك للعلم أن تدخل على الشيخ بهذه الهيئة النظيفة المتطهرة. قال: إن كان يقصد مجلس العلم فانه مجلس ذكر واجتماع في عبادة.

قال: ومتى دخل على الشيخ في غير المجلس العام وعنده من يتحدث معه فسكت سكتوا عن الحديث، أو دخل والشيخ وحده يصلي أو يذكر أو يكتب أو يطالع فترك ذلك أو سكت ولم يبدأه بكلام أو بسط حديث، فليسلم ويخرج سريعا، إلا أن يحثه الشيخ على المكث، وإذا مكث فلا يطيل إلا أن يأمره بذلك.

يعني إذا دخلت على الشيخ في غير المجلس العام، المجالس العامة كما قلت لك المحاضرات والدروس، إذا دخلت على الشيخ في مجلس خاص وكان عنده جماعة يتحدثون فعندما دخلت بعد الاستئذان سكتوا عن الحديث، أو دخلت على الشيخ وهو وحده والشيخ يصلي أو يكتب كتابا فعندما دخلت ترك كما يفعل وجلس من دون أن يبادرك الحديث، فهنا هذه رسالة تصل إليك أن عليك أن لا تطيل، لأنه ربما هناك موضوع خاص لكن الشيخ لم يحب يعني أن يجفوا وأن يقسو عليك فأذن لك بالدخول، فالرسالة وصلت إليك سلم واخرج إلا إذا الشيخ شد عليك وقال لك: لا لا فلان اجلس ترى ما في حرج وبامكانك أن تستمر في الجلوس، فيقول لك: اجلس ولا تطل أيضا.

أنا كن ذكيا، ربما الشيخ اضطر أن يجاملك ويقول لك: لا اجلس ولا تترك وكذا وكذا، فاذا جلست تجلس خفيفا وتغادر إلا إذا الشيخ أصر فعند أو جاءك أمر من الشيخ فعندئذ تطيل الجلوس.

قال: وينبغي أن يدخل على الشيخ ويجلس عنده وقلبه فارغ من الشواغل له، وذهنه صاف لا في حالة نعاس أو غضب أو جوع شديد أو عطش أو نحو ذلك، شرح صدره لما يقال ووعي ما يسمعه، يعني إذا دخلت على الشيخ عليك أن تأتي بقلب فارغ مستعد لاستقبال المسائل والعلوم والآداب من الأستاذ، لأن الإنسان إذا جاء بقلب مشغول في شعاب الحياة الدنيا فانه لا يحسن الانتفاع من كلام شيخه.

فلذلك يقول لك: إذا كنت في حالة نعال غضب وجوه شديد أو عطش فينبغي أن لا تجلس في هذا المجلس، تسلم على الشيخ تجلس قليلا وتغادر، لأن النفع الآن غير وارد، بل الأصل أن تأتي لمجلس الشيخ بقلب فارغ حاضر لاستقبال العلوم والمسائل.

قال: وإذا حضر مكان الشيخ فلم يجده جالسا انتظره كي لا يفوت على نفسه درسه، فإن كل درس يفوت لا عوض له، ولا يطرق عليه ليخرج إليه وإن كان نائما صبر حتى يستيقظ أو ينصرف ثم يعود والصبر خير له، فقد روي أن ابن عباس كان يجلس في طلب العلم على باب زيد بن ثابت حتى يستيقظ يقال له ولا نوقظه لك؟ فيقول: لا، ربما طال مقامه وقرعته الشمس، وكذلك كان السلف يفعلون.

يعني الإنسان إذا جاء لمجلس العلم مدير الشيخ لم يأتي ينتظر، بعض طالب التعليم إذا جاء وجد الشيخ لم يأت ذهب وانصرف خسرت المعلومة خسرت الفائدة، فعليك أن تنتبه على هذه القضية، إذا جئت إلى مجلس الشيخ ولم تجد الشيخ حاول أن تنتظر قدر الطاقة والامكان ولا تستعجل الشيخ وتأبدا ترون على الشيخ ويا شيخ أين وصلت وتأخرت عن المجلس ولماذا تفعل كذا ولماذا أخرت؟

بعض طلبة العلم عنده طريقة غريبة في حياته العلمية يظن أن الشيخ أو أنه هو متفضل على الشيخ بجلوسه بين يديه، وليس الشيخ هو المتفضل عليه، وهذا من سوء الأدب وهذا من سوء الأدب الذي يجب أن نراعيه، لا تستعجل الشيخ في القدوم إلى المجلس، ما وجدت الشيخ عندك قدرة تنتظر انتظار، ما عندك قدرة غادر واذهب إلى بيتك.

قال: ولا يطرق عليه ليخرج إليه وإن كان نائما صبر حتى يستيقظ أو ينصرف ثم يعود، والصبر خير له، فقد روي أن ابن عباس كان يجلس في طلب العلم على زيد بن ثابت حتى يستيقظ، فيقال له: ألا نوقظه لك؟ فيقول: لا، قال: ولا يطلب من الشيخ إقرأه في وقت يشق عليه فيه أو لم تجري عادته بالإقراء فيه، ولا يخترع عليه وقتا خاصا به دون غيره وإن كان رئيسا أو كبيرا، لما فيه من الترفع والحمق على الشيخ والطلبة والعلم، وربما استحيا الشيخ منه فترك لأجله ما هو أهم عنده في ذلك الوقت فلا يفلح الطالب.

فإن بدأه الشيخ بوقت معين أو خاص لعذر عائق له وعن الحضور مع الجماعة أو لمصلحة رآها الشيخ فلا بأس بذلك، يقول لك في الأدب الأخير الذي سنختم به أنه أن هذا الطالب لا يحق له أن يخترع للشيخ وقت معين خاص به، يقول: يا شيخ أنا أريد أن أتيك في وقت خاص لي لا أريد أن أجلس مع طلبة العلم أو أنا مثلا مشغول بأشغال أريد أن أتيك في الساعة الفلانية، لا يعتبر هذا من الأدب الجميل مع الشيخ.

من الأدب ألا تخترع ولا تقترح عن الشيخ أوقات معينة؛ لأنك قد توقع الشيخ في استحياء، يعني الشيخ لا يريد أن يكسفك وأنت اخترعت أو اقترحت وقتاً معيناً للحضور، فالشيخ يضطر أن يوافقك من أجل ألا يكسر خاطرك.

وهذا في الحقيقة لا يصلح، اعتبره ابن جماعة من سوء الأدب مع الشيخ، وإنما أن تقول للشيخ مثلاً إذا كان هناك حاجة، قل للشيخ: ترى يا شيخ الوقت الذي يعطى فيه بس أنا الحقيقة غير مناسب لي، عندي التزامات معينة، وتسكت.

إذا الشيخ بادر واقترح عليك وقتاً آخر التزم، هذا يعني أن هذا الوقت مناسب للشيخ، أما أنت تبادر الشيخ بالاقتراح وتطالب بوقت خاص بك الساعة الفلانية من اليوم الفلاني، فهذا من سوء الأدب الذي قد يكون سبباً في محق البركة.

كما قال ابن جماعة عليه رحمة الله تعالى، فهذه كلها إذاً آداب دقيقة جداً علينا أن نراعيها في تعاملنا مع شيوخنا وأساتذتنا حتى لا نخطئ وحتى لا نحرم بركة العلم.

وهذا نهاية المجلس، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.