يا طالبا للعلم يرجو نفعه، اسمع نصيحة ناصح معواني. لربك في أمورك كلها، فالمخلصون هم أولُو العرفان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده في مدارسة علم الأدب، من خلال كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم للإلام ابن جماعة الشافعي رحمة الله تعالى عليه.
وكنا في المحاضرة السابقة أحبتي شرعنا في الفصل التشويقي الذي يذكر فضل العلم وفضل العلماء وطلبة العلم، وما أعد الله سبحانه وتعالى لهم من الثواب العظيم الجزيل في هذه الدنيا وفي جنات النعيم.
وذكر ابن جماعة عليه رحمة الله في هذا الفصل مجموعة من الآيات بدأ بها تذكر فضل العلم وفضل أهله، ثم أتبعها بمجموعة من الأحاديث النبوية، ثم بعد ذلك سيذكر مجموعة من آثار الصحابة، ويلملم شتات هذا الباب في كلام يختمه ويهذب به.
في المحاضرة السابقة اه مررنا على الآيات التي ذكرها ابن جماعة، وعرفنا ما فيها من الثواب العظيم الجميل الذي يدخره الله سبحانه وتعالى لطلبة العلم الصادقين. هذا الوعد الإلهي من الرب سبحانه وتعالى لذاك الطالب الذي يسهر ليله ويكد نهاره من أجل طلب العلم، من أجل تحصيله، يتعب ويسهر، يذهب إلى الشيوخ ويضبط ويحفظ ويلخص من أجل مرضات الرب سبحانه وتعالى.
ليصل هذا الدين، لتصل كلمة الحق إلى كل أرجاء المعمورة. إذاً أحبتي، هذا هو الفضل والثواب الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه، مررنا عليه في المحاضرة السابقة بالتفصيل. ولم يستوعب ابن جماعة، كما قلنا، لم يستوعب جميع الآيات التي تتحدث عن فضل العلم وفضل أهله، وإنما ذكر طائفة منها.
ثم انتقل بعد ذلك إلى الآثار النبوية التي تتحدث عن فضل العلم، سرنا على مجموعة من هذه الآثار، واليوم بإذن الله نكمل الرحلة مع ما بقي من هذه الأحاديث، أذهب إلى آثار الصحابة ونختم هذا الباب بحول الله.
وصلنا إلى قوله صلى الله عليه وسلم، قال ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه: وعنه صلى الله عليه وسلم: يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء. هذا الحديث الذي يذكره ابن جماعة في هذا الموطن، تعليقنا عليه أيها الأحبة أنه ورد مجموعة من الأحاديث، في الحقيقة ليس فقط هذا الحديث، وردت في كتب اهل العلم مجموعة من الآثار والأحاديث التي ترفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم تتحدث عن الموازنة والمقارنة بين مداد العلماء ودم الشهداء.
ومداد العلماء هو الحبر الذي به يسطرون المصنفات والكتب لنفع هذه الأمة، فهو إذاً كناية عن الجهد الذي يبذله العلماء والتعب الذي يقومون به. فمداد العلماء كناية عن الجهد الذي يبذله العلماء في مصنفاتهم وتأليفهم لنفع هذه الأمة، فوردت كما قلت لكم مجموعة من الأحاديث ترفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم تعقد مقارنة اه بين مداد العلماء، يعني جهد العلماء، ودم الشهداء، ايهما افضل؟
وفي الحقيقة جميع الأحاديث التي وردت في هذا الباب ضعيفة ولا تتقوى مع بعضها البعض لشدة ضعفها، اه ولكن هذه المقارنة وردت عن طائفة من السلف رحمة الله تعالى عليهم، كالحسن البصري كما ذكر السخاوي رحمة الله عليه في المقاصد حسنة. وهذه المقارنة وإن لم تكن ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما قررنا من الناحية الحديثية، لكن لها حظها من النظر.
لأن العالم الذي يحيي الأمة بمداده وتعب وجهده وتصنيفه وتأليفه ليس أقل شأناً من الشهيد والمجاهد الذي يحيي الأمة بدمائه وروحه. اه ابن القيم رحمة الله تعالى عليه في مفتاح دار السعادة عقد مقارنة لطيفة، عقد فصلاً في هذه المقارنة بين مداد العلماء ودم الشهداء، أيهما أفضل؟
وان المحصلة النهائية التي توصل إليها ابن القيم عليه رحمة الله أنه لا يمكننا أن نعطي حكماً عاماً مطلقاً أن ميدان العلماء هو الأفضل دائماً، أو مداد اه أن مداد العلماء هو الأفضل دائماً أو أن دم الشهداء هو الأفضل دائماً مطلقا. لا، قال: أحياناً قد يكون مداد والتعب والجهد الذي بذله العالم الفلاني أفضل عند الله سبحانه وتعالى من الجهد الذي بذله المجاهد والشهيد في سبيل الله، وأحياناً يكون بالمقابل، قد يكون لا ذاك الشهيد الذي بذل روحه ودمه في سبيل الله فلان الفلاني أعظم عند الله سبحانه وتعالى مرتبة من الجهد الذي بذله ذاك العالم الآخر.
فخلاصة كلام ابن القيم أننا لا نستطيع أن نأتي بحكم عام دائماً نقول العالم افضل من الشهيد، والتعب الذي يبذله عالم افضل من آآ التضحية التي يبذلها الشهيد أو بالعكس، بل ندع هذه الأمور إلى الله سبحانه وتعالى، فقد يفوق العالم الشهيد في بعض الأحيان، وقد يفوق الشهيد العالم، وكل ذلك عند الله سبحانه وتعالى.
لكن الفكرة المهمة في هذا الباب هي أن القلم والمداد والتصنيف والتأليف وطلب العلم وتعليم الناس ونشر الخير وزراعة الفكر والوعي في المجتمع ثوابه عظيم وأجره كبير، وهو صور من صور البذل والتضحية في سبيل الله. طلب العلم ونفع الناس والتصنيف والتأليف ونشر الخير في المجتمعات هذه أو هذا ثغر من الثغور يجب أن يثبت له طائفة من الأمة.
لذلك قال سبحانه وتعالى: فَلَوْلَا نَفَرَ من كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ. فكما أن هناك جهاد بالسنان، فهناك جهاد بالحجة والبنان، كما أن هناك جهاد بأسنان السيف، هناك جهاد بالحجة والبنان، بالكتابة وباللسان أيضاً، بنشر العلم وتعليمه وتوعية المجتمعات بالخير.
فإذاً أحبتي، إياكم أن تقولوا الشهيد في سبيل الله دائماً هو الأفضل من العالم، أو إياكم أن تتوهموا أن طلب العلم وأن السعي في نشر الخير وتعليم المجتمعات هذا أمر يسير سهل، هناك ما هو أكرم وأفضل منه يجب أن نشتغل به. كلا، إن اعظم القربات التي يتقرب بها إلى رب البريات في هذا الزمن خاصة الاشتغال بطلب العلم وتحصيل هذا العلم لنشره وتوعية الناس.
أنتم ترون الجهل الذي يعم بلاد المسلمين، لا نتكلم عن بلاد الكفار، نحن نتكلم عن بلاد المسلمين، جهل وقلة في العلم، وتصدر لمن ليس من أهل العلم ليتكلم بلسانه ونشر أفكار خاطئة وظهور فرق ضالة، كل هذا يحتاج إلى الجهاد على ثغر العلم، يحتاج لمن يتفرغ، لمن اه يقف هذه النفس وهذه الحياة لله سبحانه وتعالى لتصل كلمة الحق إلى أهلها.
فإذاً لكل ميدان المجاهد له ميدان، وهو العالم له ميدانه، لكل ميدانه وثغره، والله سبحانه وتعالى يبارك في جهد الجميع.
إذا عرفنا أن هذه المقارنة أو أن هذا الحديث يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء حديث ضعيف جداً، ولكن أصل الفكرة وأصل هذه المقارنة ورد عن جماعة من السلف، وهي مقارنة تدل على شرف العلم، وعلى أن العالم ليس بأقل من المجاهد في سبيل الله.
يعلق ابن جماعة على هذا الأثر فيقول: قال بعضهم، يعني قال بعض أهل العلم معلق على هذا الأثر: هذا مع أن أعلى مال الشهيد دمه، وأدنى ما للعالم مداده. يعني هذه المقارنة هي لم تثبت، لكن هذا تعليق، بعض أهل العلم يعلق على هذا الحديث فيقول: يعني يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء، إذاً المقارنة بين المداد والدم، مع أن اعظم ما يملكه الشهيد ايش في حياته؟ والدم هو الروح، ما يملكه وأقل ما يبذل العالم في هذه الحياة ايش أرخص شيء؟ الأقلام والحبر.
ومع ذلك توزن، ومع ذلك توزن هذا الحبر وهذه الأقلام اليسيرة بخيسة الثمن مع ذاك الدم الذي هو أغلى للشهيد ليدلل على فضل العلم وفضل العلماء وقيمة ما يكتبونه.
أذهب إلى الأثر الذي بعده أحبتي، قوله صلى الله عليه وسلم، قال وعنه صلى الله عليه وسلم: ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين. ولا فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. ولا فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد.
اه أيضا هذا الحديث إخواني حديث ضعيف جداً، بل حكم عليه أهل العلم بأنه واهن.
بأسانيد وطرق هذا الحديث وهو ضعيف جدا. وقد مر معنا إذا تذكر في المحاضرة السابقة المقارنة بين من ومن، بين الفقيه العالم وبين العابد، في الحديث الذي مر معنا قوله صلى الله عليه وسلم: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. مر معنا في المحاضرة السابقة، وأيضا هذا الأثر كان ضعيفا، والصحيح أنه مرسل. لكن اه كما قلت لكم، مجموعة كبيرة من الآثار وردت فيها المقارنة بين الفقيه وبين العابد. انظروا، قبل قليل كانت المقارنة بين إيش؟ بين العالم وبين الشهيد.
والآن مقارنة بين الفقيه وبين العابد. اه أيضا مرت معنا مقارنة سابقة بين الفقيه والعابد في قوله صلى الله عليه وسلم وفضل العابد العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب. وهذا أيضا ذكرناه في المحاضرة السابقة. فإذا هناك آثار كثيرة تتحدث عن المقارنة بين العالم والعابد لتركز وتؤكد أن العالم، أن الفقيه، أن صاحب الرسالة، أن المعلم أفضل عند الله سبحانه وتعالى من العابد. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: فضل العالم على العابد كفضله على أدناكم. وفي الحديث الآخر يقول عليه الصلاة والسلام: فضل العالم اه على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب. وفي هذا الحديث يقول صلى الله عليه وسلم اه ذهبت الصفحة، وأنا فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد.
أشد على الشيطان من ألف عابد. برأيكم أحبتي، لماذا الفقيه الواحد أشد على الشيطان من ألف عابد؟ طبعا هذا الحديث ضعيف، لكن أنا أحيانا آخذ المعنى وأنظر وأتأمل. هل المعنى صحيح؟ لأن أحيانا بعض الأحاديث تكون ضعيفة من الناحية الإسنادية، لا نقبلها، لكن ننظر في معناها ونأخذ منها فكرة إن كانت الفكرة صحيحة تتوافق مع الأصول العامة للشريعة فننبه عليها. لماذا الفقيه الواحد أشد على الشيطان من ألف عابد؟ أي من العباد، لأن الفقيه الواحد، كما ذكر ابن القيم في مفتاح دار السعادة، نفعه يتعدى إلى غيره.
نفعه لا يقتصر على نفسه أحبتي. الفقيه العالم ينشر الخير في المجتمعات، يرفع كلمة الحق، بتعليمه ينتشر الصلاح، ويبيتعد أهل الرذائل، ويقل الفساد، وتنتشر الفضيلة، وتقل الرذيلة، فلذلك نفعه عظيم. فهو يصلح نفسه ومجتمعه الصغير والكبير، وأما العابد فإن نفعه قاصر على نفسه، وإن انتفع به أهل فلا يتعدى أكثر من ذلك. يعني بالكثير كما يقولون، العابد ربما ينظر إليه ولده أو زوجته فتتأثر بعبادته تقتدي به، فنفعه حتى لو تعدى إلى غيره فالإلى دائرة محصورة جدا.
والله سبحانه وتعالى يحب الخير العميم الذي يبذله عالم، لأنه يسعى في صلاح هذه الأرض، يسعى في نشر الخير، يسعى في نشر كلمة التوحيد، يدخل الناس في دين الله أفواجا. هذا بالتأكيد أفضل وأعلى مرتبة من الإنسان الذي يشتغل في إنقاذ نفسه فقط ولا يلتفت إلى إنقاذ غيره. إذا لم نعلق على هذا الحديث كثيرا، ننتقل إلى الحديث الذي يليه. لكن هذا الحديث، ما عبد الله بشيء أفضل من الفقه في دين الله، ولا فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف كما ذكر البيهقي في شعب الإيمان آآ روي عن ابن شهاب الزهري. إذا هو لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ذكر البيهقي في شعب الإيمان أنه روي عن ابن شهاب الزهري، فبالتالي هو قول لابن شهاب أي في أحسن أحواله.
نذهب إلى الأثر الذي يليه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث انتبهوا إليه، لأنه حديث مهم وكثيرا ما يرد في كلام أهل العلم. قال صلى الله عليه وسلم: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله. ماذا يفعلون؟ قال: ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. هذا الحديث من الناحية الإسنادية ذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه حديث ضعيف، وذهبت طائفة أخرى كابن القيم وجماعة من أهل العلم إلى أن هذا الحديث يتقوى بمجموع طرقه إلى أن هذا الحديث يتقوى بمجموع طرقه.
فقد ورد هذا الأثر عن جماعة وعن طائفة كبيرة من الصحابة، اه كأسامة بن زيد وجابر بن سمرة وعبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر. له طرق كثيرة، لا تخلو طريق من ضعف، لكنها باجتماعها وتضافرها ترتقي إلى مرتبة الحسن، وهذا هو القول الذي نسير عليه. أن هذا الحديث بمجموع طرقه وتلقي الأمة له بالقبول يرتقي إلى مرتبة الحسن لغيره بإذن الله. هذا من الناحية الإسنادية، لكن دعونا أحبتي ندخل في الناحية المعنوية، وهي التي تهم الآن. لا أحب كثيرا أدخل في الأسانيد والتعليق على الرجال وما شابه ذلك وما سبب الضعف، لأن هذا أظنه يبعدنا عن الفكرة الأساسية لهذا الكتاب. نحن لا نريد تخريج الأحاديث، إن كان الحديث فيه ضعف شديد بيناه، إن كان هناك بعض أهل العلم يصحح هذا الحديث أو يحسن بينا وجهة النظر الأخرى، خاصة أن هذه الأحاديث إخواني في فضائل الأعمال، وفي باب فضائل الأعمال إذا وجدت طائفة من أهل العلم يقبلون هذا الحديث ويحكمون عليه بالحسن، وكانوا من أئمة الحديث المحققين، فبالتالي نسير على قولهم رجاء أن اه يتحصل لنا هذا الفضل بما أنه لا يتعلق به تحليل ولا تحريم ولا امور شديدة، وإنما هو فقط في فضائل الأعمال.
المهم، أدخل في عمق هذا الحديث. قال صلى الله عليه وسلم: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله. هذا المقطع الأول من الحديث، اختلف العلماء في فهمه. ما هي المشكلة؟ المشكلة أحبتي أن قولوا أن قوله صلى الله عليه وسلم يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله يجعل بعض الناس يرتبك في فهمه. ينظرون في الواقع المعاصر، بل حتى في أيام السلف ينظرون في أحوال الناس، يجدون أن بعض الفساق وعلماء السوء، بعض الناس الذين ليسوا بعدول أيضا حملوا شيئا من العلم، فكيف يقول صلى الله عليه وسلم يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله؟
النبي عليه الصلاة والسلام يقول: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله. نحن في حياتنا نرى كثيرا من الفساق، من أصحاب اللحى المأجورة ومن علماء السوء، يحملون أيضا شيئا من هذا العلم، فكيف نفهم هذا الحديث؟ هناك فهمان بشكل عام، هناك فهمان لاهل العلم اه لهذا المقطع من الحديث. ابن ابن عبد البر وابن القيم رحمة الله عليهم يرون أن هذا الحديث معنى، طبعا أنا أخلص لكم الكلام ليس بألفاظهم وإنما بمعناه، معنى هذا الأثر أن العلم النافع، العلم الذي تظهر بركته وينتفع الناس به وينتشر في الأرض ويكتب الله له القبول، لا يحمله إلا العدول.
وأما ما يحمله الفساق وأصحاب اللحى المأجورة وأصحاب النوايا الخبيثة السيئة من العلم، فهو إن جمعوا شيئا من علوم الآلات أو حصلوا شيئا في الفقه أو درسوا شيئا في أصول الفقه، فإن هذا العلم لا تظهر بركته ولا ينتفع الناس به إلا بشكل محدود، ويمحق الله سبحانه وتعالى ثوابه عن صاحبه. فإذا على رأي ابن عبد البر وعلى رأي ابن القيم، العلم هنا العلم النافع المثمر الذي فيه البركة والخير والقبول وينتشر والله سبحانه وتعالى يبارك فيه، نعم هذا لا يحمله إلا العدول.
وأما تحصيل شيء من القواعد والقوانين في الفنون من الفساق وأصحاب النوايا الخبيثة، فهذا يحصل، لكن الله سبحانه وتعالى صدقوني لا يبارك في علمهم، ولا ترى ذاك النور يخرج من أفواههم، وإنما هو علم يدرسونه للطلبة في معاهدهم وجامعاتهم، ثم بعد ذلك يذهب ويزول، ولا يبقى إلا الخير النافع الذي رضيه الله سبحانه وتعالى. إذا هذه نظرة لبعض أهل العلم. النووي رحمة الله عليه يفهم هذا الحديث على وجه آخر. يقول هذا الحديث لم ينفي أن الفساق لا يحملون العلم. هل هذا الحديث عندما قال يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، هل هذه العبارة أن الفساق وأصحاب النوايا السيئة الخبيثة لا يحملون العلم؟ يقول النووي: أنا لا أفهم هذا من الحديث.
الحديث لم يحصر العلم فقط في اهل العدل، ولكن مراد الحديث هكذا يقول النووي: مراد الحديث أن أهل العدل إذا حملوا العلم الشرعي فإنهم يقومون ويؤدّون هذه الوظائف الثلاث التي ذكرت بعد ذلك: ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين.
وأما الفساق وأصحاب النوايا الخبيثة السيئة لو حملوا العلم، قد يحملون العلم ولكنهم لا يقومون بهذه الوظائف، لا يقومون بهذه الوظائف. وهذا الفهم في الحقيقة أجده قريباً مقبولاً. فهم النووي رحمة الله عليه أجده قبيلاً مقبولاً.
يعني يسير مع السياق العام للحديث، والفهم الأول له أيضاً حظه من النظر لا إشكال، لكن أنا أحب هذا الفهم من النووي رحمة الله عليه؛ أن الحديث لا يقول إن الفساق لا يحملون العلم، بل يحملونه، ولكن أهل العدل أصحاب العدالة إذا حملوا العلم فإنهم هم الذين يقومون بالوظائف الثلاث الأساسية المحورية للعلم، وأما أصحاب النوايا الخبيثة فلا يقومون بهذه.
إذا فهمنا الآن اه توجهات العلماء في فهم المقطع الأول. طيب، نذهب الآن لننظر في هذه الوظائف التي يؤديها العلماء العدول، هذه الوظائف التي يؤديها العلماء العدول: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه.
أولاً: تحريف الغالين. ما معنى تحريف الغالين؟ تحريف الغالين أيها الأحبة، آآ هو ما يقوم به الغلاة - وسنفهم الآن ما هو الغلو - من اه التجاوز عن المعنى الصحيح للنص إلى معنى آخر فاسد لا يدل عليه النص. هذا يسمى إيش؟ تحريف، مجاوزة المعنى الصحيح المراد من النص الذي يدل عليه النص ظاهراً إلى معنى آخر فاسد لا يدل عليه النص.
والغلو هنا أحبتي ينشأ من طوائف كثيرة، ينشأ من طوائف كثيرة، طوائف كثيرة تمارس هذا الغلو في التحريف. فعبر التاريخ ظهرت عندنا الطائفة الباطنية التي تأتي إلى النصوص الشرعية فتحرفها، تحملها وتصرفها عن معانيها الصحيحة الشرعية إلى معاني معاني أخرى، وهذا غلو.
كذلك في الوقت في وقتنا المعاصر عندنا الحداثيون، الحداثيون الذين يقولون علينا أن نفهم النصوص بشكل جديد، التجديد في فهم النص الشرعي، وما هو التجديد؟ هو التحريف، حمل معاني النصوص إلى على معاني جديدة فاسدة لا يريدها النص أبداً.
كذلك أحبتي الفرق الضالة التي خرجت عبر التاريخ من معطلة صفات الله سبحانه وتعالى، الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، أو الذين يفرغون النصوص من محتواها الذي نزل التي نزلت من أجله. كل هذه الطوائف يصدق عليها أنها تمارس عملية التحريف، وأنهم غلاة، وأنهم غلاة بهذا المعنى.
الغلو هو مجاوزة الحد. ما وجه الغلو الذي تمارسه هذه الطوائف؟ أنها تجاوزت المعنى الصحيح الذي نزل عليه النص إلى معنى آخر فاسد لا يتحمله النص بوجه من الوجوه، وهذا هو الغلو في فعلهم. فالعلماء العدول يكشفون زيف هؤلاء، يكشفون زيف الباطنية، يكشفون زيف اه الحداثيين، يكشفون زيف المعتزلة الجدد العقلانيون التنويريون الذين يظهرون الآن ويتحدثون باسم الإسلام ويريدون هدم الإسلام من الداخل.
حتى وإن ظهروا بلحى ولبسوا العمامات وظهروا على شاشات اه التلفاز، هؤلاء إنما يريدون هدم الإسلام من الداخل، وعلماء السنة الذين يسخرهم الله سبحانه وتعالى لهذا الدين يكشفون زيفهم وتحريفهم بتوفيق الله سبحانه وتعالى ونصرته وتأييده. إذاً فهمنا ما معنى تحريف الغالين؟ تمام.
ننتقل إلى الشيء الآخر: قال وانتحال المبطلين. وانتحال المبطلين، ما معنى انتحال المبطلين؟ أهل الباطل المبطلون هم أهل الباطل، أهل الباطل ينسبون أنفسهم إلى الحق وينتحلونه ويلبسون عباءته ويتظاهرون أنهم من أهله. أهل باطل أحبتي ينتحلون الحق لأنفسهم ويتزينون به ويلبسون عباءته وهم أهل باطل وليسوا أهل حق.
نعطي مثال على هذه الظاهرة، الآن كثير من أهل الباطل ينسبون أنفسهم إلى السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، كثير من الفرق الباطلة المرجئة اليوم والجهمية تنسى أنفسها إلى السلف الصالح، وفي المقابل الخوارج والغلاة اليوم ينسبون أنفسهم إلى السلف الصالح، المعطلة للصفات تنسب أنفسها إلى السلف الصالح.
فلاحظوا أهل البدع وأهل الضلال هم أهل باطل وينسبون أنفسهم إلى السلف الصالح وينتحلون أسمائهم ويلبسون عباءتهم ويقولون نحن السلف والسلف منهم! من الذي يكشف زيف هذا الانتساب وبطلان هذه النسبة؟ العلماء الربانيون هم الذين يبينون أن هذا الانتحال من أهل الباطل انتحال كاذب فاسد، فلستم الله باتباع للسلف، والسلف منكم، من تصرفاتكم من أفعالكم من معتقداتكم وأقوالكم.
ولكن لابد من علماء ربانيين يظهرون منهج السلف الصالح على ما يريده الله سبحانه وتعالى وعلى ما كانوا عليه رحمة الله تعالى عليهم. فإذاً هذه صورة من صور انتحال المبطلين، وأنتم في حياتكم سترون كتيراً من هؤلاء الذين هم أهل باطل أهل ضلال أهل فساد، أصحاب معتقدات منحرفة وينسبون أنفسهم إلى الإسلام وينسبون أنفسهم إلى الصحابة وإلى التابعين وإلى السلف الصالح من هذه الأمة، ولكن الله سبحانه وتعالى حافظ دينه.
والوظيفة الثالثة والأخيرة قال: وتأويل الجاهلين. وتأويل الجاهلين، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. التأويل هنا بمعنى التفسير، لا نحمل التأويل على المعنى الأصولي: صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معناه اه المرجوح بدليل خطأ أن هذا معنى أصولي متأخر ليس هو الذي يستخدمه النبي صلى الله عليه وسلم.
وإنما التأويل هو التفسير، هكذا ورد عند العرب وله معنى ليس هو المقصود هنا، ولكن التأويل هو التفسير ولا يصح حمله على المعنى الأصولي. وتأويل الجاهلين يعني تفسير الجاهلين للنصوص.
الآن أحبتي عندنا أناس جاهلون لم يتعلموا العلم الشرعي الصحيح لم التأصلوا، فيبدأون بتفسير النصوص الشرعية بأهوائهم وبجهلهم، يفسرون النصوص الشرعية بأهوائهم جهلاً منهم لأنهم لم يتعلموا، لم يدرسوا اللغة ولم يدرسوا أصول الفقه ولم يفهموا اه أساليب العرب في الخطاب، فبجهلهم يبدأون بتأويل وتفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وحملها على صور مخالفة لما هو مقصود من النص أصالة.
من الذي يكشف هذا الجهل وهذا التأويل الفاسد؟ هم العلماء الربانيون. فإذاً العلماء الربانيون دورهم في هذه الأمة دور محوري جوهري لا يمكن أن نستغني عنهم، فهم صمام أمان للمجتمعات، بهم تنهدم معاقل الغلو، بهم تنهدم معاقل أهل الباطل، بهم ينكشف الزيف، ينكشف اه أولئك الذين ينسبون أنفسهم إلى السلف الصالح ويلبسون لباسهم وهم منهم براء.
بهم نفهم النصوص الشرعية على الوجه الصحيح الذي يريده الله سبحانه وتعالى وليس كما يفهمه والمعتزلة الجدد والعقلانيون الذين هم بعيدون جداً عن نبراس الشريعة وعن وحيها. هؤلاء العلماء الربانيون موجودون أحبتي، إياكم أن تيأسوا فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم.
يقول البخاري رحمة الله عليه في تفسير من هي هذه الطائفة؟ قال: هم أهل العلم، هم أهل العلم هذه الطائفة المنصورة التي لا يضرها من خالفها ولا من خذلها، منهم؟ هم أهل العلم نعم. من يحاول أن يحملهم على الجهال الذين يسفكون دماء المسلمين من غير وجه حق فهذا ليس بصحيح.
إنما يحمل هذا العلم الحق وينشر هذا العلم الحق ويرفعه للناس وينصره هم العلماء الربانيون المجاهدون الثابتون، وإن غيبت أجسادهم خلف القضبان ولكن أصواتهم ستصل إلى كل أرجاء المعمورة بإذن الله. الله سبحانه وتعالى يبارك بهم وبعلمهم وبجهدهم، ينصرهم على من خالفهم وعلى من خذلهم.
فهذا وعد من الله سبحانه وتعالى أحبتي، أن تبقى طائفة من أهل العلم الربانيين الصادقين ينافحون عن الحق الإلهي الذي يريده الرب سبحانه وتعالى، يخالفهم الناس يعذبونهم يسجنونهم، هم غرباء نعم هم غرباء، ولكن الله سبحانه وتعالى ناصرهم ووليهم وإن طال الزمان.
نتجاوز هذا الحديث إلى حديث آخر بعد أن وقفنا على معانيه ودلالاته قدر الإمكان حاولت أن أوضح ما يتعلق به، أذهب إلى حديث آخر أيضاً مما ذكره ابن جماعة. يقول ابن جماعة في حديث جديد قال صلى الله عليه وسلم في حديث: يشفع يوم القيامة ثلاثة، من هم؟ الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء.
الآن هذا الحديث أحبتي من الناحية الإسنادية حكم عليه كثير من أهل العلم بأنه موضوع مع أنه هو موضوع مكذوب بهذا النص؛ لأن فيه عنبسة بن عبد الرحمن، وهذا رجل رمي بالكذب، فهو حديث بشكل عام ضعيف جداً، سواء فعلاً وصل إلى مرحلة الوضع أن نحكم عليه بالوضع، أو قلنا إنه ضعيف جداً، المهم أنه لا يصح ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكان في الحقيقة يعني ابن
غني أن يأتي بهذه الآثار والأحاديث، لكنه أوردها نسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا وله. لكن هذا الحديث وإن كان ضعيفاً واهياً جداً، هناك ما يشهد له؛ لأن هذا الحديث يتكلم عن ماذا؟ يتكلم أنه يوم القيامة يشفع الأنبياء، الله عز وجل يشفعهم في الناس، في العصاة من الموحدين الذين يدخلون النار أو قبل دخولهم النار، الله عز وجل يشفع الأنبياء والملائكة والمؤمنين فيهم، وهذا ثابت في الأحاديث الصحيحة لا غبار عليه.
ففي المتفق عليه ورد حديث أبي سعيد الخدري رحمة الله تعالى عليه بطوله في أحوال يوم القيامة ومراتب تلك الأحوال، وجاء في هذا الحديث: فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون. النبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث أبي سعيد المتفق عليه أن الله سبحانه وتعالى يوم القيامة يشفع من؟ قال: فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون. الآن هذا الحديث ذكر المؤمنين عموماً، وهذا الحديث الضعيف الذي بين أيدينا ذكر أن الذين يشفعون بعد الأنبياء العلماء والشهداء، وبالتأكيد أفضل المؤمنين من هم؟ العلماء والشهداء، العلماء والشهداء.
فالحديث المتفق عليه قوله صلى الله عليه وسلم يشفع، قال: فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون. المؤمنون بالتأكيد هذا اللفظ يشمل العلماء والشهداء، بل هم أعلى وأرفع درجات المؤمنين. فإذا كانت لفظة المؤمنين لا تشفعهم، فمن تشمل هذه اللفظة؟ فبالتأكيد العلماء والشهداء هم من أعظم من يشفع يوم القيامة لعصاة الموحدين، سواء حتى لا بعضهم لا يدخل النار، أو من دخل منهم النار ليخرج منها، فهذه أيضاً منقبة لأهل العلم، أن الله سبحانه وتعالى يقبل شفاعتهم في عصاة الموحدين يرتضيها، وهذا شرف ما بعده شرف.
وفي الأثر الذي يليه قال ابن جماعة: وروي أي عن النبي صلى الله عليه وسلم: العلماء يوم القيامة على منابر من نور. هذا الحديث وهذا الأثر يدل على منزلة العلماء يوم القيامة عند الله سبحانه وتعالى أنهم يجلسون على منابر من نور، ولكن هذا الحديث ضعيف أيضاً ولم يوقف على سند، ضعيف ولم نقف على سنده، ويجعلنا نتوقف في قبوله لأننا لم نقف على إسناد هذا الحديث أين ورد. فلذلك كما قلنا في الصحيح غني عن، ثم انتقل إلى الأثر الذي يليه قال: ونقل القاضي حسين بن محمد رحمة الله عليه في أول تعليقه.
طبعا القاضي حسين بن محمد أحبتي هو من علماء الشافعية، وهو المشهور بلقب القاضي. إذا قالوا القاضي، خاصة الغزالي والرافعي فيما أظن، إذا قال القاضي فالمقصود به القاضي حسين بن محمد. له كتاب مشهور في الفقه الشافعي هو التعليقة، توفاه الله سبحانه وتعالى في أربعمئة واثنين وستين هجري. ماذا يقول القاضي في أول تعليقه؟ يعني ذكر القاضي في كتابه التعليقة، ذكر في مطلع هذا الكتاب مجموعة من الأحاديث والآثار في فضل العلم والعلماء.
فالحديث الذي ذكره القاضي حسين بن محمد في أول تعليقه أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أحب العلم العلماء لم يكتب عليه خطيئة في حياته. طبعا أنتم الآن ربما بمجرد سماعكم لهذا الحديث استغربتم من نصه، استغربتم من نصه، وفعلاً هذا النص غريب، وبالتالي كما ستعلمون بعد قليل أنه من الناحية الإسنادية ضعيف جداً.
وأكمل الأثر الذي يليه، قال: يعني قال القاضي حسين بن محمد: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أكرم عالماً فكأنما أكرم سبعين نبياً، ومن أكرم متعلمأً فكأنما أكرم سبعين شهيداً. من أكرم عالماً فكأنما أكرم سبعين نبياً، ومن أكرم متعلمأً فكأنما أكرم سبعين شهيداً. الآن أحبتي الجماعة فصل بين الحديثين، وفي الحقيقة كما ذكر طالب من أهل العلم أن هذين الحديثين حديث واحد، لكن ابن جماعة فصل بينهما فيما يظهر تبعا للقاضي حسين.
وهذا الحديث بطوله موضوع؛ لأن فيه عبد الرحمن بن محمد، عبد الرحمن محمد البلخي هذا رجل ضعيف جداً، ورمي أيضاً واتهم بأنه يأتي بالمناكير وبالواهيات، فلذلك هذا الحديث ضعيف جداً ولا أثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والنكارة تظهر من متنه، ونحن لسنا بحاجة إليه، ونحن لسنا بحاجة إليه.
لكن كإشارة عامة، كان من دأب العلماء رحمة الله عليهم في أبواب فضائل الأعمال أنهم يتساهلون في إيراد الأحاديث الضعيفة، أنهم يتساهلون في إيراد الأحاديث الضعيفة؛ لأن الطالب قد يستغرب، يعني لماذا يا ابن جماعة يرد مثل هذه الآثار الضعيفة الواهية، مع أن هناك في الصحيح ما يغني عنها؟ هذا كان طريقة كثير من العلماء في الكتابة في فضائل الأعمال. حتى لو عدت إلى ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، وهو إمام كبير في علم الحديث وفي علم الرجال، ستجده كثيراً ما يورد الأحاديث الضعيفة أو الواهية، وكانهم رحمة الله تعالى عليهم كانوا يتسامحون في هذا الباب ما لا يتسامحون في غيره.
ولكن الأولى فعلاً والأسلم نقد الأحاديث الصحيحة فقط لأن فيها غنية، ولكن نحن نعتذر للعلماء. وأما الحديث الذي يليه إخواني، وهو قوله صلى الله عليه وسلم، يقول ابن جماعة: وإنه قال أي صلى الله عليه وسلم: من صلى خلف عالم فكأنما صلى خلف نبي، ومن صلى خلف نبي فقد غفر له. هذا الحديث أيضاً واضح من متنه النكارة، وهو حديث لا أصل له أحبتي، هذا الحديث لا أصل له. وأيضاً من تأمل في معنى المتن يجد هناك شيء غريب، يعني يجد هناك شيء من الغرابة في هذا المتن، لذلك فعلاً هذا المتن لا أصل له وكما ذكر ذلك الشوكاني وطائفة من أهل العلم، من صلى خلف عالم فكأنما صلى خلف نبي، ومن صلى خلف نبي فقد غفر له، الحديث كما قلنا ليس له اصل.
ثم قال: ونقل الشرمساحي المالكي عبد الله بن عبد الرحمن، الإمام الشارمساحي المالكي عبد الله بن عبد الرحمن، قال في أول كتابه نظم الدر، وكتاب نظم الدر هو كتاب اختصر فيه الشرمساحي المدونة الكبرى في الفقه المالكي. هذا إمام مالكي في كتابه نظم الدر، كتاب اختصر فيه الإمام الشلمساحي المدونة الكبرى في فقه المالكية، توفاه الله سبحانه وتعالى ستماية وتسعة وستين هجري. هذا الإمام الشرمساحي هو قبل قليل كان ينقل عن الإمام القاضي حسين بن محمد في أول كتابه التعليق، والآن ينقل عن الإمام الشرمساحي المالكي في مطلع كتابه نظم الدر.
هذا الإمام يذكر حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من عظم العالم فإنما يعظم الله، فإنما يعظم الله تعالى، ومن تهاون بالعالم فإنما ذلك استخفاف بالله تعالى وبرسوله. جميل، ننظر في هذا الحديث، يقول: من عظم العالم فإنما يعظم الله تعالى، ومن تهاون بالعالم فإنما ذلك استخفاف بالله تعالى وبرسوله. وهذا الحديث أيضاً أحبتي من الناحية أسانيده منكرة ضعيفة جداً، هذا الحديث روي بعدة طرق وهو من الناحية الإسنادية ضعيف جداً.
ولكنه ينبه على فكرة مهمة، وهي أهمية تعظيم العلماء الربانيين، أهمية تعظيم العلماء الربانيين، وعدم التهاون في أمرهم وفي حقهم، وعدم قلة الأدب معهم، وتوجيه الألفاظ إليهم، أو الاستخفاف بهم، أو الاستهزاء بأعمالهم وأدائهم وما يبذلونه لهذه الأمة. وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً، لكن هناك في الأحاديث الصحيحة من يشهد له، يقول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: قال الله عز وجل: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب.
أين الدلالة أيها الشيخ؟ نقول أحبتي، العلماء هم رؤوس الأولياء، وهذا النقل سيأتي عن الشافعي قال: إذا لم يكن العلماء هم الأولياء، فليس لله تعالى ولي. إذا ما كان الأولياء هم العلماء ما في ولي، العلماء هم رؤوس الأولياء، والله سبحانه وتعالى يقول: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب. الحديث مخيف وعبارته شديدة، من اعتدى على ولي من أولياء الله، من استهان بحقه، من أساء الأدب معه، فإنه يحارب الله سبحانه وتعالى. ومن يقوى على حرب الله؟ وماذا ينتظر ذاك الشخص الذي يعادي الله عز وجل؟ ماذا ينتظره من السوء والخيبة والخسران في الدنيا قبل الآخرة؟ الوعيد شديد، وأنقل لكم ما نقله أو ما ذكره الإمام الحافظ
أبو القاسم ابن عساكر رحمة الله تعالى عليه في حرمة الكلام في أهل العلم، وهو نقل مشهور عند كثير من الطلبة، لكن يهمني أن أذكره هنا وأن أعلق عليه تعليقا يسيرا. يقول الإمام الحافظ أبو القاسم ابن عساكر رحمة الله عليه -هذا ليس عندكم أنقله لكم-: أعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، ماذا ماذا كان؟ هو الآن يقول لك أعلم، أعلم، أريد أن يعلمك شيئا، ما هو؟
إن لحوم العلماء مسمومة. أعلم يا أخي، ثم ذكر ديباجة، ثم قال: اعلم أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصهم معلومة، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب. والعبارة تأملوا فيها، هذه عبارة من ابن عساكر إمام كبير، حافظ، صاحب مؤلفات ومصنفات واطلاع جم. أنظر ماذا يقول بعد استقرائه ونظره، يقول: اعلم أن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصهم معلومة. الله يهتك ستر من ينتقص العلماء ومن يسيء الأدب معهم ومن يقلل شأنهم، بلها من يضعهم خلف القضبان.
ثم قال: وأن من أطلق لسانه في العلماء بالسلب بلاه الله قبل موته بموت القلب. يا الله، هذا الأثر صحيح لم ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه يتكلم عن استقراء ابن عساكر، يتكلم عن استقراء وعن ملاحظة في أحوال الناس في زمانه؛ أن من كان ينتقص العلماء يبتليه ربنا سبحانه وتعالى بموت قلبه. فاحذروا أحبتي، احذروا أن تجعلوا العلماء فكاهة تتحدثون عنهم في مجالسكم، احذروا أن تنتقدوا دائما التصرفات التي يقومون بها بناء على اجتهادهم ونظرهم.
إياكم أن تجعلوهم حادثة الوقت، إياكم أن تطعنوا فيهم وفي علمهم على وسائل التواصل، لا شغلوا أنفسهم بهم حتى لا يميت الله قلوبكم، حتى لا يصيبكم بلاء وأنتم لا تشعرون. فإنكم قد تطعنون وتستهزئون بولي من أولياء الله وأنتم لا تنتبهون، في غفلة تظنون الأمر مزحة في حق عالم، استهزاء بحق فلان، تضليل لعالم، تهوين من حقه، ثم يبتليك الله سبحانه وتعالى. إياك أن تظن أنك سلمت من العيوب، هذا العالم ربما أخطأ في موقف، غفل في موقف، سهى في تصرف معين، الكل ينتقده لأن السهام موجه إليه، ولكن أنت كم من معصية فعلتها، وكم من غفلة وقعت فيها، وكم وكم وكم؟
لو عددنا العثرات التي وقعت فيها يا ابن آدم لوجدت أن ذلك العالم يفوقك في مراتب. إذن لحوم العلماء مسمومة، لكن هذا الأثر أحبتي ينبغي أن نفهمه بوعي وتعقل وتأمل وتدبر؛ لأن كثيرا من الناس يطبقه بشكل خاطئ. لحوم العلماء مسمومة؟ نعم، وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ. أنت بتعظيم العلماء تعظم العلم، لا نقاش في ذلك، لكن هذا الحديث نستثني منه بعض الأفراد.
أولا، نستثني من علماء السوء الذين ظهر للناس فجورهم وأصحاب اللحية المأجورة، هؤلاء أحبتي يجب أن ينبه الناس على أفعالهم وعلى تصرفاتهم، وأن هذه التصرفات التي يقومون بها لا ترضي الرب سبحانه وتعالى، وأن هذا العلم الذي حملوه حجة عليهم لأنهم به عرضا من الدنيا بخس. هؤلاء العلماء لا حرمة لهم، وأصالة اطلاق اسم العلماء عليهم ليس بصحيح؛ لأن العالم كما ذكرنا في المحاضرة السابقة هو العامل الذي يدفع زكاة هذا العلم بذلا وتصنيفا وكتابة ابتغاء وجه الله.
وأما من أخذ شهادة أكاديمية في الدكتوراه وما شابه ذلك وبدأ يتاجر بها ويشتري بها عرضا من الدنيا بخس، حتى ولو حصل شيئا من العلم، فإن هذا العلم حجة عليه، نبه الناس من أفعاله، ينبه أن فلان من أصحاب السوء وليس عالما ربانيا حتى لا يقتدي به جهلة الناس. ولكن من يمارس، هذه مهمة من يمارس كشف أصحاب اللحى المأجورة؟ ينبغي أن يكون عالما نحريرا يتقي الله سبحانه وتعالى وعرفت عدالته، لا نعطي هذه المهمة لصغار الناس؛ لأن صغار طلبة العلم والناشئون في العلم أحبتي عموما، الناشئون في العلم عموما يتسرعون في الحكم على الأشخاص والرجال والمواقف والأمور، فلا نعطي الحكم لهم أبدا.
لكن أنا أنبئهم أن في كل زمان وفي كل مكان، ليس فقط في هذا العصر، بل من أيام السلف رحمة الله عليهم، هناك أصحاب لحى مأجورة، هناك علماء يقبضون أموالا ليفتوا كما يريد فلان وفلان، فهؤلاء لا ينطبق عليهم لحوم العلماء مسمومة. الشخص الثاني الذي لا ينطبق عليه هذا الأثر الذي ذكره ابن عساكر هو المتعالم، وما أكثرهم في هذا الزمان! المتعالمون الذين هم لم يبلغوا شيئا في العلم، نالوا شيئا من شهادات الدنيا فصدروا أنفسهم في شاشات التلفاز وفي الإذاعة ليتكلموا باسم الدين، ليتكلموا في الفتوى وفي الحلال والحرام، يوجهوا الناس ويرشدوهم إلى باطلهم وزيغهم. المتعالمون يجب أن ينكشف عوارهم أمام الناس حتى لا يذهبوا إليهم، ما أكثرهم أحبتي اليوم على شاشات التلفاز في مجالس الفتاوى والكلام هنا وهناك، يتصدرون ويتكلمون وهناك من يريد لهم أن يتصدروا وهم ليسوا شيئا في العلم، فهؤلاء ينبغي أن نزيفهم حتى لا ينخدع الناس بهم.
الناس أحبتي اليوم في ضياع في تيه: يا شيخ، أين نذهب؟ من هو العالم الرباني؟ إذا لم يتصدر العلماء الربانيون لكشف زيف هؤلاء، هؤلاء أحبتي علماء السوء وأصحاب اللحى المأجورة المتعالمون، من الذي يكشفهم؟ العلماء العدول. ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم قبل قليل: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف المبطلين وتأويل الجاهلين؟ هؤلاء العدول هم الذين ينبغي ألا نتجاوز معهم في الأداء، هم الذين يجب أن نحافظ على أقدارهم وعلى مكانتهم وأن نرفعهم وأن نتجاوز عن عثراتهم؛ لأنهم صمام أمان هذه الأمة لكشف كل هذا الزيف وهذا الظلام الذي نحياه. إذا فقط هذا تنبيه حتى لا يوسع هذا الأثر ويستخدمه ويوظفه بعض طلبة العلم في غير موضعه.
طيب، نذهب الآن إلى آثار الصحابة. انتهاء الآن ابن جماعة من ذكر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، يذهب الآن إلى سرد آثار الصحابة في هذا الباب، باب فضل العلم وشرف أهله. يقول ابن جماعة: قال علي رضي الله تعالى عنه: كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسنه وفرح به إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذما أن يتبرأ منه من هو فيه. لطيفة هذه العبارة يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه -إن ثبت هذا الأثر عنه، وإن كان البعض يشكك في نسبة هذا الأثر إلى علي بن أبي طالب، وقد ذكر في نهج البلاغة، ولكنني يهمني المعنى في النهاية-: كفى بالعلم شرفا أن يدعيه من لا يحسن، تجد إنسان جاهل يدعي أنه عالم على وسائل التواصل، يكتب أو يكتبس -لا نريد يقول: يكتب، هو لا يكتب ويأخذ من كلام العلماء ويضعه وينسبه إلى نفسه- لأنه يحب أن ينسب نفسه إلى العلم ليتظاهر بلباس العلم، وهذا من شرف العلم فعلا لو نظرت إليه، أنك تجد الإنسان الجاهل الذي لا يفقه شيئا يحب أن ينسب إلى العلم، أن يققال أنه عالم، وهذا يدل على شرف العلم وعلى فضله، ولولا ذلك لما أحب هذا الجاهل أن ينسب إليه، اليس كذلك؟
والعكس بالعكس قالوا: وكفى بالجهل ذما. يكفي في ذم الجهل أن يتبرأ منه من هو فيه، والإنسان الجاهل إذا قلت له: أنت جاهل، يتبرأ من ذلك ويستشيط وغضب منك وينزعج: هل أنا جاهل؟ أنا لست بجاهل، مع أنه جاهل، فهذا يدل على شرف العلم وعلى خسة الجهل، وهذا كلام منطق لطيف حكيم في هذا الموطن.
أيضا قال بعض السلف: خير المواهب العقل، وشر المصائب الجهل. خير المواهب، أفضل شيء يهبك الله سبحانه وتعالى له بعد الإسلام والتوحيد وطاعة الله سبحانه وتعالى أن يهبك الله العقل؛ لأن العقل أخي الكريم يقيك من الشرور ويرزقك الرشد في الأمور، العقل يقيك من الشرور ويرزقك الرشد في الأمور، والعقل إنما سمي عقلا من العقال، العقال الذي يمنع الدابة من الهرم.
والذهاب والعقل قالوا سمي عقلا لانه يعقلك يربطك ويمنعك عن التصرف بسفاسف الامور لذلك سمي عقلا يحجز الانسان وينهاه عن فعل ماذا؟ سفاسف الامور فسمي عقلا وسمي نهية وله عدة اسماء كلها تدل على ان العقل هو الحاجز والمانع والكفيل باذن الله ان يقيك من تعال الجهال والسفهاء وان تفعل شيئا يوقعك في الشر والمهلكة والعكس ايش قال؟ وشر المصائب الجهل هذا بالعكس وشر المصائب الجهل.
اذا كان خير المواهب العقل في المقابل شر المصائب الجهل لان الجهل يوقن وصاحبه في المهالك اليس فقط صاحبه؟ يوقع صاحبه ومن حوله في المهالك. انظروا الان الجهال الذين يخوضون في دين الله سبحانه وتعالى ماذا فعل الجهل بهم وبامتهم؟ جهلهم ماذا فعل بهم وبأمتهم اوقعنا في المهالك وما زلنا ندفع ضريبة تصرفات الجهلاء ما زلنا نفعل او ندفع ضريبة هذه التصرفات التي يقوم بها الجهال من جميع الطوائف فعلا خير المواهب العقل وشر اه المصائب الجهل فقال ابو مسلم الخولاني ابو مسلم الخولاني هو كما يقول مالك ابن دينار حكيم هذه الامة طب ومسلم الخولاني حكيم هذه الامة قال ذلك مالك ابن دينار وهذا الرجل مخضرم.
ادرك الجاهلية وعاش في الاسلام لكنه ليس صحابي. لماذا كان يعيش في اليمن ولم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم ووصل الى المدينة النبوية بعد وفاته. حاول ان يدرك النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة لكن للاسف وصل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. هذا قصته عجيبة هذا الرجل هو شبيه ابراهيم عليه السلام شبيه النبي ابراهيم عليه السلام في ماذا انه القي في النار ولم يحترق آآ الاسود العنسي كما لا يخفى على بعضكم ادعى النبوة وهو في اليمن ادعى النبوة وهو في اليمن قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم.
ادعى انه نبي ودعا اهل اليمن الى بيعته وبايعه كثير من اهل اليمن. رفض ابو مسلم الخولاني ان يبايعه فاعد له نارا الاسود العنسي اعد له نارا والقاه فيها فلم تحرقه النار لذلك عندما ذهب الى المدينة ورآه عمر بن الخطاب قال الحمد لله الذي لم يمتني حتى رأيت شبيه ابراهيم عليه السلام او مقولة قريبة من ذلك. فالصحابة كانوا يعظمون ابا مسلم الخولاني لهذا الموقف العظيم. ولهذه الكرامة الجليلة التي خصه الله سبحانه وتعالى بها.
ماذا يقول هذا الامام الحكيم؟ يقول آآ قال ابو مسلم الخولاني العلماء في الارض مثل النجوم في السماء اذا بدت للناس اهتدوا بها واذا خفيت عليهم تحيروا ابو مسلم يشبه العلماء في الارض في النجوم في السماء ما وجه الشبه عند ابي مسلم؟ قال النجوم احبتي اذا بدت في الصحراء خاصة عند العرب قديما اذا بدت النجوم وظهرت استطاع السيارة هو القوافل ان هي تدوي الى طريقهم من خلال النجوم واذا اظلمت السماء ولم تظهر هذه النجوم تاه الناس في الصحراء وفي الفياكل كان العرب اعتمادهم على هذه وكذلك العلماء اذا ذهب العلماء ضاعت وتاهت هذه الامة وما اظلم ليل هذه الامة احبتي الان ما اظلم ليل هذه الامة عندما تحبس اجساد العلماء خلف القضبان ويسمح للجهال بان ينتشروا في الارض ويأخذوا مواطن السيادة ليتحدثوا باسم الدين حينئذ نبكي على هذه الامة نبكي على واقعنا المؤلم عندما نرى طلبة العلم يتكاسلون ويهتمون بدنياهم اه ولا يرغبون في طلب العلم والانكباب عليه وانما يأخذون منه الفتات.
واذا قيل لهم هلموا الى مجالس العلم تقاعصوا وعادوا الى الدنيا بملذاتها وشهواتها واهوائها وهم يدركون ان هذا العلم يقبض وينزع وان اهله يحاربون. ومع ذلك تجدهم يتلاعبون في هذه الدنيا. لماذا احبتي احبتي هذا هو ابو مسلم الخولاني ينصحكم يقول لكم اذا فقدتم العلماء ضعتم تاهت هذه الامة عندما تفقد تلك النجوم النيرة من الصادقين اصحاب الكلمات الصادقة اصحاب الكلمة الحقة الواعية الهادفة التي تنشر الفضيلة وتؤسس لها وتمحو الرذيلة وتبعدها. هؤلاء اذا ذهبوا اذا فقدتهم الامة على من تعتمد هذه امة في مسيرها تعتمد على الجهال تعتمد على انصاف المتعلمين تعتمد على اصحاب الدراسات الاكاديمية على من تعتمد اذا لم تعتمد على العلماء وفي الحقيقة انا عندما تأملت في هذا التشبيه تشبيه العلماء بالنجوم وجدت اكثر من وجه شبح بين العلماء وبين النجوم وجه الشبه الاول هو ما ذكره ابو مسلم الخولاني ان النجوم يهتدى بها والعلماء يهتدى بهم.
فاذا ذهبت النجوم تاه الناس في الصحراء واذا فقدنا العلماء تهنا في تهنا في هذه الدنيا ولكن هناك وجه شبه اخر هو ان النجوم هي زينة السماء والعلماء هم زينة الحياة الدنيا هذا وجه اخر الزينة اذا فقدنا العلماء تشوه هذا المنظر الجميل. ذهبت هذه الحياة الدنيا بقيمتها. فالعلماء هم زينة الحياء بوجودهم تصبح حياتنا قيمة لانهم يوجهوننا الى الخير الى الصلاح الى ما فيه النفع. واذا فقدناهم ساد الجهل وانتشرت الرذيلة والفحشاء في هذا المجتمع فماذا نستفيد؟ ما بقي لهذه الحياة قيمة اذا اصبحنا نلج في المعاصي وفي الذنوب ولا نجد من يبعدنا عنها فإذا العلماء هم زينة الحياة الدنيا النجوم احبتي هي وجوم للشياطين ايضا والعلماء هم نجوم لاهل البدع والضلال والزيغ كما ان النجوم الله يسلطها على الشياطين الذين يستبقون السمع فالله سبحانه وتعالى يسلط العلماء على الغاليين وعلى المبطلين وعلى الجاهلين الذين ذكرناهم في الحديث ينفون تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
فهم نار على عدوهم فهذه تشبيهات عديدة يمكن ان نستخلصها من تشبيه العلماء بالنجوم. ابو الاسود الدؤلي صاحب علم النحو له رأي ايضا في العلم فماذا يقول؟ ليس شيء اعز من العلم لماذا؟ الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك وكانه يحكي عن زمانه رحمه الله تعالى الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك. نعم في زمن ابي اسود الدؤلي كان العلم صاحب الصوت الاعلى كان العلم له قيمته كان الحكام يرجفون عندما يسمعون كلمة العالم. عندما يقال جاء الشافعي جاء احمد بن حنبل. جاء ابو حنيفة. جاء فلان جاء فلان بتيجي في السلاطين لانهم يعلمون قدر العلم. وان صوت العلم يعلو كل صوت لكن نسأل الله سبحانه وتعالى ان يبرم لهذه الامة امر الرشد وقال وهب بن منبه يتشعب من العلم الشرف وان كان صاحبه دنيا والعز وان كان مهينا والقرب وان كان قصيا والغنى وان كان فقيرا والمهابة وان كان ضعيفا.
اذن هذا كلامي ننبه رحمة الله عليه يقول فيه يتشعب من العلم يعني من تشبع بالعلم حاز هذه المناقب الان يقول هو يتشعب تشعب ان يخرج من العلم تقول تشعب من هذا الامر يعني خرج منه من هنا ومن هنا ومن هنا تشعبات فيريد ان يقول وهبي ابن منبه ان من تشبع بالعلم وارتوى منه حاز الشرف في الدنيا وفي الاخرة وان كان دنيا في هذه الحياة. يعني ان كانت اه من من عائلة قليلة الحسب ضعيفة النسب. لكن علمه يرفعه ويزيده شرفا لذلك قد يتشعب من العلم الشرف وان كان صاحبه دنيا من عائلة غير معروفة لا يحمل جنسية لا يحمل هوية كما يقولون الناس تعتبرها دني. لكن بعلمه يسود بعلمه يسود الناس.
قال والعز وان كان مهينا الناس تدفعه يمينا وشمالا ولا تلتفت اليه بعلمه يرزقه الله سبحانه وتعالى العزة والرفعة حتى يهابه الناس. والقرب وان كان قصيا. القرب من الله سبحانه وتعالى والقرب من قلوب العباد العالم الرباني سبحان الله. الله عز وجل يقذف محبته في قلوب العبيد يقذف حبته حتى في قلوب خصومه يدركون ان هذا الرجل صادق. وايضا يقترب من الله عز وجل اكثر واكثر. فهذا قرب من الله وقرب من الناس. قال والغنى وان كان فقيرا. الغنى ما غنى القلب الذي هو القناعة فاذا كنت فقيرا معدما فبعلمك الله سبحانه وتعالى يرزقك الغنى والقناعة بما لديك. وهذه نعمة عظيمة. القناعة كنز احبتي لا ينالها الا انسان عالم عاقل يدرك حقيقة هذه الحياة الدنيا وانما هي لحظات وتنقضي. فالعلم هو سبيل
لي أن يرزقك الله سبحانه وتعالى غنى القلب، وإن كنت معدماً لا تملك شيئاً، والمهابة وإن كنت وضيعاً يهابك الناس ويهابك. إذا كان الماء، إذاً في شرف العلم. وعن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: تعلموا العلم.
معاذ رضي الله عنه يقول: تعلموا العلم، فإن تعلمه حسنة، والرواية الشهيرة: فإن تعلمه خشية، فإن تعلمه خشية وطلبه عبادة ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد وبذله قربة وتعليمه من لا يعلمه صدقة. معاذ بن جبل جعل العلم يشمل كل خصال الخير، جعل العلم شامل لكل خصال الخير. تعلموا العلم فإن تعلمه يورثك الخشية، فإن تعلمه خشية، وعلى الرواية الذي بين أيدينا حسنة أيضاً مقبول.
وطلبه عبادة تتقرب بها إلى الله، طلب العلم عبادة. ومذاكرته وأنت تراجع المتن، وأنت تحفظ، وأنت تلخص، لا تظن أن هذه أوقات تذهب، قال معاذ بن جبل: ومذاكرته تسبيح. وإنما افتح عطْفاً على تعلمه؛ لأن تعلمه اسم إن وما بعد ذلك معطوف على اسم إن، على خبر إن.
ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد؛ وأنت تبحث عن العالم الرباني، وأنت تبحث في بطون الكتب عن المسألة وتتعب ليل نهار، هذا جهاد وصورة منصورة التضحية في سبيل الله ومن أجل وصول كلمة الحق. وبذله قربة تتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، صدقة تتصدق بها، أن تعلم العلم للناس صدقة تتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى. هذا الحديث إذاً يدل على أن العلم جمع فضائل الخيرات، والبعض أيضاً يقول: يعني هناك خلاف في نسبة أو في ثبوت هذا الأثر.
معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال الفضيل بن عياض: يحسب الإمام الكبير المالكي عالم معلم يدعى كبيراً في ملكوت السماء، عالم معلم يدعى كبيراً في ملكوت السماء. وهذا الأثر رواه الترمذي، قال الترمذي: سمعت أبا عمار الخزاعي يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول.
لماذا ذكرت طريق الترمذي؟ لأن طريق الترمذي فيها زيادة مهمة. يقول الترمذي: قال سمعت أبا عمار الخزاعي يقول: سمعت الفضيل بن عياض يقول: عالم عامل، عالم عامل ها، إذاً ليس أي عالم.
الأثر عند الترمذي: عالم عامل بعلمه، معلم. جمع بين هذه الأمور الثلاث: يدعى كبيراً في ملكوت السماء. ينادى بين الملائكة وفي السماء بأنه كبير، هذا شرف. هذه الكلمة بحد ذاتها يعني تعطيك دفعة لطلب العلم أن أهل السماء تثني عليك. أنت لا تطلب الثناء من أهل الدنيا، أهل الدنيا من رضي عنك يوماً سقط عنك أياماً، ولكن أهل السماء دائماً في رضا عن العالم العابد، دائماً في رضا لا تتقلب أمزجتهم وأهواؤهم لأن قلوبهم ولان لهم تبع لربهم سبحانه وتعالى.
سفيان بن عيينة يقول: أرفع الناس عند الله منزلة من كان بين الله وبين عباده وهم الأنبياء والعلماء. أرفع الناس عند الله منزلة من كان بين بين الله وبين عباده وهم الأنبياء والعلماء. من الواسطة التي تربطك بالله سبحانه وتعالى؟ الأنبياء، وبعد موت الأنبياء من يحمل ميراثهم؟ وهم العلماء. العلماء هم الذين.
يربطونك بالله سبحانه، يصلونك بالله، من خلالهم تتعرف على الأحكام، من خلالهم تعرف كيف تعبد الله سبحانه وتعالى، من خلاله أنت تتعلم عظمة الله عز وجل، فإذاً هم السبيل للوصول إلى الله سبحانه وتعالى. وقال أيضاً سفيان بن عيينة.
لم يعط أحد في الدنيا شيئاً أفضل من النبوة وما بعد النبوة شيء أفضل من العلم والفقه، وما بعد النبوة شيء أفضل من العلم والفقه. فقيل: عن مَن هذا؟ قال: عن الفقهاء كلهم.
سفيان بن عيينة كان في مجلس يحدث أصحابه فيقول: لم يعط أحد في الدنيا شيئاً أفضل من النبوة. أفضل شيء يمكن أن يمنحه الله لمخلوق من البشر النبوة. طيب، بعد انتهاء النبوة قال: وما بعد النبوة شيء أفضل من ايش؟ من العلم والفقه. فكأن أحد الطلبة استغرب فقال لسفيان: من قال هذا؟
فقال: هذا ليس قول واحد، هذا ليس قول واحد، بل هو قول الفقهاء جميعاً، فهذا إجماع قاطبة من العلماء في عصر السلف أن أفضل المراتب بعد مرتبة النبوة هي مرتبة العلم؛ لأن العلماء هم ورثة.
وقال سهل التستري رحمة الله تعالى عليه: من أراد النظر إلى مجالس الأنبياء فلينظر إلى مجالس العلماء، فاعرفوا لهم ذلك. تريد أن تعرف مجالس الأنبياء؟ انظر إلى مجالس أهل العلم.
وهم من حازوا ورثة الأنبياء، ولاحظوا دائماً أو ورثة الأنبياء. ولاحظوا دائماً هذه المرتبة الثانية التي تعطى بعد النبوة؛ النبوة ثم العلم، وهذه الآثار كلها تدندن حول هذه الفكرة. الشافعي رحمة الله تعالى عليه يقول: إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله فليس لله ولي.
ذكرت الأثر قبل قليل: إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله فليس لله ولي. إذا ما كانوا هم الأولياء؟ من الولي لله؟ العلماء الذين يعلمون من هو الله، الذين يخشون الله سبحانه وتعالى، يعرفون أسماءه، يعرفون صفاته، يقفون عليها، يعلمونها للناس. هؤلاء أحبتي هم.
هم أولياء الله سبحانه وتعالى. عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه، وهنا ذكر الأثر موقوفاً على ابن عمر اه ويروى في بعض الطرق مرفوعة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت مرفوعاً. لم يثبت هذا الأثر الذي سنذكره الآن عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً.
يقول ابن عمر: مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة. مجلس فقه واحد تتعلم فيه الحلال والحرام وتتعلم فيه مسائل البلاغة والنحو والصرف لتتعرف كيف تتعامل مع القرآن والسنة، تتعلم فقه السنة ومصطلح الحديث، هذه مجالس العلم. يقول: أفضل من عبادة وخير من عبادة ستين سنة، بغض النظر عن الأرقام كما قلنا هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، سنده ضعيف عن النبي عليه الصلاة والسلام.
هل ثبت عن ابن عمر أو لم يثبت؟ لكن خذ الفكرة، خذ الفكرة ولا تقف أحياناً إذا عرفت أن الحديث ضعيف لا تثبته للنبي عليه الصلاة والسلام، لا، حاول أن تقتنص الفكرة.
أن شرف العلم كبير، وأن مجالس حلقات العلم هي مجالس الخيرات والبركات وهي غنيمة الأوقات، فإياك أن تذهب ساعات العمر سدى. أنا أحب أن أختم الآثار التي ذكرها ابن جماعة في هذا الفصل، لذلك لن أطيل التعليق على هذه الآثار لكن أمر عليها سريعة.
سفيان الثوري والشافعي رضي الله عنهما يقولان: ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم. وهذا الأثر ينبه على أن العلماء كانوا يفضلون طلب العلم والاشتغال به على نوافل العبادات البدنية.
فطلب العلم والاشتغال به أفضل من نوافل العبادات البدنية. لكن أنت لا تأخذ هذا الأثر بعمومه أن الشافعي عندما قال: ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم، معناه أن الشافعي فقط يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ويصوم رمضان.
ليس عنده قيام ليل، ليس عنده تدبر في القرآن الكريم، ليس عنده أوراد وأذكار، لا لا، إياك أن تظن ويتكلم عن حالة تعارض طارئ. يعني لو أن الإنسان أحبتي يعني في بعض الأوقات احتاج أن يبحث عن.
مسألة شرعية فتعارض ذلك مع نفل من النوافل؟ نعم، بحث المسألة الشرعية والوصول إليها أفضل من ذاك النفل الذي يريده. لكن لا يوجد عالم، لا يوجد طالب علم لا يوجد عنده شيء من النوافل، لا يفعل النوافل وإنما يقول: أنا أقتصر على الفرائض لأني مشغول بطلب العلم.
هذا كما قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: طالب العلم الذي ليس عنده ورد في العبادة هذا طالب كسول طالب عاجز، يدعي أنه مشتغل بالعلم وهو مشتغل بهواه، لا يريد أن يتعب في عبادة ربه. العلماء قاطبة كانوا يقومون الليل، كانوا يقرؤون.
ويحفظونه، كانوا يشتغلون بالذكر، هذا ديدنهم، هذا حالهم العلماء الربانيون، كانوا يكثرون من نوافل العبادات، فإياك أن تفهم هذا النص بهذه الجزئية أو هذا الأفق الضيق أنه خلص سيدنا الشافعي قال: ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم، معناها خلص ما في نوافل. لا.
هو أنت افهم الأمر على عظمته؛ أن طلب العلم عظيم، أفضل النوافل التي يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، نعم، أفضل النوافل التي يتقرب بها إلى الله طلب العلم، لكن لا يعني هذا أن.
دائماً استغني عن النوافل، لا يوجد عندي عبادات تزكية قلوب، بل قيام الليل وتدبر القرآن والتسبيح والأذكار هي الوقود، هي الزاد الذي يعينك على طلب العلم. إذا فقدت الزاد، انتهت الرحلة في هذا الطريق. الإمام الزهري رحمة الله عليه يقول: ما عبد الله بمثل الفقه.
أي من أفضل ما تتعبد به الله سبحانه وتعالى تعلمك الفقه. بعض الناس أخي عنده صورة مغلوطة عن العلم، يظن أن قراءته في كتب الفقه هي من فضول الأمور، وأنها تشغله عن العبادة والتقدم والإنتاج في دين الله سبحانه وتعالى. الزهري يقول لك: خير عبادة تتقرب بها إلى الله الفقه؛ لأنك عندما تتفقه تفعل ما يريد الرب سبحانه وتعالى، وعندما تكون جاهلاً تفعل ما يريد هواك وليس ما يريد الله عز وجل.
عن أبي ذر وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما قالا: باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوعاً. وباب من العلم نعلمه، عمل به أو لم يعمل، أحب إلينا من مئة ركعة تطوعاً. هذا الأثر عن أبي ذر وأبي هريرة ذكره الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه.
أوكي، وهذا الكتاب كثير ما ينقل عنه ابن جماعة رحمة الله عليه في هذا الكتاب؛ كتاب الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي. ويوجد فيه كثير من الأحاديث الضعيفة التي لا تثبت عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، لكنه كتاب مهم. من هذه الأحاديث التي وردت في الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي هذا الأثر. ذكره الخطيب البغدادي بإسناده، لكنه ضعيف جداً؛ لأن هذا الأثر أحبتي فيه رجل يسمى هلال بن عبد الرحمن الحنفي. وهذا رجل ضعيف، ضعيف جداً هلال بن عبد الرحمن الحنفي.
لكن هي الفكرة ما زالت تدور حول أن طلب العلم أفضل من نوافل العبادات، أن طلب العلم والاشتغال به أفضل من نوافل العبادات. فيقولون: باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوعاً، وباب من العلم نعلمه، عمل به أو لم يعمل، أحب إلينا من مئة ركعة تطوعاً. ولكن دائماً أنبه طالب العلم أن يفهم هذا الأثر بسياقه، وأن العلم من أفضل النوافل، بل هو أفضل النوافل الذي يُتقرب به إلى الله إذا اريد به وجه الرب سبحانه وتعالى.
لماذا؟ للمقارنة السابقة التي عقدناها بين العالم والعابد؛ العلم نفعه يتعدى، والعابد الذي يقوم بالعبادات البدنية من صلاة من قراءة قرآن وما شابه ذلك نفعه قاصر على نفسه. فهذه مقارنة عامة، لكن من الناحية التطبيقية العملية لا يوجد عالم ليس عنده حظ من العبادة. العالم يغلب عليه الاشتغال بالعلم، لا اشكال هذا هو الواقع، لكن ينبغي أن يكون عنده وقود زاد من العبادات تعينه على الاستمرار في طريق العلم وإلا سينقطع تماماً.
لا أطيل أكثر من ذلك، أعطي الخلاصة التي ختم بها ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه هذا الفصل. فقال ابن جماعة: وقد ظهر وبما قلناه، بعد أن ذكر الآيات والأحاديث وآثار الصحابة، يقول: وقد ظهر بما قلناه أن الاشتغال بالعلم أفضل من نوافل العبادات البدنية. يقعد بناءً على الأحاديث والأثار التي سبقت، نجد من هذا أن طلب العلم أفضل من ايش؟ من نوافل العبادات البدنية، من صلاة وصيام وتسبيح ودعاء ونحو ذلك. لماذا يا ابن جماعة؟ وذلك لأن نفع العلم يعم صاحبه والناس، النفع يتعدى يعم صاحبه والناس، والنوافل البدنية مقصورة على صاحبها، فائدتها مقصورة على من يقوم بها.
ولأن العلم، إذاً هذا الأمر الأول؛ لأن العلم نفعه متعدٍ والعبادات نفعها قاصر. اثنين، ولأن العلم مصحح لغيره من العبادة، فهي تفتقر إليه وتتوقف عليه، ولا يتوقف هو عليها. الآن أنت تريد أن تكون عابداً، تريد أن تعبد الله على علم: كيفية الصلاة، هيئات الصلاة، كيفية الصيام، مفسدات الصيام، الصيام الصحيح، الصيام الباطل، الحج، أركان الحج، شروط الحج، الزكاة. هذه عبادات، هل يمكن أن تمارس عبادة من دون أن يكون لك علم وتفقه بها؟ لا يجوز.
فالعلم إذاً هو وسيلة للعبادة والعبادة تتوقف عليه، فهذا يدل على أنه أشرف منها؛ لأنه هو لا يتوقف عليها. هو لا يتوقف عليها، لكن صحيح العلم لا يتوقف العبادة من الناحية؛ فإنك يمكن أن تحصل علماً ابتداءً من دون الحاجة إلى صلاة وصيام كأصل عام، لكن العبادات -وأركز- العبادات القلبية وعلى العبادات البدنية هي المعين كزاد لطالب العلم. كثير من طلبة العلم يشكو من ضيق قلبه وفتوره وضعف همته، والسبب في ذلك ضعف في العبادات القلبية وضعف في العبادات البدنية، تجده بعيداً عن التعبد لله سبحانه وتعالى وعن ذكره، ثم يشكو من الفتور.
أخي الكريم، العبادة هي الزاد، هي الهمة، هي التي تذكرك بالله سبحانه وتعالى لتعود الهمة من جديد في طلب العلم. قال ثالثاً: لماذا العلم أفضل من العبادات؟ قال: ولأن العلماء ورثة الأنبياء عليهم والصلاة والسلام، وليس ذلك للمتعبدين. هل المتعبدون هم ورثة الأنبياء؟ لم يقل الحديث، قال: العلماء ورثة الأنبياء، فهذا أيضاً تفضيل للعلم على العبادة.
قال ولأن، طبعا هو العلم نفسه عبادة، لكن المراد العبادة البدنية. العلم هو نفسه عبادة، لكن مراد العبادة البدنية القاصرة. رابعاً قال: ولأن طاعة العالم واجبة على غيره. ولأن العلم، خامساً: ولأن العلم يبقى أثره بعد موت صاحبه، وغيره من النوافل تنقطع بموت صاحبها. بركة العلم؛ العلم وقف مفتوح، ثواب كل إنسان يستفيد من علمك، من تصنيفك، من تسجيلك، من محاضراتك، هذا باب مفتوح لله سبحانه وتعالى، ثواب ثواب ثواب لا ينقطع بإذن الله. وأما العبادة عندما تموت ينتهي أثرها، وهذه مقارنة أيضاً صحيحة.
قال: إن في بقاء العلم إحياء الشريعة وحفظ معالم الملة، ولأن في بقاء العلم إحياء الشريعة وحفظ معالم الملة. وبالمقابل إذا فقدنا العلم تبدأ معالم الملة تندرس وتختفي آثارها، كما نشهد الآن كثير من الناس لا يعرف شيئاً في في اعتقاده لا غير ما هو اعتقاد السلف الصالح، لا يهتم بذلك، لا يلتفت إليه أو لا يجد من يعلمه، فتندرس كثير من معالم الملة ونخشى أن نصل إلى من الأجيال يقول: ما وصلنا من أجيالنا السابقة إلا لا إله إلا الله.
هذا ما نخشاه أحبتي من شدة اندراس معالم الملة الحق، وقلة اشتغال طلبة العلم بتعلمها ونقلها للأجيال اللاحقة، إنما نخشى أن يأتي جيل يلعن هذه الأمة، هذا الجيل من هذه الأمة، هذا الجيل الذي نحيا فيه، ويقول: لم يوصلوا لنا العلم، لم يوصلوا لنا معالم هذه الشريعة، اشتغلوا بدنياهم. فهذه أمانة، إذاً ما نسعى إليه في طلب العلم في تحصيله أمانة؛ أمانة ننقلها للأجيال اللاحقة حتى تبقى معالم الدين ظاهرة بينة إلى يوم القيامة.
لا يهم أخي الحبيب أن ترى أنت الثمرة، قد تراها الأجيال اللاحقة لا إشكال، لكن المهم أن تحيا من أجل هذه الثمرة، أن تموت من أجل أن تبقى هذه الثمرة حية، بيخطفها الجيل الذي يقدره الله سبحانه وتعالى لقطفها. المهم أن تحيا على الطريق: وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا.
هذا ختام مجلسنا اليوم، وفي المحاضرة القادمة بإذن الله نبدأ الحديث عن موضوع مهم، جذري، متأصل في حياة طالب العلم، وهو موضوع الإخلاص. أسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يجعله حجة لنا لا حجة علينا، وأن يعيننا على تطبيق ما نقول، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل