تسجيل الدخول

شرح تذكرة السامع والمتكلم (8)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا طالبا للعلم يرجون نفعه، اسمع نصيحة ناصح معواني. أخلصوا لربك في أمورك كلها، فالمخلصون هم أولو العرفان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين.

وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، فمحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا ومعلمنا ومربينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب تذكرة السامع والمتكلم بأدب العالم والمتعلم للإمام ابن جماعة الكناني الشافعي رحمة الله تعالى عليه.

وما زال المسير قائماً في التحدث عن آداب العالم في نفسه، ومع أسرته، ومع مجتمعه؛ كيف تكون علاقة العالم مع الله سبحانه وتعالى؟ كيف تكون علاقة العالم مع الدائرة القريبة منه؟ مع خواصه؟

فتكون علاقة العالم مع الناس، ما هي الأدبيات التي ينبغي أن يتحلى بها العالم ولا يجوز له أن يتخطاها، بينما قد يسامح عوام المسلمين في تخطيها؟ هذه الأمور هي التي يريد ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه أن يبنيها في هذه الأبواب التي مضت والتي ستأتي معنا بإذن الله.

آه، حديثنا اليوم يعني بعد أن فرغنا في المحاضرة السابقة عن الحديث آه عن أخلاق العالم مع الناس، وما هي الأخلاق الكريمة التي ينبغي أن يتحلى بها، وما هي الأخلاق الدنيئة التي ينبغي أن يجتنبها؟ سينتقل بنا ابن جماعة رحمة الله عليه في المسألة العاشرة والتي تليها، هذه المسائل الأخيرة في هذا الفصل سيتحدث فيها آه عن حياة العالم العلمية.

يتحدث عن حياة العالم العلمية، كيف يستغل العالم وقته؟ كيف يستغل لحظات الحياة وهذه الأنفاس قبل أن تنفذ من بين يديك؟ بماذا يشغل وقته؟ تصنيفاً، تعليماً، تدريساً؟ هذا كله سيطرحه ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه في هذه المسائل القليلة التي بقيت من هذا الفصل، وسيبدأ بالحديث عن أهمية الوقت والعمر للعالم، بل ولطالب العلم وللمسلم عموماً.

فماذا قال رحمة الله عليه؟ العاشر: دوام الحرص على الازدياد، دوام الحرص على الازدياد. هو الآن يتحدث عن أدبيات العالم، ركزوا، وليس عن أدبيات طالب العلم.

يعني على العالم أن يحرص من على الازدياد، وبالتالي عند العلماء وفي منظورهم لا يوجد عالم بلغ المنتهى في العلم، ومتى ظن العالم أنه بلغ المنتهى في العلم فهذا بداية النقص، ودليل جهل وأمارة تكبر، عليه أن يراجع نفسه قبل أن تستحوذ عليه وتضيعه. إذاً، ابن جماعة بماذا بدأ هذا الفصل؟ قال: دوام الحرص على الازدياد.

العالم الرباني هو الذي يكون حريصاً على الازدياد من العلم، لا يتوقف تلقيه في يوم من الأيام. ومن جميل ما يروى عن أحمد بن حنبل بعد أن أصبح إماماً، أنه سمع بقدوم أحد الأئمة رواة الحديث من بلد غريب إلى بغداد، والامام أحمد أصبح إاماً كبيراً.

فإذا به ينطلق مع الطلبة ويجري معهم جرياً حتى يدرك السماع من هذا الإمام الذي قدم إلى بغداد، فرآه أحد أصدقائه أو أحد طلبته فقال له: إلى متى هذا الجري يا إمام؟

إلى متى هذا الجهل؟ يعني أصبحت إماماً كبيراً متبعا،ً إلى متى تجري مع الطلبة وتتبعهم للوصول وللسماع؟ أنت الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة، راوي الحديث، الناس من مشارق الأرض ومغاربها تأتي لتسمع منك، ونجدك تسارع مع الطلبة لسماع رجل قدم بشيء من الحديث.

فقال: أسمع حتى أدخل القبر، أو كما قال رحمه الله. لاحظوا، أسمع وأطلب حتى أدخل القبر. انظروا كيف كان العالم يبقى يطلب العلم إلى آخر أنفاس الحياة. هكذا فهموا العلم رحمة الله عليهم، فسادوا، وكتب الله سبحانه وتعالى البركة في علومهم.

لأن العالم عند السلف رحمة الله عليهم لم يكن يعد نفسه وصل إلى المنتهى والغاية التي لا، بل يظن نفسه أنه ما زال جاهلا، ويحسب نفسه أنه يحتاج إلى العلم أكثر وأكثر، ويستمر في الطلب والتحصيل.

أسمع من الكل، من الجميع، إلى أن يرتقي ويرتقي حتى يلقى الله سبحانه. كم من إمام تعلم مسألة وسأل عنها وهو على فراش الموت! والله عجيب أحبتي، تروي لنا كتب السير عن أئمة كبار كانوا يناقشون يبحثون مسائل ويطلبون علمها وهم على فراش الموت. انظر الحرص على العلم إلى آخر الأنفاس بهكذا أو على هذه الصورة ينشأ العالم.

هكذا نكون طلبة علم متمكنين. أما طالب علم إذا درس كتاب أو كتابين يصدر نفسه ولا يسمح لأحد أن يرشده وأن ينبهه وأن يقول له ترى عندك نقص في جانب، أو ربما هذه المسألة لم تطلع عليها، تجد الأنفة مع أنهم لم يبلغ معشار معشار ما بلغه الأئمة رحمة الله عليهم.

ما هذه الأنفة التي نحياها اليوم في المتصدرين؟ ما هذا الكبر؟ ما هذا العجب بالنفس الذي هو سبب من أسباب خنوع هذه الأمة؟ أننا لا نجد هؤلاء العلماء الحريصين على الطلب، الحريصين على الازدياد والنمو وأن يستفيدوا من الجميع، تجد الإنسان مهما بلغ من العلم يقف ويظن نفسه أنه متصدر وأنه لا ينبغي له أن يطلب أو يستفيد من غيره، ولا يقبل أن يناقش أو ينبأ على خطأه.

انظروا كيف نعيش اليوم، وانظروا كيف كان علماؤنا رحمة الله تعالى عليهم. إذاً، دوام الحرص على الازدياد هذه كلمة جميلة جداً وعميقة من ابن جماعة رحمة الله عليه. قال: كيف؟ قال: بملازمة الجد. كيف يحرص على الازدياد؟ قال: بملازمة الجد والاجتهاد والمواظبة على وظائف الأوراد من العبادة.

اجتهاد العالم ليس فقط في تحصيله العلمي وفي قراءته للمصنفات، بالاجتهاد وأيضاً في ميدان العبادة والرقي في والسمو في علاقته مع ربه سبحانه وتعالى، فبدأ بماذا؟ المواظبة على وظائف الأوراد من العبادة.

الجلوس إلى شروق الشمس، صلاة الضحى، أذكار الصباح، أذكار المساء، قيام الليل، الورد اليومي من القرآن، الاستغفار، الذكر، التفكر؛ هذه العبادات ينبغي أن تزداد مع العالم يوماً بعد يوم ويزداد حرصه عليها، وليس العكس. العلم هو السبب في لزيادة العبادة والاشتغال في العلاقة مع الله سبحانه وتعالى، وليس العلم هو سبب للكسل والخنوع والعجز وادعاء أنني أنا عالم فلا يشغلني ما يشغل الناس. الصلاة وقراءة القرآن والأذكار هذه لعوام الناس، أما أنا وصلت إلى مرتبة عليا، هذا هو الجهل الذي قد يصيب بعض طلبة العلم وبعض المتصدرين يحسب أن العلم سبب للكسل وداعي للكسل والعجز عن العبادة، وهذا سوء فهم عليه أن يتداركه.

فإذاً، الجد والاجتهاد والمواظبة على وظائف الأوراد من العبادة.

ثم قال: والاشتغال والإشغال. شف الاشتغال والإشغال. الاشتغال أن يشتغل هو نفسه في التحصيل والطلب والمذاكرة، والإشغال أن يشغل الناس معه في طلب العلم. نعم طالب العلم، ونعم الشيخ، ونعم العالم الذي يشغل الناس بالعلم الشرعي ويدعوهم إلى هذه الميادين، ويدعوهم بأن ينهلوا من هذه المنابع العذبة النقية، هذه المنابع الأصيلة التي متى فقدناها وابتعدنا عنها ابتعدنا عن منهج قام.

فالعالم الرباني يشتغل هو نفسه بالعلم، ويشغل الناس من طلبة العلم الجادين معه في البحث والمذاكرة والحفظ والنظر والتأمل. نعم يا أيها العالم، عليك أن تصنع بيئة علمية حولك، عليك أن تصنع خلية نحل، طلاب يذهبون ويأتون، فلان يحصل وفلان يذاكر وفلان يلخص وفلان يشتغل، وتعلم هذا وتنبه هذا وترشد هذا، هذا العالم في ثغره الفلاني وذاك العالم في بلده الفلاني، وهكذا يبدأ الصلاح ينمو.

أحبتي، الصلاح ونهضة الأمة والرفعة من جديد لن تأتي من خلال الحفلات الإنشادية العاطفية، لن تأتي من خلال حلقات آه آه فيها شيء من الضحك والمداعبة تبث على التلفاز استهزاء بهذا أو بهذا، لن تأتي بمجرد حركات بسيطة.

النهضة الأممية لهذه الأمة كما يقولون لا تكون إلا بأنشغال شبابها شيبا، اه انشغال شبابها وفتياتها بطلب العلم وتحصيله، هكذا تنمو الأمة، هكذا نصنع الحضارة. عندما تكون أو يكون القيمة العلمية دورها في حياة الشاب وفي حياة الفتاة، ابحث عنها ويدندن حولها، والفتاة تبحث عنها الاهتمامات. اهتمام الشاب المسلم يتعلق بالعلم، بتعلم الفقه، بتعلم عقيدته، والفتاة المسلمة لا تنشغل بما تنشغل به فتيات المسلمين اليوم، تنشغل بالأسواق والذهاب والموضات، تنشغل ببناء نفسها وصنع عقلها.

هكذا نصنع جيلاً يستطيع أن يحمل أعباء هذه الأمة، وأما أن نبقى على هموم الشباب اليوم، خاصة الشباب الملتزم الذي أكثر همه أن يكون في مجال محدود، لا يريد أن يتجاوز في العمل لدين الله سبحانه وتعالى أو الحفلات الإنشادية والجلسات العامة التي لا تزيدنا إلا ضياع الأوقات وتفريغاً للطاقات، بدل من أن ننشغل بالميدان الحقيقي، من أن ننهل من معين الأئمة.

فنعم العالم الذي يوجه الشباب للمنابع الحقيقية التي ينبغي أن يذهبوا إليها. نعم العالم الذي يوجه نساء المسلمين إلى الأماكن الصحيحة التي ينبغي أن يشغلوها في حياتهم. هذا هو العالم الرباني.

لذلك قال ابن جماعة: والاشتغال أن يشغل نفسه، والتشغيل أن يشغل غيره. في ماذا؟ قال: قراءة، هو يقرأ، واقراءً، ها شف قراءة، هو يزداد من القراءة والمطالعة، هذا اشتغال. واقراءً أن يقرئ الطلبة، وأن يعلمهم، وأن يدرسهم، وهذا إشغال. ومطالعة وفكراً، يتفكر في المسائل، ويتفكر في الأمور الدقيقة، ويحلل، وينظر في المستجدات، ويحاول أن يمنحها أحكاماً ترضي الله سبحانه وتعالى.

التفكر الدائم في أحوال الأمة، يتفكر في كيفية الخلاص، في كيفية إنشاء مجتمعات علمية، كيف يقيم مشروعاً علمياً نهضوياً في بلده، في منطقته، في حيه، في مسجده. هذا هو التفكير البناء الذي نطمح إليه من طلبة العلم ومن العلماء الربانيين.

ثم قال: وتعليقاً وحفظاً وتصنيفاً وبحثاً. إذاً، العالم هو دائماً في اشتغال، ما في عالم حصل شهادة دكتوراه وجلس على مكتبه في الجامعة، يدرس هذه المحاضرة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هذا ليس هو العالم.

العالم الرباني هو دائماً في اشتغال، في انشغال وإشغال، هو ينشغل ويشغل غيره، ما بين بحث وتصنيف، وهو يذاكر محفوظاً ويراجع ثم يدرس ثم يذهب. هكذا كان علماؤنا، صدقوني أحبتي عندما نقرأ في سير العلماء نجد العجب العجاب، المدرسة المنصورية والمدرسة البغدادية ومدارس دمشق والصالحية وغيرها، اقرأ في سير العلماء الذين كانوا يدرسون في هذه المدارس، وانظر إلى الجد والهمة الأنفاس، تجد العالم يدرس من الصباح حتى الساعة العاشرة، ثم بعد ذلك يذهب إلى قيلولته، ثم يعود للتدريس من الظهر إلى العصر، ثم ربما تناول شيئاً من الغداء، ثم يعود من العصر إلى المغرب، ثم بين المغرب والعشاء حلقة أخرى، ثم بعد العشاء يعود إلى منزله يجلس مع أسرته، ثم بعد ذلك يتفرغ إلى شيء من العبادة وقيام الليل، ثم يعود ليراجع بعض المصنفات ويحقق ويعلق، ثم ينام، ثم يستيقظ قبيل الفجر وفي اليوم الثاني على هذه الطريقة.

العالم يشتغل، الأعمار في طاعة الله سبحانه وتعالى تعمر، الأنفاس محسوبة، هكذا كانوا. فانظروا إلى المصنفات التي تزخر بها المكتبة، تلاميذ اليوم، هل تظنون كتب التراث أتت بعالم نائم؟ أو عالم جلس على مقعده ووضع أمامه الدكتور الفلاني، وجلس ونام يحفظ هذه المادة يدرسها للطلبة ويعود إلى منزله، لا انشغال له بحفظ أو مذاكرة أو تدريس أو بحث، هكذا جاءت كتب التراث الدقيقة العميقة، هكذا فجاءت الحواشي والفروع، لم تبنى هكذا، وإنما أتت بسهر الليالي ومكابدة الأيام وظمأ الهواجر، أتت بالتعب والتحصين.

العالم همه ودأبه أن يرضي الله سبحانه وتعالى، فينشئ جيلاً صالحاً، يفرغ هذا العمر، ويوقف هذه النفس لله سبحانه وتعالى. عرف دوري في هذه الأمة، أنا دوري معلم، أنا عالم، فوظيفتي أن أعلم الناس، أن أرشدهم، لا يجوز لي ولا يحق لي أن أستريح إلى نهاية العمر حتى ألقى الله سبحانه وتعالى مسروراً هادئاً فأقول: يا رب علمت الناس من أجلك، فيقول الله سبحانه وتعالى لك: صدقت.

الله سبحانه مطلع على نيته، هذا العالم الذي استنزف ساعات العمر في تعليم الناس وفي ارشادهم وفي توجيههم، ويسير معهم في نوائبهم وأحوالهم وأيامهم، ودائماً يكون قريباً منهم، هذا هو العالم الرباني الذي نطمح إليه، والذي يرسم معالمه ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه في هذا النص.

ثم قال: ولا يضيع شيئاً من اوقات عمره، اه لاحظوا إيش يقول عن العالم، احنا ما بدكمش عبال علم يعني عالم حصل علوم وصل وتصدر، لا يجوز للعالم أن يضيع شيئاً من أوقات عمره، فما بالك طالب العلم الذي لا يصبح لمن بعد، اسمعوا يا طلبة العلم.

قال: ولا يضيع شيئاً من أوقات عمره في غير ما هو بصدده. أنت أوقفت نفسك للعلم، فعليك أن تنشغل بالعلم إلى آخر أنفاسك، هكذا كان العلماء يفهمون العلم، رحلة إلى الدار الآخرة. فعلا هذا هو طلب العلم الرباني الحقيقي، أن ينذر الإنسان نفسه لربه سبحانه وتعالى، من بداية سلوكه لدرب الطلب حتى يلقى ربه عز وجل راضياً عنه بإذن الله.

قال: فلا يضيع شيئاً من أوقات عمره في غير ما هو بصدده من العلم والعمل بالعلم. طبعا العمل بالعلم أمر مهم، فالعالم ما بين علم وعمل بعلمه. قال: إلا بقدر الضرورة من أكل أو شرب أو نوم أو استراحة لملل، ممكن العالم يستريح، اه يذهب إلى نزهة مع أصحابه، يجمم هذه النفس، فالاستراحة تأتي للضرورة كما قال ابن جماعة على هامش الحياة.

وليست الاستراحة هي الحالة الأصلية للعالم، وليس الوضع الطبيعي أن كل يومين ثلاث هناك رحلة للعالم، هذا لا يقبل. الرحلة العامة هي لإجمام النفس ولراحتها من كد وتعب، فإذا أنت لم تتعب بعد فبماذا تستريح، مما تستريح إذا أنت لم تتعب؟

فيقول ابن جماعة: إذاً إلا بقدر الضرورة من أكل أو شرب أو نوم أو استراحة لملل، أو اداء حق زوجته، أو زائر، أو تحصيل قوت العيال. يعني العالم هل هو العالم الذي يجلس في بيته وينتظر حتى ينفق الناس عليه؟ هذا لا ينبغي للعالم، لا أن يذل نفسه ولا أن يذل علمه، وليس من صيانة العلم ولا من حرمة العلم أن يذله العالم بطلب الأموال من الناس، يقول لهم: أنا أدرسكم امنحوني مالاً. الأصل أنك تذهب بنفسك تعمل في وظيفة تكسب بها قوت العيال.

وهكذا كان الأئمة، أبو حنيفة كان يبيع الحرير، ومالك بن انس كان عنده مال يضارب به، وانظروا في حال الأئمة جميعاً، كل إمام، كل عالم كانت له وظيفة، هناك من كان يدرس في المدارس الموقوفة لطلبة العلم، التدريس وظيفة، المهم أن يدرس ويعمل شيئاً يكسب منه قوت العيال، ولا ينتظر أموال الناس تغدق عليه هكذا فيذل العلم.

اه قال: وغيره مما يحتاج إليه. قال: أو لألم، ممكن العالم يستريح بسبب ألم أصابه، أو مرض حل به، أو غيره مما يتعذر معه الاشتغال، فإن بقية عمر المؤمن لا قيمة له، العمر إذا بذلته في غير العلم، يعني الآن كأنه ابن جماعة يقسم لنا العمر إلى ثلاثة أصناف، صنف تبذله في العلم فهذا ما تجده عند الله سبحانه وتعالى، وصنف تدفع به ضرورات الحياة من أكل وشرب ونوم اه واستراحة لملل أو ما شابه ذلك، وهذا إذا نويت به أن يكون عوناً على العلم إن شاء الله تؤجر عليه، الصنف الثالث الأوقات التي تذهب سدى، لا في طلب العلم ولا في ضرورات الحياة، لا في طلب العلم ولا في ضرورات الحياة، فيقول ابن جماعة: هذا النوع الثالث لا قيمة له انتهى.

كل يوم يمر عليك يا طالب العلم وأيها العالم لا تزداد فيه علماً، وإنما يكون في سهر وفي مجالس فارغة، وفي الذهاب عند فلان والجلوس عند فلان، ذهب شيء من عمرك فارغاً من دون أن تستفيد منه، والعاقل يعقل، قال: فإن بقية عمر المؤمن لا قيمة له، ومن استوى يوماه فهو مغبون، إذا كان اليوم مثل البارحة لم تحصل شيئاً جديداً اليوم من العلم والمعرفة، فكان يومك مثل البارحة، بقيت في نفس مستواك فأنت مغبون أي مخدوع.

بعض الناس كل أيامه مثل بعضها، العمر يتقدم وهو لا يزداد معرفة وعلماً، بل بعضهم يزداد جهلاً وتراجعاً، هذا هو الغبن أحبتي، أن تذهب الأعمار، وأن تشرق الشمس وتغيب، وانت ما زلت في جهلك ولهوك ولعبك في الحياة، قد لا تكن في معصية وفي فساد أخلاق، لكن الأعمار تستنزف وأنت من مجلس إلى مجلس، ومن شاشة التلفاز إلى شاشة اليوتيوب، إلى شاشة الفيسبوك، إلى وسائل التواصل.

للتواصل وتزيدها بالاعمار، وتستنزف وطالب العلم لا يشعر بذهاب هذه الساعات، وغياب الشمس وشروقها وهو لم يباعد في الطلب، وتمر السنوات ثم يكبر ثم ينقطع ثم يموت وتنتهي الحكاية. فعلاً هذا هو الغبن أحبتي، نسأل الله السلامة والعافية.

يقول ابن جماعة، وكان بعضهم لا يترك الاشتغال لبعض أهل العلم في زمنه، قال: لا يترك الاشتغال لعروض مرض خفيف أو ألم لطيف، بل كان يستشفي بالعلم. يعني بعض العلماء كان إذا حل به المرض لا يترك طلب العلم بسبب المرض، بل يجعل العلم وطلب العلم والتحصيل سبباً يستشفى به بإذن الله.

قال: ويشغل بقدر الإمكان. اه كما قيل: إذا مرضنا تداوينا بذكركم ونترك الذكر إخلالاً فننتكس. هذا يعني بيت جميل جعله يستأنس به على هذا الكلام الذي ذكره، كيف العالم يستشفي بطلبه للعلم من أمراضه؟ إذا مرضنا، إذا أصابنا المرض كيف نتداوى بذكركم؟

طبعاً هو الشاعر ماذا قصد؟ التي هي تقصد محبوبته، وهو يقصد ذكر الله سبحانه وتعالى، هذا يعود إلى قصد الشاعر الله تعالى أعلم من أين آآ ما أصل هذا البيت، لكن بشكل عام الإنسان قد يتداوى من أمراضه بذكر الله والانشغال بالعبادة، ويتداوى من أمراضه بالانشغال بالععلم، وهكذا كان كثير من أهل العلم.

وإذا بعض الناس الصادقين، صدقوني أحبتي، إذا قرأ القرآن وذكره، إذا ترك القراءة والمطالعة يدخل عليه من أمراض النفس ومن ضيق الصدر ما الله به عليم، فالقراءة أصبحت هي الغذاء، هي الدواء، هي الحياة بالنسبة له، والمطالعة والتصنيف وتعليم الطلبة أصبحت روحه وغذاءه وقوته لا يستطيع أن يعيش من دونها، وهذه هي الحياة الحقيقية.

ابن جماعة هنا أحبتي في هذا الفصل يتكلم إذاً عن قضية استغلال الأعمار، وكيف أن العالم ينبغي عليه ألا يضيع لحظة من لحظات الحياة بالعمر، كما قلنا، أوقفه لربه سبحانه وتعالى، فيستنزف كل اللحظات، وكل الطاقات، وكل الأنفاس في طلب العلم وتعليمه، بحثاً وتصنيفا، وتدقيقاً وتعليقاً، وحفظاً ومذاكرةً، وفي عبادة وفي عمل بعلمه، ويصرف شيئاً من الوقت في قضاء الحياة الدنيا وحوائجها من الأكل والشرب، لكن هذا بقدر الضرورة.

الأكل والشرب والنوم والعلاقة مع الزوجة والزائر واه الآن كلام وما شابه ذلك، يعطيها الحجم الحقيقي، لا يوسع دائرة هذه المباحات حتى لا تطغى على الأعمار الحقيقية وتستنزفها. والعمر أحبتي والزمن هو قيمة الإنسان.

أنت أيها الحبيب يا طالب العلم إنما أنت لحظات وأعمار، كلما مرت ساعة وكلما مرت لحظة مضى شيء منك إلى أن تنتهي هذه اللحظات التي كتبت لك وقدرها الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك ستحمل على الأكتاف وتلقى في حفرة. والشريعة الإسلامية حثتنا على استغلال العمر والازمان.

ومن تعظيم الشريعة اه اسمعوا، ومن تعظيم الشريعة لعمر الإنسان والتنبيه عليه، أقسم ربنا سبحانه وتعالى بأجزاء النهار بأكثر من موضع في كتابه، تعظيماً للزمن وبياناً لأهميته، أقسم الله سبحانه وتعالى بأجزاء النهار في أكثر من موضع في كتابه.

ودائماً من عادة العرب أن يكون الشيء المقسم به، الله سبحانه وتعالى عندما أقسم في أكثر من موضع في كتابه بأجزاء النهار والليل إنما يريد تعظيمها في ذهن السامع والقائل لكتابه، لما ربنا سبحانه وتعالى يقول: وَالضُّحَى، يقسم بوقت الضحى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، يقسم بوقت الليل، وعندما يقول ربنا بعد ذلك: وَالْفَجْرِ، يقسم بوقت الفجر، وحينما يقول إذا تلاها وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا، حينما يقول: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تجَلَّى، ربنا سبحانه يقسم بماذا؟ بالزمن باجزاء الزمن.

ثم أقسم بكل الدهر فقال في السورة التي ذكر الشافعي أنه لو لم ينزل من القرآن إلا هذه السورة لكفت الناس، أقسم سبحانه في سورة العصر يقول: وَالْعَصْرِ، ولهذا أقسم بكل الدهر، وهذا قسمه بماذا؟ بكل الدهر وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، أن جنس الإنسان لفي خسارة، إلا من استغل هذا العصر في طاعة ربه، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.

من استغل العصر الذي أقسم به الرب سبحانه وتعالى بالإيمان والعمل الصالح، ومن العمل الصالح طلب العلم والتواصي بالحق والتواصي بالصبر والثبات على الدين، الذي يستغل عصره هذا الذي ينجو من الخسارة، وإلا فباقي جنس الإنسان في خسارة كما أقسم ربنا سبحانه وتعالى.

ومن لطيف ما سمعناه من مشايخنا في كلمة العصر اه قال بعضهم: لماذا سمي الدهر عصراً؟ قالوا: لأنه ينبغي للإنسان أن يعصر زمنه حتى يستخلص ما فيه، كلمة العصر إيش معنى كلمة العصر في اللغة العربية؟ تقول: عصرت الشيء عصراً، إذا ضغطت عليه لتستخلص ما فيه، أليس كذلك؟

لماذا سمي الدهر عصراً؟ قال بعض أهل العلم من مشايخنا الكرام: سمي الدهر عصراً؛ تنبيهاً على أن الإنسان ينبغي عليه أن تعصر الزمن ليأخذ الفائدة والخلاصة منه، وأما الإنسان الذي لا يعصر وقته ودهره وزمنه ليستخلص منه الفائدة فحقيق أن يكون في خسارة، فحقيق وجدير به أن يكون في خسارة.

إذاً، الشريعة عظمت الزمن والدهر فأقسمت به أو أقسم به ربنا سبحانه وتعالى في أكثر من موطن في كتابه، حتى أقسم بالدهر كله وسماه عصراً، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان حينما يقف بين يدي ربه سبحانه وتعالى سيسأل عن عمره فيما أفناه، وسيسأل أيضاً عن عمر أو فترة زمنية مخصصة بحد ذاتها، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ.

يعني إذا بتسأل عن العمر بعمومه وستسأل عن الشباب بخصوصه؛ لأن الشباب هي فترة الأخ والعطاء، فإذا ذهب سن الشباب في المجالس والمقاهي وشاشات التواصل الاجتماعي والتلفاز والسهرات والضحكات والحفلات، هذا عمر الله سبحانه وتعالى منحك إياه ليس من أجل أن تسهر وتلعب وتضحك، منحك هذا العمر من أجل أن تستغله في طاعته وفي مرضاته.

إياك أن تظن يا طالب العلم بل إياكم أن تظنوا أيها المسلمون أن هذه الأعمار إنما منحت لكم لتملؤوها باللهو والضحك والذهاب إلى السهرات والجلوس في ثلاث ولغو الحديث، والله لو تمنحوا هذه الأعمار من أجل هذا، وإنما منحت هذه الأعمار لجملة بحب الله سبحانه، ولتملأ بالعلم النافع، والمعرفة والعمل والإنتاج والاستخلاف على هذه البسيطة، لهذا منحنا هذه الأعمار.

والأكل والشرب والنوم والإجمام عن النفس هذه فقط أدوية وعلاجات وغذاء لهذه الروح حتى لا تكسل عن الوظيفة الأساسية فقط.

المشكلة عندنا اليوم انعكاس المفاهيم، اليوم تقول لطالب علم: اجلس اطلب العلم، يقول: والله مشغول يا شيخ، بماذا؟ تجده مشغولا؟ تجده مشغولاً بأنشطة ثانوية، تجده مشغولاً بحياته اليومية، يذهب يأتي يسهر ينام يأكل. يا اخي الكريم هذا عمرك، هذه حياتك، هذا دهرك، لمن تمنح أزماناً أم تمنح لطاعة الله سبحانه؟

يأتيك بعضهم فيقول: يا شيخ أنا مشغول في كسب رزقي، أنا أقول: اذهبوا اطلبوا الرزق، لا يقول أحد بل لا يقول عاقل لإنسان ألا يطلب رزقه، دائماً اسعى في طلب الرزق، وهذا له أجر أن تكسب قوت العيال، لكن بعد ذلك لا تجعل قضية الرزق هي تشغل الذهن من الصباح إلى المساء، لا تجعلها هي ديدنك في التفكير؛ لأن هذا العمر إذا فات وأصبحت تحت التراب قضية التفكير الدائم في الرزق لن تستفيد منها.

وإنما سينفعك تحت الثرى العلم الذي اكتسبته وبذلته، ومنحته لزوجتك وربيت عليه أسرة على منهج النبوة، هذا العلم الذي ستستفيد منه وهذه قيمة الحياة. إياك أن تخضع لضغط الواقع، إياك أن تضعف وأن تلين أمام الحياة القاسية.

نعم، الحياة قاسية بظروفها وما نحياه اليوم صعب يا شيخ، بالتأكيد علينا أن نسعى في كسب أرزاق عيالنا بالتأكيد، ولكن بعد أن تكسب قوت العيال اجعل جزءاً من الوقت، استثمر جزءاً من الوقت، حاول أن تمنح ساعات لهذا العلم، للمعرفة، لأن تتعرف على الله سبحانه وتعالى، وتتعرف على وتعرف زوجتك وأبناءك بسيرة محمد صلى الله عليه وسلم، استغل هذه الأنفاس واللحظات، وجه ابناً من أبنائك ليكون عالماً طالباً، ما الذي يمنع من ذلك؟ فكر بهذا الدين، امنح هذا الدين جزءاً من وقتك، أما أن تطوى تحت الثرى وأنت لم تبذل شيئاً لهذا الدين.

فهذا عار بالمسلم، هذا عار بالمسلم أن تخرج روحه وهو لم يقدم قيمة معرفية في الحياة، يمكن أن تقدم أيضاً قيمة معرفية في مجالات أخرى، ليس فقط في مجال الشريعة. لكن المهم أن تقدم قيمة معرفية لهذه الأمة تبتغي بها وجه الله سبحانه وتعالى.

المهم أن تضع بصمة في تاريخ الأمة. أما أن يذهب عمر الإنسان في النوم والأكل والشرب واللهو ولغو الحديث، فهذا عيب وعار ونقص لا يرضى به أصحاب النفوس الشريفة والهمم العالية الذين تتوق أنفسهم إلى أصحاب الهمم الشريفة.

هم الذين يغيرون الواقع، هم الذين يصنعون الحياة، هم الذين يعيدون لهذه الأمة مجدها. الذي يعيد لهذه الأمة مجدها ليس الذين يجلسون أمام وسائل التواصل الاجتماعي يعلقون على كل حدث. وقع اليوم حدث في المنطقة الفلانية تجد التعليقات، ثم وقع حدث في المنطقة الفلانية تبدأ العواطف، ثم وقع حادث المنطقة فقط عواطف مع الحدث ثم تنتهي العاطفة، ثم يقع حدث جديد بهذه الأمة ثم نتباكى من جديد على وسائل التواصل، ثم يقع حادث ثالث ثم نتباكى ويبقى الإنسان ما بين تباك ولهو وضحك.

هو يحاول أن يقنع نفسه أن بتعليقه على هذه الوقائع أنا بذلت شيئاً لأمتي. واعلم أنك مغبون ومخدوع، الشيطان يريد أن يغرك يقنعك أن تعليقك على وسائل التواصل على أحداث هذا هو البذل الكبير وأنت في الحقيقة تضيع الوقت.

أخي الكريم، أنا اعرف العواطف الجياشة وأتفهمها وأشكر الناس على مشاعرهم، لكن الإنسان الذي لا يجد من نفسه قوة على العلم وعلى الجلوس للاستفادة لينفع أُمته ويجد وقتاً لوسائل التواصل، نعم هذا مخدوع وهذا لبس عليه شيطانه وهواه.

الإنسان إذا كان منشغلاً بالعلم وبالقيم المعرفية والإنتاج وجاءت واقعة من الوقائع علق عليها سريعاً فائدة ترجى يرجى فيها، نعم هذه قيمة جميلة أُشكر عليها، لكن الذي ديدنه دائماً الجلوس أمام وسائل التواصل فقط مجرد ردة فعل على أحداث ولا يريد يطلب العلم ولا أن يقدم قيمة معرفية، فهذا إنسان يضيع عمره فيما لا يعود عليه وعلى أمته بالخير.

هنا نص أنقله لكم من الجوزي رحمة الله عليه في صيد الخاطر يتكلم عن قيمة الوقت في حياته، ويقارن أو ينظر في مجتمعه الذي يحيا فيه في زمنه رحمة الله عليه، كيف كان الناس يضيعون أوقاتهم؟ هذا في زمن ابن الجوزي رحمة الله عليه في القرن السادس الهجري يتكلم كيف الناس يضيعون أعمارهم. فلو جاء ابن الجوزي اليوم ونظر في حال أُمَّتنا ماذا سيقول عن إضاعة الأعمار؟ نسأل الله العافية.

يقول ابن الجوزي رحمة الله تعالى عليه، اسمعوا هذا الكلام الجميل في استغلال الأوقات: وقد رأيت عموم الخلائق في زمنه -يقصد الناس- يدفعون الزمان دفعاً عجيباً، يعني يستهلكون أعمارهم فيما لا فائدة فيه استهلاكاً عجيباً.

صدقوني أحبتي، بعض الناس يعني لا يعرف ماذا يملأ وقته من اللهو، يعني ينتظر أن يأتي اليوم الذي يليه حتى يعرف لماذا سيملأ هذا اليوم بأي مطعم وبأي مقهى وبأي مجلس وفي أي.. لا يريد أن يفكر، لماذا لا أبدأ هذا اليوم الذي سيأتي بالععلم وبالقراءة وماذا وما الكتاب الذي أقرأه؟ ما هي المحاضرة التي أسمعها؟ وما القيمة المعرفية؟ لا لا، هو ينتظر مجيء الأيام ويدفعها دفعة، كل يوم يأتي يدفعه بأكل وشرب ولهو، ثم يأتي اليوم الذي يليه ويدفعه بأكل ولهو وشرب.

كما قال ابن الجوزي: وقد رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعاً عجيباً. كيف يا ابن الجوزي؟ قال: إن طال الليل -يعني إذا كان الليل طويلاً وخاصة في أيام الشتاء- قال: فبحديث لا ينفع، ما هو الحديث؟ الكلام الفارغ، أو بقراءة كتاب فيه غزل وسمر، قراءة الكتب غير النافعة. ليت الشباب اليوم يقرأون كتاب يعني يقرأون كتاب فيه غزل وسمر، لكن أن لا يكرهون شيئاً أصالة رحمة الله عليه.

قال: أو بقراءة كتاب فيه غزل وسمر، وإن طال النهار -وهذا في أيام الصيف- قال: فبالنوم وهم في أطراف النهار على دجلة شاطئ العراق، لأنه كان مقيماً هناك، يعني يقصد الشباب يتسكعون على نهر دجلة، يجلسون يتبحبحون في ونزهات أو في الأسواق.

فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة وهي تجري بهم. أنظروا إلى هذا التشويه، قال: رأيت هؤلاء الناس كيف يضيعون أعمارهم، فشبهتهم بأناس يعيشون في سفينة وهذه السفينة تجري بهم. ما هي السفينة؟ هي الحياة، هذا العمر الذي يسير هؤلاء الناس على متن هذه السفينة. وهذه السفينة هي العمر الذي يمضي بها، فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة وهي تجري بهم وما عندهم خبر، يعني في غفلة أن هذه السفينة تجري وهي ستصل إلى النهاية وأقتربت من الدنو.

ورأيت النادرين -الله على هؤلاء النادرين يتكلم عن الندرة الذين يختارهم الله سبحانه وتعالى ليصنعوا شيئاً جديداً لهذه الأمة- ورأيت النادرين قد فهموا معنى الوجود، فهم في تعبئة الزاد والتهيؤ للرحيل، فالله الله في مواسم العمر، والبيدار البيدار قبل الفوات، ونافس الزمان.

هذه كلمات من ابن الجوزي لكم يا طلبة العلم، الله الله في مواسم العمر العطل الإجازات، إجازات آخر الأسابيع، الله الله في مواسم العمر استغلوها، والبيدار البيدار المسارعة المسارعة قبل الفوات، ونافسوا الزمان. لاحظوا العبارة هذي ما أجملها: ونافسوا الزمان. المسلم الإنسان الجاد منافس يسابق الزمان في الجد في التحصيل في التعب.

قال: وأعوذ بالله من صحبة البطالين، لقد رأيت خلقاً كثيراً يجرون معي فيما اعتاده الناس من كثرة الزيارة. يوم يزور صديقه، يوم يزور فلان، يوم يزور فلان، جالس في المجلس إلى مجلس، ويسمون ذلك التردد خدمة، ويطيلون الجلوس ويجرون فيه أحاديث الناس، اليوم ارتفع سعر الخبز، اليوم نزل السعر، اليوم انخفض، اليوم فلان الوزير الفلاني، عليك النائب الفلاني وقعت حادثة، أحاديث الناس التي نحياها في مجتمعاتنا اليوم ويجرون فيه أحاديث الناس وما لا يعني، ويتخلله غيبة، وهذا شيء يفعله في زماننا كثير من الناس -يتكلم في زمانه والحكاية تتكرر في كل زمن بصور أشنع-.

وربما طلبه المزاور وتشوّق إليه، يعني أنت بتتكلم عن واحد يزورك فأنت مزاور. يا فلان، لك اليوم تعال نجلس ترى والله ملان وحابب الناس تجلس معي، ويكون هناك مزح ولهو وضحك ونستغل ويمشي هاليوم. مش هذا كتير منحكيها؟ إنه خلي هاليوم يمشي، خليها اليوم يمشي.

إذا عندك وقت زائد، امنحه لمن يريد الأعمار. والله هناك أناس يبحثون عن الساعات من طلبة العلم الصادقين، إذا كان عندك عمر زائد نحو للصادقين لعلهم ينتفعون ويقدمون شيئاً. إذا كنت لا تعرف بماذا تعبئ هذا اليوم وبهذه الساعات؟ هناك من يعرف كيف يستغل هذه الساعات امنحها لهم رجاء.

وهذا شيء يفعله في زماننا كثير من الناس، وربما طلبه المزاور وتشوق إليه واستوحش من الوحدة. بعض الناس إذا جلس وحده ساعة، ساعة، أذكر فيد الله قم الليل، هناك أناس لا يعرفون الجلوس وحدهم، دائماً يحب الانشغال مع الناس والحديث والذهاب، لا يريد أن يجلس وحده لأنه إذا جلس وحده ستبدأ نفسه تجد من الداخل أنه ماذا تفعل أنت في هذه الحياة؟ لماذا عمرك يضيع؟ أين أنت من الصلوات والاذكار وقيام الليل والخلوات؟ أين أنت من الجلوس في المطالعة والثقافة والفكر؟

هناك أناس يخشون من وحدهم حتى لا يبدأ جلد الذات يطحنهم ويجرحهم، لا يريدون أن يحاسبوا أنفسهم. فكلما شعروا بوحدة شعروا بخوف، فمباشرة يبدأون الحديث مع الآخرين ويتواصلون مع فلان ومع فلان وأجلس معي حتى لا أشعر بالوحدة.

هو يعلم أن الوحدة قد تكون سبباً في جلده في عتابه، ستواجهه ستعنفه لماذا تضيع الأعمار؟ وهو لا يريد هذا التعنيف، لكن صدقني أخي الحبيب، كن وحيداً في بعض الساعات، هذه الوحدة قد تكون سبباً في تغيير حياتك. فكر، اجعل جلد الذات يقوم بواجبه، اجعله يقوم بواجبه لعل هذه النفس تتحرك، لعلك تفكر ماذا أفعل أنا في عمري في حياتي؟ أين أنا؟ أين موقعي؟ أين وصلت؟ ماذا أجزت؟ ماذا حققت؟ العمر يمضي ماذا فعلت؟

نعم لابد من جلد الذات، لابد من المحاسبة، من لا يحاسب نفسه ستضيع أعماره وهو يشعر أنه في خير وهو في ضلال وفساد وبعد عن المنهج الصحيح.

وخصوصاً في أيام التهاني والأعياد، فتراهم يمشي بعضهم إلى بعض، ولا يقتصرون على الهناء والسلام، يعني التهنئة وخلص خمس دقائق، ويقوم من ذلك بما ذكرته من تضييع الزمان. قال: فلما رأيت أن الزمان أشرف شيء، والواجب بفعل الخير أن الواجب انتهاز الزمان، انتهاز -لاحظ الكلمة- أن تنهب نهب هذا الزمان في تحصيل الخير، كرهت ذلك، كره هذه العادات التي يصر الناس على الدوام عليها.

يا طالب العلم، لا تجامل في العلم، إذا وجدت أصدقاءك أو الناس اللي حولك من المتدينين هذا دأبهم الانشغال بالزيارات، فاعتذر منهم وقل لهم: سامحوني، فهذه العلاقة معكم لا تنفعني. بعض طلبة العلم يحاولني، يقول: يا شيخ، أنا أخجل من أن أقول لهم إني والله منشغل بالعلم أو لا أريد الخروج وأضيع الأعمار، حتى لا يبدأ ينتقصون ويهاجمون ويهيبون، ويقول لي: أنت أصبحت متغير وتغيرت نفسك وقد تنكرت لنا، ولا، أخي الكريم، لا تجامل الناس.

صدقني الناس يحبون من يسير معهم في لهوهم ولغوهم، الناس يحبون الشخص الذي يوافقهم على هواهم، فأنت لا توافق الناس على هواهم، كن صاحب شخصية قوية، اعرف مصلحتك، اعرف أي المصلحة لك في هذه الحياة الدنيا ولا تجامل أحداً. قم بالواجبات الأساسية ثم بعد ذلك انقطع للعلم إن كنت صاحب عالية ونفس سوية، فيقول: كرهت ذلك وبقيت معهم بين أمرين، يعني انحصرت بين أمرين.

إن أنكرتم عليهم، يعني إذا قلتم لهم: يا جماعة، هذا تضييع للأعمار وكثرة الزيارات، والله لن تأتي لنا بالخير، إن أنكرتم عليهم وقعت وحشة لموضع قطع المألوف، هذه كلمة راقية جداً من ابن الجوزي، أنني قال: إذا بدأت أنكر على أصدقائي أنه لا يصح لنا أن نستهلك ساعات العمر في الزيارات والمجالس الفارهة، ماذا سيحدث؟ ستحدث وحشة بيني وبينهم وانقطاع، لماذا؟ لأني أريد منهم أن يقطعوا شيئاً ألفوه، وأن تقطع الشيء المألوف على الإنسان هذا صعب عليه، وتحتاج إلى إرادة جازمة صلبة تعرف أن هذا المألوف الذي اعتادته خطأ منهجي في الحياة ويجب أن أذهب إلى المنهج الصحيح.

فابن الجوزي يقول: إن أنكرت على أصدقائي تضييع أعمالهم أخشى من وقوع وحشة بيني وبينهم، لأني أريد منهم قطع المألوف. طيب، طب إيش أعمل؟ قالوا، وأنت، طب خلص، إذا إذا لا أنكر عليهم وأسير معهم كما يريدون، لأ، قال: وإن تقبلته منهم ضاع الزمان، يعني إذا خلص وافقتهم على مألوفهم الذي اعتادوا وقلت: خلاص أسايرهم على مألوفهم، ماذا يحدث؟ قد يضيع الزمان.

وههل الإنسان العاقل الكيس يبيع زمانه لرضا غيره؟ هل تبيع عمرك وزمانك لرضى غيره؟ هذا هو الحق بذاته. قال: وإن تقبلته منهم ضاع الزمان، فصرت أدافع اللقاء جهدي، هل هو يقول ينبغي أن أكون حكيماً؟ لا أريد أن أواجه أصدقائي وأقول لهم: أنتم على باطل وأنتم على غير المنهج السوي وأنتم مشغولون بالبطالة وكذا، لا يريد أن يلقي وحشة، وفي نفس الوقت لا يريد أن يخسر العمر، فقال: اصبحت أدافعهم، يعني اتكلموا معي اليوم، أقول لهم: والله أنا مشغول اليوم، عندي انشغالات وعندي كذا، يعني يكثر الاعتذار من الذهاب معهم.

قال: فصرت أدافع اللقاء جهدي، أبذل جهدي في مدافعة هذه الزيارة، فإذا قصرت في الكلام لتعجل الفراق، إيش يعني؟ يعني إذا جاء قوم زاروني أصحابي اللي قالوا: بدنا نسهر عندك، قال: أصبحت اختصر، ما أتكلم كثير في المجلس حتى يعني هم يفهموا وحدهم أنه خلص بكفي، تمام؟ قال: فاصبحت أقلال الكلام لتعجل الفراق، أنه خلص يلا بكفي، حكينا في الموضوع انتهى، يعني لا بد أننا نتكلم نتكلم خمس وست ساعات، إيش الفايدة؟

قال: ثم أعددت أعمالاً لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم لئلا يمضي الزمان فارغاً، فجعلت من الاستعداد للقائهم قطع الكاغد، أي قص الورق، وبري الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لا بد منها ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فارصدتها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع شيء من وقتهم. انظر إلى ذكائه رحمة الله عليه، قال: إن هناك أشياء أحتاج أن أفعلها في طلب العلم، بري الأقلام وأصلح الكاذب، أوراق عندهم -طبعا زمان كان في هناك كلفة في الأوراق وتجهيزها وإصلاحها وحزم الدفاتر- هذه الأمور لابد أن أعملها في طلب العلم، فقلت: إذا جاء زملائي وزاروني، أصبحت استغل اوقات الزيارة لهم الحديث معهم وهم بيحثوني وأنا ببري القلم وأنا بصلح الأوراق، ويا فلان إيش معك اليوم؟ أبدأ هم يتكلمون وأنا أكلم وأستغل الوقت في إصلاح كتبي ودفاتري وما شابه ذلك، بحيث إذا قاموا وانتهت الزيارة مباشرة مستعد في طلب العلم، أصلحت أموري واستغلت هذه الزيارة لهم في إصلاح شأني، وهذا من الذكاء الذي وفق إلي.

قال: ولقد شاهدت خلقاً كثيراً لا يعرفون معنى الحياة، يا الله، هذه الكلمات من ابن الجوزي كيف تأتيك السياط، قال: ولقد شاهدت خلقاً كثيراً لا يعرفون معنى الحياة، ما بعرفوا قيمة الزمن، ولماذا أنا موجود على هذه الحياة؟ نعم أحبتي، والله كثير من المتدينين يظن أن هذه الحياة هي مجموعة من الركيعات في الصباح وفي الظهر وفي العصر وفي المغرب والعشاء وانتهى أمره، ثم بعد ذلك لهو ولهو ولعب وسهر وصخب وضحك، لا يعرف قيمة الحياة وأنها لأصحاب المعاني، فيقول: لا يعرفون معنى الحياة.

فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ما له، يتكلم عن مشاهدات يشاهدها في واقع، وأنا أنقل هذا الكلام لابن الجوزي بأكمله، أنني أريد أن أوصل كيف كان العلماء يفكرون وكيف كانوا ينتبهون للأعمار، وكيف أو ماذا ينبغي على طالب العلم في هذا الزمان من انتباه حتى لا تسرق منه الأعمار والحياة، يقول: وجدت بعض الناس ربنا أغناه بمال، غني، ورث ورث من والده أو عنده كسب كبير فلا يحتاج إذا إلى التكسب، عنده مال كثير.

قال: فهو يقعد في السوق أكثر النهار، ينظر إلى الناس، كيف بعض كبار في السن اليوم تجده في على قارعة الطريق واضع هالكرسي ويجلس ينظر في الناس الذاهب والآتي، قال: فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ما له، فهو يقعد في السوق أكثر النهار ينظر إلى الناس، وكم تمر به من آفة ومنكر، به النساء، ويمر به المردان، وتمر به الشهوات والفتن، ويسمع أصوات الغناء، وهو مصر أن يجلس في الأسواق وعلى قوارع بدل من أن يذهب إلى أو على قارعة الطريق بدلا من أن يذهب إلى المسجد ويجلس فيه ويقرأ القرآن ويتعبد ويستغل هذه الأنفاس قبل أن تخرج.

قال: ومنهم من يخلو بلعب الشطرنج، ومنهم من يقطع الزمان بحكاية الحوادث عن السلاطين والغلاء والرخص إلى غير ذلك، فعلا وهذا هو كثير في واقعنا، بعض الناس شغله في زمنه: ماذا فعلت الوزارة؟ وماذا فعلت الحكومة؟ وماذا نفعل ضد الحكومة؟ وماذا وقع فلان؟ وماذا وقع فلان؟ شغله الشاغل الحديث عن أحوال سلاطين الزمان وعن الرخصة والغلاء واليوم ارتفع واليوم نزل.

أكيد البعض يقول: طب يا شيخ، يعني أليست هذه من هموم المسلمين؟ ألا ينبغي أن نفكر في هم والظلمة قد استوعبوا البلاد وحاربوا الناس في أرزاقهم ومنعوهم؟ اقول: أخي، فرق بين من يسعى في عملية الإصلاح الحقيقي، وبين من يجلس في السوق فقط ليتحدث بهذه الحوادث وبأحوال السلاطين والرخص والغلاء وهو لا ينتج شيئاً، يعني لو تكلمت من الآن إلى الصباح في مواضيع الرخص والغلاء والسلاطين وكذا وكذا، لن أفع شيئاً، أنت لم تحقق شيئاً، أنت فقط تفرغ عن عواطفك.

الإنتاج الحقيقي: تريد اصلاح الواقع، تريد مجتمعاً نقياً، تريد أن يرتفع شعار الإسلام من جديد وتكون الحياة الإسلامية هي السائدة، ابدأ بنفسك وبإصلاح أسرتك وتعلم واشتغل وابذل ساعات العمر في التحصيل، حينئذ تغير الواقع إن كنت صادقاً في تغيير الواقع ورفع الظلم وكشف الظلم، عليك أن تعرف الأماكن الحقيقية التي يتم منها التغيير. نعم أحبتي، هناك من يجهلها ويجعلكم تذهبون إلى الأماكن الوهمية للتغيير، الأماكن الحقيقية للتغيير تبدأ من محاضن العلم، وتبدأ من صناعة والفكر والقيم والأخلاق، هناك تبدأ الصناعة الحقيقية للجيل الذي يغير، الجيل الذي يغير ليس هو الذي يصرخ في الشارع صباح مساء، وليس هو الذي يشتم ويتحدث دائماً على

وسائل التواصل بكلام فارغ لا يحمل فيه أي قيمة فكرية إصلاحية للمجتمع. صناعة التغيير قلب الواقع، إحداث المجتمعات النقية الشريعة إنما يبدأ من مجالس العلم، ويبدأ بالتحصين الفكري وبناء النفس وبناء العقول وطلب العلم والبناء العقدي الفقهي الأصول، طول التفسير الحديثي. هذه المجالس هي التي تصنع لنا القادة الذين يغيرون. ومن قال لكم سوى ذلك فاعلموا أنه يضيع أعماركم ويستنزف جهدكم وستنتهون كما انتهى غيركم. فهذه نصيحة من محب تفطنوا لهذا الزمان قبل أن يسلب منكم.

والكيس من يرزقه الله البصيرة، ليعرف مواطن التغيير الحقيقي من أين تبدأ مواطن التغيير وصناعة المجتمعات والحضارات والأمم لها شروط، وشرطها الأول المعرفة والعلم وبناء النفس. هذه الأمور لا تبنى في الشوارع والطرقات، ولا تبنى في مجالس اللهو ولا على وسائل التواصل أبدا. هذه الأمور كما قلت لكم تبنى في المحاضن الشرعية الصحيحة، وعلى أيدي العلماء الربانيين يخرجون لنا النماذج الرائعة الراقية التي إن تهز الجبال وأن تحرك الجيوش والأمم والحضارة لصنع شيء جديد لهذه الأمة.

فقال ومنهم من يقطع الزمان بحكاية الحوادث عن السلاطين والغلاء والرخص إلى غير ذلك. فعلمت أن الله تعالى لاحظوا هذه العبارة ما أجملها، قال: فعلمت أن الله تعالى لم يطلع على شرف العمر ومعرفة قدر اوقات، إلا من وفقه الله وأهمه اغتنام ذلك، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم. والله هذه الكلمة من ابن الجوزي تجعلك تبكي، تبكي على نفسك وعلى عمرك. الله سبحانه وتعالى يقول ابن الجوزي بعد أن تأملت حال الناس وصلت إلى قاعدة قرارة نفس ابن الجوزي يقول: جلست مع الناس جميعا، رأيت أحوالهم رأيت انشغالهم ووصلت إلى قاعدة. ما هي القاعدة التي سطرها؟ قال: فعلمت علما جازما يريد أن يقول إن الله تعالى لم يطلع على شرف العمر ومعرفة قدر الزمان، أو معرفة قدر اوقات العافية إلا من وفقه الله والهمه اغتنام ذلك. هي التوفيق أحبة بعض طلبة العلم ينظر إلى بعض العلماء يستغرب كيف حصل هذا العالم علمه في هذا الزمن.

وفي الحقيقة أنا أدرك كيف حصل هذا العالم علمه في الوقت الذي كنتم أنتم فيه تضحكون وتلعبون وتنامون وتظهرون في الشوارع والذهاب وهكذا وصراخ وسائل التواصل، كان هذا الفتى يجلس منعزلا في غرفته يمسك كتابه يحفظ ليذاكر. ما كان عنده وسائل تواصل اجتماعي يجلس يعلق عليها ويفرق عواطفه، ما كان متفرغا لهذا الأمر، ما كان عنده مجالس وزيارات وجلسات وسهرات مثلكم. نعم لما استغل اللحظة والنفس والساعة بعد عشر سنوات خمستاشر سنة ينتج عالم، انتهى الأمر عالم بكلمة عالم يحوي العلوم الشرعية. لكن هذا هو دأبه أنه انشغل وأشغل نفسه وعمره فيما ينفعه، فأصبح عالما وهذا والله هو الذي له الفخر، هو الإنسان الذي وفقه الله سبحانه وتعالى.

فنعوذ بالله من الخذلان، والله أحبتي نعوذ بالله من الخذلان. كثير من طلبة العلم حرصوا على الدنيا يجعله ينقطع عن العلم، يخشى أن يفوت مجلس له، يخشى أن تفوته جلسة غداء، يخشى أن تفوته مجلس عشاء وسهرات ووسائل تواصل، والله لا يخشى أن يفوته مجلس علم! أليس هذا بمقبول؟ أليس هذا مخدوعا؟ أليس هذا بعيدا بعيد عن أن يشم رائحة العلم؟ أم ماذا تتكلم يا رجل؟ هل تتكلم عن علماء هجروا أوطانهم وفراشهم هجروا أهلهم وخلانهم؟ هناك من هاجر أربعين عاما وهناك من هاجر الثلاثين والعشرين والعشرة والخمسة من أجل العلم، من أجل أن يفرغ هذا العمر لله سبحانه، فسادوا ووصلوا وبلغوا. اليوم كل شيء ميسر العلم والطبوعات والكتب موجودة، لكن لا يوجد طالب العلم، هذا الذي نفقده اليوم، نفقد طالب العلم الجاد الذي يريد استغلال الأوقات. قال: فنسأل الله أن يعرفنا شرف اوقات العمر وأن يوفقنا لاغتنامه فنقول آمين.

فعلا نسأل الله أن يعرفنا شرف اوقات العمر أن نقف على هذه الحقيقة. صدقوني أحبتي من لا يخطر في باله أن هذا اليوم ذهب مني ولم أستفد شيئا، من لا يفكر بهذه الطريقة مقبول مخدوع وهو في طريق الخسارة سيخسر عمره. الإنسان الذي لا يهتم بشروق الشمس وبغروبها عليه لا يهتم ولا يؤثر ذلك في قلبه، أنه كيف يوم يفوت مني من دون أن أسمع محاضرة أو أتحصل علماً جديداً؟ من لا يفكر بهذا المنهجية وبهذه الطريقة يصيغ أصابع الندم يوما ما، عندما يرى العلماء والربانيين وأصحاب البذل قد سبقوا في درجات الجنان في العوالي، وهو بعيد بعيد عن منزلتهم تصاعد أصابع الندم ويعرف أن هذا العمر الذي كنت أظنه لن ينتهي إذا به ينتهي، وها أنا الآن أصبحت تحت الثرى، فبماذا سألقى ربي سبحانه وتعالى؟ هل سألت يوما نفسك هذا السؤال؟ ماذا فعلت؟ ماذا قدمت لهذا الدين؟ أين أنا من العقيدة؟ أين أنا من الفقه؟ أين أنا من تعلم الشريعة؟ أين أنا في علاقتي مع الله سبحانه وتعالى أين أنا؟ هل سألت نفسك؟

هذه أسئلة أحبتي لا يسألها لنفسه إلا الموفق، شخص يريد الله عز وجل أن يوقظ عقله وفكره، ويريد منه أن يغتنم وقته يوفقه الله لهذا السؤال، لأن هذا السؤال ينبني عليه الإصلاح، وأما من لا يفكر في هذا السؤال فرحمة الله تعالى عليه، فهو من الأموات قبل أن يموت. طيب، لا أطیل أكثر من ذلك، أكمل ما قاله ابن جماعة بعد ذلك أعود إلى ابن جماعة. إذا هذه كلها قضية الأعمار واستغلال الأعمار، وكيف ينبغي للإنسان ألا يهدر ساعات العمر؟ هذه الفكرة التي ندندر عنها في محاضرة اليوم.

طبعا قبل عدل ابن جماعة في ذهنه بعض يعني المواقف للعلماء في استغلال أوقاتهم وأعمالهم. الإمام المجد ابن تيمية صاحب المنتقى جد شيخ الاسلام جده كان يطلب، لاحظوا كيف استغلال الوقت، كان يطلب من ابنه عبد الحليم وهو والد شيخ الإسلام، يطلب من إذا دخل الخلا أن يمسك له كتابا ويقرأ عليه بصوت مرتفع. يعني المجد ابن تيمية كان إذا دخل الخلا ينادي أبنه عبد الحليم ويقول: يا عبد الحليم أحضر كتابا وابدأ اقرأ بصوت مرتفع حتى لا يذهب وهو في قضاء الحاجة من دون استفادة علمية. لاحظوا الاستغلال الشديد لأدنى اللحظات.

المنذر بن عبد الرحمن الاندلسي رحمة الله عليه كان يلقب انظروا لقبه، كان يلقب بالمذاكرة هكذا يلقبه الناس. يقول: جاء المذاكرة صير منذر بن عبد الرحمن الاندلسي، لماذا؟ لأنه كان عشقه في الحياة وشغفه أن يذاكر العلم، لا يعرف إلا هذا. سمّه مجنونا بالعلم ما عندي مشكلة، نعمل جنون إذا كان بالعلم أي والله، كان عاشقا للعلم يحب دائما المذاكرة، إذا جلس مع زميله لا يسمح له أن يتكلم بأمر الدنيا، يقول له: تعال نذاكر. يمسك الكتاب وإذا معه بالمذاكرة بشدة مذاكرته وحرصه عليه أصبح نقم في الأندلس المذاكرة. جميل هذا اللقب.

الخطيب البغدادي رحمة الله تعالى عليه حتى تعرفوا كيف هذا الإمام العظيم صاحب المصنفات الكثيرة في علم الحديث من أين نشأ وكيف صنع نفسه وعقله، حتى تعرف كيف استغلال الأوقات. اليوم تقول لطالب علم: اسمع محاضرة. يقول: يا شيخ والله عندي دوام جامعة وعندي بعض الأشغال. يا أخي أنت ذاهب للجامعة وأنت عائد من الجامعة استغل الساعات في مسائل النقل اليوم الحمد لله تجلس مع الطالب ساعة بالذهاب وساعة في الأيام ربما، لشدة الطرقات وسعتها وأزمتها وكل هذه الأوقات. فن استغلال الأوقات هذه مهارة، مهارة استغلال الأوقات والساعات هذا توفيق من الله سبحانه وتعالى. الخطيب البغدادي قالوا: لم يسير في طريق إلا وكان معه كتاب، لا يسير في الطرقات إلا ومعه كتاب يقرأ يستفيد مهما كان الكتاب، يمسك كتاب في العلم في المعرفة في الزهد في الرقائق في الأخلاق في السير في القصص امسك أي كتاب حتى تستغل ساعات العمر. لاحظوا الاستغلال الشديد، فنشأ الخطيب البغدادي العالي والرباني.

الحافظ ابن عساكر رحمة الله عليه كان يلقب في بغداد بأنه شعلة نار هكذا كان يلقب شعلة نار ليه؟ قالوا

من مجلس إلى مجلس، دائماً يعلم الناس، من دورة إلى دورة ومجلس، ويعلم ويحفظ في الطرقات، في الذهاب، في العودة، إما هو يقرأ وإما أن يقرأ، وإما لا يرى في بغداد إلا في علم إلى علم، ومن مكان ومجلس علم إلى مجلس علم آخر، لشدة سعيه وطلبه الناس تنظر إلى مثل.

دواها في العلم والإنتاج المعرفي والعلمي والقيمي، فأصبح اسمه قالوا شعلة نار، هذه هي المناقب العالية، ليس إنسان يحصل على جائزة في الغناء والموسيقى، ولا بعضهم يحصل على جائزة الفحش والفجور والعياذ بالله.

وبعضهم يحصل جائزة في أكثر شخص يأكل طعام، والآخر أكثر شخص يسير في دراجة هوائية، إيش هذه المناقب التي تبحثون عنها؟ المناقب العلمية المعرفية القيمية، تلك هي المعاني التي تتوق إليها النفوس الشريفة.

فيعني هذه أمثلة سريعة: ابن عقيل الحنبلي رحمه الله عليه، الذي يصفه ابن رجب في ذيله على الطبقات يقول: وكان من أذكياء بني آدم، وكان من أذكياء بني آدم، يقول: وهو في الثمانين من عمره.

وهو في الثمانين من عمره، قال: والله إني لأجد قوة في طلب العلم أكثر من سن العشرين، الله أكبر، قال هو في الثمانين، قال: همتي في طلب العلم والتحصيل أجده أشد من همتي في في العشرين.

إيش هذا الهم؟ إيش الحب العشق الذي كان يحيا في قلوبهم؟ والله إنه لعجب عجاب جميل، إذا أعود إلى ابن جماعة آه حتى نكمل قراءة ما ذكره هنا، قال: وذلك لأن درجة العلم درجة وراثة الأنبياء، نحن قلنا العلماء هم ورثة الأنبياء، ولا تنالوا المعالم إلا بشق الأنفس.

لماذا العلم يحتاج إلى استغلال الساعات والأعمار؟ ولا يقبل منك إضاعة أي ساعة إلا في ضرورات الحياة، لماذا؟ قال: لأن مرتبة العلماء هي مرتبة وراثة الأنبياء تمام.

ولا تنادي الماء، إذا هي مرتبة عالية، العلماء هم ايش ورثة الأنبياء مرتبة عالية، فما بياخذ هالانسان بشهادة دكتوراة من جامعة حصلنا احنا بنعرف ما احنا درسنا مشايخ وعارفين الجامعات.

هذا الذهاب والعودة، الكتاب يؤخذ نصفه وربعه وخمسه ولا يختم، والمدرس في نصف المحاضرة يجلس يتحدث عن قصصه، وفي النصف الآخر يتحدث عن شيء من العلم وهكذا، وبعضهم لا يفقه أصلاً شيئاً، كل هذه المظاهر الغريبة إياكم أن تتوهموا أنها تصنع ورثة الأنبياء.

ورثة الأنبياء معلوم ما هي الأماكن التي تصنعون؟ معلوم ما هي الأماكن والمواطن التي تصنعهم وتجعلهم أهلاً لوراثة النبوة، هذا الميراث العظيم، فلذلك يقول: ولا تنال المعاني مثل ورثة الأنبياء هل ينال هذه الإنسان وهو نائم؟ مستحيل.

ولا تنال المعالي إلا بشق الأنفس. وفي صحيح مسلم عن يحيى بن أبي كثير، قال هذا الإمام الجليل يحيى بن أبي كثير: لا أطاعو العلم براحة الجسد، لا يستطاع العلم براحة الجسد.

يعني هناك قضاة، شيئان لا يجتمعان، علم مع راحة جسد مستحيل، بده يقول لك يحيى بن أبي الكثير: علم مع راحة جسد وعدم تعب ما بجتمعوا، العلم شرطه تعب الاجساد وسهر الليالي وظمأ الهواجر، فمن رام علماً وهو نائم فلا يروم عنده.

لا يتعب نفسه، عليه أن يجلس ويفكر مرة أخرى، هل أنا فعلاً أطلب العلم أو لا أطلب العلم؟ فعليك أن تعرف هذه القاعدة: لا ينال العلم براحة الجسد، لأن العلم كبير أحبتي.

العلم ليس بأن تقرأ كتاب وكتابين وتبدأ تكتب بوسائل التواصل قل لها بحضر دورة دورتين، هذه بدايات البدايات ها بدايات البدايات، وإنما العلم كما قلت لكم: الليالي الطوال والقراءة المستمرة الجادة والتحليل والحفظ والمذاكرة وسؤال العلماء والرجوع والتنقيح، ثم تعلم، ثم تدرس.

ثم تم الأفكار وهكذا عشرة وعشرين حتى بعد ذلك تصبح عالماً، أما طالب علم يتخرج من درجة بكالوريوس ثلاث سنوات أربع سنوات يظن نفسه أصلاً أصبح عالماً، وهو في الحقيقة لم يصبح طالب علم بعد، هذه مشكلة فكرية يعاني منها بعض طلبة العلم وتكبر نفسي.

ومرض في داخل بعضهم يظن أنه من خلال قراءة بعض المناهج الخفيفة هنا وهناك يصنع من نفسه عالماً، وهذا وابن عليه أن يراجع نفسه قبل أن يأتيه. يقول وفي الحديث: حفت الجنة بالمكاره.

أيها العالم، أنت تريد الجنة، تريد الفردوس الأعلى، وحفت الجنة بالمكاره بالمصاعب بالمشاق، فلابد أن تتعب في لحظات العمر، تريدون إدراك المعالي رخيصة، ولابد دون الشهد من أبر النحل، تريدون إدراك المعاني رخيصة.

تدركوا المعالي بالثمن البخس الرخيص؟ مستحيل، ثم مثل كيف تحصل الشهد العسل، ولابد دون الشهد (يعني قبل انك تحصل العسل) لابد تتعرض لوخزات أبر النحل، هذه الأبر وهذه المخزات مش مشكلة بتحملها أنت حتى توخذ العسل وكذلك العلم.

تريد العلم لابد تتعب، لابد يكون نصب وسهر ليالي وجلوس مع العلماء، وتترك ملذات الحياة الدنيا، نعم القضية واضحة، في هجر للذائذ الحياة الدنيا لطالب العلم، نعم فيه.

يستحيل أن يكون طالب علم ولا عامي، بكلاهما ينام ويأكل ويشرب ويزور ويذهب بنفس الوقت، ثم بعد ذلك نقول هذا طالب علم وعامي، مستحيل طالب.

بالعلم إنما يبدأ تميزه في طلب العلم عندما يبدأ الانقطاع عن العلائق التي تشغل عوام الناس، يبدأ يهجر مجالس العوام، ويبدأ ينشغل وينعزل من أجل أن يحصل العلم والحفظ والمذاكرة ويستغل ساعات.

نعم هذا أمر فيه مشقة على نفس طالب العلم، أنه يترك مألوف كما قال ابن الجوزي: إن النفس بشكل عام تحب اللهو واللعب تدعوك إلى هذا الأمر، والعقل يدعوك إلى العلم والمعرفة.

فإما أن تقدم العقل وإما أن تقدم هوى النفس، وهنا ينشأ الصراع الذي يتعب طالب العلم إلى أن يرزقه الله سبحانه وتعالى تلك اللذة فيتغلب. عقل على هوى النفس، وإما إذا تغلب هوى النفس على العقل فهنا الخسارة، وهنا يعود الطالب أدراجه مع اللاهين.

وكما قيل: لا تحسب المجد تمرا أنت لا تبلغوا المجد حتى تلعق الصفراء. لا تبلغوا المجد حتى تلعق الصبر، بدك تصبر بدك تتحمل، إذا أردت المعالي قال الإمام الشافعي رحمة الله عليه: طبعا بعض الكلمات أنا أنظر إلى قائلها.

الكلمة عندما تخرج من انسان كبير كالشافعي يكون وقعها على القلوب عالي جداً. لكن لما تخرج من انسان رخيص، يعني لو إنسان نائم في بيته لاه في حياته يبدأ ينصحك في طلب العلم، هل ستجد لنصيحته وقع في نفسك؟ لن تجد، لأنه هذا الشخص غير صادق.

والكلمات إنما تحيا إذا عاش أصحابها من أجلها، متى تحيا الكلمات وتنتفض وتؤثر في الواقع؟ عندما يحيا أصحابها من أجلها، فتجد البركة تنبعث في كلماتهم، تجد صلاها يصل إلى الأجيال اللاحقة وإلى نهاية الدهر.

لذلك الشافعي متى توفاه الله؟ مية ميتين وأربعة هجرية، وما زالت أصداء كلماته تناقلها الأمة جيلاً بعد جيل بأنه إمام عامل، فعلمه جعل كلماته تنتفض، ماذا يقول الإمام الشافعي رحمة الله عليه؟ يقول: حق على طلبة العلم.

بلوغ غاية جهدهم بالاستكثار من عمله والصبر على كل عارض دون طلبه. إذاً حق على طلبة العلم بلوغ بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من عمله، المراد الاستكثار من معالجة العلم. هذا مرض.

الاستكثار من معالجة العلم وضبطه والعمل في تحصيله وكسبه، قال: والصبر على كل عارض دون طلبه، بلا صبر، الحياة بدها صبر، طلب العلم لا ينال بطريق مفروش من الورود، فالطريق طلب العلم طريق فيه مرارة.

فنسأل الله أن يرزقنا الصبر وإخلاص النية لله في إدراك علمه نصاً واستنباطاً، والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه. إذاً والصبر، إذاً حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من عمله.

والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله تعالى عليه أن يخلص النية لله تعالى في إدراك علمه نصاً واستنباطاً، والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه، وهذا هو الأمر الذي أنبه طالب العلم عليه.

أن الصبر على مرارة الطريق وتجرع الصعوبات، لن تجد معيناً على الثبات بهذا الطريق الصعب إلا الإخلاص لله سبحانه وتعالى، كلما كنت مخلص وصادق مع ربك وهدفك العلم، الله سبحانه وتعالى يأتيك بمثبتات.

ويمنحك المساعدات، فلو أصابك في الطريق مرارة وصعوبة وشدة، تجد المحفزات الإلهية حولك تحفزك على الاستمرار في جراحات وفي بلاء وفي شدة، لكن الله سبحانه وتعالى لأنه يعلم أنك صادق.

يثبتك على هذا الطريق. يعني ما بعد لأنه بعض طلبة العلم عندما يسمع أن طريق طلب العلم طريق شاق وطويل وفيه بذل ويحتاج إلى سهر ليالي وظمأ هواجر يقول: أنا إيش أفعل يا شيخ؟ والله صعبة.

فأنا أقول: إذا كنت صادقاً لن تجدها صعباً. ما نساوش هاد الحلاوة هذه مرارات ممزوجة بحلاوة الفؤاد ولذة في القلب. طالب العلم عندما يظفر بمعلومة وهو التعب نعم وهو في ساعات الليل متأخرة، صدقوني الحلاوة التي يظفر بها حينما ينال هذه المعلومة حلاوة لا تمازجها أو لا عفواً لا تضاهي الحلاوة التي يجدها السلاطين في عروشهم. الحلاوة التي يجدها طالب العلم عندما يظفر بالمسائل الشرعية ويصل إلى حلها لا يجدها السلاطين في عروشهم.

وهذا يعلمه من خبر، نعم من خبر هذا الأمر يعلم اللذة والنشوة والسعادة التي هي من الله سبحانه وتعالى تدخل في القلب حينما يجد الطالب نفسه قد ظفر بشيء من المعلومات التي أضنى جسده وأتعب عقله في البحث عنه، فوالله هذه هي السعادة. فنعم فريق طلب العلم فيه مشقة فيه صعوبة، لكن فيه سعادة، فيه لذة، فيه هدوء نفس، فيه اطمئنان لأنك تشعر أنك في مكان صح، في طريق مستقيم على منهج الله سبحانه وتعالى.

فستجد السكينة والاستقرار؛ لأن السكينة والسعادة أحبتي ليست بالدولار والدرهم والدينار والريال، السعادة هي من الله، فإذا لم تمنح لطالب العلم الصادق فلمن تمنح؟ يقول قال الربيع بن سليمان المرادي تلميذ الشافعي يعني حتى تنظر الشافعي أعطاكم هذه المعلومة أنه ينبغي لطالب العلم أن يعالج راه هذا العلم أن يصبر.

طيب، هل الشافعي امتثل لهذه المعلومة والنصيحة التي نصحها؟ انظروا كيف ابن جماعة ذكي لما جاب الأثر عن الربيع بن سليمان عن حال الشافعي في حياته، حتى يقول لك ابن جماعة: إنه الشافعي اللي تكلم بهذي المعلومة والقاعدة ونصح فيها الطلاب هو أول من عمل بها. كان نايم في داره بنظر على الناس؟ فقال: لم أرى الشافعي رضي الله عنه آكلاً بنهار ولا نائماً بليل لاشتغاله بالتصنيف.

يعني الربيع بيقول: أنا عمري ما شفت الشافعي لا ياكل في النهار ولا شفته نايم في الليل، طبعا هي شيء من المبالغة حتى نكون واقعيين، لابد يكون أكل، لكن الربيع بده يوصلنا فكرة أنه أكل الشافعي عبارة عن لقيمات، ونومه عبارة عن سويعات، من أجل شدة انشغاله بالتصنيف تأليف، حتى وصلت لنا كتب عظيمة الأم والرسالة ومختلف الحديث وذاك الفقه الجم الذي بنى مذهباً واسعاً من مذاهب ثم مذهب السادة الشافعية رحمة الله تعالى عليهم.

قال: الآن هناك قاعدة يذكرها ابن جماعة يختم بها هذا الباب، يقول: ومع ذلك يعني صحيح طالب يعني بعضنا أعطيناك هذه الدفعة وأهمية الوقت والعمر والانشغال وإياك أن تضيع منك الساعات. إيش يقول ابن جماعة؟ قال: ومع ذلك فلا يحمل نفسه من ذلك فوق طاقتها لكي لا تسأم وتمل، فربما نفرت نفرت لا يمكنه تداركها، بل يكون أمره في ذلك قصداً، وكل إنسان أبصر بنفسه.

هذه الجملة الأخيرة اجعلوها قاعدة في حياتكم العلمية: وكل إنسان أبصر بنفسه. يعني بعد ما أعطيناكم هذه الشحنات في أهمية الوقت واستغلال الأعمار وإياكم وتضييع زمان، وستسألون معنى الحياة والقيمة وكذا وكذا، الطالب ممكن يأخذ الحماس أنه خلص بدي أستنفذ كل ساعات عمري من الآن هاي اللحظة اللي سمعت فيها المحاضرة بدي أستنفذ كل الطاقات في طلب العلم، فيبدأ يحمل نفسه فوق طاقتها.

هلأ أحبتي، هذه النفس تحتاج إلى رياضة، تحتاج إلى رياضة وإلى ترويض. الآن كيف بعض البهائم تحتاج لترويض حتى تمشي معه؟ وإذا مباشرة بدأت معها من دون ترويض بتنفر عليه ممكن تهاجمك، كذلك هذه النفس. هذه النفس إذا بدأت معها بالشدة مرة وحدة وبدي أطناش ساعة أقرأ في اليوم، وأنت أصلاً ما كنت تقرأ نصف ساعة، راح تهجم عليك النفس وتنفر ويصير معك ردة فعل عكسية من الواقع وهذا خطأ يرتكبه بعض طلبة العلم.

الكلام الذي ذكره ابن جماعة والذي ذكره ابن الجوزي وطرحناه لكم ينبغي أن يكون شعلة لبداية ترويض النفس وتعويدها العلم والعمل، وتقليل ساعات النوم وتقليل ساعات السهر والمجالس والسهرات، نبدأ نقللها حتى النفس تبدأ تتعود على الطريق الصحيح رويداً رويداً وتألفه. أنه نفسك الآن متعودة على الخطأ، تألف الطريق الخاطئ، فلا أستطيع مرة وحدة أخذها للطريق الصحيح، هنا أنا أقطعها وأكسر ظهرها وهذا خطأ فادح.

لا، عليك أن تكون كيساً في تعاملك مع هذه النفس، هذه النفس مثل الطفل الصغير، امنعها من شيء من المجالس، لكن بما أنها منغمسة فيها أعطها بعض المجالس الخفيفة التي لا استغابة فيها ولا لغو حرام، ثم ابدأ رويداً رويداً قلل قلل قلل حتى تصل النفس إلى الجديد من درب الاستقامة. ولذلك ابن جماعة هذه قاعدة وضعها: لا تحمل نفسك فوق طاقتها.

قال: كي لا تسأم، هكذا النفس البشرية ضعيفة ربما نفرت نفرت وهجمت عليك وخرجت عن استطاعتك، لا يمكن أنك تتدارك ذلك، فيصبح بينك وبين العلم حاجز خطير، ونحن لا نريد الوصول لهذه المرحلة. فلذلك قال: كل إنسان أبصر بنفسه، كل إنسان هو أدرى بسياسة نفسه.

في النهاية، مهما وجهك الشيخ والعالم والمربي إلى الطرق الصحيحة، في النهاية أنت أدرى بنفسك. وأقولها ختاما: هناك العقل وهناك الهوى والنفس. لاحظوا، هناك العقل وهناك الهوى والنفس؛ من حكم عقله قاده نحو الخير والصلاح والسعادة، ومن غلب نفسه قادته نحو الهوى والهلاك والخسران.

فعليك أن تعرف الفرق بين عقلك وما يدعوك إليه وبين نفسك وما تدعوك إليه. من عرف الفرق بين هذا الداعي وهذا الداعي واستطاع أن يوطن نفسه ليكون مع داعي العقل وأن يكبح جماح هذه النفس، صدقوني أحبتي بإذن الله سيفلح الفلاح الكبير. وأما من سلم زمام حاله لنفسه لتقوده مع شهواتها وأهوائها، صدقوني سيخسر الخسران الكبير. وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون. هذا نهاية مجلسنا لهذا اليوم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.