تسجيل الدخول

تذكرة السامع والمتكلم (2)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا طالبا للعلم يرجون نفعه، اسمع نصيحة ناصح معواني. لربك في أمورك كلها، فالمخلصون هم أولو العرفان.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وعلى قرة أعيننا وحبيبنا ومعلمنا ومربينا نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أيها الأحبة إلى مجلس جديد من مجالس علم الأدب، نتدارس فيه كتابنا المبارك بإذن الله تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم للإمام ابن جماعة الكناني الشافعي رحمة الله تعالى عليه. وكنا في المحاضرة السابقة قدمنا توطئة في فهم معنى الأدب؛ الأدب بالمعنى العام والأدب بالمعنى الخاص الذي يخص طالب العلم والعالم. ذكرنا التحديات التي تواجه طالب العلم في تحصيل الأدب، ثم ذكرنا الأنواع أو الجهات التي يشتملها علم الأدب. ودخلنا في سيرة ابن جماعة ودخلنا أيضاً في المقدمة أو شرعنا في المقدمة التي قدم بها ابن جماعة لهذا الكتاب.

واليوم بإذن الله نبدأ مسيرنا في فصول بهذا الكتاب المبارك، فبدأ ابن جماعة بالفصل الأول من كتابه فقال: الباب الأول في فضل العلم والعلماء وفضل تعليمه وتعلمه. هذا الفصل أو الباب الأول أيها الأحبة هو باب تشويقي حتى تتشوف النفوس الشريفة لطلب العلم وتحصيله ولدفع الثمن في سبيله. فإن طالب العلم لا بد وأن يبتلى في طريق طلب العلم، لابد وأن يصيبه الجهل والتعب، لابد من مكابدة الليل والنهار، لابد من تجاوز العوائق وقطع العلائق، لابد من الخلوة مع الله سبحانه وتعالى، لابد من طول الزمان.

والذي يثبت الطالب في هذه الصعاب ويعينه على أجتياز الخطوات تلو الخطوات حتى يصل إلى هدفه، هو أن يستحضر ذاك الثواب العظيم الذي ادخره الله سبحانه وتعالى لطلبة العلم ولمن يتعلم من أجل رضاه. هذا الثواب العظيم هو الدافع يشحن الطالب في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى وفي رحلته الشاقة في طلب العلم. هي شاقة لكنها لذيذة وممتعة وتتوق إليها النفوس الشريفة.

فياترى ما فضل العلم وما فضل العلماء؟ وما ذاك الثواب العظيم الذي ادخره الله سبحانه وتعالى لمن يسلك هذا المسلك؟ هذا ما سنتعرف عليه بإذن الله من خلال دراسة هذا الفصل. ابن جماعة في هذا الفصل أيها الأحبة بدأ بذكر مجموعة من الآيات تتحدث عن فضل العلم والعلماء، ثم أتبع ذلك بذكر مجموعة من الأحاديث والآثار النبوية عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل العلم والعلماء وفضل تعلمه وتعليمه، ولم يستوعب ولم يرد الحصر رحمة الله عليه؛ هو أراد أن يذكر أمثلة على ذلك والأحاديث كثيرة.

ثم ختم بذكر آثار الصحابة والسلف الصالح في الحث على طلب العلم وفضل تعلمه وتعليمه. ثم ختم ابن جماعة هذا الفصل بذكر يعني فوائد مختصرة تلملم ما تفرق فيه. فنبدأ بإذن الله إذا بما بدأ به في ذكر الآيات التي وردت في كتاب الله سبحانه وتعالى تمدح العلم وتثني على أهله. قال ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه: قال الله تعالى، هذه هي الآية الأولى التي بدأ بها: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ.

دعونا أيها الأحبة نعلق على هذه الآيات تعليقاً يسيرا. الآية الأولى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ. يخبرنا سبحانه وتعالى في هذه الآية أنه كتب الرفعة لعامة المؤمنين المصدقين به، ثم كتب رفعة خاصة لأهل العلم. وهذه الرفعة أيها الأحبة في الدنيا وفي الآخرة؛ الرفعة في الحياة الدنيا بالتأييد والحفظ والنصرة والتوجيه والرعاية والاهتمام، وأما الرفعة في الآخرة فهي القرب من المولى سبحانه وتعالى في جنات النعيم. نسأل الله سبحانه أن يرزقنا ذاك القرب وألا يبعدنا عنه في الدنيا ولا في الآخرة.

إذاً أيها الأحبة هو وعد من الله سبحانه وتعالى؛ وعد إليك يا طالب العلم، يعدك الله سبحانه وتعالى إذا حرصت على طلب العلم، إذا كنت حريصاً على كسبه وجمعه وحريصاً على تطبيقه، فالله عز وجل يعدك بالرفعة في الدنيا وفي الآخرة. وعد الله حق، ومن أصدق من الله؟

ثم ابن جماعة يتبع هذه الآية بذكر أثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. هذا الأثر يدل على رفعة العلماء على سائر المؤمنين في جنات النعيم. ننظر في هذا الأثر ونقرأه: قال ابن عباس رضي الله عنه: العلماء فوق المؤمنين بسبعمائة درجة، ما بين الدرجتين مائة عام.

إذاً هذا الأثر الذي يذكره ابن عباس يدلل على فحوى الآية السابقة؛ الرفعة، ولكن هذا الأثر يتكلم عن الرفعة في جنات النعيم، وليس عن الرفعة في هذه الحياة الدنيا، ونحن قلنا إن رفعة الله للعلماء رفعة في الدنيا وفي الآخرة. لكن هذا الأثر لابن عباس الذي يقول فيه: العلماء فوق المؤمنين بسبعمائة درجة ما بين الدرجتين مائة عام، ذكره صاحب قوت القلوب وذكره الغزالي في إحياء علوم الدين، ولم يقف العلماء المحققون على مستند له.

هذه مشكلة هذا الأثر؛ العلماء المحققون لم يقفوا على مستند له. وهذا الأثر ليس من اجتهاد ابن عباس، لا يمكن أن يكون باجتهاده لأنه يتحدث عن مسألة غيبية، كيف يعرف ابن عباس أن بين العلماء وبين سائر المؤمنين في جنات النعيم سبعمائة درجة؟ هذه مسألة غيبية لا بد وأن يكون مستند وقف عليه ابن عباس، أما من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يكون أخذ من شيء من الإسرائيليات فهو قد نال نصيباً من هذه العلوم، ولكن بشكل عام هذا الأثر لم يثبت.

لكن حتى لو لم يثبت، الآثار والأحاديث التي تدلل على رفعة العلماء وعلى شرفهم وعلى قربهم من الله سبحانه وتعالى في الدنيا وفي الآخرة كثيرة صحيحة يعضد بعضها بعضاً. فليس اعتمادنا في إدراك علو منازل العلماء يوم القيامة على هذا الأثر فقط، ولكن كما قلنا هذا الأثر عليه يعني عليه مجموعة من الإشكاليات، أهم هذه الاشكاليات عدم إدراكنا لمستنده.

إذاً هذه الآية الأولى التي تتكلم عن الوعد الإلهي الذي خص الله سبحانه وتعالى به أهل العلم بالرفعة في الدنيا وفي الآخرة. والمسلم صاحب النفس الشريفة صاحب الهمة العالية عندما يسمع ربه سبحانه وتعالى يعده بهذا الوعد، تتوق نفسه لهذه الرفعة، وتتوق نفسه إلى هذه المنزلة. ولكن عليك أن تكون عاقلاً وأن تعي عن الله سبحانه وتعالى حتى تصل إلى هذه المراتب.

ننتقل إلى الآية الثانية، وقال الله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ. هذه الآية الثانية أيها الأحبة كيف تدل على مدح أهل العلم؟ نقول: هذه الآية تدل على مدح أهل العلم وعلى الثناء عليهم من عدة وجوه.

من عدة وجوه؛ الوجه الأول: أن الله سبحانه وتعالى استشهد أهل العلم دون غيرهم من سائر البشر. الله سبحانه وتعالى استشهد من البشر فقط أهل العلم دون غيرهم، وهذا يدل على شرف أهل العلم وعلى فضلهم، لأن الله سبحانه وتعالى خصهم بالشهادة دون غيرهم من المخلوقات من البشر خصوصاً أقصد، فهذا يدل على شرف وعلى رفعة خصهم الله سبحانه وتعالى بها. إذاً هذا هو الوجه الأول.

الوجه الثاني: أن الله عز وجل قرن شهادة العلماء بشهادته سبحانه وتعالى وبشهادة ملائكته. وما أجمل هذا الاقتران حينما تقترن شهادة المخلوق بشهادة الخالق، عظمة ما بعدها عظمة أيها الأحبة، ورفعة ما بعدها رفعة، أن يقرن الله سبحانه وتعالى بين شهادته وهو الرب الخالق المدبر لهذا الكون وبين شهادة أهل العلم ليدلل على علو منزلتهم وقدرهم عنده.

الوجه الثالث: من دلالة هذه الآية على شرف العلم، أن الله عز وجل عندما استشهد أهل العلم على توحيده هذه الشهادة تتضمن تعديلاً وتزكية من الله سبحانه وتعالى لهم، فإن الله عز وجل لا يستشهد من عباده إلا العدول الأثبات. الله عز وجل لا يستشهد من عباده إلا العدول الأثبات، فاستشهاده سبحانه وتعالى بأهل العلم هو هو يتضمن تزكية وتعديلاً منه سبحانه وتعالى لهم. وهذا ما دل عليه الحديث الذي سيأتي معنا بإذن الله.

يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، وسنعلق حينئذ يعني عندما سيحضر معنا إن شاء الله هذا الحديث، سنعلق على معناه إلى آخره وعلى صحته هل هو صحيح أو فيه خلاف بين أهل العلم؟

المهم أن الله سبحانه وتعالى حينما استشهد بأهل العلم فهو عدلهم وزكاهم بهذه الشهادة، فهو سبحانه لا يستشهد من عباده إلا العدول.

الوجه الرابع والأخير من دلالة هذه الآية على شرف أهل العلم وعلى شرف العلم أن الله عز وجل إنما استشهد بأهل العلم على أعظم مشهود عليه وهو التوحيد، استشهد بهم على أعظم مشهود عليه وهو التوحيد وعظيم القدر، لا يستشهد في عظائم الأمور إلا أكابر الخلق وسادتهم، عظيم القدر لا يستشهد في عظائم الأمور إلا أكابر الخلق وسادتهم.

فهذه الوجوه الأربعة أيها الأحبة تدل على شرف العلم وعلى شرف أهله، الله سبحانه وتعالى استشهدهم دون سائر البشر، الله سبحانه وتعالى قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، الله عز وجل عندما استشهدهم فهذا يتضمن تعديلاً وتزكية منه سبحانه وتعالى لهم.

الله عز وجل استشهدهم على أعظم مشهود عليه وهو توحيده، فهذه الوجوه الأربعة تدل على تلك المنزلة الرفيعة العالية السامية التي نالها أهل العلم عند الله سبحانه وتعالى، لذلك يعلق ابن جماعة على هذه الآية بعد أن سردها: بدأ سبحانه وتعالى بنفسه، وثنى بملائكته، وثلث بأهل العلم، وكفاهم ذلك شرفاً وفضلاً وجلالة.

نعم، يكفي أهل العلم شرفاً لو لم يقدرهم أهل الدنيا، لو عذبوهم، لو أصابوهم بالبلاء، لو حقروهم، لو فعلوا بهم ما فعلوا، يكفي أن الله سبحانه وتعالى يعلم أقدارهم، وسينصرهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد بشهادة الله سبحانه وتعالى شهادة.

ثم بعد ذلك أيها الأحبة يذهب ابن جماعة إلى مجموعة من الآيات الأخرى، من هذه الآيات قوله عز وجل: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ هذه آية أخرى تدل على شرف العلم، وهي أن الله سبحانه وتعالى نفى وجود المساواة بين أهل العلم وبين غيرهم من الجاهلين، نفى المساواة بين أهل العلم وبين غيرهم من الجاهلين: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ.

لكن أيها الأحبة لو تأملنا هذه الآية من مطلعها يقول سبحانه وتعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ثم قال سبحانه: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ.

حينما نتدبر في هذه الآية من مطلعها نجد أن هذه الآية إنما تتكلم عن أهل العلم بالله سبحانه، الذين أورثهم علمهم الخشية من الله سبحانه فاسهروا ليلهم وأظمأوا نهارهم، أورثهم العلم الخوف والوجل من الله عز وجل ومن عقابه، لا تتكلم الآية عن تلك الطائفة من العلماء الذين حفظوا المتون والقواعد وقرأوا المصنفات ولم يورثهم العلم خشية من ربهم سبحانه وتعالى، ولم يراقبوا الله عز وجل لا في سرهم ولا في علانِيَتهم ولا في أقوالهم وتصرفاتهم وأفعالهم.

إذاً، هذه الآية تتكلم عن نمط معين من أهل العلم، أهل العلم الذين أورثهم العلم خشية فأسروا ليلهم وأظمأوا نهارهم، وهذا ينبهنا أحبتي على أن الآيات والأحاديث التي تمتدح العلم وأهله إنما تتكلم عن أهل العلم الذين يعملون بعلمهم الذين يترجمون علمهم على أرض الواقع تطبيقاً عملياً أمام الخلق، ولا تتكلم عمن يحفظ ويدرس ويقرأ ثم حين تأتي أو يأتي التطبيق والعمل تجده ناكصاً على عقبيه، هذا ليس ممدوحاً، وإنما المدح لأصحاب العمل.

وهذه المشكلة الكبيرة التي يعانيها طالب العلم المعاصر، المفارقة بين العلم وبين العمل، تجد الطالب يحفظ ويقرأ ويدرس، لكن عندما تنظر في سمته وفي حاله وفي علاقته مع ربه تجده مهترئاً متآكلاً من الداخل، تجد علاقة مهزوزة مع الله عز وجل، لا تجد قراءة للقرآن ولا تجد ذكراً ولا تجد قياماً لليل، ولا تجد برّاً بوالديه ولا صلة للأرحام إلى سائر هذه الأخلاق.

لماذا هذه المفاصلة بين العلم والعمل؟ لأننا لم نفهم العلم الذي يزكيه ربنا سبحانه وتعالى ويمتدح أهله، لم نفهم العلم الذي أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وامتدحه سلف هذه الأمة، العلم الذي يحبه الله سبحانه وتعالى ويثني عليه هو العلم الذي ينتج عملاً ينتج تغييراً وواقعاً ملموساً في حياة طالب العلم، ويتعدى نفعه إلى الأمة عموماً.

لا أطيل في هذه الآية أكثر من ذلك، ننتقل إلى الآية الأخرى، يقول ابن جماعة: قال الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بهذه الآية أيضاً ربنا سبحانه وتعالى يوجهنا إلى سؤال العلماء في الملمات والمهمات، وهذا توجيه ممن؟ من الله عز وجل. وهل يوجهنا سبحانه وتعالى إلا إلى الثقات الأثبات؟ فهذا التوجيه من الرب لعباده أن يذهبوا إلى أهل العلم يسألوهم ويتعلموا منهم ويطلبوا منهم العلم هو دليل على توثقة الرب عز وجل لأهل العلم العاملين.

وفي الآية التي تليها يقول سبحانه: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ، وتلك الأمثال نضربها بس... وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ يخبرنا ربنا سبحانه وتعالى أن الأمثال التي يضربها في كتابه وبشكل عام آيات القرآن عموماً إنما يعقلها ويستفيد منها وينتفع منها ويتدبرها العلماء العالمون العاملون، لذلك قال: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ.

من الذي يتدبر في أمثال القرآن؟ من الذي ينتفع منها ويحصل منها الفائدة المرجوة؟ هم العلماء، لذلك كان السلف رحمة الله عليهم، روي ذلك عن أكثر من واحد منهم، أنه كان إذا مر على مثل من أمثال القرآن فلم يفهمه بكى على نفسه، بكى على نفسه! لماذا؟ يقول: لست من العالمين، لست من العالمين.

انظروا أحبتي إلى الهم الذي كانوا يحملونه، على ماذا يبكي أحدهم؟ على مثل من أمثال القرآن لم يستطع أن يفهم فحواه، هذا الذي جعله يبكي ويتقطع ويتفطر قلبه، وانظروا إلى همومنا! إلى هم الشاب المعاصر! في ماذا؟ متى يبكي الشاب المعاصر؟ متى تبكي الفتاة المعاصرة؟ هل همه أن يفهم كتاب الله سبحانه وتعالى؟ هل شغله هل قلبه متعلق بهذا الكتاب؟ هل يتفطر قلبه حينما تفوته آية لا يعقل معناها أو يسمع مثلاً لا يدري فهو... هل هذا هو الهم الذي يحمله؟

علينا أن ندرك الفرق بين الهمين حتى نعرف كيف سبقونا، حتى نعرف فضل الأوائل وندرك تلك المنزلة العالية، وحتى لا يتطفل بعض المعاصرين على تلك المنزلة العالية الرفيعة التي وصلها السلف رحمة الله عليهم فيتسلق عليها ويقلل من شأنهم وهو لا يعرف شيئاً من أقدارهم.

إذاً، وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا وما يعقلها يتكلم عن التعقل، عن التدبر، عن الانتفاع إِلَّا الْعَالِمُونَ.

وفي الآية التي تليها يقول سبحانه: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ يمدح الله سبحانه وتعالى أهل العلم في هذه الآية بأن آيات القرآن الكريم راسخة في قلوبهم محفوظة ثابتة لا تتغير، لا تنسى، لا تمحى آثارها ودلائلها ومعانيها وألفاظها من قلوبهم، وهذا أيضاً مدح من الله عز وجل لأهل العلم عموماً ولحملة القرآن خصوصاً.

ويقول سبحانه في الآية التي تليها: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ بفتح الهاء مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ آية تقشعر منها الجلود أيها الأحبة، يخبرنا الله سبحانه وتعالى أن أهل الخشية الحقة هم العلماء، هذه الآية فيها حصر وقصر، إنما وهي من أدوات الحصر، يحصر الله سبحانه وتعالى أهل الخشية الحقة بالعلماء الربانيين العاملين، فلا يخشى الله حق الخشية إلا إنسان عالم بالله سبحانه وتعالى، عالم بأسمائه وبصفاته وأفعاله وجلاله وقدره.

من علم الله عز وجل هذا العلم -علم القلب وليس علم الدراسة والتصنيف فقط، علم القلب- علم الله عز وجل يقيناً في قلبه، لابد وأن يورثه هذا العلم خشية من ربه سبحانه وتعالى، عندما يذكر الله عز وجل عند أهل العلم تقشعر جلودهم، وأما من جهل ربه قلت خشيته من مولاه وكثرت غفلته وانكب على دنياه، هذا هو الواقع.

الذين لا يقدرون الله سبحانه وتعالى حق قدره، الذين يقترفون المعاصي ولا يلتفتون أمامهم، هم جهلوا ربهم، لو عرفوا الله عز وجل كما عرفه أهل العلم لما اجترؤوا على معصيته، فإذاً: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ، إذا أردت أن تحصل يا طالب العلم تلك المرتبة العالية، مرتبة الخشية.

هذا عمل من أعمال القلوب مهم جداً. إذا أردت أن تحصله بحق عليك أن تكثر التعرف على مولاك. والله عز وجل في كتابه تعرف إلينا كثيراً في أسمائه وصفاته، عرفنا بأفعاله، عرفنا برحمته وكرمه، وعرفنا بغضبه وعقابه، عرفنا بلطفه وإحسانه، وعرفنا ببَطشه وانتقامه.

عندما نتعرف ونتأمل ونتدبر، هذا العلم يورثنا خشية من ربنا سبحانه وتعالى. لا تظن أن مرتبة الخشية تنالها وأنت نائم في سريرك، وأنت غافل عن كتاب ربك. لا تنال هذه المراتب العالية من أعمال القلوب إلا بالتعب والتفكر والتدبر والتأمل.

ثم ابن جماعة رحمة الله عليه سيستخدم هذه الآية مع الآية التي تليها في بناء قياس منطقي اقتراني، طبعاً كلمة قياس منطقي اقتراني يدركها أحبتنا الذين درسوا معنا دورات المنطق. انظر ماذا سيفعل ابن جماعة الآن؟ يقول ابن جماعة: قال الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. وقال تعالى: أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، في سورة البينة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ.

الآن دعونا في آية البينة وحدها؛ آية البينة تخبرنا أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك خير البرية، ثم في ختام السورة: ذلك لمن خشي ربه. فكأن الآية في سياقها تريد أن تقول: الذين يخشون ربهم هم خير البرية، لأنها حينما بدأت فقالت: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، فسرت من هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات؟ من هو المقصود؟ فقالت في ختامها: ذلك لمن خشي ربه. نعم، إذاً الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين هم خير البرية هم الذين يخشون، بناء على سياق الآية.

فدعونا إذاً نرتب من جديد فنقول: الذين يخشون ربهم هم خير البرية. وآية سورة فاطر: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. لو أعدنا الترتيب خارج سياق القرآن، ماذا نستفيد؟ نستفيد منها أن العلماء هم الذين يخشون ربهم. تمام؟

إذاً دعونا الآن نرتب هاتين المقدمتين على صورة قياس منطقي اقتراني: المقدمة الأولى: العلماء يخشون ربهم أو العلماء هم الذين يخشون ربهم. هذه المقدمة الأولى. نذهب إلى المقدمة الثانية الكبرى: الذين يخشون ربهم هم خير البرية. المقدمة الأولى اخذناها من سورة فاطر، والمقدمة الثانية استنبطناها من سورة البينة.

فإذاً: العلماء هم الذين يخشون ربهم، والذين يخشون ربهم هم خير البرية، بحذف الحد الأوسط المتكرر بالآيتين أو في الجملتين وهو: الذين يخشون ربهم، نحذف الحد الأوسط، فماذا تكون النتيجة التي نتجت؟ العلماء هم خير البرية. فلاحظوا كيف توصل ابن جماعة رحمة الله عليه إلى امتداح العلماء بهذا الأسلوب اللطيف! وظف قواعد علم المنطق في التوصل إلى مدح العلماء من هاتين الآيتين.

لذلك انظروا ماذا قال؟ قال ابن جماعة بعد أن سرد آية البينة: فاقتضت الآيتان أن العلماء هم الذين يخشون الله تعالى، وهذه الآية الأولى هي التي اقتضت ذلك، وأن الذين يخشون ربهم هم خير البرية، وهذه الآية الثانية آية البينة هي التي اقتضت ذلك، فينتج بعد حذف الحد الأوسط ماذا تكون النتيجة؟ أن العلماء هم خير البرية.

إذاً أيها الأحبة، هي مجموعة من الآيات لم يقصد ابن جماعة الحصر أن هذه الآيات فقط هي التي تدل على شرف العلم وعلى شرف أهله، وإنما أتى بنماذج من آيات القرآن الكريم عن شرف العلم وشرف أهله، أراد أن ينبه به طالب العلم على شرف العلم وعلى شرف الطريق الذي يسلكه إلى ربه سبحانه، وأن الله عز وجل مدح العلم ومدح أهله وأعد لهم الدرجات العالية وأثنى عليهم أنهم اهل الخشية الحقة، وامر الناس أن يتوجهوا إلى العلماء. كل هذه الآيات تتضمن مدحاً وثناءً من الرب سبحانه وتعالى على طالب العلم وعلى العلم وعلى العالم.

فإياك يا طالب العلم أن تعود أدراجك بعد أن سمعت هذا الشرف العظيم. ننتقل الآن إلى الأحاديث النبوية التي سردها ابن جماعة في ذكر فضل العلم وفضل العلماء، الحديث الأول الذي أتى به ابن جماعة رحمة الله عليه هو قوله صلى الله عليه وسلم: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين. هذا الحديث رواه ابن عباس رضي الله عنهما، رواه عمر، رواه أنس، رواه ابن عمر، رواه أبو هريرة، ورواه ابن مسعود، ورواه معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه. مجموعة إذاً من الصحابة رووا هذا الحديث وهذا الأثر، وهو في البخاري ومسلم.

من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين. دعونا نحلل هذا الحديث أحبتي؛ هذا الحديث يدل بمنطوقه على أن التفقه في دين الله سبحانه وتعالى من علامة إرادة الله الخير بعبده، التفقه في دين الله علامة من علامات إرادة الله الخير بهذا العبد. هذا العبد الذي ينكب على التفقه في دين ربه، الله عز وجل من يريد به خيراً، هذا الذي نستفيده من منطوق الحديث.

ونستفيد من مفهومه مفهوم المخالفة: أن من أشغله الله عز وجل بدنياه وصرف قلبه عن التفقه في الدين لم يرد الله به خيراً. وهذا المفهوم دلت عليه رواية ضعيفة أخرجها أبو يعلى رحمة الله عليه من حديث معاوية السابق؛ أبو يعلى روى حديث معاوية السابق في مسنده وزاد زيادة، لكنها ضعيفة. إيش هذه الزيادة؟ هي ضعيفة لكنها تهمني هذه الزيادة الضعيفة التي زادها أبو يعلى على حديث معاوية بن أبي سفيان قال: من يرد الله، عفواً قال: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ومن لم يتفقه في الدين لم يبالِ الله به. كلمة خطيرة! ومن لم يتفقه في الدين لم يبالِ الله به.

من الناحية الإسنادية الحديثية هذه الزيادة ضعيفة، لكن معناها صحيح ودل على هذا المعنى مفهوم الحديث السابق؛ لأنه قال عليه الصلاة والسلام: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين. إذاً ما مفهوم المخالفة؟ أن من لم يرد الله به خيراً أشغله بدنياه.

أخي الحبيب، لا يشترط أن تصبح عالماً حتى تنال فضل هذا الحديث، يكفي أن تنشغل بطلب العلم، يكفي أن تهتم بتعلم فقه حياتك، وأن تتعرف على عقيدتك، وأن تجمع مكارم الأخلاق وتتعرف عليها وتحاول اكتسابها، هذا من التفقه في دين الله. يعني بعض طلبة العلم يقول: يا شيخ، معناها كل انسان ليس بعالم لم يرد الله به خيراً؟ لا، الحديث يتكلم عن الإنسان الذي ينشغل بدنياه تماماً ويعرض عن تعلم فقه حياته في علاقته مع الله سبحانه وتعالى، في الطهارة، في الصلاة، في الصيام، في الحج؛ لا يتعلم الاعتقاد، ما هي العقيدة الصحيحة؟ عقيدة أهل السنة والجماعة. لا يهتم بالتعرف على الأخلاق الحميدة ليكتسبها، والأخلاق الذميمة ليجتنبها. من كان معرِضاً عن كل هذه العلوم وعن تعلمها وعن التطرق إليها، نعم لم يبالِ الله به؛ لأنه أشغله بدنياه.

فيَا طالب العلم، إذا صرف الله عز وجل قلبك إلى تعلم علوم الشريعة وأشغلك بهذه العلوم، اعلم أن الله عز وجل يريد بك خيراً، فاياك أن ترفض هذه الهدية وتعود على أدراجك. يا طالب العلم، والله إن الدنيا بملذاتها وشهواتها وأهوائها لا تضاهي مجلس علم يذكر فيه ربنا سبحانه وتعالى ويثنى عليه، وتتعلم فيه أحكام الشريعة! هذه الدنيا بملذاتها لا تضاهي مجلس علم تحفه الملائكة وتغشاه الرحمة والسكينة ويثني ربنا سبحانه وتعالى على أهله في الملأ الأعلى.

فاياك أن تنقطع عن العلم بعد أن أشغلك الله سبحانه وتعالى به؛ فإن انقطاعك عنه بالكلية منذر بنذير سوء. عليك بالعلم، تشبث به، حتى لو ذهبت بك الدنيا عد مرة أخرى، حتى لو انقطعت قليلاً عد مرة أخرى، المهم أن تبقى على درب العلم إلى أن تلقى الله سبحانه وتعالى: وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ.

إذاً هذا هو الأثر الأول: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين. ننتقل إلى الأثر الثاني الذي ذكره ابن جماعة، قال: وعنه صلى الله عليه وسلم

العلماء ورثة الأنبياء، وهذا الأثر سيمر معنا مرة أخرى بعد قليل بإذن الله. لكن هذه الكلمة أيها الأحبة، هذه الجملة "العلماء ورثة الأنبياء" تحمل في طياتها شرفاً وعزاً لأهل العلم. فالله سبحانه وتعالى أو النبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا أنه ورثة الأنبياء. والنبي عليه الصلاة والسلام يخبر عن الرب سبحانه فلا إشكال، يخبرنا صلى الله عليه وسلم أن العلماء ورثة الأنبياء.

أي عز وأي شرف لك أيها العالم حينما تحوز ميراث النبوة وتحمل لواء الأنبياء وتسير به ليسير الناس خلفك! أحبتي، إن هذا الحديث "العلماء ورثة الأنبياء" ينبه على قضيتين؛ القضية الأولى: أن العلماء هم أقرب الناس إلى الأنبياء. لأن الإنسان الذي يتوفاه الله سبحانه وتعالى من الذي يحوز تركته؟ أقرب الناس إليه، أليس كذلك؟ فالأنبياء حينما توفاهم الله سبحانه وتعالى من الذي يحوز تركتهم؟ بنص الحديث: العلماء. فدل هذا على أن العلماء هم أقرب الناس إلى الأنبياء، هذه هي الإشارة اللطيفة التي أراد الحديث أن يأتي بها.

فإياك أن تحتقر عالماً، لأن هذا العالم العامل الذي يخشى الله بهذه الضوابط، هذا العالم العامل هو قريب من مراتب النبوة، قريب من مراتب النبوة. ومن يقدح في العلماء الأثبات الثقات؟ من يقدح في العلماء العاملين الذين يقودون ركب هذه الأمة يخشى عليه من سوء الخاتمة. أيها الأحبة وهناك تنبيه آخر يدل عليه هذا الحديث.

هذا التنبيه هو رسالة للعلماء؛ بما أنكم أيها العلماء ويا طلبة العلم قد حزتم ميراث النبوة، فعليكم أن تتحملوا ضريبة المسير. الأنبياء الذين دعوا إلى الله سبحانه وتعالى تحملوا في سبيل هذه الدعوة الأذى، صبروا، كابدوا الليل والنهار، تحملوا جهالة الناس عليهم ليصلوا هذه الرسالة نقية طاهرة. فعليكم أيها العلماء ويا طلبة العلم، يا من حستم ميراث الأنبياء، أن تتحملوا الأذى من أجل هذا العلم، من أجل أن تصل رسالة آآ الإسلام الخالدة إلى هذه الأمة، من أجل أن يصل هذا الإسلام نقياً طاهراً إلى الأجيال القادمة، علينا أن نتحمل، علينا أن نصبر، وعلينا أن نسأل ربنا سبحانه وتعالى الثبات دائماً وأبداً. فهذه لطيفة أشار إليها هذا المقطع، الحديث سيأتي معنا بأكمله إن شاء الله، لكن لابد أن نعلق على هذا المقطع بهذا التعليق لأهميته: العلماء ورثة الأنبياء، عز ما بعده عز وشرف ما بعده شرف. أحبتي.

ثم بعد ذلك، طيب إيش علق ابن جماعة على هذا الأثر قبل أن أنتقل للأثر الذي يليه؟ يقول ابن جماعة معلقاً على هذا الأثر "العلماء ورثة الأنبياء": يقول وحسبك بهذه الدرجة مجداً وفخراً، وبهذه الرتبة شرفاً وذكراً. فكما لا رتبة فوق رتبة النبوة، فلا شرف فوق شرف وارث تلك الرتبة. إذاً يؤكد ابن جماعة على أن هذا الحديث يحمل شرفاً وعزاً ما بعده عز لأهل العلم العاملين بعلمهم.

ثم ينتقل الأثر الذي يليه، قالوا عنه صلى الله عليه وسلم لما ذكر عنده رجلان، الصحابة ذكروا عند النبي صلى الله عليه وسلم رجلين؛ أحدهما عابد والآخر عالم، فعلق صلى الله عليه وسلم فقال: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. هذه مقارنة يعقدها النبي صلى الله عليه وسلم بين العالم والعابد.

الآن أولاً التعليق على هذا الحديث؛ هذا الحديث من الناحية الإسنادية في الحقيقة أحبتي هو مرسل، وأما الرواية المتصلة بهذا الحديث فهي أخرجها الترمذي من حديث سلمة بن رجاء، حدثنا الوليد بن جميل عن القاسم أبي عبدالرحمن عن أبي أمامة الباهلي قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضله على أدناكم. هذا الحديث متصل لكنه ضعيف من الجهة الإسنادية، لأن سلمة بن رجاء ضاعفه المحققون من علماء الحديث، والوليد بن جميل يروي المنكرات عن القاسم أبي عبدالرحمن، فبالتالي الحديث المتصل ضعيف السند كما هو ظاهر.

روي هذا الحديث من طريق آخر مرسل؛ رواه يزيد بن هارون عن الوليد بن جميل عن القاسم أبي عن القاسم أبي عبدالرحمن عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم فضل العالم عن العابد كفضله على أدناكم. ومكحول الذي يروي الحديث مباشرة عن النبي عليه الصلاة والسلام من التابعين وليس من الصحابة، وبالتالي بالتأكيد هناك انقطاع بين مكحول وبين من؟ وبين النبي عليه الصلاة والسلام، فيسمى هذا الحديث مرسلاً عند المحدثين.

فإذاً هذا الحديث لا يخلو من ضعف، ولكن دعونا ننظر في معنى، يهمني الآن المعنى، والحديث كما لا يخلو من ضعف لكن معناه من الجانب الآخر صحيح. وقد عقدت آآ وقد عقدت كثير من الآثار والأحاديث النبوية مقارنات بين العالم والعابد، وكلها أطبقت على تفضيل العالم على العابد. فمثلاً هذا الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم.

أولاً هل يعني بعض طلبة العلم عندما يسمع هذا الحديث "فضل العالم على العابد" يتوهم أن هناك عالماً لا يقوم بعبادات أبداً وفي المقابل هناك عابد ليس عنده شيء من العلم؟ لا، هذا الكلام ليس بصحيح. لا يوجد عندنا عالم ليس عنده تعبد لله، ولكن المقصود فضل العالم يعني العالم الذي غلب جانب العلم على جانب العبادة في حياته، غلب جانب العلم على جانب العبادة لم يتفرغ للتمسك وقيام الليل بكليته وصوم النهار دائماً، لأنه أشغله العلم عن ذاك التمسك الكبير العظيم.

ولكن لابد أن يكون عنده شيء من العبادة في النهاية، لابد أن يكون عنده ورد في قيام الليل، ورد من القرآن، ورد في آآ الصيام، فلا يتصور عالم ليس عنده ورد في العبادات. وإنما المراد العالم الذي غلب عليه جانب العلم على جانب التعبد نقارنه مع العابد الذي غلب عليه جانب العبادة على جانب العلم، وليس العابد الجاهل الذي يعبد الله بجهل، فهذا أيضاً لا يقبل، لابد للعابد الذي يتفرغ للتمسك والعبادة أن يكون عنده شيء من العلم يصحح به عبادته.

فالمقارنة إذاً بين العالم الذي غلب عليه العلم على العبادة، والعابد الذي غلبت عليه العبادة على العلم، فأيهما أفضل؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يقول: فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. يعني دعونا ننظر إيش فضل النبي صلى الله عليه وسلم على أدنى رجل من الصحابة؟ فضل كبير جداً لا نستطيع أن نقارنه، لا مجاراة، لا قياس، محمد صلى الله عليه وسلم أطهر الخلق سيد ولد آدم.

فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن تصل هذه الرسالة، طبعا بناء على الأحاديث فيه ضعف لكن أنا أشرح نص الحديث، الرسالة التي في هذا الحديث يعني كما أن فضل النبي صلى الله عليه وسلم على فضل أدنى الصحابة لا يقارن، كذلك فضل العالم الذي يعلم الناس ويرشدهم على فضل العابد المنشغل بالعبادة وحده لا يقارن، لا يقارن. هذه أول مفاضلة ترد معنا في هذا الكتاب بين العالم والعابد، قاس النبي صلى الله عليه وسلم المسافة التي بين العالم والعابد بالمسافة التي بينه صلى الله عليه وسلم وبين أدنى الصحابة رضوان الله تعالى.

تمام آآ أنبه هنا أو أحببت أن أقرأ لكم شيئاً من كلام ابن القيم في مفتاح دار السعادة. يقول ابن القيم في مفتاح دار السعادة في هذه المقارنة بين العالم والعابد، طبعا أنا أنصح أحبتي من طلبة العلم أن يقرأوا مفتاح دار السعادة آآ الجزء الأول من هذا الكتاب خصوصاً الجزء الأول، تكلم ابن ابن القيم بتوسع عن فضل العلم وفضل العلماء وأتى بآثار كثيرة وأدلة كثيرة فوق المئة دليل، جمع فيها أحاديث وآيات وآثار صحابة تدل على فضل العلم وفضل التعلم وفضل العلماء، فأوجه طلبة العلم إلى قراءة المقطع الأول أو الجزء الأول من كتاب مفتاح دار السعادة.

يقول ابن القيم معلقاً على المقارنة بين العالم والعابد، ماذا يقول؟ إن العالم يفسد على الشيطان ما يسعى فيه ويهدم ما يبنيه، العالم يفسد على إبليس أيها الأحبة وعلى جميع شياطينه من الانس والجن، من الانس والجن يفسد عليهم قال: إن العالم يفسد على الشيطان ما يسعى فيه، يعني يسعى في بنائه ويهدم ما يبنيه، فكلما أراد آآ الشيطان إحياء بدعة وإماتة سنة حال العالم بينه وبين ذلك.

لأن العالم يتصدى لمكر إبليس، ويتصدى لمكر شياطين الإنس والجن، الذين يمكرون مكر الليل والنهار، يتصدى لهم العالم. لذلك يفرح إبليس بموت العالم أكثر من فرحه بموت العابد؛ لأنه يدرك أن موت العالم يفتح فجوة أمامه للدخول للمجتمع المسلم. قال: فلا شيء أشد عليه من بقاء العالم بين ظهراني الأمة، ولا شيء أحب إليه من زواله من بين أظهرهم، ليتمكن من إفساد الدين وإغواء الأمة. أما العابد فغايته أن يجاهد ليسلم منه في خاصة نفسه، العابد الذي يتفرغ للتنسك والعبادة وحده، هو حتى يخلص هو وحده من إبليس، ويجاهد حتى يخلص نفسه وحدها من إيش؟ من إبليس ومن مكره، وأما سائر الناس فلا يتعدى إليهم نفع العابد، لا يتعدى إليهم نفع العابد.

وأما العالم فعلمه وبركة هذا العلم تتعدى إلى سائر الناس. لذلك كان إبليس يسر كثيرا بموت عالم أكثر من سروره بموت العابد كما قلنا. جميل، أذهب إلى الأثر الذي يليه، لا نحن قلنا فضل العالم عن العامل كفضله على أدناكم؟ نعم، نذهب إلى الأثر الذي يليه.

وقال صلى الله عليه وسلم، أو عنه صلى الله عليه وسلم: من سلك طريقا يطلب فيه علما، سلك به طريقا من طرق الجنة، وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى الله عنه، وأن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء، وأن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما. لاحظوا الأحاديث مرة أخرى يأتي معنا: فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر. حديث فيه شيء من الطول يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم العديد من فضائل ومزايا طلبة العلم ولأهل العلم. هذا الحديث من الناحية الإسنادية ذهب كثير من العلماء إلى تضعيفه، وفيه عدة مشاكل إسنادية.

لكن الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح رجح أن هذا الحديث قد يفتقر إلى الصحة بكثرة شواهده. رجح أن هذا الحديث قد يرتقي إلى الصحة بماذا؟ بكثرة شواهده. وهذا الذي أذهب إليه، أذهب إلى رأي الحافظ ابن حجر، أن هذا الحديث وإن كان يعني بمفرده لو نظرنا إلى إسناده وحده ضعيف، لكن له شواهد تشهد له كثيرة يعضد بعضها بعضا، يرتقي هذا الحديث مع هذه الشواهد ليصل إلى مرتبة الحسن تماما.

فالآن أيها الأحبة، بعد أن عرفنا أن هذا الحديث يمكن أن يكون صحيحا باحتمال تعدد طرقه ومقبولا، دعونا نحلل هذا الحديث وننظر في تلك الفضائل التي تطرق إليها. أولا: من سلك طريقا يطلب فيه علما، سلك به -أي بهذا الطريق الذي يسير فيه- طريقا من طرق الجنة. هذا المقطع الأول من الحديث ورد في أحاديث صحيحة ولا أحد يناقش في ذلك، هذا المقطع الأول: من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سلك به طريقا من طرق الجنة. ثبت في الأحاديث الصحيحة لا غبار عليه، وإنما الإشكال في الحديث بتمامه. فما هي الميزة التي يرسمها هذا المقطع الأول من الحديث؟

يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من سلك طريقا يطلب فيه العلم، فهو بهذا الطريق الذي يسلكه، هذا الدرب الذي يخطوه في طلب العلم، هذا الدرب المليء بالمتاعب والمشاكل، فيه سهر ليالي، وفيه مكابدة، فيه ذهاب إلى العلماء والجلوس بين أيديهم، فيه حفظ منظومات وتلخيص وكتابة خلف الشيخ، والشيخ يطيل علينا في المحاضرات، ويكثر علينا من الدروس، ويضغطنا في برنامجه. هذا درب العلم أيها الأحبة، من سلكه فهو بسلوكه له يسلك طريقا إلى الجنة، وكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يجزيه مقابل هذا الطريق الذي سلكته وفيه من المتاعب من أجل العلم ومن أجل أن تعلم الناس، يبدلك الله عز وجل طريقا -أو يجعله الله سبحانه وتعالى، لا، قد لا يبدله- يجعله الله سبحانه وتعالى طريقا إلى جنات النعيم.

فإذا أنت تخطو في هذه الدنيا في طريقك الشرقي يا طالب العلم، ولكن اعلم أن هذه الخطوات هي دربك إلى جنات النعيم، هي الخطوات التي ستدخل بها جنة الرب سبحانه وتعالى بإذنه، لأن هذا وعد من الله عز وجل على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن أصدق من الله قيلا، ومن أصدق من الله حديثا؟ إذا من سلك طريقا يطلب فيه علما، سلك به طريقا من طرق الجنة، أنت تسلك الآن في طريق من طرق الجنة.

ثم اتبع الحديث: وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم لرضا الله عنه، وأن العالم... طب ما أريدكم أن أقف عند هذا المقطع الثاني: وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم لرضى الله عنه. دعونا، فما معنى أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم؟ اختلف شراح الأحاديث في فهم هذه الجملة، البعض حملها على الحقيقة، أن الملائكة تضع أجنحتها وضع حقيقي، لكن ما هو الوضع هذا؟ الوضع الحقيقي ما هو؟ الإمام مالك بن انس رحمه الله يفسر هذا الوضع بأن المراد بالوضع هنا أن تبسط أجنحتها بالدعاء لطالب العلم بدلا من الأيدي، نحن البشر إذا اردنا أن ندعو الله سبحانه وتعالى نرفع أيدينا، الملائكة إذا أرادت أن تدعو لطالب العلم فإنها تبسط أجنحتها، فهذا إذا هو معنى وضع الملائكة أجنحتها. الوضع فسره مالك بن انس بأنه بسط الأجنحة بالدعاء لطالب العلم.

في تفسير معنى الوضع على أنه حقيقة، أن الملائكة تحمل طالب العلم وهو في طريقه، حينما يذهب إلى مجالس العلم ويعود منها، حينما يذهب لقراءة كتاب أو إلى مجلس مذاكرة، الملائكة تحمله على أجنحتها، كيف تحمله؟ الله تعالى أعلم، فهناك أمور مغيبة لا نستطيع أن نفهمها أو نفهم حقيقتها الواقعية، أو أن ندرك كيف تحدث، ولكن نؤمن بها، هذا كله على أن معنى الوضع معنى حقيقي.

بعض العلماء ذهب إلى أن معنى وضع الملائكة الأجنحة هو معنى مجازي، والمراد أن الملائكة توقر طالب العلم حينما يسير في دربه وتعظمه وتحترمه، فهذا معنى آخر التفسير المجازي لوضع الملائكة للأجنحة: التعظيم والتوقير. وأظن أن ابن جماعة تطرق إلى شرح هذا المقطع حينما قال: وقد اختلف في معنى وضع أجنحتها -سيقول بعد قليل-: وقد اختلف في معنى وضع أجنحتها، فقيل: التواضع له، وقيل: النزول عنده والحضور معه، وقيل: التوقير والتعظيم، وهذه التفسيرات الثلاثة أيها الأحبة هي تفسيرات مجازية للوضع.

ثم ذكر ابن جماعة تفسيرا للوضع باعتباره وضعا حقيقيا فقال: وقيل معناه تحمله عليها، أن الملائكة تحمل طالب العلم على أجنحتها فتعينه على بلوغه مقاصده، وهذا هو المعنى الحقيقي. وهناك معنى حقيقي آخر والمعنى الذي ذكره مالك بن انس وهو أن الملائكة تبسط أجنحتها لطالب العلم بالدعاء له والاستغفار. فإذا كانت الملائكة تستغفر للمؤمنين، ألا تستغفر لطالب العلم أحبتي؟ لابد ذلك.

إذا هذا معنى هذا النص، أنا أحبت أن أفسره وأن يقف طالب العلم على المعاني المتعددة في فهمه، طالب العلم لا يحصر نفسه في فهم معين بما أن هناك أقوالا مختلفة للعلماء وهي مقبولة في الحقيقة، سواء المعنى الحقيقي لا إشكال فيه، وإياك أن يأتي شخص يقول ويستهزئ: كيف تضع أجنحتها يا شيخ وهل نحن نرى هذه الأجنحة؟ لا، لا تخض فيما لا يعلم الملك به، لا تخض في ذلك، كل هذا الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، وخذ الحديث على ظاهره.

ومن أَراد أن يفسر بالمعنى المجازي وهو أن وضع الجناح كخفض الجناح الذي أخبرنا الله سبحانه وتعالى به في سورة الإسراء عن الوالدين: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ، فأراد أن يفسر وضع الجناح هنا بأنه معنى إظهار الاحترام قيل والتواضع لطالب العلم، فلا أرى هذا المعنى ممنوعا والله تعالى أعلم. وكلا المعنيين شريف، وكلاهما يدل على شرف طالب العلم وعلى مكانته عند الله سبحانه وتعالى.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: وأن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء. العالم الذي يعلم الناس الخير يستغفر له من في السماوات.

ومن في الأرض، حتى الحيتان في جوف الماء. ابن القيم رحمة الله عليه يقول في تفسير هذا الاستغفار، ماذا يقول؟ يقول: لما كان العالم سببا في حصول العلم الذي به نجاة النفوس من أنواع المهلكات، وكان سعيه مقصورا على هذا، على حصول العلم وعلى تعليمه، وكانت نجاة العباد على يديه جزئي من جنس عمله، وجعل من في السماوات والأرض ساعيا في من أسباب الهلكات باستغفارهم له. يريد أن يقول ابن القيم: العالم الذي يتعلم ويسعى لتعليم الناس ما ينجيهم من عقاب وبالله سبحانه وتعالى ويخلصهم من المهلكات، الله عز وجل يجازيه من جنس عمله، فيجعل من في السماوات من الملائكة والمخلوقات في الأرض من المخلوقات تستغفر له، حتى ينجو هو من المعاصي والذنوب لابد وأن يكون اقترب شيئا منها. لاحظوا كيف المجازاة من جنس العمل، معنى جميل رائق يذكره ابن القيم رحمة الله تعالى عليه.

وانظروا أيها الأحبة أن الاستغفار لا يقتصر فقط على الملائكة وعلى البشر، بل حتى الحيوانات، قال صلى الله عليه وسلم: حتى الحيتان في وفي الماء. لماذا الحيتان في جوف الماء تستغفر؟ لماذا البهائم تستغفر؟ ذكر أو ذكر أهل العلم تفسيرات عديدة، لماذا تستغفر الحيتان للعالم؟ من أجمل تلك التفسيرات: أن المعاصي عندما تظهر في الأرض لا يتضرر بها فقط البشر أو يتأذى منها الملائكة، بل حتى البهائم والحيوانات تتأذى من معاصي بني آدم، قال سبحانه وتعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ. فالمعاصي والذنوب التي تظهر في الأرض والبدع والفجور الذي يرتكب تتأذى منه المخلوقات جميعها، حتى الحيتان وحتى التي في البحار تتأذى من معاصي بني آدم.

فعندما يحول العالم بين انتشار البدع والمعاصي والفجور، حينما يقوم العالم بتعليم الناس الخير ويبعدهم عن المعاصي واقتراف الذنوب والآثام، فإنه يسعى في صلاح الأرض وفي صلاح الأرض لجميع المخلوقات، حتى البهائم والحيوانات في البر وفي البحر. فالحيتان تستغفر لهذا العالم الذي ينجيها من سيئات بني آدم، الحيتان تستغفر لهذا العالم الذي ينجيها وينقذها من سيئات بني آدم. وذكر يعني ابن جماعة سيأتي معنا أنه فسر أو علل لماذا الحيتان تستغفر للعالم؟ لأن العالم يعلم الناس كيف يرفقون بالحيوانات وما يحل منها من الطعام وما لا يحل منها، هذا تفسير ذكره، لكن أظن أن التفسير الأول أبهج للنص.

يعني هل الحيتان تستغفر فقط لأن العالم يعلم الناس كيفية الرفق بالحيوانات والتعامل معها بهدوء وما يحل منها وما يحرم؟ هل فقط هذا هو سبب الاستغفار أم هو لأن العالم ينقذ أهل الأرض جميعا انسهم وجنهم، ينقذ الحيوانات والبهائم والجمادات من سوء معاصي بني آدم؟ إذا هذه فائدة والطف في فهم معنى هذا الاستغفار.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على الكواكب. مقارنة جديدة تعقد بين العالم والعابد، في الحديث السابق الذي حكمنا عليه بالضعف من الناحية الحديثية كانت مقارنة بين العالم والعابد، النبي صلى الله عليه وسلم قال: فضل العالم على العابد كفضله على أدناكم. في هذا الحديث مقارنة أخرى بين فضل العالم وفضل العابد، أيهما أفضل عند الله سبحانه وتعالى؟ يقول صلى الله عليه وسلم: وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر حينما يكون مكتملا على سائر الكواكب. ابن القيم أيضا يعلق على هذا المقطع من الحديث، هذا الحديث أو هذا المقطع تشبيه مطابق لحال القمر وحال الكواكب، لماذا شبه العالم بأنه قمر ولماذا شبه العباد بأنهم كواكب فقط؟ قال: فإن القمر يضيء الآفاق ويمتد نوره إلى العالم، وهذه حال العالم، نوره وهو العلم الذي ينشره يضيء هذه الأرض ويعمها. وقال: وأما الكوكب فنوره لا يجاوز نفسه، نوره يقتصر عليه، لا تجد للكواكب ولا الأجرام السماوية نور يصل إلى هذه الأرض، قال: وأما الكوكب فنوره لا يجاوز نفسه أو ما قرب منه، وهذا حال العابد الذي يضيء نور عبادته عليه دون غيره، ولو نوره قليل فربما يتأثر بعبادته زوجته هو وأبناؤه، فنوره محصور كنور الكوكب، وإن جاوز نور عبادته غيره فإنما يجاوزه غير بعيد، ما ببعد كثير نور العبد كما يجاوز ضوء الكوكب له مجاوزة يسيرة.

إذا فهمنا المقارنة، القمر لأن نوره يصل إلى آفاق الأرض يصلح أن يكون مثلا للعالم، لأن علمه يصل إلى الأرض يعمها، وأما العابد لأن علمه أو عبادته مقتصرة عليه، نفع عبادة العابد مقتصرة عليه ومن يقتدي به وهم الطائفة التي تدور حوله فقط، فهو كالكوكب يضيء ما حوله ولا يتعدى نوره إلى مسافات بعيدة.

لكن السؤال الآن، لكن طالب علم يستشكل: لماذا لم يشبه نور العالم بالشمس؟ لماذا شبه العالم بأنه كالقمر ليلة البدر ولم يشبه بأنه كالشمس التي تضيء الأرض؟ سؤال في الحقيقة، إجابة هذا السؤال ستجدونها في النص الأخير من هذا الحديث، قال صلى الله عليه وسلم: فإن العلماء ورثة الأنبياء، العالم إنما شبه بالقمر ليلة البدر ولم يشبه بالشمس، لأن القمر أحبتي لا يأخذ نوره من نفسه، وإنما يقتبس نوره من الشمس، والعالم يقتبس نور العلم الذي يضيء به الأرض من الأنبياء، الشمس أو الشموس هم الأنبياء والعلماء هم أقمار يأخذون من الشمس النور ويبثونه في الأرض، وأما العباد فهم الكواكب، لذلك عرفنا، فهمنا لماذا شبه العالم بالبدر ليلة التمام ولم يشبه بالشمس، لأنه يقتبس النور من غيره وليس هو الذي أنشأ العلم من نفسه.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم. فمن هذه تكملة الحديث: فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الأنبياء لا يورثون، قال صلى الله عليه وسلم: ما تركنا صدقة. فالأنبياء لا يورثون وإنما ميراثهم هو العلم، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر، فمن أخذه أخذ بحظ وافر. فكل إنسان يقتبس من العلم هو يقتبس من ميراث النبوة، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.

طيب، نذهب إلى الحديث الذي يليه أحبتي أو نقرأ تعليق ابن جماعة على هذا الحديث، ثم نذهب إلى الحديث الذي يليه. يقول ابن جماعة: واعلم أنه لا رتبة فوق رتبتي من تشتغل الملائكة وغيرهم بالاستغفار والدعاء له. أي مرتبة هذه؟ الملائكة تشتغل بالاستغفار للعالم، الحيتان، بل في بعض الأثر أن النملة تشتغل في الاستغفار للعالم. مرتبة عظيمة يا طالب العلم، كل المخلوقات التي خلقها الله سبحانه وتعالى تشغل وقتها في الاستغفار لك، هي تحبك لأنك تنقذها من المهلكات، حقيقة من تأمل في هذه المرتبة لابد أن ترتفع همته لإكمال المسير والدرب في طلب العلم، قال: وتضع له أجنحتها، قال: وانه لينافس في دعاء الرجل الصالح أو من يظن صلاحه فكيف بدعاء الملائكة؟

نحن أيها الأحبة في هذه الحياة الدنيا نتنافس على طلب الدعاء من الصالحين، تجد رجل عابد زاهد متمسك لله سبحانه وتعالى تطلب منه الدعاء تحاول أن تصل إليه، تقول له: يا شيخ ادع الله عز وجل لي بالذرية الصالحة، ادع الله أن يوفقني، أن يهديني، أن يهدي بيدي إليه. فأهل الصلاح ينافسون في طلب الدعاء منهم، ألا نتنافس في طلب الدعاء من الملائكة؟ ألا نتنافس ونتسابق في طلب الدعاء والاستغفار من الملائكة وهم الذين يطيعون الله ليل نهار ولا يعصونه ولا يفترون عن العبادة؟

فهذا ملحظ لطيف ذكره، وإن كانت قضية طلب الدعاء من الصالحين نقول الأصل في الإنسان أن يدعو بنفسه، لا إشكال في طلب الدعاء من الصالحين بالتأكيد، ولكن كما أرشد أهل العلم الأصل في طالب العلم وفي المسلم عموما أن يشتغل بالدعاء لنفسه، وألا دائما الذهاب إلى الأولياء وإلى الصالحين يطلب منهم الدعاء، لو كان شيئا عرضا لا إشكال في ذلك، لكن لا يكون هذا هو الدأب المستمر، فالإنسان ندعو الله سبحانه وتعالى دائما وينشغل هو بالدعاء لنفسه ولغيره من المسلمين.

ثم يقول: وقد اختلف بمعنى وضع أجنحتها وهذا علقنا عليه قبل قليل؛ فقيل: التواضع له أي لطالب العلم، وقيل: النزول عنده والحضور معه، وقيل: التوقير والتعظيم، وقيل: تحمله عليها أي على أجنحتها فتعينه على بلوغ مقاصده. كأن الملائكة إذا تضع طالب العلم على أجنحتها في أثناء سيره للطلب حتى تعينه على الوصول إلى مقصده.

قال: وأما إلهام الحيوانات بالاستغفار لهم أي للعلماء؛ فقيل: لأنها خلقت لمصالح العباد ومنافعهم. الحيوانات خلقت لمصالح العباد ومنافعهم، نأخذ منها ونستفيد من جلودها ومن لحومها ومن أصوافها وأوبارها، والعلماء هم الذين يبينون ما يحل منها من الحيوانات أو من المنافع، يعني الضمير هنا يحتمل أن يعود إلى الحيوانات ويحتمل أن يعود إلى إيش؟ المنافع، يعني ما يحل من هذه المنافع.

ويصون بالإحسان إليها ونفي الضرر عنها، وهذا ما أنا ذكرته لكم قبل قليل؛ إن العالم هو الذي يعلم الناس كيف يحسنون إلى الحيوانات وكيف يتعاملون معها بشكل لائق، ولكن المعنى الذي أراه أعم وأجمل أن الحيوانات والبهائم تأثر بمعاصي بني آدم، والعالم حينما يدعو الناس إلى الخير يقلل من هذه المعاصي، فبالتالي يكون فيه نجاة لأهل البر وأهل البحر، فتستغفر الحيتان.

لا أطيل أكثر من ذلك؛ أنا أحب دائما في مدارس التزكية أن تكون الموعظة خفيفة لطيفة كما يقولون، فإن شاء الله نقف عند هذا القدر، وفي المحاضرة القادمة نكمل ما شرعنا فيه من جمع هذا الكتاب المبارك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.