يا طالبا للعلم يرجو نفعه، اسمع نصيحة ناصح معواني. لربك في أمورك كلها، فالمخلصون هم أولو العرفان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم للإمام ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه. وما زلنا نعيش في أفياء الباب الثاني من هذا الكتاب، وهو الباب الذي يتحدث عن الأخلاق والآداب التي ينبغي للعالم أن يتحلى بها في حياته، سواء كانت هذه الآداب والأخلاق في علاقته مع نفسه ومع ربه سبحانه وتعالى، أو في علاقته مع طلبته ومع درسه ومع الناس اجمعين. والفصل الذي شرعنا فيه في نهاية المحاضرة السابقة كان يتحدث عن النوع الأول من هذه الآداب والأخلاق التي ينبغي للعالم أن يحرص عليها، وهي أدب العالم مع ربه سبحانه وتعالى ومع نفسه، فذكرنا الأدب الأول الذي ذكره ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه، وهو من أهم الآداب في الحقيقة، وهو دوام المراقبة لله سبحانه وتعالى.
ينبغي للعالم أن يراقب الله عز وجل في حركاته وسكناته، في أقواله وفي أفعاله؛ لأن هذا الشعور بالمراقبة هو الذي يورثه الخشية من الله سبحانه وتعالى، هو الذي يورثه الخوف، فلا يتكلم هذا العالم إلا بما يرضي الله سبحانه، يعلم أن هناك رقيب عتيد يسجلان كل ما يقوله وما يفعله في هذه الحياة الدنيا. نعم أحبتي، إن هذا الأدب وهذا العمل وهو من أهم أعمال القلوب، وهو المراقبة لله سبحانه وتعالى، وهي أعلى درجات هذا الدين، ألم يفسر النبي صلى الله عليه وسلم الإحسان بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فانه يراك؟ هذه هي المراقبة أخي، فينبغي للعالم أن يرتقي بعبادته وديانته إلى هذه المرتبة ليتأهل أن يكون قدوة للناس، يقتدي به الآخرون في أفعاله، في مواقفه، في عبادته، في نسكه، في علاقته مع ربه، في علاقته مع أسرته، في علاقته مع المجتمع. هذه الأمور لا تجتمع للعالم إلا بتحقيق هذا الأدب وهذا العمل القلبي في البداية، وهو مراقبة لله سبحانه.
لذلك جعلنا الاسبوع الفائت أسبوع المراقبة، كان الأسبوع وكان النشاط الذي فرضناه على الطلبة أن يمارس الطالب هذه العبادة القلبية خلال أسبوع كامل. إذا كان وحده ينظر إلى التلفاز يستشعر المراقبة، أو ينظر إلى الهاتف يستشعر المراقبة، أو كان يسير في الطرقات أو في الجامعات يستشعر المراقبة، أو كان في موطن عمله يستشعر المراقبة. تعويد النفس على هذا العمل القلبي هو بإذن الله سبب من أسباب تغيير حياتك نحو الأفضل، يحقق لك التقدم، أنتم في العلاقة مع الله سبحانه وتعالى التقدم في الإيمان، الارتقاء والسمو الإيماني في علاقتك مع ربك سبحانه وتعالى، وهو أمان بخضم هذه الفتن التي نحياها في واقعنا المعاصر.
لا أطيل أكثر من ذلك في هذا الأدب الأول حتى نشرع في محاضرة اليوم في الأدب الذي تحدث عنه ابن جماعة والذي ينبغي للعالم أن يتمسك به، يقول رحمة الله تعالى عليه: الثاني أن يصون العلم كما صانه علماء السلف، ويقوم له بما جعله الله تعالى له من العزة والشرف، فلا يذله بذهابه ومشيه إلى غير أهله من أبناء الدنيا من غير ضرورة أو حاجة، أو إلى من يتعلمه منه منهم وإن عظم شأنه وكبر قدره.
هذا الأدب الثاني الذي يتحدث عنه ابن جماعة هو حقيقة من الآداب المهمة التي تكاد تندرس في هذه الأيام أحبتي، وهو صون العلم، هذا العلم هذه الدرة هذه الجوهرة التي يمنحها الله سبحانه وتعالى لطالب العلم وللعالم، ينبغي أن تصان وأن تحفظ وألا تبتذل أحبتي، وهكذا كان شأن السلف رحمة الله عليهم في صيانة العلم وحفظه، كانوا يعلمون قدر هذا العلم، كانوا يعلمون قدر العقيدة وقدر الفقه وقدر التفسير وقدر اللغة العربية وأقدار العلوم، لما عرفوا قدر العلم صانوه وحفظوه ولم يبذلوه إلا لاهله.
وصيانة العلم هذا المفهوم له أشكال وصور عديدة في الحقيقة أحب أن أكلم عنها معكم. من صور صيانة العلم عند العلماء أن يصونوه في هيئتهم وفي لباسهم وفي منظرهم، هذه نقطة، أن يصون العلم في هيئتهم وفي لباسهم وفي منظرهم، لا يصح للعالم أن يخرج في ثياب رثة مهينة تجعل الناس تزدريه، هذا ليس هو الزهد، ولا يجوز أيضا للعالم والذي يتصدر لتعليم الناس أن يكون متشبها بلباس الأفرنج، كما يفعل اليوم للأسف الأكاديميون الذين يدرسون العلوم الشرعية يحرصون على أن يظهروا في هيئتهم في ملابسهم أن يظهروا بلباس الأفرنج دائما.
نحن لا نتكلم عن قضية أن هذا محرم أو غير محرم، هو ليس محرما أن تلبس هذه الألبسة المعاصرة، لكن أحبتي أن يكون حامل الشريعة وحامل العلم لا يختلف في هيئته وفي منظره عن أستاذ الحقوق وأستاذ الفيزياء وأستاذ الطب، هذا لا يليق، وليس هذا شأن السلف. من ينظر في مالك بن انس رحمة الله تعالى عليه، العمامة التي كان يلبسها في الطيب الذي كان يضعه عند التدريس والتصدر، في العباءة، في المنظر، في الهيئة التي كان يظهر بها أثناء التدريس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعلم قدر العلم وكيف كان مالك بن انس يعظم العلم وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعندما تنظر في أبي حنيفة وفي حاله، كان ينصح به الطلبة من أن يلبسوا الملابس، طلبة العلم والعلماء أن يلبسوا الملابس الهادئة والملابس الرائقة التي تليق بالعلم الشرعي، يعرف كيف كان السلف يعظمون العلم من خلال تعظيم الهيئات. فهذه النصيحة أوجهها لمن يتصدر للتدريس وللتعليم: إياك أن تكون حريصا دائما أن تظهر في ملابس الأفرنج، حاول أن تكون متميزا في هيئتك وفي منظرك أمام الناس، أن ينظر الناس إليك في علم أن هذا الشخص هو داعية إلى الله، من هيئته هو معلم للدين هو حامل للشريعة، فالھيئة تدل وتؤثر هذه الهيئة في نفسك أيها العالم وفي نفس الطلبة.
من يظن أن الملابس والهيئات الخارجية لا تؤثر في نفوس الناس فهو واهم، بل الدراسات العلمية القديمة والحديثة تثبت أن لباس الإنسان والهيئة التي يخرج بها أثر كبير على نفسه وعلى من يسمع منه. فإذا كان العالم أحبتي لا يمتاز في منظره عن منظر المدرسين الأكاديميين في الدراسات الأخرى، ففي الحقيقة مقدار انجذاب الطالب لهذا العالم، مقدار تأثر الطالب بصمت العالم يكون أضعف من لو كان العالم متمسكا بلباس أهل الدين، بلباس أهل الشريعة، يظهر سمت الدين في وجهه، في إطلاق لحيته، في هيئته ومنظره وسلوكه، هذا يؤثر ليس بكلامه فقط في طلبته بل في هيئته وفي منظره، يغرس أفكار، يغرس المبادئ.
أنا أسمي هذه القضية المحافظة على هوية العلم، المحافظة على هوية العلم الشرعي، العلم الشرعي له هوية بصور متعددة، منها المحافظة على المنظر والهيئة، وألا نصبح نسارع إلى أن نضاهي المدرسين الأكاديميين في الدراسات الأخرى في مناظرهم وهيئتهم، نحن لا نحتاج إلى هذا، لنا هيئتنا، لنا رزانتنا، لنا منظرنا الذي ينبغي أن نحافظ عليه أمام الناس حتى تبقى لهذا العلم هيبته في قلوبهم، وهذا أسلوب من أساليب صون العلم.
طبعا أعيد وأكرر: نحن لا نقول إن لباس هذه الألبسة المعاصرة التي يلبسها الأكاديميون محرمة وما شابه ذلك، لا، أنا أتكلم فقط عما هو الأكمل في هذا الباب، وكيف تكون الصيانة الحقيقية للعلم حتى في اللباس وفي المنظر والهيئة، لكن كما قلت لكم في المقابل بعض الذين يتصدرون للتعليم يخرج في ملابس رثة لا تليق في الحقيقة، هو يحسب أن هذا هو الزهد. في الحقيقة الزهد ليس أن تخرج أمام الناس بملابس رثة مع قدرتك على الملابس الجيدة، مع القدرة، أنا أتكلم مع القدرة على الملابس الجيدة هذا ليس من الزهد الحقيقي، الزهد الحقيقي أن تخرج الدنيا من قلبك وأن تكون في يدك، واما العلم إذا اردت أن تصونه فافعل كما كان يفعل مالك.
انس وكما كان يفعل أبو حنيفة رحمة الله تعالى عليه وكما كان يفعل الأئمة الكبار. أما من كان فقيرا معدما فهذا شأنه شأن آخر، إذن هذا النمط من أنماط صيانة العلم في اللباس والهيئة.
كذلك من صور صوم العلم في المجالس والمحافل، عندما تجلس أيها العالم أيها المتصدر في مجلس أو في محفل من المحافل العامة، ينبغي أن يظهر صمت العلم عليك. لا يجوز لطالب العلم ولا للمتصدّر للتعليم ولا للعالم أن يكثر الضحك واللهو في مجالس الناس العامة وفي محافلهم، عليه أن يظهر بالوقار والرزان والهيئة حتى يعلم الناس كيف أثر هذا العلم على شخصية حامله. أما أن تجد للأسف، كما نجد في المجالس التي نحياها اليوم، أدخل في مجالس نجد من يحمل العلم أن يتصدر للعلم هو أكثر الناس لغوا ولهوا ودخولا في أحوال الناس وضحك ومزح، هذا لا يصح أحبتي وهذا من إهدار العلم ومن قلة الأدب مع العلم أن تنظر بأن تظهر بهذه الهيئة.
فماذا سيقول الناس؟ ماذا سيقول الطلبة عندما ينظرون إلى شيخهم وهو يلعب يضحك؟ لا مانع الشيخ يكون عنده شيء من الدعابة، شيء من الدعابة التي تليق بالعلم، لكن أن يكون الشيخ كثير اللغو والمزاح والضحك واللغو بحيث ينظر الناس إليه فيقولون: ما هذا؟ ما هذا العلم الذي يحمله؟ ألم يؤثر هذا العلم على سمته وأخلاقه وهديه؟ فهذه في الحقيقة إهانة للعلم ينبغي أن يترفع عنها العالم المتصدر، هذا الأمر الثاني أن نصون العلم في المجالس والمحافل.
أن نصونه في المآكل والمشارب، هادي صورة صورة أخرى، أن تصون العلم في المآكل والمشارب. فلا ينبغي للعالم أن يكون شريها أمام الناس، إذا جلسوا على الطعام فهو آخر من يقوم من المجلس، وإذا دعي إلى الطعام سباقا إلى الأكل والذوق وما شابه ذلك، فهذا أيضا من صور الابتذال للعلم، أن تظهر شرها حريصا على المطاعم والمشارب والمآكل. بعض طلبة العلم لا تكاد تفقده مجلس من مجالس الطعام، لا تكاد تفقده من مجلس من مجالس الطعام، دائما موجود في مجالس الطعام، وبعضهم تشهد له المطاعم والمقاهي العامة بحضوره الدائم فيها، ثم بعد ذلك يصدر نفسه على أنه طالب علم، أظن أن القضية تحتاج إلى إعادة في فيما ينبغي أن يورثه العلم لحامله من السمت والأخلاق والوقار، وما ينبغي أن يقدم عليه، وما ينبغي أن يكف النفس عنه صيانة للعلم ولحرمته.
إذا تكلمنا عن قضية اللباس والهيئة، تكلمنا عن قضية الجلوس في المحافل العامة، تكلمنا عن قضية الأكل والمشارب، الصورة الرابعة لن أطيل أكثر من صورة رابعة، هناك صور خامس سادس أنا وضعتها في ذهني، لكن لن أكثر عليكم أكثر من ذلك. الصورة الرابعة لكني أجدها مهمة، هذه الصورة الرابعة قضية من صور صون العلم أن يعلم هذا العلم بحق، وبكل جدية وحرص، لأننا أحبتي اليوم نحيا في واقع مرير أصبح العلم الشرعي بضاعة مزجاة كاسدة، في الجامعات الأكاديمية أكثر المدرسين لم يتأهلوا بعد لتدريس العلوم الشرعية وما زالوا في في طلبهم للعلم إن كانوا يطلبون العلم.
عندما ننظر في المجالس العلمية التي تقام خاصة في بلدنا، عندما ننظر في المجالس العلمية التي تقام للتدريس وللتعليم، نجد هناك شيء من الضعف في التعامل مع العلوم الشرعية، نجد المدرس يحب دائما الاختصار والذهاب إلى الأمور السهلة التي تؤخذ من دون جد وكد وتعب، ويظن أنه بهذه الطريقة يتحبب إلى طلبة العلم ويوسع دائرة من يتلقى منه، ولكن يبقى هذا العلم غريبا بعد ذلك، لأن العلم الشرعي أحبتي له قوانينه له قواعده التي قام عليها. هناك مصنفات انكب عليها أهل العلم بالشرح والتصنيف والتعليق والتعشية، هذه ينبغي أن يتعرف الطلب عليها وأن يحسنوا التعامل معها.
أيها المعلم أيها المتصدر، لا تظن أن بقاءك على الكتب المختصرة أو الكتب المعاصرة فيه إفادة للعلم كبيرة، أنت في النهاية تعطي ثقافة شرعية بتدريسك للكتب المعاصرة أو إقامة بعض الدورات هنا وهناك، لكن نحن لا نبحث عن مثقف، نحن نبحث عن عالم راسخ، نبحث عن أمة تعيد مجدها من خلال صناعة العلماء، وهذا يتطلب من العلماء ومن المتصدرين للتدريس أن يكون هناك جد واجتهاد وبذل وتواصل مع الطلبة، وأن تكون هناك برامج مستمرة يتابع فيها الطالب في تنشئته العلمية، الطالب يسأل والشيخ يجيب، الشيخ يظهر حرصه على الطالب في بنائه العلمي، له خطة صحيحة ويعلمه ليس فقط تضع خطة للطالب والطالب هو يسير عليها يدبر نفسه مثل ما يقولون، أنت عليك أن تعلم الطالب تبدأ معه من صغار العلم وترتقي به رويدا رويدا حتى يصل إلى كبار العلم.
ينبغي أيها المعلم أن تكون قدوة للطالب في الجدية في التعليم والحرص على طلب العلم والحرص على أخذ العلم، كما قال سبحانه وتعالى في خطاب ليحيى: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ. قال أهل التفسير: أي بجد واجتهاد. فإذا كان العالم هو نفسه في تراخ اليوم يحضر وبعد أسبوعين يحضر مرة أخرى، ثم توقف الدورة ثم بعد ثلاثة أشهر مرة أخرى، ويكون العلم متقطعا مهترئا.
إذا جلس الشيخ في مجلسه لا يكاد يعطي معلومة أو معلومة أو ثلاث أو اربع معلومات في نصف ساعة، ثم ينفض المجلس تبعا لرغبات الطلبة، أيها المعلم عليك أن تكون أمينا على هذا العلم، عليك أن تعلم الطلاب الحرص إذا كان الطالب يحب التلاعب يحب التراخي، يطلب منك دائما أن تسهل عليه وأن تقتصر عليه لا تقبل، بل تعامل معه بكل جدية، ينبغي على طالب العلم أن يتأدب من شيخه وأن يتعلم من شيخه الحرص على العلم وبذل المهج والارواح من أجل العلم ليس فقط بل للوقت نتكلم عن بذل المهج والارواح وأن توقف هذه الاعمار لله سبحانه وتعالى.
نحن نبحث عن من يقف هذه الارواح وهذه الاجساد لله سبحانه وتعالى في سبيل تعليم العلوم الشرعية من أجل إعادة نهضة هذه الأمة وبناءها من جديد، نحن نعامل يوم كود عام علمي أحبتي في شتى الأوساط الشرعية لا تكاد تقف على شيخ أو شيخين أو ثلاثة في كل في كل بلد من البلدان على درجة عالية، وأما الجهل فقد أطبق هذه الأرض، فلذلك أمانة العلم نحن نضعها في رقاب العلماء، وهذه الأمانة هي أن يعلموا الطلاب بكل جدية بكل حرص أن يفرغوا من أعمارهم أوقاتا لتعليم الطلبة.
أما أن يبقى أهل العلم منشغلين بالجامعات يذهبون إلى التدريس بها من أجل قبض الرواتب الشهرية ولا يقومون بتفريغ جزء من اوقاتهم لتعليم الناس في المساجد وفي المعاهد الشرعية الصحيحة، وفي المساجد وفي المحاضن التعليمية التي ينبغ منها العلماء، فهذا عيب. أيها العالم نحن لا نعترض، أنا كسبت للرزق في النهاية، كثير ممن يتصدى أو من عنده شيء من العلم قد يدرس في جامعات أكاديمية من أجل أن يحصل لقمة العيش له لأهله، وهذا لا أناقش.
أما أناقش في هؤلاء الذين يقفون أعمارهم على التدريس في الجامعات وهم يعلمون ما في هذه الجامعات من مفاسد، ويزهدون في بذل أوقاتهم وأعمالهم لطلبة العلم الحقيقيين، في المساجد وفي المحاضن الصحيحة التي تنشئ العلماء، المحاضن الصحيحة أهل العلم هي المساجد والمعاهد الشرعية والأماكن التي ينبني فيها العلم بوجه صحيح. أما الجامعات فقد خبرناها وصبرناها ونعلم ما فيها من الا الشيء اليسير أو النزل اليسير في بعض المناطق، أما أغلب جامعات اليوم أحبتي لا تنشئ طالب علم تنشئ مثقف، تنشئ إنسان عنده شيء من المعلومات هكذا متطايرة، لكنها لا تنشئ عالما لهذه الأمة، والسبب في ذلك ابتعاد من يحمل العلم، من يتصدر للتعليم عن المحاضن الحقيقية لبناء العلماء، وعن رسم المناهج الصحيحة لطلبة العلم، وعن التواصل مع طلبة العلم خارج دائرة الدراسات الأكاديمية. هناك ينبني طالب العلم هناك يبنى عفوا طالب العلم، هناك تصنع العقول والافكار، وأما أن نبقى هكذا على ما نحياه اليوم، الطالب يذهب إلى جامعة
في كم سنة يأخذ شهادة ثم يذهب إلى وظيفة وما شابه ذلك، والمدرس يبقى في حاله، فهذا من قلة صيانة العلم. إذاً هي صور متعددة تتزاحم في الأذهان أحبتي لقضية صيانة العلم. آه وأنا أطالبكم أن تفكروا أكثر وأكثر في صور صيانة العلم، كيف ينبغي للعلماء أن... احفظوا هذا العلم.
هنا ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه ذكر صورة من صور صيانة هذا العلم، فقال: فلا يذله بذهابه ومشيه إلى غير أهله من أبناء الدنيا من غير ضرورة أو حاجة. يتكلم هنا ابن جماعة عن صورة من صور صيانة العلم، وهي أن العالم لا يجوز له أن يذل هذا العلم من خلال ذهابه إلى أهل الدنيا، ويقصد بأهل الدنيا هنا السلاطين والأمراء الذين يشترون هذا العالم بالمال.
فالعالم الذي شأنه -كما تشاهدون اليوم كثر هؤلاء- شأنهم أن يذهبوا إلى السلاطين والأمراء ليغدقوا عليهم بلعاعة من لعاعات الحياة الدنيا، ليفتوا بما شاءوا، وهكذا تندرس معالم الشريعة ويظهر الجهل بسبب علماء السوء الذين لا يصونون العلم. فينبغي للعالم للمتصدر للتعليم أن يحذر من هذه الجزئية، لا يجوز لك أن تذل علمك بذهابك إلى أهل الدنيا أصحاب الثروات والاستثمارات والسلاطين والأمراء، وأن ترى دائماً في مجالسهم حاضراً طائعاً يغدقون عليك بالمال لتبتسم في وجوههم ولتبيع دينك لهم.
احذر أيها العالم من سخط الله، قال: فلا يذله بذهابه ومشيه إلى غير أهله من أبناء الدنيا من غير ضرورة أو حاجة. استثنى حالة الضرورة والحاجة؛ فقد كان بعض رحمة الله عليهم من العلماء الثقات يذهبون إلى الحكام في حالة الضرورة أو الحاجة من أجل تحقيق مصلحة للمسلمين، فهذا لا مانع منه، إذا كنت ترجو أن يسمع العالم منك فلا مانع من أن يسمع الحاكم منه، فلا مانع من ذلك. إذاً الذهاب إلى أهل الدنيا مشروط بالضرورة أو الحاجة كحد أدنى.
أما أن ترى دائماً في مجالسهم متفكهاً آكلاً شارباً يغدقون عليك، ثم بعد ذلك آه والله أنا أريد مصلحة المسلمين، أنت تضحك على نفسك ولا تضحك علينا، أنت تضحك على نفسك ولا تضحك علينا وأنت من ستخسر في النهاية وأنت من ستخسر في النهاية. واتل عليهم: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ.
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُوهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ. هذه الآية مرعبة لكل علماء السوء الذين يكثرون من الذهاب والعودة من أجل فتات الحياة الدنيا.
إذاً فلا يذله بذهابه ومشيه إلى غير أهله من أبناء الدنيا من غير ضرورة أو حاجة، أو إلى من يتعلمه منه منهم وإن عظم شأنه وكبر قدره. يتكلم أيضاً في هذا النص عن قضية أخرى، أيضاً أيها العالم من صيانة العلم ألا تذهب أنت إلى من يريد أن يتعلمه منك، بل طالب العلم هو الذي يأتي إليك. ففي الصورة الأولى كان يتكلم عن ذهاب العالم إلى أهل الدنيا، الصورة الثانية يتكلم عن ذهاب العالم، أن العالم هو الذي يذهب إلى طلبة العلم في بيوتهم وفي أماكنهم، أم ينبغي لطالب العلم أن يتعب ويكد من أجل الوصول إلى الشيخ؟
من صيانة العلم عند السلف أن العلم يؤتى ولا يأتي، العلم يؤتى ولا يأتي. العالم لا يأتي لطلبة العلم، بل طالب العلم عليه أن يخرج من بيته ليصل إلى العالم حيثما كان، وهكذا كانوا يسافرون من إلى الحجاز ثم إلى البصرة ثم إلى الكوفة ثم إلى القاهرة ثم إلى صنعاء. أنظر كيف كان طلبة العلم يذهبون يسافرون يرتحلون كل المسافات للقيا العالم.
اليوم تقول لطالب علم هناك مجلس علم يعقد عند الشيخ الفلاني، ربما لا يحتاج إلى أكثر من ربع ساعة، التكاسل والملل ويحسب الأموال النقدية التي سيدفعها من أجل الوصول. يا طالب العلم لن تطلب العلم ولن تناله حتى تفتقر، هكذا قال الشافعي رحمة الله تعالى عليه: هذا العلم لا ينال إلا بالفقر. فحتى لو دفعت المال أنت لا لا تخسر شيئاً، ادفعه من أجل أن تنال، والله سبحانه وتعالى يغنيك ويمنحك العزة في الدنيا وفي الآخرة.
إذاً العلم يؤتى ولا يأتي، فهنا يحذر ابن جماعة العلماء من أن يذلوا العلم من خلال ذهابهم لطلبة العلم في أماكنهم، ولكنه أيضاً سيستثني صورة آه من هذه الصور، من قضية الذهاب إلى طلبة العلم، سيستثني صورة تأتي معنا بعد قليل بإذن الله. وهنا آه يحضرني أثر لابن مسعود رضي الله تعالى عنه ذكره ابن ماجة في سننه، وبعض أهل العلم يضعفه من الناحية، لكن المعنى صحيح.
يقول عبد الله بن مسعود آه رضي الله تعالى عنه: لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسادوا أهل زمانهم. لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسادوا أهل الزمان، لكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم فهانوا عليهم. هذا الأثر يحكي الواقع أحبتي، هذا الأثر يحكي الواقع، لو أن أهل العلم صانوا هذا العلم ووضعوه عند أهله لسادوا أهل زمان، أصبحوا هم الرفعة، أصبحت كلماتهم مسموعة، أصبحت لهم هيبة تجلجل في المجتمعات.
ولكن لما بذلوه لأهل الدنيا من أجل الحصول على دنياهم هانوا عليهم. فعندما يرى الأمراء والسلاطين وأهل الأموال والاستثمارات العلماء يذهبون إليهم ليأخذوا من فتات الحياة الدنيا، بالله كيف سينظر هذا الحاكم هذا السلطان إلى هذا العالم المأجور؟ سيزدريه، يقول: هذا عالم؟ هذا صاحب دنيا؟ هذا جاء ليملأ جيبه من فتاتها ومن أموالنا ومن ومن ومن، فيزدريه ويبقى العلماء في ذل، ويبقى صوتهم خامداً في المجتمع، خامداً لا يبارك الله سبحانه وتعالى فيه لأنهم لم يصونوا العلم عندما ذهبوا به إلى أم فلان.
وهذا الأثر لابن مسعود إذاً يصور لنا الحالة الحقيقية، من صان العلم أعزه الله سبحانه وتعالى، ومن أهان العلم أهانه الله سبحانه وتعالى وجعله مذلولاً أيضاً بين الناس. يقول الزهري رحمة الله عليه، ابن شهاب الزهري الإام الكبير يقول: هوان بالعلم أن يحمله العالم إلى بيت المتعلم. منهج ابن جماعة أنه دائماً يذكر آثاراً عن السلف في التدليل لما يقعد من الآداب. يقول ابن شهاب الزهري: هوان بالعلم أن يحمله العالم إلى بيت المتعلم. هذا من الهوان، أن العالم هو الذي يذهب بعلمه إلى بيت المتعلم، هو الذي ينبغي لم يأتي إلى العالم كما أسلفنا.
قال بعد ذلك ابن جماعة: وأحاديث السلف في هذا النوع كثيرة، يعني فليس الأمر يقتصر عليه من شهاب في هذه الفائدة، بل كلام السلف في هذا يطول، ومن نظر في السير والطبقات أدرك ذلك. قال: وقد أحسن القائل، وهو القاضي أبو شجاع الجرجاني. نسب هذه الأبيات ابن جماعة آه لأبي شجاع الجرجاني، وفي الحقيقة المشهورة أن هذه الأبيات التي سيذكرها رحمة الله عليه لعلي الجرجاني، علي بن عبد العزيز الجرجاني، وليس لأبي شجاع الجرجاني، لكن ربما اختلطت النسبة على ابن رحمة الله عليه.
هذه الأبيات من أجمل الأبيات وهي قصيدة مطولة تذكر في كتب السير والطبقات، آه لكن هنا اقتصر على ثلاثة أبيات منها. ما هي هذه الأبيات الثلاثة التي تتعلق بالمقصود؟ يقول الجرجاني، علي الجرجاني رحمة الله تعالى عليه: ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي لأخدم من لاقيت لكن لأخدم أشقى به غرساً وأجنيه ذلّةً إذاً فاتباع الجهل قد كان أحزما ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما
أبيات جميلة في الحقيقة رائقة، يقول فيها الجرجاني: ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي. أنا لم أتعب في خدمة العلم، هو كان خادماً للعلم يطلب العلم ويكد ويجتهد ويحفظ ويصنف ويراجع ويذاكر، فخدم العلم وصان هذا العلم. فهو يقول: أنا لم أذل نفسي لهذا العلم من أجل أن أخدم طلبة العلم بالذهاب إليهم، بل لأخدم. الآن يمكن بعض الطلاب يعني عندما يقرأ هذا البيت يقول يعني: هل هو يريد من الناس أن يعظموه؟ فقال: لأخدم من لاقيت لكن لأخدم. هل يريد من الناس أن يأتوا إليه يعني حتى يخدموه ويقدموا له العرفان والمعروف؟ لا، هو لا.
يقصد هذا المعنى إياكم أن تظنوا هذا بالعلماء، لكن هو يتكلم اه عما رآه في عصره من هوان بعض طلبة العلم اه وكيف أن العلم أصبح زهيداً عندهم. يطلبون من الشيخ أن يأتي إليهم وأن يتعب نفسه من أجلهم، وهم في مجالسهم وفي مآكلهم ومشاربهم لا يريدون التعب والتحصيل كما تعب الشيخ في التعب والتحصيل، لا يريدون هذا التعب.
فيقول ابتذل في خدمة العلم مهجتي لأخدم من لاقيت لكن لأخدم، فكما أنني خدمت العلم من أجل الوصول إليه فكنت أخدم الذين تعلمت على أيديهم وخدمت مشايخي ودرست وتعبت وقدمت لهم كل شيء من أجل تحصيل العلم، فينبغي عليكم أيها الطلبة أن تفعلوا كما فعلت حتى تنالوا العلم مني. أما أن تظنوا أنكم ستنالون العلم من دون خدمة للعلماء وللأشياخ وللأفاضل الذين تتعلمون منهم فهذا جهل وقلة احترام منكم للعلم.
فهو أراد أن يوصل هذه الفكرة، وليس هو يريد من الناس أن يخدموه وأن يأتي إليهم بالمعروف وصنائع الإحسان ولا يريد ذلك، ولكن يريد أن يعلم الطلبة الأدب مع العلماء.
فأشقى به غرساً وأجنيه ذلة، أي أتعب وأنا أطلب هذا العلم وأنا أغرسه في نفسي وعقلي وأنا أحصل، ثم بعد ذلك أصبح ذليلاً أذهب إلى أبواب الطلبة حتى يفتحوا لي الباب أطرق عليه من أجل أن يتعلموا مني.
فأشقى به غرساً وأجنيه ذلة، إذاً فاتباع الجهل قد كان أحزما، لو أدري أن الأمور ستؤول إلى هذا لكان بقيت جاهلاً وما ذهبت إلى كل هذه القصص.
طبعاً كما قلت لكم هو يريد أن يرسخ ويوصل الرسالة الصحيحة للطلبة، ويعني بعض الطلاب قد يقولوا يا شيخ وهذا الرجل يعني يطلب من الناس أن يعظموه يعني ويقول آآ إذاً فاتباع الجهل قد كان، لا هي هذا أسلوب من أسلوب العرب في تعبيرهم أن يبين اه الشاعر الحالة النفسية الصعبة التي يمر بها. فواضح أنه رحمة الله عليه كان يعاني، كان يعاني من طلبته كثيراً، وهذه المعاناة صورها في خلال هذه الأبيات التي يفوح الحزن منها والشعور قلة احترام الطلبة لأستاذهم ولشيخهم.
قال ولو أن أهل العلم صانوا حصانهم، هو يبين أنني سأصون هذا العلم، أن هذا العلم شقيق من أجل التحصيل وخدمته وخدمت أهله وخدمت العلماء، سأصونه ولن أبتذل هذا العلم ولن أطرحه بضاعة مزجاة عند هؤلاء الطلبة الذين لا يحسنون الأدب مع مشايخهم. ويخبر ولو أن أهل العلم صانوه صانهم، إذا صمت العلم أيها العالم العلم سيصونك، العلم سيصونك، سيصون هيبتك، سيصون شخصيتك، ستبقى عزيزاً بين الناس وإن هجرك الناس.
ولو أن أهل العلم صانوه قالهم، ولو عظموه في النفوس لعظم. هذا البيت من أشهر الأبيات التي آآ يذكرها العلماء والكل اتفق على صحة هذا المعنى. ولو عظموه في النفوس لو أن هؤلاء العلماء الذين يذهبون إلى السلاطين والحكام ويشترون الدنيا، لو عظموا العلم في نفوسهم لعظم هذا العلم عند الناس وعرف الناس حرمة هذا العلم وأهمية تعلمه وأهمية الارتقاء في مدارج التعليم الشرعي، وينبغي الرجوع إلى العلماء في كلامهم.
لكن لما العالم زهد عليه علمه العلم هم زهدوا الناس في هذا العلم، لما قل احترام العالم للعلم وتظظيمه له قلت حرمة هذا العلم عند العوام، وأصبحوا يذهبون في مشاكلهم الحياتية والاجتماعية لرجال السياسة والاقتصاد والقانون وما شابه ذلك، لأنهم ما عادوا يجيدون قيمة العلم وحرمة العلم وأثر هذا العلم في حل مشاكلهم وفي حل قضاياهم. والسبب أن العالم لم يعظم العلم وأهانه بما يفعله.
إذاً نكمل كلام ابن جماعة بعد ذلك حتى لا يستهلكنا الوقت هنا. قال فإذا دعت الحاجة والآن هذه الاستثناءات. قال فإذا دعت حاجة إلى ذلك أو ضرورة أو اقتضته مصلحة دينية راجحة على مفسدة اه بذله وحصلت فيه نية صالحة فلا بأس به إن شاء الله تعالى.
قال وعلى هذا يحمل ما جاء عن بعض أئمة السلف من المشي إلى الملوك وولاة الأمر كالزهري والشافعي وغيرهما، لا على أنهم قصدوا بذلك فضول الأغراض الدنيوية.
إذاً هو يتكلم كما قلنا عن الاستثناءات، فالذهاب إلى السلاطين وإلى أمراء خاصة إذا كانوا من أمراء الجور والظلم أمر مذموم عند العلماء قاطبة. ولا يذهب إليهم ويعتاد معهم إلا عالم زهد بعلمه، ولكنه سيستثني الآن فيقول يجوز الذهاب إلى هؤلاء الأمراء والسلاطين إذا كانت هناك مصلحة دينية تربو وتزيد على مفسدة الذهاب إليها.
إذا كانت المصلحة الدينية المرجوة تحقيقها من الذهاب إلى هؤلاء والحديث معهم من رفع مشاكل العوام إليهم أو التخفيف عن بعض المظلومين أو أو وما شابه ذلك من الأمور، هذه المصلحة المرجوة تربو على مفسدة الذهاب إليهم. فيجوز للعالم حينئذ أن يذهب إلى هؤلاء من أجل تحقيق هذه المصلحة، انتبهوا من أجل تحقيق هذه المصلحة، وليس لي أنس بالجلوس معهم وليأنسوا به.
تحقيق مصالح الناس هذا نعم يسوغ للعلماء أن يذهبوا وليجالسوا أئمة الجور وسلاطين الظلام. وهذا ما ذهب أو ذكره أو ما ثبت عن ابن شهاب الزهري أو الشافعي رحمة الله تعالى عليه في دخولهم على بعض السلاطين، وانظروا إلى السلاطين في عصرهم خلفاء الدول الأموية والعباسية، وكان عندهم ظلم، بعض الأمراء كان فيهم خير وفيه شيء من الظلم في تلك الفترة، وكان العلماء في تلك الفترة مع أن هؤلاء الأمراء صاحب الدولة العباسية والاموية كانوا يفتحون الأمصار ويقيمون حدود الشرع ويعظمون الشرائع، وإنما كان فيهم شيء من اللهو اه اه والمجون بشيء من متاع الحياة الدنيا، فكانوا يحذرون طلبة العلم والعلماء من الذهاب إلى هؤلاء الأمراء إلى هذه النوعية، فانظروا وتأملوا وقيسوا بتعقل.
فالزهري والشافعي وغيرهما كما قال ابن جماعة ذهبوا إلى بعض السلاطين في تلك الفترة أو الحقبة الزمنية التي عاشوا فيها من أجل تحقيق مصالح معينة، حماية الشريعة، صيانة الشريعة. المهم هناك مصالح معينة أرادوها بالذهاب، ولم يذهبوا إليهم طلبا للدنيا.
والشافعي والزهري من أئمة الدنيا زهداً وورعاً ومن عظام العلماء الذين صانوا العلم فخلد الله سبحانه وتعالى ذكرهم وجعلهم أئمة يهتدى بهم، فهذه سيرهم عبقها يصل الينا الى يومنا هذا، وثنايا الكلام الطيب الذي بذلوه نجده في مصنفاتهم وفي أخلاقهم وسمتهم.
ويقول أيضاً من جماعة: وكذلك إذا كان الماتي إليه من العلم والزهد في المنزلة العلية والمحل الرفيع فلا بأس بالتردد إليه لإفادته. واستشهد على ذلك قال: فقد كان سفيان الثوري رحمة الله عليه المحدث الكبير يمشي إلى إبراهيم بن أدهم ويفيده، وكان أبو عبيد يمشي إلى علي بن المدين يسمعه غريب الحديث.
هو الآن يدلل على القضية الثانية التي قلت لكم سيستثني منها، وهو أن الأصل أن العلم كما قلنا يؤتى ولا يأتي، فلا يصح ولا ينبغي للعالم أن يذهب إلى الطلبة بل عليه أن يعلم الطلبة أن يذهبوا هم إلى مجالس العلم، هذه القاعدة. لكن هناك استثناء وهي أنه إذا كان الطالب أصلاً من أهل العلم ومن أصحاب الرفعة والمكانة العالية في الزهد والورع والتقوى والعلم، وأراد هذا الطالب أن يتعلم علماً فحينئذ وكان عنده صعوبة في الذهاب إلى العالم بسبب مشكلة من المشاكل أو ظرف من الظروف، فهنا يجوز ويباح للعالم أن يذهب إلى هذا الطالب صاحب المكانة الرفيعة في العلم والمنزلة والديانة ليعلمه هذا العلم.
وهذا ما فعله سفيان الثوري، فسفيان الثوري كان يذهب إلى الإمام السالك المؤدب المربي إبراهيم بن أدهم ليعلمه، اه من الطالب؟ طالب العلم هنا إبراهيم بن أدهم الإمام السالك القدوة الزاهد رحمة الله عليه صاحب منزلة عالية، فحق له أن يحظى بهذا الشرف أن يأتي سفيان الثوري رحمة الله تعالى عليه ليعلمه في بيته وفي منزله لعدم قدرته على الذهاب إليه.
وكذلك أبو عبيد رحمة الله عليه كان يمشي إلى علي بن المدين. تلاحظون من هو الطالب؟ الطالب علي بن المديني إمام من أئمة الدنيا في معرفة الحديث والرجال والعلل، وشيخ البخاري وشيخ طائفة كبيرة من العلماء، ما محقق.
فلما تقول أبو عبيد يذهب علي بن المديني ليعلمه ليعلمه غريب الحديث، فهذا ليس أمر مستهجن، وليس في هذا إذلال للعلم؛ لأن علي بن المديني يعلم قدر العلم، ويعلم شرف العلم، فالذهاب إليه ليس إجلالاً للعلم، بل هو إمام من أئمة الدنيا يستحق أن نذهب بالعلم إليه. لذلك كان أبو عبيد لعلي بن المديني يذهب ليعلمه غريب الحديث.
غريب الحديث هي الألفاظ، آه، آه الألفاظ المبهمة في الأحاديث النبوية التي يحتاج في معرفة معناها إلى أئمة اللغة. وأبو عبيد معمر بن المثنى كان من أئمة اللغة، علي بن المديني كان منشغلاً بالحديث، فاستفاد علي بن المديني معرفة غريب الحديث، أي الكلمات الغريبة في الأحاديث من أبي عبيد، وكان أبو عبيد إجلالاً لعلي بن المديني -كما ذكرنا- يأتي هو إلى علي بن المديني ليعلمه غريب الحديث. فهذه الصور نعم مستثناة.
إذا كان طالب العلم في مكانة إبراهيم بن أدهم، في مكانة علي بن المديني، فلا أشكال أن يذهب العالم إليه؛ لأن هذا الطالب هو أصالة العالم، هذا الطالب وصالة العالم صاحب منزلة عالية، فمثله يعرف قدره وتحترم منزلته. لكن الكلام عن الطلبة الناشئة، طالب علم يريد أن الشيخ يأتي إليه ويدرس في منزله، ويقول للشيخ: حاول أن تحضر في هذا الوقت ولا تتغيب، يعني يخاطب الشيخ كأن الشيخ هو الذي الذي يعمل عنده، وهذه قلة أدب، آآ مع العلم ينبغي للشيخ أن يترفع عنها.
طيب، انتهينا من هذا الأدب من قضية صيانة العلم. نذهب الآن إلى الأدب الثالث الذي ذكره ابن جماعة فقال رحمة الله عليه: الثالث أن يتخلق بالزهد في الدنيا، ليقلل منها بقدر الامكان الذي لا يضر بنفسه أو بعياله، فإنما يحتاج إليه لذلك على الوجه المعتدل من القناعة ليس يعد من الدنيا. يتكلم في هذا الأدب الثالث عن قضية الزهد في متاع الحياة الدنيا، وما أجمل العالم عندما يزهد في هذه الحياة، وينكب بكليته على العلم الشرعي!
ما أجمل العالم حينما يقف روحه وجسده لله سبحانه وتعالى ليعلم الناس الخير، ليرشدهم إلى درب الصلاح، لا يطلب منهم شيئاً من متاع الحياة الدنيا، لا يريد منهم إلا دعاءً في ظهر الغيب، وهو يريد ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى في زرع الخير ونشر الوعي والفكر الصحيح وإرشاد الناس إلى درب السلامة والنجاة، وإخراج الناس من الظلمات ومن الزيغ ومن الفتن. ما أجمل هذا العالم عندما يكون زاهداً بما في أيدي الناس!
وما أذل العالم عندما يكون نظره دائماً إلى ما في أيدي الناس! فإذا علم وإذا أرشد يريد من الناس أن يكافئوه وأن يقابلوا المعروف بالإحسان وصنائع الخير، فهذا عالم ذليل لم يعرف قدر العلم. العالم الشريف صاحب النفس العالية الرائقة لا يقبل ابتدال العلم، ولا ينظر إلى ما في أيدي الناس، زهد في الدنيا.
وزهد في الدنيا أحبتي -كما قلت لكم قبل قليل- لا يعني أن تظهر بثياب رثة، وأن تظهر أمام الناس، آآ على هيئة وعلى منظر يجعلهم يزدرون العلم. ليس هذا هو الزهد في الحقيقة، الزهد كما قلت لكم أن تخرج الدنيا من قلبك وأن تجعلها في يدك، ألا تنظر أيها العالم إلى ما بأيدي الناس من متاع الحياة الدنيا من بيوت ودواب وأموال وأرصدة بنكية، لا، ليس هذا هو الهم، ليس هذا الذي يشغل ذهنك وبارك وفكرك، لا تحزن عندما تفوتك لعاعة من لعاعات الحياة الدنيا.
نعم، هكذا تكون زاهداً في الدنيا. أما ما جاءك من هذه الدنيا من رزق حلال طيب، آآ تصرف به على أهلك وعلى عيالك وعلى نفسك، فهذا لا مانع منه، وينبغي للإنسان أن يكون عنده شيء من قوت الحياة الدنيا ومن الكفاية التي تمنع من أن ينظر إلى ما في أيدي الناس. العالم إذا كان فقيراً معدماً ربما يسبب له أو تسبب له تلك الحالة النظر إلى ما في أيدي الناس، والطمع، آآ إليهم، والرجاء منهم، لذلك ينبغي أن يقطع فعل نفسه هذا الأمر من خلال أن تكون له حرفة يمتهنها، أو عمل يعمل ويكتسب منه رزقاً يكف به قلبه وعينه عما في أيدي الناس.
لذلك قال: أن يتخلق بالزهد في الدنيا، وليقلل منها بقدر الإمكان. فإذا رزق الله عز وجل العالم مالاً كثيراً أخذ ورث من والده أو ما شابه ذلك، فحتى لو رزقت أيها العالم مالاً كثيراً لا ينبغي أن تظهر أمام الناس بمنظر، آآ الإنسان على هذه الحياة بمفاتنها. نعم، اجلس في بيت جيد، وخذ دابة جيدة، لا مانع من ذلك، لكن لا تظهر للناس أن همك جمع الدنيا واكتنازها، وأن قلبك مشغول بها اليوم بسيارة وغداً بسيارة أخرى، واليوم في منزل وغداً في منزل آخر، واليوم في مطعم من المطاعم أو مقهى وغداً تحاول أن تكثر تكثر من هذه الحياة الدنيا وتقول: أنا معي مال.
لا، أخي الكريم، حتى لو كان معك مال، عليك أن تظهر للناس أن هذا المال لا يجعلك تطغى، ولا يجعلك تسرف في ملذات الحياة الدنيا المباحة، لا يجعلك تسرف، عليك أن تظهر لهم بمظهر الإنسان المتزن، الذي يبذل هذا المال إذا رزقك الله مال، آآ اصرفه على الخير وعلى مسالك النجاة، وعلى تعليم طلبة العلم، وعلى شراء الكتب، وعلى، آآ شراء الكتب للفقراء ولِمَن يحتاجه، على تعليم الناس، اصرف هذا المال في هذه الوجوه الطيبة الخيرة، وخذ ما تحتاجه أنت وعيالك لا مانع من ذلك.
فلذلك -كما قال ابن جماعة-: أن يتخلق بالزهد في الدنيا وليقلل منها بقدر الإمكان الذي لا يضر بنفسه أو بعياله. يعني بعض الناس لما نقول الزهد في الدنيا يذهب إلى صورة عكسية تماماً، خلص لا أريد مالاً، يبقى معدماً، يجلس على حصيرة، نحن لا نقول هذه الصورة، إذاً هذه الصورة خاطئة لمن كان يقدر على أن يكسب قوت عياله، من كان يقدر أن يكون في هيئة حسنة ووضع جيد، ليس الفقر مقصداً شرعياً له، ليس الفقر مقصداً شرعياً له، لكن ما نطالب به عدم الإسراف على النفس، وألا تصبح الدنيا هي الشغل الشاغل لهذا الطالب ولهذا العالم.
لذلك قالوا: وليقدر منها بقدر الإمكان الذي لا يضر بنفسه أو بعياله، فإنما يحتاج إليه لذلك على الوجه المعتدل من القناعة ليس يعد من الدنيا. إيش يعني ليس يعد من الدنيا؟ يعني الدنيا دائماً العلماء يحذرون من الدنيا ومن فتنتها ومن زينتها والانكباب عليها، فكان ابن جماعة باسلوب لطيف إذ يقول لك: المال الذي تكتسبه من أجل أن تصرف على عيالك أو تصرف على نفسك وأن تحيا حياة بالكفاف، هذا جمعه والسعي في طلبه لا يعد من الدنيا المذمومة، لا يعد من الدنيا المذمومة، آآ التي يطلب منك أن تبتعد عنها وأن تزهد فيها.
فالزهد في الدنيا، ها هذا المصطلح، الزهد في الدنيا لا يدخل فيه الزهد في كسب الرزق، هذا مفهوم خاطئ، عليك أن تكسب الرزق، وأن تعمل من أجل لقمة العيش، فما تكسبه من مال من أجل، آآ قوت عيالك، هذا ليس من الدنيا، لا يعد من الدنيا المطالب بالزهد فيها. فهمنا المقصد؟ لا يعد من الدنيا، أي لا يعد من الدنيا التي تطالب بالزهد فيها، وإنما هي حاجة الإنسان فطرة الله وسنة الله التي، آآ فطر الناس عليها وخلق الناس عليها، وسنن الحياة أحبتي لا تتغير ولا تتبدل.
ثم يقول ابن جماعة بعد ذلك رحمة الله عليه: وأقل درجات العالم أن يستقذر التعلق بالدنيا. وأقل درجات العالية، يعني هذا الحد الأدنى الذي نقبله من العالم، الحد الأدنى الذي نقبله من العالم قال: أن يستقذر التعلق بالدنيا؛ لأنه أعلم الناس بخستها وفتنتها وسرعة زوالها وكثرة تعبها ونصبها، فهو أحق بعد، فمن الالتفات إليها والانشغال بهمومها. لماذا الحد الأدنى الذي نقبله من العالم -كما قال- أن يستقذر التعلق؟ يعني حتى لو اكتسبت المال وكنت تتمتع بالحياة الدنيا أيها العالم، الحد الأدنى الذي ينبغي أن يوجد في جميع العلماء هو استقذار التعلق.
يعني خذ من المال وتمتع بمالك الذي وهبه الله سبحانه وتعالى لك. لكن ينبغي أن يكون عندك استقدار للتعلق بالحياة الدنيا. لماذا؟ لأن علمك الذي تعلمته أيها العالم، ألم يقضك إلى أن هذه الحياة الدنيا مجبولة على الأكدار وعلى التعب، وأن الحاصل فيها الآن ذاهب غدا؟ ألم تتعلم بهذا العلم أن الدنيا سريعة الزوال، أن الدنيا سريعة الفناء، وأنك في لحظة ما بين غمضة عين وانتباهة قد تكون من أهل الآخرة؟
هذا العلم الذي تعلمته يجعلك تعلم قبل غيرك من عوام المسلمين أن الحياة الدنيا لا تستحق أن تبذل من أجلها، وأنه ينبغي أن تزهد في زينتها وفي زخارفها. نحن نعمر هذه الأرض من أجل رضا الله سبحانه وتعالى لكن لا نتعلق بها بأننا نعلم أننا عما قريب سنغادر هذه الحياة إلى دار أخرى، هي دار المقام بإذن الله في جنات النعيم. فالعالم تعلم وقرأ ونظر في أحوال الدنيا وفي أحوال الناس، فهو أكثر دراية من غيره بهذه الأمور، فكيف تتعلق أيها العالم بالدنيا وأنت عالم بخستها؟ كيف تتعلق بها؟ فهذا لا يقبل منك وليس هذا من الآداب المرضية لك.
ثم ذكر آثارا مجموعة من السلف قالوا. وعن الشافعي رضي الله تعالى عنه قال: انظروا إلى الكلمة الجميلة من الشافعي، إيش يقول؟ يقول: لو أوصي لأعقل الناس صرف إلى الزهاد. ما معنى هذا الكلام: لو أوصي لأعقل الناس صرف إلى الزهاد؟ جميلة هذه العبارة. يقول الشافعي: لو أن رجلا عند وفاته أوصى بثلث ماله فرضا أن يصرف وأن يعطى لأعقل الناس. هكذا كانت الوصية، رجل عند موته كتب وصية: ادفعوا ثلث مالي بأعقل الناس ومات. لمن تدفع هذه الوصية؟ لمن أعطى الناس؟ الشافعي يقول: تدفع إلى الزهاد؛ لأنهم أعقل الناس.
الشافعي طبعا هو يريد بهذه الكلمة الطيبة الخفيفة أن يرشد إلى من هم أعقل الناس في هذه الحياة الدنيا. أعقل الناس هم من زهدوا في الدنيا؛ لأنه من علم حال الحياة الدنيا وأنها لا تثبت، وأنها سريعة التقلبات سريعة الزوال، اليوم في فرح وغدا في حزن وغدا في حزن وبعدها في فرح. الصديق يصبح عدوا والعدو يصبح صديقا، من نظر في هذه التقلبات وفي سرعة الفناء وفي من يغادرون هذه الحياة الدنيا إلى القبور ينبغي عليه أن يزهد وأن يعمل عقله. لماذا أحرص على دنيا فانية؟ لماذا أتکالب عليها أصارع وأخاصم وأرفع قضايا في المحاكم على دنيا فانية؟ لماذا أفعل هذا؟ فلأشغل نفسي بما ينفعني وبما يعود علي بالسعادة في الدار التي أبنيها عند الله سبحانه وتعالى، هذا هو أعقل الناس. فيقول الشافعي: أعقل الناس هو من زهد في هذه الحياة الدنيا.
قال: فليت شعري -يقول ابن جماعة- فليت شعري من أحق من العلماء بزيادة العقل وكماله؟ من أحق من العلماء وباش تفهموا الأمراض منه التعجب. في هناك شخص أحق من العلماء بهذا الزهد في الحياة الدنيا؟ العالم كما قلنا الذي تعلم وعرف حقيقة الحياة الدنيا هو أحق الناس بالزهد فيها، فليت شعري من أحق من العلماء بزيادة العقل وكماله؟ يقول.
وقال يحيى بن معاذ: لو كانت الدنيا -انظروا هذه العبارة الجميلة أيضا البهية، يحيى بن معاذ ماذا يقول؟- يقول: لو كانت الدنيا تبرا -التبر هو الذهب- لو كانت الدنيا تبرا يفنى والآخرة خزفا يبقى، لكان ينبغي للعاقل لكان ينبغي للعاقل إيثار الخزف الباقي على الفاني. أظن هذه العبارة فيها شيء: لكان ينبغي للعاقل إيثار الخزف الباقي على التبر الفاني، لأنه قال عندي هنا: على الفاني، على التبر. وأظن هذه العبارة فيها خلل بهذا السياق: لكان ينبغي للعاقل إيثار الخزف الباقي على التبر الفاني بهذه الصيغة، إذا كان عندكم في النسخة خطأ فعدلوها بهذه الصيغة على التبر الفاني.
فكيف والدنيا خزف فان والآخرة تبر باق؟ فهمتم ماذا يقول ابن معاذ أحبتي؟ يقول: لو كانت الدنيا هي الذهب فعلا والآخرة خزف، لكنه يبقى لك أبد الآباد، فالعاقل ماذا يفعل؟ سيفضل هكذا يفعل العاقل، يفضل الخزف الذي يبقى ولا يذهب على تحصيل التبر الذهب الذي سيذهب عما قريب. فكيف والأمر بالعكس، أن الدنيا خزف ذاهب والآخرة ذهب باق؟ فالانخراط في الدنيا والإنكباب عليها ضمن هذه المعادلة هو سفه ورق.
وانتقل إلى النقطة التي تليها، يقول ابن جماعة في الأدب الرابع -انتهينا من قضية الزهد في الدنيا، إذن الأدب الأول دوام المراقبة لله سبحانه وتعالى، الأدب الثاني صيانة العلم بكل ما تحمله كلمة صيانة من مدلول، الأدب الثالث الزهد في الحياة الدنيا وعدم الاكتراث بها وتعليق القلب بها- الآن نذهب إلى الأدب الرابع. يقول في الأدب الرابع: أن ينزه علمه عن جعله سلما يتوصل به إلى الأغراض الدنيوية من جاه أو مال أو سمعة أو شهرة أو خدمة أو تقدم على أقْرانه. قال الإام الشافعي رضي الله عنه: وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم على ألا ينسب إلي حرف منه.
على ألا ينسب إلي حرف منه. هذا الأدب الرابع يتكلم وفي الحقيقة بعض الآداب تتداخل مع بعضها البعض، صعب أن أفصلها فصلا تاما كاملا، هناك نوع من التداخل بينها. يتكلم هنا الأدب الرابع: أن العالم يجب عليه أن يرتقي بعلمه وألا يجعله سلما لتحصيل الأغراض الدنيوية. وهذا في الحقيقة هذا الرابع يدخل ضمن الأدب الثاني في صيانة العلم، يدخل ضمن الأدب الثاني في صيانة العلم، من صيانة العلم ألا تجعل هذا العلم سلما ترتقي به لتنيل المناصب الدنيا.
هذا إذلال للعلم، قلة احترام للعلم. وما أكثرهم أحبتي في هذا الزمان الذين يتاجرون بالعلم والدين من أجل تحصيل مناصب في القضاء أو ما شابه ذلك من مناصب الدنيا، تجده يقاتل ويكافح ويكد ويتعب وتذهب هذه الحياة الدنيا فقط لينال مرتبة من المراتب أو منصب شرفي، وينال موطنا في شركة أو ما شابه ذلك ليحصل على الأموال وتذهب هذه الحياة الدنيا بدل من أن يفرغ وقته وجهده من أجل تعليم طلبة العلم من أجل أن يرتقي بنفسه وبمجتمعه، تذهب هذه وثورة الشباب في تحصيل المكاسب وفي التسلق من أجل المناصب. وهذا ما ترونه في مجتمعنا وفي كل المجتمعات السائدة اليوم، أصبح العلم وسيلة لشراء الحياة الدنيا، وسيلة لنيل المناصب، وسيلة للعب في دين الله سبحانه وتعالى، فنسأل الله السلامة والعافية.
الشافعي هذا الإمام الكبير يقول: وددت أن الناس تعلموا مني العلم ولا ينسب إليه حرف منه. كلمة كبيرة يعني الإنسان اليوم لو أعطى دورة واحدة يحب أن يظهر أمام الناس أني أنا أعطيت هذه الدورة وأنا تقدمت بها، ويحب أن يسمع أذنه وأن يطربها بثناء الناس عليه: شيخنا جزاه الله خيرا ونفعنا الله بعلومه، أدى لنا وأسدى، أذنه تتشوف إلى سماع هذه الكلمات، هذا همه! الشافعي بعلمه الغزير الضخم، يعني هذا العالم المعاصر ربما دورة مختصرة ما بدل شيء بعد، الشافعي بعلمه الغزير علم عالم كبير في الفقه وفي أصول الفقه وفي مقاصد الشريعة، هذا الإمام الكبير يقول: وددت أن الناس تعلموا مني العلم ولا ينسب إليهم منه حرف، يذهب أهل العلم الناس تتعلم العلم الصحيح ولا تعرف من أين أتى ولا تعرف ما هو مصدره، أنه الشافعي ومن هو مصدره؛ لأنه يريد الله سبحانه وتعالى، يريد الإخلاص، يريد أن يلقى الله سبحانه وتعالى فحينما يسأله ربه: ماذا فعلت بالعلم؟ يكون صادقا أنني تعلمت من أجلك يا رب، ليس من أجل الثناء وليس من أجل المناصب، وليس من أجل أن يحمدني الناس ولا أن يشار إلي، فيقول الله له: صدقت، هو يريد هذا رحمة الله عليه.
وأما اليوم ننظر في حالنا، ننظر في حال علمائنا أو من يتصدر للعلم فنجد أن الأمر يحتاج إلى إعادة نظر مرة أخرى في مقاصدنا، في نياتنا، في بواطننا التي تبعثنا للتدريس وللتعليم وفيما نقصده من العلم جملة.
ويؤصل بعد ذلك ابن جماعة قاعدة أخرى يقول: وكذلك ينزهه عن الطمع في رفق من طلبته بمال أو خدمة أو غيرهما بسبب اشتغالهم عليه وترددهم إليه.
هذه القاعدة مهمة جدا جدا، وهذا الكلام دقيق ويدخل في دقائق النفوس. يبحث في دقائق النفوس ابن جماعة رحمة الله عليه: بعض المشايخ أحبتي وبعض من يتصدر للتعليم بعد أن يعلم الطلبة المتون والمصنفات يحب من الطلبة أن يساعدوه ويعاونوه في أمور دنياه. فابن جماعة رحمة الله عليه يبين هنا أدباً ينبغي للعالم أن يتفطن له، يقول له: عليك أن تتنزه عن الطمع في رفق، يعني في إحسان في معروف من طلبته.
بعض المشايخ يدرس الطلبة ويريد منهم مثلاً أن يعطوه أو يهدوا إليه هدية مما عندهم. قد يكون الطالب ممن أنعم الله عز وجل مثلاً عليه بسيارات، بمنصب في دولة، بشيء من ذلك، وهذا كثير اليوم. يأتي إلى بلادنا وإلى بلاد أخرى طلاب مثلاً يكونون مبتعثين من دول أخرى ولهم مناصب في دولهم، فتجد العالم أو الشيخ الذي يدرسهم يطلب من هؤلاء الطلبة أن يبحثوا له عن منصب في دولتهم، أن يبحثوا له عن شيء من لعاعة الحياة الدنيا. والطلاب تجدهم من أجل الحرص على درجة من الدرجات الأكاديمية يقدمون للشيخ هذا المعروف.
وهذه حقيقة مأساة نعيشها لأني وقفت على كثير منها: طالب مبتعث يطلب منه أستاذه في العلوم الشرعية أن يبحث له عن وظيفة في بلده مقابل أن الشيخ والأستاذ يساعد الطالب في أطروحة شرعية وأكاديمية وما شابه ذلك. عيب أيها العلماء! عيب أيها المتصدرون! هذه إهانة للعلم، أن يدرس ويستغل هذا التدريس من أجل الانتفاع من الطلبة؛ يأخذ منهم مالاً، يأخذ منهم جاهاً، يأخذ منهم منصب، موطن قدم في دول. عيب أن يكون هذا هدفك من التعليم ومن التدريس.
إذا حصل شيء عرضي أنا لا أناقش في ذلك، لكن أناقش في بعض الذين يتصدرون وهمهم وشغلهم أن ينظروا إلى أيدي الطلبة أو إلى ما في أيدي الطلبة من المناصب والأموال وما شابه ذلك. فهذا إجلال للعلم وقلة صيانة له، والعلم أشرف من أن يوضع عند هؤلاء.
كان منصور لا يستعين بأحد يختلف إليه في حاجة. لا أعرف الحقيقة من يقصد بمنصور، ولعله منصور بن المعتمر رحمة الله عليه، أحد رجالات البخاري وإمام من أئمة النقل. كان منصور -انظروا الأدب!- لا يستعين بأحد يختلف إليه في حاجة. الله أكبر! أي إنسان كان يعلمه منصور، ولعله ابن معتمر كما قلنا، إذا علم منصور طالب من طلابه لا يستعين به أبداً في حوائج الدنيا.
لماذا؟ لأنه يريد أن يربي نفسه وألا يجعل العلم سبباً ووسيلة للطمع بما في أيدي الطلاب وطلب الحوائج منه. هذا أدب يؤدب العالم نفسه ويربي نفسه على هذا الأمر: أنني أبذل العلم ولا أنتظر المقابل من الطلبة، أنتظر المقابل من الله سبحانه وتعالى فقط، أبداً لا أريج شيئا من الدنيا، لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا، نريد وجه الله سبحانه وتعالى.
فهذا أمر مهم، وهذا الأدب جداً رائق من منصور بن المعتمر رحمة الله عليه، أنه لا يستعين بطلباته على قضاء حوائج الحياة الدنيا له. يا الله! أين لنا أمثال منصور بن المعتمر اليوم؟
سفيان بن عيينة يقول: كنت قد أوتيت فهم القرآن. انظروا ماذا الذي يتكلم؟ سفيان بن عيينة، إمام من أئمة الحديث ومن أئمة الدنيا ومن أئمة الإتقان. انظروا ماذا يقول هذا الإام وقارنوا! انظروا كيف كانوا يحاسبون أنفسهم على الدرهم على الدينار، فبذلك سادوا. وانظر اليوم من يتصدر للتدريس وبطونهم شبعت من أموال السلاطين! انظروا المقارنة بين كلام سفيان بن عيينة وبين حالنا اليوم.
قال سفيان بن عيينة: كنت قد أوتيت فهم القرآن. الله عز وجل أعطاه فهماً بديعاً لكتابه، ليس مراد الفهم العام الذي يفهمه عامة الناس، المراد فهم حقائق القرآن ومقاصد القرآن. كنت قد أوتيت فهم القرآن، فلما قبلت الصرة من أبي جعفر أي المنصور الخليفة العباسي سلبته، فنسأل الله المسامحة. الله أكبر! سفيان بن عيينة ماذا يقول؟ كان الله أعطاني فهماً بحقائق القرآن، فلما قبلت صرة، صرة مال بعث بها أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي المشهور إلى سفيان بن عيينة، قال: فقبلت هذه الصرة ففقدت فهم القرآن! الله أكبر.
فهو يقول: فنسأل الله المسامحة. يحاسبون أنفسهم على صرة مال، ليس على أرصدة بنكية دائماً تتجدد وتغذى بالأموال. يتكلم عن صرة مال أرسلها أبو جعفر، وتتكلم عن أبي جعفر، من هو أبو جعفر؟ عنده أخطاء وعنده الكثير من الخير. بعث إلى سفيان بن عيينة صرة من مال فقبلها فسلب الله فهم القرآن.
وتريد، ماذا تريدون منا أيها المشايخ اليوم؟ إذاً، ماذا نقول اليوم لمن يتصدرون للتدريس وللإفتاء وللمناصب العالية وهم لا يقبلون الصرة، بل يقبلون حسابات بنكية تشترى بها الذمم والديانة؟ كيف سيكون حال العلم أحبتي؟ هذا الأمر عليكم دائماً أن تفكروا فيه، لتعرفوا من أين جاء الضعف، وكيف نصنع الانتصار لهذه الأمة. إن أنبه على قضايا نعيشها يومياً، بعض الطلبة قد لا يهتم بها ويظنها قضايا هامشية، لكنها سبب كبير من أسباب الهزيمة وضياع الشريعة في حياتنا المعاصرة.
طيب، أذهب إلى الأدب الخامس والأخير. يقول الآخير في محاضرة اليوم المراد، يقول ابن جماعة في الأدب الخامس: أن يتنزه عن دني المكاسب ورديلها، طبعا، وعن مكروهها عادة وشرعا، كالحجامة والدباغة والصرف والصياغة. يقول ابن جماعة في هذا الأدب الخامس: ينبغي للعالم إذا عمل في شيء من أو احترف في شيء من أجله أن يحصل قوت عياله أن يعمل في مهنة تليق بمقامه، ويبتعد عن الوظائف التي يستقبحها الناس أو تكون مرذولة في عرف الناس.
الآن أحبتي، الله سبحانه وتعالى خلق الحياة الدنيا لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا. هناك وظائف وضيعة في المجتمع، ولا أحد ينكر أنها وضيعة، وهذا لا يعني أن أصحابها أقل شأن عند الله سبحانه وتعالى؛ فالمعايير عند الله هي معايير التقوى وليس معايير الوظائف، لكن نحن نتكلم عن طبيعة وظيفة، طبيعة مهنة، وليس عن من يمتهنها، عن أشخاصها.
هناك وظائف وضيعة وهناك وظائف عالية؛ فوظيفة العالم الذي يعلم الناس الخير ويرشدهم إلى الصلاح ليست كوظيفة إنسان مشغول مثلاً بلم القمامات أو ما شابه ذلك. هذه وظيفة وهذه وظيفة، لكن قد يكون هذا الذي يعمل في لم القمامة صادق عابد زاهد لله، وهذا الشخص الذي يعلم الناس وراء المنافق يطلب بعلمه الدنيا وثناء الناس، فيرتفع الشخص على ذاك مئات الدرجات عند الله سبحانه وتعالى، ويكون هذا الرجل الفقير المعدم الذي يعمل بهذه الوظائف عند الله سبحانه وتعالى في أعلى المقامات.
فالنظر عند الله عز وجل في الحساب ليس بوظيفتك، لكن الكلام الآن عن أمور أدبية. هنا الكلام عن أمور أدبية ينبغي للعالم أن يحرص عليها قدر الإمكان، فقط هذا المراد منه؛ أن تكون الوظيفة التي تعمل بها وظيفة تليق بالعلم.
وهنا ذكر، يقول مثلاً: هناك بعض الوظائف في أيامهم خاصة كانت وظائف وضيعة لا تقبل، يعني لا يقبل للعالم أن ينشغل بها. قال: مثل الحجامة، كانت في أعرافهم، حتى في أعراف العرب القديمة، كانت تعتبر وظيفة الحجامة وظيفة وضيعة، فينبغي للعالم أن لا ينشغل بها حتى لا يصفه الناس بأنه يشتغل بالوظائف الوضيعة المهينة، فيكون هذا سبباً في نفور الناس عنه، بل حاول أن تعمل في وظائف رفيعة المستوى ترتقي أو تليق بالعلم الشرعي حتى يكون هذا أدعى لقبول دعوتك.
هذه هي الفكرة التي يتكلم عنها ابن جماعة. فيقول: عليه أن يتنزه عن دني المكاسب ورديلها، الوظائف الدنيئة الرذيلة عند الناس طبعا، وردينها طبعا، يعني الطبائع هناك إذاً أمور طبيعية نفسية لا نستطيع أن نتخلص منها، وهي أن هناك مكاسب رذيلة وهذه أمور طبيعية في نفوسنا نحن ندركها ولا نستطيع أن نتخلص من ذلك، إذن ينبغي على العالم أن يجتنبها. وهناك بعض المكاسب المكروهة أيضاً، ليست فقط دانية، مكروهة شرعاً، وقع خلاف بين السلف في جواز أخذ الأجرة عليها كالحجامة؛ الخلاف فيها مشهور بين العلماء في جواز أخذ الأجرة عليها. وقال كذلك
دماغ الجنود الحيوانات لا تليق هذه الوظيفة بالعالم، والصرف؛ صرف الأموال والصياغة، وهذا كما قلنا في عرف زمانهم، وفي كل زمان له أعراف. كل زمان له أعراف الوظائف الوضيعة والوظائف العالية. يعني اليوم الحجامة بالنسبة لينا بعد أن أصبحت علماً وله دراسات وله أساليبه، وتعمل بطرق متقدمة، قد لا تعتبر وظيفة وضيعة، أليس كذلك؟
فهو إذا التمثيل هنا ليس بحد ذاته مقصوداً، وإنما المقصود الفكرة العامة؛ أنه ينبغي للعالم أن يجتنب الوظائف الوضيعة. وكذلك الآن فكرة أخرى ضمن هذه النقطة الخامسة: وكذلك يجتنب مواضع التهم، وإن بعدت، ولا يفعل شيئاً يتضمن نقص مروءة، أو ما يستنكر ظاهراً، وإن كان جائزاً باطناً؛ فانه يعرض نفسه للتهمة، وعرضه للوقيعة، ويوقع الناس في الظنون المكروهة، وتأثيم الوقيعة. فإن اتفق وقوع شيء من ذلك منه لحاجة أو نحوها، أخبر من شاهده بحكمه، وبدحضه، ومقصوده، كي لا يأثم بسببه أو ينفر عنه، فلا ينتفعوا بعلمه.
وليستفيد ذلك الجاهل به: ماذا يريد بهذا الكلام ابن جماعة؟ يريد بهذه القاعدة -وهذه حقيقة قاعدة مهمة أنا لا أدري إذا استطعت اختصارها في هذه الدقائق المعدودة- يتكلم ابن جماعة عن قضية إبعاد العالم نفسه عن مواطن التهم. فلا ينبغي للعالم، أحبتي، أن يظهر في مظهر أو في موطن تهمة. أعطي مثالاً من الواقع؛ بعض الناس الذين يتصدرون للتعليم، تجدهم يجلسون في المقاهي وأماكن اجتماع البطالين وأصحاب الفراغ واللهو، وهذا موطن تهمة، ليس لك أن تجلس فيه، حتى لو قلت أنا لا أفعل شيئاً حراماً، أنا ربما أتناول شيئاً من الطعام.
أقول لك: هذا الموقف الذي تجلس فيه موطن تهمة، لا يليق لك أن تجلس فيه، موطن جلوس البطالين والفارغين وأصحاب الدخان والأراجيل وما شابه ذلك، هذا ليس موطناً لك. فعندما يراك العامي، وأنت العالم فلان الفلاني في هذا الموطن، ماذا سيقول؟ ماذا سيكون أثر ذلك على نفسية العامي حينما يراك؟ عليك أن تدافع عن نفسك بشيء بعذر مقبول، إذا كان عندك عذر مقبول، والله ذهبت لحالة معينة اضطررت أن أذهب بها، دافع عن نفسك وبين ذلك، ولا تكتم، ولكن احرص على المبدأ العام، عليك أن تبتعد عن مواطن التهم.
بعض الدعاة، بعض الناس يجلسون في مجالس وفي محافل يحضرها أصحاب البغي والفجور والفساد الذين يمكرون لدين الله سبحانه وتعالى ليل نهار، يحضر في مجالسهم، وهذه مواطن تهم. أنت عندما تحضر في مجالس الذين يمكرون لدين الله صباح مساء، وتكون معهم على دوائرهم، وتكون على مجالسهم، ولك كرسي ووضع لك واسمك موضوع، ثم تقول بعد ذلك: أحسنوا بي الظن يا أيها العالم، هذه مواطن التهم ابتعد عنها.
ارحموا قلوب العوام، أيها العلماء، أيها المتصدرون، ارحموا قلوب العوام. إذا اضطر أحدكم إلى فعل شيء يجلب له التهمة، فتخلقوا بما قال لكم ابن جماعة؛ بينوا عذركم في ذلك حتى لا تلاموا. اليوم، أحبتي، بعد ما حدث من فتن في عالمنا العربي، كثير من الدعاة والأسماء المشهورة والأسماء المتصدرة، دخلها شيء من الدخن، وأصبح العوام يتكلمون في مواقفها، أليس كذلك؟ لماذا؟ لأن هؤلاء الذين تصدروا في المرحلة السابقة كثير منهم وضعوا أنفسهم في مواطن التهم؛ يذهبون إلى فلان فلان، يجلسون في تلك المحافل والمجالس وما شابه ذلك، ثم في لحظة من اللحظات سقط وذهب كل شيء، ولم يكن واضحاً للعوام ماذا كان يفعل هؤلاء الدعاة وهؤلاء المصلحون في تلك المواطن، فجلبوا هؤلاء الدعاة وهؤلاء العلماء لأنفسهم التهم من دون أن يبرروها بشكل واضح المقنع، فأدى ذلك إلى سقوطهم في لحظة من اللحظات. فلذلك ينبغي أن نتعقل، أيها الدعاة، أيها العلماء، اسمعوا هذه النصائح.
أنا، أحبتي، لا أحب أن أشرح هذا الكتاب على طريقة المتون، أن نبقى في مسائل نظرية، علينا أن ننظر في واقعنا، وأن ننظر ماذا يحدث، وماذا نصحنا السلف؟ وهل انتقلنا إلى نصائحهم؟ السلف كانوا يقولون للدعاة: تجنبوا مواضع التهم، وإن بعدت، يعني حتى لو كان مجلس التهمة فيه لك بعيدة، ابتعد واترك هذا المجلس، وإن بعدت التهمة عنك في هذا المجلس، لكن تحرى يا اخي ابتعد، لا تكن حريصا على مجالس الدنيا إذا كانت تجلب لك المصائب.
قال: ولا يفعل شيئاً يتضمن نقص مروءة. بعض الدعاة يتصرف تصرفات، أحبتي، تقطع المروءة من أصلها وليس فقط تنقص المروءة، في ضحكه، في خروجه في وسائل التواصل بصورة مضحكة بصورة استهزاء، بعضهم يخرج في برامج تلفازية فكاهية من أجل أن يضحك الناس عليه. حقيقة شيء مبكي ما نراه اليوم، بعض الناس في إحدى الدول العربية يخرج في برنامج تلفزيوني، رجل مشهور بالافتاء وبالعلم، يخرج في برنامج فكاهي من أجل أن يمثل دور مخرج سينمائي وحوله النساء العراة يمثلون معه، وهذا الرجل بعد ذلك يشاغله البنات وفي وطنه على أنه صاحب علم، من أجل أن يضحك الناس عليه. بالله عليكم هذا نقص مروءة أو قطع للمروءة وإذلال للعلم؟
فرحم الله عز وجل حال هذه الأمة، شيء مبكي، أحبتي، أن نرى بعض الناس الذين ينتسبون للعلم، هؤلاء في الحقيقة ليسوا أهل علم، هؤلاء ليسوا أهل علم وإن زينوا وإن تكلموا، لأن العلم له حرمته، له قواعده، له قوانينه الأدبية وأدبياته، نحن هنا نتعلم الأدب، فأمثال هؤلاء الذين يظهرون بهذه المواطن الرديئة ينبغي أن يعلم الناس أنهم سلخوا أنفسهم من مجالس العلم.
ثم قال: أو ما يستنكر ظاهراً، وإن كان جائزاً باطناً. هناك بعض المسائل الشرعية قد يكون العالم يتبنى فيها رأي بالجواز، ولكن العوام يظنون أنها على الحرمة، ولا يعلمون أن المسألة تقبل الخلاف. بعض المسائل تسود بين العوام أنها على الحرمة، وهذا العالم بنظره وبحثه وصل إلى أنها ليست على حرمة على الحلية، فحتى لو وصلت أيها العالم إلى أن هذه المسألة حلال في شرع الله باجتهادك، عليك أن تجنب فعلها أمام العوام حتى لا توصف بأنك تفعل الحرام.
ارحموا قلوب العوام، أقولها مرة أخرى، هذا العامي السائد في مجتمعه أن هذه القضية محرمة، فأيها العالم إذا رأيت هذه القضية حلال لا تفعلها حتى تشيع بين الناس رأيك، ويثبت الرأي الذي تتبناه وتظهر أدلتك، بعد ذلك لو فعلتها ما في شيء، لأن العوام الآن يعقلون أنك ترى هذه المسألة جائزة بالأدلة، لكن أن تفعلها ولا يعلم العوام الرأي الذي تتبناه، فهذا فيه فتنة لقلوب العوام وفيه صرف للناس عن علمك.
قال: فإنه يعرض نفسه للتهمة، وعرضه للوقيعة. الناس تخوض في عرضك، هذا واقع، الناس لا تطلبوا من العوام أن يكونوا مثاليين، بعض الناس، بعض الدعاة في طرحه يقول للناس: إياكم أن تتكلموا، إياكم أن تخوضوا، إياكم وإياكم. نحن نعم نعلم الناس الأدب وأن ينشغلوا بما يعود عليهم بالنفع، لكن أخاطب أيضاً العلماء والدعاة والذين يتصدرون، عليكم أيضاً أن ترحموا الناس، هؤلاء عوام، ليسوا مثقفين بدرجة عالية، وليسوا على درجة عالية من الديانة وعمق الإيمان أن يجنبوا ألسنتهم الخوض، فلا تجعلوا أنفسكم فكاهة المجالس، لا تجعلوا مواقفكم هي حديث الناس، اتقوا الله سبحانه وتعالى في سود الناس، أما إذا فعلتم ما ينقص المروءة، وإذا قبحتم هذا العلم بتصرفاتكم، فعليكم أن تتحملوا النتائج أنتم أيضاً.
لذلك قال: فإنه يعرض نفسه للتهمة، وعرضه للوقيعة، ويوقع الناس في الظنون المكروهة وتأثيم الوقيعة. يعني أنت بتصرفك بهذه الأفعال، أن تفعل شيئاً في ظنك حلال ولكن عند المجتمع في عرفه أنه حرام، أنت توقع الناس في الظنون المكروهة، يبدأ يقول: هذا الشيخ قليل الديانة يفعل المحرمات، قال: وتأثيم الوقيعة.
قال: فإن اتفق وقوع شيء من ذلك منه، يعني أن اتفق أي حصل عرضاً، ما معنى اتفق؟ كلمة اتفق أحياناً تأتي في اللغة بمعنى اجتمعا على الشيء، وأحياناً تأتي بمعنى اتفق لي أني فعلت هذا الشيء، يعني وقع من غير قصدي، هذا معنى اتفق؛ وقع من غير قصد. فقوله: فإن اتفق وقوع شيء، أي أن حصل منه شيء من هذه الأمور من غير قصد لحاجة أو نحوها، ماذا يفعل؟ قال: أخبر من شاهده. عالم من العلماء تصرف تصرفاً أمام الناس، أمام الجماهير، أمام أي شيء، تصرف تصرفاً وهو موطن تهمة أو يخشى أن يتهمه الناس بفعل حرام.
إذا تصرف هذا التصرف، عليه مباشرة أن يبرر هذا التصرف حتى يرحم قلوب العوام ويبعدهم عن الشكوك والوقوع فيه وفي عرضه. لذلك ابن جماعة يعلم الأدب، عليكم أن تتعلموا يا طلبة العلم قبل أن تتصدروا قبل أن تصلوا إلى المراتب العالية، اسمعوا من الآن ماذا يقول ابن جماعة.
وتعلموا على يديه، إن لم تجدوا عالما معاصرا يعلمكم هذه الآداب، فهذا ابن جماعة يبث بينكم كلاما عقلانيا واقعيا فيه بإذن الله الخير لنا ولمجتمعاتنا في المستقبل. قال: أخبر من شاهده بحكمه وبعذره وبمقصوده، كي لا يأثم بسببه أو ينفر عنه فلا ينتفع بعلمه، وليستفيد ذلك الجاهل به. فالعالم حينما يبين عذره، هذا العامي حينئذ يكف عن الخوض فيه، اليس كذلك؟ فبالتالي يرتفع الإثم عن العامي.
العامي كان واقعا في الغيبة للعالم، صحيح؟ فبالتالي هذا العامي أنا آثم؛ لأنه واقع في الغيبة للعلماء من دون أن يستفسر منهم، لذلك احنا أيضا نقول للعوام: عليكم ألا تخوضوا في العلماء، حتى ولو فعلوا أو وقفوا في مواقف الريبة، انتظروا، تمهلوا حتى تظهر الأمور على حقيقتها. فالعامي نعم، عليه أن يكف لسانه عن العلماء الربانيين. ونحن بينا من الذي ينبغي للعالم أن يكف عنه؟ من هم؟ أصحاب اللحوم المسمومة من العلماء، ومن هم أصحاب اللحوم المهدورة من المتسلقين على العلم.
لكن الكلام كما قلنا، أن العالم حينما يبين عذره لهذا العامي، يمنع العامي من الغيبة، فبالتالي يرفع عنه الإثم. كذلك العامي قد يكون أخذ موقف من العالم نفر عنه، فإنما يعلم عذر العالم يعود لينتفع منه مرة أخرى. ثالثا: ويستفيد ذلك الجاهل به، يريد أن يقول: أن هذا العامي قد يكون جاهل أنه هذه المسألة التي فعلها العالم فيها رأي بالجواز، والعالم يتبنى هذا الرأي. فعندما يبرر العالم موقفه، هذا العامي الجاهل كما قال ابن جماعة يستفيد أن هذه المسألة من مسائل الخلاف وتقبل النقاش، والعالم إنما فعلها على صورة الجواز لأنه يتبنى هذه الرؤية.
وبعد أن ذكر هذه القاعدة المهمة، ختم بذكر حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد ويؤصل فيه هذا المبدأ، مبدأ الابتعاد عن التهم. وإذا قدر ووقعت في موطن تهمة أيها العالم، مباشرة برر ووضح موقفك حتى ترحم قلوب الناس. النبي صلى الله عليه وسلم كان في المسجد، فجاءته صفية بنت حيي زوجته لتزوره في المسجد تتحدث معه، فحدثته ساعة ثم قامت لتعود إلى منزلها، فالنبي صلى الله عليه وسلم معها ليعيدها إلى منزلها، كانت الدنيا في المساء، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يريد أن تذهب وحدها، وكانت تسكن في دار أسامة بن زيد كما جاء في المتفق عليه.
فالدنيا ظلام في المدينة، ما في عندهم أضواء ليلية أو ما شابه ذلك، ظلام دامس، فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو خارج في هذا الظلام الدامس مع صفية امرأة متجلبة بجلباب الحياء، إذا برجلين من الصحابة يريان النبي صلى الله عليه وسلم في خلال هذه الظلمة وريان أي من معه امرأة، لم يعلما من هي، تمام؟ فعندما رأي النبي صلى الله عليه وسلم أسرعها في السير.
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: على رسلكما، إنها صفية بنت حيي. هذان الرجلان من الأنصار قال: يا رسول الله، يعني أنتهمك؟ يعني نشك فيك يا رسول الله أنك تسير مع امرأة اجنبية لا تحلك؟ أكيد نحن نعلم كعذر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان، انظروا الحكمة، إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فخفت أن يقذف في قلوبكما شيئا فتهلكا. لماذا سيهلكها؟
لأن من يظن في النبي صلى الله عليه وسلم أنه يبعد الحرام ويفعل ما يغضب الرب سبحانه وتعالى، هذا يهلك، أليس كذلك؟ تظن في النبي صلى الله عليه وسلم أنه يفعل المحرمات يغضب الرب سبحانه وتعالى، هذا قتل في الشريعة وقدح في الإله مباشرة، أنه بعث رجلا يفعل المحرمات، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم رحم قلوبهما، رحم قلوبهما. فقال لهما: على رسلكما، هذه المرأة التي معي صفية بنت حيي. فهذا رجل من الأنصار كما قلنا دافع: يا رسول الله، لم نشك بك. قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، شيطان خبير في قذف الشبهات وسوء الظن في قلوب العوام.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يحسم مادة الشيطان ويقطعها من رأسها، فيعلمنا هذا الأمر: إذا كنا في موضع يخشى منه الريبة أو في موطن تهمة وقع عرضا -النبي صلى الله عليه وسلم ما تقصد هذا وإنما وقع عرضا أن زارته صفية فأراد أن يوصلها إلى منزله- فلما خشي أن يقذف الشيطان في قلوب هذين الرجلين شيئا فتهلكا لقدحهما في النبي صلى الله عليه وسلم، رحمهما وعلل وبين أن هذه صفية وانتهى الأمر.
فكهذا أيها العلماء، إذا فعلتم المواقف التي قد تفهم بشكل خاطئ، ارحموا الناس وبينوا لهم العلل، حتى يفهم الناس ما هي المقاصد الشرعية التي تبنون عليها هذه التصرفات. خاصة في هذا الزمن اختلطت الأمور، واختلط العالم الرباني بالتاجر بالدين، واختلط أصحاب اللحى العفيفة الطاهرة بأصحاب اللحية المهجورة. وهذا ختام مجلسنا، ولا أكثر من ذلك بإذن الله، في مجلس قادم نتحدث عن ثلة أخرى من آداب العلماء. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل