يا طالبا للعلم يرجون نفعه اسمع نصيحة ناصح معواني، لربك في أمورك كلها فالمخلصون هم أولو العرفان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، فأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا ومربينا ومعلمنا ومؤدبنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم للإمام ابن جماعة الكناني الشافعي رحمة الله تعالى عليه، وما زلنا نعيش مع هذا الإمام العظيم وهو يرسم لنا ملامح العالم الرباني الصادق وما هي الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها هذا العالم قبل أن يتصدر للناس وفي أثناء تصدره.
آداب تتعلق بشخصه في علاقته مع ربه، آداب تتعلق في علاقته مع أسرته مع أبنائه مع كتبه مع طلبته، آداب تتعلق في معاملته مع الخلق ومع البشر ومع الناس أجمعين.
هذه الآداب التي يسطرها ابن جماعة أنصحكم أحبتي أن تقرأوها بعناية، أنصح كل طالب علم جاد حريص على التزام آداب السلف رحمة الله تعالى عليهم، حريص على معرفة كيف ساد العلماء، وكيف كانت لهم السيادة، وكيف كانت لهم الكلمة، وكيف حركوا الأمم وكيف قادوا الشعوب.
كل طالب علم حريص على معرفة كل هذه الأسرار عليه أن يعرف هذه الآداب، فهذه الآداب هي التي صنعت الرجال، هي التي صنعت العلماء، وهي التي صنعت قادة الأجيال.
دعونا أحبتي اليوم نكمل ما شرع فيه ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه من حديثه عن آداب العالم، واليوم نتطرق إلى طائفة جديدة يرسمها لنا ابن جماعة رحمه الله تعالى فقال: الأدب السادس، أي من آداب العالم في نفسه: أن يحافظ على القيام بشعائر الإسلام وظواهر الأحكام؛ كإقامته الصلاة في مساجد الجماعات، وإفشاء السلام للخواص والعوام، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى بسبب ذلك، صادعاً بالحق عند السلاطين، مبادراً نفسه لله لا يخاف فيه لومه لائم، ذاكراً قوله تعالى: وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، وما كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الصبر على الأذى، وما كانوا يتحملونه في الله تعالى حتى كانت لهم العقبى.
ابن جماعة في هذا المقطع أحبتي يرسم لنا تلك الصورة المبهجة الرائعة لذاك العالم الرباني، ذاك العالم الذي حاز محاسن الآداب في باطنه وفي ظاهره، يرسم لنا معالم العالم القائد، العالم الذي يستطيع أن يغيِّر ملامح تاريخ الأمة وينهض بها من جديد.
أحبتي، هذه رسالة للعوام ولطلبة العلم ولكل من يتشوف ويبحث عن قدوة يقتدي بها، بعضنا قد يرتبط وقد يتعلق بأناس لا يستحقون أن يكونوا في مراتب القيادة وأن يحوزوا السيادة.
والسبب في هذا الخطأ المنهجي الذي يمر به بعض طلبة العلم أنهم لا يعرفون المعالم الواضحة والمناهج التي ينبغي أن يلتزمها القدوات حتى يصلحوا أن يكونوا قدوات، لاحظوا هنا أنا أنصحكم أن تقرأوا هذه الحروف التي يتكلم بها ابن جماعة بحرص وعناية، وأن تتأملوا في كل كلمة سطرها وفي كل همزة أوضحها.
هذا كلام السلف رحمة الله تعالى عليهم وهم يرسمون لنا معالم العالم الجاد المربي الذي يستحق أن يكون عالماً، انظروا حينما يقول ابن جماعة: إن هذا العالم يحافظ على القيام بشعائر الإسلام وظواهر الأحكام، إذاً هذا العالم هو أول شخص يمتثل لعلمه، أول شخص يعمل بعلمه فهو يطبق الأحكام التي تعلمها قبل أن يطبقها على الخلق ويرشد الناس إليها.
هو يلتزم بشخصه القيام بهذه الأحكام وبهذه الشعائر فلا يمكن أن يكون عالماً ربانياً وهو لا يحضر الجمع والجماعات، وهو لا يقوم بأداء فرائض الإسلام، لا، لا يمكن أن يكون عالماً ربانياً وهو بعيد عن التمسك بهدي محمد صلى الله عليه وسلم حتى في المندوبات وحتى في المباحات.
عليه أن يرسم هذا العالم الذي يصلح أن يكون قدوة، عليه أن يرسم في حياته في تصرفاته منهج محمد صلى الله عليه وسلم للخلق حتى يتعلم العوام والناس منه، ينظرون إلى سمته إلى هديه إلى انقياده للشرع فيرون فيه ذاك العالم الجاد الصادق الذي يقول القول ويكون أول من يعمل به.
اليوم نحن نعاني من أزمة الناس وطلبة العلم والذين يتصدرون يكثرون القول ويقلون الفعل، ما أكثر قولهم وما أقل فعلهم، فالعامي حينما ينظر إلى هذه المباينة الواضحة بين قول الإنسان وبين عمله يعلم وجود مشكلة في الصدق.
كإنسان عامي حينما ينظر للعالم فيجد هذا العالم لا يستطيع هو أن يمتثل لما يأمره به علمه، فكيف ينصح هذا العامي؟ كيف يوجهه؟ كيف أو ماذا تتوقع من هذا العامي في انقياده وفي التزامه وبانضباطه بأحكام الشرع إذا كان الموجه هو أول من يتساهل وأول من يتفلت وأول من يبحث عن المخارج ولا يأخذ نفسه بالعزيمة، فالعامي ماذا يفعل بالله عليكم أحبتي؟
إذاً، علينا أن ننظر قبل أن ننظر في علم فلان وما حفظه من المصنفات وما حصله من الشهادات، علينا أن ننظر في صمته وفي هديه وفي عمله، هل هو فعلاً موافق للحال التي رسمها لنا سلفنا الصالح؟ هل هذا الرجل بهديه بعمله، ليس بتنظيره، بعمله وفعله وسلوكياته يصلح لأن يكون في مرتبة القيادة ولأن يكون قدوة للناس؟
إذاً هنا ابن جماعة يرسم لنا معالم واضحة للعالم الرباني الصادق، إنسان يلتزم بشعائر الإسلام وظواهر الأحكام، وظواهر الأحكام الشرعية كإقامته الصلاة في المساجد، إذاً ملتزم بالصلاة في المساجد، إفشاء السلام على الخواص والعوام.
اليوم أحبتي نحن نرى بعض طلبة العلم، بعض من يتصدر للتدريس، نراهم يأنفون من إلقاء السلام على طلبتهم في الجامعات وفي الاكاديميات، البعض إذا نال شهادة دنيوية يظن نفسه ارتقى أن يلقي السلام على طلبتته، ارتقى أن يبتسم في الناس، ثم بعد ذلك يحسب نفسه على خير، أحبتي علينا أن ننتبه إذاً لهذه المسالك.
يا طلبة العلم، يا قادة المستقبل، يا صناع الأجيال غداً حينما تتصدرون للأمة عليكم أن تنتبهوا لهذه المفاصل الأخلاقية التي هي سبب في رفعتكم وفي رفعة أمتكم، وفي إهمالها إهدار لحرمة العلم الشرعي، قضية إفشاء السلام ظاهرة خطيرة، علينا أن ننتبه، هيا أخص طلبة العلم بالحديث أن تسلم على الناس جميعاً.
إياك أن تتكبر، إياك أن تزدري الناس حتى لو رأيته على معصية أو رأيته على خطأ، ألقِ عليه السلام، وجِّه له النصيحة، اجعل الناس يرون طالب العلم العامل، طالب العلم الذي أثمر علمه في حياته أدباً وسمتاً وأخلاقاً وهدياً، ليس طالب العلم الذي يحمل رزمة الكتب يذهب ويعود ثم بعد ذلك ينظر الناس في أخلاقه فإذا القساوة والوجه دائماً عابس والبسمة لا تظهر، ودائماً هناك نوع من التكبر وجفاء في تعامله مع الخلق.
هذه أخلاق لا تصلح لطالب العلم ولا للعالم، فاياك أن تحملها في مسيرتك العلمية، إذاً وإفشاء السلام للخواص والعوام، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى بسبب ذلك، صادعاً بالحق عند السلاطين.
هذه العبارة من ابن جماعة ربما تحتاج إلى وقفة لن أطيل فيها كثيراً، كيف كان يفهم الأئمة العالم العامل؟ هل كانوا يفهمونه بالصورة التي يحاول بعض من ينسب نفسه للعلم اليوم أن يصورها بأن العالم هو ذاك الشخص الخانع للظلمة الذي يذل رقبته لهم ليطؤوا عليها؟ هل العالم عندهم فعلاً هو ذاك الشخص الذي يصعد على المنابر ليفتي بهوى فلان وفلان؟
هل هذا هو العالم الذي يتكلم عنه ابن جماعة؟ هل يتكلم عن العالم الجبان الخاضع الذليل الذي يفتي بما يريد الظالمون؟ هل فعلاً يعني هذه أسئلة في الحقيقة، هل فعلاً العالم عندما يكون صادعاً بالحق صابراً لدين الله سبحانه وتعالى، هل هذا عالم حينما يصدع بالحق أمام الظلمة هل اكتسى بصفات البغاة والخوارج كما يحاول البعض أن يرسم هذه الصورة من أجل حماية عروشهم ومن أجل حماية مناصبهم؟
هل هذا فعلاً هو العالم الذي يتكلم عنه السلف ابن جماعة حينما يتكلم عن العالم الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويصبر على الأذى، ها، لاحظوا كلامه ليس كلامي.
اصبروا على الأذى بسبب ذلك صادعاً بالحق عند السلاطين. هل هذا فعلاً هل استطاع بالحق وإظهار الظلم وإظهار المجرمين وكشف النقاب؟ هل هذا فعلاً هو خروج عن سمت العلم وذهاب إلى مناهج غير مرتضاة في الشريعة الإسلامية ومناهج البغاة والخوارج؟ أبداً، بل كان العلماء لا يعرفون العالم الصادق إلا صدعه أمام الظلام إلا بثباته على دينه، إلا برؤيته أمام الناس يقود الجحافل، ويرونه واقفاً أمام كل ظالم، يرونه صادعاً في وقت الصدع. بحكمة وبتؤدة، لكنه صادع لا يذل، لا يكل، لا يضعف.
ليس العالم الذي يتكلم عنه ابن جماعة والذي يتكلم عنه السلف ذاك الرجل الذي يبيع دينه بعرض من الدنيا بخس. ليس العالم هو الذي يختم ويروج ويصدر ما يريد فلان وفلان. العالم هو العالم الرباني، نسب نفسه إلى الرب، طاعة كل هذه الدنيا من أجل مرضاة الله سبحانه وتعالى. إذن، علينا أن نتفطن أحبتي ولا نكون آآ حمقى، يقول لنا كل شخص لهواه. لماذا أتكلم بهذا الكلام؟ لأن هناك من يحاول أن يصور أن العالم الرباني هو ذاك الشخص الذي لا يهمس، يقول سمعنا وأطعنا دائماً للظالمين. بذاك العالم الخانع الذليل الذي إذا صدع بكلمة وقف أمام وجه الظالمين فقد سلك غير المسالك المرضية عند العلماء، بل مسالك البغاة والألقاب والأسماء التي تلقى جزافاً.
أحبتي، انتبهوا لما يلقى إليكم. انتبهوا آه لما يحاول البعض أن يلقيه في عقولكم وقلوبكم. تعلموا من السلف، تعلموا من ابن جماعة، تعلموا من آه ابن عبد البر، تعلموا من العز بن عبد السلام، تعلموا من ابن تيمية. العز بن عبد السلام، سلطان العلماء، سلطان العلماء ذاك الرجل الذي صدع بالحق أمام المماليك ورفض إمارتهم على بلدان المسلمين حتى يطبق عليهم حكم الله سبحانه، لأنهم كانوا عبيداً، ولا يصلح للحاكم أن يكون عبداً. فطلب أن يبيعوا في الأسواق ثم أن تعتق رقابهم ثم بعد ذلك يتولون.
فحينما أبوا ذلك السلاطين، قرر أن يخرج من ديارهم، فتبعه أهل مصر قائلين له: لا تخرج أيها الإمام ونحن معك، فعاد سلاطين المماليك يحنون رقابهم أمام العز بن عبد السلام. ليلقب من تلك اللحظة بسلطان العلماء. نعم، وسلطان العلماء. وهكذا ينبغي أن يكون كل عالم، ينبغي أن يكون كل عالم سلطاناً في علمه، قائداً عزيزاً لا يدري لا يبيع دينه. صيانة العلم تقتضي منه أن يكون صادعاً بالحق، ثابتاً، رابط الجأش، متحملاً لما يصيبه في سبيل الله، ممتثلاً لقوله تعالى: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ.
نعم يا طالب العلم، أيها العالم العلم له ثمن والدين له ضريبة ستدفع، وضريبته الصبر على ما أصابك هي سنة لله سبحانه وتعالى لا تتبدل. من أراد منهج الاستقامة ومن أراد الوصول إلى درب السلامة لله سبحانه وتعالى، فإن الطريق شائك، هناك بلاء، هناك شدة، ستبتلى، ستؤذى، سترمى، ستقذف، ستتعرض لما تعرض له الأقدمون، ولكن هي السنن. ثم بعد ذلك يأتي الاصطفاء الإلهي.
إن هذه الأمة أحبتي لن تنهض حتى تدفع الثمن، من علمائها ومن طلبتها، من طلبة العلم أقصد قبل أن تدفعهم من دماء الشهداء. نعم، على العلماء وعلى طلبة العلم أن يدفعوا زكاة علمهم، أن يعلموا أن هذا العلم أمانة استودعه الله سبحانه وتعالى في قلوبهم. ولكل شيء ثمنه. أما من أراد أو ظن أن طريق طلب العلم هو طريق مفروش بالورود ونهايته المجالس الفاخرة ونهايته الطلبة الذين يجتمعون ويصفقون ويثنون ويقبلون دون الأيدي والرؤوس ويحاول أن يستشعر هذه المشاهد وهو يطلب العلم ويرنو إلى تحقيق تلك المقاصد ويظن أنه لن يدفع الثمن، أقول قلت له: اعلم أخي الحبيب أنك إذا أرَدْتَ الوصول إلى تلك المناصب من دون أن تحسب في حسابك أنك ستبتلى من أجل لا إله إلا الله، فاعلم أنك ستبيع دينك بلا شك. هذه المناصب لا تسلم لأصحابها إلا في عادة الناس في عادة الناس ولا أعمم إلا ببيع الأديان بثمن بخس.
السؤدد في الدين ونيل الإمامة ربطها الله عز وجل بشرطين: بالصبر واليقين، وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا، هي السنن، وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ. فالإمامة في الدين لا تنال إلا بالصبر واليقين. الصبر على الشدائد والأهوال واليقين بوعد الله سبحانه وتعالى وأن الله ناصر عبيده وأن المستقبل لهذا الدين. وأما الإامامة الزائفة التي يحسبها البعض لبعض اللحى المأجورة ولبعض الكراسي الرائجة اليوم في أماكن متعددة من بقاع الأرض، هذه إمامة زائفة ستزول عما قريب وسينقلب السحر على الساحر. ستزول تلك اللحى وتلك المناصب وسيعرون إن لم يكن في الدنيا ففي الموقف المهول عند الله سبحانه وتعالى.
إذاً هي الضريبة، ضريبة الإمامة في الدين، ضريبة العالمية هي الصبر على ما أصابك واليقين بوعد الله سبحانه وتعالى، والثمن عند الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر. لذلك قالوا: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ.
ثم قال: وما كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء عليه منهج الأنبياء. اليس العلماء هم ورثة الأنبياء؟ هل أنهم سالتون من الأنبياء فقط السؤدد والعزة والمكانة العالية؟ ولن يرثوا من الأنبياء الصبر في سبيل الله والأذى وما أصاب الأنبياء. منهج مضطرد، تريد السؤدد عند الله؟ تريد العزة عند الله؟ عليك أن تصبر وأن تتحمل لما ستواجهه في طريقك. إذاً، وما كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء عليه من الصبر على الأذى وما كانوا يتحملونه في الله تعالى حتى كانت لهم العقبى.
الإنسان الصادق مع ربه سبحانه وتعالى لا يحزن على ما أصابه أحبتي بباب الرباح الذي كان يلقى في بطحاء مكة ويلقى عليه الصخر ويردد: أحد أحد، ما عنده شيء غير ذلك يردده. عجبا، ما الذي جعله يبتسم في تلك اللحظات وهو يعاني من تلك الآلام؟ خباب بن الأرت ما الذي جعله يبتسم ويثبت وهو يصهر ظهره حتى لا تنطفئ نار ظهره إلا من ودته؟ ما الذي جعل هؤلاء يثبتون ويبتسمون لولا أن هذا الأذى الذي يتحملونه في ذات الله سبحانه وتعالى ممزوج بلذة الانتصار على النفس والانتصار على الهوى؟
فالله سبحانه وتعالى تكفل أن كل من أوى إلى جنبه ونصر شرعته وبذل جهده من أجله سبحانه وتعالى فقد تكفل الله بأن يرزقه سعادة القلب في الدنيا وأن يحيا في هذه الدنيا بجنة، ليست الجنة في الدنيا هي المناصب والأموال وآآ الترف المادي، وإنما هي جنة القلب. سعادة القلب هي جنة، من لم يذقها كما قال سلفنا رحمة الله عليهم لم يذق جنة الآخرة.
لذلك أحبتي البعض ربما حين يسمع أن طريق العلم وطريق العلماء مشوبة بالصبر والثبات والأذى، يعني نفسه تندهش من هذا، وربما يصيب شيء من الخوف والوجل، لكن لكل سعادة ثمنها. من أراد المراتب العليا عند الله سبحانه ومن أراد رفقة الأنبياء في الملأ الأعلى وفي الفردوس الأعلى، من أراد أن يكون قرب ربنا سبحانه وتعالى في الفردوس الأعلى تحت العرش في جنة الفردوس، عليه أن يعرف أن هذا لا ينال بالنوم ولا ينال بالراحة في هذه الحياة، وإنما ينال ببذل المهج والأرواح وبذل الجهد والأوقات في مرضاة رب الأرض والسماوات سبحانه وتعالى.
ثم قال بعد ذلك ابن جماعة: وكذلك القيام من الأمور التي ينبغي أن تكون في سمت العالم وفي هديه. قال: وكذلك القيام بإظهار السنن وإخمال البدع، وفي نسخة: وأخماد، نسخة باللام ونسخة بالدال والكل صحيح. وإخمال البدع وأن يخمدها أيضاً وأن في إنارها. فالعالم وظيفته أيضاً أحبتي أن يشهر السنن في الأرض، السنن ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعون والسلف الصالح رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
العالم يظهر سننهم، يثبت عليها ويسعى في إخمالنا لكل بدعة، رد عليها في كشف عوارها، في بيان زيفها، في البعد عن أهلها، في التحذير منهم. هكذا هو دور العالم كما يفهمه السلف رحمة الله تعالى عليهم، وليس العالم هو الذي يسعى إلى تقريب وجهات نظر الجميع حينما تكون متناقضة. هذه الأفكار أتت في ذهني، أن البعض اليوم يسعى لإظهار أن كل الطرق العقارية هدية صحيحة.
المعتزلة على صحة وأهل السنة على صحة ومعطلة الصفات وجهة نظر لا إشكال فيها، ولماذا نفرق ولماذا نفرق؟ لا، أحبتي، العالم الصادق يحيي السنة وما كان عليه الصحابة والتابعون، لا يهمه من خالفه من الفرق، فليس لأننا نسعى لإحياء الأمة وإعادة نهضتها من جديد نجعل المسائل الشرعية بائعة، ونجعل البدعة كأنها سنة، والسنة كأنها بدعة، ونخلط الأوراق، ونحاول أن نُظهر أن الكل في اجتهاده في مسائل الاعتقاد على خير.
أبداً المصيب واحد، وهناك مناهج مخالفة لمنهج محمد صلى الله عليه وسلم منذ أن تفرقت الأمة، حاول أن تجتمع، ما لا أن تجمع ما لا يمكن جمعه هذا خطأ، منهج خاطئ ليس منهج العلماء الذين يحاولون إظهار أن كل أعمال الفرق والطوائف كلها على صواب وعلى خير ويحسبون أنهم يححسنون صنعاً بل هذا هو الضلال بذاته.
أحبتي، فرق بين حسن الخلق وبين إنصاف الخصم وبين السعي إلى بناء الأمة من جديد والاجتماع حول الكليات، وبين أن يبقى منهج أهل السنة واضحاً نقياً من البدع، فنحن نرد على كل من أخطأ في الاعتقاد ونبيّن زيف اعتقاده وخطأه في النهج في الأصل والفرع، ولكن لا يحملنا ردنا عليهم وبيان زيف مناهجهم لا يحملنا ذلك على سوء معاملتهم وعلى إثارة الشحناء والبغضاء بين أبناء المجتمع المسلم.
نحن نتمنى الخير، نتمنى أن يعودوا إلى دوحة أهل السنة والجماعة، وأن نتوحد جميعاً على وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا، نتمنى ذلك من كل قلوبنا ولكن هي السنن، هي السنن ولا يزالون مختلفين، لا نستطيع أن نلغي هذا الخلاف لأنه أمر كتب على الأمة، لكننا كيف نقف من هذا الخلاف؟ الوقفة المعتدلة الهادئة أننا نبين الصواب على ما هو عليه ولا نميعه، ونخمد البدع ونبين زيفها ونبين باطلها وما بنيت عليه، ولكننا حينما نتعامل مع أهل البدع ومع المخالفين فإننا نتعامل بالرحمة والحرص ونحاول أن نأخذ بهم كما قلنا إلى واحة أهل السنة، لا نعاملهم بالقسوة.
لا نتبرأ منهم، والله إن بعض طلبة العلم ليتبرأ من أخيه المخالف له في نهجه ولا يتبرأ من اليهود والنصارى! تجد حقده على أخيه المخالف له في النهج الاعتقادي -وإن كانوا جميعاً ضمن دائرة الإسلام- أشد من حقده على المخالفين للديانة والمحاربين للإسلام، وهذا خلل في الرؤية وفساد في القلب.
ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه حينما قيل له إن أحد الذين كانوا يناصبونك العداء قد مات، أتاه أحد تلاميذه يقول له إن أحد الذين كانوا يناصبونك العداء مات، هذا التلميذ جاء فرحاً لابن تيمية يبشر يظن أن ابن تيمية سيستبشر ويهش له وينبسط أنه فلان مات الحمد لله، قاتله لماذا أنت في هذا الانبساط؟ ثم قام ابن تيمية رحمة الله عليه من وقته ومن حينه وذهب إلى أهل ذاك الرجل الذي توفاه الله وكان مخالفا لابن تيمية وكان ممن سعى في إيذائه.
لكن هنا تأتي القلوب النقية الطاهرة، ذهب إلى أهله وقال لهم أولاً ترحم على هذا الرجل وعزاهم بمصيبتهم وأخبرهم أنه يحل محله فما أردتم من متاع الدنيا أو من حوائج أنا أقضيها لكم عنه، انظروا إلى قمة الأخلاق، هل ابن تيمية ذهب في عقيدة المخالفين له؟ بين عقيدته بكل وضوح وكان شديداً على مخالِفه.
لكن حينما تأتي الأخلاق والآداب وحينما يأتي ثمرة العلم والإنصاف وحينما يظهر العالم الذي لا يطلب الخصومة ولا يطلب النزاع ولا يطلب أن ينتصر على فلان وإنما يطلب وجه الله، هنا تظهر الأخلاق الفاضلة وتظهر المناهج الصحيحة، منهج الأخلاق والسلوك الراقي الرائع مع المخالف، لا أبغضه ولا أعامله معاملة اليهود والنصارى، بل أتمنا له الخير وأنصحه وأقف معه وإذا وقع في مصيبة فأنا أسنده فهو أخي المسلم، لكن حينما يأتي وقت إظهار السنن والبدع فهذا أمر آخر.
أظن أن يعني الفكرة وضحت لديكم في المنهج الذي ينبغي أن يكون عليه أهل هذه الملة المحمدية، لذلك قال: وكذلك القيام بإظهار السنن وإخماد البدع، والقيام لله تعالى في أمور الدين وما فيه مصالح المسلمين على الطريق المشروع والمسلك المطبوع مجتهداً ولا يرضى من أفعاله الظاهرة والباطنة بالجائز منها، بل يأخذ نفسه بأحسنها وأكملها، فإن العلماء هم قدوة واليهم المرجوع في الأحكام وهم حجة الله تعالى على العوام، وقد يراقبهم للأخذ عنهم من لا ينظرون ويقتدي بهديهم من لا يعلمون، وإذا لم ينتفع العالم بعلمه فغيره أبعد عن الانتفاع به، كما قال الشافعي رضي الله عنه: ليس العلم ما حُفظ، العلم ما نفع، ولهذا عظمت زلة العالم لما يترتب عليها من المفاسد لاقتداء الناس به.
في هذا المقطع أحبتي أيضاً ابن جماعة يتكلم عن أمر مهم، وهي أن العالم عليه ألا يتوسع في المباحات، عليه ألا يتوسع في المباحات، حتى لو كانت هناك أمور جائزة وفيها سعة والعالم يرى ذلك، على العالم أن يدرك أنه ليس كالعامي، على العالم وعلى طالب العلم المتصدر عليه أن يدرك أن مقياسه الذي نقيسه به ليس هو المقياس والمعيار الذي تقيس به عوام الناس، عوام الناس يصلح منهم التوسع في المباحات والأخذ ببعض بما فيه الشبهات لأنهم عوام، فالاحتياط في حقهم ضعيف.
وأما العالم فعليه أن يحتاط، العالم كما قال ابن جماعة لا يأخذ بالمباح السهل، وإنما يأخذ بالأشد وبالأغلى، نعم يتعب قليلاً على نفسه يأخذ بالأشد وبالأكثر ولا يترخص كما يترخص العوام في الأمور، لماذا؟ لما قاله ابن جماعة لأن العالم هو محط القدوة والناس ينظرون إليه، إذا كان العامي ينظر إلى العالم فيجد العالم توسع في المباحات والمجالس والمآكل والمشارب ومتاع الحياة الدنيا، فالعامي سينظر إلى الدين بنظرة مختلفة، يقول: والله هذا الدين الذي يدعو إليه هذا العالم دين يدعو إلى التوسع والأخذ بما أشاء من المباحات، والعامي لا يوجد عنده ضابط، هذه المشكلة.
يعني العالم لو توسع في المباحات ربما يعجزه علمه عن الوقوع في دائرة المحرمات، لكن العامي مشكلته أصعب، العامي إذا توسع في المباحات لا تستطيع أن تكبح جماحه عن الوقوع في دائرة المحرمات، لأن الأمور عنده ليست بتلك الوضوح كما هي لدى العالم، لذلك ابن جماعة في الحقيقة هنا أرشد إلى خلق مهم جداً وإلى مسلك ينبغي أن يقتدي به كل عالم، انظروا ماذا قال: ولا يرضى من أفعاله الظاهرة والباطنة بالجائز، يعني العالم لا تكتفي بالجواز.
إذا كان هناك أمر مثلاً مندوب وليس واجباً عليك أن تحسبه على نفسك واجباً، تتعامل معه كأنه واجب عليك وإن كان مندوباً، لماذا؟ حتى يرى العوام حرصك على فعل المندوبات، بعض الناس أحبتي، بعض الدعاة، بعض الشيوخ يترك المندوبات ويترك السنن، يترك إطلاق اللحية والالتزام بهدي السلف في سمته، فإذا قلت له لماذا تفعل ذلك؟ يقول لك: إن إطلاق اللحية مندوب.
الآن أحبتي أنا لن أناقش هل فعلا هناك من قال بقول معتبر معتمد، وإن كان هو جاد الشافعية ندبية إطلاق اللحية ووجه قوي عند الشافعية قد يكون هو الأقوى عندهم، آآ لكنني أناقش في قضية أخرى وهي إذا كانت إطلاق اللحية أو الالتزام بالهدي الظاهر مندوباً، هل هذا يعني أيها العالم أن تكون أول من يتفلت من هذا؟ هذا هو السؤال.
يعني بعض الناس لما يأتي يناقشنا، بعض الأخوات تناقش: غطاء الوجه واجب أو مندوب؟ هناك خلاف، تمام، اعتبره مندوب ما في مشكلة، إطلاق اللحية واجب أو مندوب؟ تنزلاً اعتبره مندوب، هل معنى أنه القضية مندوبة أيها العالم أيتها الداعية؟ هل معناه أني أنا كشخص أول من يتفلت من المندوبات؟ خلاص يعني مندوب جاء الفرج! هكذا هي العقلية التي ينبغي أن تتعامل بها أيها العالم بل أيها المسلم.
ما أحكام شرعك حينما تعلم أن هذا الأمر مندوب؟ يعني أن الله يحبه ويرضى عنه ويثيبك عليه ولا توجد فيك مضرة لو فعلته، ايش المشكلة أنك تمتثل للمندوبات؟ الحقيقة أحبتي من ينظر في منهج الصحابة والتعامل مع أحكامه وأوامر النبي صلى الله عليه وسلم لا يرى في نساء الصحابة، في نساء الأنصار، وفي المهاجرين والأنصار، شباباً وشيباً، لن يرى فيهم هذا المنهج الذي نتعامل به نحن اليوم مع.
أحكام الشريعة، نحن اليوم تجد الطالب أو العامي أو المسلم يحس يعرف هو هذا واجب ولا مندوب يا شيخ؟ إذا عرف أنه مندوب انتهى الأمر الحمد لله الفرج. وهذا لم يكن معروفا عندهم، كانوا يسمعون الأوامر من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة ينتظرون يمتثلون بها، ويطبقونها من دون أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طبيعة هذا الحكم هل هو على الوجوب أو على الندب؟
إلا في دقائق معينة اضطر إليها بعضهم في ثنايا الحياة، لكن الأصل أن الكل الأوامر تتلقى بالتسليم والقبول والعمل مباشرة من دون نقاش، واجب أو ما شابه ذلك هذا أمر لا يهمك، المهم أنه أمر إلهي. الآن فعلا العالم يحتاج أن يبين للناس أحيانا مراتب الأمور حتى لا يتأثم البعض أو يظن أنه وقع في حرام إذا ترك بعض المندوبات.
لكن أنا أقصد منهج التلقي خاصة خاصة عند العلماء والدعاة اليوم، كل عالم عرف أن شيئا مندوبا أو كل داعية يعني عرف أن شيء مندوب وليس واجب هو أول من يتفلت منه. بالله عليكم ارحموا هذا العلم أحبتي، أيها الدعاة أيها العلماء حتى لو اعتقدتم ندية بعض الأمور، حتى لو اعتقدتم أنها على الإباحة.
لكن خذوا بالأشد، علموا الناس أنه إذا كان مندوبا فهذا لا يعني التفلت بل يعني التمسك، لا يعني التفلت بل يعني التمسك والحرص والاقتداء بهدي محمد صلى الله عليه وسلم. لماذا نسعى إلى تمييع الدين؟ لماذا نسعى إلى إظهار أن المندوبات هي أمور روحانية فقط على هامش حياة المسلم؟
لماذا لا نعتبرها هي الخادمة للواجبات؟ كما ذكر ذلك الشاطبي في الموافقات أن المندوبات لها دور كبير في المحافظة الواجبات، وأن ترك المندوبات بالكلية هو داخل ضمن دائرة المحرمات. فإذا على العالم أن ينتبه في سلوكه في تطبيقه. انظروا ماذا قال ابن جماعة، لماذا يجب على العالم أن يأخذ بالأشد والاحوط؟
قال: فإن العلماء هم القدوة وإليهم المرجع في الأحكام، وهم حجة الله على العوام. أنتم أيها حجة الله على العوام، العوام ينظرون إليكم يأخذون منكم مناهج التشريع. قال: وقد يراقبهم يعني العلماء يراقبهم أهل للاخذ عنهم من لا ينظرون.
إيش يعني من لا ينظرون؟ يقصد أهل العوام الذين ليس لهم أهلية النظر في الأحكام، ولا معرفة العلوم الشرعية، هذا معنى من لا ينظرون أي ليس لديهم أهلية النظر واستنباط الأحكام ومعرفة منهج السداد منهج محمد صلى الله عليه وسلم. فالعامية يا عمي هناك حداد وهناك نجار وهناك طبيب وهناك مهندس، وهؤلاء انشغلوا بعلومهم، وفي حياتهم الشرعية ينظرون إلى إلى العلماء ليستنبطوا وليأخذوا من هؤلاء العلماء منهج الرشاد.
فهؤلاء ليسوا أهل نظر في الشريعة، فالعالم يجب عليه أن يكون متينا في ديانته، متينا في تمسكه حتى حينما ينظر إليه وينظر إليه العوام ليتلقوا منه منهج السداد يرونه ذلك العالم المتمسك بهدي السلف العالم العامل. إذا جاءه أمر من محمد صلى الله عليه وسلم لا يناقش هو واجب أو مندوب، يعرف ذلك ويعرف المراتب لكن لا يناقش في العمل، يعمل بكل أمور الشريعة ما استطاع إليها سبيلا.
لذلك قال: ويقتدي بهدي من لا يعلمون عوام الناس والجهال يقتدون بهدي العلماء. وإذا لم ينتفع العالم بعلمه فغيره من العوام أبعد من عن الانتفاع به، وهذا شيء طبيعي، كما قلت لكم إذا كان العالم هو الذي أول من لا يعمل بعلمه فماذا يفعل العامي؟
لذلك حينما جاء في الحديث: أن يلقى الرجل في النار فتندلق أقطاب بطنه أي أمعاؤه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى علي أهل النار، فيقولون: يا فلان أست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى، كنت آمركم بالمعروف ولا آتي نهاكم عن المنكر وأتيه. فهي مصيبة المصائب اليوم حينما يكون الداعية والعالم هو أبعد الناس عن العمل بعلمه، وأن يكون همه الاستكثار من الجمهور والتصفيق واجتماع الناس حوله وأن تظهر مصنفاته وأن يرفع اسمه وأن تكون الشعارات دائما باسم فلان يحمدون ويثنون.
ثم بعد ذلك أين العمل؟ فإذا العمل بعيد بعيد بعيد عنه. هذه هي الخسارة التي ما بعدها خسارة، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا. هذه الآية اياكم أن تظنوا أنها تتعلق باليهود والنصارى فقط.
علي بن أبي طالب طبقها على الحرورية الخوارج، ونحن نطبقها على كل إنسان تزين بزينة العلم وهو لا يعمل بعلمه، فهو ممن ضل سعيه في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. هذه الآية خطيرة فكر بها قد تكون أنت واحد منهم وأكون أنا واحدا منهم، لا تظن يعني بعض الناس عندما يتعامل مع الآيات القرآنية الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا هذه لا تتكلم عن اليهود والنصارى وكأنه ليس مخاطبا بها ولا مشغولا بها، انتبه قد تكون أحد هؤلاء الناس.
نسأل الله حسن الختام وأن يجعلنا ممن يعملون بعلمهم. والله أحبتي أعجبتني في تلك الفترة كنت أقرأ شيئا عن الإمام أحمد بن حنبل حين وفاته قيل له: يا إمام من نسأل بعدك في الفتيا؟ فقال: اسألوا أيوب تقال أيوب هذا رجل قليل العلم.
قال الإمام أحمد بن حنبل: ولكنه رجل صالح يرجى أن يصيب. انظروا إلى نظرة الإمام أحمد ابن حنبل، الإمام أحمد هو الآن في سكراته واقترب منه وفاته فيسألونه من نسأل بعدك في العلم وإلى من توجهنا في مسائل الشرع؟ فأرشدهم إلى رجل ربما ليس سيد الزمان بالعلم وليس مستكثرا من العلم ولكنه كان صالحا، كان عاملا بعلمه ولو كان قليلا.
فالإمام أحمد بنظرته الثاقبة قال: ذاك رجل صالح عنده علم نعم ليس بكثير كما تظنون، لكنه يعمل بعلمه فيرجى أن يوفقه الله للإصابة. فهذا الإمام أحمد بن حنبل يرسم لنا منهجا بهذه الكلمة وهي أن ليست القضية أن تكون تحفظ الآلاف المؤلفة وأن تكون كل السنن في ذهنك وفي عقلك، إذا لم تكن عاملا بعلمك لن ينفعك شيء، هذه هي الرسالة التي أراد أن يوصلها أحمد ابن حنبل، رجل قليل العلم لكنه عامل أفضل بكثير من رجل كثير العلم ولكنه بطال.
قال الشافعي: ليس العلم ما حفظ، العلم ما نفع، وهذا مر معنا كثيرا الأثر. قال: ولهذا عظمت زلة العالم لما يترتب عليها من المفاسد لاقتداء الناس به. يعني المصيبة الأعظم أن العالم يعمل للمحرمات، أن العالم يتهاون في شعائر الإسلام ويستهزئ بها ويستهزأ بالسنن ويقلل من شأنها.
يعني كنا قبل قليل نتكلم عن العالم الذي في ترك المندوبات فقلنا أن هذا لا يصلح، فما بالك بعالم يفعل المحرمات؟ ما بالك بعالم ينظر إلى النساء ولا يغض بصره ويفعل المحرمات ويبيع دينه؟ فزلته شديدة وحسابه عسير، لأن العالم كما أن نفعه يتعدى إلى غيره فإن زلته وضرره يتعدى إلى غيره.
ألم نقل العالم نفعه يتعدى إلى غيره لذلك فضل على العابد؟ لكن في النظرة الأخرى ضرره أيضا يتعدى إلى غيره إذا أخطأ. لأن العامي ينظر يقول لك الشيخ فلان يفعل هذا الأمر لماذا نحن لا نفعل صح؟ أليس هذا ديدن العوام؟ الشيخ الفلاني رأيته يفعل هذا فلماذا نحن لا نفعل مثله؟
إذا أحذر أيها العالم زلتك قد تكون سبب في هلاكك وفي هلاك الأمة معك. ثم قال بعد ذلك، السابع: الأدب السابع أن يحافظ على المندوبات الشرعية القولية والفعلية، أن يلازم تلاوة القرآن وذكر الله تعالى بالقلب واللسان، وكذلك ما ورد من الدعوات والأذكار في آناء الليل والنهار، ومن نوافل العبادات من الصلاة والصيام وحج البيت الحرام والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
هات الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام إلى آخر دعها بعد ذلك، دعونا ننظر في بداية هذا المقطع. الأدب السابق أن يحافظ على المندوبات الشرعية، قضية المحافظة على المندوبات أنه يكررها ابن جماعة أكثر من مرة. وفي الحقيقة أنا أجد هذه القضية مهمة جدا ومنهجية في حياتي، ليس العالم فقط طالب العلم، أذكر أن أحد طلبة العلم أتاني في يوم من الأيام وسألني عن منهج وأن أضع له خطة في طلب العلم الشرعي يسير عليها.
فاخذت في السيارة وجلنا انا واياه في الطرقات قليلا. تحدثنا عن العلم وعن مناهج الطلب. ثم بعد ذلك احبتي وقفنا في مسجد من المساجد نزلنا كانت صلاة الظهر نزلنا واقيمت صلاة الظهر.
بعدها انتهينا من صلاة الظهر جماعة مع الامام كما يفعل طلبة العلم وككما يفعل عوام الناس وكما يفعل اي مسلم. قمت لاداء السنة الراتبة فرأيت هذا الطالب الذي جاء يسألني عن مناهج التلقي لم يصلي السنة الراتبة.
فوقع في قلبي ان هذا الطالب ليس حريصا على السنن. فبعد ان انتهيت من السنة الراتبة وصعدنا في الدابة من جديد ليوصله الى مقصده سألته وقلت له اتيت تسألوني عن مناهج الطلب.
فاسألك سؤالا قبل ان تسألني عن مناهج الطلب وعن الخطة العلمية لطالب العلم وماذا ابدأ والتحق باي دورة وماذا ولا احفظ الفية ابن مالك او كذا قبل ان تسألني عن المتون وعن المحفوظات.
اسألك عن النوافل هل تحافظ عليها؟ عن السنن الراتبة لا اريد اكثر من ذلك فكان صادقا. قال والله يا شيخ في الحقيقة انا لست لا التزم بها ولا اصلي السنن الرواتب الا في القليل.
فقلت له اذا هذا خطأ منهجي. عليك ان عليك ان تتداركه في بداية طريقك. ليس الامر ان تحفظ الفية ابن مالك او الكوكب الساطع او عقود الجمان او الفية الدرة. ليس الامر ان تحفظ آآ هذا الكتاب او هذا الكتاب او تقدم.
هذا وهذا. هذه الخطط تأتي ان شاء الله امر هين. لكن آآ الامر كل الامر ان تحافظ وان تتمسك بدينك. ان تطالب علم لا تحافظ على السنن الرواتب الان في امور قد تصعب علينا وقد تثقل علينا كقيام الليل اه كالمثلا البعض يثقل عليه المحافظة على الاوراد قد.
يثقل عليه كذا وكذا من العبادات النوافل. لكن هناك نوافل انا اسميها الخط الاول من النوافل الخط الاول الرواتب المؤكدات التي لا يقبل لطالب العلم ان يزهد بها. لذلك عندنا في مذهب الحنابلة رحمة الله تعالى عليهم اذا كان الشخص لا يحافظ على السنن الرواتب فهو ساقط العدالة. لا تقبل شهادته في.
انظروا الى اين نتكلم؟ الذي لا يحافظ عصرنا الرواتب ساقط العدالة. لا يقبل عند العلماء في الشهادة امام القضاء. ونحن اليوم لا نتكلم عن شخص ساقط العدالة نتكلم عن طلبة علم لا لا يحرصون على السنن الرواتب.
فابن جماعة هنا يقول العالم ومن يتصدر. طبعا المشكلة تصبح اصعب واصعب واكثر تعقيدا حينما يكون الذي لا يحرص على السنن هو العالم والداعية المتصدر. حينما يكون هذا الشخص هو الذي يزد بالسنن الرواتب اصول السنن.
فماذا يفعل باقي الناس؟ فاذا هذه مسالك منهجية عميقة يرسخها ابن جماعة علينا ان نتفطن. عليه ان يحافظ على المندوبات القولية والفعلية. ليلازم تلاوة القرآن هناك ورد يومي في تلاوة القرآن للعالم. لا تظن يا طالب العلم ان انشغالك بحضور الدورات وحفظ المنظومات يعني اه مبرر.
في تلاوة القرآن والتدبر والتأثر. هذا منهج فاسد. بعض طلبة العلم يتركوا حفظ القرآن ويذهب بحفظ المنظومات. هذا شر الشرور ان يصرفك الله عن حفظ كتابه وان يشغلك بحفظ كلام البشر. حتى ولو كانت منظومات لمن ما كانت.
كلام الله هو اول ما يحفظ. هو اولى ما يهتم به طالب العلم. اما طالب علم منصرف عن حفظ كتاب الله ومنشغل بالمنظومات. هذا نور وخذلان اذا لم ينتبه له طالب العلم يخشى ان ينكر به. فانتبه يا طالب العلم. قال لك ملازمة تلاوة القرآن ذكر الله سبحانه بالقلب.
واللسان ليس فقط باللسان بالقلب استحضار وانت تذكر الله سبحانه وتعالى. وكذلك ما ورد من الدعوات المحافظة على الاوراد. اذكار الصباح اذكار المساء يا طالب العلم عليك ان تحافظ على صلاة الفجر في المساجد. عليك ان تحافظ على الجلوس بعد صلاة الفجر تذكر اذكار الصباح اذكار الصلوات.
تحاول قدر الامكان الجلوس للشروق. تلك الساعات الصافية النقية الطاهرة فيها صفاء وسحر يضفي على قلبك روحا ويعطيك نسمات ويحلق بقلبك الى الملأ الاعلى. تلك الساعات لا يقبل منك ان تضيعها.
ساعات الجلوس الى الشروق هذه ساعات جوهرية في حياة طالب العلم. تذكر فيه اذكار الصباح بهدوء وتركيز. ثم بعد ذلك ايضا بعد العصر او بعد المغرب على خلاف بين اهل العلم. تبدأ تذكر اذكار المساء المحافظة على اذكار الصباح على اذكار المساء على اذكار الصلوات على ادعية دخول المسجد.
مسجد الخروج من المسجد دخول المنزل الخروج ركوب الدابة النزول اذكار. هذه الاذكار هي التي تجعلك تحيا دائما مع الله. وهذا الامر احبتي انا لا اخاطب فيه طالب العلم فليخاطب فيه المسلم.
فنخاطب به المسلم احبتي. والله احبتي ان مما يحزنني ان اجد العوام لبعض الناس اه الذين لا انشغال لهم بالعلم عندهم حرص على المندوبات وعندهم حرص على الاذكار وعندهم حرص على قيام الليل وعندهم حرص على تلاوة القرآن اكثر من طلبة العلم ومن العلماء والدعاة.
هذا شيء محزن ومبكي. علينا ان ننتبه احبتي الى هذا الامر ان يكون بعض العوام طلبة ومن لا اشتغال له بالعلم هم اكثر عبادة وحرصا على المندوبات من طالب العلم ومن المتصدرين. هذه مشكلة منهجية.
نحن الان نتعامل مع فوارق. اذا اصبح هناك فرق. هناك عالم لا علاقة له بالمندوبات وطالب علم لا انشغال له بامور العمل. وهناك عابد من العوام لا انشغال له بالعلم ابدا. هذه مفارقات تسبب فجوة في حياة الامة. اذا يا طالب العلم لا يعني انك طالب للعلم.
انني معذور سقطت عني النوافل باسرها. احمد ابن حنبل يقول اه هل يوجد طالب علم لا يقوم الليل؟ اطالب حديث؟ ربما نسيت عبارة بنصها. هل وجدت الطالب مستنكرا مستفهما مستفهما وكأن احدا الذين زاروه في ليلة من الليالي وضع له احمد بن حنبل وعاء ليتوضأ به فلما جاء الصباح وجد.
لم يتغير ولم ينقص منه. فعرف ان هذا الرجل لم يقم الليل ولم يصلي. فقال هل يوجد طالب علم لا يقوم الليل؟ هناك نوع من الاستفهام والاستنكار. يعني كانه يتكلم عن قضية محسومة.
ونحن اليوم نتكلم بالعكس. هل يوجد طالب علم يقوم الليل؟ هل يوجد طالب علم؟ يقوم الليل. نحن سؤالنا هل يوجد فعلا؟ اه فلان طالب علم يقوم الليل اذا هذا من سارق.
الاولياء قديما كانت قضية محسومة. لطالب علم لا يقوم الليل مشكلة. يعني انظروا كيف تختلف المفاهيم من زمن الى عصر. نسأل الله ان يعيننا على الطاعة. نعم احبتي نحن لا نريد المثالية واقول لكم كلاما مثاليا لكن نريد المجاهدة.
ان تضع في نية قيام الليل ان تجاهد نفسك ان يكون هناك محاولة لتطوير النفس في العلاقة مع الله سبحانه وتعالى. نعم تخبو احيانا تصيب احيانا لكن تبقى المحاولة قائمة. اما ان.
تماما عن العمل لله وتشعر او تشغل نفسك فقط بالعلم فاياك اياك فهذا كما قال الذهبي هو نوعك كسل. بعض طلبة العلم يتكلم في السير يقول بعض طلبة العلم يبرر تركه للمندوبات وللشرائع اه الالتزام بشعائر الاسلام انني مشغول بالعلم. قال.
هذا هو العجز والكسل ان يقنعك الشيطان ان انشغالك بالعلم عذر لك في ترك المندوبات والحرص عليها. هذا عجز وكسل اياك ان تبرر لنفسك به شيئا من التقصير. ثم اه تكلمت عن قضية حقيقة احبها وادبية جدا في حياة طالب العلم وهي ان يحرص.
العالم والمتصدر للتأنيب على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. وحينما يذكر محمد صلى الله عليه وسلم تمتلئ القلوب بهجة وتسر الارواح المؤمنة لانها تتصل الان بسيد ولد ادم. تتكلم عن افضل بشر.
تتكلم عن اكمل بشر عن محمد صلى الله عليه وسلم. حينما نتكلم عن نهجه فنحن نتكلم عمن رسم لنا درب السعادة. وخط لنا معالم النجاح والفلاح. محمد صلى الله عليه وسلم مهما ذكرت في تمجيده وتعظيمه وتفخيمه وبيان قدره فان الكلمات.
عن بيان ذاك القدر العظيم وعن بيان المحل الذي وصله بابي هو وامي صلوات ربي وسلامه عليه. فهو اكرم من وطأ الثرى. اكرم من الله على هذه البسيطة! انت تتكلم عن محمد صلى الله عليه وسلم بكل ما تشمله سيرته العطرة من بلاء.
وتضحية وبذل وحرص وشفقة ورحمة بكل ما حمله من سعادة للعالمين ورحمة للبشر أجمعين هو محمد صلى الله عليه وسلم. حينما تتذكر هذا الاسم اجعل دائما ديدنك وعقلك وفكرك وروحك وأعضائك تتوجه حبا وتعظيما.
واجعل رقبتك تتطأطأ له احتراما وإجلالا وتفخيما. نعم هو محمد صلى الله عليه وسلم من ربانا وعلمنا وأدبنا، ولولاه ولولا أن الله سبحانه أرسله إلينا لينقذنا لكنا في عمى وفيتية، ولكن الله سبحانه جعله سببا ينقذنا ويخرجنا من الظلمات إلى النور. وربنا هو الذي أوجب علينا أن نعظمه وأن نوقره، وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ. نعم ربنا سبحانه وتعالى أمرنا بتعظيمه واحترامه وتبجيله، ونحن نوقن بذلك أنه صلى الله عليه وسلم يستحق منا كل الثناء، كل الحب، كل الاحترام، كل الشكر، كل التقدير لما أسداه إلينا وإلى البشرية وإلى الأرض من معروف إلى قيام الساعة.
كيف يكون أدب طالب العلم مع محمد صلى الله عليه وسلم؟ كيف يكون أدب العالم مع محمد صلى الله عليه وسلم؟ هذا العالم هو الذي يناقش ما يليه عن محمد صلى الله عليه وسلم ويبدأ يرده بعقله؟ وهل هذا هو العالم؟ هل العالم هو الذي يقل أدبه ويرفع صوته على سنة محمد صلى الله عليه وسلم؟
كان السلف حينما يذكر حديث محمد صلى الله عليه وسلم كأن على رؤوسهم الطير إجلالا لحضرته صلوات ربي وسلامه عليه. وأما اليوم نرى المعتزلة الجدد وأفراخهم، نرى كل من يحارب هذه الشريعة ولو كانوا بأسماء وشهادات شرعية يرفعون أصواتهم على الحديث النبوي، على قول محمد صلى الله عليه وسلم بحجة أن الحديث لا يوافق عقولهم. وبعضهم يقول لك: لا تتهمني أني أرفع صوتي على محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما أنا أشك في ثبات الخبر عنه، وإذا التزمت أنه ثابت عنه لقلت به.
أخي الحبيب، اعلم يا من تطعن في سنة محمد صلى الله عليه وسلم ويا من ترد الأحاديث الصحيحة بهواك، اعلم أن هذه الشريعة وهذه الأحاديث حفظها الله سبحانه وتعالى وسخر لها عبر الأجيال أئمة عظماء حملوها جيلا بعد جيل، إن الله سبحانه متكفل بحفظ شريعته. نعم دخل الوضع ودخلت الأحاديث الضعيفة، ولكن الله في كل زمن يسخر أئمة عدولا ينفون تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، يبينون الصحيح من الضعيف والصادق من الكاذب، يبينون الحديث الذي صح عن رسول الله.
والله إن الأحاديث الصحيحة لترى فيها النور يشرق منها، وإن الأحاديث الضعيفة الموضوعة لترى فيها الظلام ينبعث منها، فإياك أن تظن أن ذلك يخفى، ولكننا طبعا أصحاب القلوب المريضة الذين فضلوا عقولهم على ما أتى به البخاري ومسلم وما صنفه أبو داود والنسائي والترمذي بحجة أنها أحاديث لا ترتقي إلى ما ترتقي إليه عقولهم من الحجج القاطعة، وهذا هو الوهم وهذا هو الضلال وهذا هو الزيغ وهذه هي قلة الأدب مع محمد صلى الله عليه وسلم ومع من حمل ورثة محمد صلى الله عليه وسلم من العلماء الثقات الجهابذة الذين أتعبوا أنفسهم.
أخي الحبيب، البخاري لماذا يتعب نفسه ستة عشر عاما؟ ولماذا ابن منده يسافر خمسة وأربعين عاما؟ ولماذا الرحلات الطويلة والشاقة والبذل وهجر الأهل والأوطان والخلان؟ ولماذا سهر الليالي من أجل أن يأتي اليوم صعلوك من المستشرقين ومن المعتزلة الجدد ليتكلم عن هؤلاء وعن جهودهم ويقول فلا أقر بما أوصلوه إلينا فلربما ولربما يطرح الشكوك أمامهم؟ ولكن الله سبحانه وتعالى حافظ دينه، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ.
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإن محبته وإجلاله وتعظيمه واجب كما قال ابن جماعة. والأدب عند سماع اسمه وذكر سنته مطلوب، بل هو أعلى من السنة، وإذا قصد بالسنة المعنى العام للسنة الذي يشمل الواجب فهذا هو الأصل، أن الأدب معه صلى الله عليه وسلم عند سماع اسمه وذكره هو الأدب الواجب الذي لا يتركه أحد من الخلق.
كان مالك رضي الله عنه إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، أين أمثال أحبتي مالك بن أنس إمام دار الهجرة ذاك المربي العالم الفاضل القدوة، كلما قرأت في سيرته أحن إلى أن أكون تلميذا بين يديه رحمه الله؟ من مرب ومن عالم ومن مؤدب لتلاميذه، كيف كان يجلس بهيبة ووقار يستاك بالسواك ويتوضأ حينما يأتي ليحدث الناس بحديث محمد صلى الله عليه وسلم، يجلس بكل هيبة بكل وقار، يلبس أجمل ما عنده، لماذا؟ لأنه الآن سيتكلم بسيرة محمد صلى الله عليه وسلم وبسنته وبهديه. الإمام مالك نتعلم منه كثيرا كثيرا وإلى اليوم.
هل يشرفنا أن نتعلم على أيدي المعتزلة الجدد ولا على أيدي العقلانيين ولا على أيدي الحداثيين؟ فوالله إن في سير أمتنا وأعلامنا من الشموخ، من العزة، ومن الأدب ما يكفينا لنتعلم منهم ونرتقي على أيديهم، فإن غابت أجسادهم فما زالت همساتهم تدندن في عقولنا وقلوبنا وأرواحنا، نقرأها في سيرهم العطرة، نتعلم من أدبهم وسمتهم وهديهم وأخلاقهم، كيف كانوا يجلسون؟ كيف كانوا يتكلمون عن محمد صلى الله عليه وسلم؟
مالك بن أنس كما قلنا يجلس بكل وقار وبكل هيبة وإجلال ليتحدث بحديث محمد صلى الله عليه وسلم، يستاك، إذا رفع رجل صوته أثناء الحديث يزجره وينهره، ويعلمه الأدب أمام حضرة محمد صلى الله عليه وسلم. إذا ذكر محمد صلى الله عليه وسلم تغير وجهه، هل سمعتم هذه الكلمة؟ رجل يتغير وجهه ويصفر ويقشعر عند ذكر سيد ولد آدم صلوات ربي وسلامه عليه.
إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تغير لونه وينحني إجلالا وأعظاما لمحمد بن عبد الله، كل الإجلال والاعظام والتوقير كما قلنا يستحقه صلوات ربي وسلامه عليه. وكان جعفر بن محمد الإام الكبير إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عنده اصفر لونه، قل هذه الكلمة كم تحملها من إجلال وهيبة وإعظام، اصفر لونه إجلالا لصاحب المقام المحمود صلوات ربي وسلامه عليه.
وكان ابن القاسم إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يجف لسانه في فيه هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ابن القاسم يجف لسانه، تخيل ذاك اللسان الذي لا يسكت عن الحديث فجأة يجف إنما يذكر محمد صلى الله عليه وسلم، أي إجلال، أي احترام، أي توقير، أي هيبة كان يحتلها محمد صلى الله عليه وسلم في قلوب السلف، وأي تقصير، وأي جفاء، وأي قسوة يحتلها محمد صلى الله عليه وسلم في قلوبنا اليوم؟ علينا أن نقارن حتى نعرف كيف سادوا وكيف وصلوا ولماذا ما زلنا في مكاننا لا نتقدم خطوة في رفعة أمتنا.
وقال: وينبغي له إذا تلي القرآن، هذا أيضا من الآداب التي ما زال يكمل بها من آداب العالم، انتقل إلى قضية أخرى قال: وينبغي له إذا تلي القرآن أن يتفكر في معانيه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده والوقوف عند حدوده وليحذر من نسيانه بعد حفظه فقد ورد في الأخبار النبوية ما يصدر عن ذلك.
إذا تكلم الآن عن قضية تعامل طالب العلم مع القرآن مع كتاب الله سبحانه، مع ذاك الكلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. طالب العلم وعلاقته مع القرآن أحبتي هي علاقة وثيقة، علاقة لا تنفك من بداية حياته وإلى مماته وإلى أن يلقى ربه ومولاه.
علاقة طالب العلم بالقرآن ينبغي أن تجل عن علاقته بأي كتاب من كلام البشر، تتعلق بكتاب الله سبحانه وتعالى وتتخذه صديقا أينما ذهبت، فصدقني في الخلوات وفي لحظات الشدة والكرب لن تجد المنظومات العلمية هي التي تسعفك، ولن تجد كلام أحد من المخلوقين يسعفك، لن تجد إلا كلام الله سبحانه وتعالى يفرج الكربات ويرفع البلوات ويهدئ النفوس وتطمئن الأجساد حينما يتلى كتاب الله.
لذلك يا طالب العلم إياك أن تتهاون في حفظه في رسوخه في قلبك، في أن يدخل في أعماقك وعظامك ولحمك وشحمك، إياك أن تتهاون، فوالله ليس طالب العلم الذي يزهد في كتاب الله، ليس طالب العلم هو الذي يزهد في كتاب الله ولم يكن هذا معروفا عند السلف. جاء الأعرج ليتعلم من عطاء بن أبي رباح العلم، فقال له أحد تلاميذ عطاء بن أبي رباح، يعني ابن جريج
عفواً ابن جريج الأعرج، جاء ابن جريج ليتعلم العلم من عطاء بن أبي رباح، فكان أحد تلاميذ عطاء بالقرب منه، فقال له ابن جريج: هل حفظت القرآن؟ فقال: لا. قال: من رجله؟ قال: اذهب فاحفظ القرآن ثم عد.
فابن جريج، انظروا كيف الإنسان يأخذ بالنصيحة عندما تخرج من القلب إلى القلب، ذهب ابن جريج حفظ القرآن ثم عاد فتتلمذ على عطاء ثمانية عشر عاماً فساد الدنيا أصبح الإمام الكبير الإمام ابن جريج.
هل حفظه لكتاب الله أضاع وقته كما يحسب بعض طلبة العلم؟ وإني لا أريد أن أحفظ القرآن حتى أنشغل بحفظ المنظومات، القرآن ألحق عليه صدقوني أحبتي بممارستي وبتجربتي مع كثير من طلبة العلم، أن طالب العلم الذي يسوف في حفظ كتاب الله ويؤجله ويقول بعد أن ينهي المنظومات لن يحفظ القرآن إلا أن يشاء الله.
طالب العلم الذي يفضل كلام المخلوقين على كلام الخالق ولا يعرف قدر كلام الخالق، أهذا صرف الله عز وجل قلبه عن الفاضل إلى المفضول؟ فنسأل الله سبحانه أن لا يخذلنا وأن لا يصرفنا عما ينبغي الاشتغال به، إذا علاقة طالب العلم بالقرآن يرسمها ابن جماعة الآن وعلاقة العالم بالقرآن يرسمها ابن جماعة الآن علاقة التدبر والتأمل ليس علاقة الحفظ المجرد.
نحن لا نتكلم عن حفظ لا يورث عمله، عن حفظ لا يورث فهماً، نتكلم عن حفظ حتى يدخل القرآن في أعماقك وفي وفي جسدك وأعصابك ليورثك بعد عملاً وإنتاجا في ميادين الحياة، هكذا القرآن كان في حياة السلف، لا إشكال يأخذ معك القرآن سنة، سنتين، ثلاث، أربع، خمس، تحفظ.
وإن قام مستمراً في حفظ هذا الكتاب العزيز وحفظك للقرآن الكريم، وإذا يسر الله لك أن تختمه فلا ينبغي لطالب العلم أن يقتصر على المراجعة فقط لكتاب الله، فقد كان السلف رحمة الله عليهم يقولون ينبغي لطالب العلم أن يكون له في كل يوم ورد مع القرآن، يفتح الصفحات ويقلبها حتى لو كان حافظاً، يفتح الصفحات يقلبها ينظر فيها يملأ عينيه من كلام ربه.
نعم هذه العين حينما تنظر في كلام الله هناك نور يقذفه الله سبحانه وتعالى، ينبغي أن تكون علاقة حب وصداقة بينك وبين كتاب الله سبحانه وأشواق، لا يكاد يمر يوم من الأيام من دون أن تكون معك جلسة، حتى ولو كان يوماً متعباً مثقلاً بالهموم والمتاعب اجعل ختام هذا اليوم صفحة صفحتين من كتاب الله سبحانه ستجلي الهموم وستجد لهذا الكتاب أثراً في حياتك.
حتى لا أطيل في هذه الأفكار، طبعا قضية وليحذر من نسيانه بعد حفظه فقد ورد في الأخبار النبوية ما يصدر عن ذلك، نعم وردت بعض الأحاديث في أن من حفظ القرآن ثم نسيه لقي الله أجذم.
وبعض الروايات الأخرى للأحاديث ولكن في الحقيقة فيما يظهر لي أنها يعني أكثر ما ورد في ذلك هو من الضعيف الذي لا يرتقي لدرجة الصحيح، ولكن حتى ولو كانت من حيث الضعف ضعيفة لكن الطالب يخشى على نفسه فقد يصح الضعيف كما قلنا هذا ضعيف ضعف ظاهر لكن قد يصح الضعيف، قد يصح الضعيف في الحقيقة والواقع، فعلى طالب العلم أن يحترز حتى لا يكون ممن يقع عليهم سخط الله سبحانه بأن يحفظ ثم ينسى.
ثم قال: والأولى أن يكون له منه في كل يوم ورد راتب، انظر الآن يعلم منهج ابن جماعة ويعلم العلماء والدعاة وطلبة العلم أن كل يوم ينبغي أن يكون لك ورد مع كتاب الله سبحانه وتعالى، خلص ورد راتب، لا تقطعه، جزء، حزب، أقل، أكثر، المهم يكون لك ورد راتب لا يخل به.
قال: فإن غلب عليه فيوم ويوم، أو فإن غلب عليه يعني إذا ما استطاع أنه يلتزم كل يوم كل يوم فأقل ما يقبل أن يكون هناك يوم ويترك يوم، فان عجز أكثر وأكثر ماذا يفعل؟ قال ففي ليلتي الثلاثاء والجمعة ليكن وردك ليلة الثلاثاء وليلة الجمعة.
قال: الاعتياد بطالة الاشتغال، إيش عن الاعتيادي ببطالة الاشتغال؟ الظاهر في زمن ابن جماعة في العصر الذي عاش فيه، آآ كانت أيام العطلة الرسمية كما يقولون في يوم الثلاثاء ويوم يعني عادةً هناك تكون بطالة في العمل والناس لا تشتغل في هذه الأيام، يوم الثلاثاء ويوم الجمعة.
فيقول يعني إذا كنت مشغولاً في أيام الأسبوع فلا أقل من أن يكون لك يوم الثلاثاء يوم الإجازة تعوض الناس فيه البطالة ويوم الجمعة، نحن اليوم العطلة الرسمية مثلاً عندنا في هذه الديار يوم الجمعة ويوم السبت وفي ديار أخرى ربما تكون الخميس والجمعة وعلى ذلك، فيقول أقل شيء يعني إنسان منشغل آآ في باقي أيام الأسبوع لا أقل من أن في أيام الإجازات والراحة أن يكون لك علاقة بكتاب الله سبحانه هذا أقل القليل في الحقيقة.
هذا أقل القليل، وإلا أن يهجر القرآن من رمضان إلى رمضان، ثم يأتي طالب العلم يقول أنا طالب علم، أنت راجع أصلاً ما فهمك للعلم الشرعي ابتداءً؟ قال: وقراءة القرآن في كل سبعة أيام ورد حسن، أن يقرأ القرآن في كل سبعة أيام وهذا نهج آآ نصح به النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو بن العاص، نصحه أن يختم القرآن كل سبعة أيام.
من كان عبد الله كان يطلب الأكثر والأكثر رضي الله عنه، قال: وورد في الحديث -يقصد في حديث عبد الله بن عمرو- أن النبي صلى الله عليه وسلم وجهه أن يختم القرآن في كل سبعة وعمل به أحمد بن حنبل، يعني أحمد بن حنبل إمام أهل السنة كان يحرص على أن يختم القرآن في كل سبعة أيام، وهذا نهج جيد حسن معتدل، لا نطالب به طلبة العلم والعلماء بهذا المنهج، لكنه من أعلى درجات الكمال.
قال: ويقال من قرأ القرآن في كل سبعة أيام لم ينسه قط.
طبعا كم ذهب من الوقت؟ ساعة وخمسة. طب نأخذ الأدب الثامن سريعاً لأنه لا يتكلم إلا عن أمور أخلاقية عامة ونقف عنده، قال الأدب الثامن: معاملة الناس بمكارم الأخلاق.
انتقل الآن بعد أن تكلم عن أدب العالم مع نفسه علاقته آآ بالقرآن، علاقة العالم آآ بالنبي صلى الله عليه وسلم آآ تمسك العالم بشعائر الإسلام الظاهرة والباطنة والعمل بعلمه، انطلق ليتكلم الآن عن أخلاقيات العالم في تعامله مع البشر ومع المخلوقين، كيف تكون علاقة العالم مع الناس؟ هل هي علاقة الجفاء وعبوس الوجه؟ وأن يكون دائماً مكشراً، عابساً، حزيناً، مكتئباً؟ أم هو سبب في إدخال السعادة والسرور على قلوب الناس؟ دائماً يداعبهم، يمازحهم بهدوء، يبتسم في وجوههم، يزرع السعادة والبسمة في حياتهم، يبعث الأمل والطموح، يصنع لهم شيئاً جميلا يريحهم وينتقل بهم آآ إلى ما هو أفضل.
كيف علاقة العالم بالناس؟ كيف رسمها ابن جماعة؟ دعونا نقرأ ماذا يقول ابن جماعة هنا؟ قال: السعادة والثامن معاملة الناس بمكارم الأخلاق من طلاقة الوجه، يعني الابتسامة دائماً نلقاك الناس تبتسم.
هذه الابتسامة من العالم لها أثرها الكبير في زرع الثقة في العوام وفي طلبة العلم، حينما يرون أستاذهم وشيخهم دائماً مبتسماً، دائماً ابتسامته تبعث الأمل في حياتهم والنور والإشراق، صدقوني كنا نرى بعض مشايخنا حينما يبتسمون وهم في أضيق الأحوال فيدخل في قلوبنا من البهجة والسرور والاطمئنان أنهم على نهج السلامة وأن علينا أن نقتفي آثارهم.
كم ربتنا ابتسامة، ابتسامة عالم كم زرعت في قلوبنا روحاً وأملاً وبساتين وزهوراً من الوثوق بالله سبحانه وتعالى، خاصة خاصة عندما تأتي الابتسامات في أحلك اللحظات، في لحظة البلاء تكون الابتسامة من العالم وطلاقة الوجه لها سحر على طلبته وعلى عوام الناس حقيقة الإسلام وشموخ هذه الدعوة، وأن أصحابها لا يهتزون أمام العواصف وأمام المحن والابتلاء.
ثم قال: وإفشاء السلام وإطعام الطعام، إفشاء السلام وإطعام الطعام وربما يعني يأخذ الآن من الحديث، حديث عبد الله بن سلام قال النبي صلى الله عليه وسلم: أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام.
هذه الآداب، أفشوا السلام وأطعموا الطعام، هذه الآداب ليست لعوام الناس عليهم أن يتأدبوا بها والعالم وظيفته أن ينظر فقط؟ احنا هيك بدنا اليوم، أليس كذلك؟
ألم ينظر والعامي يطبق هكذا هي المعادلة؟ أما العالم هو الذي يفشي السلام وهو الذي يطعم الطعام. هذه مشكلة، وهذا في الحقيقة أحبتي يعني أن ننظر فيه أيها العالم حينما تتكلم بهذا وتنصح الناس: عليك أن تعمل، يعني أنت لست منظرا، أنت أمام العاميين ينبغي أن تكون هكذا، هكذا هي الحياة، هكذا هو العلم الذي يريده الله سبحانه وتعالى، وإلا فلست بعالم وإن امتدحك الناس وإن حملت ما حملت.
قال: وإفشاء السلام وإطعام الطعام، قال: وكظم الغيظ، وكف الأذى عن الناس لا يؤذي الناس، واحتماله منهم في المقابل إذا آذاه الناس يحتمل؛ لأنك أنت العالم مش بقول لك أنت العاقل؟ أنت العاقل عليك أن تحتمل أذى الناس، وهل تتوقع طريق العلم من دون أذى من السفهاء والجهال؟ إذا كان محمد صلى الله عليه وسلم أه إذاه الخلق، كان يأتي الأعرابي يأخذ بثوبه حتى يؤثر ذلك في عنقه، ويأتي شخص أه كما قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: إن من ضئضئ هذا قوم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يأتي شخصا آآ يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم: اعدل فإنك لم تعدل، ويذكره بالسوء من خلفه، هذا محمد صلى الله عليه وسلم أوذي وتحمل في ذات الله، فماذا عنك أنت أيها العالم؟ عليك أن تتحمل ما يصيبك في ذات الله.
قال: إذا آآ معاملة الناس مكارم الأخلاق لهم، كف الأذى واحتماله منهم، والإيثار وترك الاستئثار. الإيثار وترك الاستئثار، الإيثار أن تؤثر الناس بدنياهم، لا تزاحمهم على الدنيا، آثرهم بكل هذه الدنيا ليأخذوا منها ما شاءوا، لا قل لهم لا أُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا، لا أريد شيئا من دنياكم، أنا آثرتكم بها. وترك الاستئثار، وإياك أن تستأثر بشيء عن الدنيا دونهم، بعض العلماء وبعض أو من يصدر نفسه للدعوة والعلم يستأثر بمناصب دنيوية، يستأثر بأموال عن الخلق، يستأثر كما قلنا بالمناصب، بتصرفات أه قيادة بعض الأمور بحمل زمام بعض الأشياء ويمنع منها الناس ويحتكرها لنفسه، أي عالم هذا الرجل؟ أي عالم يعني يحسب نفسه ويظن نفسه وهو يعني لا نتكلم عن إيثار نحن نتكلم عنه يستأثر بالدنيا، انظروا الفرق بين خلق الإيثار وخلق الاستئثار فرق الأرض والسماء! الإيثار أن تعطي الدنيا للناس، والاستئثار أن تأخذ الدنيا إليك وتبتعد وتبعد عنها الناس، فرق فرق الضدين أو النقيضين.
قال: والإنصاف، في الحقيقة يعني كل كلمة يذكرها ابن جماعة تحتاج لمحاضرة، كل كلمة يبثها يرسم بها خلقا، عندما نتكلم عن الإنصاف عن ماذا أتكلم؟ أتكلم عن الذين عن الدعاة الذين يطعنون في غيرهم، وعن العالم الذي دأبه وهمه أن ينتقد الآخرين وأن يوجه إليهم السهام وأن يسقطهم دائما، عن ماذا أتكلم في الإنصاف؟ باب كبير لا يحققه إلا كلمة واحدة أحبها وأرددها: الإنصاف هو حلة الأشراف. فمن كان شريفا في نفسه تقيا في علاقته مع ربه زاهدا في الدنيا لا يبحث عن شيء إلا مرضاة الرب سبحانه وتعالى فلا بد وأن يكون الإنصاف ديدنه، واما من كان حريصا على الدنيا وعلى جمهوره وعلى تصفيق الناس له فهذا هو أكبر الأسباب الداعية إلى ترك الإنصاف مع الخصوم وإلى رميهم وإسقاطهم وادعاء الخير للنفس والاستئثار بها، فالإنصاف خلق عظيم لا استطيع أن أحويه بكلمة أو بكلمات، ولكن الإشارة تغني للبيب.
قال: وترك الاستنصاف. لاحظوا الآن هو يعني يعني يأتي بالكلام على إيقاع معين، الإيثار وترك الاستئثار، والإنصاف وترك الاستنصاف. ايش يعني وترك الاستنصاف؟ الإنصاف يعني أنت تنصف خصومك، وترك الاستنصاف أي لا تنتظر من خصومك أن ينصفوك، لا تنضبط أحبتي من عرف الدنيا وطبيعتها والسنن الداعية، الذي يريد أن يحمل عبء هذه الامة على ظهره وينطلق بالمسيرة نحو الله سبحانه وتعالى عليه أن يهرب طبائع الناس وطبائع المخالفين خصوصا، فإن الناس سيؤذونك، من ينصفه الناس؟ لن تنصفك، الناس لم تنصف محمدا صلى الله عليه وسلم هل تتوقع منها أن تنصفك؟ من كان يريد أه أن يرفع شعار أنني أنا قدمت للدعوة وانا بذلت وانا فعلت فأريدكم أن تنصفوني ولا تلقوني ولا ترموني في عرضي؟ بعض الناس هكذا خطابهم الدعوي، إذا فعل شيئا أو ابتلي في ذات الله أو ضحى أو بذل يخرج أمام الناس يقول لهم أنا فعلت وفعلت عليكم أن تنصفوني.
ولماذا اخي الحبيب إياك أن تفعل شيئا في الدنيا لله حتى لو عذبت من أجل الناس ومن أجل موقف ومن أجل ومن أجل، احتسبها عند الله وتوقع أن الناس ستخذلك، لذلك قلنا دائما نتكلم عن الإخلاص لله، أن الحركات والسكنات لله؛ لأن الناس أحبتي اكسروا أيديكم منهم، من ظن أن الناس تقف معه لن تقف معك الناس، من ظن أن الناس تحمله على الرقاب تحتفل به في المحافل إياك أن يظن ذلك، الناس ستخذلك في أقرب موقف، أحمد بن حنبل عندما جره المأمون وأخذه إلى فتنة خلق القرآن جر بالسلاسل والأغلال، أين الناس والأمم عنا؟ كيف يرضون أحمد بن حنبل الإمام الكبير الحاضر؟ كيف يرضى الناس والجماهير والطلبة كيف يرضون أن يحمل أحمد بن حنبل ويجر بالسلاسل والأغلال؟ كيف يرضون ذلك؟ لكن إياك أن تتوقع كثيرا من الخلق.
تربط، حاول أن تتعاهد قلبك وأن ترتبط دائما بمولاك، اعلم أن الخلق يخذلونك في أحلك اللحظات فاياك أن تركن إليهم، إياك أن تتوقع منهم أه أن ينصروك وأن تجعل اعتمادك عليهم، بل اجعل اعتمادك على الخالق، وهو سبحانه وتعالى يدبر الأمر. قال: والإنصاف وترك الاستنصاف، وشكر التفضل، يعني إذا تفضل أحد عليك أيها العالم أو يا طالب العلم بشيء فيكون ديدنك الشكر ومعرفة الجميل لحقه.
قال: وإيجاد الراحة والسعي في قضاء الحاجات. إيجاد الراحة ربما العبارة فيها شيء من الغموض لا أفي ذلك عليكم، يعني ماذا يقصد بايجاد الراحة؟ ماذا كان يدور في ذهنه حينما كتب هذه العبارة؟ لكن ربما أنه يعني قد يكون مقصده أه أن يريح الناس، وأراحة الناس قد تكون من خلال أولا أخلاقية العالم في التعامل معهم هذا يضفي نوعا من الشعور بالراحة عند الناس، أه كذلك أن يريح الناس في طريقة التعامل معهم أن لا يكون صعبا، بعض دعاة، بعض الشيوخ، بعض من يتصدر هو صعب في الممارسة يعني إذا تعاملت معه في التجارة وفي المال وفي الدرهم تجده متعبا ثقيلا، إذا جلست معه تجده متعبا ثقيلا، فكأنه يريد أن يقول يعني عليك أن تكون مريحا مع الناس، أن تأخذهم بالراحة وأن تصنع لهم الراحة وأن تكون سببا في إراحتهم وعدم التكدير عليهم في حياتهم.
وهذه كلمة الأخذ بالراحة قد تحمل لها دلالات أوسع من ذلك، لكن لا أطيل في بعض الكلمات وما بعدها أهم، قالوا: والسعي في قضاء الحاجات وبذل الجاه في الشفاعات، إذا كان عالم له جاه عند السلاطين فيبذل الجاه من أجل أن يشفع للناس وأن يخلصهم من الظلم الذي هم فيه. قال: والتلطف بالفقراء والتحبب إلى الجيران والأقرباء والرفق بالطلبة وإعانتهم وبرهم، كما سيأتي إن شاء الله سيأتي أخلاقيات العالم في التعامل مع طلبته.
قال: وإذا رأى من لا يقيم صلاته أو طهارته أو شيئا من الواجبات عليه أرشده بتلطف ورفق، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي الذي بال في المسجد، يا جماعة قصة الأعرابي الذي بال في المسجد فقام إليه جاء أعرابي مسكين دخل إلى المسجد وبدأ يبول، فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مه، ايش تفعل يا رجل؟ بتعرف الناس لما تهب مرة واحدة على شخص يفعل الخطأ، فالنبي صلى الله عليه وسلم المعلم المؤدب المربي ايش قال لهم؟ قال: لا تزرموه دعوه.
يعني ايش الفائدة أنتم الآن تهيجونه؟ بالعكس ربما تهيجه الآن يجعل بوله ينتشر في المسجد من شدة فزعه ووليه منكم، فقال لا تزرموه دعوه، انتهى الأمر، ثم أمر النبي، بعد أن بات، دعاه النبي صلى الله عليه وسلم بكل أدب ولطف ولين بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه فقال له
ان هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا الأذى والقدر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فالرجل تعجب كيف هذا الأدب؟ من أين هذا الأدب؟ من محمد صلى الله عليه وسلم؟ نعم، وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ. انظروا كيف يكون إرشاد الناس بالرفق.
في مساجدنا اليوم إذا فعل شخص خطأً، أتى بطفل صغير فبكى، أو صلى في مكان خاطئ، أو فعل تصرفاً خاطئاً، تجد الناس تنقم عليه وترفع صوتها، وكأن الجميع ما فعلوا خطأً في حياتهم. ومحمد صلى الله عليه وسلم انظر أدب ما هذا الأعرابي كيف يعلمه ويوجهه بكل لطف ولين.
وكذلك قصته مع معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة. معاوية بن الحكم رجل أيضاً مسكين من الصحابة كأنه كان جديداً على النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة معه، فهو في أثناء صلاته عطس رجل، فمعاوية بن الحكم قال: إنه يرحمك الله. ما ترى أنه ليس له أن يرد على العاطس؟ لا يجوز. هل يجوز للإنسان إذا سمع شخص يعطس في الصلاة وهو يصلي أن يقول يرحمك الله؟ هذا من خطاب الناس، وهذا يفسد الصلاة.
فمعاوية بن الحكم لم يكن على دراية بهذا الحكم، فعطس رجل من الصحابة في أثناء الصلاة فمعاوية بن الحكم قال له يرحمك الله، فرموه بأبصارهم وأصبحوا يضربون على أفخاذهم الصحابة اسكت. فالرجل قال: ما لكم تنظرون إلي وترمقونني؟ ما زال يكمل حديثه. فبعد أن انتهت الصلاة دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي للتسبيح والتكبير والتحميد وقراءة القرآن.
فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ الصحابة بالرفق واللين. ونحن أحبتي اليوم في هذه الجاهلية التي نحيا بها، علينا حينما نعلم الناس الخير ونرشدهم إلى مسالك الفلاح، علينا أن نكون على انتباه وتيقظ ألا يخرج خطابنا عن الحد المعتدل، ألا يكون هناك شيء من الغلظة والجفاء والقسوة تنفر الناس عنا. والله إن بعض الناس فيهم خير، ولكنني أرى أن انصراف الناس عنهم إنما هو لقسوتهم، ولسوء عشرتهم، لا لصعوبة أو وعورة مسلكهم في الدعوة.
وهذا لا يليق بالداعي وبطالب العلم الذي يطمح أن يكون مسموعاً، الناس تستجيب لدعوته ولنهجه ولإرشاده، عليك أن تنظر في سيرة محمد صلى الله عليه وسلم فتتعلم منه الرفق واللين. واما الأدب التاسع أوجهه إن شاء الله إلى المحاضرة القادمة بإذن الله. وهذا آخر مجلس نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يرزقنا الأدب، وأن يرزقنا الصبر على تعلم الأدب، وأن يعين هذه الارواح وهذه الأجساد على المجاهدة وعلى المدافعة من أجل تحصيل شيء من هذا التراث العظيم ومن هذا الأدب الجميل الذي كان يتكلم عنه ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل