يا طالباً للعلم يرجون نفعه، اسمع نصيحة ناصح معوانِ. لربك في أموركَ كلها، فالمخلصون هم أولو العرفان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، للإمام الزاهد المؤدب ابن جماعة الكناني الشافعي رحمة الله تعالى عليه. وما زال ابن جماعة يرسم لنا معالم العالم المربي القدوة، يرسم جوانب حياة هذا العالم في علاقته مع ربه سبحانه وتعالى، علاقته مع طلبته، علاقته مع المجتمع، وقد انتهى بنا الحديث إلى هذا الجانب الأخير، وهي كيف تكون أخلاق العالم المربي القدوة مع الناس، مع المجتمع الذي يحيا؟
هناك ضوابط في علاقة العالم مع غيره، فما يقبل من عامة الناس في علاقتهم مع بعضهم لا يقبل من العالم في علاقته مع الناس. فما هي هذه الضوابط وما هي الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها العالم في أثناء تعامله؟ لأن عوام المسلمين ينظرون إلى العالم كيف تصرف فيقتدون به، إذا وجدوا العالم صعب الميراس قد يقتدي به بعض الجهال ويظن أن صعوبة الميراس يدعو إليها، عفواً يدعو إليها الدين.
إذا كان العالم قليل السلام، لا يسلم إلا على من يعرف، قد يقتدي به بعض العوام. المهم العالم هو محط نظر الناس، فالأخلاق التي ينتهجها العالم في تصرفاته وسلوكياته يقتدي به عوام المسلمين، فينبغي إذاً للعالم أن يحكم التصرفات التي يقوم بها، يراقبها، يتابعها، ينتبه لها، حتى لا يقتدى به فيما لا ينبغي.
ابن جماعة اليوم يستمر في رسم -كما قلنا- الأخلاقيات التي ينبغي أن تكون عند العالم، والأخلاقيات التي ينبغي أن يتركها وأن يهجرها العلماء، وأيضاً يهجرها المسلمون عموماً. فيقول في الفصل التاسع أو في المسألة التاسعة من آداب العالم: أن يطهر باطنه وظاهره. فعملية التطهير لا تتعلق فقط بالجوارح الظاهرة، بل هناك تطهير لما في الداخل، لهذا القلب.
يُطهر من ماذا؟ قال: أن يطهر باطنه وظاهره من الأخلاق الرديئة ويعمره بالأخلاق المرضية. إذاً هو الآن وضع قاعدة عامة؛ تطهير الباطن والظاهر من الأخلاق الرديئة، وأن تعمر هذا الباطن والظاهر بالأخلاق الحسنة الطيبة المقبولة. ثم سيعدد بعد ذلك ما هي الأخلاق الرديئة التي ينبغي أن يهجرها العالم بل ينبغي أن يهجرها كل مسلم.
قال: فمن الأخلاق الرديئة -سيفصل الآن- قال: فمن الأخلاق الرديئة الغل، اللي هو الحقد؛ لا يصلح للعالم ولا للمسلم أن يكون حاقداً. إذا كان العالم -أحبتي- قلبه مملوء بالحقد وبماذا نطالب عوام المسلمين في تعاملاتهم؟ إذا كان العالم الذي تعلم الشريعة ووقف على الأحاديث النبوية التي تحذر من العقد ومن الحقد ومن الغل ومن مغبة الغل والحقد، هو نفسه لا يعمل بهذا العلم، فكيف سيعظ هذا العالم غيره؟ وبمن سيقتدي الناس في سلامة القلب وطهارة الفؤاد؟
لذلك هذا أول خلق أمر وأوصى ابن جماعة العالم أن يتركه: لا يكن قلبك مملوءاً غلاً على إخوانك. وفي الحقيقة في حياتنا الدعوية وفي طلبنا للعلم وفي رحلتنا في هذه الحياة، وجدنا أن كثيراً ممن يتصدر للعلم قلبه غل وحقد على إخوانه، خاصة إذا خالفه بعض العلماء الآخرين في نهجه، في سلوكياته، في التي يتبناها، يبدأ الحقد يغلي في قلبه، ويصبح همه في هذه الحياة -فيما يصوره، فيما يرفع على وسائل التواصل، فيما يتكلم به مع طلبته مع زملائه مع الناس- همه أن يسقط ذاك العالم الذي خالفه أو انتقده في جزئية، وهذا أمر علينا أن نحذره أحبتي.
حتى بعض العلماء الاقدمين وجد هذا، أن بعض العلماء الكبار كان عنده شيء من الغل على قرينه، وظهر هذا في ثنايا كتاباته عنه وفي رده عليه وفي شدة عبارته، فيغفر الله لهم. لكن علينا أن ننتبه في النهاية، لأن هذا الحقد الأعمى أو هذا الغل الذي ملأ قلب هذا العالم أو المتصدر، أولاً ينتقل إلى طلبته ويتسرب إليهم، وقد لاحظنا هذا أحبتي، فعندما رأينا بعض الذين يتصدرون للعلم أخلاقهم قاسية وقلوبهم مليئة بالغل على المخالفين، رأينا ذاك في الذين ينتهجون على نهجهم وينصرون طريقتهم، قلوبهم مملوءة بالحقد على إخوانهم، قلوبهم سوداء، ويظهر هذا في فلتات اللسان، بل ما عادت فلتات لسان، أصبح منهجية الطعن واللمز والإسقاط ديدنهم في كلامهم ظاهراً وباطناً، أينما يأتون يظهر الغل والحقد من قلوبهم في خطابهم مع مخالفيهم.
وهذا في الحقيقة سبب في ضمور العلم وسبب في أفول نجمه في هذا الزمان، إنها ابتليت هذه الأمة بطائفة من هؤلاء الذين يتصدرون للتعليم ويمتلئ قلوبهم غلاً على المخالفين، ويبدأون بالتشهير بهم وإسقاطهم ونفث كل الحقد لطلبتهم حتى يبدأ الطلبة بعد ذلك بممارسة النهج، وهكذا يسقط إسقاط للعلماء، إسقاط للدعاة، طعن في المخالفين، فتحدث ضوضاء ووقعت غباش في النهج، وتعيش الأمة في حالة من الاضطراب بسبب هذه الثلة من العلماء الذين لم يحسنوا العلم ولم يتقنوه ولم يعرفوا أن العلم ينبغي أن يقودهم إلى طهارة القلب وسلامة الفؤاد على إخوانهم، وإن خالفوهم في النهج.
هذا لا يعني أن لا ترد على الأخطاء والبدع والضلالات، لكن عليك أن تعرف كيف تعبر وكيف يكون قلبك مملوءاً حرصاً على المخالفين، ومع من تتكلم وأمام من تنتقد، وهذه كلها -ايها الأحبة- هذه المعالم، طريقة الانتقاد، من تنتقد، الواقع الذي ينبغي أن تنتقده، كل هذه الأمور تحتاج إلى حكمة وكياسة وفهم وليس مجرد الكلام من أجل الكلام والانتقاد من أجل الانتقاد. ومنهجية الانتقاد وكيف ينبغي أن يرد وما شابه ذلك، ربما نفرد لها كلاماً في مدار مدار أخرى بإذن الله.
إذاً، المهم أول خلق رديء قال ابن جماعة على الإنسان أن يتركه، على العالم خاصة أن يجتنبه: قال الغل. ثم قال: والحسد. والحسد معلوم لديكم، وهو أن يتمنى الإنسان زوال النعمة عن أخيه المسلم، والحسد النبي صلى الله عليه وسلم حذر منه وذكرت الأحاديث المشددة في أمره، بل في الحقيقة إنما عصى إبليس ربه وخرج من دائرة العبادة بالحسد، وإنما قتل قابيل هابيل -أو أحدهما قتل أخاه على خلاف في الأسماء لا يهم الاسم المهم أن أحد ابني آدم قتل أخاه- إنما كان ذاك بالحسد.
الحسد -أحبتي- جريرته عظيمة على تاريخ البشرية، على العالم أن ينتبه منه، قد يؤدي الحسد إلى فساد هذا العالم، فساد قلبه وفساد نهجه وانفضاض الناس عنه، قد يسبب الحسد ضوضاء في حياة هذا العالم وضياع للأوقات وللثمار التي جمعها. يجلس الإنسان فترة في حياته يحصل العلوم ويجتنيها ثم بعد ذلك فجأة وعندما يصبح عالماً تبدأ الأحقاد تظهر منه ويبدأ الحسد يظهر منه، طيب أنت اتعبت نفسك فيما مضى من العمر وفي سن الشباب، لماذا لا تسخر هذا العمر بعد ذلك لبذل العلم للناس؟ لا تنظر فلان فاقك في علم وأنت لم تحصل، هذه أرزاق توزع على العبيد، فلان يتقن هذا الفن وأنت تتقن هذا الفن، وذاك يتقن هذا الفن، وهكذا يكون تكافل واجتماع في الخير.
يا أيها العالم، لن تكون وحدك محط الأنظار كما تتوقع، بل إذا طلبت هذا ستسقط، عليك أن تعلم أن العلم الشرعي بثه ونشره يحتاج إلى تكافل بين العلماء، فكل عالم يبث في ناحيته وفي زمرته وفي الطائفة التي استطاع أن يصل إليها، وهذا العالم يثني على ذاك العالم الرباني وهذا يثني، حتى يبقى عملية بث العلم في الأمة ونهضة الأمة عملية مستمرة قائمة، أما إذا اشتغل العلماء والدعاة ببعضهم فاتكاً وإسقاطاً وتهميشاً وحطاً من الأقدار، فماذا يفعل عوام الناس؟ من ينتظرون لإخراجهم من هذا التيه؟
إذاً، قضية الخلاص من الغل، من الحسد، أيضاً أكمل الأخلاق الأخرى سريعا -يعني يصعب أن أكلم عن كل خلق، الأمور ستطول لكن هي إشارات سريعة-.
للطلبة حتى ينظروا في واقعهم ويتأملوا أين هم العلماء الربانيون؟ قال: عليه أن يخلص إذا من الغل والحسد والبغي، والبغي الاعتداء والاستطالة على المخالفين له، والغضب لغير الله سبحانه وتعالى. بعض العلماء يغضب لنفسه وإذا انتهكت محارم الله لا يغضب. بعض العلماء يغضب إذا حط من قدره، أما إذا انتهكت أصول الدين ونحيت الشريعة واعتدى المعتدون لا يغضب، هذا انحراف في المنهجية، انحراف واضح في النهج، نسأل الله السلامة والعافية.
لذلك قال: أن تغضب لغير الله هذا من سوء الخلق. لذلك محمد صلى الله عليه وسلم كما جاء في السير لم يغضب لنفسه. كم من أعرابي أتى فأخذ محمدا صلى الله عليه وسلم من ثيابه حتى يؤثر ذلك في عنقه؟ كم من أعرابي جفا معه في الخطاب وأساء الأدب معه ولا يغضب صلى الله عليه وسلم؟ لكن متى يغضب؟ إذا انتهكت محارم الله حينئذ يظهر غضبه ويحمر وجهه وتعلو صوته؛ لأن الدين هو الخط الأحمر كما يقولون الذي وضعه صلى الله عليه وسلم في حياته، لا يقبل لأحد أن يتعدى عليه، وأما حقوق النفس فكان من أدبه عليه الصلاة والسلام بأبي هو وأمي أن يتجاوز وأن يصفح وأن يهوي في ذلك.
هذا النهج هو الذي ينبغي أن يسلكه من يحمل ورثة الأنبياء. عندما نقول: العلماء ورثة الأنبياء، هذا ليس فقط في المسائل الشرعية، بل حتى في المسائل الأخلاقية، أنت ترث محمد صلى الله عليه وسلم في خلقه، في نهجه، في سيرته، وفي سمته. لذلك قال: الغل، الحسد، البغي، الغضب لغير الله، والغش، يكون عالما أو ينتسب للعلم وهو يغش. بعضهم أحبتي ثبت عليهم سرقات كتب ومصنفات للأسف، يثبت عليهم سرقات لكتب ومصنفات وتعب للآخرين، وثم بعد ذلك يسمي نفسه عالما، وهذا غش هذه الأمة، خداع، أن تكون أنت تسرق كتب ومصنفات وجهود الآخرين وتنسبها إلى نفسك ثم بعد طبعا تطلب رفعة النفس وأنت لا تستطيع أن تكتب كما كتب الآخرون، ثم بعد ذلك تقول عن نفسك إنك عالم والناس تمجدك وتعظمك.
أيها العالم الذي ترتكب هذه الأخلاق الرديئة، اعلم أن نجمك سيأفل في يوم من الأيام، وأن الله سبحانه وتعالى سيكشف أوار هذا النهج الذي تنتهجه، حتى لو سترك الله في الدنيا فاحذر من الاستدراج، واحذر أن تفضح يوم العرض على الله سبحانه وتعالى أن تقف أمام الخلق فيقال: فلان الفلاني كم من كتاب سرقته؟ وكم من خديعة خدعتها؟ وكم من أمانة خنتها؟ لو خفيت عن البشر في هذه الحياة الدنيا فإنها لن تخفى عن الله سبحانه وتعالى وستفضح أمام الخلق، فنسأل الله السلامة والعافية.
قال: والغش والكبر. وبعض العلماء فعلا أو بعض الذين يحملون العلم يورثهم العلم كبرا على الناس وازدراء للآخرين. العلم أحبتي ينبغي أن يكون أثره بالعكس، أن يزيدك تواضعا؛ لأن كلما علمت وازددت رقيا في معرفتك بالله سبحانه وتعالى، ازددت معرفة بنفسك ومقدار جهلك، وكم أنت تحتاج إلى لطف الله سبحانه وتعالى وإلى أن يمدك بمادة التوفيق والإصابة وأن يسدد نهجك وطريقك، وأنك مفتقر دائما إلى الله سبحانه وتعالى. فالعالم كلما سار في علمه وارتقى يدرك شدة افتقاره إلى مولاه، وأن الله سبحانه لو خذله ووكله إلى نفسه طرفة عين هلك، فهذا الشعور الذي يتولد للعالم وهذا اليقين الذي يزداد مع ازدياد العلم يجعل العالم يتواضع للناس، ويعلم أن قد يكون هناك عامي من عوام الناس خفي لا يعلمه أحد أفضل منه عند الله سبحانه وتعالى، فلماذا تتكبر؟ ولماذا تصول وتجول؟ ولماذا خطابك للناس فيه نوع من الرفعة ونوع من الأنانية ونوع من حب الاستئثار والظهور؟
آه لكن أحبتي، آه هناك قضية ينبغي أن نفهمها، قضية أنه هل العالم هل معنى ألا يكون العالم متكبرا وأن يكون متواضعا، هل معناه أن يخرج العالم بصورة مبتذلة بملابس رديئة؟ هل هذا يلزم منه حتى نقول إن هذا العالم متواضع وليس متكبر؟ هل ينبغي أو يلزم من هذا أن نقول لهذا العالم: آه عليك أن تلبس لباس عوام الناس، البنطال والهيئة ولباس الأفرنج وما شابه ذلك من الألبسة الدارجة اليوم، ولا يجوز لك أن تلبس لباس أهل العلم؛ لأن هذا نوع كبر؟ لا، هنا تبدأ القضية تختلط على بعض الطلبة لأني سئلت هذا السؤال فأردت أن أوجه هذه الإجابة.
قضية أن العالم كما قلنا سابقا في المحاضرات التي مضت ينبغي عليه أن يمتاز بسمته وبهيئته وبمنظره، وهذه وصية العلماء، هذه وصية أبي حنيفة ووصية مالك وغيره من الأئمة الثقات، أن العالم بهندامه وسمته يظهر بشكل راقي، حتى يؤثر صمته في الناس وفي العوام وفي طلبته. هذه القضية ليست من الكبر، بل هذه القضية مأمور بها وينبغي أن يحرص عليها العلماء والذين يتصدرون للعلم في هذا الزمان. كل بلد من البلدان أهل العلم لهم ربما ألبسة معينة، مثلا في المغرب في الجزائر ربما أهل العلم لهم ألبسة وأردية معينة معلومة لديهم للشيوخ للمشيخة، وأهل الشام لديهم ربما نوع معين من الألبسة تلبس للمشيخة الذين يتصدرون للتعليم والتدريس، وفي بلاد الحرمين وأرض الحجاز أهل الجزيرة لهم ألبستهم وأنماطهم لأهل العلم، وهذه الألبسة لبسها والظهور بها أمام الناس ليس من الكبر، بل ينبغي أن يحرص عليه لأنها نوع من صيانة العلم.
فالعالعلم لا يلبس هذه الأردية ولا يحث على أن يلتزم بها من أجل نفسه أن يرتفع في نفسه وفي قلبه، لا، نحن نقول له: عليك أن ترتديها صيانة للعلم، وحتى يرتفع قدر العلم عند العوام. الهيبة التي تظهر على العالم حينما يكون متمسكا بلباس العلم أكبر بكثير من الهيبة التي تظهر عليه وهو يلبس لباس الأفرنج والألبسة التي يشترك فيها مع كل الحقوقيين والأطباء والمهندسين. ليس طبعا هو لولا هذه الأفعال فعل حراما حتى لا نقول ما لم نقل، نحن نرشد إلى منهجية معينة، منهجية سلوكية أن العالم حينما تكون له هيئته المعينة التي يظهر بها، وينبغي للعالم أن يأخذ بهذه الآية بما هو دارج في مجتمعه، اللباس المعروف لدى أهل العلم عليه أن يظهر به، حتى تصل الرسالة إلى العوام أن هذا الرجل عالم رباني تصدى لهذه المرتبة ولها دلالتها النفسية، وليس هذا من قبيل التكبر.
نعم، إذا كان هذا الرجل متصدر يريد أن يلبس هذه الألبسة حتى نفسه يكبر نفسه هذا دخل في المحظور الشرعي، بل لو لم يلبس هذه الألبسة وهو بعلمه يتكبر على الناس هو آثم، فالتكبر خلق رديء وكل الثمار التي تنتج عن الكبر هي رديئة، لكن نحن نتكلم عن ناحية أخرى الآن، ناحية اللباس والهيئة وصيانة العلم. عالم لا توجد له، لا يعفي لحيته لا يطلقها بأي قدر، المهم أنه يطلق اللحية، هذا غير مقبول، إذا كان عنده مرض كان عنده عذر هذا أمر آخر، لكن غير مقبول أن تحاول أن تقلد الأكاديميين وتقول: يعني هكذا أدخل في المجتمع. لا يا اخي، أنت هكذا تحط من قدر العلم، أنت هكذا تحط من قدر العلم وتزدري بالعلم.
أحبتي، والله ما دخل النقص علينا في هذه الفترة من تاريخ الأمة الإسلامية إلا حينما أصبح الناس يتعاملون مع العلم الشرعي. العلم الشرعي أولا حينما تسمع هذه الكلمة عليك أن تعرف خطرها، العالم يوقع عن رب العالمين، لذلك ابن القيم ماذا سمى كتابه؟ إعلام الموقعين عن رب العالمين. توقع عن الله سبحانه وتعالى الفجوة في هذه الأرض، فأمر شديد، فلا ينبغي لكلمة العالم ولا ينبغي للععلم الشرعي أن يبتذل وأن يسوى بينه وبين سائر العلوم الأخرى، وهذا النهج غرس في أمتنا.
لذلك اليوم تجد في الدراسات الأكاديمية الدراسات العلمية الهندسة، طيب، الدراسات الإعلامية يأخذها أصحاب المعدلات المرتفعة، والدراسات الشرعية يأخذها يدخلها المغلوب على أمره في الدراسة، يعني أصحاب المعدلات المنخفضة الذين لم يحالفهم الحظ ولا يهتمون بالمذاكرة، هؤلاء هم الذين يذهبون للدراسات الشرعية، وهذا ابتذال مقصود، وهذا ابتذال مقصود حتى يغرس نهج في قلوب المجتمع ونحن نعيش ذلك اليوم، حتى يغرس في المجتمع المسلم أن الدراسات الشرعية هذه تحصيل حاصل وثقافة يمكن أن ينالها أصحاب العقول الضعيفة، وأما الأمور العلمية
الدقيقة هي التي تحتاج إلى الأذكياء. الآن لاحظوا لو أن شاباً حصل درجة عالية في الثانوية العامة أو ما شابه ذلك، خمسة وتسعين في سبعة وتسعين وأراد أن يدخل العلوم الشرعية، إيش نظرة العامة له؟ إيش نصيحتهم له؟ أنه تضيع مستقبلك، ادرس الدراسات العلمية الأكاديمية، الشريعة تستطيع أن تحصلها، أنت تدرس الطب واقرأ كتب الشريعة، وهكذا ينتهي الأمر.
انظروا إلى هذا الابتذال، هذا ابتذال مقصود ومن ظن أنه غير مقصود فهو واهم، يريدون إشعار المجتمعات بأن العلم الشرعي هذا ثقافة بقراءة الكتب، وهذا الأمر هو الذي أنتج عندنا النماذج المشوهة، لأن الإنسان إذا كان ضعيفاً في عقله لا قدرة له للتعامل مع كتب التراث، حينما يدرس العلم الشرعي في الجامعات وينال الدرجات العليا أصبح في مرتبة الدكتوراه، ثم أصبح اللسان، ثم يريد أن يصدر نفسه وهو ضعيف من بداية الطريق، غير مؤهل لحمل العلوم الشرعية، نشأ ضعيفاً وبقي ضعيفاً.
والآن بمناسبة أنه نال الشهادة العليا يريد أن يصدر نفسه للناس ليتكلم في الدين، ثم لك أن تنظر كيف آه الفتاوى التي ستنتج من هذا الشخص، شخص ضعيف علمياً لم يستوعب مقاصد الشريعة، لم يفهم دقيق كلام الأسبقين، لم يقف على كتب التراث بجد وبحرص، هو إنسان لاهٍ، ما دخل، دخلها على أنها هي التي أتت معه في درجاته التحصيلية، فماذا تتوقع أن يكون الإنتاج الفكري والعلمي لهذه الأمة؟ إنتاج رديء، إنتاج رديء جداً، وهذا ما زلنا نحيا نتائجه اليوم في الذين يخرجون في الجامعات الأكاديمية.
يعني أظن أن الموضوع لا أحب أن أطيل كثيراً في الجوانب، لكن علينا أن ننتبه أحبتي لما يحدث حولنا، بحكم دراستنا في الأكاديميات الشرعية، اطلاعنا عليها، ننظر أحبتي أن اليوم هناك من يصدر فلاناً وفلاناً وفلاناً وفلاناً لينالوا درجات جامعية عليا ليصبح لهم الكلمة في المجتمع، ثم حينما يأتي شخص ليناوئهم أو ليبين فساد رأيهم وعدم إدراكهم للمسائل الشرعية، يبدأ الخطاب عند العامة: آه، هؤلاء لا يا دكاترة الشريعة، أساتذتي تتخرج من الجامعة وهؤلاء لم يتخرجوا من الجامعة، إذاً القول قول هؤلاء.
انظروا كيف تبدأ الأمور تنمو رويداً رويداً في عقول العامة، أولاً حطوا من قدر الشريعة فجعلوها أقل بكثير بكثير من الدراسات العلمية، ثم بعد ذلك أنتجوا لنا ها تبع ذلك مجموعة من حملة الشهادات وهم ليسوا مؤهلين للكلام في دين الله ولا للتوقيع عن رب العالمين، وقد رأينا من هؤلاء ما تشيب له الرؤوس وتبكي العيون، كيف فلان وفلان يتصدر ويحملون الشهادات العليا وهم على يعني في مرتبتهم العلمية نضعهم في مرتبة طالب علم مبتدئ، هذه مشكلة أن تحياها الأمة اليوم.
ثم حينما يصدر هؤلاء وهم مشوهون ذهنياً وفكرياً، ويبدأ النقد يوجه إلى فتاواهم الشاذة المنحرفة، تبدأ العامة تقول: آه، هؤلاء الدكاترة وهؤلاء الطبقة العليا، آه إذاً هؤلاء هم الصواب ومن خالفهم فهو ليس من أصحاب التخصص، وهذه مشكلة نفسية علينا أن نحياها، ثم هؤلاء الذين يصدرون كما قلنا ويحصلون الشهادات العليا آه يتم بناءهم الفكري وفق آه آليه آه أن يكون طرحهم دائماً للعوام طرح معين، أنه ينبغي علينا آه أن نكون آه بهيئتنا وبلباسنا طريقة الأفرانج، وقضية الحرص على الهيئة واطلاق اللحية وما شابه ذلك، هذا ليس هو الدين وإنما الدين في الأخلاق والمعاملات.
يبدأ أسلوب طرح معين هؤلاء ليتفشى هذا الأمر بين طلبة العلم الذين يدرسون على أيديهم في الجامعات، أن الدين ليس بالهيئة وبالمنظر، وعليكم حتى تدخلوا في أن تظهروا بلباس المجتمع آه وببلباس عوام الناس، وإياكم أن تتميزوا بإطلاق اللحى وبالسمت وبالثياب آه البيضاء وما ذلك، يبدأ الطرح المشوه يأتي هذا الذي أقصده، كل هذه الأمور هي تتدافع الآن في الذهن، وأظن أن طالب العلم عليه أن يتفطن لما يجري لطبيعة المعركة، لأن بعض طلبة العلم يتعامل مع الواقع بسذاجة وببساطة ولا يعرف ماذا يكاد لهذا العلم، وكيف يخطط له ومن الذي يخطط وما مراميه في أفعاله؟
لذلك أنا أركز على قضية التمسك آآ الهيئة، البعض يقول الهيئة يا شيخ أمر ثانوي، أنا بالنسبة عندي اليوم الهيئة من الأمور الأساسية، نعم هي ليست من أصول الدين لكن من الأمور الأساسية لإظهار شعار العلم ولرفع معالمه وللتتمسك به حتى حتى لا يحدث هناك تميع في الفتيا، حتى لا يحدث هناك تميع في الآخرين مع الآخرين وعلى المناهج الباطلة، سمت العالم وهيئة العالم ينبغي أن تظهر على الصورة التي تبجل العلم والتي فيها صيانة للعلم حتى نحافظ على قيمة العلم من تلك الحرب التي تشن عليه وتريد أن تقلل من شأنه، هذه أظن فكرة آآ انتبهوا عليها وانظروا وتأملوا فيما نقلتوه لكم.
قد أقيم المسير إذاً الكبر، وعرفنا الكبر ما هو، كبر ما هو ليس بكبر، والرياء والعجب والسمعة، لأنه طلب آآ السمعة أن يكون هدفه ثناء الناس وأن يسمع به، البخل من الأخلاق الرديئة، الخبث خبث النفس، هنمكر بعض الناس يعني يتصدر للعلم لكنه فيه خبث في النفس، عنده مكر، عنده دهاء، دهاء لا يوظف لخدمة الشريعة بل يوظف دهاءه قاضي إخوانه ولي الوقيعة بهم، البتر، البتر آآ رد الحق واحتقار الناس أحبتي آآ الطمع، الطمع في الدنيا وفي أموالها، الفخر الخيلاء، الخيلاء التكبر، التنافس في الدنيا وما أكثرهم هؤلاء الذين يتنافسون على الدنيا وعلى مناصبها والمباهاة بها، يعني التكاثر بهذه الحياة الدنيا.
بعض العلماء أو من يتصدر للعلم إذا أصبح عالماً، طبعا أحبتي إذا قلت لكم العلماء وفيهم أخلاق رديئة فاعلموا هي كلمة العلماء إطلاق تجوزي، لأنه العالم هو الذي يعمل بعلمه، فحينما اسميهم علماء هي تجاوزاً ولا هم فقدوا كثيراً من علمهم بسبب هذه الأخلاق الرديئة، التنافس على الدنيا والمباهاة بها، وكل إنسان يظهر ما آتاه الله من متاع ومن قصور ومن ومن ومن، كل هذه الأمور أحبتي عندما تنظروا في سير الأوائل وفي سمتهم وفي هديهم، وعندما تقارنوا بين سير المعاصرين وأمورهم وصمتهم تعرفون مقدار فضل علم السلف على علم الخلف، وتدركون كم هي المسافة بعيدة بعيدة، وتعرفون كم آآ أو ما هو سبب أن العلم كان مؤثراً في حياة الأمة قديماً؟
العلم الشرعي كان له الهيبة والمكانة، ولماذا العلم اليوم يبتذل ولا يلتفت إلى أهله، ولماذا الأمة ما زالت بعيدة عن ميادين الانتصار؟ لأن رؤوس المجتمع وهم العلماء ما زالوا غير مؤهلين للقيادة لكثير من التشوه في حياتهم وفي سيرهم، دعك من الضعف العلمي الذي تعاني هذه الأمة أيضاً في تنشئة علمائها ودعاتها.
قال: والتزين للناس وحب المدح بما لم يفعل، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا كما ذم الله عز وجل بني إسرائيل، وهي آية عامة على بني إسرائيل وغيرهم، أي إنسان يحب أن يحمد بما لم يفعل، بعض الناس أو بعض العلماء يحب أن يحمد على أنه يتقن علماً من العلوم وهو لا يتقنه، يحب أن يظهر أمام الناس بمظهر أنه العالم النحرير الذي لا يشق له غبار في كل ميادين العلم وهو في الحقيقة لا يعقل سوى علم وعلمين، فمحبة أن يحمدك الناس بشيء وأنت مقتنع في الداخل أنك لا تتقنه هذا مرض على العلماء وعلى طلبة العلم أن ينتبهوا إليه.
قال: والعمى عن عيوب النفس والاشتغال عنها بعيوب الخلق، والحمية والعصبية لغير الله، آآ بعض الناس، بعض الدعاة، بعض المتصدرين للعلم ينشغلوا بعيوب الآخرين وبعيوب المخالفين، ودائما تجد المقولات والمقالات وما يكتب وما يصنف آآ انشغال بالاخرين وانكباب على تتبع العورات، وفي الحقيقة ما من عالم ينتهج هذا النهج إلا سقط، العالم الذي يكون نهجه في حياته العلمية التتبع للعورات والوقوف على أخطاء المخالفين هذا يسقط، وصدقوني أحبتي يعني بعض يعني ذكر أخلاقي من جماعة لكن أحياناً أنظر بنظرة عامة لمثل هذه الأمور.
العالم الصادق، العالم الصادق صدقه يظهر في جميع أخلاقه وفي جميع جوانب حياته، والعالم والعالم الفاشل الكاذب في علمه المنافق المرائي ستجد عنده أغلب هذه الأخلاق، تجد عنده غل وحسد وتتبع لعورات الناس ولا يدري عن عيوبه وكبر وبطر، ورد للحق، تجد عنده كل هذه الأخلاق، والعالم الصادق تجده بإذن الله
نقيًا من جل هذه الأخلاق، فالقضية الصدق مع الله. الصدق مع الله سبحانه وتعالى، وأن يكون هدفك في العلم ابتغاء وجه الله. هذا بإذن الله كفيل بأن ينقيك من كل الأخلاق الرديئة التي يمكن أن تصيب العلماء، كالكذب والنفاق والرياء وحب الدنيا والانكباب عليها.
هذا مقصدك بالعلم؛ فهذا كفيل بأن يورثك كل هذه الأخلاق الرديئة، لأنه كل خلق في الحقيقة ذكره يحتاج إلى كلام وتطبيقاته المعاصرة للأسف، ونحن لا نريد أن نذيع الطالب في حواشي هذا الأمر، نحن نريد أن نمر على هذا الكتاب، لكن أنا أطيك المسالك العامة، الصدق مع الله مفتاح كل خير.
وحب الدنيا والرياء والنفاق هو مفتاح كل شر من هذه الأخلاق. ثم قال والحمية والعصبية لغير الله، كالحمية والعصبية تصيب بعض الناس أو بعض العلماء لحزب لأحزابهم ولاتباعهم، أنتم تعلمون الخلاف اليوم في الساحة الإسلامية والدعوية، وتجد كل أصحاب طريقة لهم رؤوس ولهم دعاة. هؤلاء الرؤوس وهؤلاء الدعاة تظهر حقيقة صدقهم في المفاصل، حينما تخطئ جماعتهم أو حينما يخطئ أصحاب طريقتهم. هل ولاؤهم لله سبحانه وتعالى فيخطئون من خالف نهج الصواب؟ أم حميتهم وعصبيتهم لأحزابهم ولطرائقهم تحول بينهم وبين النصح لله سبحانه وتعالى وبيان الصواب من الفساد؟
فهذه أمور منهجية في حياة العلم، وهذا أيضاً حتى لطلبة العلم الذين ينتمون للطرق والطوائف، نقول لهم: عليكم أن تتقوا الله سبحانه وتعالى، وأن تكون حميتكم لله عز وجل، أن تكون حميتكم لله سبحانه وتعالى. وأنا ابتداء حينما أنصح طالب العلم أنصحه أن يكون متجرداً لله، أنصح طالب العلم أن يكون متجرداً لله سبحانه وتعالى، وأن يعمل مع كل صادق متبع لسنة محمد صلى الله عليه وسلم.
إياك يا طالب العلم أن تؤطر نفسك وأن تحجب نفسك في زوايا ضيقة مع فلان أو فلان، كن ربانياً لله وكن ناصحاً للأمة. هذه هي الرسالة التي تنتظرها منك الأمة، الأمة لا تنتظر منك أن تتحزب وأن تؤطر نفسك بطائفة معينة، الأمة تنتظر منك أن تكون مسلما عالماً لله سبحانه وتعالى. في الحقيقة أنا مع هذا النهج، مع نهج التجرد لله وعدم ألا يكسب طالب العلم نفسه أنا مع طائفة أو على طائفة أو ما شابه ذلك.
لو أن طالب العلم قال عن نفسه إنه مسلم على درب أهل السنة والجماعة ووقف، هل يضره ذلك أحبتي؟ هل يحتاج المسلم فعلاً بعد أن رأينا كل التجارب وكل الوقائع، هل يحتاج لأن يؤطر نفسه على طريقة معينة عليه أن تقبل خطأها وصوابها؟ إذا كنت متجردا لله سبحانه فستنظر إلى الصواب تقول عنه صواب مع من كان، وستنظر إلى الخطأ وتقول عنه خطأ مع من كان.
وهذا يريحك ولا يفرض عليك تبعات الطوائف التي تنتمي لها، ويريح المجتمع في نظرتك لك أنك رباني، ليس لك حسابات أخرى، حسابات طرقية كما يقولون، حساباتك لله ونصيحتك للأمة. العلماء الكبار على مدار الزمان ابن تيمية ومن قبلهم ومن بعدهم حينما قادوا الأمم للإصلاح والتغيير، لم يحسبوا أنفسهم على طريقة دون طريقة، طائفة دون طائفة، وإنما أطلقوا أنفسهم لله سبحانه وتعالى، كان دأبهم وهمهم أن تجتمع الناس على الصواب وعلى الحق، وأن يبتعدوا عن الأخطاء مع من كانت، وهذا هو النهج الذي ينبغي لطالب العلم أن يسلكه.
التجرد لله بكليته والنصيحة للأمة بكليتها، أن يقف مع الصواب مع من كان وأن يدحض الخطأ ويبين عواره مع من كان. نعم هكذا نتقدم، هكذا يكون للعلم ثمرته، أما كما يقول ابن جماعة إذا كانت الحمية والعصبية للطرق والطوائف ما فائدة العلم وما ثماره في حياة الأمة؟ هذا سؤال ينبغي عليك أن تنظر إليه وأن تتأمل بهدوء.
إذاً، والحمية والعصبية لغير الله، والرغبة والرهبة لغيره، الرغبة والرهبة لغيره، هذه من الأخلاق الرديئة. نعم، بعض العلماء بما عند الجبارين والمجرمين ورهبتهم من الجبارين والمجرمين، هو يرغب بدنياهم ويخاف من ذهاب الدنيا على أيديهم، فهو يرغب ويرهب هؤلاء وليست رهبته ورغبته لله سبحانه وتعالى.
أيضاً من الأخلاق الرديئة الغيبة، أن تذكر أخاك بما يكره، والنميمة. يعني في الحقيقة عالم يكون عنده نميمة، طالب علم متصدر عنده نميمة، مشكلة والله مشكلة، هذا تدمير للعلم، إضاعة للعلم، تقليل من شأنه، وهؤلاء الذين يكتسبون هذه الأخلاق الرديئة أحذرهم الله سبحانه وتعالى وأخوفهم من الله، لأنكم تعطون صورة سيئة عن العلم الشرعي وعن ثماره، فاتقوا الله عز وجل.
الغيبة، النميمة، البهتان، أن تذكر أخاك بما ليس فيه. فرق بين الغيبة والبهتان، الغيبة أن تذكر أخاك بما هو فيه وهو لا يحب أن تذكروا بهذا، وأما البهتان فهو أشد من الغيبة، أن تذكره بما ليس فيه، تصفه بصفة ولا يتصف بها. وعند كثير من أهل العلم وعند الحنابلة رحمة الله عليهم الغيبة والنميمة والبهتان من الكبائر، من الكبائر عليك أن تتوب توبة صادقة منها، لا تظن أن الغيبة هي مجرد شيء يعني خطيئة وذهبت، كثير من العلماء يعدها من الكبائر، فانتبهوا أحبتي.
قال والكذب والفحش في القول، واحتقار الناس ولو كانوا دونه، يعني يحتقر الناس حتى لو كانوا دونك لا تحتقرهم، أنت عالم بالعكس، أنت تتقرب من الناس، وظهورك بالهيئة وبالهندام الشرعي وبالصورة الشرعية هنا يحدث الخطر، ليس حاجزا بينك وبين الناس، بل بالعكس تظهر بلباس أهل الدين وتكون متحباً للناس متقرباً منهم.
هكذا كان الأئمة يلبسون اللباس الرصين الذي تنم عن العلم وتدل على العلم، ولكنه في نفس الوقت يتحبب يتودد، لباسه الشرعي لا بأس به، وتعامله مع الخلق بكل رقي وبكل أدب وبكل احترام وبكل تواضع، هذا هو الأصل. أما إذا جعلت هيئتك تحول بينك وبين الناس هنا تحدث المشكلة.
لكن أحياناً بعض الأفكار تأتي لابد أن أبثها، بعض الناس حينما يفهم مفهوم التواضع ومفهوم أيضاً هذه الفكرة مرة أخرى، عندما يفهم مفهوم التواضع وأني أكون قريب من الناس وألا أحتقر الناس وأتعامل معهم انبساط الوجه وطلاقته وحسن الجانب، يظن أن هذه المعاني السامية تعني أن يكسر كل الحواجز بينه وبين العامة، أن يكسر كل الحواجز بينه وبين العامة.
فبعض الناس الذين يتصدرون للعلم لجهلهم كيف يفهمون كسر الحواجز بينهم وبين العامة؟ حتى يعني يوصلوا الرسالة عامة بأننا متواضعون ولينون وعندنا رفق بكم، يفهمون أو يترجمون هذا من خلال كثرة الضحك والمزاح واللهو في مجالس مع العوام، يظن أنه هكذا يتودد إلى العوام ويكون متواضعاً، وهذا احتقار للعلم وعدم صيانة له.
أنت حينما تكون متودداً إذاً عليك أن تجمع بين التودد والصيانة، يعني لا تنظر إلى الخلق بعين واحدة، تتودد للناس وفي نفس الوقت تحافظ على صيانة العلم، أن تجمع بين الأمرين، فليس التودد للخلق واللين بهم والرفق وإظهار أنك غير متكبر معناه أن أكسر كل الحواجز بيني وبين الناس، فدائماً أشاركهم في محافلهم ضاحكاً صخاباً يمزح بكثرة ويضحك بكثرة.
هذا لا يليق وهذا فيه إهدار لحرمة العلم. بعض الدعاة يظهر أنه يعني متودد للناس ومتحبب لهم دائماً، وهذه انتبهوا لهالقضية في الحقيقة، أريد أن أنبه عليها دائماً يصورون أنفسهم بالصور الفوتوغرافية في بيتهم ومع زوجاتهم ومع أطفالهم ويرفعون هذه الصور على وسائل التواصل الاجتماعي حتى يقال انظروا إلى فلان كيف هو متواضع.
أخي الحبيب كن عاقلاً، بعض الدعاة يصور نفسه في جميع أحوال حياته، يصور نفسه وهو نائم، يصور نفسه إذا كان مع زوجته جالس في رحلة أو في نزهة، يصور نفسه في تقلبات الحياة إذا كان متخففاً من ثيابه، ثم يظن أن هذا هو التواضع مع العوام، هذه هي السماحة وأنه ينبغي أن نكون مع الناس ولا ينبغي أن تكبر، أخي كن عاقلاً.
فرق بين أن تكون متودداً ومتحبباً بأخلاقك وصمتك وأن تعين الناس في قضاء حوائجهم وتسير معهم في امورهم وبين أن تبتذل نفسك وتبتذل العلم بإظهار أحوالك اليومية وأيامك وصولاتك وجولاتك أمام الناس على وسائل التواصل.
هذه قلة أدب مع العلم، ليس هذا هو العلم. ليس العالم والداعية المتصدر وطالب العلم الذي يستحق أن يتصدر، ليس هو يصور نفسه دائماً ويرفع صوره على وسائل التواصل، ويضحك مع فلان ويبتسم ويصور، وإذا ذهب إلى طعام وشراب يصور نفسه في المقهى الفلاني وفي المطعم الفلاني وعلى المائدة الفلانية.
والله تحقرون العلم بهذه التصرفات! تجعلون الفكرة عند الناس أن العالم وأن الداعي هو الشره في المطاعم والمشارب، ومن مطعم إلى مطعم، ومن مجلس إلى مجلس، ومن لهو أو ضحك إلى متاع الحياة الدنيا. والله أنها إهدار لقيمة العلم. هؤلاء الدعاة في الحقيقة علينا أن ننتبه لتصرفاتهم، وأن أنبه طلبة العلم على هذه التصرفات من الآن. يا طالب العلم، أحذر من الآن أن تأخذ هؤلاء قدوة في هذه التصرفات، أحذر أن تأخذهم قدوة في هذه التصرفات.
لا داعي أن تنزل صورتك مع زوجتك على وسائل التواصل، والله لا نحتاج إليها. في الحقيقة لا نحتاج إليها، أنت متواضع من دونها. لا حاجة إلى أن ترفع صورتك مع أبنائك وأطفالك وأنت تلهو معهم، فأخلاقك تظهر من دون حاجة إلى كثرة التوسع دار العلم وإظهار ماء الوجه من هذه الأمور، فالعلم لا يحتاج إلى هذا منك، والتواضع والأخلاق الرفيعة تظهر بأقل من هذا والحمد لله.
نحن نريد منك تواضعاً مع صيانة أهل العلم، مع احترام، مع تبجيل. هذه الطريقة التي ترتكبها أيها الداعية هي بالعكس، هي تحط من قدر العلم وتحط من قدر الدعوة، وتظهر الداعية -كما قلنا- في منظر الشره الحريص على الدنيا ومتاعها ولهوها ولغوها. نحن نريد المتزن، نحن نريد الاتزان في المظهر، في الهيئة، في الدعوة، في الهيبة، في الوقار. عندما ينظر إليك يكون هناك هيبة للعلم، نرى هيبة العلم في وجهك وفي منظرك وفي مسيرك.
وفي نفس الوقت تداعب إخوانك، تسير معهم في حوائجهم، الوجه طلق معهم، تسلم على الخاصة وعلى العامة، تنصح الجميع، إذا دعيت إلى وليمة تأتي، إذا كان هناك حاجة إلى أن تكون في المشكلة لحلها تقف مع الناس، هذا هو التواضع وهذه الأخلاق بأجمل صورها وأبهى صورها من دون الحاجة إلى ذاك التتابع والتدافع إلى وسائل التواصل الاجتماعي. بل بعضهم -للأسف مما يحزن القلب- أن ترى بعض الدعاة حتى يظهر شدة تواضعه -كما يتوهم- يظهر بملابس أو أردية، لأن الصورة مطبوعة الذهن أتكلم بها؛ رأيت أحدهم يظهر بملابس أندية أجنبية من أندية الغرب، وهو يتكلم في الدين، يصور مقطع دعوي يتكلم به عن الدعوة والإصلاح وهو يلبس ملابس أندية كرة القدم الأجنبية والغربية.
وإذا نوقش لذلك يقال إنه لماذا الانغلاق؟ ينبغي أن ندخل في العامة. أخي الكريم، كن عاقلاً، الدخول في العامة شيء، وصيانة العلم وحرمة العلم وتوقير العلم شيء آخر. نحن نحتاج إلى كل هذا الابتذال والى كل هذه الصور الزائفة منك، اترك عنك هذا اللهو وهذا العبث وارتق بعلمك، واجعل العلم كما كان السلف. كما يقول الحسن البصري: الرجل إذا شرع في طلب العلم يظهر العلم في سمته، في هيئته، في منظره، يققال فلان عالم.
صدقوني أحبتي، أن الإنسان المتزن اليوم، العامي المعتدل الذي يؤتيه الله حكمة، إذا نظر في دعاة اليوم بنظرته الهادئة يستطيع أن يميز بين هذا الرجل أنه عالم متواضع وعنده صيانة للعلم، وبين عالم أو متصدر لعلم أو داعية يبتذل العلم بفعله ويتصنع التواضع وهو في الحقيقة يزدري بالعلم. فلا تظن الأمر ينطوي علينا، الأمور واضحة بهدوء باتزان، انظر في سير الأوائل افعل كما فعلوا، وإاياك أن تبتدع مناهج دخول في العامة ليست هي مناهج أهل العلم. يعني فقط من الأمور التي تأتي في الذهن، المهم قال والفحش في القول واحتقار الناس ولو كانوا دونه، هذه التي أتت بنا لكل هذا بالتفصيل، واحتقار الناس ولو كانوا دونه، فالحذر الحذر، يحذر ابن جماعة من هذه الصفات الخبيثة والأخلاق الرديئة، فانها باب كل شر بل هي الشر كله.
وقد بلي الآن ابن جماعة -كحال زماننا- يصف حال بعض الفقهاء في زمانه، يقول: وقد بلي بعض أصحاب النفوس الخبيثة من فقهاء الزمان -أي في زمنه- بكثير من هذه الصفات. إذاً الأمر ليس وليدة الوقت الحاضر بل هو يوجد في الأزمنة المتقدمة، في كل عصر من العصور وجد علماء السلاطين، وجد أصحاب النفوس المريضة الخبيثة الذين حملوا هذا العلم ولم يقصدوا به وجه الله، وجد في كل زمان ومكان أمثال هؤلاء. فابن جماعة يشكو حال بعض فقهاء زمانه الذين نالوا نصيباً من هذه الصفات الرديئة، لذلك قال: وقد بلي بعض أصحاب النفوس الخبيثة من فقهاء الزمان بكثير من هذه الصفات إلا من عصم الله تعالى.
ولا سيما، سيركز ابن جماعة لأخلاق معينة انتشرت في فقهاء زمانهم، وسيعطي بإشارات سريعة علاج لهذه الأخلاق المعينة التي سيصب اهتمامه عليها. قال: ولا سيما الحسد، لاحظوا إذاً الحسد من أشهر الأمراض التي تغزو الدعاة، العجب بالنفس وبالأداء العلمي والدعوي، الرياء أن يطلب وجه الناس، واحتقار الناس، والكبر. إذاً هي أربع أخلاق يركز عليها ابن جماعة، أو أربعة أخلاق: أولاً الحسد، ثانياً العجب، ثالثاً الرياء، ورابعاً احتقار الناس.
هذه الأخلاق الأربعة -يعني بعد ما أعطاك جملة كبيرة من الأخلاق- يريد أن يركز على هذه الأخلاق الأربعة لأنها فاشية في كثير من الدعاة وطلبة العلم والعلماء. قضية الحسد، يعني يا طالب العلم، لا تظن كل عالم تكلم في غيره أنه يريد وجه الله بهذا الكلام، بل بعضهم والله إنما يتكلم في غيره لحسده، فالحسد، العجب، الرياء، احتقار الناس، هذه رؤوس الأخلاق السيئة التي يمكن أن تفشو في العلماء وفي طلبة العلم.
كيف الدواء من هذه الأمور؟ طبعا هذه والعلاجات كما ذكر ابن جماعة قال: وأدوية هذه البلية مستوفاة في كتب الرقائق. يعني كيف نعالج الحسد؟ كيف نعالج الرياء؟ كيف يعالج طالب العلم قضية العجب؟ كيف يعالج قضية احتقار الناس؟ علاج مفصل هذا تجدونه في كتب التزكية والرقائق. وقد سبق أن شرحنا رسالة المسترشدين للإمام الحارث المحاسبي رحمة الله عليه، ووقفنا على شيء من هذه الأدوية التي طرحها هذا الواعظ الجليل رحمة الله عليه.
ومن نظر وأدمن النظر في كتب علماء التزكية كابن القيم رحمة الله تعالى عليه، وكذلك الغزالي في إحياء علوم الدين مع شيء من التبصر في قراءة كتابه، من اهتم بقراءة كتب التزكية والوقوف سيستفيد جداً في علاج هذه الأمراض. لكن الأهم والأهم لعلاج هذه الأمراض اللجوء إلى كتاب الله سبحانه، فوالله من تأمل في كتاب الله ووقف على هدي محمد صلى الله عليه وسلم ونظر في سيرته سيجد العلاج لكل هذه الأمراض بإذن الله.
قال سبحانه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ. فالقرآن فيه شفاء ليس فقط من أمراض الجوارح الظاهرة، بل يشفي أيضاً من أمراض القلوب. فمن قرأ القرآن بهدوء وبتدبر، القرآن يقوده إلى علاج هذه الأمراض وكيف يتعامل معها. فابن جماعة هنا يحيل إلى كتب الحارث المحاسبي، قال: أدوية هذه البلية مستوفاة في كتب الرقائق، فمن أراد تطهير نفسه منها فعليه بتلك الكتب.
ومن أنفعها -هذه نصيحة مني ومن جماعة- يقول: ومن أنفعها كتاب الرعاية للحارث المحاسبي. كتاب الرعاية هو كتاب في الوعظ وفي الزهد وفي الرقائق، يتكلم عن أمراض القلوب وكيف يعالج الإنسان هذه الأمراض. وفي الحقيقة جل كتب الحارث المحاسبي، سبق لنا أن شرحنا المسترشدين له، وكتاب الرعاية، وكتاب التوهم، وإن كان يتكلم عن حياة الإنسان في قبره وفي اليوم الآخر، لكن رسائله الوعظية جميلة وهادئة وفيها اتباع للسنة وللكتاب. فابن الحارث المحاسبي الجيد في نهجه أنه لا يشطح شطحات أهل التصوف الغالي، لأنه من متقدمي علماء السلوك، لذلك تجد منهجه دائماً يحوم حول الكتاب والسنة. نعم
أحمد بن حنبل مع الحارث المحاسبي وتحديد أحمد بن حنبل من الحارث المحاسبي ونهجه، كانا في زمن واحد. في الحقيقة لها دواعيها المعينة ولها أسبابها التي فسرناها في شرح رسالة المسترشدين، ولا أريد أن أطرق إليها الآن لأن هي معالجة قضية لأحمد بن حنبل ولحالة المحاسبي، وأن أحمد بن حنبل لا يريد في عصره في انتشار السنة وظهور الاهتمام بها، لا يريد للناس أن تذهب إلى الكلام، خطرات والتزكيات والرقائق، ويذهب إلى كلام البشر ويترك كلام محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن.
فَهذا كان اهتمام أحمد بن حنبل لأن السنة ظاهرة وقوية وانتشارها، فأحمد بن حنبل لا يريد للناس أن تنصرف إلى خطرات المحاسبة وآدابه وأفكاره؛ هذه مأخوذة من الكتاب لكنها خطورة بشر، ويترك الاهتمام بالكتاب والسنة. خشي أن يكون فتح باب شر للناس، فطلب من الناس أن يبتعدوا عن الخطرات التي يطرحها.
لكن في زماننا اليوم الناس غير مشغلة، ليست مشغلة بالسنة ولا بالكتاب، فتوظيف كلام الحارث المحاسبي المأخوذ من الكتاب والسنة قد يكون له جانب كبير من الصواب في إيصال الأفكار الصحيحة وصياغتها للناس بصورة واضحة، خاصة أن الناس كما قلنا هجرت الكتاب وهجرت السنة، ونسأل الله السلامة والعافية.
الآن سريعاً سيطرح ابن جماعة حلولاً لهذه الأمراض الأربعة التي ذكرناها، هي أربعة ولا خمسة كانت؟ قال: سيبدأ بالحسد. قال: من أدوية الحسد الفكر بأنه اعتراض على الله سبحانه وتعالى في حكمته المقتضية تخصيص المحسود بالنعمة، كما قال الشاعر العربي، اللي هو جميل بن معمر، هذا الشاعر جميل بن معمر ذكره أبو تمام في الحماسة: فإن تغضبوا من قسمة الله بيننا فالله إذ لم يرضكم كان أبصرا. وفي نسخة الحماسة: فلا الله إذ لم يرضكم كان أبصرا.
يقول ابن جماعة: من أهم الأدوية التي يمكن أن يعالج بها طالب العلم، ويعالج نفسه من الحسد، أن يتفكر أن حسده للآخرين إنما هو محض اعتراض على إرادة الله سبحانه وتعالى وعلى قضائه. فالله سبحانه وتعالى حينما يققدر لذاك العالم أو لذاك الطالب أن يفوقك في العلم، فهذه قسمة الله له ورزقها له، وأنت ربنا سبحانه وتعالى كتب لك نصيباً من العلم لن تعدو هذا النصيب مهما فعلت، وذاك الرجل لن تعدو ذاك النصيب مهما فعل.
فاعتراضك، تمنيك أو حسدك وتمنيك زوال النعمة عن ذاك المخالف لك أو عن العالم أو عن زميلك أو عن قرينك في الدراسة، هو نوع اعتراض على الله سبحانه، اعتراض لا يجلب لك خيراً. يعني لو كان هذا الاعتراض سيجلب لك الخير والنفع والصلاح، لربما تأملنا وتدبرنا في، لكن صدقني هذا الاعتراض وهذا الحسد لن يجلب لك نفعاً، بل سيجلب لك شغل القلب وتفطله وتقطعه وتحسره على ما فاتك من الدنيا، هذا ما سيجلبه لك الحسد.
لذلك جميل بن معمر كان حكيماً حين قال: فإن تغضبوا من قسمة الله بيننا فالله إذ لم يرضكم كان أبصرا. طبعا هو يمدح، عليك أن تقرأ القصيدة، أول أبيات المقطع من أوله حتى تعرف أن هو يتكلم ويفتخر أن ربنا سبحانه وتعالى أعطانا وأعطى معشرنا مناقب عظيمة فلا تحسدونا على هذه المناقب، فهذه قسمة الله سبحانه وتعالى بيننا.
قال: مع ما فيه من الغم وتعب القلب وتعذيبه بما لا ضرر فيه على المحسود، يعني أنت أيها الحاسد تتعب قلبك وفؤادك وروحك من دون أي فائدة ولن تضر المحسود بإذن الله. وهذه العبارة ربما يكون فيها نظر، أن المحسود لا يتضرر؛ إذا الإنسان حسد شخصاً يمكن أن يتضرر، يعني أنت تؤذي الآخرين ولا تجلب الخير لنفعك، فقوله بما لا ضرر فيه على المحسود لا، نقول: يمكن بالعكس، قد يتضرر المحسود، عندما مش بقول لك: فلان محسود، أصابته عين أو ما شابه ذلك.
فالعين نعم، بعض أشكال الحسد وبعض أشكالها من غير الحسد، لكن المهم أن الحسد قد يؤدي إلى إضرار الآخرين وإنزال البلاء والامراض بهم، فعليك أن تتقي الله سبحانه، لا تؤذي الآخرين بسبب قلبك المريض الفاسد. بعض الناس يظهر التواضع وينزل صوره على وسائل التواصل أنه متواضع ويتكلم بكل هدوء، ولكن قلبه مليء حسداً وحقداً على إخوانه.
إذا أردت التواضع الحقيقي لا نحتاج إلى صورك على وسائل التواصل، التواضع الحقيقي أن تطهر قلبك من الحسد، من الغل، من الكبر، وتكون صادقاً في إيصال الرسالة للمخالفين وللمقربين. وأنا أرى في الحقيقة أن من أهم طرق علاج الحسد أن يشغل طالب العلم نفسه، اشتغل واطلب العلم حتى لا تجد وقتاً للتفكير بما عند الآخرين، اقرأ وتعلم وتقدم، تريد أن تصل لما وصله فلان؟ بدل أن تحسده وتشتغل به، اشتغل على نفسك، تعلم واقرأ وسر واستفد وحقق، هنا الذهن يشغل بالعلم ولا يجد الإنسان وقتاً للتفكير بالآخرين، وبالتالي بإذن الله استفدت وأفدت وارتحت وأرحت.
ثم قالوا: من أدوية العجب، سيذكر الآن أدوية الداء الثاني، داء العجب، ما أدويته؟ قال: ومن أدوية العجب تذكر أن علمه وفهمه وجودة ذهنه وفصاحته وغير ذلك من النعم، فضل من الله عليه وأمانة عنده ليرعاها حق رعايتها. الإنسان الذي يصاب بداء العجب، نذكره أنه كل ما آتاك الله عز وجل من هذا العلم الذي تفخر به على الناس هو محض فضل الله عليك.
وفي لحظة، وكم وقع هذا مع كثير من الناس؟ وفي لحظة قد تسلب العلم وفي لحظة تصاب بحادث سير لا سمح الله أو ما شابه ذلك، ويذهب العقل ويذهب كل المحفوظ وكل المعلوم وتصبح طريح الفراش ولا يلتفت إليك أقرب الناس إليك، لأنك كنت عندك عجب وتكبر عليهم، ثم عندما ابتلاك الله عز وجل فقدتهم أنت الذي أضعتهم ابتداء. فكل ما آتاك الله عز وجل من العلم، من الفهم، من فصاحة اللسان، حسن المنظر، حسن الهيئة، أيها العالم، فهذا محض فضل الله سبحانه، يعني أنت لم تفعل شيئاً من قبل نفسك إلا ربما سلكت شيئاً من الأسباب، وهذه الأسباب قد لا تنتج مسبباتها إذا لم يرد الله سبحانه وتعالى ذلك.
فالذي وفق للسبب وللمسبب هو الله عز وجل، فاعرف قدر نعمة الله سبحانه وكن على خشية وإخبات وأنابة، واحذر أن يسلبك الله سبحانه وتعالى هذه النعمة في طرفة عين، ما بين غمضة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال. قال: وإن معطيه إياها قادر على سلبها منه، هذا الذي قلته لكم، وإن معطيه إياها الذي منحه هذه النعم قادر على سلبها منه في طرفة عين، كما سلب بلعم بن باعوراء، ذاك العالم الذي في بني إسرائيل كان عالماً جليلاً معلوماً عندهم بالعلم والورع، عندما عصى الله سبحانه وتعالى وعندما خالف مراد الله، الله سلب منه علمه.
سلب منه علمه، واختلف أصحاب القصص في سبب الفعل الذي فعله، يشتهر أن بلعم بن باعوراء طلب منه بنو إسرائيل أن يدعو على موسى، رفض ابتداء ثم أجابهم إلى مرادهم وأطاعهم في هواه، سلب الله منه العلم، فقضية بلعم بن باعوراء هي شاهد على أن الله سبحانه وتعالى قد يسلب العلم من الشخص ويذله في الحياة الدنيا قبل الآخرة.
فعلى العالم وعلى المتصدر أن يكون على خشية وأنابة وخوف، وألا يتعجب بعلمه وألا يفتخر بنفسه، فمن منحه هذه النعم قادر على أن يسلبها منه، قال: وما على الله بعزيز، أفأمنتم مكر الله؟ هل تأمن مكر الله أيها العالم، أيها المتبجح، أيها المتكبر؟ لا تأمن مكر الله، فكن متواضعاً هيناً سهلاً، فالحياة أقل من أن تتعجب وأقل من أن يكون عندك حسد وغل وحقد على إخوانك.
ثم يذهب إلى إثارة الرياء، قالوا: من أدوية الرياء الفكر بأن الخلق كلهم لا يقدرون على نفعه بما لم يقضه الله له، الخلق لا يقدرون على نفعك بما لم يقضه الله سبحانه وتعالى لك. صحيح، فأنت لمن ترائي للناس؟ أليس كذلك؟ أنت ترائي حتى الناس تثني عليك، تشير إليه بالبنان أو أو أو لو أشاروا إليك بالبنان لو فعلوا ما فعلوا وأعلم في النهاية.
هذا الجمهور الذي تسعى لاكتسابه، قلبهم بيد الله، فهم اليوم معك، والله سبحانه وتعالى في لحظة واحدة قادر أن يفضحك أمامهم، وأن يجعلهم ينقلبون عليك. يعني لا تظن أنك كسبت الجمهور انتهى الأمر، ستبقى هكذا الأمور إلى النهاية، لا. اليوم هم معك، فعلت أفعال أنت جيدة يحمدك الناس عليها، إذا كانت نيتك في داخلك وفي باطنك هذا الجمهور وهذا الثناء، أحدر أن يمكر الله بك، وأن ينقلب الجمهور عليك في لحظة واحدة.
وانظر فيه واتعظ بحالة كثير من الدعاة اليوم كيف انقلبت الحال عليهم، فالإنسان يكون منتبه ومتيقظ ويعتبر من حال الآخرين قبل أن يكون هو العبرة بنفسه للاخرين. اتعظ من غيرك ولا تكن أنت العبرة لغيرك. فالخلق كلهم لا يقدرون على نفعه بما لم يقضه إلا له ولا على ضره بما لم يققدره الله تعالى عليه. الناس لا تنفع ولا تضر باختصار، فلم يحبط عمله ويضر دينه؟ يعني ليه تحبط عملك وتضر دينك، ويشغل نفسه بمراعاة من لا يملك له في الحقيقة نفعا ولا ضراء، مع أن الله سبحانه، لاحظ يطلعهم على نيته.
ربنا قادر على أن على نيته وقبح سريرته كما صح في الحديث، انظر هذا الحديث لكل إنسان يرائي، لكل إنسان يطلب الجمهور من الدعاة ومن العاملين اليوم: مَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ. يعني الله سبحانه وتعالى يطلع الناس على نيتك الفاسدة، وعلى أنك تطلب الدنيا وتطلب الثناء. وصدقوني أحبتي أنتم بانفسكم بشيء من التأمل تستطيعون أن تدركوا حال كثير من الذين يتصدرون اليوم، تدركون حال كثير منهم كيف أن من رأى رأى الله به، واطلع الناس على فساد نيته بفلتات اللسان، بالتصرفات الحمقاء، بالفتاوى، بالشذوذات والمخالفات، بالظهور في المواقف التي لا تليق.
فانتبهوا أيها الدعاة، وانتبهوا أيها المصلحون، ونسأل الله الستر، نسأل الله أن يستر عيوبنا، نسأل الله أن يستر عيوبنا، نسأل الله أن يستر عيوبنا في الإنسان. لا يأمن على نفسه ولا على حي فتنة. قالوا من أدوية احتقار الناس تدبر، تدبر ومن أدوية احتقار الناس تدبر قوله تعالى: لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْقٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ، وفي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ، لا يدهنا فيها اقتطاع، ثم قال: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ مباشرة قفز، هي الآية: إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ.
فمن عنده هذه النسوة ينتهي الآية، فيها اقتطاع. وقال سبحانه: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ. فكل هذه الآيات تطالبه وتدعوه أيها المسلم إلى ألا تحتقر الناس، فكلنا في النهاية من أقصى الأرض إلى الأقصى خلقنا من آدم وحواء، خلقنا ذكرا وأنثى، والكرامة عند الله إنما هي بالتقوى. فلا جنسك ولا لونك ولا حجمك ولا جمالك ولا هيئتك وكل هذه الأمور لا تجعلك عزيزا في نفسك، وإنما العزة الحقيقية أن تكون عبدا لله طائعا له، هنا تأتي الكرامة. ومن كان كريما عند الله سبحانه، فلا يمكن أن يكون محتاج مفتقرا للخلق.
ثم قال وربما كان المحتقر يعني الشخص الذي تحتقره، ربما كان أطهر عند الله قلبا وأزكى عملا نية منك، يعني أنت تحتقر شخص تنظر إليه أنه فلان مسكين، حاله رثة، لا يملك شيء من متاع الدنيا، أو أنه لا يحسن لا يتقن من العلوم ما أتقن. لكن هذا الإنسان الذي تنظر إليه بعين المسكنة، قد يكون عنده من الصدق مع الله سبحانه وتعالى، ومن محبة الخير للناس، ومن قيام الليل، ومن الدعاء في الأسحار، ومن الإنابة والخشية والبكاء خوفا من الله سبحانه وتعالى والرغبة والرهبة إليه، ما يجعله يفوقك عند الله درجات ودرجات، وأنت تظن نفسك بالعلم الذي تتزين به وتتظاهر وتتعجب به أو تعجب به، تظن نفسك أنك وصلت المرتبة العليا.
ثم تأتي يوم القيامة فتجد كل هذا العلم جعله الله هباء منثورا، لأنه لم يكن لله سبحانه وتعالى، وجعلته مطية لتحتقر خلق الله، والله سبحانه وتعالى لا حاجة له بعلمك، لا حاجة له بعلمك. قال وربما كان المحتقر أطهر عند الله قلبا وأزكى عملا وأخلص نية، كما قيل أن الله سبحانه أخفى ثلاثة في ثلاث، هذه حكمة قيلت أن الله أخفى ثلاثة في ثلاث، وليّه في عباده، ورضاه في طاعته، وغضبه في معاصيه.
ربنا سبحانه وتعالى أخفى الولي من عباده، أنت بتقدر تجزم أنه فلان ولي من أولياء الله؟ لا أحد يستطيع، لقد تجد رجل أسود البشرة مسكين الحال، لا يملك من متاع الدنيا شيء، ينظر الناس تغرق دونه الأبواب ويدفع عنهم. وهذا الرجل المسكين الذي تحتقره الناس، هو ولي من أولياء الله سبحانه وتعالى، أولياء الله أخفاهم الله في عباده، لا نستطيع أن نعلم من هم، نعم لنا ظاهر بعض الناس من العلماء السابقين لا نزكيهم على الله سبحانه، الله أعلم بحال قلوبهم، لكننا ظاهرهم أنهم على خير وأنهم علماء الأمة والسادة، ونحسبهم أنهم أولياء الله، وأن العلماء أولياء الله كما قال الشافعي.
لكن في النهاية الوقوف على حقيقة الولي ومن هو فعلا الولي هذا ربنا أخفاه سبحانه وتعالى. وربنا عز وجل جعل رضاه في ضمن طاعته، وجعل غضبه في ضمن معاصيه. فالرضا أخفاه الله في طاعته، والغضب أخفاه الله سبحانه وتعالى في معاصيه، فلذلك عليك أن تطيع الله سبحانه وتعالى حتى تصل إلى الرضا، وعليك أن تتجنب المعاصي حتى لا تقع في الغضب والسخط.
ثم بعد أن أنهى الأخلاق السيئة سرد الأخلاق النافعة، أسردها معه سريعا ونقف إن شاء الله عند هذا الفصل. قال ومن الأخلاق المرضية، لانه قال هناك أخلاق رديئة عليك أن تجتنبها وقفنا عندها وحللناها، الآن نذهب إلى الأخلاق المرضية سريعا، إذا عرفت الأخلاق الرديئة فخذ مقابلها هي باختصار.
قالوا من الأخلاق المرضية التوبة، لاحظ دوام التوبة، يعني أنت عالم لم تصل إلى لم تتجاوز القنطرة ودخلت الجنة، عندك معاصي. يا طالب العلم الذي تتصدر عندك ذنوب انتبه، انتبه نعم قبل أن يفوتك الأوان وأنت تظن نفسك من الأولياء الصادقين فإذا أنت في قعر الجحيم نسأل الله السلامة والعافية.
قالوا من الأخلاق المرضية دوام التوبة، والإخلاص، واليقين بوعد الله، والتقوى، والصبر، والرضا، والقناعة، والزهد، والتوكل، والتفويض، تفويض الأمر إلى الله سبحانه هذا التفويض الشرعي، وسلامة الباطن، وحسن الظن بالله الآخرين أيضا، والتجاوز، وحسن الخلق، ورؤية الإحسان أن ترى إحسان الله عز وجل إليك وتعظمه وتشكره سبحانه، وأن ترى أيضا إحسان الناس إليك، يعني لا تكن جاحدا لمعروف الآخرين. وشكر النعمة، والشفقة على خلق الله سبحانه وتعالى، والحياء من الله تعالى ومن الناس، ومحبة الله هي الخصلة الجامعة لمحاسن الصفات كلها.
إذا الخلق الأساسي الذي إذا وجد عندك جمعت كل المحاسن وكل الخيرات، أن تحقق محبة الله عز وجل. طيب كيف أحيقق المحبة؟ الله عز وجل أوضح لنا النهج في كتابه أن المحبة سبيلها المتابعة لمنهج محمد صلى الله عليه وسلم، قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ. تريد المحبة لله؟ تريد محبة الله لك وتريد أن تكون محبا لله؟ تريد الأمرين معا؟ عليك بآية المحبة، هذه الآية حماية المحبة، قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ أنتم تزعمون أنكم تحبون الله، خذوا معيار المحبة فَاتَّبِعُونِي. فإذا اتبعتموني اه ليس هذا دليل على أنكم تحبون الله، بل هو دليل على أن الله يحبكم. فمن وفقه الله سبحانه لمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم، فهذه أمارة محبة متبادلة بينه وبين ربه عز وجل.
كان مبحث إذا كبير من مباحث الأخلاق مر به ابن جماعة وأشار إليه، وكل خلق من هذه الأخلاق يحتاج إلى محاضرة من محاضرات التزكية وعلم سلوك، لكن الإشارة تكفي اللبيب، وإن شاء الله في الدرس القادم نبدأ بالأدب العاشر وهو أدب مهم يتعلق باغتنام الأوقات والأزمان.
أسأل الله أن يعيننا على أن نغتنم أعمارنا في طاعته وفي طلب العلم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل