يا طالباً للعلم يرجو نفعه، اسمع نصيحة ناصح معوانِ. لربك في أمورك كلها، فالمخلصون هم أولو العرفانِ.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. نحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم للإمام ابن جماعة الكناني الشافعي رحمة الله تعالى عليه. وقد وصل بنا المسير أحبتي إلى الفصل الثالث من الباب الثالث. الباب الثالث من أبواب هذا الكتاب المبارك يتحدث عن حياة طالب العلم وعن آدابه وعن سلوكياته، علاقة طالب العلم بربه سبحانه وتعالى والآداب العامة التي يجب أن ينتهجها في حياته.
ثم الفصل الثاني يتكلم عن علاقة طالب العلم بشيخه ابتداءً من اختيار الشيخ إلى خدمته وتوقيره وإجلاله وتعظيمه، وكيف يخاطبه ويحاوره ويمشي معه؟ ثم إلى الفصل الثالث الذي بين أيدينا اليوم، وهي حياة طالب العلم العلمية. هذا الفصل الثالث عقده ابن جماعة رحمة الله عليه ليتكلم عن أدب طالب العلم في دروسه في قراءته في الحلقة. وسيتكلم ابن جماعة في ثنايا هذا الفصل أحبتي عن أمور مهمة جداً تتعلق بمنهجية طالب العلم في طلب العلم.
هذا الأمر ربما توزع في كتاب ابن جماعة لكنه تركز هنا بشكل واضح كما سيظهر معنا بإذن الله. ابن جماعة في هذا الفصل سيعلمك يا طالب العلم كيف تطلب العلم؟ كيف تبدأ وإلى أين تنتقل؟ ومتى تنتقل؟ مهارات مهمة جداً في الحفظ، في المراجعة، في اختيار الكتاب المناسب. مهارات مهمة جداً في طريقة القراءة على الأشياخ. هذه المهارات المهمة في حياتنا العلمية، والتي هي مرتكز أساسي في بناء الشخصية العلمية لطالب العلم، ابن جماعة سيتطرق إليها الآن بإذن الله بالتفصيل.
لذلك دعونا نشرع معه رحمة الله عليه في هذا الفصل الثالث حيث قال: الفصل الثالث في آدابه في دروسه وقراءته في الحلقة، وما يعتمده فيها مع الشيخ والرفقة. قال: وهو ثلاثة عشر نوعاً. إذاً، ابن جماعة سيقسم هذا الفصل الثالث إلى ثلاثة عشر نوعاً. هناك ثلاثة عشر موضوعاً سيتكلم عنها ابن جماعة في ثنايا هذا الفصل، وكل موضوع منها مهم لك يا طالب العلم. فعليك أن تصغي وأن تطبق وأن تفهم وأن تتعقل كيف كان علماؤنا الكبار يطلبون العلم حتى تدرك كيف وصلوا، وتعرف مواطن الخلل في حياتك العلمية تماماً.
يقول ابن جماعة رحمة الله عليه: النوع الأول، قال: أن يبتدأ أولاً بكتاب الله العزيز فيتقنه حفظاً. بدأ ابن جماعة أحبتي الباب الأول أو النوع الأول بموضوع مهم جداً جداً، ألا وهو: ما هو الكتاب الذي ينبغي على طالب العلم أن يبتدأ به حياته العلمية؟ هل يبتدأ بحفظ الآجرومية في النحو؟ هل يبتدأ بحفظ نظم الورقات أو الورقات في أصول الفقه؟ هل يبتدأ بحفظ مختصر على مذهب معين؟ هل يبتدأ بحفظ متن في الاعتقاد؟
كلا، ابن جماعة وضع لكم المنهج هنا أحبتي، قال: أول شيء، أول كتاب تنطلق منه في حياتك العلمية هو كتاب الله سبحانه وتعالى. وصدق رحمه الله. أحبتي، مما اتفق عليه العلماء، ومما توارثناه عن المشايخ الكبار، ومما قرأناه في بطون الكتب من سير الأوائل، أنهم جميعاً بدأوا طريقهم في طلب العلم بحفظ كتاب الله سبحانه وتعالى، فإن كتاب الله هو بحر العلوم، هو المنطلق، هو المنهج.
كتاب الله سبحانه وتعالى أحبتي رسم لنا معالم رحلتنا في هذه الحياة الدنيا إلى ربنا سبحانه وتعالى. كتاب الله سبحانه ضمنه قواعد هذا الدين، مقاصد هذا الدين، كليات هذا الدين. هذه القواعد، هذه المقاصد، هذه الكليات إذا لم تكن راسخة في ذهن طالب العلم في بداية طلبه للعلم، فاعلم أن الطريق لن يكون واضحاً أمامه، واعلم أن بنيات الطريق ستأخذه يميناً وشمالاً.
كل إنسان بدأ بكتاب الله سبحانه وتعالى وتلقاه عن شيوخه سيجد البركة في حياته العلمية، سيجد أثر كتاب الله سبحانه وتعالى في حياته يرشده وينوره ويبصره. سيجد دائماً القواعد واضحة، المنهج واضح، الطريق واضح، سيجد كليات هذا الدين، مفهوم كليات هذا الدين مفهومة لديه لأنه انطلق من المكان الصحيح في فهمها، ألا وهو كتاب الله سبحانه.
أحبتي، كثير من طلبة العلم اليوم ربما يسألنا أو نسأل غيرنا عن ماذا نبدأ في الحفظ؟ وكيف نشرع في طلب العلم؟ فإذا به قد شرع في حفظ كلام أهل العلم، وكلام أهل العلم جيد، لكنه في النهاية كلام مخلوق يقبل الإصابة ويقبل الخطأ. وأما القرآن أحبتي فهو كلام الخالق سبحانه وتعالى، والإنسان العاقل لا يفضل ولا يققدم كلام مخلوق على كلام خالق، كلام بشر يقبل الإصابة والخطأ على كلام إله مصون من الزلل والزيغ.
أحبتي، كل ما أخشاه على بعض طلبة العلم أن يكون انشغالهم بحفظ المطولات والألفيات والمتون وانصرافهم عن كتاب الله سبحانه وتعالى، أن يكون ذلك أمارة خذلان من الله سبحانه وتعالى. نعم، كل ما أخشاه أن يكون ذلك من قلة التوفيق من الله سبحانه وتعالى لهم، فإن من قرأ في سير الأوائل وجدهم يصدون طلبة العلم عن حفظ المنظومات وعن قراءة المصنفات قبل الانشغال بكتاب الله العزيز.
الإمام الكبير الإمام ابن جريج رحمة الله عليه جاء إلى عطاء بن أبي رباح ليتعلم منه العلم، فلقيه أحد تلامذة عطاء -انظروا هذا التلميذ كيف تعلم من شيخه؟ أحد تلامذة عطاء رأى ابن جريج ينتظر الدخول على عطاء- فقال له: يا ابن جريج، ماذا تفعل هنا؟ فقال له ابن جريج: أريد أن أدخل على عطاء بن أبي رباح لأتعلم منه العلم. فقال له: هل حفظت كتاب الله؟ قال: لا. فقال له: اذهب فاحفظ كتاب الله ثم تعالَ.
ابن جريج لم يعارض، لم يتردد، لم يقل ما في مشكلة أحفظ كتاب الله في وقت لاحق والعمر طويل لكن الآن أريد أن أخذ من عطاء، كلا. ابن جريج التقط المعلومة، عرف أنها نصيحة صدوق، اخذها وعاد إلى منزله، حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى في مدة قصيرة، ثم عاد مباشرة إلى عطاء بن أبي رباح بعد أن حفظ كتاب الله، فلازم عطاء ثمانية عشر عاماً. انظروا، العلم خرج لنا ابن جريج إماماً من أئمة الدنيا في الحديث.
نعم أحبتي، ابن جريج لم يكن ليكون ابن جريج لولا أنه بدأ بالطريق الصحيح، لولا أنه وضع قدمه في المكان الموفق، وهو أنه انطلق من كتاب الله سبحانه وتعالى. هذا الكتاب العظيم الذي يكون معك أينما ذهبت، إذا ابتليت في هذه الحياة الدنيا وجدت كتاب الله يؤنسك، إذا كنت في ضيق في كرب في شدة في ضياع، إذا ضعفت في إيمانك إذا ضعفت في مسيرك، تجد الآيات التي حفظتها تتردد على ذهنك وعلى خاطرك لتقودك إلى الله سبحانه وتعالى.
نعم أحبتي، صدقوني في لحظات الضيق وفي لحظات الكرب في هذه الحياة الدنيا نجد إلا كتاب الله سبحانه وتعالى أنيساً. لم نجد المتون على خيرها، لم نجدها في تلك اللحظات في لحظات الكربات، وإنما وجدنا آيات الله سبحانه وتعالى وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وجدنا وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ، وجدنا الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
هذه الآيات وغيرها من آيات كتاب الله العظيم هي التي تخط لنا منهج الحياة، هي التي تثبتنا، تقوينا، تؤزرنا، تدفعنا للعمل، للإنتاج، للعطاء، للبذل. فعليكم أن تبدأوا بكتاب الله سبحانه. نصيحة ابن جماعة ونصيحة علماء الأمة جميعاً لكم: كتاب الله سبحانه وتعالى لمن تفرغ له لا تظن أنه يحتاج إلى وقت طويل في حفظه.
من وفقه الله سبحانه وتعالى أحبتي ووضع برنامجاً رصيناً في طلب العلم فانه يستطيع أن ينجز كتاب الله سبحانه وتعالى حفظاً في ستة أو سبعة أشهر، وهناك من يحتاج إلى أقل من ذلك، وهناك من يزيد عن ذلك، لكنه لا يحتاج إلى مدة طويلة لمن أتقن البرنامج، لمن وضع.
خطة علمية رصينة لحفظ كتاب الله سبحانه وتعالى، ويبقى عليك التفهم. نعم، يبقى عليك التفهم التدبر والنظر، كما سيأتي معنا في كلام ابن جماعة، لأنه ماذا قال بعد أن قال أن يبتدئ أولاً بكتاب الله العزيز فيتقنه حفظاً؟ قال: ويجتهد على إتقان تفسيره وسائر علومه؛ فإنه أصل العلوم وأمها وأهمها.
ابن جماعة هنا أحبتي يقول: ويجتهد على إتقان تفسيره. هل الانشغال بتفسير القرآن يكون بعد الحفظ المباشر لكتاب الله سبحانه؟ أم هناك علوم آلات لا تنفك عن طالب العلم يحتاج إلى إتقانها أولاً قبل أن يدخل في التفسير؟ أقول أحبتي: هناك نوعان من التفسير. إن كان ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه يقصد التفسير الإجمالي للنص القرآني، فهذا نعم، لابد وأن تأخذ فيه بداية حياتك العلمية كتاباً مختصراً في تفسير القرآن الكريم، تبدأ تنظر فيه وتتفهم المعاني الجملية لآيات الله سبحانه، حتى لا تجد سنوات طوال وأنت تقرأ كلام الله سبحانه وتعالى من دون أن تعقله؛ فهذا التفسير الإجمالي لكتاب الله سبحانه لابد وأن يكون أيضاً من البداية.
وأما التفسير المتخصص المتعمق لكتاب الله، فهذا لا يكون إلا لمن أتقن جل علوم الآلات؛ لمن أتقن النحو ترفعه، والبلاغة وأشدد على البلاغة، وأتقن الفقه وأصول الفقه، لأن كتاب الله سبحانه وتعالى من يقرأ في كل كتب التفاسير المعمقة يجدها إما تفسيراً متعمقاً في علوم البيان واللغة والبلاغة، أو تفسيراً متعمقاً في جوانب الفقه وما يستنبط من الآيات من أحكام، أو تفسير يجمع كل هذه الأمور مع الأحاديث النبوية. فالأمور في الحقيقة في الكتب المعمقة ليست بتلك الأمور السهلة التي يمكن أن يقف عليها الإنسان في بداية حياته العلمية، فعلوم التفسير نحن نصنفها من علوم المقاصد التي يحتاج طالب العلم إلى أن يقدم قبلها شيئاً من علوم الآلات ضبطاً وإتقاناً حتى يتسنى له التخصص في تفسير كتاب الله.
لذلك كلام ابن جماعة علينا أن نفهمه في سياق، قوله: ويجتهد على إتقان تفسيره، نقصد التفسير المجمل. وأما إذا قصد ابن جماعة التفسير المتخصص، فهذا لا يمكن أن يكون في بداية حياة طالب العلم قبل أن يتقن كثيراً من علوم الآلات. ربما الفترة الزمنية التي عاش فيها ابن جماعة يعني تختلف عن فترتنا الزمنية، هذا أمر آخر، لكن المهم أن كل العلماء متفقون على أن بداية الطالب التخصصية في التفسير لا تكون إلا بعد الاتقان لعلوم الآلات.
بعض الطلبة يأتيني يقول: يا شيخ، أنا أريد أتخصص في التفسير في الجامعة في الماجستير أو في الدكتوراه. أقول له: يا شيخ، ماذا درست في علوم الآلات؟ فإذا هو ضعيف في النحو، ضعيف في الصرف، ضعيف في البلاغة، لم يتقن مذاهب أهل العلم في الفقه، ليس لديه اطلاع على الأصول، ما عنده دراية بعلم الرجال ومصطلح الحديث؛ أقول له: كيف تتعمق في التفسير وكيف تتخصص في شيئاً وأنت تفقد كل آلاته، ولا تملك شيئاً منها؟ أحبتي، احذروا من التخصص الموهوم؛ لأنه يخرج لنا للأسف أساتذة ودكاترة وأناساً يتصدرون بنصف علم وبربع علم وبخمس علم، لا يخرج لنا عالماً حقيقياً مفسراً ربانياً.
يعني انظروا الآن كم عدد الذين يتخرجون من تخصصات التفسير في جامعاتنا في هذه البلاد وفي غيرها، كثر، لكن من منهم تجده متقناً متفنناً عاقلاً لتفسير كلام الله متعمقاً في معانيه؟ لا تكاد تجد إلا النذر اليسير اليسير اليسير. والسبب في ذلك أن دراسة التفسير ليست هي مجرد علم مستقل منفك عن باقي العلوم الشرعية تستطيع أن تلج فيه وحدك، التفسير علم ينبني على كثير من علوم الآلات، فإياك أن يوهمك أحد أنه يمكنك أن تلج في علوم التفسير وتبدأ القراءة في تفسير الزمخشري وتتعمق في القرطبي وتدخل في ابن جرير الطبري وتقف على كلامه والنسفي والبغوي وغيرهم من علماء التفسير الكبار قبل أن تكون متقناً لعلوم الآلات بدرجة جيدة جداً.
إذاً، ابن جماعة يقول: القرآن أصل العلوم أم العلوم، فعليك أن تبتدئ به في بداية رحلتك العلمية، إياك أن تنشغل عنه بسواه. بعض طلبة العلم يقول: يا شيخ، أنا إنسان تقدم بي العمر، وأنت تطلب مني أن أحفظ الآن القرآن، ربما هناك ضعف في الذاكرة، قد يكون عمره في الأربعين أو في الخمسين. هذا لا يمنع من حفظ كتاب الله، وكثيراً ما رأينا أناساً في الستين وفي السبعين حفظوا، لكن ربما هذا الشخص قصرت همته عن حفظ كتاب الله، فيقول: إذاً يا شيخ، لا أطلب العلم أبداً وأبقى على جهلي؟ أقول: إذا مضى بك قافلة الحياة، مرت بك قافلة الحياة وصارت بك مضاعفة قدرتك على الحفظ لكتاب الله سبحانه وتعالى، في هذه الحالة لا نقول لك إياك أن تطلب العلم، لكن نقول لك إياك أن تترك كتاب الله.
نعم، قد تشرع في بعض العلوم الشرعية لتعرف فقه الحياة، فقه العبادة، فقه الاعتقاد، فقه الأخلاق، قد تشارك في بعض الدورات، لكن حتى لو لم... وعلى حفظ كتاب الله إياك أن تتركه في يوم من أيام الحياة، فهو رفيق الدرب إلى الله سبحانه وتعالى. نعم، يمكن بعض طلبة العلم عنده قدرة أن يجمع بين ورد قرآني يحفظه، يقول للشيخ: أنا مثلاً أعطي القرآن في اليوم ثلاث أربع ساعات أحفظ، وأعطي مثلاً ساعة أو ساعتين لقراءة متون أو حفظ متون مختصرة. أقول أيضاً: لا حرج في ذلك، بشرط أن تعطي كتاب الله سبحانه وتعالى الحظ الأكبر من عمرك ومن وقتك، وأن لا يكون ذلك، يعني أن لا يكون شروعك في حفظ المتون سبباً لتقصيرك في حفظ كتاب الله. أي يوم تجد هناك تعارض بين حفظ كتاب الله وحفظ المتون، اترك واذهب إلى كتاب الله سبحانه وتعالى فهو أساس الطريق. هذه القضية أظن أنها وضحت لكم أحبتي.
ثم إذا انتهى الطالب من حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى، انتقل ابن جماعة معه من الخطوة الثانية. بسم الله، قال ابن جماعة عليه رحمة الله: ثم يحفظ في كل فن مختصراً يجمع فيه بين طرفيه، أي بين طرفي هذا المختصر، من الحديث وعلومه، والأصلين، أي أصول الفقه وأصول الدين الاعتقاد (أصول الدين هي الاعتقاد)، والنحو والتصريف. المهم يقول لك ابن جماعة، يعني هذا كلام مجمل أنا سادخل في شيء من تفصيله: يقول إذا انتهيت من كتاب الله سبحانه وتعالى، انتقل بعد ذلك إلى رسم خطتك العلمية في التدرج المنهجي، ابدأ في رسم هذه الخطة. هل أنا طالب علم سارسمها؟ كلا، إياك، اذهب إلى شيخ متقن متفنن خبير وقف على بطون الكتب وقرأ كثيراً من الفنون الشرعية وتضلع بها، اذهب إلى هذا الشيخ وقل له: يا شيخ، أطلب منك أن... المنهج الذي سأسير عليه في حياتي العلمية.
الإمام الزرنوجي أحبتي في تعليم المتعلم طريقة التعلم يقول: كان الطلبة قديماً يذهبون إلى أساتذتهم ليضعوا لهم الخطط والبرامج فيفلحون، واما في أيامنا، أيام الزرنوجي في القرن الثامن الهجري، فإنهم يضعون الخطط والبرامج أنفسهم فلا يفلحون. يعني كلام قريب من هذا، وهذا الكلام صحيح. في أيامنا أحبتي، من تعاملي مع كثير من طلبة العلم، تجد طالب العلم يريد أن يسلك وحده هذا الطريق، ويختار المتون التي يحفظها أو يشرع في دراستها على خاطره كيفما شاء، ويظن من نفسه المقدرة على تحديد المتن الأنفع، فيضيع العمر وتجد هذا الطالب ينتقل من كتاب إلى كتاب، ومن شيخ إلى شيخ، ولا يضبط علماً ولا يحصل فهم، وتجده بعد خمس أو ست سنوات يقول: يا شيخ، أنا لم أحصل من حياتي العلمية شيء. أقول: السبب أنك لم تأخذ بهذه النصيحة في حياتك العلمية، إياك أن تسلك هذا الطريق وحدك، عليك أن تبحث عن شيخ متقن متفنن، تقول له: يا شيخ، أنت حفظت وقرأت ودرست واطلعت على العلوم... واحذر، لأن هناك من يتظاهر بأنه قرأ في العلوم، أو يتظاهر بأنه عالم وهو ليس كذلك، وهو لم يفنّ ساعات العمر في القراءة والاطلاع، وهو لم يحرص إلا على قراءته الجامعية حتى ترقى في درجات المناصب وأصبح.
على كرسي، ولكنه لا خبرة له؛ لا بالمتون، ولا بحفظ الألفيات، ولا بحفظ الأحاديث، ولا بحفظ المختصرات، ما اشتغل بكلام السلف، ما وقف على كتب التراث؛ فهذا إياك وإياك أن تطلب منه النصيحة. هذا يمكن أن تسأله عن شيء من ثقافتك الشرعية، وأما أن تسأله وضع خطة علمية، فالخطة العلمية يجب أن تكون خطة موضوعة بعناية من قبل نحرير، فاهم، عاقل، مدرك لطبيعة طلب العلم وما هو منهج طلب العلم الصحيح؟ مدرك للمصنفات، كيف الترقي بها؟ وكيف تبنى على بعضها؟ ومدرك لكيفية ارتباط العلوم.
لا يصلح أن يضع لك خطة علمية شخص يقول لك: أنا لا أعرف إلا في التفسير. لا يصلح أن يعطيك خطة علمية شخص يقول لك: أنا لا أعرف إلا في الفقه. لابد للخطّة العلمية المتقنة التي ستسير عليها في حياتك شخص يقول لك: أنا اطلعت على هذا وهذا، قرأت في النحو والصرف والبلاغة، ونظرت في المنطق في أصول الفقه، وقفت على الاعتقاد وعلى الفقه، ودخلت في علوم التفسير، فعرفت مداركها وعرفت مصنفاتها وأمهات الكتب التي تربى عليها العلماء. فها أنا أقدمها بين يديك وأرتبها لك ترتيباً متقناً رصيناً تسير عليها في حياتك؛ نعم، هذا يمكن أن يضع لك شيئاً به.
وأما من سواه فانه، وهذا كثير ما وجدته في حياتي العلمية، كثير ما تستشير أناس يقول لك: اقرأ هذا أو افعل هذا، فتجده بعد ذلك إخفاقاً بسبب أنك استشرت شخصاً ليس مؤهلاً لأن يضع لك الكتاب المناسب. بعض طلبة العلم يستشيرون أناساً فيقولون لهم: احفظوا ألفية ابن مالك! هذا الشخص الذي نصح بحفظه ألفية ابن مالك هو بنفسه لا يحفظ هذه الألفية! أو يقول لك: احفظ عقود الجمان للسيوطي، أو احفظ ألفية العراقي، أو اقرأ في كتاب كذا وكذا، أو اقرأ في كتاب كذا وكذا، فإذا بك لو نظرت في حال هذا الناصح، إذا هو نفسه لم يقرأ هذه الكتب، ولم يعايشها، ولم يعرف حقيقة ما فيها من المعلومات وما حوته من المدركات، فيضع هذا الكتاب بين يدي طالب علم مبتدئ فيهلكه؛ لأن هذا طالب العلم المبتدئ ما زال غضاً لا يقوى على قراءة الألفية ولا النظر في مطولات كتب العلم، ولا يصلح له مثل هذا، وإنما يسبقه متن آخر وعلم آخر.
عندما تكون هناك فوضى علمية في ذهن هذا الناصح فإنها ستنقل إلى هذا الطالب المسكين. هذا الطالب المسكين لأنه يحسن الظن في هذا الناصح، سيتلقى هذه الفوضى العلمية من شيخه ويسير عليها، فيبقى طالب العلم يسير في دوامة مغلقة لا يصل إلى شيء، ويقول لك: لماذا لم أصل إلى شيء؟ ألم استنصح شيخي؟ أقول لك: لقد اخفقت في وضع الخطة العلمية، وأخفقت في اختيار الشخص المناسب. المعايير صحيح انتبهوا لها؛ لأننا في زمن فقدت فيه المعايير أو تكاد تنطمس. وهذا أبلغكم به ومعذرة إلى ربكم، أنا أبين لأحبتي من طلبة العلم أن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم أحبتي.
نحن اليوم نعيش فوضى علمية، نعيش تشتتاً معرفياً، نعيش ضياعاً، نعيش عصر المتشبعين بما لم يعطوا. نعيش عصراً للأسف كثير من طلبة العلم ظن أن العلم بالترقي في الدرجات والمناصب، وإنما العلم بالجلوس بين يدي الأشياخ الكبار، وحفظ المصنفات، وسهر الليالي، ومعاناة كتب أهل العلم. فهذه نصيحة أقدمها لكم، الله الله في اختياركم للخطة العلمية، الله الله في اختياركم للمعلم الناصح. اتعبوا، نعم اتعبوا واجتهدوا في البحث ولا تستعجلوا. الإنسان لو أنه أنفق جزءاً كبيراً من وقته في البحث عن الشيخ الناصح الصالح المتفنن المتبحر، حتى لو جلس معك الأمر سنة في النهاية وُفِّقْت إلى هذا الشخص المناسب، صدقني سترتاح في حياتك العلمية وستنجز في وقت قصير. ومتى فقدت الشيخ الناصح المتبحر المتقن وذهبت إلى فتات العلم تبحث عنه، صدقني ستضيع عمرك وأنت من هنا إلى هنا، ومن كتاب لا يصلح إلى كتاب لا يصلح.
فهذه نصيحة أقدمها لأحبائي بعد كتاب الله: تذهب إلى شيخ ناصح صدوق فيضع لك برنامجاً علمياً متقناً في حفظ المختصرات والانتقال بينها. قال: ثم يحفظ في كل فن مختصراً يجمع فيه من الحديث وعلومه والأصلين والنحو والصرف. الكتب التي ستحفظها وستشرع فيها يا طالب العلم كتب متنوعة، في بداية طلبك للعلم لا يصلح في بداية طلبك أن تتعمق في النهاية أو إلى النهاية في فن من الفنون، لا يصلح أن تتعمق إلى النهاية في الاعتقاد، لا يصلح أن تتعمق إلى النهاية في الفقه، لا يصلح أن تتعمق إلى النهاية في أصول الفقه، إلى النهاية في النحو، كلا. لابد أن تبدأ بعملية تركيبية للعلوم الشرعية مع بعضها البعض لتكتمل الصورة لديك، لابد تبدأ بعملية تركيبية متقنة للعلوم الشرعية، والانتقال من مصنف إلى المصنف المناسب بعده حتى تصل إلى اكتمال البناء العلمي لديك، ثم بعد ذلك تتخصص في شيء من علوم الشريعة.
فكل إنسان منا في النهاية يميل إما إلى فقه، أو الاعتقاد، أو إلى أصول الفقه، أو إلى تفسير، لكن هذا الميل هي المرحلة النهائية في حياة طالب العلم، وليس المرحلة الابتدائية. في بداية طلبك وحفظك للمختصرات، ستبدأ في حفظ مختصر في النحو ثم تنتقل إلى مختصر في الصرف حتى تتقن شيئاً من العلوم اللغوية، ثم تنتقل إلى مختصر في أصول الفقه ومختصر في المنطق؛ لأن المنطق دخل في كل كتب أهل العلم المتأخرة تقريبا، جل أهل العلم ممن كتب في الاعتقاد أو التفسير أو البلاغة اللغة العلمية أصبحت مدموجة بمصطلحات المناطقة، فلابد من شيء فيه، لا يشترط أن تكون منطقياً، لكن لابد من شيء فيه.
فتدرس كما قلنا متناً مختصراً في النحو، ثم تبني عليه شيئاً مختصراً في الصرف، ثم تبني شيئاً مختصراً في المنطق مع شيء مختصر في أصول الفقه، ثم تبدأ في دراسة متن فقهي على مذهب معين، المذهب الذي كانت الظروف مواتية لدراسته، كل مذهب من المذاهب الأربعة مذهب مقدر فيه خير ونفع وصلاح؛ اخترت الحنفية، أو المالكية، أو الشافعية، أو الحنابلة، كل هذه المذاهب بل حتى الظاهرية لمن أراد أن يقتحمها من أهل ديارها. المهم إذا أخذت مذهباً من مذاهب أهل السنة التي وضحت أصولها واتبعته وانتقلت فيه خطوة خطوة، ثم بعد ذلك أخذت شيئاً في علوم التزكية والسلوك، ثم انتقلت إلى مستوى ثان فبدأت في مستوى أعلى في النحو ومستوى أعلى في أصول الفقه، وبدأت تدرس متناً مختصراً في الاعتقاد ثم تضيف إليه سيرة محمد صلى الله عليه وسلم، فتبدأ القراءة والاطلاع فيها، ثم تعيد قراءة متن فقهي آخر، وهكذا خطوة بعدها خطوة، خطوة بعدها خطوة. وفي كل مرحلة تسأل الشيخ: يا شيخ، أنا أضع قدمي في الاتجاه الصحيح؟ قدمي وضعت في المكان الصحيح؟ انتبه حتى لا تضع القدم في المكان الخاطئ فتزل، ويضيع جزء من وقتك. طبعا قضية القراءة العامة والمطولات هذه ساتطرق إليها في موضعها بإذن الله.
قال: ولا يشتغل بذلك كله. الآن هو قال: ثم يحفظ في كل فن مختصراً يجمع فيه من الحديث وعلومه والأصلين والنحو والصرف. لكن ابن جماعة إنسان منتبه متيقن، يقول لك وأنت تحفظ هذه المختصرات وهذه المتون: إياك أن تشغلك عن الكتاب الأول الذي حفظته، ألا وهو كتاب الله سبحانه؛ فإن رحلة الحياة مع هذا الكتاب، يقول لك ابن جماعة: ولا يشتغل بذلك كله عن دراسة القرآن وتعهده. تعاهد القرآن أحبتي، لا يقبل من طالب العلم أن يمر عليه يوم من دون أن يقرأ ورداً له في كتاب الله سبحانه وتعالى، هذا غير مقبول أبداً إلا في انشغالات الحياة القاهرة جداً جداً، يعني استثناءات ضرورة حياتية منعتك أن تقرأ هذا اليوم، لكن البرنامج الدائم المستمر الذي لا محيد عنه ولا مناص منه وهو أن كل يوم هناك جلسة مع كتاب الله سبحانه. وأنا أفضل أن تكون جلسة، أن تكون هناك جلسة مع كتاب الله.
سبحانه وتعالى، تنظر وتتأمل وتحفظ وتراجع، أو تقف على شيء من تفسيره. المهم هناك رحلة يومية مع القرآن، قال: ولا يشتغل بذلك كله عن دراسة القرآن وتعهده وملازمة ورد منه كل يوم أو أيام أو جمعة. ظاهر عبارتي بالجماعة أنه يسمح لك أن يكون وردك من القرآن كل مجموعة أيام أو كل جمعة، ولا أدري أن هو فعلاً يعني يريد ذلك ويحسن ذلك، لكنني أقول: لا يصلح لطالب العلم إلا أن يقرأ القرآن في كل يوم، في كل يوم، في كل يوم.
قال كما تقدم: وليحذر من نسيانه بعد حفظه. الله الله الله في كتاب الله سبحانه وتعالى! احذروا أحبتي من نسيانه بعد حفظه، لو نسيتم كل المتون وكل المطولات لا إشكال، لكن إياكم أن تنسوا كتاب الله سبحانه وتعالى. قال: وليحذر من نسيانه بعد حفظه، فقد ورد فيه أحاديث تزجر عنه. قال: ويشتغل بشرح تلك المحفوظات على المشايخ. بسم الله.
يقول لكم ابن جماعة رحمة الله عليه: بعد أن تحفظوا المختصرات في كل فن على يد شيخه، بل هو ليس بعد أن تحفظه، هو في الحقيقة أثناء حفظ المختصرات. طيب، الله أكبر، الله أكبر، نكمل بعد الأذان والصلاة بإذن الواحد الأحد، فانتظرونا.
نعود أحبتي لما شرعنا فيه من كلام ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه. نعود أحبتي للمبحث الذي شرعنا فيه من كلام ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه في النوع الأول من آداب طالب العلم في درسه وحلقته، وصلنا إلى كلام ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه عن كيفية التعامل مع المحفوظات وقال ابن جماعة، أقرأ كلام ابن جماعة مرة أخرى ثم أتعلق عليه، قال: ويشتغل بشرح تلك المحفوظات على المشايخ.
الآن أحبتي هذه المحفوظات التي حفظتها من المختصرات، كل كتاب تحفظه عليك أن تستشرحه على شيخ متقن. فأنت مثلاً حفظت في النحو الآجرومية ابتدأت بها، عليك أن تستشرحها على شيخ متقن، ودرست المقصود في علم الصرف، أيضاً عليك أن تستشرحه وتعرضه على شيخ متقن، وقل ذلك في سائر المتون التي تدرسها من المتون المختصرة أو المتون أولاً.
فينبغي لطالب العلم أن يدرس ويقف على معاني كل ما يدرسه، والمتون الأساسية التي تدرسها يا طالب العلم هي أساس العلم في حياتك العلمية، هي الأساس الذي ستبني عليه. لذلك دائماً أحث أحبتي الطلبة على ضبط أساس العلم، أساس العلم هي المتون والكتب والمصنفات المختصرة التي ينطلق منها طالب العلم في بنائه المنهجي.
ففي النحو الآجرومية، وفي المقصود، وفي البلاغة مئة المعاني والبيان، وفي الاعتقاد لمعة الاعتقاد، وفي المذهب تختار متناً مختصراً حسب المذهب الذي تعتقد يعني تدرسه، وفي أصول الفقه أيضاً ربما النجم الصغير أو نظم الورقات، وفي المنطق السلم المنور، وفي السيرة النبوية الأرجوزة المائية، وفي مصطلح الحديث نخبة الفكر، كل هذه المتون تسمى أساس البناء، أساس البناء المنهجي لطالب العلم.
هذه متون تحفظ وتستشرح ويعيد الطالب المرور عليها، لذلك كان شيخنا صالح العصيمي حفظه الله تعالى أثناء إقامتنا في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم دائماً وإلى الآن ما زال على هذه السنة التي اتبعها في كل إجازة فصلية يقوم بدورة تسمى دورة في المرور على مهمات العلم. بكل سنة يمرر طلبة العلم على المتون الأساسية التي درسوها في بداية حياتهم العلمية، لابد كل سنة تمر على هذه المتون إذا كنت طالب علم تمر عليها مراجعة وحفظاً، وإذا كنت مدرساً تستشرحها لطلابك.
المهم أن تبقى على تواصل مع أساس العلم يا أحبتي، هذه المصنفات الأساسية هي التي تجعلك تصبح طالب علم متين في المستقبل. بعض طلبة العلم ربما يزهد في الآجرومية أو نظم المقصود أو النظم الصغير أو بالورقات أو لمعة الاعتقاد أو نخبة الفكر، ويقول: هذه متون مختصرة! صدقوني أحبتي هذه المتون المختصرة هي التي ستبقى معكم في حياتكم العلمية راسخة في أذهانكم، إذا حفظتموها جيداً، إذا استشرحتموها على شيخ متقن، وجلستم معها فترة مهمة وجيدة في حياتكم ستبقى وقوداً لكم في بناء أي منهجية علمية في المستقبل.
ستبنون عليها، في النحو أنت ستبني قطر الندى على الآجرومية، وفي الصرف أنت ستبني شافية ابن حاجب ولا مية الأفعال على نظم المقصود، وفي أصول الفقه كل المتون والمصنفات المطولة ستبنيها على المبتدأ الذي شرعت فيه، وقل ذلك في الفقه وفي السيرة وفي الاعتقاد إلى كل يعني جميع العلوم هي تبنى بهذه الطريقة. هناك متون أساسية تسمى أساس العلم، يربطها الطالب، يحكمها، ثم ينتقل بعد ذلك إلى المرحلة المتوسطة في دراسة العلوم، ثم ينتقل بعد ذلك إلى المرحلة الختامية.
فإذا بمن جماعة يقول: ويشتغل بشرح تلك المحفوظات على المشايخ، وليحذر من الاعتماد في ذلك على الكتب ابتداء. بعض طلبة العلم وبعض البرامج العلمية المطروحة الآن في الساحة تعتمد أن يقرأ طالب العلم الشرح وحده على الكتاب، أو على المتن الذي سيحفظه، وهذا خطأ علمي، طالب العلم في فترة التأسيس لا يصلح أن يقرأ وحده الشرح على الكتاب والمصنف الذي حفظه.
لابد الورقات تسمع شرحها على شيخ، لابد الآجرومية تسمع شرحها على شيخ، لابد من المقصود تسمع شرحه على شيخ وهكذا، لابد مئة المعاني تسمعها على شيخ. إياك أن تبتدئ في هذا الطريق وحدك، وأن تسمع عفوًا وأن تقرأ الشروح وحدك، الشيخ سواء كان شيخ حاضر بين يديك أو على اليوتيوب أو الوسائل الحديثة، الشيخ يشرح الكلمة ويبسطها فتفهمها جيدا، أنت إذا قرأت وحدك من الشروح قد تفهم الجملة بشكل خاطئ ولا تعي حيثياتها.
فإياك أن تبتدئ وحدك، هذا خطأ منهجي ستدفع ثمنه في مستقبل حياتك العلمية. قال: بل يعتمد في كل فن بل يعتمد في كل فن من هو أحسن تعليمًا له وأكثر تحقيقًا فيه وتحصيلًا منه، وأخبرهم بالكتاب الذي قرأه، وذاك بعد مراعاة الصفات المقدمة من الدين والصلاح والشفقة وغيرها.
أي يقول لك ابن جماعة: في كل كتاب تستشرح، عليك أن تنظر من هو الشيخ المتقن في هذا الباب وفي هذا العلم، ابدأ اقرأ هذا الشرح عليه واسمع الشرح منه بعد مراعاة الصفات المتقدمة من أن يكون هذا الشيخ من أهل الدين والصلاح وتقوى الله سبحانه وتعالى. فأنت عليك أن تنظر في الشخص الذي ستقرأ الكتاب عليه، أن يكون مؤهلاً لشرح هذا الكتاب.
قال: فإن كان شيخه لا يجد من قراءته وشرحه على غيره معه فلا بأس بذلك، وإلا راعى قلب شيخه إن كان أرجاهم نفعاً. يعني إذا كان الطالب والله أعلم الذي يريد ابن جماعة أن يقوله: أن الطالب إذا استطاع أن يستشرح هذا المتن على عدة من الشيوخ المتقنين فلا بأس بذلك، لكن عليه أن ينتبه أن يكون الشيخ الأنفَع الأعلم الذي تبناه لشرح هذا الكتاب لا ينزعج إذا عرف أن هذا الطالب يستشرح هذا على أكثر من شيخ، لأنه بعض الشيوخ يعني في النهاية هناك بعض الأمور النفسية التي نقول يصعب أن يصل الشيخ فيها لدرجة الكمال.
الإنسان إذا شعر أن هذا الطالب معه ويقرأ عليه هذا الكتاب ثم عرف أن هذا الطالب في نفس الوقت يقرأ هذا الكتاب على شيخ آخر، ربما يدخل نفس الشيخ يعني شيء. وفي النهاية الشيخ بشر، وأنت لا تتعامل مع إنسان وصل إلى درجة الكمال، لا تظن فيه أنه درجة الكمال المطلق، بل لربما يختلج نفسه ما يختلج نفوس، يتضايق، ينزعج، لماذا هذا الطالب يفعل كذا؟ هل معقول أن المعلومات التي أمنحها إليه غير واضحة أو يشعر بالضعف؟ المهم، عليك أن تراعي قلب شيخ إذا وجدت شيخاً متقناً فبدأت تستشرح الكتاب عليه، اهتم بهذا الشيخ.
إن كان الشيخ يسمح لك أن تقرأ هذا الكتاب على غيره فاقرأ على غيره، وإن وجدت أن هذا الشيخ سينقبض قلبه في حال أن قرأت الكتاب على غيره تقتصر عليه، فانه أنفع لك وأنفع لقلب الشيخ وإخباره عليك. قال: لأن ذلك أنفع له، لأن ذلك أنفع له وأجمع لقلبه علي، أنا أجمع لقلب الشيخ علي، الشيخ إذا شعر أنك أعطيته كليتك سيعطيك كل ما عنده، إذا شعر أنك تتنقل.
ربما هذا يؤثر في إقباله عليك وفي إعطائه لك. قالوا بل يأخذ من الحفظ والشرح ما يمكنه ويطيقه حاله، وليأخذ من العبد والشرح ما يمكنه يضيقه حاله من غير إكثار يمل ولا تقصير يخل بجودة التحصيل.
هنا قاعدة جيدة يقول لك بالجماعة الحفظ والاستشراح على الشيوخ يكون معتدلا. خذ منه بقدر طاقتك، والناس تتفاوت في طاقتها في الأخذ، هناك من يستطيع أن يحفظ الألفيات ويقتحم هذه الأبواب، وهناك من طاقته أن يقف على أساس العلم ولا يستطيع أن يكمل المشوار. الظروف بيئة.
المهم قدراته العقلية قدراته الحفظية، فهنا يقول لك ابن جماعة خذ ما تطيق من الحفظ والشرح على الشيوخ من غير إكثار يمل يعني ما في داعي للإكثار الزائد عن حده؛ لأن بعض الطلبة تجده يحفظ في الفن الواحد من ثلاث إلى أربع ألفيات. وهذا في الحقيقة لو صرف جهده وطاقته في استشراح الكتب وقراءة المطولات أفضل من أن يحفظ أكثر من منظومة تؤدي كلها نفس الغرض. فأنت في أصول تستطيع أن تضبط أصول الفقه من خلال حفظ ألفية واحدة كالكوكب الساطع، فما الفائدة من أن تحفظ الكوكب الساطع ومراق الصعود ومرتقى الوصول وغيرها إذا كان الكل يصب في اتجاه واحد ويعطي تقريبا معلومات متقاربة؟ أنت تذهب إلى المتن الأوسع الأشمل منها كالكوكب الساطع تحفظ، وأما الألفيات الأخرى الموازية له أو الأقل منه لا يوجد هناك مبرر في حفظها، بل الأصل أن تهتم إما بقراءة شرح عليها سريع حتى تعرف مقاصدها ثم تنتقل بعد ذلك إلى المطولات وإلى الكتب الكبرى، ولا تستنزف طاقتك الذهنية في حفظ في إعادة حفظ محفوظ، وفي تكرار حفظ منظومات أنت في الحقيقة تحفظها بكتاب آخر. فهذا أمر مهم، فالاكثار الذي لا معنى له في الحقيقة قد يكون خطأ منهجيا.
الإكثار الذي لا داعي له قد يكون قطعا منهجيا، وفي نفس الوقت التقصير المخل يضيع عليك العلم؛ لأن بعض طلبة العلم يظن أنه لا داعي لحفظ الألفيات في العلوم الشرعية، لا داعي لحفظ ألفية ابن مالك، لا داعي لحفظ ألفية في أصول الفقه، لا داعي لحفظ ألفية مثلا في مصطلح الحديث أو مثلا في علوم البلاغة، يعني ما هو الداعي لحفظ المطولات في العلوم الشرعية؟ بل أقول هناك داع، هناك داع؛ لأن هذه المطولات لك مسائل العلم في كتاب واحد، مسائل العلم التي ستمر بك في المستقبل وأنت تقرأ في مثلا ثنايا أصول الفقه. أي كتاب أصولي ستقرأ إذا كنت أنت حفظت ألفية في أصول الفقه تستطيع أن تقتحم كتب الأصول بكل جرأة وبكل قوة، أما طالب اقتصر فقط على حفظ نظم الورقات حينما يتعامل مع الكتب المطولة في أصول الفقه سيجد مشاكل وأن هناك كثير من المسائل بعيدة عن الذهن. وقل ذلك مثلا في النحو، الطالب الذي حفظ ألفية ابن مالك وعرف مقاصدها يستطيع أن يتعامل مع كتب أهل العلم المطولة في النحو، لكن طالب اقتصر على الآجرومية سيجد فجوة كبيرة في بنائه ولن يستطيع أن يقتحم كتب أهل العلم الكبار في النحو، وقل ذلك في سائر الأبواب. فالحفظ يجب أن يكون نعم باعتدال، لكن عليك أن تقتحم الكتب الكبار في الحفظ حتى يكون لك شأن في المستقبل بإذن الله.
الآن أحبتي انتقل إلى الموضوع الثاني. الموضوع الثاني الذي شرع فيه ابن جماعة رحمة الله عليه قال أن يحذر بابتدائي أمره من الاشتغال في الاختلاف بين العلماء أو بين الناس مطلقا في العقليات وفي السمعيات قال: إنه يحير الذهن ويدهش العقل. هنا في الحقيقة ابن جماعة تطرق إلى موضوع خطير جدا، وموضوع للاسف نعاني منه اليوم في الدراسات الأكاديمية، وهو من أكبر مظاهر الفشل العلمي والفوضى العلمية في في كثير من الجامعات الأكاديمية والمعاهد التعليمية.
هذا الإخفاق وهذا الفشل يكون في ماذا؟ في شيء ذكره ابن جماعة أن الطالب المبتدأ يبدأ يدرس مسائل الخلاف، سواء في الفقه وهذا أبرز ما وجدته في جامعاتنا المعاصرة أنهم يبدأون مع الطالب المبتدئ الذي قرع باب العلم الآن، يبدأون معه بقرع أبواب الخلاف الفقهي. فإذا درسوه مسائل العبادات أو مسائل المعاملات أو المناكحات أو الجنايات بدأوا معه بذكر الخلاف بين المذاهب وقال الشافعية وقال الحنفية، ثم المحاضر يبدأ يرجح لهم وينصب نفسه منصب هؤلاء الأئمة الكبار ليرجح بينهم وإن كانوا وفي الحقيقة ليس مؤهلا لعملية الترجيح أصالة. هذا أحبتي صدقوني إنه يدمر طالب العلم، أنا لا أقول يضيع، أقول يدمر. يعني بعض الناس لو لم يطلب العلم أرجى وأنفع له من لو دخل العلم بهذه المنهجية؛ لأنه بعض أحبتنا يكون مثلا يصلي الصلاة على مذهب من المذاهب هو لا يعلمه، كان عاميا فيصلي على ما عرفه وتعلمه. إذا دخل إلى الجامعة وبدأ يدرس الدراسة الشرعية وجد المحاضر يعطيه أربعة أو خمسة أو ستة أقوال في المسألة الواحدة، يبدأ هذا الطالب يفقد توازنه في كيفية الصلاة، يبدأ يشعر بالشك في كل صلاة يصليها وفي كل وضوء يتوضأ وفي كل صيام يصومه؛ لأنه لا يعرف ما هي الاقوال أو ما هو القول الارجح من الاقوال وماذا يأخذ وأين ينتقل؟ فيضيع الطالب وبدأ بشكوك ووساوس في حياته العلمية والعبادية، فلو بقي على عاميته لكان أفضل له.
من أكبر المشاكل العلمية التي يجب أن يجتنبها طالب العلم في حياته طالب العلم المبتدئ انتبه ماذا أقول الآن لك: إذا وجدت شيخا يبدأ معك بذكر الخلاف الفقهي أو يبدأ معك بذكر الخلاف العقدي العميق أو يبدأ معك في النحو بكتب النحو التي تدرس مذاهب النحاة المختلفة، وكذلك يبدأ معك في أصول الفقه بتدريس أصول الفقه على المذاهب والأقوال المختلفة فاحذره، احذر هذا الشيخ واحذر هذا المنهج، وإذا أجبرت على السماع منه في الجامعة فما تسمعه من هنا حاول أن تنساه قدر الإمكان، واذهب إلى شيخ يدرسك قولا واحدا. إياك ستضيع حياتك العلمية. خذ نصيحة مجربين، خذ نصيحة من مارس في أكثر من جامعة وفي أكثر من معهد وتعامل مع ورأى إخفاق الطلبة الذين يسيرون على هذا النهج، صدقوني أحبتي أي طالب بدأ حياته العلمية بفقه الخلاف أضاع نفسه. وقد رأيت كثير من أحبائنا أيام إقامتي في المدينة النبوية أو في عمان أو في غيرها من المناطق، كثير من طلبة العلم الذين تخرجوا من هذه الجامعات لم يتقنوا شيئا، كانوا يدرسوننا في أيام الإقامة في المدينة المنورة في الجامعة الإسلامية بداية المجتهد، وهذا كتاب بداية المجتهد لابن رشد، كتاب يذكر الخلاف العالي بين الأئمة الكبار في المسائل الفقهية، فلا أذكر أني وجدت طالب علم في هذه الجامعة أتقن هذا الكتاب أو خرج منه ضابطا لمسائل الفقه، كل من خرج وتعلم على هذا الكتاب خرج مشتتا ضائعا تائها لا يعرف ما هو القول الذي يعتمده. فنحن كنا لا نعتمد أبدا على الجامعة في هذا ولم أكن أرعيه اهتماما، بل كنا نذهب إلى مشايخنا ندرس مذهبا معينا؛ لأننا ندرك أن دراسة الخلاف في بداية التعلم إضاعة للعقل، تشتيت للذهن، تشتيت للخاطر، ويذهب معك العلم ولا تضبط أي قول من هذه الأقوال.
لذلك انظروا كيف كان السلف يتعلمون أحبتي. هنا نقف على طلب العلم عند السلف الصالح، يقول لك ابن جماعة احذر من دراسة الخلاف في بداية طلبك للعلم فهذه قضية مهمة جدا أحبتي في الدراسات الاكاديمية الجامعية. نعم للأسف أنها تكثر سواء في هذا البلد وفي غيرها من البلدان يبدأون مع الطلبة بدراسة الخلاف في فقه العقوبات تدرسوا على المذاهب الأربعة، فقه العبادات عن المذاهب الأربعة، أو المعاملات، وهذا لا يصلح ولا يربي طالب علم. أنت حينما تنهي الفصل الدراسي ستنسى كل ما أخذته، وستبدأ تضيع وتبقى ذكريات أن هناك قول لربما لفلان وقول لفلان. وهذا ليس بعلم، هذا تشكيك معرفي، هذه فوضى علمية نحياها اليوم في جامعاتنا وفي معاهدنا، وهي من أهم الأسباب في عدم إخراج جامعة علماء كبار، عدم إخراج أئمة يقودون هذه الأمة؛ لأن عندنا ضعف علمي في مخرجاتنا العلمية، نحن لا نخرج طالب علم متقن، نحن نخرج إنسان.
مثقف، إنسان عنده معلومات مشتتة، إنسان يعاني من فوضى علمية، هذا ما تخرجه الجامعات. نحن نريد أن نخرج علماء، وهذا لا يكون إلا باتباع منهج السلف الصالح في التعلم. ابن جماعة يصرح بكل وضوح: أن يحذر في ابتداء أمره من الاشتغال في الاختلاف بين العلماء أو بين الناس مطلقا، سواء في مسائل العقليات أو في مسائل السمعيات، العلوم العقلية أو العلوم النقلية؛ قال: فإنه يحير الذهن.
اسمعوا ماذا يقول أيها الأحبة! قال: فإنه يحير الذهن، يشبه فهمك، تضيع بين هذه الأقوال؛ أنت مبتدئ ما زلت في خطواتك الأولى، فإذا الشيخ يعطيك خمس إلى ست أقوال في مسألة واحدة، كيف تضبط العلم؟ قال: ويدهش العقل؛ يعني تقف مدهوشا، لا تعرف ماذا تفعل إزاء هذه الخلافات. قال: بل يتقن أولا كتابا واحدا في فن واحد، أو كتبا في فنون إن كان يحتمل ذلك على طريقة واحدة؛ يعني على قول واحد يرتضيها له شيخه.
يعني إذا الطريقة الصحيحة في الطلب أن تأخذ الكتب التي تذكر لك قولا واحدا. ففي النحو تأخذ كتابا كالآجرومية، يذكر لك قولا واحدا في المسألة. وفي أصول الفقه كذلك تأخذ كتابا واحدا يذكر لك قولا واحدا. وفي الفقه -وهنا أحذر في الفقه، إياك يا طالب العلم أن تتجاسر وتظن في نفسك أنك تستطيع أن تقرأ كتب الخلاف العالي وتضبطها- هذا حمق!
طالب العلم العاقل يبتدأ بدراسة مذهب. وأما ما يسمى اليوم أن الطالب يذهب إلى بلوغ المرام أو كتب الأحاديث ويبدأ يقرأ كلام أهل العلم وفتاويهم، ثم يأخذ منها الفتوى التي يختارها، هذا حمق وسفه! ليست طريقة اهل العلم هكذا أحبتي عبر القرون. لا يوجد شيء يسمى أن تذهب إلى كتب وأنت مبتدأ، وتذهب تأخذ القول الراجح من أقوال أهل العلم فيها، أي قول راجح يا رجل؟!
هذه كتب كتب الترجيح وكتب شروح الأحاديث التي تذكر الأقوال الفقهية، إنما تحتاج في مرحلة متقدمة حينما تضبط الفقه على مذهب معين، ثم عرفت المذهب الآخر والثالث والرابع، عرفت أقوال أهل العلم بشكل منضبط، عرفت الأدلة التي استدلوا بها، بعد ذلك انتقل لكتب الترجيح ورجح كما شئت. أما وأنت في بداية مسيرك، إياك أن ترتكب هذه الخطوة التي قد تكون سببا في نهاية حياتك العلمية؛ أن تذهب إلى كتب الخلاف العالي وتبدأ بقراءتها.
كما قال ابن جماعة: إذا كان الله آتاك قدرة ذهنية جيدة اجمع بين أكثر من... هذه مسألة يسأل عنها بعض طلبة العلم؛ أنه يا شيخ، هل تنصح بأن الطالب يدرس أكثر من فن أو يدرس فنا واحدا في المرة الواحدة؟ يعني هل أشرع في الآجرومية وانهيها ثم أشرع في الصرف وانهيه ثم أدرس كتابا بعد آخر، أو يمكن أن أجمع بين دراسة أكثر من فن في الوقت الواحد؟
هنا أقول أحبتي: هذه مسألة تحتاج إلى تفصيل. الشيخ الماهر المتقن يضع لطلابه خطة يمكن أن يدرسوا فيها أكثر من فن في وقت واحد. لكن الفنون التي يدرسونها في وقت واحد لا ينبني بعضها على بعض ابتداء. كيف يعني؟ يعني مثلا يمكن أن يدرس الطالب متنا مبتدأ في النحو الآجرومية، ومتنا مبتدأ في مثلا المنطق أو متنا مبتدئا في مصطلح الحديث، أو متنا مبتدئا في السيرة؛ يمكن، لأنه لا يوجد بناء هنا ابتداء يتعلق بين هذا وهذا.
فيجب إذا الطالب أن يدرس أكثر من متن ابتداء وأكثر من فن، لكن بشرط أن تكون هذه الفنون غير متداخلة، وهذا لا يمنحه لك إلا العالم المتقن الذي يدرك ما هي الكتب المتداخلة والتي تنبني على بعضها، والكتب غير المتداخلة. فانتبهوا لهذه القضية رعاكم الله، فالقضية إذا: يمكن أدرس أكثر من فن، يمكن إذا كان عندك قدرة.
بعض طلبة العلم ضعيف، ما عنده وقت، أو ضعيف قدرات الحفظ؛ هنا نقول له: انتهي من متن واحد أو كفن واحد، اضبط الكتاب هذا ثم انتقل إلى الكتاب الذي يليه. فهذه القضية تتعلق بشيخك؛ الشيخ هو الذي سيحدد قدراتك على قراءة أكثر من كتاب وعدم قراءة أكثر من كتاب. لكن المهم والقاعدة التي لا تنخرم: أي فن ستشرع فيه تقرأ فيه كتابا يمنحك قولا واحدا، تحفظ هذا الكلمة تتمناها ابتداء في المستقبل، إذا ظهر لك الخلاف خلاف هذا القول ما عندنا مشكلة.
لكن كعملية تعليمية منهجية دقيقة، لا يجوز في بداية طلبك أن تقرأ كتابا يحتوي على أكثر من قول في المسألة، تقرأ كتابا على قول واحد. فإن كانت... اسمعوا الآن ماذا يقول ابن جماعة، صارم في هذه القضية، وأنا مثل صارم، وكل العلماء عندهم صرامة في هذه الجزئية. قال: فإن كانت طريقة شيخه نقل المذاهب والاختلاف، ولم يكن له رأي واحد، فإن العلامة الغزالي ماذا قال؟ قال الغزالي: فليحذر منه، فإن ضرره أكثر من نفعه، أو فإن ضرره أكثر من النفع به.
هذا ليس كلامي، هذا كلام الغزالي، وهو من العلماء الكبار الذين جربوا العلوم وعاركوها في حياتهم. ماذا يقول لك الغزالي؟ إن كان الشيخ ما عنده قول واحد، بل دائما يطرح الخلاف المذهبي والأقوال الكثيرة، قال لك الغزالي: فليحذر منه، فإن ضرره أكثر من النفع به. الغزالي يقول لك: احذر من الشيخ الذي يعطيك أكثر من قول في المسألة ابتداء. الآن أحيانا بعض الشيوخ قد يعطي أقوالا في المسألة عرضية ليست في صلب الدرس ما في مشكلة، لكن الكلام عن الشيخ الذي ديدنه أن تكون مصنفاته التي يطرحها للطلبة هي المصنفات الخلافية، وإذا ذكر للطلبة مسألة أو سئل عنها يعطيهم خمسة أقوال، هذا الشيخ الغزالي يقول لكم: أحذروا منه، فإن ضرره أكثر من نفعه. يا شيخ عنده علم؟ حتى لو كان عنده علم، هو لا يحسن الطريقة الصحيحة في التعامل مع هذا العلم، لا يستطيع أن يوصل العلم لك بالشكل الصحيح اللائق فلا يصلح أن يكون شيخا لك.
قال: لن أطيل، لكن أظن المعلومة وضحت لكم أحبتي؛ أحذروا من الخلاف في بداية الطلب. قال: وكذلك يحذر -الآن قضية أخرى- في ابتداء طلبه من المطالعات في تفريق المصنفات. مسألة أخرى، في الحقيقة هذا فصل مهم جدا وغزير في قواعد طلب العلم؛ ابن جماعة يقول لك أيضا مسألة يسألك عنها كثير من الطلبة: متى أبدأ يا شيخ في جرد المطولات؟
كان بعض الطلبة الآن أجده مشاركا في برامج تهتم بجرد المطولات، وهذا الطالب ما زال في بداية سيره، ما زال لم يتقن شيئا من علوم الآلات في خطواته الأولى، اقتحم برامج علمية على شبكات التواصل؛ برامج جرد المطولات، قراءة الكتب المطولة، وهذا في الحقيقة ليس نافعا لطالب العلم. لأن زهرة الشباب وعمر الشباب أحبتي في العشرينات من أعماركم والثلاثينات، هذه زهرة العمر يجب أن يستغلها طالب العلم في الاستكثار من الحفظ، وشرح ما يحفظ، ويقف على أصول العلوم ويتقنها.
ليس هذا زمن الجرد، متى؟ أنهيت المصنفات العلمية المبتدئة في كل فن من الفنون، وانتقلت إلى مرحلة متوسطة، ثم المرحلة المطولة التي يحددها لك شيخك، بعد ذلك بعد ست سبع سنوات أصبحت تمتلك آلات العلوم، انتقل لجرد المطولات. أما الآن في البداية، ابن جماعة يحذرك، يقول لك: وكذلك يحذر في ابتداء طلبه من المطالعات في تفريق المصنفات، يحذر من المطالعة في الكتب المطولة، هذه لا تصلح.
قال: فإنه يضيع زمانه. أحبتي، هذه مسالك دقيقة، هذه مناهج أهل العلم الكبار، يعطونكم زبدة أعمالهم، يعطونكم ثمرة تجاربهم، إياكم أن تفوتكم هذه النصائح وأن تعتمدوا على عقولكم فتخسروا الرهان. قال: فإنه يضيع زمانه ويفرق ذهنه، بل يعطي الكتاب الذي يقرأه أو الفن الذي يأخذه كليته حتى يتقنه.
اسمع ماذا قال! قال: تعطي الكتاب الذي تقرأه أو الفن الذي شرعت فيه، في النحو شرعت ابدأ بالآجرومية، قطر الندى، الألفية، الألفية اقرأ عليه أكثر من شرح، بعد أن تحكم هذه المراحل الثلاث نعم توسع في قراءتك وطالع، ما أحد يقول لك أخطأت الآن. أما في بداية طلبك درست الآجرومية ثم إذا أنت تقرأ في شرح مفصل لابن يعيش وتقرأ في كتب مطولة في النحو وفي الخلاف العالي وعدت إلى كتاب سيبوي، صدقني ستضيع عمرك.
لم تستطع أن تضبط عقلك لن يتحمل هذه الدقة المعرفية في المطولات، لأن عقلك لم يتمرس بعد ولم يأخذ بعد على هذا العلم. كيف يتمرس؟ اقضي على هذا العلم من خلال التدرج المنهجي الذي يطرحه عليك شيخك.
قال: بل يعطي الكتاب الذي يقرأه أو الفن الذي يأخذه كليته حتى يتقنه. قال تحذير آخر: إذا انتهينا من مسألة جرد المطولات، هذه في مرحلة متأخرة من حياة طالب العلم، بعد ست إلى سبع إلى ثمان سنوات من طالب العلم بحفظ المنظومات الأساسية واستشراعها على الشيوخ، بعدها ينتقل إلى جرد المطولات بطريقة متقنة يعرضها له شيوخه. قال: وكذلك يحذر من التنقل من كتاب إلى كتاب من غير موجب، فانه علامة الضجر وعدم الفلاح.
قضية مهمة أيضاً من أجل جهة أخرى: إذا شرعت في كتاب -اسمع ماذا أقول- إذا شرعت في فن وبدأت تقرأ كتاباً، إياك ثم إياك أن تأخذ نصف الكتاب ثم تغادر وتنتقل إلى كتاب آخر. هذه دلالة فشل معرفي، هكذا يقول لك ابن جماعة. هذه دلالة فشل معرفي، دلالة كسل، دلالة عدم توفيق. أي كتاب اختاره لك الشيخ، طبعا نحن نتكلم تسلسل، أنت اخترت شيخاً مناسباً، الشيخ وضع لك خطة، اختار لك كتاباً تبدأ فيه، عليك أن تستمر في هذا الكتاب إلى آخر أنفاسك وإلى آخر أنفاسه.
إياك إذا انشغلت بشيء من أمور الحياة الدنيا ثم الشيخ بعد ذلك عرض دورة أخرى، أو وجدت شيخاً آخر يعلن عن كتاب آخر، أن تترك هذا الكتاب وتنتقل إلى دورة أخرى. هذا خطأ علمي كبير، كثير من طلبة العلم سلك هذا المسلك، تجده يأخذ من هذا الكتاب ربعه، ومن هذا الكتاب نصفه، ومن هذا الكتاب سدسه، وهو متأثر في ذلك بالجامعات وبالدراسات الأكاديمية.
تجد طلبة العلم في الجامعة يقولون: يا شيخ، نريد من هذا الكتاب أن تحذف لنا نصفه الأول أو نصفه الأخير وثلثه وتبقي لنا الثلثين. هذا ليس علماً، ماذا؟ لعب! الدراسة العلمية المحققة تقتضي أن الطالب يمر على الكتاب من أول كلمة إلى آخر كلمة، ويقف عند سطر سطر ويستشرح هذا السطر، أما هذه طريقة الجامعة: أول الكتاب محذوف، وأخر الكتاب محذوف، والنصف يعني منه ما هو محسوب ومنه ما هو غير محسوب؛ هذه ليست طريقة طالب علم يرجو أن يكون له شأن في المستقبل.
فأي كتاب تشرع فيه عليك أن تنهيه إلى ختامه ثم تنتقل إلى كتاب آخر وإلا ستفقد بركة العلم في حياتك. قال: أما إذا تحققت أهليته وتأكدت معرفته، فالأولى ألا يدع فناً من العلوم الشرعية إلا نظر فيه. مسألة أخرى؛ مسألة: أنا كطالب علم هل أشرع وهل أدخل في كل الفنون وأتعمق بها أم أقتصر على أصولها؟
في الحقيقة هنا انظر في طالب العلم: هناك طلبة علم الله سبحانه وتعالى منحهم ذكاءً، أعطاهم قدرة على الغوص في العلوم الشرعية المتنوعة، فمثل هذا الطالب إذا رأى الشيخ في هذا الطالب القدرة على الغوص في شتى العلوم الشرعية والوصول في كل علم إلى درجة عليا منه، فهذا نعم، الشيخ يوجه إلى التفنن، تفنن في العلم.
لكن طالب علم مشغول جداً، قدراته الاتكائية والعقلية محدودة، فهذا من الخطأ أن يقحمه الشيخ في التفنن في كل العلوم، بل الشيخ يلزمه، يقول: أنت يا فلان ما عندك وقت، قدراتك الذهنية محددة، كمن -يعني، وهذا لا حرج فيه- النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله أبو ذر الإمارة، النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: انك رجل ضعيف وإنها لأمانة وإنها يوم القيامة حسرة وندامة.
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يجامل أبا ذر، ما قالوا يا أبا ذر خلاص خذ هذه الإمارة، قال: يا أبا ذر انك رجل ضعيف وإني أحب لك ما أحب لنفسي وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فالنبي عليه الصلاة والسلام صارح أبا ذر بالحقيقة، وإن كانت نوعاً ما قد تكون فيها شيء من المرارة، لكن المصالحة بالحقيقة أفضل من السير على خطأ.
لأنك يا أيها الشيخ إذا نصحت الطالب الضعيف أن يقتحم العلوم المعمقة لربما شتت ذهنه وحرفته عن منهج الاستقامة، أن هذا الطالب عقله لا يتحمل التفنن، لا يتحمل الغوص في دقائق الأمور، إذا تحمل هذا العقل فوق طاقته أخشى أن تكون الأمور لا تحمد عقباها. فانتبه أيها الشيخ، انظر في حال طالبك، هل هو ممن آتاه الله ذكاءً وتنوعاً ووقتاً؟ فوجهه للتفنن. إذا لم يكن ممن عنده هذا الذكاء أو القدرة فاجعله يقتصر على قدرته من الفنون العلمية.
قال: أما إذا تحققت وتأكدت معرفته وهذا يدركه الشيخ من الطالب، فالأولى ألا يدع فناً من العلوم الشرعية إلا نظر فيه. قال: فإن ساعدته الأقدار، أو فان القدر وطول العمر على التبحر فيه فذاك. يعني بعض طلبة العلم الله سبحانه وتعالى من رزقه ومن واسع فضله يعطيهم عمراً، يعطيهم وقتاً، يرزقهم مالاً لا يحتاجون معه إلى العمل والانشغال، فهذا يتبحر ويقتحم هذه الابواب، فإن هذه البركة التي منحها الله سبحانه وتعالى له عليه ألا يضيعها وألا يهدرها وأن ينتبه عليها، فقد منحه الله سبحانه وتعالى شيئاً يفقده كثيرون ممن كانوا يطمحون أن يغوصوا في بحار العلم ولكن منعتهم ظروف الحياة من الاستمرار.
قال: وإلا فقد استفاد منه ما يخرج به من عداوة الجهل بذلك العلم، ويعتني من كل فن بالأهم فالأهم. يعني لا يعني إذا لم يكن لديه قدرة على النظر والتفنن في العلوم الشرعية، وإلا فقد استفاد منه ما يخرج به من عداوة الجهل بذلك العلم. يعني بعض طلبة العلم يا شيخ طب إذا أنا كنت في البداية ما عندي قدرة أن أدخل في أكثر من فن وأن أبحر فيها، فلماذا إذا تأمرني أن أحفظ متناً مختصراً في كل فن من الفنون؟
مثلا أنا انسان ما عندي وقت كثير، إذا سأتخصص في التفسير مباشرة، أتخصص في الفقه مباشرة، أتخصص في أصول الفقه مباشرة، في الاعتقاد مباشرة. أقول لا، هناك مشكلة أحبتي ينبغي أن تعلموها أن تعلموها جميعاً، هي قضية أن العلوم لا يمكن أن تتعمق في فن من الفنون أو أن تتقن علماً من العلوم إلا بعد أن يكون لك شيء يسير من معرفة في العلوم الأخرى.
هذا يعني مستحيل العادة أن تتقن التفسير وأنت ما عندك دراية بععلوم اللغة أبداً، ولم تقرأ كتاباً مختصراً في أصول الفقه، وليس لديك دراية بمتن فقهي واحد، صعب جداً ستتبقى ضائعاً مشتتاً في هذا العلم، ولربما تسمي نفسك متقناً وأنت يعني تخدع هذه النفس. طبيعة العلوم الشرعية أن التعمق والتفنن في فن واحد يتطلب منك أن تكون لديك أدنى معرفة بالفنون الأخرى.
فالآن إذا كان عندنا كما قلنا طالب عنده قدرات عالية على التفنن في جميع العلوم، بارك الله له في علمه ووقته، إذا كان الطالب ما عنده هذه القدرات العالية والشيخ قال له اقتصر على فن واحد وتبحر فيه لأنه لا توجد لك قدرة على التبحر في الفنون الأخرى، هذه النصيحة من الشيخ لا تعني أن هذا الطالب لن يقرأ أي كتاب ولن يحفظ أي مختصر في العلوم الأخرى، كلا! بل الشيخ سيقول لهذا الطالب: أنت نعم ستقتصر على علم التفسير أو على علم الفقه أو على أصول الفقه أو ما شابه ذلك، لكن سأطلب منك أن تحفظ مختصراً في كل فن من الفنون الأخرى.
لماذا يا شيخ؟ أولاً: لأن طبيعة العلم الشرعي أنك لا تستطيع أن تتخصص في فن واحد إلا بعد أن تحصل أدنى معرفة بالعلوم الأخرى لأنها لابد وأنها وردت في هذا الفن ولو على سبيل الإشارة.
ثانياً: قال وما ذكروا من جماعة أن تستفيد من ذلك أن تخرج من عداوة الجهل بذلك العلم، يعني فعلاً أنت ستتخصص في التفسير لكن عليك أن تتخلص من عداوة الجهل بعلم النحو، عليك أن تتخلص من الجهل بأصول الفقه، عليك أن تتخلص من الجهل بالفقه، عليك أن تكون صداقة ولو صداقة محدودة بينك وبين الفنون الأخرى.
العلوم الأخرى، وإن كنت متخصصاً في التفسير، قال: ويعتني من كل فن بالأهم فالأهم. يعني هذا الطالب الذي سيقتصر على فن واحد، نقول له: عليك بكل من كل فن بالأهم فالأهم.
ولا يغفلن عن العمل الذي هو المقصود بالعلم. قال: ولا يغفلن عن العمل الذي هو المقصود بالعلم، إياك يا طالب العلم أن تعزل عن العمل؛ فإن العمل هو المقصود نهاية بالعلم. وهذه في الحقيقة نصيحة مهمة جداً من ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه، يذكر الطلبة بأننا حينما نحفظ المتون ونشرح وندخل في دورات وبرامج علمية ونشارك في ملتقيات وفي مؤتمرات وكل هذه الأمور، ما الهدف منها في النهاية؟ الهدف منها في النهاية أحبتي العمل بهذا العلم.
وهذا الذي نفقده في حياتنا، أننا ربما نخرج الكثير من طلبة العلم، ربما ندعي أننا طلبة علم وأننا مؤهلون للتدريس لكننا لا نعمل بعلمنا. هناك نقص، هناك فجوة، هناك فراغ بين العلم والعمل في حياتنا، وهذا لم يكن عند السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم. العلم عند السلف الصالح كان العلم الذي يورث العمل. ولذلك قال ابن القيم رحمة الله عليه في مفتاح دار السعادة إن العلم الممدوح في نصوص الكتاب والسنة هو العلم الذي يورث العمل. هو العلم الذي قال الله سبحانه وتعالى فيه: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. نعم، العلم الذي يرث الخشية، الذي يرث الإنابة، الذي يورث قيام الليل، الذي يورث المحافظة على القرآن، الذي يورث البكاء من الله سبحانه وتعالى، الذي الابتعاد عن المعاصي، الذي يورث حمل هم هذه الأمة وحمل نهضتها وتاريخها ومجدها.
العلم الذي يجعلنا نعمل ونضحي ونبذل أوقاتنا وأعمارنا من أجل أن نخرج الناس من الظلمات إلى النور، هم الدعوة، هم العمل، هم الجهاد في سبيل الله. نعم، هذا هو العلم الذي نريده ونقصده، وليس العلم الذي يقف عند حدود الأسطر وصفحات الكتب.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وفي مجلس آخر من مجالس غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل