تسجيل الدخول

شرح تذكرة السامع والمتكلم (23)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا طالبا للعلم يرجو نفعه اسمع نصيحة ناصح معواني، لربك في أمورك كلها فالمخلصون هم أولو العرفان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم للإمام ابن جماعة الكناني الشافعي رحمة الله تعالى عليه.

وقد وصل بنا المسير أحبتي في رحلتنا إلى الأدب الثالث من آداب طالب العلم في درسه وحلقته والمنهج طلبه.

كنا في المجلس السابق تكلمنا عن مجموعة من قواعد مهمة جدا في طلب العلم، القاعدة الأولى كانت مطالب العلم عليه أن يبتدأ طريقه في هذا الدرب بحفظ كتاب الله سبحانه وتعالى فهو أصل العلوم، إذا أتقنه ينتقل بعد ذلك إلى حفظ المختصرات التي يحددها شيوخه من أهل العلم الكبار، وترتب هذه المختصرات بشكل منظم، وكل مختصر يستشرحه على شيخ متقن.

ثم تكلمنا عن قضية أنه يجب اجتناب دراسة الخلاف بين العلماء في بداية الطلب، وأن هذا المنهج من أكثر المناهج التي تضيع ثمرة هذا العلم وبداية الطلب، وأن على طالب العلم أن يجتنب القراءة في المطولات ومطالعة المصنفات الكبرى في بداية دربه، بل عليه ابتداء حفظ المختصرات واستشراحها على الشيوخ الكبار.

اليوم ما زلنا نعيش مع ابن جماعة في هذه الفوائد العظيمة الثمينة التي صبرتها الأيام والسنون، وعاش عليها العلماء واجتهدوا وبذلوا وفق منوالها وعلى ضوئها فأنتجوا وأثمروا وخرجوا ودلوا بمصنفات عظمى.

هذه القواعد التي ساروا عليها قواعد مجربة حنكتها التجارب، وليست قوانين مجردة تنظير من إنسان لم يجرب العلم ولم تختبره الأيام ولم يعرف معارك المصنفات، بل هذه من ابن جماعة إمام حبر كبير من أئمة السادة الشافعية رحمة الله تعالى عليهم، وهي قواعد متفق عليها، بل ابن جماعة تلقاها عن أشياخه وأشياخه اخذوها ممن قبلهم سالفاً عن سالف.

إذاً أحبتي علينا أن نأخذ هذه القواعد ونتعامل معها بكل جدية إذا اردنا أن نصل إلى ما وصل إليه علماؤنا رحمة الله تعالى عليهم أو إلى شيء من ذلك، أو إلى شيء من ذلك.

اليوم موعدنا أحبتي مع الثالثة، يقول فيها ابن جماعة عليه رحمة الله: قال أن يصحح ما يقرأه قبل حفظه تصحيحاً متقناً أما على الشيخ أو على غيره ممن يعينه.

يقول لك ابن جماعة: هذه المختصرات التي تريد أن تحفظها، وهذه المتون التي تريد أن تضبطها، عليك يا طالب العلم قبل أن تحفظ أن تعرض هذا المتن وهذا المختصر على شيخ متقن قد ضبط الألفاظ، أو على زميل لك متقدم في العلم قد ضبط هذه الألفاظ، حتى تحفظ هذه الألفاظ بإحكام، حذرا من التصحيف والتحريف أثناء الحفظ، وهذا لربما يعسر على كثير من الطلبة.

فإذا كان الطالب ممن يقرأ جيدا وأتاه الله سبحانه وتعالى ملكة التركيز أثناء القراءة، فهذا قد يستعين بقدراته إذا لم يجد شيخا أو صديقا يعينه.

والأفضل في الحقيقة أحبتي أن الطالب قبل أن يحفظ يعرض، وبعد أن يحفظ يعرض المتن، وخصوصا بعد أن يحفظ، يعني ربما لن تجد شخصا أو قل أن تجد شخصا تعرض عليه المتن قبل الحفظ، لكن بعد الحفظ عليك أن تسمع لزميلك، لصديقك، لوالدتك، لأخيك، لأبيك، لشقيقتك، حتى لو كان الإنسان الذي تسمع له ليس من طلبة العلم، ولم يكن طالب علم نشيط ينشط معك في حفظ المتون، سمع هذا المتن لأي شخص حتى لو من العوام.

لأن الإنسان قد يغتر بحفظه إذا كان يسمعه مع نفسه، لكن إذا بدأ يسمع للآخرين وأعطى الكتاب لشخص أمامه وبدأ يقرأ، لربما وجد خللا، لربما وجد فجوة، لربما ظن نفسه أنه قد حفظ وهو كان ليس حافظا على وجه التحقيق، وإنما كان يسترق النظر أثناء حفظه للكتاب، فوجد نفسه يجد فجوة كبيرة في حفظه.

المهم عليك أن تسمع وأن تعرض المحفوظ على المشايخ وعلى أصدقائك من طلبة العلم، فإن لم تجد فأعرضه على العوام.

قال: ثم يحفظ بعد ذلك حفظا محكما.

الحفظ يجب أن يكون بإحكام، كما تحفظ كتاب الله بإحكام عليك أن تحفظ هذه المتون المختصرة بإحكام، واياك أن تأخذها بالتقصير أو تقول: أحفظ بالمعنى.

بعض طلبة العلم يقول: أنا أحفظ بالمعنى، هذا لا يصلح، عليك أن تحفظها كما وردت أمامك، كما تحفظ اسمك، هكذا حفظ العلماء المتون.

أما تقول لي يحفظ بالمعنى؟ هذا الذي تحفظه بالمعنى بعد أيام سينقرض وسينتهي، ولن تعود تتذكر حتى هذه المعاني التي اردت أن تحفظها، فاحفظ النص كما هو يبقى معك في المستقبل.

طب يا شيخ أنا أنسى؟ حتى لو نسيت كثيرا لا اشكال، هذه المتون حينما تعيدها مراراً وتكراراً، وتعيد النظر فيها حفظاً ومراجعة وتدريساً تتخمر في ذهنك وتبقى في قلبك وتدخل في عقلك الباطن كما يقولون، فاحفظ فكل حافظ إمام.

قال: ثم يكرر عليه بعد حفظه تكراراً جيداً.

بعض طلبة العلم يقول: يا شيخ أنا أحفظ وأنسى، وحينما أراجعه وأسأله كم مرة قرأت البيت أو المتن؟ يقول: أنا أعيد مرة أو مرتين أو ثلاث بمجرد أن أأشعر أني حفظت.

أقول: هذا خطأ كبير، التكرار أحبتي هو أهم وسيلة من وسائل الحفظ، لابد تكرر الكتاب الذي تقرأه مرة فوق الخمسة عشر مرة أو عشرين مرة، نعم كرر عشرة، عشرين، ثلاثين، أربعين، كرر، فهذا التكرار هو الذي يرسخ الحفظ.

وإياك أن تغتر يا طالب العلم بالحفظ الأولي، بعض طلبة العلم يقرأ المتن يعيده مرة أو مرتين يجد نفسه حفظ فينتقل، وهذا خطأ، وهذا بشيء من الاغترار بالنفس.

أخي يا طالب العلم اعلم أن الحفظ الأولي ما زال على قشرة الدماغ وعلى قشرة الذاكرة، ولم يدخل بعد، فأنت اليوم نعم قد تحفظ المتن بمرة أو مرتين، لكن بعد نصف ساعة وبعد ساعة تعال فراجع تجد أن هذا الذي حفظته وكنت تظن أنك أتقنته قد ذهب، لذلك السبيل الأصيل لضبط الحفظ في القوة الباطنة للذهن، أو كما يقولون في العقل الباطن لتسترده وقت ما تحتاج إليه أن تكرر.

وأنا أذكر زملائي في الجامعة، بعض الزملاء أتاه الله سبحانه وتعالى قوة أن يكرر البيت ثلاثمئة مرة، يكرر البيت ثلاثمئة مرة وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى على عبيده، فكلما كان عنده قدرة على التكرار أكثر وأكثر كلما كان حفظه أرسخ وأرسخ.

قال: ثم يتعاهده في اوقات يقررها لتكرار مواضيعه.

يعني طالب العلم حينما يكون عنده مجموعة من المحفوظات متون متنوعة، عليه أن يضع جدول برنامج ليعود إلى هذه المحفوظات في كل فترة، يعود يمر عليها مثلا كل شهر أو كل شهرين حسب البرنامج، يستشير في هذا أهل الخبرة من الشيوخ الكبار.

قال: ولا يحفظ شيئاً قبل تصحيحه.

يعني ابن جماعة يشدد في هذه النقطة، يقول لك: إياك أن تحفظ شيئاً قبل أن تعرضه على شيوخك، قال: لأنه يقع في التحريف أو التصحيف، يعني التحريف في الحركات أو التصحيف للنقاط.

قال: وقد تقدم أن العلم لا يؤخذ من الكتب، فانه من أضر ما فانه من المفاسد، فانه من أضر المفاسد.

يعني هو يكرر يقول لك: أنا قدمت لك سابقا أن العلم يجب أن لا يؤخذ من الكتب بل من أفواه الشيوخ، وحتى المتون عليك أن تسمعها من أفواه الشيوخ، العلم لا يؤخذ من بطون الكتب ابتداء بل العلم يؤخذ من أفواه الشيوخ، لذلك يحرص ابن جماعة أن يقول لك حتى المتون التي تريد أن تحفظها خذها من أفواه الشيوخ.

ثم قال بعد ذلك: وينبغي أن يحضر معه الدواة والقلم والسكين للتصحيح.

طبعا بعض طلبة العلم يقول: السكين ماذا يفعل بها؟ من سيقاتل بها؟ لا هو

هذه وسيلة قديمة كانت أحبتي لإصلاح الأخطاء في الأوراق القديمة. الأوراق القديمة ليست مثل الآن، تستطيع بممحاة ما شاء الله جيدة أن تزيل كل الأخطاء والأوهام، قد كانوا يحتاجون للسكين ومعالجتها وما شابه ذلك لإزالة الأخطاء التي تكون في الأوراق أو الجلود التي يكتبون عليها، فلذلك يقول لك الجماعة: إذا أتيت بالمتن حتى تعرضه على شيخك، عليك أن تحضر معك الدواء اللي هي الحبر، علبة آآ أو زجاجة كانوا يضعون فيها الحبر، وتأتي بالقلم والريشة، وتأتي بالسكين لتمحو الأخطاء. فيقول لك الشيخ: عدل هذه وهذه حركتها بالفتحة وهذه بالكسرة، فتعدل وتكون لهذه العملية، قال آآ ولضبط ما يصححه لغة وإعرابا. والشيخ أيضا سيصحح لك إعراب هذه الكلمات، فتكون أدوات في الكتابة حاضرة بين يديك.

قال: وإذا رد الشيخ عليه لفظة وظن الطالب، يعني وظن الطالب أن رده خلاف الصواب، أو عالمه، يعني أو أوجزه. يعني أنت الآن تعرض على الشيخ المتن، الآن من جماعة نتكلم عن دقائق حتى في عملية عرض المتون على الأشياء. يقول: إذا عرضت المتن على شيخك حتى يصححه لك، فالشيخ صوب شيئا، وانت ظننت أو جزعت بأن الشيخ قد أخطأ في هذا التصويب لربما لغفلة منه أو سهو، فماذا تفعل في هذه الحالة؟ هل تقول لا يا شيخ أخطأت بهذه الطريقة؟ لا، هذه قلة أدب، بل ماذا تفعل؟ بطريقة مؤدبة تكرر الجملة مرة أخرى لعل الشيخ يسمعها مرة أخرى فينتبه على سهوه. قال: كرر اللفظة مع ما قبلها لينتبه لها الشيخ، قال: أو يأتي بلفظ الصواب على سبيل الاستفهام. حل آخر أنك تقول: آه يا شيخ، هذه اللفظة هكذا تلفظ؟ مع أنه الشخص صوبها الآن بشكل خاطئ كما جزمت أنت، فأنت تأتي بالوجه الصواب على وجه الاستفهام لتنظر هل الشيخ سيصوبك أو يخطئك؟ قال: أو يأتي بلفظ الصواب على سبيل الاستفهام، فربما وقع ذلك سهوا أو سبق لسان لغفلة من الشيخ، ولا يخلو إنسان من السهو أحبتي.

ولا يقول، يعني إياك أن تقول للشيخ: بل هي كذا يا شيخ! انظر، بعض الطلاب لا يحسن التفاعل مع الشيخ بشكل إيجابي يحبب الشيخ به، للأسف بعض الطلاب هو الذي يختار تنفير قلب الشيخ من خلال الإجابة بأساليب آآ فيها نوع من سوء الأدب. نقول، يعني أقول فيها نوع من سوء الأدب وتنفر الشيخ وتزعجه، وتشعر بأن هذا الطالب لم يرتق بعد في مدارج والسالكين مدارج السالكين لطلب العلم. فعليك يا اخي الكريم أن تحترم هذا الشيخ حتى لو أخطأ، لو أخطأ، حتى لو سهى، حتى لو غفل، فاعلم أنك في يوم من الأيام ستكون شيخا ولابد أن تخطئ. من منا لا يخطئ؟ هل هناك شيخ معصوم من الخطأ؟ هذا لا يوجد أحبتي، لا يوجد هناك إنسان معصوم الخطأ وارد على الجميع، السهو وارد على الجميع، فكما تحب أن يعاملك طالبك عندما تصبح شيخا عامل الآن شيوخك.

طيب، قال: فإن لم ينتبه، قال: فهل يجوز فيها كذا؟ ممكن أنه الشيخ مثلا أنت أعدت اللفظة أو استفهمت لم ينتبه، فقل له مرة أخرى: هل يجوز يا شيخ فيها كذا هذه اللفظة أن تلفظ على هذا الوجه؟ فإن رجع الشيخ إلى الصواب فلا كلام. يعني خلص، إذا الشيخ انتبه وأصلح الأمر وتذكر، فلا كلام. وإلا، طيب، الشيخ ما أنتبه ومضى الطالب؟ قد ترك تحقيقها إلى مجلس آخر. أتركه إلى مجلس آخر بتلطف تعرضه عليه في ذاك المجلس الآخر، الاحتمال في النهاية أن يكون الصواب مع شيخ، يعني بعض الطلبة أصالة هو يظن أو يجزم أن الشيخ أخطأ وسهى وغفل، فإذا نحن نجد الشيخ هو الذي أصاب والطالب هو الذي أخطأ. وأيهما أقرب إلى الصواب برأيكم؟ الشيخ الذي مر على هذا المتن مرات ومرارا وتكرارا وشرحه واستشرحه، أم هذا الطالب الجديد عليه؟ في العادة في العادة الذي يكون أقرب إلى الصواب الشيخ الذي عرض هذا المتن على شيوخه في الماضي وشرح هذا المتن واستشرحه على شيوخه وقرأه من مصنفات، فالشيخ في العادة هو أقرب إلى الصواب، فلعلك أنت تجزم بأن الشيخ أخطأ والمخطئ هو أنت في الحقيقة، فانتبه على هذا.

قل: وكذلك إذا تحقق خطأ الشيخ في جواب مسألة نفس القضية، إذا تحققت أن الشيخ أخطأ في جواب مسألة من المسائل لا يفوت تحقيقه ولا يعسر تداركه، يعني يمكن أن يتدارك في المستقبل ولا يعسر أن يحقق ذلك في المستقبل. فعليك إذاً اخي الكريم أن تؤجل تعديلك وتصويبك للشيخ في إجابته إلى مجلس آخر حتى لا تحرج الشيخ أمام السائلين. قال: فإن كان كذلك، ايش يعني فان كان كذلك؟ آه، يعني الآن عندنا حالتان، الحالة الأولى كشيخ سئل سؤالا فأجاب بشكل خاطئ، وانت كطالب تدرك تماما وتجزم تماما أن الشيخ أخطأ في هذا الجواب سهوا وغفلة منه، في هذه الحالة ننظر إن كان يمكن تدارك آآ هذا الامر في المستقبل بأن لم يكن هناك حاجة إلى تصحيح الشيخ الآن، يمكن مثلا بعد نهاية المجلس تقول للشيخ: يا شيخ، ترى أنت أجبت فلان الفلاني بهذه الطريقة، وأظن أن هناك ربما شيء من السهو والغفلة وقع في جوابه فلعلك تنبهنا في الدرس القادم. إذا كان ما في مشكلة ويمكن تعديل فعلا الأمر في الدرس القادم يؤجل الطالب الأمر إلى ما بعد مجلس العلم.

لكن أحيانا يكون لا يمكن أن يؤجل الموضوع، هناك مثلا سائل غريب عن مجلس العلم، أو عامي مر سريعا فسأل الشيخ سؤالا، والشيخ أخطأ في إجابته، هذا العامي سيذهب ولن يعود مرة أخرى، فلا يوجد هناك مجال لتدارك الموضوع، في هذه الحالة ماذا نفعل هنا؟ نقول للطالب لا، تحقيقا لمصلحة هذا الدين، نعم، حاول أن تصلح الشيخ وأن تنبه الشيخ بألطف الأساليب الممكنة. بألطف الأساليب الممكنة، لأنه في النهاية هاي حرمة الدين اعظم من حرمة الشيخ، وظهور الحق والصواب أعظم من حرمة الشيخ، فاذا لم نستطع ان نجمع بين المصلحتين فنقدم حرمة الدين.

هنا الطالب يحاول أن يصوب الشيخ بأسهل الطرق وألطفها. قال: فان كان كذلك، اي ان كان في تأخير آآ التعديل فوات تحقيق مسألة أو يعسر تدارك الحال، هذا معنى فان كان كذلك. قال: كالكتابة في رقاع الاستفتاء، وكون السائل غريبا أو بعيد الدار، مثال على أحوال يعسر فيها التأخير. قال: أحيانا الشيخ يكتب الفتيا في رقاع الاستفتاء، وهذا قديما، الآن إذا كتبت هذه الفتيا في الرقعة ستثبت، ويصعب التعديل بعد. في هاي الحالة لا، أن تقول للشيخ قبل أن تكتب فتياها في رقعة الاستفتاء: انتظر يا شيخ، هناك تعديل، أو يكون السائل كما قلنا غريبا أو بعيد الدار، اه أو مشنعا، يعني أحيانا قد يكون السائل يعني قد يشنع إذا عرف أن الشيخ أخطأ، بعض يعني سأل، عندهم قلة أدب، عندهم قلة أدب، فاذا مثلا الشيخ سهى أو أخطأ شنع على الشيخ في الآفاق، وقال: أنا سألت الشيخ الفلاني هذه المسألة وأخطأ في إجابتي لي وقال كذا وكذا، واستمر الأمر على خطأه، بعض السائلين في عندهم هذه الإشكالية، إشكالية قلة الأدب ويشنع على الأشياء.

فهنا تلميذ الشيخ عليه من بره لشيخه مباشرة أن يتدارك الموقف. قال: كيف يتدارك هذا الموقف؟ قال: عليه تنبيه الشيخ على ذلك في الحال، أما بإشارة يشير للشيخ إشارة، أو تصريح: يا شيخ، انتبه، ترى هذا السائل غريب ولربما وقع سهو في إجابتك. في هاي الحالة نعم، سنقف حرمة لدين الله سبحانه وتعالى، وأيضا في ذلك حفاظا على حرمة الشيخ في المستقبل لئلا ينقل عن الشيخ الفتاوى الغالطة. قال: فإن ترك ذلك فان ترك ذلك خيانة للشيخ، عدم تصويبك للشيخ في هذا الخطأ خيانة ليس بالدين، بل حتى للشيخ. نعم.

طب يا شيخ، أنا لا أحرص على إحراج الشيخ أمام هذا السائل، خلاص تمشي الفتيا؟ لأ، من الحفاظ على حرمة الشيخ وعلى حرمة الدين قبل ذلك أن تعدل فتوى الشيخ إذا كان لا يمكن التدارك. قال: فيجب نصحه آآ بتيَقُّظه لذلك بما أمكن من تلطف أو غيره، يعني ما في مجال إلا الآن نوقظ الشيخ على الأمر أو على السهو أو على.

خطأ الذي وقع فيه: قال: وإذا وقع على مكان اه كتب قبالته، عفواً: وإذا وقع أنا أقرأها: وإذا وقع ظاهر العين بدأت تذهب، قال: وإذا وقف على مكان كتب قبالته: بلغ العرض أو التصحيح. ما معنى: وإذا وقف على مكانه؟ يقول: أثناء عرضك على الشيخ وأنت تعرض المتن أو الحديث على شيخك ليصححه لك، المكان الذي تقف عليه في المجلس، مثلاً اليوم قرأت صفحتين وستقف على ذلك، المكان الذي تقف عنده من دأب العلماء أنهم يكتبون عنده: بلغ، أي بلغ العرض إلى هنا، حتى إذا جاء المجلس القادم وفتحت الكتاب لتعرض على الشيخ تعرف من أين انتهيت.

إذاً قال: وإذا وقف على مكان في عرضه للكتاب، إذا وقفت على مكان الشيخ قال لك: خلاص نكمل في المجلس القادم، كتب قبالة هذا المكان الذي وقف عنده: بلغ العرض، أو التصحيح. بلغ يعني العرض إلى هنا، أو بلغ التصحيح إلى هنا، للمقصد الذي ذكرناه تمام. إذاً الأدب الثالث كان يتكلم عن أدب عرض المتون عن الأشياخ قبل أن تحفظ خشية من وقوع الخطأ فيها.

بسم الله، ننتقل الآن أحبتي إلى الأدب الرابع. الأدب الرابع ماذا يقول فيه ابن جماعة عليه رحمة الله؟ قال: أن يبكر بسماع الحديث، ولا يهمل الاشتغال به، ولا يهمل الاشتغال به وبععلومه، والنظر في إسناده ورجاله ومعانيه وأحكامه وفوائده ولغته وتواريخه. هنا ابن جماعة يوجهنا وينبهنا على قضية في الحقيقة قل الانتباه إليها في هذا الزمان، وفي الزمن الجميل، الزمن السالم، زمن السلف رحمة الله عليهم، كانوا يهتمون بها جداً، ويبدأون بها مع طلبة العلم في عمر مبكر، يعني الطالب يكون في الحادي عشر من عمره أو الثاني عشر، ويبدأ يعرض كتب الحديث على الأشياخ، ويسمعها من الأشياخ سماعاً محققاً بالأسانيد، ويقف على أسماء الرجال، ويبدأ رويداً رويداً يأخذ المعاني المجملة في هذه الأحاديث.

وأما في زماننا فلربما الطالب يصل إلى الخمسين أو الستين من عمره وهو لم يقرأ البخاري مرة في دهره أو مسلم أو كتب السنن، وهذا في الحقيقة أعتبره من تقصير طالب العلم، من التقصير الفظيع والذي لا يقبل، والذي لن يؤهلك لتكون عالماً ربانياً، إنسان يزهد في قراءة كتب السنة والوقوف على معاني أحاديث محمد صلى الله عليه وسلم، هذا إنسان غير موفق إذا بقي طوال عمره على هذه السنة وهو أن يزهد في قراءة كتب الحديث، ويهتم فقط بالعلوم العقلية وبكلام المتكلمين وبخوض الخائضين، ويغفل عن سنة محمد صلى الله عليه وسلم، عن هديه.

هذا في الحقيقة أجد فيه شيئاً من عدم التوفيق أخي الكريم، العلم يقوم على الكتاب الكريم والسنة المطهرة، فابن جماعة قال لك: في بداية طلبك عليك أن تحفظ القرآن، ثم بعد ذلك وفي بداية الطلب عليك أن تشتغل بالسنة. نعم، أنت تحفظ المختصرات في النحو والصرف، والبلاغة وأصول الفقه والفقه والاعتقاد، لكن هناك برنامج مستقل اسمه برنامج عرض كتب السنة، برنامج ما اسمه؟ برنامج عرض كتب السنة، تعرض فيه هذه الكتب على الشيوخ، يكون هناك مجلس دوري في كل أسبوع مع الشيخ تبدأون به من صحيح البخاري، ثم مسلم، ثم تنتقلون إلى سائر كتب السنن والمسانيد، تقفون على أسماء الرجال، ليس عرض هدر يقرأ السند والمتن قراءة سريعة كما يحدث للأسف الآن في بعض مجالس السماع، يظن الطالب أنه عرض البخاري ومسلم على الشيخ ويكون في الحقيقة قراءة سريعة جداً، لم تسمع أسماء الرجال بالتحقيق، ولم يوقف على المعنى الإجمالي للحديث، ولم يعرف الطالب ما هو الباب الذي ورد فيه الحديث لشدة أو لسرعة القراءة، هذه ليست قراءة نافعة وليست هي القراءة التي يرجى منها البناء العلمي، نحن نريد قراءة ممنهجة تنفع طالب العلم في المستقبل.

هذه القراءة تكون أن الطالب يقرأ السند بأكمله، يعرف أسماء الرجال الذين وردوا في السند، ثم يمر على الحديث إن كان المعنى واضحاً مجملاً، يعني المعنى واضحاً في الجملة ذهب إلى الحديث الذي يليه وهكذا، أقرأ على شيخ متقن يعرف أسماء الرجال، ويعرف كيف يتعامل مع الأحاديث، حتى إذا ما وقع إشكال صوب الشيخ ونبه، وهذا الأمر كما قلنا ينبغي من بداية طلبك للعلم يكون هناك برنامج خاص اسمه برنامج عرض كتب السنة، تعرض على شيخ متقن حديثاً حديثاً، خلال ثلاث أربع خمس سنوات تكون وقفت على البخاري ومسلم وكتب السنن وشيء من المسانيد، وعرفت كيف التعامل مع الرجال، وهذا في الحقيقة من العلوم التي تكاد تندرس في هذا الزمان إلا مجالس السماع السريعة للأسف، والتي قل أن يستفيد منها الطالب شيئاً مثمراَ.

فلذلك ابن جماعة يقول: عليك أن تبكر بسماع الحديث، ولا يهمل الاشتغال به وبعلوم الحديث جملة، علم الرجال، علم العلل، بين فقه الحديث، قالوا: ينظر في الإسناد، وفي الرجال، وفي المعاني، وفي الأحكام المستفادة عموماً، وفي الفوائد، وفي اللغة، وفي التواريخ، كل الأمور، لأن في النهاية حديث النبي عليه الصلاة والسلام قال عليه الصلاة والسلام: يشمل الاعتقاد، يشمل الفقه، يشمل السيرة، يشمل التفسير، فالنبي عليه الصلاة والسلام شرح لنا كل شيء، لكن هنا أنبه على قضية نبهت عليها في المجلس السابق: أن قضية معرفة الأحكام التي تؤخذ من الحديث لا يكون في وقت مبكر في الحقيقة، الأحكام الفقهية التي استنبطت أكون في مرحلة متأخرة بعد أن يدرس الطالب مذهباً معيناً مؤصلاً، ويعرف أدلة هذا المذهب من كتب الأحاديث، بعد ذلك يقبل يستطيع أن يعود إلى كتب شروح الأحاديث ويستنبط الأحكام من هذه الأحاديث، أما ابتداء تستنبط أحكام حديثية والله رأي الحنفية كذا، ورأي الشافعية كذا، ورأي المالكية كذا، هذا لا يصلح كثيراً أحبتي تمام.

قال: ويأتي أولاً بصحيحي البخاري ومسلم، ثم ببقية الكتب الأعلام والاصول المعتمدة في هذا الشأن، كموطأ مالك، وسنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، وجامع الترمذي، ومسند الشافعي، ولا ينبغي أن يقتصر على أقل من ذلك، يعني لا نقبل منك أن تقتصر على أقل من هذا: على البخاري ومسلم وكتب السنن ومسند الدارمي ومسند الشافعي، وضع مسند الشافعي، لكن لو وضع مسند الدارمي لكان أولى، يعني مسند الدارمي أولى من مسند الإمام الشافعي فهو أدق وأحكم في هذا الباب من غيره، لا يقبل أقل من ذلك من طالب العلم.

أما طالب علم أحبتي يصدر نفسه للناس وللعوام، ولا يكون عنده قراءة واطلاع جيد على كتب السنة هذا تقصير فظيع، يعني لماذا تصدر نفسك على أنك عالم وأمت لم تقرأ كتب الأحاديث ولم تمر عليها؟ الآن قضية: طب يا شيخ هل أحفظ هذه الكتب؟ الآن هذا يعود إلى مطالب العلم والوقت الذي يجري طالب العلم، لكن في الجملة يجب أيضاً أن يكون لك محفوظ في أحاديث محمد صلى الله عليه وسلم، في الجملة يجب أن يكون لك محفوظ من أحاديث محمد صلى الله عليه وسلم، وأنا في هذا المكان أنصح الطالب أن يسلك مسلكين بحسب فراغه.

هناك بعض الطلبة يسلك مسلك حفظ أحاديث الأحكام، ماذا يفعل؟ يقول: أحفظ الأربعين النووية، ثم بعد ذلك أحفظ عمدة الأحكام لعبد الغني المقدسي، ثم بعد ذلك أحفظ بلوغ المرام لابن حجر العسقلاني أو التحرير لابن عبد الهادي، ثم بعد ذلك أحفظ المنتقى للمجد ابن تيمية وهو أربعة آلاف حديث، إذن يحفظ الطالب الأربعين النووية ثم عمدة الأحكام ثم بلوغ المرام لابن حجر العسقلاني أو المحرر لابن عبد الهادي، ثم ينتقل بعد ذلك للمنتقى، كتاب المنتقى للمجد ابن تيمية وهو يحتوي أربعة آلاف حديث، فيقف هكذا على أحاديث الأحكام، ثم بعد أن انتهى من حفظ جملة في أحاديث الأحكام يذهب يحفظ مثلاً رياض الصالحين للإمام النووي ليأخذ شيئاً من أحاديث التزكية، وثم يحفظ كتاب مثلاً السنة لابن أبي عاصم حتى يأخذ شيئاً من أحاديث الاعتقاد، فيكون عنده صورة جيدة أو مادة جيدة في حديث النبي عليه الصلاة والسلام تسير معه في حياته، هذا البرنامج للطالب الذي العلم على كبر يعني في المرحلة الجامعية فصاعداً لم يشتغل بعلوم الحديث قبل ذلك، قد يكون هذا البرنامج نافعاً له بقوة أو من مضى به العمر، أما الطالب

الذي وفقه الله لأن يبتدأ بطلب الحديث على صغر، فهذا نعم، نوجهه بعد حفظ الأربعين النووية وعمدة الأحكام إلى البدء بكتب أهـ الطوال. نبدأ بحفظ البخاري ثم مسلم ثم السنن على الترتيب الذي يختاره أهل العلم. فهذا طبعاً لمن بدأ كما قلنا بطلب حفظ الحديث على صغر.

أما من حفظ الحديث على الكبر، فأكثر الطلبة لا يجدون وقتاً لحفظ الكتب المطولة عن حفظ البخاري ومسلم والسنن. يقول لك يا شيخ أنا ما عندي وقت، وهناك العديد من المتون والمطولات والكتب تحتاجها. فهنا في الحقيقة نعم، يعني هنا وجه الطالب إلى أن يسلك هذا المسلك، مسلك أحاديث الأحكام؛ لأنها تقتصره كثيراً من. أعيد هذا المسلك سريعاً: مسلك حفظ أحاديث الأحكام. أبدأ بالأربعين النووية، ثم بعمدة الأحكام، ثم بلوغ المرام أو المحرر لابن عبد الهادي، ثم المنتقى للمجد ابن تيمية.

أربعة آلاف حديث استوعب فيها جل أحاديث الأحكام، ثم بعد ذلك ننتقل أهـ إلى قراءة أو حفظ عفواً أهـ رياض الصالحين للإمام النووي ليجمع جملة من أحاديث الأخلاق والزهد ويحفظ السنة. عاصم يجمع جملة من أحاديث الاعتقاد، بعد ذلك عليه أن يعود للكتب المطولة؛ البخاري ومسلم وكتب السنن يستعرضها على الشيوخ. نعم، هنا تبدأ عرض هذه الكتب، حتى ما فاتك من الفوائد تستطيع أن تحصل بقدر المستطاع. يعني في النهاية، بالتأكيد من حفظ كل هذه الكتب ليس مثلاً لم يحفظها، لكن أهـ ما لا يدرك كله لا يترك، ففي هذه الحالة الطالب يستطيع أن يعرض هذه الكتب على الشيوخ ويحصل ما فيها من الفوائد. وكثرة المرور على هذه الكتب وإدامة النظر فيها بإذن الله يجعلك تقف على كثير من فوائدها وأحكامها أهـ فقهها، تمام؟

فإذا وقفنا هنا على ما يتعلق بعلم الحديث، وما زال ابن جماعة يكمل يقول: ونعم المعين للفقيه كتاب السنن الكبير لأبي بكر البيهقي. يعني ينصحك أيضاً أن لا تقف فقط عند كتب السنن البخاري ومسلم، بل تمضي للكتب أيضاً التي دونها العلماء في السنة، فهذه كتب كثيرة: كتاب السنة الكبير لأبي بكر البيهقي، وشعب الإيمان للبيهقي. أهـ وكذلك يذهب إلى المسانيد، كمسند أحمد بن حنبل ومسند ابن حميد ومسند البزار.

قالوا بمعرفة صحيح الحديث وحسنه وضعيفه، ومسنده ومرسله. أيضاً من الأمور المهمة أن الطالب يكون عنده قدرة على معرفة الحديث الصحيح من الحسن من الضعيف، الحديث المسند من المرسل؛ لأنه في النهاية قد تحتج أنت بحديث فإذا هو حديث ضعيف، وقد تحتاج وقد تترك الاحتجاج بحديث فإذا هو الحديث الصحيح الذي يجب الاحتجاج به. فمعرفة الصحيح من الحسن من الضعيف من الأمور المهمة جداً لطالب العلم، حتى لا يكون وقافاً مع الأحاديث الضعيفة للأحاديث الصحيحة من حيث لا يدري.

قال: فإنه أحد جناحي العلم بالشريعة، والمبين للكثير من الجناح الآخر وهو القرآن. إذاً ابن جماعة يقول لك: الشريعة لها جناحان، القرآن والسنة. فمعرفتك بعلوم الأحاديث والوقوف على كتب السنن يعرفك بأحد الجناحين وهو السنة المطهرة، وأيضاً يوقفك على معاني الجناح الآخر وهو القرآن؛ لأن المترجم للقرآن والمبين للقرآن والمفصل للقرآن هي سنة محمد صلى الله عليه وسلم. فمحمد صلى الله عليه وسلم بسنته قولا وفعلا وتقريراً كان ترجمة فعلية لكتاب الله. فالسنة أمر مهم جداً، إياك أن تزهد بها، إياك أن تنشغل بقراءة أهـ كتب المتأخرين عن الوقوف على كلام سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

لأن بعض طلبة العلم عنده حب وشغف في قراءة كتب المتأخرين والوقوف على كلام الغزالي والرازي وابن تيمية وابن حزم وابن القيم، وينشغل بها عمره. فاذا قلت له: هل قرأت أحاديث محمد صلى الله عليه وسلم؟ يقول: لا. يقول: الشكوى ابن تيمية والغزالي أو فلان أو فلان أهم. أقول لك: احذر، محمد صلى الله عليه وسلم كلامه وحي من السماء، كيف تعرض عن هذا الوحي وعن هذا النور منشغلاً بكلام العلماء؟ نعم، قراءة كلام العلماء مهم، لكن عليك أن تستقي من المنبع الأصيل، من محمد صلى الله عليه وسلم، من السراج الذي نشره في هذه الأمة؛ فهو في النهاية المعصوم الذي علينا أن نتبعه. أنت لم تتعبد لا بالغزالي ولا بالرازي ولا بابن تيمية ولا بابن القيم ولا بغيرهم، أنت متعبد بمحمد صلى الله عليه وسلم، هؤلاء يشرحون هديه، منهم من أصاب ومنهم من أخطأ، في النهاية أنت تقف مع كلام محمد صلى الله عليه وسلم وتعتبره هو القدوة وهي وهو الصراط الذي يجب عليك أن تتمسك به إلى نهاية الدرب.

قال: ولا يقنع بمجرد السماع كغالب محدثي هذا الزمان. أنظروا المشكلة نفسها تتكرر في أكثر من زمن، حتى في زمن ابن جماعة كان هناك من يقرأ الأحاديث قراءة هذر مذر من دون فائدة ترجى. ابن جماعة يقول: اقرأ الأحاديث قراءة سريعة، ما عندنا مشكلة، لكن إياك أن تقتنع وتقنع، يعني إياك أن تقتنع أن هذه الطريقة صحيحة في طلب العلم، وإياك أن تقنع بهذا القدر. أنا في الحقيقة لا أقتنع بهذه القراءة السريعة جداً للأحاديث والأسانيد التي لا تكاد تفهم منها شيئاً، أو لا تكاد تقف على رجال الإسناد، فإذا القارئ وصل إلى الصفحة الخامسة أو السادسة. هذه القراءة أنا لا أحبذها أبداً لطالب العلم، تستهلك جزءاً من الوقت. القراءة الصحيحة، القراءة الهادئة المتأنية التي تستخلص منها الفوائد وتسجل أهـ فيها المعلومات.

قال: ولا يقنع بمجرد السماع كغالب محدث هذا الزمان، بل يعتني بالدراية أشد من اعتنائه بالرواية. قال الشافعي رضي الله عنه: من نظر في الحديث قويت حجته. أنظر الشافعي إيش يقول: من نظر في الحديث وأدمن النظر في كتب السنة قويت حجته؛ لأنه يطلع على أحاديث يستدل بها على خصومه، أي إنسان يسألك في مسألة أو ينكر عليك وأنت عندك حديث من أحاديث محمد صلى الله عليه وسلم تعتمد عليه، تستطيع أن ترد وتبين حجتك بكل قوة. قال: لأن الدراية في النهاية هي المقصود لنقل الحديث وتبليغه.

إذاً نكمل بعد ذلك أهـ يعني ما بقي بعد الصلاة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. نعود أحبتي فنكمل أهـ ما نحن فيه من مواضيع هذا الكتاب المبارك.

قال ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه في الأدب الخامس: إذا شرح محفوظاته المختصرات فضبطها فيها من الإشكالات والفوائد المهمات، انتقل إلى بحث المبسوطات أي المطولات من الكتب، مع المطالعة الدائمة وتعليق ما يمر به أو يسمعه من الفوائد النفيسة والمسائل الدقيقة والفروع الغريبة وحل المشكلات والفروق بين أحكام المشابهات المشابهات من جميع أنواع العلوم، ولو كانت المتشابهات بدل المشابهات لكانت أفضل، وهي في نسخة من نسخ هذا الكتاب.

انتقل ابن جماعة رحمة الله عليه إلى خطوة جديدة في حياة طالب العلم، بعد أن حفظ طالب العلم القرآن الكريم ثم انتقل بعد ذلك إلى حفظ المختصرات في كل فن وعرضها على الأشياخ حفظاً وشرحاً. الآن بعد انتهاء هذه المرحلة وهذه المرحلة طبعاً تأخذ من طالب العلم من خمس إلى ست إلى سبع سنوات حسب تفرغ طالب العلم.

بعد انتهاء هذه، ينتقل الطالب كما قلنا إلى مرحلة جرد المطولات وقراءة الكتب الموسوعية في العلم الشرعي في الفنون التي يريد أن يختص بها. ولذلك قال ابن جماعة: إذا شرحت المحفوظات المختصرات ما فيها من الإشكالات، بعد ذلك يحق لك أن تنتقل إلى قراءة المبسوطات من كتب أهل العلم. واعطاك فن قراءة هذه المبسوطة، فهذه المبسوطات لن تحفظ لكنك ستمر عليها بتركيز.

ماذا تفعل؟ المطالعة الدائمة، إدامة النظر فيها. تعليق ما يمر به، أي فائدة أو معلومة جديدة تمر عليك تعلقها على حاشية الكتاب أو على الصفحة النهائية من الكتاب، المهم على دفتر. المهم تجعل مكان للتعليق أهـ قال: أو يعلق ما يسمعه من الفوائد النفيسة من الشيوخ على هذه الكتب أهـ كذلك يهتم بحل المشكلات والمعضلات العلمية، ويفرق بين الأحكام المتشابهات من خلال إدامة النظر ومعرفة الفروق بين في جميع

أنواع العلوم يعني هذه العملية عليك أن تمارسها في جميع أنواع العلوم، سواء قرأت المصنفات المطولات في النحو وفي أصول الفقه أو في الفقه أو في الاعتقاد؛ عليك أن تسلك هذا المسلك، القراءة المركزة الجادة في كتب أهل العلم.

قال: ولا يستقل بفائدة يسمعها، يعني إياك أن تستقل وتقول هذه هينة أو يمكن أن أجدها في مكان آخر فلا ألوي عليها، لا يصلح. أي فائدة تحصلها قيدها بالكتابة. قال: ولا يستقل بفائدة يسمعها، أو يتهاون بقاعدة يضبطها، بل يبادر إلى تعليقها وحفظها، ولتكن همته في طلب العلم عالية، فلا نكتفي بقليل العلم مع إمكان كثيره، ولا يقنع من إرث الأنبياء صلوات الله عليهم بيسيره، ولا يؤخر تحصيل فائدة تمكن منها أو يشغله الأمر والتسويف عنها، فإن للتأخير آفات، ولانه إذا حصلها في الزمن الحاضر حصل في الزمن الثاني غيرها.

ابن جماعة إذا يدعوك الآن إلى رفع مستوى الطموح، إلى رفع الهمة، ولتكن همتك يا طالب العلم همة حثيثة جادة دائمة، همة إنسان لا يشبع، وكما قال ابن عباس: همان لا يشبعان، طالب علم وطالب مال. طالب العلم لا يشبع من القراءة، من التصنيف، من الجمع، من التحصيل، من الأخذ من السنة الشيوخ ومن بطون الكتب. طالب العلم الذي يبحث عن العلم بحق تجده دائما مشغول الخاطر والذهن في مسائل العلم، يحاول أن يصل إلى فائدة، إلى حل معضلة، يحاول أن يصل إلى حكم شرعي أو مسألة نحوية، هذا الذهن دائما في انشغال مستمر من أجل تحصيل العلم والنهل منه.

هكذا كانت همة الأوائل رحمة الله تعالى عليهم، فنالوا الكثير من العلوم. أما نحن لما فترت الهمم عندنا وأصبحنا نكتفي بقراءة الكتاب والكتابين ثم نصدر أنفسنا على أننا الأئمة الكبار الذين لا يشق لنا غبار، وأصبحنا نزهد من سيرة السلف ومن كتبهم ونقول: هذه كتب مضى أيتها وذهب وقتها، واليوم نحتاج إلى كتب جديدة، إلى فكر جديد. هم لا يحتاجون إلى فكر جديد، هم تقاعسوا عن قراءة تلك الكتب، تكاسلوا عن طلبها، فأصبحوا يهونون على أنفسهم هذا الكسل ويقولون: نحن نريد أن نجدد. ومن في الحقيقة يريدون أن يذهبوا بالأمة لا تلقى عين قذر.

نعم، هؤلاء الذين يزهدون بقراءة المطولات والمصنفات الكبار ويقولون: دعوكم من هذا التخلف والرجوع إلى الوراء، اعلموا أصحاب همم قاصرة، أناس مفلسون لم يجدوا توفيقا من الله سبحانه وتعالى لهم، فأرادوا أن يبرروا تقصيرهم في حياتهم وتكاسلهم وعجزهم، ويظهروه في مظهر الإنسان الكيس الفطن الذي يريد أن يجدد ويريد أن يأتي بالشيء الجديد ودعونا نفكر في أمور أخرى. قل عن نفسك كنت كسولا، قل عن نفسك لم أعط توفيقا من الله سبحانه وتعالى لأقرأ هذه المصنفات، قل عن نفسك لم أستطع أن أبذل جهدي، وقِف عند هذه النقطة؛ هذا أولى من أن تخسر الدنيا والآخرة.

نعم، خسرت هذه الدنيا فلم تقف على كتب أهل العلم، لكن يرجى ببركة النية الصالحة أن الله سبحانه وتعالى يرفعك إذا حثت الجدد والجيل الصاعد من طلبة العلم على الرجوع إلى كتب التراث التي لم تجد من يرشدك إليها، أما أن تفقد أنت الرجوع إلى الكتب ثم تزهد طلبة العلم بها فهذا من الخذلان، نسأل الله سبحانه وتعالى ألا يحرمنا من فضله.

قال: واياك من التسويف. فعلا، التسويف وتأخير الأعمال إلى الأوقات من رعونات النفس، كما قال السكندري في حكمه: إن تأخير الأعمال إلى اوقات الفراغ من رعونات النفس. لماذا؟ لأن كثيرا من الناس يأخذ هذه السياسة، سياسة التسويف؛ هذا الشرح وهذا الدرس غدا أسمعه، وهذه المحاضرة لعلي في المساء أفعلها، وهذا الشيء غدا. طب ماذا تفعل الآن؟ تجده أما في ملهى، يعني من ملاهي الحياة الدنيا، أو مأكل أو مشرب، أو يريد أن يخرج زيارة مع أصحابه، أو يريد أن يخرج في رحلة أو فرجة، هذا همه، يخشى أن تفوته الفرجة والجلسات والسهرات والاجتماعات، ولا يخشى أن يفوته مجلس علم أو سماع محاضرة أو قراءة كتاب.

هذا أحبتي دلالة على قلة التوفيق، ولو وفق الله سبحانه وتعالى الإنسان لوفق الله سبحانه وتعالى طالب العلم أماً عالية؛ ستجد هذا الطالب يزهد في كل اللقاءات وفي كل حقول الاجتماعات وفي كل المتنزهات، وهمه وشغفه وعقله منشغل ومرتبط بكتب العلم. لربما يخرج إلى فرجة ينزه بها عن نفسه في كل شهر، لكن أن يخرج في كل يوم وفي كل أسبوع فهذه دلالة ضعف في الهمم، نسأل الله أن يقينا ضعف العزائم، فكلنا معرض لهذا الفتور.

قال: ويغتنم وقت فراغه ونشاطه وزمن عافيته وشرخ شبابه، يعني أوائل الشباب، ونباهة خاطره وقلة شواغله قبل عوارض البطالة أو موانع الرياسة. هنا يحثك ابن جماعة يا طالب العلم قبل أن تأخذك الدنيا، وقبل أن تنشغل بالوظائف، وققبل أن تنشغل بالزواج وتكاليف الأبناء، قبل أن تخوض في بحار هذه الحياة الدنيا؛ استغل فترة الشباب وشرخ الشباب، استغل أوقات الفراغ، أوقات العافية، هذه الغنيمة استغلها في طلب العلم. غدا لن تستطيع أن تحفظ وأن تقرأ وأن تطالع كما تستطيع أنت اليوم.

حينما تأتيك الشواغل ستعض أصابع الندم على كل ساعة فاتت من عمرك كنت بإمكانك أن تشغلها بالعلم، فإذا أنت أشغلتها بوسائل التواصل الاجتماعي؛ تعلق وتضحك وتبتسم وتنشر صورة لك وصورة لأصدقائك، في الحقيقة أتعجب من بعض طلبة العلم الآن، هم يزعمون أنهم طلبة علم وفي أوقات الفراغ وإذا هم يستغلون هذه الأوقات أمام وسائل التواصل؛ هذا يعبر عن احساسه، وهذا يعبر عن شعوره، وهذا يعبر عن خواطره. أخي الكريم، حافظ على مشاعرك، حافظ على خواطرك، اجعلها كلها في العلم.

حافظ على هذه الأزمان وهذه الدقائق وهذه الأنفاس، صدقني غدا حينما تشعر بالافلاس العلمي وأنك لم تضبط شيئا من العلوم ستعض أصابع الندم على كل ساعة كان بامكانك أن تكون فيها طالب علم فكنت فيها طالب دنيا أو طالب ولا شيء. لذلك ابن جماعة هنا نصيحة للشباب، نصيحة لمن كان في بوادر العمر؛ استغلوا الحياة، استغلوا العافية، استغلوا هذه الفترة قبل أن تفوتكم، قال: أو موانع الرياسة، عوارض البطالة أو موانع الرياسة، استغلوا قبل أن تصبحوا رؤساء، قبل أن تتولوا رئاسة عمل علمي أو رئاسة مشروع أو رئاسة مركز أو ما شابه.

استغلوا أحبتي فترة الشباب. بعض الشباب يبادر إلى التصدر، يبادر إلى أن يكون مسؤولا أو رئيسا في منطقة أو محل أو مشروع علمي أو أو دنيوي. ابن جماعة يقول لكم أيها الشباب قبل أن تنشغلوا بالترأس ويكون النهم عندكم أن تصبحوا رؤساء يصفق لكم ويشار إليكم بالتعلم؛ فإن الإنسان إذا أصبح مسؤولا عن عمل ضاع وقته في هذه الأعمال، وهنا أوجه نصيحة للشباب الذين يعملون في العمل الإسلامي؛ عليكم أحبتي ألا تخدعوا، عليكم ألا تغتروا بمن يقول لكم: تصدروا في أماكن العمل، واذهبوا واعملوا في هنا وهنا وهنا، وكونوا على أوائل الصفوف.

يريدون أن يضعوكم في الصدارة، ويريدون أن يقحموكم في مزالق الحياة الدنيا والفتن والشبهات قبل أن تنضج الثمرة، قبل أن تصبحوا مؤهلين علميا وفكريا وثقافيا وشرعيا لتولي هذه المناصب وللتصدر في هذه الأماكن. إياكم أن يغركم بعض المتعجلين لقطف الثمار، ويقول لكم يا فلان أنت ما شاء الله تحسن الكلام، اذهب تصدر، وأنت يا فلان قرأت كتابين أو ثلاث وتحسن نصف الجمل، اذهب وتكلم وقل هذه الصفوف وهذه الجماهير.

أحبتي، هذا من تلبيس إبليس، وصدقوني لو أن هذا الناصح لو كان حكيما لقال لك: اجلس في بيتك، اذهب تعلم، أنت انسان نبي، ليس مكانك أن تقف الآن في الصف الأول، مكانك أن تجلس وتتعلم لتكون عالما لهذه الأمة. هكذا الإنسان الذكي الحصيف ينصح طلبة العلم، ينصح من يرجى فيه الخير لهذه الأمة، أما الإنسان العجول، الإنسان المستهتر، الإنسان الذي لم يعرف طبيعة هذا الدين وحركة التاريخ وكيفية النهضة الصحيحة، فانه يتعجل بإذهاب الشباب إلى محارق لا يعرفون منتهاها.

قال عمر رضي الله تعالى عنه: تفقهوا قبل أن تسودوا. وقال الشافعي رضي الله عنه: تفقه قبل أن ترأس. هؤلاء الأئمة الكبار ينصحونكم هذه النصائح

فإذا رئست فلا سبيل إلى الفقه. وليحذر، هو يقول لك: إذا رئست فلا سبيل إلى الفقه، انتهى كل شيء. نعم.

وليحذر من نظرة نفسه بعين الكمال والاستغناء عن المشايخ. هذه نصيحة لمن تقدم في طلب العلم، أنصح بها نفسي وأحبتي ممن لديهم باع جيد في قراءة المصنفات العلمية: إياكم للحظة واحدة أن تتوهموا أنكم تستغنون عن المشايخ وأهل العلم. إياكم أن تظنوا في أنفسكم الكمال وأنكم الآن علماء وأنتم ما زلتم في مدارج الطلب. بعض طلبة العلم إذا وجد جمهوراً يصفق له، ووجد الناس يجتمعون حوله، ووجد إقبالاً على صفحته على وسائل التواصل، أو حضور بعض طلبة العلم في مجالسه، ظن بنفسه أنه أصبح عالماً كبيرا تحريرا، لا يحتاج إلى مراجعة الأشياخ، ولا يححب أن يظهر أمام طلبته جالساً في مجلس عالم، حتى لا يقال: فلان الذي يدرسنا ها هو في مجلس العلم. صدقوني أحبتي، رأينا من يخشى أن ينظر في مجالس العلم، ممن تصدر للتعليم يخشى أن يرقبه الطلاب في مجالس العلم، وهذا من الخذلان نسأل الله العافية.

من كان صادقاً لله سبحانه، ومن كان مخلصاً، فانه لا يستحي من أن يرى في مجالس العلم حتى لو تصدر. هكذا كان العلماء الكبار، يجلس العالم مع من هو أعلم منه سنوات ويستفيد منه. أحمد بن حنبل وهو في كبره وهو يعلم الناس ويتصدر لتدريسه، اسمع أن عالماً قدم من منطقة من مناطق الأرض فيذهب ويحمل محبرته يركض مع الطلبة. فرآه بعض الناس وقالوا: إلى متى يا أحمد تركض مع الطلاب؟ قال: من المقبرة إلى المحبرة. هكذا كان العلماء، لا يوجد شيء يسمى أنا أصبحت عالماً استغني عن الجلوس بين يدي المشايخ. هذه النظرة العليا للنفس هي دلالة وأمارة نفاق ورياء، عليك أن تتخلص منه. لا أجامل في مثل هذه الأمور لأنها أمور مفصلية في حياتك.

أخي طالب العلم، احذر من تلبيس إبليس؛ قال: فإن ذلك عين الجهل وقلة المعرفة، وما يفوته أكثر مما يحصله. كلما مضيت أكثر في طريق العلم كلما عرفت أنك أجهل وأنك تفقد الكثير من المعلومات، وكلما قل سيرك في العلم وقلت معرفتك ظننت نفسك أعلماً. هذه قاعدة منعكسة، هذه قاعدة منعكسة؛ فصار في طريق العلم عرف أنه أجهل، ومن قل مسيره في العلم ظن نفسه أعظم. ألا وقد تقدم قول سعيد بن جبير: لا يزال الرجل عالماً ما تعلم، فإذا ترك التعلم وظن أنه قد استغنى فهو أجهل ما يكون.

قال: وإذا كملت أهليته وظهرت فضيلته، ومحا على أكثر كتب الفن أو المشهورة منها بحثاً ومراجعة ومطالعة، حينئذ اشتغل بالتصنيف. وليس كما يحدث الآن، طالب العلم يقرأ كتاباً أو كتابين في الفن، فإذا هناك شروح في المكتبات مطبوعة باسمه، ووهو مرقوم على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي. أحبتي، من يريد أن يصنف، هذا الرجل يكون قتل هذا العلم بحثاً ونظراً ودراية، وليس طالب أخذ كتاباً أو كتابين. القضية ليس المهم أن تجد اسمك مرصوفاً على أسماء الكتب وفي المكتبات، الناس تقول ما شاء الله فلان له تأليف كذا وكذا، وفلان ما شاء الله له مئة مصنف وهذا له مئة تحقيق. أحبتي، ما تكتبون سيشهد عليكم يوم القيامة. إن كتبتموه من غير إتقان ستقفون بين يدي الله سبحانه: هل هذا مما كتبت أيديكم عن علم ونظر؟ هل قلتم علي بما لا تعلمون؟ فأعدوا جواباً أمام الله سبحانه.

قال: وبالنظر في مذاهب العلماء سالكاً طريق الإنصاف فيما يفعله من الخلاف. قالوا: وبالنظر في مذاهب العلماء. يتكلم عن مسألة الترجيح. من الذي يحق له يرجح؟ هل الذي يرجح طالب علم ما زال على مستوى الآجرومية ونظم الورقات وحفظ عمدة الأحكام؟ هل هذا هو الذي يرجح؟ هل طالب العلم الذي يرجح هو الطالب الذي يذهب إلى فتح الباري لابن حجر ويبدأ يتصفح وينظر فيقول: والله هذا القول أجده يتوافق مع عقلي وهواي، أو يتوافق والله أعلم مع مذاهب أهل العلم فأختاره وأفتي به؟ هل هذا الذي يرجح؟ نحن الآن أخواني نعاني من أزمة في هذا الموضوع، موضوع الترجيح.

الدكتور الجامعي يرجح ويقول: أنا دكتور جامعي. أحبتي، كلمة دكتور جامعي ليست من عند أهل العلم من أهليات الترجيح. أبداً لا تعني شيئاً في باب الترجيح. الذي يرجح هو العالم النحرير الذي ضبط النحو واللغة والأصول، ووقف على علم الحديث وعرف الصحيح والضعيف، ووقف على مذاهب العلماء فعرف مذهباً فمذهباً ودرج عليه ثم انتقل إلى المذاهب الأخرى دراية ومعرفة ثم بعد ذلك رجح. عرف مقاصد الشريعة ودرسها وضبطها وأحكم مداخل العلوم ومخارجها بعد ذلك يرجح. وليس الشخص الذي يعني صعد في مراتب الدراسات الأكاديمية أو حصل على كتاب أو كتابين أو إجازة من الشيوخ أو شهادات اعتماد من بعض البرامج هو الذي يرجح، ليس الطالب الذي وجد جمهوراً يصفق له ووجد الناس يحبون كلامه هو الذي يرجح. الذي يرجح هو العالم النحرير. وهذا أمر ستقف بين يدي الله أيها المرجح. إذا كنت تعلم نفسك لست عالماً وهذا أنت تدركه من نفسك، فاياك أن ترجح، قف على المذهب الذي تمذهبت به، وأما أن ترجح وأن تنصب نفسك أمام الناس مرجحاً وانت لا تضبط مذهباً واحداً من مذاهب العلماء فهذه قلة ديانة، هذه قلة ديانة.

وهذا كلام أوجهه للمتصدرين في المعاهد الشرعية وفي الدراسات الأكاديمية وفي الجامعات وعلى مراتب الشيوخ وعلى وسائل التواصل: إذا رجحت وأنت تعلم من نفسك أنك لم تصل إلى مرتبة الترجيح فهذه قلة ديانة، ستسأل عنها أمام الله. غررت الناس، غررت العوام وأوهمتهم أنك أهل لهذه المرتبة وأنك قرأت كتب أهل العلم ووقفت على المطولات وأنت في الحقيقة لم تمر على أكثر من مجلد أو مجلدين في الفقه وغيره من العلوم. اتق الله سبحانه وتعالى، فإن تقوى الله عز وجل هي الخطوة الأولى للنهضة بهذه الأمة؛ أن يكون عندنا علماء يتقون ربهم سبحانه ويعرفون أن تقوى الله عز وجل أهم من الجمهور ومن الثناء ومن الناس، حينئذ نستطيع أن نقول إننا بدأنا بحركة نهضة علمية حقيقية لنصنع واقعاً جديداً لأمتنا.

أذهب إلى الأدب السادس، قال: أن يلزم حلقة شيخه في التدريس والإقراء، بل وجميع مجالسه إن أمكن، فانه لا يزيده إلا خيراً أو تحصيلاً وأدباً وتفضيلاً. كما قال علي رضي الله عنه في حديث متقدم: ولا تشبع من طول صحبته، إنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء. نعم أحبتي، طالب العلم عليه أن يحرص على ملازمة الشيخ، هذه القضية بدأ فيها من جمع في الموضوع السادس موضوع ملازمة الشيوخ؛ على طالب العلم أن يحرص على ملازمة الشيوخ السنوات الطوال. العلم لا يأتي بيوم ولا بيومين.

صدقوني أحبتي، في إقامتنا للمدينة النبوية جلسنا على أيدي شيوخ كبار، شيوخ كبار في أعمارهم في الخامسة والأربعين والسادس والأربعين وكانوا يقولون لنا: نحن الآن وهم في هذا العمر يلازمون الشيوخ الكبار لهم الذين علموهم وهم طلبة علم. أذكر شيخنا عبد الله البارح يمتعه الله بالصحة والعافية، وهو من الدكاترة الكبار كان في الجامعة الإسلامية في المدينة النبوية، كنا نلازمه ونحضر بين يديه في الجامعة وفي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان كبيراً في السن لكنه قال: أنا إلى الآن ما زلت ألازم شيخي عبدالوهاب الشنقيطي حفظه الله. الشيخ عبد الله البارح وهو يدرسنا وهو في سن فوق الأربعين، لا يستحي بل يفتخر أن يقول: أنا الآن أجالس الشيخ عبدالوهاب الشنقيطي وما زلت ملازماً له ولازمته عشرة أعوام، هكذا أصبح عالماً.

هذا الرجل عبد الله البارح متعه الله بالصحة والعافية رأيته رجلاً موسوعياً في أصول الفقه وفي العلوم جملة، لا تكاد تسمع باسم كتاب إلا وقد وقف عليه وقرأه ونظر فيه. فعرفت أنه لم يؤتى هذا النهم في العلم إلا بجد في ملازمة العلماء، متابعة لهمساتهم وكلماتهم وتأدب على أيديهم، فرزقه الله سبحانه وتعالى النهم لطلب العلم، فيتفرغ في مكتبته في بيته الساعات الطوال أكثر من عشر ساعات يومياً في القراءة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزيهم عنا خير الجزاء على تربيتهم وتأديبهم وتعليمهم.

قال، ويجتهد على مواظبة خدمه والمسارعة إليها، فإن ذلك يكسبه شرفا وتبجيلا. خدمة الشيوخ هذه فكرة تكررت مع ابن جماعة في أكثر من موضع، ولا يقتصر في الحلقة على سماع درسه فقط إن أمكنه، فإن ذلك علامة قصور. يعني إذا كنت في حلقة الشيخ، لا تقتصر فقط على سماع درسك، بل حاول أن تسمع كل الدروس التي يعطيها الشيخ. لكن هذا متى أحبتي؟ كما قلنا إذا كنت تستطيع أن تجمع بين أكثر من فن، فاجلس في حلقة الشيخ في أكثر من فن. يعني مثلا الشيخ درس بعد الظهر النحو، وبعد العصر الفقه، هكذا كان الأشياخ قديما يدرسون في أكثر من علم في أوقات مختلفة. ابن جماعة يقول لك يا طالب العلم، لازم هذا الشيخ في جميع الدروس والحلقات.

قال، إذا كنت ممن يستطيع الملازمة، إذا كنت تستطيع أن تحضر أكثر من فن، أما إذا كانت طاقتك لا تستوعب أكثر من فن، فاقتصر على فن واحد. فهو يحثك إذا باختصار على ملازمة الشيخ في حلقاته. قال بل يعتني بسائر الدروس المشروحة ضبطا وتعليقا ونقلا إن احتمل ذهنه ذلك، ويشارك أصحابه حتى كأن كل درس منها له. يعني يقول لك حاول أن تشارك في جميع الدروس، إذا كان الدرس مكرر أو دروس مثلا في كتاب أنت حتى هنا عم شارك فيها، لكن إذا كان فن جديد أنت لم تشرع فيه، فهذا يتوقف على البرنامج العلمي والشيخ هو خير ناصح لك في هذا. قال، ولعمري إن الأمر كذلك للحريص، فإن عجز عن ضبط جميعها اهتنى بالأهم فالأهم منها. إذا كان ابن جماعة عاد فتدارك، قال أن هذا الأمر حضور جميع مجالس الشيخ خالص الإنسان الحريص الذي يستطيع ذهنه أن يستوعب، أما من لا يستطيع ذهنه استيعاب جميع الدروس، فعليه أن يهتني بالأهم فالأهم منها.

قال، وينبغي أن يتذاكر مواظبو مجلس الشيخ ما وقع فيه من الفوائد والضوابط والقواعد وغير ذلك، وأن يعيدوا كلام الشيخ ما بينهم، فإن في المذاكرة نفعا عظيما. وينبغي المذاكرة في ذلك عند القيام من مجلسه، قبل تفرق أذهانهم وتشتت خواطرهم وشذوذ بعض ما سمعوه عن أفهامهم، ثم يتذاكرونه في بعض الأوقات. يعني ابن جماعة ينتقل أيضا إلى موضوع مهم، موضوع المذاكرة. والمذاكرة تكون بين طلبة العلم وبين أقران الطلب، وهكذا كان دأب العلماء. العالم في أثناء طلبه كان متخذا قرينا من أصحاب الخير وليس قرين سوء، هذا القرين يذاكر معه هذا العالم أو طالب العلم جميع الدروس التي سمعها من شيخه. هي رحلة الطلب، لابد للإنسان أن يتخذ فيها رفيقا يعاونه على إتمام هذه الرحلة. ويقول لك ابن جماعة: عليك أن تتذاكر المسائل التي طرحها الشيخ مباشرة بعد أن قام الشيخ من مجلسه، تبدأون المذاكرة حتى لا تنسى هذه المسائل، ثم تعيدون فتتذاكرون هذه المسائل في وقت آخر أيضا لا أشكال، لكن ركز على أهمية المذاكرة في بداية أو بعد انتهاء الدرس مباشرة.

قال الخطيب البغدادي: وأفضل المذاكرة مذاكرة الليل. هذا وقت الخطيب البغدادي هكذا يرى، يرى أن المذاكرة بالليل أفضل. وهذه المسائل الحقيقة تختلف باختلاف حال طالب العلم، لذلك لا نلزم طالب العلم بوقت معين، الوقت الذي تجد فيه نفسك منشرح للمذاكرة رتب فيه موعدا مع أصدقائك. وكان جماعة من السلف يبدأون في المذاكرة من العشاء، فربما لم يقوموا حتى يسمعوا أذان الصبح. وما أجمل هذه الجلسات العلمية إذا وفقك الله إلى صحبة أناس يعشقون العلم! صدقني ستجد رحلة العلم أجمل رحلة تعيشها في الحياة، إذا وفقك الله سبحانه وتعالى لرفقة هؤلاء الصالحين الأنقياء الأتقياء، الهم الواحد فيهم أن يضبط مسألة أو يقف على شرح، هؤلاء هم زينة الحياة الدنيا، أسأل الله ألا يحرمنا من مجالسهم.

قال، فإذا لم يجد الطالب من يذاكره، ذكر نفسه بنفسه خاصة في زمن غربة العلم كهذا الزمن، وكرر معنى ما سمعه ولفظه على قلبه ليعلق ذلك على خاطره؛ فإن تكرار المعنى على القلب كتكرار اللفظ على اللسان سواء بسواء. يقول لك ابن جماعة: إذا لم تجد رفيقا في رحلة الحياة، وكثير من الطلبة يشكو من هذا الأمر، فاتخذ نفسك رفيقا. بل بعض أهل العلم يقول: كنت أسمع محفوظي للجدران والبهائم! عجيب حالهم، كنت أسمع محفوظي للجدران والبهائم، يتوهم أن هناك شخص يجلس أمامه يبدأ يتذاكر معه العلم ويسمع منه، أنه يجلس أمام بهيمة أو دابة أو أمام هذه الجدران. لكن هذا يدل على أهمية أن الإنسان يتذاكر العلم ويمرمر المعلومات التي أخذها من الشيخ أكثر من مرة على قلبه، فهو يشبهها كما أن الحفظ يحتاج إلى تكرار، كذلك ضبط المسائل الدقيقة أحبتي لا يكون إلا بتكرار إمرارها على القلب.

قال، وقل أن يفلح من اقتصر على الفكر والتعقل بحضرة الشيخ خاصة، ثم يتركه ويقوم ولا يعاوده. يعني لا يفلح في علمه من كان طلبه للعلم واستحضاره المسائل والتفننه فيها فقط في مجالس العلم، فإذا انفض المجلس وعاد إلى بيته اشتغل بوسائل التواصل، والتلفاز، ومع الأهل والخلان، هذا قل أن يفلح؛ لأن العلم الشرعي يجب أن يبقى على ذهن الطالب يمر معه في كل أيامه، وفي كل ساعاته ودقائقه ما وجد لذلك سبيلا. فلذلك يقول لك ابن جماعة: لابد من المذاكرة. أما أن تحضر المجلس ثم تغلق الكتاب كما يفعل طلبتنا اليوم، ثم لا يفتح الكتاب إلا في الدورة القادمة أو في المجلس القادم، فهذا قل أن يفلح، وهذه أظنها مشكلة أحبتي من أكبر المشاكل التي يعاني منها طلبة علم اليوم، عدم المراجعة. إن الطالب لا يمر على الكتب، لا يمر على المسائل بعد أن يأخذها من الشيخ، يغلق الكتاب في مجلس العلم، ثم في المحاضرة القادمة يبدأ يفتح الكتاب ويحاول أن يتذكر ويلملم، وهذا لا يصلح أحبتي، طلب العلم عملية جدية مستمرة، هي رحلة حياة، عليكم أن تعشقوا هذه الرحلة، عليكم أن تحبوا العلم، عليكم أن تتعاملوا معه كما تتعاملون مع معشوق، نعم هذا معشوق عليك أن تتعامل معه، وهذا أجمل عشق، هذا أطهر عشق، هذا أروع عشق أن يرزقك الله سبحانه وتعالى عشق العلم.

طيب نكمل، ذهب الوقت، والآن سيتكلم عن مسألة يعني ناخذ شيء من الأدب السابع. قال: إذا حضر مجلس الشيخ، سلم على الحاضرين بصوت يسمعه جميعهم، وخص الشيخ بزيادة تحية وإكرام، وهذا مر معنا سابقا، وكذلك يسلم إذا انصرف، السلام إذا دخلت على حلقة العلم والسلام إذا خرجت. وعد بعضهم حلقة العلم في حال أخذهم فيه من المواضع التي لا يسلم فيها، يعني بعض العلماء وقد ذكر هذا الحنابلة والله من أهل العلم يقولون: إذا دخلت على تسعين فهذا ليس موضع سلام، فنجلس مباشرة من دون أن تطرح التحية حتى لا تشغل الشيخ والطلبة. لكن ابن جماعة له رأي آخر، يقول: وهذا خلاف ما عليه العرف والعمل. يعني يقول: الأصل أن السلام أيضا يكون في حلقة العلم. وهذا الرأي لبعض أهل العلم مرجوح. هذا هو رأي ابن جماعة، يرى أن هذا أيضا من المجالس العامة، مجلس العلم من المجالس التي ينبغي أن يطرح فيها السلف. لكن استثنى، قال: لكن يتجه ذلك في شخص واحد مشتغل بحفظ درسه وتكراره، يعني دخلت المسجد أو حلقة أو مكتبة فوجدت شخص مشغول بالمراجعة والتكرار، لا تقطع حبل أفكاره بالسلام. نعم هذا هو الأفضل، وهذا استحبه كثير من أهل العلم، وهذا ابن جماعة يرجح هذا.

طيب قال: وإذا سلم عليه، فلا يتخطى رقاب الحاضرين. يقول: إذا دخلت على مجلس العلم وسلمت، قال: لا تتخطى رقاب الحاضرين وتتجاوزهم إلى قرب الشيخ. قال: فلا يتخطى رقاب الحاضرين إلى قرب الشيخ من لم يكن منزلته كذلك. إن بعض طلبة العلم ربما الشيخ هو أصلا يقدمه لأمر معين، هو القارئ أو المستملي، أو الشيخ يريد لأنه يضبط له شيئا في الكتاب، فمرتبته أن يكون بقرب الشيخ، فحتى لو جاء متأخرا لهدا. أما غيرهم ممن ليس منزلتهم بقرب الشيخ فهذا يجلس حيث انتهى به المجلس. قال: بل يجلس حيث انتهى به المجلس كما ورد في الحديث، فإن صرع له الشيخ والحاضر.

بالتقدم أو كانت منزلته، يعني التقدم أو كان يعلم إيثار الشيخ والجماعة، لذلك فلا بأس، يعني لا بأس أن تتقدم إذا كان يعني المجال والظروف متاحة لذلك باختصار، قال: ولا يقيم أحداً من مجلسه أو ولا يقيم أحداً من مجلسه أو يزاحمه قصداً، فإن أثره الغير بمجلسه لم يقبل إلا أن يكون في ذلك مصلحة.

يعني إذا أتيت إلى مجلس العلم إياك أن تقيم رجلاً من مجلسه وتجلس فيه، فلست أنت بأحق بذلك من من هو صاحب الأحقية؛ لأنه سبقك إليه، الآن هو قال لك وقد أجلس فالاصل أيضاً لا تقبل وتتمنى؛ فإن هذا لا يليق بك، ودلالة تكبر وأنك ترى نفسك أحق من هذا المكان منه فقبلت مباشرة، لكن إذا كان هناك مصلحة في جلوسك في هذا المكان فدائماً اه المصالح تقدر بقدرها، اه قال: إلا أن يكون في ذلك مصلحة يعرفها القوم وينتفعون بها من بحثه مثلاً مع الشيخ لقربه منه، أو لكونه كبير في السن مثلاً يحتاج أن يتكأ على حائط، أو كثير الفضيلة والصلاح.

قال: ولا ينبغي لأحد أن يؤثر بقربه من الشيخ إلا لمن هو أولى بذلك لسنه أو علمه أو صلاحه، يعني الطالب النبيه المجلس هو فارغ فيجلس في آخر المجلس، بل يتقدم إلى قرب الشيخ ولا تؤثر بذلك أحداً؛ فالإيثار لا يكون في الطاعات وفي القرب، هذه قاعدة عامة في باب العبادات، بل الإيثار يكون في أمور الدنيا. قال: بل يحرص على القرب من الشيخ إذا لم يرتفع في المجلس على من هو أفضل منه، إذا كان هناك أفضل لا أرجع، ما في أفضل كن أنت متقدماً وحريصاً على هذه المنزلة.

قال: وإذا كان الشيخ في صدر مكان فأفضل الجماعة أحق بما على يمينه ويساره، يعني إذا كان الشيخ تصدر في مكان معين، أفضل القوم الناس أصحاب الصلاح والعلم أين يجلسون؟ نعم أصحاب الصلاح والعلم المفضلون يجلسون عن يمين ويسار الشيخ، هذا مكان التفضيل. قالوا: وإن كان الشيخ على طرف صفة أو نحوها، يعني دكة مرتفعة عن الأرض، قال: فالمبجلون مع الحائط أو مع طرفها قبالته، فيكون أهل الصلاح والفضل اه على الحائط متكئون على الحائط قبالة الشيخ وليس في المنتصف لا يركون على شيء، هذا طبعا يتعلق بأهل الفضل والصلاح.

قال: وينبغي للرفقاء في درس واحد أو دروس أن يجتمعوا في جهة واحدة ليكون نظر الشيخ إليهم جميعا عند الشرح، ولا يخص بعضهم اه في ذلك دون بعض، يعني من كان يأخذ على الشيخ علم معين فهؤلاء الرفقة الذين يأخذون علم معين يكونون في مكان واحد، ليس أحدهم هنا والاخر في الجهة الاخرى، كيف اضطر ان يفرق النظر هنا وهناك حتى يسمع هذا ويسمع هذا؟ لا، أنتم تأخذون درساً واحداً مشتركون في سماع هذه المادة، والشيخ يسمعكم في واحد يشتركون في زاوية واحدة، وهذا لربما يتعلق يعني بطريقة طلب العلم في الزمن الغابر.

قال: وقد جرت العادة في مجالس التدريس بجلوس المتميزين قبالة وجه المدرس أو المبجلين من معيد أو زائل عن يمينه أو يساره، يقول: هذه العادة التي سار عليها العلماء أن المتميزين أو المبجلين هم الذين يأخذون حظوة والمكانة العليا في المجلس، سواء كان عن يمين أو يسار الشيخ أو في قربه. طيب الآن هل نكمل الأدب الثامن؟ أرى أن نقف عند الأدب الثامن حتى لا نطيل المجلس، وفي المحاضرة القادمة بإذن الله أحبتي نكمل مسيرتنا الجميلة الرائعة مع ابن جماعة يعرفنا على مسالك الطلب ومناهج الأدب عند علمائنا الأوائل، وهذا نهاية المجلس، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.