يا طالبا للعلم يرجو نفعه، اسمع نصيحة ناصح معوان. لربك في أمورك كلها، فالمخلصون هم أولو العرفان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، أصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين؛ نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده في تدارس علم الأدب؛ تتدارس علم أدب طلب العلم من خلال كتاب ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه؛ تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم.
وفي المجالس السابقة أحبتي، انتهينا من الفصل الأول من هذا الكتاب، وهو الفصل الذي يتحدث عن فضل العلم وفضل العلماء وطلبة العلم، وما أعد الله سبحانه وتعالى لهم من الثواب العظيم في الآخرة، ومن النصر والتأييد والتمكين والتسديد في هذه الحياة الدنيا.
ثم ختم ابن جماعة هذا الفصل بذكر قاعدة عامة تبين لماذا فضلت الشريعة العالم العامل بعلمه على العابد. وعرفت أن العالم العابد العامل بعلمه؛ العالم لابد فيه شيء من العبادة، لكن لماذا فضلت الشريعة العالم العامل بعلمه على العابد المنشغل نفسه؟
لأن العالم الذي يعلم الناس الخير، وينشر الوعي والفكر الصحيح، ويقيم شعائر الدين، نفعه عميم، وينشر الصلاح في المجتمعات وعلى هذه الأرض. بينما العابد المنشغل بنفسه، الذي لم يتفرغ لتعليم الناس الخير، نفعه مقتصر عليه وعلى من حوله، على الدائرة المختصرة حوله، على أهل بيته، على زوجته وعلى أبنائه.
وأما العالم فنفعه عظيم يعم كل هذه الأرض بإذن الله. فلذلك فضلت الشريعة في نصوصها المختلفة العالم العامل على العابد المنشغل بنفسه.
ثم اليوم أحبتي، قبل أن يشرع ابن جماعة في الحديث عن أدب العالم وعن أدب المتعلم والفصول الأخرى، عقد فصلاً مختصراً يتحدث فيه عن عمل قلبي مهم جداً جداً في حياة طالب العلم، وأكثرنا يغفل عن هذا العمل؛ عمل قلبي، لكنه مهم جداً، بل هو أساس النجاح لطالب العلم في الدنيا وفي الآخرة.
هذا العمل القلبي الذي سيتحدث عنه هو النية؛ حسن النية والإخلاص لله سبحانه وتعالى في رحلة طلب العلم، أن يقصد طالب العلم بتعلمه وجه الله سبحانه وتعالى، أن يقصد رفعة هذا الدين، أن يرفع شعاره وأن يهدم معاقل الباطل والأوثان، أن يقصد طالب العلم الخير للناس ولا يقصد أي شيء من المقاصد الأخرى الفاسدة التي تكدر على هذا المقصد السامي.
دعونا أحبتي نشرع فيما ذكره ابن جماعة ونعلق عليه، وسنعرف الإخلاص بإذن الله تعالى تعريفا يقرب صورته إليكم يا طلبة العلم.
يقول ابن جماعة رحمة الله عليه في هذا الفصل المختصر الذي عقده، يقول: واعلم أن جميع ما ذكر من فضيلة العلم والعلماء إنما هو في حق العلماء العاملين الأبرار المتقين، الذين قصدوا به وجه الله الكريم والزلفة لديه في جنات النعيم.
هذه القاعدة التي ابتدأ بها ابن جماعة هذا الفصل ذكرناها سابقاً في أثناء حديثنا عن الآيات والأحاديث التي تمتدح العلم وأهله، وعرفنا أن العلم الذي تمتدحه النصوص الشرعية وتثني على أهله إنما هو العلم الذي يورث عمله وخشية من الله سبحانه وتعالى، وليس العلم الذي يشتري به صاحبه الدنيا ويطلب به وجوه الناس. هذا العلم لا يمتدح صاحبه بل هو مذموم عند الله سبحانه وتعالى.
فهنا ابن جماعة يؤكد على هذه الفكرة فيقول: جميع ما ذكر من فضيلة العلم إنما هو في حق العلماء العاملين. هذا هو العلم أحبتي، إذا أردتم المقياس المعيار للعالم الصادق وللعالم الكاذب فانظروا في عمله؛ من موافق قوله عمله فهذا صادق، وأما من خالف قوله عمله فهذا كاذب. فهذه قاعدة انطلق منها ابن جماعة في بيان ما هو العلم النافع الذي يحبه الله سبحانه وتعالى.
ثم بين بعد ذلك الإخلاص تبعا لهذه الفكرة، فقال: لا من طلبه بسوء نية أو خبث طوية أو لأغراض دنيوية. لاحظوا؛ لا من طلبه بسوء نية أو خبث طوية أو لأغراض دنيوية، من جاه أو مال أو مكاثرة في الأتباع والطلاب.
ابن جماعة كأنه حاول أن يحصر النوايا الفاسدة التي تكدر على هذا العلم ولا تجعله خالصاً لله سبحانه وتعالى. فهناك أحبتي نعم من يشرع في طلب العلم لكن لا يريد به وجه الله الكريم، ولا يريد به رفع معالم الدين، وإنما يريد به التصدر، ويريد ثناء الناس عليه، وأن يشار إليه بالبنان، ويريد كما قال ابن جماعة المكاثرة في الأتباع والطلاب، ويصبح رأس جماعة وله جمهور يصفقون له.
هناك من يطلب العلم وهو يفكر بهذه الأحلام ويتمنى ويطمع أن يصل إلى هذه المراحل، هذا همه وشغله في طلبه العلم، وللاسف عندما تضيع سنوات العمر في الكد والتعب والتحصيل من أجل هذه الأمور الفاسدة، فإن هذا هو الخسران؛ فإن هذا هو الخسران الكبير، أن يبذلك الله سبحانه وتعالى فيصرف نيتك إلى أعمال الدنيا وإلى أهلها وإلى مالها ومتاعها ولا يجعل هذه النية خالصة له.
تتعب وتحصل، لكن تأتي يوم القيامة فإذا كل هذا التعب أصبح هباء منثوراً، لماذا؟ لأنني عندما خطوت الخطوات الأولى في هذا العلم لم أراقب هذا القلب، لم أراقب الهدف الصحيح الذي ينبغي أن يكون مستصحباً معي خلال هذه الرحلة المباركة في هذه الحياة الدنيا في طلب العلم وتحصيله، وهو رضا الله عز وجل، ونشر الخير، وإصلاح المجتمعات، وإنما نظرت إلى التصدر وإلى ثناء الناس علي وإلى الجمهور والتصدر.
فنسأل الله سبحانه وتعالى السلامة والعافية. إذاً، هو يتكلم كما قلنا عن عمل مهم، وهو الإخلاص لله عز وجل. فما هو الإخلاص أحبتي؟
تعددت تعاريف العلماء للإخلاص، وعلماء السلوك والزهد والتصوف ذكروا تعاريف شتى متنوعة، وكل عالم عرف الإخلاص بما ظهر له وبما بدا له من العلم. وأنا أحبتي في الحقيقة أحب التعريف الذي يذكره الإمام السالك سهل التستري رحمة الله تعالى عليه في تعريفه للإخلاص، فأجده جامعا لأبوابه في الجملة.
يقول الإمام سهل التستري عليه رحمة الله تعالى: نظر الأكياس، أي الأذكياء، في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا. الآن سيتكلم عن تعريف الإخلاص، ما هو؟ قال: أن تكون حركاته وسكناته في سره وعلانيته لله تعالى وحده، لا يمازجه شيء؛ لا نفس ولا هوى ولا دنيا. انتهى كلامه رحمه الله.
نعيد التعريف مرة أخرى؛ تعريف يشمل كل جوانب الإخلاص التي يحتاجها المسلم في هذه الحياة الدنيا، ويغلق كل منافذ الرياء التي يمكن أن تتطرق إلى قلب المؤمن.
يقول سهل التستري عليه رحمة الله: نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا؛ أن تكون حركاته وسكناته، الحركات التي تتحركها، السكنات التي تسكنها بعد التحرك، كلما جلت في هذه الدنيا طالبا للعلم، معلما، مفتيا، قاضيا، هذه الحركات وهذه السكنات التي تكون بعد الحركة باختصار هو يريد كل تحركاتك في هذه الحياة أن تكون لله سبحانه وتعالى وحده، لا يمازجه شيء.
لا يوجد أي شيء يمازج هذا القلب سواه سبحانه وتعالى، لا يمازجه شيء. ما هي الأشياء التي يمكن أن تمازج فتعكر الإخلاص وتتعكر صفاء النية؟ قال: النفس والهوى والدنيا؛ تريد نفسك، تريد التصدر، تريد الطلاب وثناء الناس عليك وتقبيل الرأس والأيدي. الهوى؛ هوى النفس الذي يعكر مزاج الإخلاص. تريد الدنيا بأموالها ومتاعها ورفاهيتها؛ هذا كله يبطل ذاك العمل، يبطل تلك النية الخالصة.
الله سبحانه وتعالى ينظر في هذا القلب، فاذا وجد فيه غيره فلا مكان لحبه سبحانه وتعالى، فحبه أسمى من أن يشاركه حب، والإخلاص له سبحانه وتعالى أسمى من أن يمازجه شيء.
نعم، هذا هو الإخلاص بصورة مختصرة جامعة بإذن الله. والآن دعونا ننطلق إلى كلام ابن جماعة وما أورده من الأحاديث النبوية في تعظيم أمر الإخلاص والتحذير من الرياء وبيان عقوبته الشديدة.
يقول ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه في الحديث الأول: قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من طلب العلم... لاحظوا الحديث.
حديث شديد: من طلب العلم ليماري به السفهاء ليجادل المماراة والمجادلة والخصومة، ليماري به سفهاء الناس، أو يكاثر به العلماء، أو يكاثر به العلماء. التكاثر؛ أنا أحفظ كذا وكذا وكذا، وأنا أنهيت كذا وكذا وكذا، وحصلت من الشهادات الأكاديمية وحضرت وجلست، إلى آخر هذه المكاثرات التي للأسف تحدث بين طلبة العلم، أو يكاثر به العلماء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار. وعيد شديد، وهذا الحديث رواه الترمذي وغيره، وحكم طائفة من أهل العلم على هذا الحديث بأنه حسن.
وذكر بعضهم إلى أنه حسن لغيره باعتبار تعدد طرقه، حسن لغيره باعتبار تعدد طرقه. مضمون هذا الحديث أحبتي، ربما كثير من طلبة العلم يغفل عنه، وقد يكون واقعاً فيه من رأسه إلى أخمص قدميه؛ قضية إن طالب العلم إذا حصل شيئاً من العلوم يبدأ بالمماراة والمجادلة والخصومة مع زملائه في الدراسة، كل طالب تجد عنده شيء من يسعى لأن يفرض هذه الأجواء، أجواء أنني حصلت علماً على إخوانه بالمماراة والمجادلة ومعاقل الدين تهدم، وكليات الدين يغزوها أعدائها الأمة، وهذا الطالب منشغل بمواراة زملائه وأصدقائه بشيء من العلم يسير حصله، فهذه إيش نتيجته؟ من طلب العلم يماري به السفهاء هو في النار.
هو في النار، يعني ما قال النبي عليه الصلاة والسلام إن هناك عقوبة أخف أو معاتب أو لا ينبغي له أن يفعل ذلك، قال كلمة شديدة، قال: هو في النار. أو الحالة الثانية، أو ليكاثر به العلماء، خاصة عندما يتشبع الإنسان بشيء من العلوم ويحصل ويتصدر، تبدأ عملية المكاثرة والمقاومة، يمتدح نفسه وما حصله من العلم ومجالسة للعلماء السنوات الطوال، وما فعله هنا وفي ذاك البلد، ويبدأ يذكر سيرته من أجل أن يكاثر وأن يظهر تفوقه على غيره من الدعاة ومن المصلحين في بلده، وهذه نتيجة.
الأمر الثالث ولماذا يفعل ذلك؟ للأمر الثالث الذي ذكره صلى الله عليه وسلم قال: أو يصرف به وجوه الناس إليه. يريد كل الناس لا تنظر إلا إليه، إذا ذكرت تذكر اسمه، وإذا فاذنت تثني عليه، وإذا أشارت تشير إليه، وإذا أردت أن تعود في شيء من ملمات الحياة الدنيا تعود إليه، هو يريد هذا، هو هذا شعور ومرض يعاني منه كثير من المتصدرين للعلم، حب رجوع الناس إليهم، أن الناس تقصدهم فقط، الناس تثني عليهم فقط، تتجمع حولهم، تقبل الأيدي والرأس. من وجد في قلبه مثل هذه الأمراض من طلبة العلم عليه أن يتدارك نفسه من الآن، من هذه اللحظة، وإلا هذا ليس كلامي هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا في النار.
وردد هذه الكلمة النار، هذا العذاب الشديد العظيم المهول الذي ينتظر من يمارس هذه الممارسات الخاطئة، لأن العلم الشرعي هو أطهر العلوم، لا ينبغي أن يدنس بشيء من هذه الأفعال. لو طلب الإنسان شيء من علوم الدنيا من الهندسة أو الطب أو ما شابه ذلك، فطلب به الدنيا وأموالها، أمراً أخف أحبتي، لكن العلم الشرعي أن توقع عن رب العالمين، تتحدث بهذا الدين باسم الدين، وأنت في النهاية لا تريد الدين وإنما تريد الدنيا.
إياك إياك أن تجازف بنفسك لتكون ممن يسقط في نار جهنم يوم القيامة، إياك إياك أن تجازف بهذه الروح وبهذا التعب وبهذا الكد وبهذا التحصيل، ثم في النهاية تكون النهاية بئيسة. صدقني يا طالب العلم، لا يوجد شيء يستحق في دنيا هذه النهاية، لا يوجد شيء يستحق الدنيا، الناس الذين تطلبهم وتحب أن يثنوا عليك غداً سينقلبون عليك، الناس لا تسير على أمزجة مستمرة مضطردة، اليوم مع فلان وغداً يعكر مزاجه شيء تنقلب على فلان. صدقني يا طالب العلم، أنك بطلب الدنيا تخسر كثيراً كثيراً وتبتعد عن الجادة التي ينبغي عليك أن تسلكها.
والله لو أنك طلبت الله سبحانه وتعالى لتأتين الدنيا وهي راغمة إليك، لو طلبت الله سبحانه وتعالى لتعزن في الدنيا قبل الآخرة، ولكن عليك بالله وأن تكون مع الله وأن تطلب بهذا العلم نشر الخير والصلاح والوعي في المجتمعات. سئمنا من تجار الدين، سئمنا من أولئك الذين يطلبون الشهادات من أجل الوصول إلى المناصب وتحصيل الأموال وتكديسها، هؤلاء هم معول هدم في جدار هذه الأمة، والأمة سئمت منهم، الأمة تنتظر من طلبة العلم الإخلاص بفضل الله سبحانه وتعالى، أن يكون علمهم فقط له، يريدون الخير والصلاح وأن تنهض هذه الأمة من جديد، ولا يريدون الدنيا ولا لا يريدون المناصب ولا يريدون الرفاهية، وإنما هي الرحلة القصيرة التي نحياها في هذه الدنيا، نهبها لله سبحانه وتعالى ثم ننقلب بعدها إلى دار أخرى بجوار ربنا عز وجل.
نسأل الله عز وجل ألا يضيع لنا تعبه، وأن يصلح نياتنا، وأن يجعلنا دائماً معه في حركاتنا وفي سكناتنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. هذا الحديث أحبتي روي طبعا بألفاظ أخرى: من طلب العلم ليماري به السفهاء ليماري به السفهاء، أو يكاثر به العلماء. وردت في رواية أخرى يكاء بدل يكافر، يجاري به العلماء، في رواية أخرى يجاري به العلماء بدل يكافر، وفي رواية ثالثة يباهي به العلماء، وكل هذه الألفاظ تدور حول نفس المعنى.
لكن يعني هو ابن جماعة قال: هذا الحديث اخرجه الترمذي، وللترمذي في الحقيقة لم يخرج هذا الحديث بلفظ يكاثر، وإنما أخرجه بلفظ يجاري، الترمذي لم يخرج هذا الحديث بلفظ يكاثر به العلماء، وإن كان ابن جماعة نسبه إلى الترمذي بهذه اللفظة، وإنما أخرجه الترمذي بلفظ يجاري به العلماء، فهذا فقط تعليق على الحديث.
نذهب إلى حديث آخر أحبتي ذكره ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه، هذا الحديث قالوا عنه صلى الله عليه وسلم: من تعلم علما لغير أو أراد به غير وجه الله فليتبوأ مقعده من النار. رواه الترمذي، لاحظوا قضية النار، النار التي يتوعد بها النبي صلى الله عليه وسلم من يتاجر بالدين، في الحقيقة الأمر مخوف، الأمر شديد، وعلى طالب العلم أن ينتبه، ترى القضية قضية جنة ونار، ليست القضية قضية شيء دنيوي أو بلاء دنيوي وينتهي، قضية قضية جنة ونار.
طبعا هذا الحديث الذي أخرجه ابن جماعة في إسناده انقطاع، لكنه يعتضد بالأحاديث الأخرى التي تأتي بعده. هذا الحديث يقول فيه صلى الله عليه وسلم: من تعلم علما لغير الله، لا يريد الله سبحانه، أو أراد به غير وجه الله فليتبوأ مقعده من النار. في لك مقعد جاهز في نار جهنم ينتظرك.
طيب، نكمل الحديث الذي يليه: وروي عنه صلى الله عليه وسلم من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله، لاحظوا لذلك قلت لكم العلم الشرعي أمره أصعب من الأمور العلوم الأخرى، علوم الدنيا لو طلبت بها الدنيا وانشغلت بها أمرها أخف، لم تتاجر بالدين، تاجرت بالدنيا مع الدنيا، لكن أن تتاجر بالدين وتشتري به دنيا هذا شيء صعب، من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله، العلوم التي الأصل أن تكون لله سبحانه وتعالى يبتغى بها وجه الله سبحانه، لكنه إيش قال عليه الصلاة والسلام؟ لا يتعلمه إلا ليصيب به من الدنيا، يريد منصب، يريد الأموال، يريد الرفاهية، يريد تجمع الناس عليه على الحياة الدنيا، إلا ليصيب به عرضا من الدنيا.
ما هو الوعيد الذي ينتظره الآن؟ قال: لم يجد عرف الجنة يوم القيامة. لم يجد عرف الجنة، العرف الرائحة الطيبة الزكية، فيتوعده النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: لم يجد عرف الجنة. يعني ليس الجنة بل حتى رائحة الجنة لن تجدها، رائحة الجنة التي تشم مسيرة خمسمائة عام لن تشمها، وعيد شديد يدل على مدى المسافة البعيدة البعيدة بين عالم الدنيا، العالم الذي يريد الدنيا، وبين جنات النعيم. نعم خبت وخسرت يا طالب العلم إذا كنت من تجار الدنيا، وأفلحت وفزت إذا طلبت بهذا العلم وجه الله. والله أحبتي لو طلبتم العلوم الكثيرة وحفظتم الألفيات وحصلتم ما حصلتم وجمعتم ثم أردتم الدنيا فانه الخسران.
ولو حفظتم عدد ميسور من المتون والمصنفات وأردتم بذلك وجه الله سبحانه وتعالى، بذلتم طاقتكم ما تستطيعونه؛ لكن الدافع لطلب هذه العلوم كان لك هو العلم كان أبوه العلم وتعليم الناس وإرشادهم إلى الخير، صدقوني هذا العلم اليسير يبارك فيه الرب سبحانه وتعالى، ويطرح لصاحبه البركة في الدنيا وفي الآخرة.
فالقضية ليست قضية كم أو كمية المعلومات التي تحصلها، وإنما القضية أساساً هي قضية ماذا تريد أن تفعل بهذه العلوم وأين أن توجها وماذا تقصد بطلبك لها. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وهذا الحديث الأخير الذي يريده هنا وهو حديث شديد، حديث أول من تسعر بهم النار وأظنه مشهور لديكم أن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة.
فذكر النبي صلى الله عليه وسلم الشهيد أولاً ثم ذكر بعد ذلك طالب العلم، فماذا قال فيه؟ طالب العلم خصوصاً قال أو رجل تعلم علماً وعلمه وقرأ القرآن، تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأوتي به الله سبحانه وتعالى أمر الملائكة أن تأتي به حتى نتفاهم معه فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، الله سبحانه وتعالى عرفه النعم التي أنعم بها عليه.
قال: ألسْتُ من أعطيتك السمع والبصر لتطلب العلم؟ ألسْتُ من منحتك الصحة والعافية لتستطيع طلب العلم؟ منحتك المال، منحتك أشياء كثيرة في هذه الحياة الدنيا، العقل، الإسلام، الهداية. يعرفه بهذه النعم التي كانت سبباً في وصوله إلى مناصبه.
هذا الذي يصل إلى المنصب ويشتري بدينه الدنيا ويريد هذه الحياة وينكب عليها، هو غافل أن الذي منحه السمع والبصر ليطلب العلم هو الله، أن الذي منحه المال واعطاه السيارة التي يذهب بها إلى الجامع ويعود هو الله، الذي منحه العقل الذي يفكر ويستخلص به العلوم هو الله تعالى، الذي أمده عمراً من الذي منحه العمر حتى يحصل تلك الشهادات وتلك العلوم؟ هو الله. نسي كل هذا وانكب على الدنيا، فعرفه نعمه فعرفها فقال له الله سبحانه وتعالى: فماذا عملت بها؟ إيش فعلت بهذه النعم التي حصلت أعطيتك النعم ومنحتك العلم.
هو بحد ذاته العلم هو نعمة أيضاً من النعم لا نغفل عن هذا، يعني الإنسان الله سبحانه وتعالى قد يعطيه سمعاً وبصراً وعقلاً لكن لا يمنحه العلم. فهذا الرجل منحه الله العقل والسمع والبصر والعقل والعلم، فماذا فعلت؟ فهذا الرجل يريد أن يدافع عن نفسه يظن أن الله سبحانه وتعالى غافل عن الحياة الدنيا، وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ.
هي رسالة رجال الدين، نعم هي ليست فقط للظلمة والمتجبرين من جبابرة الأرض بل لمن يبرر لهم إجرامهم ولمن يفتي كما يريدون رسالة لهم: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ. ألا ستأتي عند الله يا عالم السوء ويا طالب العلم الذي اردت الدنيا، ستقف بين يدي الله وسيسألك الله سبحانه وتعالى هذا السؤال: ماذا عملت بها؟ فبماذا تجيب؟ فيقول هذا الرجل دفاعاً عن نفسه: تعلمت فيك العلم وعلمته يا رب، أنا تعلمت العلم من أجلك وعلمته من أجلك وقرأت فيك القرآن.
الله سبحانه وتعالى ماذا يقول له؟ كذبت، كذبت هذه الكلمة لا يقولها مخلوق الآن. الله سبحانه وتعالى يقولها لك يا عالم السوء يا أصحاب اللحى المأجورة يا طلبة العلم الذين تريدون الدنيا، الله سبحانه وتعالى يقول لكم: كذبتم، كذبت وإنما تعلمت ليقال عالم وقرأت ليقال قارئ.
كذبت ولكن تعلمت ليقال عالم وقرأت ليقال قارئ فقط، قيل فقد قيل، أخذت حظك بهذه الحياة الدنيا قيل عنك عالم وستر اسمك في الجرائد وصدرت على الشاشات وعلى التلفاز، افتيت كما يريد فلان وفلان وتاجرت بالدنيا وحصلت المناصب والقصور والسيارات، أخذت نصيبك في الحياة الدنيا فلا تطالب الله سبحانه وتعالى يوم لا تطالب الله سبحانه وتعالى يوم القيامة بنصيب فقد قيل.
ثم أمر به فسحب على وجهه، فسحب على ماذا؟ على وجهه، تخيل الصورة التي يعطينا اياها النبي صلى الله عليه وسلم. ثم أمر به فسحب على وجهه، الوجه على أرضية يوم القيامة يسحب أمام الناس جميعاً تسحب وتجر ثم يلقى به في النار، ثم أمر به أو ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
الحديث الشديد بتفاصيل ومعالمه التي يرسمها لتلك الحالة البئيسة لذاك العالم عالم السوء وتاجر الدنيا، كيف سيقف ذليلاً بين يدي الله؟ كل الخلق ينظرون إليه يتذكرون ماذا كان يقول في هذه الحياة الدنيا تبريراً لإجرام المجرمين، يتذكرون ماذا يقول على المنابر حينما كان ينظر ويتصدر ويتكلم بالظلم والإجرام ويبرر الظلم والإجرام ويفتي بالظلم والإجرام.
يتذكرونه يتذكرونه وهو يقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، ويقول الله عز وجل له: ماذا فعلت بعلمك؟ الله سبحانه وتعالى عالم هل هو يستفسر منه؟ هل يريد أن يعرف ماذا كان يعمل بعلمه؟ هو شاهد في هذه الحياة الدنيا سبحانه، لكن يريد أن يري الخلق جميعاً هذه النهاية الدليل لهذا الرجل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
فنسأل الله السلامة والعافية وأن لا يفتننا في في هذه الحياة الدنيا وإذا أراد بالعباد فتنة أن يقبضنا إليه غير مفتونين، لا ضالين ولا مضلين.
ثم بعد ذلك ابن جماعة يذكر مجموعة من الآثار عن السلف الصالح رحمة الله تعالى عليهم في أهمية الإخلاص لله سبحانه وتعالى، فذكر أثراً عن حماد بن سلمة. هذا الاثر الذي يذكره عن حماد بن سلمة أورده الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق وآداب السامع يقول حماد بن سلمة رحمه الله تعالى: من طلب الحديث لغير الله تعالى مكر به.
الله أكبر، من طلب الحديث وهذا قديماً كان عند أهل العلم يهتمون في أصول السلف الأولى في طلب الحديث وتدوينه وتسجيله وتحصيله والرحلة فيه. فيقول حماد بن سلمة: من طلب الحديث لغير الله تعالى مكر به، الله سبحانه وتعالى يمكر به يستدرجه يعطيه الصحة ويمنحه شيء من النعم ليستمر وهذا من الاستدراج أن يمنحك الله الصحة وأنت على باطلك وعلى نيتك الفاسدة ويعطيك ويعطيك ويمنحك هذا نوع استدراج ومكر من الله سبحانه وتعالى بك.
تريد أن دعا الله، تريد أن تتاجر بهذا العلم؟ الله سبحانه وتعالى يمكر بك، حتى لو حصلت ما تشاء في هذه الحياة الدنيا. يوم القيامة ينتظر في لحظة واحدة ستنتهي من هذه الحياة الدنيا ستدخل في القبر ثم تبدأ رحلة أخرى، رحلة السؤال والحساب عما فعلته في هذه الحياة الدنيا وعن علمك، لماذا طلبته وماذا قصدت به؟ من طلب الحديث لغير الله مكر به.
والأثر الآخر عن بشر بن الحارث وهذا الأثر أيضاً ذكره الخطيب البغدادي رحمة الله عليه لكن في كتاب الزهد والرقائق.
الأثر الثاني عن بشر بن الحارث رحمه الله تعالى: أوحى الله تعالى إلى داود: لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً فيصدك عن محبتي.
هناك كلمة وقعدت يعني عندنا بشك لكن ليست في الاثر والله أعلم. قال فيصدك عن محبتي أولئك قطاع الطريق على عبادي. هذا الأثر بالتأكيد هو فيما يظهر شيء من الإسرائيليات التي نقلت عن الأمم السابقة، والاسرائيليات التي تنقل عن الأمم السابقة كما علمنا النبي صلى الله عليه وسلم لا تصدقوهم ولا تكذبوهم ولكن نأخذ العبرة، ولكن نأخذ العبرة.
طب إيش اللي بدنا الحديث ينقل أثر يروى في الكتب السابقة عن داود أن الله أوحى إلى داود ماذا؟ يا داود لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً فيصدك عن محبتي. إخواني هذا الأثر مهم جداً لأن كثير من العوام اليوم يذهبون إلى علماء السوء أو العلماء الذين يتاجرون بالدين أو العلماء الذين يأتون بفتاوى شاذة توافق هواهم فيستفتونهم ويقولون: الشيخ الفلاني أفتى خلاص انتهى الأمر.
مع أن هذا العام في قرارة نفسه يعلم أن الشيخ الفلاني مأجور، أو يفتي كما يريد فلان وفلان، أو أن كلامه يخالف ما عليه الأمة سلفاً وخلفاً، ولكن لأن فتواه وافقت هواه قال: جعلته بيني وبين الله. إياك أن تفعل هذا.
إياك أن تفعل هذا، حتى لا تأتي يوم القيامة فتقول وأنت في نار جهنم: أيها العامي، تقول: إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا سبيلا. لا تذهب إلى عالم مفتون وأنت تعلم أنه عالم مفتون، وأنه يتاجر بالدنيا، أو أن فتاواه سهلة هينة لا تنضبط أصول الشريعة لأنه لم يتشبع من علوم الشريعة، وإنما هو متصدر متشبع بما لم يعط.
أيها العامي، إذا عرفت أن الرجل الذي تسأله ليس أهلاً للتصدر، وإنما وجدت عنده فتوى توافق هواك فسألته، فأنت آثم أمام الله ومسؤول، وإياك أن تظن أن هذا العالم سيتحملها فقط أو هذا المتصدر سيتحملها فقط، أنت أنت تتحمل هذه الفتوى وهذا الذنب معه يوم القيامة. لا تجعل بينك وبين الله عالماً مفتوناً، فيصدك عن محبة الله، يصدك عن درب الاستقامة. يا طلبة العلم، إياكم من تجار الدين، إياكم من علماء السوء حتى ولو تكلموا باسم الدين، حتى ولو حصلوا شيئاً من علوم الدنيا، لا تجعلوهم بينكم وبين الله، فإنهم سبب في صدكم عن درب الاستقامة ودرب الصلاح والوصول إلى نهاية الطريق، سبب في إبعادكم عن منهج أهل السنة والجماعة، عن مسلك السلف الصالح رحمة الله عليهم، عن سير الأوائل. يذهبون بكم في دهاليز الحياة الدنيا في تلك الطرق المظلمة التي لا تعلمون نهايتها، بل قد تكون نهايتها في نار جهنم، لا تجعلوا بينكم وبين الله عالماً مفتوناً.
ثم ختم فقال: أولئك قطاع الطريق. انظر هذا الوصف، أولئك قطع طرق، نعم هؤلاء يقطعون الطريق على العباد، العباد الذين يريدون السير إلى الله سبحانه وتعالى فيجدون عالم سوء أو داعية سوء يصرفهم عن درب الاستقامة، عن درب الصلاة، عن منهج السلف الصالح إلى شعب الحياة الدنيا وإلى الزيغ وإلى التجارة بهذا الدين. ماذا يفعل بهم هذا العالم؟ هو قاطع طريق، هو صدهم عن درب الله سبحانه وتعالى، فهذه التوصيفات مهمة، علينا أن ندركها في زمن الفتن، وأن نعرف أن هناك أهل صلاح وأهل لفساد، وأن هناك من يحمل العلم بحق وهناك من يحمل العلم للدنيا من أجل فلان وفلان.
هذه الآثار التي ذكرتها وأنا أذكر لكم أثراً أختم به، ثم سأذكر بعض مظاهر الرياء في حياة طالب العلم المعاصر حتى تكون المادة فعلاً عملية واقعية، نذكر بعض مظاهر الرياء يمكن أن نتعرض لها نحن أيضاً، ونحن في غفلة حتى نحذر منها بإذن الله. الأثر الذي أختم به أو ربما أثرين، الأثر الأول عن سفيان الثوري، يقول سفيان الثوري: ما ازداد عبد علما فازدادت الدنيا رغبة إلا ازداد عن الله بعداً، ما ازداد أحد علما -يعني هناك طالب علم يحصل العلوم ويرتقي نحو صرف، ومنطق، وبلاغة، وفقه، واعتقاد، وأصول تفسير نرتقي- ما ازداد عبد علما وكلما ارتقى في طريقه في العلم طمع في هذه الدنيا أكثر وأكثر، كلما ازداد عبد أو من ازداد أو ما ازداد عبد علما فازداد في الدنيا رغبة إلا ازداد عن الله بعداً، يعني هو في ازدياد دائم، ازدياد في العلم، ازدياد رغبة في الدنيا، وازدياد بعد عن الله. لاحظوا الزيادة المضطردة، لكنها زيادة بئيسة كئيبة نهايتها وخيمة، تزداد في الدنيا وتزداد في العلم وتزداد أيضاً، لكن تزداد ماذا؟ بعداً عن ربك سبحانه وتعالى، وما فائدة العلم إذا لم يكن طريقاً إلى الله؟ إذا كان بالعكس طريقاً مبعداً عن الله سبحانه، كان الجهل كان أسلم لك، لو بقيت جاهلا لكان ذلك أسلم لك، أليس كذلك تطلب العلم وتريد الدنيا أنت تبتعد عن الله سبحانه، كن جاهلاً أفضل. فهذا أثر مهم.
والأثر الاخير عن سفيان الثوري أيضاً، يقول سفيان الثوري: ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي، ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي. من الذي يقول؟ سفيان الثوري، إمام كبير من أئمة الحديث. أحبتي، عندما أسمع هذا الأثر وأنظر في نفسي وفي حال إخواني وطلبة العلم والعلماء اليوم، أجد أن هناك مفارقة كبيرة بين فهم السلف للنية الصالحة والإخلاص وبين فهمنا. اليوم نجد طالب العلم يظن نفسه قد تجاوز قنطرة سورة الإخلاص تماماً يعني لا يحتاج إلى أن ينظر في الإخلاص، موضوع لا نقاش فيه أنه مخلص، موضوع لا نقاش فيه أنه مخلص وأنه تجاوز قنطرة الرياء والنفاق وخطرات القلب وبلغ المرتقى. وسفيان الثوري إمام من أئمة السلف ومن أئمة الحديث يقول: ما عالجت شيئاً -معالجة ومدافعة ومزاحمة للنيات الفاسدة على قلبه وهو يدافعها ويزاحمها ويأبى أن يدخلها- ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي. يقول: دافعت أشياء وخواطر فاسدة، قد تدافع شهوة النساء، قد تدافع شهوات كثيرة، لكن يقول سفيان: إن الإخلاص حافظ على النية الصالحة أمر عظيم، عالجت من أجله ودافعت خطرات الشهرة وحب الثناء وحب التصدر وحب الدنيا كثيراً من أجله، ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي.
فيا طالب العلم، يا اخي الحبيب، إياك أن تظن للحظة واحدة أنك تجاوزت القنطرة وأنك بلغت المراتب العليا في الإخلاص، إذا بدأت تفكر بهذه الطريقة فاعلم أنك في رياء، إذا بدأت تفكر بهذه الطريقة وأنك مخلص ولا تحتاج إلى شيء من المدافعة فاعلم أنك بدأت تنحرف عن الطريق وأنك في غفلة وأنك في سهو، إذا كان عمر بن الخطاب يخشى على نفسه من النفاق والرياء، فماذا أنت تسلم؟ ماذا تسلم يا طالب العلم مما تسلم؟ ألا تخشى على هذا القلب أن يكون منغمساً في الرياء وأنت في غفلة؟ هذه الدواب لابد أن تأتي أثناء المحاضرات.
فيا طالب العلم راجع نيتك، حاسب نفسك في كل يوم، في كل ساعة حاسب نفسك بقدر طاقتك، المهم أن تحاسب نفسك، لا تظن أنك سلمت من الخطرات، إذا ظننت أنك سلمت من الخطرات فأنت في غفلة في بعد عن الحقيقة عن الواقع، هذا القلب الشيطان لن يدعه، سيبقى يحاول يترصد له من كل المنافذ ليدخل، فكيف تظن أنك سلمت في هذه الحياة الدنيا؟ والله لن تسلم حتى تطوى تحت الأرض، هي هكذا الحياة. فبعض طلبة العلم أو بعض الناس عندما تتكلم في الإخلاص وتذكره بهذا الموضوع وتجديد النية، يظن نفسه يقول: يا شيخ لا تكلمني في هذه القضية، ترى أنا الحمد لله أموري تمام، انتهيت من هذه القضية منذ زمن، وهذا لغفلته ولجهالته وحمقه، والله لو عرف ما هو الإخلاص بحق، أن تكون الحركات والسكنات لله سبحانه وتعالى، لا يمسه شيء من نفس ولا هوى ولا دنيا كما عرفه سهل التستري لعلم أنه بعيد بعيد عن ادعاء الإخلاص بعداً جميلاً.
كما وعدتكم الآن نتكلم عن بعض مظاهر الرياء التي يعاني منها ونعاني منها جميعاً في وقتنا الحاضر. يا طالب العلم، إذا وجدت نفسك تحب التصدر في المجالس وأن يقدمك الناس في الحديث، ويضيق صدرك إذا لم يفسح لك المجال في المجلس لتتكلم، فراجع اخلاصك فراجع اخلاصك، هذه الأولى.
الثانية يا طالب العلم، إذا وجدت نفسك تدافعك دائماً للحديث على وسائل التواصل الاجتماعي والكتابة والتعليق على كل أمور الدين وعلى كل نوازل الأمة، فراجع اخلاصك. هناك طلبة شغلهم الشاغل، إذا عرف شيئاً أو وقعت نازلة أو حدث شيء وباشروا على وسائل التواصل يبدي وجهة النظر، يحلل ويرد على فلان ويتكلم ويجد طلاب يمدحونه: ما شاء الله فلان يكتب بشكل جيد ورد على فلان وكتب على فلان، هذه هي هذا هو والرياء بحد ذاته، هذا هو الرياء بحد ذاته. أحياناً في أمور معينة نعم يكون الشخص صادقاً أنا لا نتكلم عن هذه الصور، لكن ما نشاهده اليوم من تدافع على وسائل التواصل الكل يعلق الكل يكتب الكل يريد أن يبدي وجهة النظر، هذه مشكلة عليك أن تراجعها يا طالب العلم فإنها صور من صور الرياء المعاصر.
يا طالب العلم، إذا وجدت نفسك تحب مزاحمة الشيخ أثناء المحاضرة وأثناء الدرس، تحب أن تتكلم معه كلما تكلم الشيخ والمدرس في قضية أنت تتكلم وتزاحم لتظهر نفسك أمام زملائك أن لك حظ من العلم، فراجع نفسك فانت في رياء.
هذه السورة يغفل عنها كثير من طلبة العلم. أعيدها مرة أخرى، الشيخ يدرس ويعلم الناس المجالس العامة أو الخاصة أو ما شابه ذلك، فيكون الشيخ يتحدث وبعض طلبة العلم في المجلس يكملون الحديث معه مع أن الشيخ لم يطلب منهم ذلك لم يستنطقهم. لماذا يكملون مع الشيخ؟ ليظهروا فضلهم على إخوانهم، ليظهروا له من هذه المعلومة التي يتكلم فيها الشيخ يعني نحن درينا بها سابقا، هذا هو الرياء. أعطيكم أثر عن السلف رحمة الله عليهم في هذه القضية، ذكره الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآاداب السامع.
يقول الخطيب البغدادي قال مهدي بن إبراهيم: سمعت إبراهيم بن أدهم أحد أئمة السلف رحمة الله عليهم يقول: كنا إذا رأينا الشاب -اسمعوا ماذا يقول إبراهيم بن أدهم، هذا الركوب ينبغي أن يذهب، ماذا يقول إبراهيم بن أدهم؟- يقول: كنا إذا رأينا الشابة يتكلم مع المشايخ في المجلس، آيسنا من كل خير عنده. الله أكبر! إذا كنا في مجلس علم فرأينا الشاب طالب العلم يتحدث مع الشيخ في أثناء محاضرة الشيخ ودرسه، آيسنا من الخير الذي عنده. لماذا؟ لأننا ندرك أن هذا الشاب منافق، هو يريد الدنيا، لماذا تزاحم الشيخ في الكلام؟ لماذا تريد أن تظهر الفضل على الخلان؟ ما أحد طلب منك أن تتكلم، لماذا تتكلم؟
الأدب أن يتحدث الشيخ والطالب يسمع، حتى لو كانت المعلومة أو الشيخ أو الشيء الذي يذكره الشيخ معلوم لديك مسبقا، تلزم الصمت من يجهل هذا الشيء. مدافعتك للشيء أو للشيخ في ذكر هذا الشيء دليل على شيء في القلب. وهناك أثر آخر ذكره أيضا الخطيب البغدادي قال خالد بن صفوان: إذا رأيت محدثا يحدث حديثا قد سمعته، أو يخبر خبرا قد علمته، فلا تشاركه فيه حرصا على أن تعلم من حضرك أنك قد علمته، فإن ذلك خفة، فإن ذلك خفة وسوء أدب.
أعيد هذا الأثر: خالد بن صفوان يعطي نصيحة لطلاب الحديث، إذا رأيت محدثا يحدث حديثا قد سمعته أنت يا طالب الحديث مسبقا، أو يخبر خبرا قد علمته مسبقا، فلا تشاركه فيه. هو الشيخ بيقرأ الحديث مع طلبة العلم، آه يا شيخ ذكره فلان وقت تكملته كذا وكذا، طب الشيخ ما طلب منك ذلك، لماذا تزاحمه؟ لماذا تقوم بهذه المداخلات؟ قال: لا تشاركه فيه حرصا. ولماذا يفعل هذا؟ واضحة الأمور، حرصا على أن تعلم من حضرك أنك قد علمته، أنك صاحب علم وأن هذه الأمور تعلمها مسبقا. هذه صورة من صور الرياء والنفاق.
هناك صور أخرى أيضا أحبتي من سبل الرياء التي يقع فيها طلاب العلم في وقتنا الحاضر، الصور التي ذكرها السلف وأشاروا إليها ونبهوا عليها؛ قضية حمل المصنفات العلمية، انظروا إلى أي درجة نتكلم! إذا كان طالب العلم يحب دائما أمام إخوانه أن يحمل المصنفات العلمية ويظهر بها، وإذا دخل أخ إلى مجلسه يحب هذه المصنفات العلمية لينظر إليه زملاؤه وهو يقرأ ويدرس فيثنون عليه خيرا، إذا كانت هذه النية موجودة عندك فاحذر منها.
هناك بعض الإخوة تدخل عليهم الكتاب مغلق، قبل أن تدخل إذا دخلت عليه فتح الكتاب وبدأ ينظر فيه ويأمل ويتأمل وكأنه يعلق ويحلل، لماذا يفعل هذا؟ حتى يرى الزملاء أن هذا الأخ طالب علم مجد فيثنون عليه خيرا. بعض طلبة العلم صدقوني أحبتي يحملون كتب بين أيديهم لا يفقهون منها شيئا، وإنما يحملونها ليقال: ما شاء الله فلان وصل إلى قراءة هذه الكتب ودراستها، إذا هذا الرجل ما شاء الله وصل إلى درجة عالية في العلم، وهو لا يفقه منها شيئا، وإنما يعني يحب أن يرى حاملا لهذه المصنفات حتى يذكر بالخير عند الناس وانه منشغل بالطلب. هذا هو الرياء، انظروا الفرق بيننا وبين السلف!
كان أحدهم إذا كان فاتحا للمصحف لكتاب الله، فدخل عليه رجل من الخارج، وضع غطاء على المصحف حتى لا ينظر إليه أنه يقرأ. انظروا إلى أين وصلوا أحبتي وإلى أين وصلنا! يقرأ في المصحف يعني ليس مصنف علمي من مصنفات كبار الأئمة، المصحف كلام الله سبحانه وتعالى الكل يقرأ فيه، لكن حتى كانوا إذا دخل عليهم أحد وهم يقرأون في المصاحف يغلقون المصاحف أو يضعون عليها سترا حتى لا ينظر إليهم وهم يقرأون فيمدحون. انظروا كيف كانوا يتابعون الخطرات، ونحن اليوم الحمد لله كل شيء مفتوح؛ الطالب يتحدث ويعلق ويحمل المصنفات ويناقش ويتكلم مع الشيخ ويحب التصدر في المجالس، ثم بعد ذلك عندما نعطي موعظة عن الإخلاص يقول: يا شيخ لا تتكلم عن الإخلاص، هذا أمر معلوم لدينا مسبقا! وتجده منغمس في كل هذه الأمور، نسأل الله السلامة والعافية.
هذه أمور أنصح بها نفسي أولا وأنصح بها إخواني، علينا أن نراقب الخطرات، علينا أن نراقب هذه الخطرات الشديدة لأن هذه الخطرات إذا دخلت على القلب قد تسلبه الإيمان، وقد ينكر بك وانت لا تشعر. يا طالب العلم أيضا من صور الرياء التي ينبه إليها المتصدرين للتعليم -هذه خاصة بالمتصدرين- إذا تصدر إنسان للتعليم ومنحه الله سبحانه وتعالى علما، وبدأ يجد الطلاب يتكاثرون عنده، فوجد شيخ آخر بدأ يدرس ويعطي دورات أخرى وشرح أيضا في نفس مسلكه، يضيق صدره ويبدأ يشعر أن هذا الشيخ ينافسه في هذا الميدان، فيحاول دائما في مجالسه أن يذكر هذا الشيخ بسوء: فلان نعم فلان متصدر للتدريس عنده شيء من العلم، لكن أصلحه الله عنده بعض الهفوات. هو يريد بذلك أن يسقط فلان حتى لا يذهب الطلبة.
ضاق صدره لماذا فلان يشاركه في هذا الخير؟ وهذا مرض شديد من أمراض القلوب، وليس يعني ليس وليد الوقت الحاضر بل هو من أيام السلف، يحذرون منه، وكم من عالم سقط اسمه بعد أن لمع نجمه بسبب هذا العمل. ومن قرأ سير أعلام النبلاء ومن قرأ في ابن عبد البر وغيره ممن كتبوا في هذه السير وينظر ويتأمل، يعرف أن كثيرا ممن تصدروا للعلم في أيام السلف أصابهم شيء من هذه اللوثة. لذلك يقولون: كلام الأقران لا يقبل في بعضهم، كلام العلماء الأقران لا يقبل في بعضهم، فإذا كان عالم من العلماء الأقدمين تكلم في عالم آخر كان صديقه في المدارسة والزمالة وطعن فيه، فانه لا يقبلون ذلك حتى في علم الحديث عموما.
لماذا قالوا؟ أنا نخشى أن يكون كلامه في صديقه من باب حسد أو شيء من حب إسقاط الآخر وإظهار النفس. من الأمور الصعبة والعسرة أن يسلم الانسان من هذا الداء، فعليك بكثرة المجاهدة، والنظر في هذا القلب والإخلاص لله سبحانه وتعالى، وأن تسأل الله أن يوفقك للإخلاص ولصدق النية دائما، متابعة مستمرة متابعة مستمرة. إياك أن تقف ولو لحظة واحدة أو تشعر أنك سلمت من هذه الآفات ولو لحظة واحدة، دائما سل الله الصدق، سل الله الإخلاص أن يجعلك الله مع الصادقين.
إذا وقعت في خطأ وستقع، ستقع ربما في شيء من هذه الأمور، لابد عد مباشرة واستغفر، واذكر هذا الشيخ الذي ذكرته بسوئك فاذكره بخير وامدحه مرة أخرى. إذا وجدت نفسك تزاحمك أمام الناس في المجالس وتطلب منك التصدق، اترك هذه المجالس فترة حتى تعالج هذا القلب. وسائل التواصل إذا كنت دائما تدافع عن الكتابة اغلقها لست بحاجة إليها، المصنفات لا تفتحها إلا وقت الحاجة وعندما تكون تقرأ لا تفتحها لمجرد فتح. فهذه إذا مظاهر من الرياء، حاول يا طالب العلم أن تعالجها قبل أن تستحكم من قلبك ويضيع كل شيء، ويضيع كل شيء في حياتك جميل.
الآن هذا الكلام الذي انهينا به هذا الفصل تحدثنا فيه عن الإخلاص، ثم سينتقل ابن جماعة للحديث عن الفصل الثاني أو الباب الثاني، الباب الثاني من أبواب هذا الكتاب المبارك وهو في آداب العالم، سنتكلم الآن عن آداب العالم. كم ذهب من الوقت؟ ذهب خمسون دقيقة.
قال ابن جماعة رحمة الله عليه: إذا الفصل الأول أو الباب الأول باب في أدب شرف العلم وشرف أهل العلم وطلبة العلم، والحديث عن الإخلاص استمر معنا، كان فصلا تشويقيا ترغيبيا لسلوك هذا المسلك، ولكنه أيضا فيه تخويف في الآخر.
تشويق في البداية وتخويف للأخر. حتى لا تظن أنه تلك الرغائب وتلك المنازل العالية تنال بالرياء والنفاق، لا تنال إلا بالإخلاص والاتباع للكتاب والسنة، بهذا تنال تلك المراتب العالية. بعد ذلك شرع في مضمون الكتاب.
مضمون الكتاب الحديث عن الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها العالم، وينبغي أن يتحلى بها طالب العلم، فالباب الثاني عقده في أداب العالم، سيخصص الباب الثاني بفصوله للحديث عن أداب العالم. العالم الذي تعلم والآن هو متصدر للتدريس وللتعليم، ما هي الأخلاق والآداب التي ينبغي أن يتحلى بها؟ فالقاضي رحمة الله عليه جعل الباب الثاني في أدب العالم في نفسه، ومراعاة طالبه ودرسه.
سيتكلم إذا عن أدب العالم في ثلاثة أمور؛ أدب العالم في نفسه يعني في شخصيته في حياته الشخصية على مستواه الشخصي، وأدبه مع الطلبة، وأدب أثناء المحاضرة والدرس. سيتكلم عن هذه الأمور الثلاثة فقال: وفيه ثلاثة فصول، سيقسمها ثلاثة فصول بناء على أنه سيتكلم كما قلنا عن ثلاث زوايا. الفصل الأول في هذا الباب يتكلم عن آداب العالم في نفسه، على مستواه الشخصي كما قلنا، قال: وهو اثنا عشر نوعاً. إذاً الفصل الأول في أدب العالم في نفسه سيذكر فيه اثني عشر أدباً، أو اثني عشر نوعاً، نوعاً أفضل لأنه في النوع الواحد وفي الحقيقة يذكر مجموعة من الآداب، سيتكلم عن اثني عشر نوعاً.
ما هي؟ قال النوع الأول، بدأ بالنوع الأول: دوام مراقبة الله تعالى في السر والعلانية، والمحافظة على خوفه في جميع حركاته وسكناته وأقواله وأفعاله؛ فانه أمين على ما أودع من العلوم، وما منح من الحواس والفهوم. إذاً بدأ ابن جماعة بالادب الأول الذي ينبغي أن ينتبه إليه العالم على المستوى الشخصي، الأدب الأول وهو أهم أدب، فهو أعظم أدب: دوام مراقبة الله، والمحافظة على خوفه في جميع حركاته وسكناته، أن يراقب الله سبحانه وتعالى، وأن يبقى على وجل دائم منه وهو يتكلم، وهو يصنف، وهو يعلم، وهو يقضي، وهو ينصب نفسه للناس.
كن مراقباً لله يا طالب العلم الذي أصبحت الآن، كن مراقباً لله أحبتي أن كل هذه المظاهر التي نشهدها اليوم من علماء السوء وتجار الدين إنما سببها هذا الأمر؛ ترك مراقبة الله سبحانه وتعالى والمحافظة على الخوف منه. والله لو أن العالم وهو يتكلم يشعر بوجود الرقيب الإلهي عليه، ما تكلم إلا بما يرضي الله. لو أن العالم كان قلبه مملوءاً خوفاً وخشية من الله سبحانه وتعالى، ما تكلم إلا بما يرضي الله. لكن متى يتكلم العالم بما يريد الجبابرة؟ ومتى يشتري الدنيا؟ إذا غفل عن الله وذهب الخوف من ربه سبحانه وتعالى من قلبه، حينئذ تبدأ الدنيا تتزاحم على قلبه، وتبدأ هذه المظاهر المشوهة التي نجدها في وقتنا الحاضر تطفو وتبرز على الميدان.
إذاً دوام مراقبة الله سبحانه وتعالى في السر والعلانية، في السر عندما تكون وحدك في خلواتك أيها العالم كن مراقباً لله. بعض الطلبة الذين يتصدرون للعلم؛ إذا كان أمام الناس فهو ما شاء الله العابد الماسك الزاهد صاحب الأخلاق والسمت، وإذا خلا بمحارم الله انتهكها، نسأل الله السلامة والعافية، إذا خلا بمحارم الله انتهكها، ينظر إلى الأفلام القبيحة، وينظر إلى ما يغضب الرب سبحانه وتعالى، يفعل الموبقات في السر، ثم يذهب إلى العلن يظهر بصاحب السمت والخلق والآداب، هذا أحبتي لا بد وأن يفتضح أمره ولو بعد حين، لا بد وأن يفتضح أمره ولو بعد حين.
لذلك ماذا قال ابن جماعة؟ دوام مراقبة الله في السر عندما تكون وحدك لا يراك أحد، وفي عندما تكون أمام الناس تتصدر للتعليم والتدريس كن مراقباً لله، إياك أن تحذر أن الله سبحانه وتعالى يغفل ولو ثانية، ولو أقل من ثانية، لا يغفل سبحانه، كل كلمة قلتها سجلت، كل تصرف، كل نية، كل عمل قلب سجل واطلع عليه الرب سبحانه وتعالى، وهناك موعد ينتظرك عليه، فنسأل الله السلامة والعافية، وأن يرزقنا دائماً مراقبته في السر والعلان، وأن يغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا في حقه. فكم أخطأنا أحبتي؟ نعم يا طالب العلم اعترف بذنبك، كم أخطأنا؟ كم قصرنا؟ كم فرطنا؟ كم ابتعدنا عن الجادة وحدنا، والله سبحانه وتعالى ينعم علينا بستره وعفوه وصفحه وكل ذلك من جوده سبحانه وتعالى فهو الرحيم.
لكن انتبهوا، إياكم أن يغركم ستر الله سبحانه وتعالى، عليكم أن تنظروا أن تعودوا لهذا القلب، الله سبحانه وتعالى يستر ويرحم ويغفر، لكن إذا وجد طالب العلم مصراً على الفحشاء والمنكر، على الكذب والنفاق، على التجارة بالدين، على فعل من الموبقات سرا، فانه ولو بعد حين سيهتك الستر ويرفع الأمر وتنكشف الأمور لدى الناس ولديه سبحانه وتعالى، وهو الأمر الأعظم.
إذاً دوام مراقبة الله في السر والعلانية والمحافظة على خوفه في جميع حركاته وأقواله وأفعاله، لماذا؟ لأنه أمين على ما أودع من العلوم. هذه العلوم التي أودعها الله عز وجل في قلبك وعقلك استأمنك الله عليها، فاياك أن تخون الله في أمانته، إياك أن تخون الله في أمانته يا طالب العلم، إياك أن تتاجر بها وأن تطلب بها الدنيا، إياك أن تكون مظهراً للصدق أمام الناس ومرتكباً للفحشاء والمنكر في الخلوات، إياك من الخيانة، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ، أحذروا من خيانة الدين، خيانة رسالة العلم الشرعي هي من أعظم الخيانات، أعظم خيانة أن تخون هذا الدين باسم الدين، أعظم الخيانة أن تتاجر باسم الدين وأن تطلب به الدنيا، لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ.
استأمنكم الله يا طلبة العلم على هذا العلم، إذا تصدرتم للتدريس فكونوا صادقين لله سبحانه، اصدقوا بهذا العلم حتى تحيا الأمة وحتى يزول الظلام وتنكشف الغمة، سئمنا أحبتي من تجار الدين ومن النماذج السيئة، هذه الأمة تحتاج لطلبة علم ينتفضون من جديد ليحيوا هذه الأمة، ليرفعوا شعارها، ليعلوا رايتها، لتكون الإسلام هو الحاكم مجتمعات وقلوب وأشخاص وأحوال، في كل الحياة الدنيا يكون الإسلام هو الشعار الذي نرفعه. نعم لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ.
نعم أنتم على علم بما في هذه القلوب وفي مراقبتها لله سبحانه وفي خشيتها منه، فراعوا هذه القلوب، فراعوا هذه القلوب. وقال تعالى: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ. هذه الآية أيضاً تتحدث عن نفس الفكرة، وهي أن الله سبحانه وتعالى استحفظ العلماء على هذا العلم، جعل العلم أمانة لديهم ليحفظوه ليصونوه، وحفظ العلم ليس فقط حفظ كلام وحفظ المتون والالفيات، حفظ العلم أن تحفظ هذا العلم وأن تصونه من أن يدنس، من أن يتسلق عليه المأجورون وأنصاف المتعلمين والرويبضة، من أن يتسلط عليه أصحاب الأهواء والأفكار الضالة، الله سبحانه وتعالى يستحفظ هذا العلم عندك يا طالب العلم، الله سبحانه يستحفظك على هذا العلم، يطلب منك أن تحفظه.
الله سبحانه وتعالى قادر أن يحفظ هذا الدين اعلم اخي الحبيب، لكن الله يريد أن يختبرنا، يختبر طلبة العلم الذين يطلبون هذا العلم ويتصدرون لتعليمه ولتدريسه، هل يطلب منا نحفظ هذا العلم لينظر في أعمالنا هل سنقوم بحفظ هذا العلم؟ هل سنصونه أم سندسه بأفعالنا وأقوالنا ونكون عاراً على هذا الدين وعلى هذا العلم؟ إذاً الله استحفظنا في هذه الأمانة، فانظر ماذا تفعل في أمانة الله سبحانه وتعالى.
وقال الشافعي رحمة الله تعالى عليه: ليس العلم ما حفظ، العلم ما نفع. ليس تقليلاً من أهمية الحفظ فالامام الشافعي إمام كبير في المحفوظات، لكنه يركز على القضية الأساسية أن الحفظ في طلب العلم ليس مقصوداً لذاته لنباهي به الناس حفظنا وحفظنا وقرأنا ودرسنا، العلم النافع الحقيقي أو العلم الذي يمتدحه الله سبحانه وتعالى هو العلم النافع الذي يثمر، يثمر خشية من الله، يثمر في القلب لله سبحانه وتعالى، يثمر صدقاً في السر والعلانية، يثمر عملاً لإعلاء هذا الدين، هذا هو العلم النافع الذي.
يريده الله سبحانه وتعالى. لذلك الشافعي يعطيك هذه القاعدة، ليس العلم الحقيقي ما حفظ، الحفظ هو وسيلة من وسائل العلم، لكن العلم الحقيقي هو الذي ينفع الناس ويؤسس للخير والصلاح والفضيلة. ومن ذلك أي من الآداب ما زال يتكلم.
لذلك هو كما قلنا في النوع الأول عن مجموعة من الآداب أنه تكلم عن مراقبة الله، عن المحافظة على الخوف منه في جميع الحركات والسكنات، ثم الآن سيكمل. قالوا: ومن ذلك دوام السكينة والوقار والخشية والورع والتواضع لله سبحانه وتعالى والخضوع.
قال: ومن ذلك أي من الآداب الذي ينبغي أن يتمسك بها طالب العلم أو عفوا العالم المتصدر، ومن ذلك دوام السكينة والوقار والخشوع والورع والتواضع لله والخضوع. مجموعة من الآداب ينبغي أن تظهر في سلوك العالم، إذا لم تظهر في سلوك العالم إذا ما فائدة العلم؟ أليس العلم كما يقول الشافعي ما نفع؟ ما ظهر أثره على صاحبه وعم خيره للمجتمعات؟
إذا كان العالم الذي يتصدر يفقد السكينة والوقار في حركاته، تجدون عنده طيش وحب للمزح والضحك دائما يضحك ويطيش ويتكلم بكلام غير موزون، ولا يوجد عنده تخشع ولا ورع ولا تواضع ولا خضوع، أي علم هذا؟ أي علم يرجى أن ينتشر وأن ينتفع الناس به؟ أي قدوة يكون هذا العالم؟ الحسن البصري رحمة الله تعالى عليه يقول، إن ربما ذكرت أثره هنا، كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وهديه ولسانه وبصره ويده.
هكذا كان السلف يطلبون العلم، إذا بدأ في طالب العلم، ليس إذا أصبح عالما، إذا شرع في طلب العلم، لا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وهديه ولسانه وبصره ويده. كل أعضاء الجسد تتفاعل مع العلم، البصر غض بصر، اليد لا يفعل بها إلا ما يضر سبحانه وتعالى، الأعضاء في سكينة في خشوع في وقار. ينظر الناس إليه يعرفون أن هذا طالب علم.
أما طلبة العلم اليوم ففي خفة وطيش وضحك وسهرات وجلوس المطاعم والمشارب والمآكل، حالهم حال الناس، أي علم وأي طلب علم تريدون وتقصدون أحبتي؟ طالب العلم ينبغي أن يظهر أثر العلم على أعضائه وسلوكه، أن يمتزج العلم بباطنه وظاهره حتى يعرف قدر العلم ويعرف شرف العلم وتصان هذه الأمانة.
فإذا كان العالم مستخفا بهذا العلم متكبرا متجبرا، لا يلتفت إلى حركاته وسكناته، ينظر في هيئته في لباسه في منظره كأنه بعيد بعيد عن مدارك الشريعة، فأي علم يرجى منه وأي خير تنتظره هذه الامة من هذه النماذج؟
يقول عبد الله بن المعتز: المتواضع من طلاب العلم أكثرهم علما، كما أن المكان المنخفض هو أكثر البقاع ماء. أعجبني هذا أو هذه الخاطرة من عبد الله بن المعتز في التعليق على تواضع لله، يقول عبد الله بن المعتز: المتواضع من طلبة العلم الذي يذل نفسه، طبعا يذل نفسه للعلم، ويتعامل مع الناس بأدب وأخلاق، وليس المراد المهانة، ليس المراد المهانة لأننا سئمنا من المهانة، بعض طلبة العلم ذليل النفس.
انت تذل نفسك يا طالب العلم لله وللعلم وتتعامل مع الناس كما قال سبحانه: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، بمعنى الرحمة والرأفة بهم والرعاية لحقوقهم، فهذه هي الذلة بمعنى حسن الأخلاق والتعامل. هناك مع الناس بمعنى حسن الأخلاق والتعامل، وهناك ذلة هي المهانة والمهانة أبدا لا تقبل لطالب العلم، عليك أن تشمخ برأسك ونفسك، وإياك أن تكون ذليلا أن يطرحك الناس أصحاب السوء والبدع والباطل، فطالب العلم عزيز بعلمه شريف، ولكنه رؤوف رحيم بالناس في أخلاقه وهديه وسمته.
لذلك قال: المتواضع من طلاب العلم أكثرهم علما، الله عز وجل يحصل له من العلم أكثر من غيره، قال: كما أن البقاع المنخفضة من الأرض أكثرها ماء لأن الماء يجتمع في أماكن المنخفضة وليس في أماكن المرتفعة. كذلك الانسان المتكبر العلم يسيل عنك ولا يبقى لديك، كالجبل لا يبقى عليه الماء، وطالب العلم المتواضع كأنه مكان مستنقع يجتمع فيه العلم وكل روادب العلم تصب فيه، فالله سبحانه وتعالى يبارك بإذن الله.
مما كتب إلى الرشيد يعني إلى الخليفة هارون الرشيد، يقول مالك في رسالته إلى هارون الرشيد: إذا علمت علما فليرى عليك أثره وسكينته وسمته ووقاره وحلمه، لقوله صلى الله عليه وسلم: العلماء ورثة الأنبياء.
ويعجبني في ابن جماعة رحمة الله عليه بشكل عام، أنه عندما يذكر أدبا من الآداب التي ينبغي أن يتمسك بها، فانه يذكر عليه دليلا من الكتاب أو من السنة أو من كلام السلف الصالح رحمة الله تعالى عليهم. فهنا عندما ذكر أهمية السكينة والوقار والخشوع والتواضع، ذكر أثرا عن السلف يؤكد هذا المبدأ، وهو الكتاب الذي كتبه مالك ابن رشيد يقول له: إذا علمت علما فليرى عليك أثره.
يخاطب من؟ يخاطب الخليفة، يخاطب الخليفة، يقول له: إذا علمت علما فليرى عليك أثره وسكينته وسمته ووقاره. الجملة قريبة من كلام الحسن البصري الذي سردناه قبل قليل، لقوله صلى الله عليه وسلم: العلماء ورثة الأنبياء.
فإذا كان العالم يرث ميراث النبوة، فميراث النبوة هو الأخلاق أيضا، ليس فقط العلم بمسائل الفقه والاعتقاد، أيضا الأخلاق والهدي والسمت هذا من ميراث النبوة. الله سبحانه وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ. وعائشة حينما سئلت عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وعن هديه، كان خلقه القرآن.
وعندما يصف الصحابة كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسير بكل هيبة وبكل سكينة وبكل وقار؟ كيف كان متواضعا صلى الله عليه وسلم خاضعا لله خاشعا؟ كيف كان يتعامل صلى الله عليه وسلم؟ هذا الأخلاق وهذا الهدي وهذا السمت ينبغي أن يرثه العالم لأنه هذا من ميراث النبوة، فميراث النبوة ليس فقط مسائل للاعتقاد والفقه كما يظن البعض، بل الأخلاق والهدي والسمت، نحن نتعلمها بالإاسلام كما نتعلم الدين فقها واعتقادا وحديثا بالإاسناد.
وقال عمر رضي الله تعالى عنه: تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والوقار. انظر ماذا يقول عمر، وإن كان الأثر البعض يضاعف نسبته إلى عمر لكن خذوا الفقه منه، تعلموا العلم وتعلموا له السكينة.
فليست فقط أنت تتعلم العلم، بعض طلبة العلم عندما نقول هناك مجلس في الأدب، أدب طلب العلم، تتعلم فيه الآداب التي ينبغي أن تتحلى بها، يزهد في هذه العلوم، يقول: إيش نفعل في هذه الأمور؟ أمور سهلة، نحصلها بقراءة كتاب كتابين، والله إن الصعوبة هنا أحبتي، والله إن الصعوبة أن يتمسك الإنسان بهذه الأخلاق وهذا الهدي وهذا السمت في حياته وأن يظهر أثر العلم.
لأن هذا يحتاج إلى مجاهدة ومجاهدة ومدافعة للنفس ولهواها، لذلك عمر كان عاقلا حين قال: تعلموا العلم وتعلموا شيئا آخر معهم، وتعلموا له السكينة والوقار، حتى يظهر أثر هذا العلم. الناس متى تتقبل منك العلم؟ عندما ترى أثر العلم يشعشع على وجهك وعلى قلبك وعلى حركاتك وسكناتك، هكذا تجد هذا العلم نوره يصل إلى قلوب الناس.
وأما اليوم ما نراه من خفة خاصة بالذين يتصدرون للتدريس الأكاديمي، هذه الخفة أحبتي تصرف الناس عن العلم وتجعلهم في حملته وفي أصحابه.
والأثر الاخير الذي ذكره عن السلف قال: وعن السلف: حق على العالم أن يتواضع لله في سره وعلانيته، ويحترس من نفسه، ويقف على ما أشكل عليه. فهذا المقولة الأخيرة التي تكلم بها ابن جماعة ونقلها عن السلف فحواها: أن العالم يجب عليه أن يتواضع لله، وهذه فكرة التواضع مرة أخرى في السر والعلانية.
يعني حتى تكون في سرك متواضع، هذه لفتة طيبة أنه البعض أحبتي هو يظهر التواضع في العلانية حتى الناس تمتدحه فقط، وأما في داخله وفي سره فهو متكبر. يا طالب العلم إياك أن تتصنع فإن تصنعك يظهر ولو بعد حين، لا تتصنع التواضع وتظهر نفسك أمام الناس أنك متواضع وأنت في قلبك إنما تريد أن يقال عنك أنك متواضع، فهذا تواضع في الظاهر تكبر في الباطن، فالتواضع كما قال السلف في الباطن، أنت متواضع في باطنك لا تريد الظهور، وفي الظاهر أيضا متواضع، فيجمع الباطن مع الظاهر، قال: ويحترس من نفسه.
من الخطوات التي ترد على نفسه، الخطرات التي تطلبه بالدنيا وبالرياء والنفاق والشهرة والطلاب والانشغال، وفي عليه أن يحترس من هذه الخطوات ويقف على ما أشكل عليه. يعني أي شيء يشكل عليك تقف، لا تخض في شيء لا تتقنه، لا تتكلم في العلم بغير علم من أجل خشية أن يقال والله فلان العالم أو المتصدر لا يعرف هذا الشيء. وأيضا يدخل فيها الورع، إذا شيء أشكل عليك حكمه يحتمل أن يكون حلال ويحتمل أن يكون حرام تورع عنه.
لا ينبغي للعالم أن يترك الورع، إذا اشتبه عليك الحلال مع الحرام قف، كن واقفا حتى تعلم الناس أن يقفوا عند الشبهات. أما إذا كان العالم إذا اشتبهت الأمور يقتحم ويدخل، تقول يا شيخ شبهة ما في مشكلة نقتحمها، ماذا يفعل الناس؟ فالعالم يقف عن الحديث بغير علم وهذا سيمر معنا كثيرا هذا الأدب، يقف عن الخوض في المسائل التي لا يتقنها، ويقف أيضا في المشتبهات، ليرى يعلم الطلبة كيف يكون الورع.
إذا هذا هو النوع الأول آآ الذي تحدث عنه ابن جماعة من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها العالم: المراقبة والمحافظة على الخوف من الله، وأن يظهر أثر العلم في هديه وسمته وتخشعه وأخلاقه. آه وذكر مجموعة من الآثار عن السلف تؤيد هذا المعنى. وإن شاء الله أحبتي في المحاضرة القادمة نكمل الحديث في النوع الثاني وفي باقي الأنواع الأخرى التي ينبغي للعالم يتحلى بها ليكمل هذا العلم ويشرف ولينبل قدره. هذا نهاية المجلس وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل