يا طالباً للعلم يرجو نفعه، اسمع نصيحة ناصح معواني. أخلصوا لربكم في أموركم كلها، فالمخلصون هم أولو العرفان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي جعل لأهل العلم آداباً تكملهم، وأخلاقاً تجملهم، وهدياً وصمتاً يزينهم، به تبوءوا منازل السعادة، وأخذوا بزمام الريادة. وصلى الله على من جمع مكارم الأخلاق وحاز محاسن الآداب بشهادة ربنا سبحانه وتعالى من فوق سبع سماوات: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
صلى الله على نبينا وعلى حبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد من مجالس غراس العلم، لدراسة العلوم الشرعية، مجلس نعقده في مذاكرة علم قل طارقوه، وزهد طلبة العلم فيه في هذا الزمان؛ لعدم إدراك قيمته، وشرف معدنه، وطيب ثماره.
يخاله كثير من طلبة العلم فضول كلام، واشتغالاً بالمفضول عن الفاضل، وذهاباً إلى حواشي الطريق بدلا من السير في متنه وفي صلبه، ومن جهل شيئاً هان عليه. أحبتي، علمنا الجديد هو علم الأدب، أدب طلب العلم. نتدارسه بإذن الله في هذه المجالس من خلال كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، للإمام الكبير الإمام بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني الشافعي رحمة الله تعالى عليه.
وقبل الدخول أيها الأحبة في أفياء هذا الكتاب والحياة في ظلاله، لابد وأن نقدم مقدمة في بيان ما هو علم الأدب، وما أهمية هذا العلم لطالب العلم في كل زمان وفي كل مكان، وما هي الجوانب التي يشملها ويتطرقون إليها من حياة المسلم عموماً، ومن حياة طالب العلم خصوصاً. فنقول أيها الأحبة مستعينين بالله: الأدب أيها الأحبة اسم جنس مشتق من الأدب بسكون الدال، الأدب بفتح الدال هو اسم جنس مشتق من الأدب بسكون الدال، والأدب بسكون الدال هو مصدر للفعل أَدُبَ، يقال: أَدُبَ الرجل يَأْدُبُ أَدَباً، إذا أقام وليمة وجمع الناس عليها.
فالأدب إذاً هو مصدر معناه إقامة الوليمة وجمع الناس عليها، وهو مصدر للفعل أَدُبَ، أَدُبَ يَأْدُبُ أَدَباً. ومنه أخذت المأدبة أو المأدبة بفتح الدال وضمها، وهي الوليمة ذات الوليمة التي يدعى الناس إليها تسمى مأدبة أو مأدبة.
ولكن السؤال الآن: ما هو الأدب هذا اسم الجنس الأدب؟ ما مدلوله وما معناه؟ فنقول أيها الأحبة: الأدب له معنيان؛ هناك أدب عام يشترك جميع الناس في معرفته، وفي استحسانه، وفي لزوم التحلي به.
وهذا الأدب العام كما عرفه الطوفي رحمة الله عليه في كتابه الصعقة الغضبية في الرد على منكري العربية، يقول: الأدب بمعناه العام هو استعمال مكارم الأخلاق ومحاسنها، واجتناب مساوئها وملائميها. هناك أيها الأحبة أخلاق محمودة يستحسنها الناس، ينبغي على المسلم عموماً، مهما كان ذكراً أو أنثى، شيخاً أو شاباً، صغيراً أو كبيراً، مهما كانت حرفته وصناعته في هذه الحياة الدنيا، ينبغي عليه أن يتحلى بهذه الأخلاق الحميدة، كالصدق والعفاف والحياء ولين الجانب وطيب اللسان.
وفي المقابل، هناك أخلاق ذميمة يستقذرها الناس ويستبشعونها، ويلومون صاحبها المتحلي بها، كالكذب والخيانة والغيبة والنميمة وقسوة القلب وسوء المعشر، ينبغي على المسلم مهما كان موقعه في هذه الحياة الدنيا أن يجتنبها وأن يبتعد عنها، لأنها سيئة مستقبحة عرفاً وشرعاً، وتجلب لوم الناس. لذلك، كما قال الطوفي في تعريف الأدب العام الذي يشترك جميع الناس في معرفته وفي استحسانه: الأدب بمعناه العام نعيده مرة أخرى هو استعمال الأخلاق ومحاسنها واجتناب مساوئها وملائميها.
ملائميها أي الأخلاق السيئة القبيحة التي تجلب لوم الناس لك، فهذا الأدب بمعناه العام الذي ينبغي أن يشترك جميع المسلمين في معرفته والتحلي به. وهناك نوع آخر من الأدب، وهو الأدب الخاص. والادب الخاص كما يعرفه اهل العلم هي جملة الاخلاق والهيئات التي ينبغي لصاحب الصنعة أو الفن أن يتمسك بها.
ما معنى هذا الكلام أحبتي؟ أن كل فن من الفنون وكل صناعة من الصناعات لها أدبياتها وأخلاقها، ينبغي لمن اشتغل بهذا الفن أو هذه الصناعة أن يتحلى بأدبياتها وبأخلاقها وأن يتمسك بها، ولا يجبر عوام المسلمين على التحلي بهذه الأخلاق وهذه الأدبيات، لا يلزمهم أن يتحلوا بهذه الأخلاق وبهذه الأدبيات، وإنما يلزم صاحب هذا الفن وصاحب هذه الصناعة أن يتحلى بأدبياتها، وعوام الناس لا يلزمهم ذلك.
فمثلا هناك أدبيات للقضاة، ينبغي لكل إنسان أراد أن يكون قاضياً أن يتحلى بهذه الآداب وهذه الأخلاق، تسمى آداب القاضي وتذكر في كتب الفقه. هناك آداب للأمراء والسلاطين، ينبغي لكل شخص تولى أمور الناس أن يهتم بالتحلي بها واكتسابها. هناك باب للعالم، ينبغي لكل شخص تصدر لتعليم الناس أن يتحلى بهذه الآداب.
وفي المقابل هناك آداب لطالب العلم، ينبغي لمن أراد أن ينشغل بالعلم أن يتحلى بهذه الآداب ويسعى في اكتسابها. إذاً هذا أدب خاص يلزم صاحب الصنعة أو صاحب الفن المشتغل به، ولا يلزم عوام المسلمين.
إذا عرفنا ايها الأحبة أن الأدب له معنى عام ينبغي على كل الناس أن يسعوا في اكتسابه، وهو استعمال مكارم الأخلاق ومحاسنها واجتناب مساوئها وملائميها. وهناك أدب خاص، وهي جملة الأخلاق والصفات التي ينبغي لصاحب الفن أو الصناعة أن يتمسك بها. وهذا الكتاب الذي نتدارسه بإذن الله تذكرة السامع والمتكلم في ادب العالم والمتعلم لابن جماعة يعالج الأدب بمعناه العام والادب بمعناه الخاص.
ولكن لا يفوتني هنا أيها الأحبة أن أشير إلى أن كلمة الادب لها معنى آخر تماماً يستعمل في علوم العربية، هناك ما يسمى بعلم الأدب من علوم العربية. الأدب العربي كلمة الأدب باعتبارها فناً من فنون اللغة العربية، يراد بها دراسة معاني مفردات اللغة وتراكيبها، الفن الذي يهتم بدراسة معاني المفردات غريب اللغة، ويدرس معاني التراكيب والأساليب العربية، هذا يسمى أيضا فن الأدب.
لكن كما ذكرت لكم، يتعلق بعلم خصوصاً، وإن كان الطوفي رحمة الله عليه جعله متعلقاً بالأدب بمعناه العام، لأن الأدب الذي هو علم من علوم اللغة العربية يتعلق بإصلاح اللسان وتقويمه، وإصلاح اللسان وتقويمه هذا من محاسن الأخلاق ومكارمها، فلذلك يمكن أن نجعل الأدب العربي بمعناه الخاص المستخدم في علوم العربية، وهو التعرف على معاني مفردات العربية وتراكيبها، ممكن أن نلحقه بالأدب بمعناه العام وهو استعمال مكارم الأخلاق ومحاسنها.
ولكنني أحببت أن أنبه على هذا المصطلح حتى لا يختلط على طالب العلم، فهناك علم الأدب الذي هو فرع من علوم اللغة العربية يهتم بدراسة معاني المفردات وتراكيب، وهذا لا يهمنا الآن، وهو ليس هو موضوع بحثنا، وإنما بحثنا في الأدب بمعناه العام، أدب طلب العلم خصوصاً، والأدب الخاص بطالب العلم، والأدب الخاص أيضاً بالعالم والمتصدر لتعليم الناس.
فبعد أن عرفنا إذاً ما معنى الأدب عموماً وخصوصاً، ننطلق الآن أيها الأحبة لبيان أهمية دراسة الأدب لطالب العلم: لماذا ينبغي لطالب العلم أن يتعلم أدب الطلب؟ فنقول أيها الأحبة إن العلم بلا أدب كروح بلا جسد. العلم الشرعي أيها الأحبة حتى يؤتي أُكله وثماره في حياة طالب العلم ويتعدى نفعه إلى عموم الناس، ينبغي أن يكتسي برداء الأدب، ينبغي أن يكتسي برداء الأدب، وإلا فلن يكون لهذا العلم دور في التأثير والاصلاح والتغيير في مجتمعاتنا وفي انفسنا.
طالب العلم تجده يكد السنوات الطوال، وسهز الليالي والايام، ويحصل العديد من الفنون، ولكنه لا يهتم باكتساب علم الأدب والسلوك والأخلاق، فتجد علمه يفقد رونقه، وينفر الناس من السماع منه، ويبتعدون عن الاستفادة منه، ولا يتشوفون إلى لقائه، لأنهم لا يشعرون بأن هذا الطالب يتحلى بالأخلاق والآداب التي ترقى به لأن يكون قدوة وإماماً يرشدهم ويعلمهم، فتذهب هذه السنوات الطوال من الجهد تواصل هباء في حياة طالب العلم.
لماذا؟ لأنه أغفل في أثناء تعلمه دراسة الأدب والسلوك. أحبتي دعونا ننظر في إدراك السلف رحمة الله عليهم لأهمية دراسة الأدب وتلقيه وتعلمه والتحلي به والتجمل بأخلاقه. السلف سلف هذه الأمة أدركوا أهمية الأدب في صناعة القدوات والأئمة والعلماء، وتجلت هذه المعرفة وهذا الاهتمام بعلم الأدب عند السلف في مظاهر عديدة، أذكر منها مظهرين. المظهر الأول: أن علم الأدب وتعلم الأدب عند السلف كان يؤخذ بالإسناد.
كما يؤخذ العلم الشرعي بالإسناد، الأدب عندهم كانوا يأخذونه بالإسناد. الطالب يأخذ من شيخه، والشيخ يأخذ من شيخه، وهكذا، كما يأخذون العلم الشرعي وأسانيد الحديث آآ من شيوخهم بالأسانيد الطوال.
فيروي القاضي عياض رحمه الله تعالى، القاضي عياض اليحصبي، أن أبا بكر ابن إسحاق كان إذا ذكر عقل أبي علي الثقفي يقول: ذلك عقل أخذ من الصحابة والتابعين. فقيل لأبي بكر بن إسحاق: كيف ذلك؟ قال: إن أعلي الثقفي أخذ هذه الشمائل وهذه الآداب من شيخه محمد بن نصر، ومحمد بن نصر أخذ هذه الآداب من يحيى بن يحيى الليثي، ويحيى بن يحيى الليثي أخذ هذه الآداب من مالك بن أنس إمام دار الهجرة.
يقولون: يحيى بن يحيى الليثي بعد أن فرغ من سماع الحديث من الإمام مالك جلس عاماً كاملاً يأخذ من شمائل الإمام مالك وآدابه. فقيل ليحيى بن يحيى الليثي بعد أن فرغ من سماع الحديث: لماذا تقيم في المدينة وتجلس عند مالك وقد جمعت حديثه؟ قال: أقمت عاماً أستفيد من شمائله؛ فإن شمائله هي شمائل الصحابة والتابعين.
فمالك بن أنس تلقى من شيوخ المدينة، وشيوخ المدينة تلقوا من أحفاد وأبناء الصحابة، وأبناء الصحابة اخذوا من آبائهم من الصحابة الكرام. انظروا كيف كان السلف يهتمون بتلقي الأدب بالإسناد؛ أبو علي الثقفي يأخذ من محمد بن نصر الأدب، ومحمد بن نصر يأخذه من يحيى بن يحيى، ويحيى بن يحيى يأخذه من مالك، ومالك يأخذه من مشايخه، ومشايخه من أحفاد الصحابة، حتى يصلوا إلى الصحابة، والصحابة تلقوا الأدب من أعظم خلق الله سبحانه وتعالى ممن جمع محاسن الآداب ومكارم الأخلاق، محمد بن عبدالله صلوات ربي وسلامه عليه.
أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى كان يحضر في مجلسه خمسة آلاف أو يزيدون، خمسمائة فقط منهم يكتبون، والباقي يجلسون ليتعلموا من أدب الإمام وسمته وهديه. كيف يتعامل الإمام مع الطلبة؟ كيف ينظر؟ كيف يجلس؟ يلبس؟ كيف يحترم العلم؟ كل هذه الآداب كان يتلقاها الطلبة من مشايخهم.
إذاً، هذا هو المظهر الأول من مظاهر اهتمام السلف بعلم الأدب، أنهم كانوا يتلقونه بالإسناد عن شيوخهم. لم يتلقوا هذا العلم من كتب ومصنفات يجلس الشيخ يشرح عليهم كتاباً في الأدب، بل كانوا ينظرون إلى أخلاق الشيخ، إلى سمته، إلى هديه، إلى أفعاله ونظراته وحركاته وسكناته، فيأخذون ويقتبسون منها الأدب. فكانت حياة الأدب عندهم حياة عملية تطبيقية واقعية، وليست مجرد نظريات كما اليوم.
الأمر الثاني أيها الأحبة الذي يدلل على إدراك السلف لأهمية الأدب، أنهم كانوا رحمة الله عليهم يوجهون أبناءهم وطلبتهم إلى تعلم الأدب قبل تعلم العلم. الإمام حبيب بن الشهيد رحمه الله تعالى يقول لابنه إبراهيم يوماً: يا بني، اذهب إلى الفقهاء والعلماء فتعلم من علمهم، وخذ من هديهم وأدبهم وسمتهم، فانه أحب إليّ من كثير من الحديث.
انظروا ماذا يقول هذا الاب العالم المربي لابنه: يقول اذهب إلى العلماء أوئت العلماء والفقهاء فتعلم من علمهم وخذ من أدبهم واخلاقهم وسمتهم، فانه أحب إليّ من كثير من الحديث، أن تأخذ من آداب العلماء ومن أخلاقهم وسمتهم أحب إليّ من أن تأخذ منهم كثيراً من العلم. مالك بن أنس رحمه الله تعالى، حتى تعرفوا من هو مالك بن أنس هذا الإمام المربي القدوة، يقول لأحد طلبته: يا بني، تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم.
وهذه الفكرة وهذه النصيحة التي أبداها مالك بن أنس لهذا الطالب، ممن تعلمها برأيك؟ تعلمها من أمه. نعم، من أمه، تلك الأم المربية الفاضلة التي تعرف قيمة الأدب في حياة ابنها. يقول مالك بن أنس: كانت أمي رحمها الله تعالى -وهو صغير كان يعني يتكلم عن حياته وهو صغير- كانت أمي رحمها الله تعالى تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة -ربيعة الرأي شيخ الإمام مالك- اذهب إلى ربيعة فتعلم منه الأدب قبل أن تتعلم العلم.
إذاً، مالك بن أنس الذي صنع فيه احترام الأدب وأهمية الأدب في الحياة هي الأم، تلك الأم المربية في المنزل تقول لابنها: اذهب فتعلم الأدب من شيخك قبل أن تتعلم منه العلم. فرسخت هذه الفكرة في ذهن مالك بن أنس، وعلمها لتلاميذه، وأصبح منبعاً لتعلم الأدب يتناقله طلبته في الآفاق.
إذاً أيها الأحبة، السلف رحمة الله عليهم كانوا يهتمون في توجيه أبنائهم وفي توجيه طلبتهم إلى تعلم الأدب والسلوك والأخلاق، لأنهم كانوا يدركون أن العلم بلا أدب كروح بلا جسد، وأن هذا العلم حتى يقبل، حتى تحبه النفوس ويشتاق الناس إلى سماعه منه، لابد وأن يكسى بحلة الأدب والأخلاق والسمت والوقار. والأدب الذي يتكلم عنه مالك بن أنس وآآ حبيب بن شهيد وتتكلم عنه أم مالك، ويتكلم عنه أحمد ويحيى بن يحيى الليثي وجميع الأئمة، هو الأدب بمعناه العام: استعمال مكارم الأخلاق ومحاسنها، والادب بمعناه الخاص: أدب طلب العلم وأدب العالم الذي سنتحدث عنه أيضاً.
لذلك يقولون: كان السلف رحمهم الله تعالى إذا شرع أحدهم في طلب الحديث والعلم لا يلبث حتى يرى أثر العلم في أخلاقه وسمته وتخشعه وعبادته. يعني الطالب لا يكاد يشرع في طلب العلم وفي جمع الحديث حتى يظهر أثر العلم مباشرة تطبيقياً سلوكياً في هديه وسمته وتخشعه وعبادته لله سبحانه وتعالى.
فاسأل نفسك يا طالب العلم: ما هو أثر العلم في أخلاقك وسلوكك وسمتك؟ ما هو أثر العلم في علاقتك مع الله سبحانه وتعالى؟ هل تزداد بطلبك للعلم تعلقاً بالله سبحانه وتعالى وحباً له، وتزداد خشية وأنابة، وتزداد قياماً لليل وقراءة للقرآن؟ أم العلم يزيدك جفوة وقسوة وبعداً عن الله سبحانه وتعالى؟
هل تهتم يا طالب العلم بتلقي الأدب من شيوخك وأساتذتك؟ هل تهتم بالنظر إلى سمتهم وأخلاقهم وآدابهم لتقتبس منهم، أم تهتم فقط بجمع القواعد والقوانين للفنون ثم بعد ذلك تزهد في الأخلاق والآداب؟ إذاً، هذه قضية محورية في حياة طالب العلم، ينبغي عليه أن يعتني بها قبل أن يفوت الأوان ويفقد العلم رونقه وبهائه وجماله.
أحبتي، في الواقع هناك كثير من التحديات تحول بين طالب العلم وبين حصول الأدب بواقع المعاصر. هناك كثير من التحديات إذا نظرنا فيها وتأملنا آآ تحول بين طالب العلم وبين آآ تعلمه للادب وحصوله واكتسابه لأخلاقه وتعرفه عليها. ومن هذه التحديات والصعوبات التي تواجه طالب العلم -وإنما ننبه عليها لينتبه إليها الطالب مبكراً- أننا في آآ دراسات الأكاديمية والجامعية لا نجد هناك علوم ومساقات متخصصة في تعليم الأدب والأخلاق لطلبة العلم.
طلبة العلم الذين يذهبون لدراسة في العلوم الشرعية في الجامعات المعاصرة وفي المعاهد يفتقدون مثل هذه المساقات؛ تجد هذه الجامعات والمعاهد تفرض مساقات في الفقه، في الاعتقاد، في التفسير، ما شابه ذلك، ولكنها تزهد في فرض في مساقات تتعلق بتعليم أدب الطلب. فالطالب يجلس سنة، وسنتين، وثلاث، وأربع، وخمس، وست في جامعته وفي معهده، يأخذ فقهاً، عقيدة، تفسيراً، وهكذا علوم مشتتة، لكنه لا يجد موجهاً يربيه، لا يجد قدوة تأخذ بيده وترتقي بأخلاقه وسمته، لا يجد كتاباً يدرسه من مطلعه إلى ختامه يعرفه على تلك الآداب والأخلاق التي ينبغي أن تكون منهجاً في حياته. فهذا هو التحدي الأول الذي يواجه طالب العلم، هو ضعف التوجيه الأخلاقى والادبي في جامعاتنا ومعاهدنا المعاصرة.
التحدي الثاني أيها الأحبة الذي يواجه طالب العلم المعاصر هو فقد القدوات؛ فقد القدوات من الأئمة والعلماء المربين الثقات. للأسف، كثير ممن يتصدر العلم ولتوجيه الناس يفتقد هو نفسه يفتقد آآ آداب العلم ويفتقد الأخلاق والسمت والهدي؛ همه ودأبه أن يجمع الطلبة حوله، وأن يشار إليه بالبنان، وأن تصفق له الجماهير، لا يهتم بتعليم طلبته وتلاميذه الأدب والأخلاق والسلوك والعلاقة مع الله سبحانه وتعالى، لا يهتم بتعليمهم كيف يتعاملون مع العلم ومع أهله ومع كتابهم ومع زملائهم، وإنما شغلهم الشاغل الشهرة والجمهور والثناء إلى غير ذلك. فطالب العلم يجلس عند الشيخ سنوات طوال بالكاد يسمع منه كلمة تتعلق بالمنهج والسلوك والأخلاق، كلمات عابرة ها هنا.
هنا، لكن لا تكفي هذه الكلمات لأن تنشئ مربياً، لأن تنشئ عالماً، لأن تنشئ قدوة للمجتمع. فطالب العلم عندما يفقد القدوة، عندما ينظر في شيخه فيرى شيخه منكباً على الدنيا، منكباً على شهواته وأهوائه، الشيخ يفقد السمت والأدب والوقار، يفقد التعبد والزهد والأخلاق، ماذا يفعل هذا الطالب؟ من أين ينمو الأدب؟
فهذا تحد آخر يواجه طالب العلم المعاصر هو فقد القدوات. أيضاً أيها الأحبة من التحديات التي تواجه طالب العلم وسائل التواصل الاجتماعي، وسائل التواصل الاجتماعي أحبتي سلاحاً خطيراً يوجهه الأعداء إلى أمتنا. تجد طالب العلم إذا دخل على هذه الوسائل يبدأ مباشرة بتصدير نفسه على أنه عالم ويتسلق على ظهور العلماء، يعطي نفسه الأحقية في إسقاط أهل العلم الأفاضل والتقليل من شأنهم وأدبهم.
آه طالب العلم المعاصر الذي يتعامل مع وسائل التواصل عليه أن يكون حذراً حتى لا يسلب الأدب، هي فضاء مفتوح تتكلم فيه بما تشاء وتجمع فيه اه الجمهور والمصفقين، تجمع فيه ما تشاء أيها الأحبة من الغث والسمين. إذا لم ينتبه طالب العلم لنفسه وهو يتعامل مع هذه الوسائل فإن أخلاقه وادبياته ومنهجه وسمته سيفقده رويداً رويداً إلى أن يذهب تماماً.
من التحديات المعاصرة أيضاً أيها الأحبة هم دعاة التجديد، دعاة التجديد آه الذين اقتحموا كل ميادين العلم الشرعي، يطلبون التجديد في الفقه والتفسير والأصول، وحتى التجديد في الأدب وحتى التجديد في الأدب يقولون ذروا آداب السلف، اتركوكم من تلك الآثار الأدبية الرجعية، تلك الأخلاق التي لا تطور هذه الأمة، وخذوا من أدب العجم، من آداب الغرب وأخلاقهم، تزينوا بزينتهم، آه عليكم أن وأن تظهروا بهيئتهم.
يريدون أن يسلبونا حتى الأدب أيها الأحبة، يريدون أن يأتوا بكل الأفكار الغربية الاستعمارية الاستشراقية ليفرضوها في ميادين العلوم الشرعية، فاحذروا يا طلبة العلم من تلك الدعوات الخفية المدسوسة التي تريد أن تقطعكم عن ماضيكم المجيد. علم الأدب تلقيناه جيلاً بعد جيل، نقلناه بالإسناد عن أئمتنا ليصل إلينا نقياً طاهراً عذباً.
نحن لسنا بحاجة لننتلقى الأدب والأخلاق والسمت والهدي من كلام الأفرنج ومن من علومهم، فعندنا في تراث الأمة وفي كلام الأئمة ما يغنينا، عندنا في سمتهم وكلامهم وأحوالهم وأفعالهم ما نفخر به، ما يجعلنا نتشوف دائماً إلى قراءة سيرهم وإلى التحلي بأخلاقهم.
فحتى لو لم نجد قدوات معاصرة تحيا أمامنا، عندما نقرأ في السير وكتب الطبقات ونقف على أحوال الأئمة الكبار فإننا نحاول أن نفعل فعلهم، نتصنع نتكلف، لكننا نحب تلك السير العطرة لأنها ترسم لنا هدياً ومنهجاً وحياة كما يريدها الله سبحانه وتعالى. إذاً هذه التحديات الأربع: ضعف التوجيه الأخلاقي والأدبي في الجامعات وفي الدراسات الأكاديمية. فقد القدوات الثقات من العلماء المربين، قلتهم لا نريد أن نقول الفقد التام وإنما القلة والندرة في من يهتم بتوجيه الطلبة إلى علم الأدب والأخلاق والسلوك على منهاج النبوة.
وسائل التواصل الاجتماعي ذاك الفضاء المفتوح الذي يعين على هدم الأخلاق ولا يعين على بنائها. رابعاً، دعاة التجديد الذين يزينون لطالب العلم أن يخلع أن يخلع عباءة أدب السلف ويلبس عباءة آداب جديدة مستوردة من الفكر الغربي.
كل هذه التحديات على طالب العلم أن يكون متيقظاً منتبهاً أمامها حتى يتجاوزها، وإلا ستضيع الأعمار وتنتهي السنون وهو ما زال يهتم بحفظ القواعد والقوانين ويفقد السمت والهدي والأخلاق. إذاً هذه توطئة أيها الأحبة فيما يتعلق بأهمية دراسة الأدب لطالب العلم.
آه أخيراً قبل أن نلج في هذا الكتاب المبارك، أقول: ما هي الجوانب التي يشملها علم الأدب؟ علم الأدب ماذا يستهدف في دراسته؟ ما هي الجوانب التي يقصدها في حياة طالب العلم؟ في الحقيقة من حصل علم الأدب في جانب واحد من في حياة طالب العلم فقد ضيق واسعاً.
علم الأدب يشمل أيها الأحبة دراسة الأدب مع الله سبحانه وتعالى، كيف أتعامل مع الله؟ ما هو الأدب في مخاطبة ربي عز وجل؟ آه كيف أدعوه؟ كيف أصلي؟ كيف أتخشع له؟ كيف أتذلل له؟ هذه من الآداب التي ينبغي على طالب العلم أن يتقنها في تعامله مع الله سبحانه وتعالى.
النوع الثاني: الأدب مع العلم ومع أهل العلم ومع كتب العلم ومع زملائي الدراسة، هذا أيضاً نوع آخر من الأدب على طالب العلم أن يتقنه. كيف أحترم الأئمة؟ أحترم الأئمة الاقدمين وأحترم العلماء المعاصرين، كيف أتعامل مع الكتاب الذي بين يدي؟ بعض طلبة العلم أيها الأحبة لا يوجد عنده أي خبرة في هذه الجوانب، يتعامل مع كتب العلم الشرعي كما يتعامل مع الجرائد اليومية، يتعامل مع زملاء الدراسة وزملاء طلب العلم كما يتعامل مع عامة الناس، يتعامل مع العلم بقلة أدب وسوء احترام، يتسلق ويقفز قبل أن يكون متيناً ومتأهلاً لأخذ هذا العلم وتعليمهم. فهناك مشكلة أيها الأحبة، هناك مشكلة في فهم طالب العلم لأدبيات العلم بجميع ما يتعلق بالععلم، من الشيخ والزميل والكتاب ونفس العلم بذاته.
أيضاً آه أدب التعامل مع المخالف، وهذا باب مهم جداً، الآداب الشرعية في التعامل مع المخالف: إنسان خالفك في الرأي، سواء كان في مسألة فقهية، أو خالفك في مسألة اعتقادية، أو حتى خالفك في الدين، ما هي الأدبيات وما هي الحدود التي رسمها الشارع سبحانه وتعالى وأتت بها الشريعة الإسلامية في كل هذه الجوانب؟
إذاً نلاحظ أن علم الأدب لا يختص فقط بجانب واحد، بل يشمل الأدب مع الله سبحانه وتعالى. وربما نسيت أن أقول إنه يشمل الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم. سورة الحجرات أيها الأحبة سورة كاملة نزلت لتعلم الصحابة الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم ألا يرفعوا أصواتهم بين يديه، ألا يقدموا أمراً ولا رأياً إلا بعد استشارته.
فكيف نتأدب مع الله؟ كيف نتأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ كيف نتأدب مع العلم ومع أهل العلم ومصنفات العلم؟ كيف نتأدب مع المخالف؟ هي جوانب إذاً عديدة يطرقها هذا العلم، وينبغي على طالب العلم أن يتفنن فيها وأن يهتم باتقانها ودراستها، ثم بعد ذلك التحلي بها والتجمل بها ليكون قدوة يستفيد منه الناس ويرى بركة علمه في حياتهم وفي مجتمعاتهم.
دعونا الآن أيها الأحبة، وقبل الشروع في كتاب تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، نقف على شيء من سيرة ابن جماعة رحمة الله عليه، هذا الجليل الذي صنف هذا السفر المبارك. دعونا نقف على شيء من سيرته: كيف نشأ وأين طلب العلم؟ نقف على هديه وسمته وأخلاقه حتى نتعلم من هذا الأدب.
فهو رحمة الله عليه لم يصنف هذا الكتاب إلا بعد أن امتثل بأخلاقه العلم وامتثل بآدابه ومناهجه وظهر عليه سمته، وينبغي لطالب العلم بشكل عام أيها الأحبة إذا شرع في دراسة كتاب من كتب الائمة المتقدمين أن يقف على سيرة هؤلاء الائمة، أن يقف على مناهجهم ومسالكهم: كيف كانت علاقتهم بالعلم؟ كيف كانت علاقتهم بالله سبحانه وتعالى؟ كيف كان أدبهم وهديهم وعبادتهم وسمتهم؟ فإن هذه السير هي التي ترسم لنا مناهج الأدب والسلوك.
دعونا إذاً أيها الأحبة الآن نقف على شيء وعلى طرف من سيرة الإمام ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه. فقالوا باسمه ونسبه: هو محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة الحموي ثم المصري، الحموي ثم المصري. ولد ونشأ في حماة من أرض الشام لذلك نسب إليها فقيل الحموي. إذاً ولد في حماة من أرض الشام في عام تسع وثلاثين وستمائة للهجرة.
وكان رحمة الله عليه مليح الهيئة، مستدير اللحية، جميل المنظر، دقيق الصوت. ونشأ في بيت علم وزهد وأدب.
نشأته وطلبه للعلم، يقول الصفدي رحمة الله عليه: سمع ابن جماعة سنة خمسين من شيخ الشيوخ الأنصاري، وبمصر من الرضي بن برهان والرشيد العطّار، وسمع في دمشق من ابن أبي اليسر وابن عبد، وأجاز له عمر بن البرادعي والرشيد بن مسلمة.
وقال ابن كثير: وسمع الحديث واشتغل بالعلم وحصل علومأ متعددة وتبحر في فنون كثيرة وحصل وشارك وتميز في التفسير والفقه. إذاً هذا الإمام متميز في علمين: في علمي التفسير والفقه، ولكنه كان مشاركاً في سائر العلوم الأخرى، وهذا يدل أيها الأحبة على أنه لا يوجد طالب علم.
أو عالم لا يفهم إلا في شيء واحد؛ هذا لم يكن موجوداً عند الأئمة الأقدمين. كانوا يشاركون في جميع العلوم، لأن هذه المشاركة تبني الثقافة العلمية، ثم بعد أن يشاركو ويفهموا اه بعد ذلك يبدأون التخصص والتبحر في علوم معينة تميل إليها النفوس أو يرون الحاجة إليها أكثر.
فهذا كان دأبهم رحمة الله تعالى عليهم. قال: صفاته الخلقية وزهده وورعه. كان رحمة الله عليه متقشفا مقتصدا في مأكله وملبسه ومشربه، إذا كان رجلا معتدلا متقشفا اه لا يوجد عنده إسراف، لا يوجد عنده بذخ، لا يوجد عنده بذل للمال يمين وشمال من دون أي مسؤولية. رجل كان متقشف، يأخذ من المال بقدر كفايته وحاجته، مع أنه كان غنيا، مع أنه كان غنيا وثريا فقد تولى القضاء حتى لقب بقاضي القضاة، وكان له تجارة أيضا يأخذ منها كما سيأتي.
إنه لكثرة تجارته وفرة ماله استغنى بعد ذلك عن مال القضاء، وأصبح يقضي لله سبحانه وتعالى من دون أن يأخذ مرتبا شهريا. فإذا الرجل كان متقشفا مقتصدا على قدر كفايته وإن كان ثريا، وكان رحمة الله تعالى عليه ورعا. لما أولي التدريس في المدرسة الكاملية رأى في كتاب الوقف من شرط الطلبة المبيت، فجمع ما كان أخذه وهو طالب وأعاده للوقف لأنه كان لا يبيت.
إيش هذه القصة باختصار؟ الإمام ابن جماعة رحمة الله عليه طلب العلم وهو صغير وهو شاب في مدرسة الكاملية، وهذه المدرسة كانت تعطي مرتبا شهريا لمن؟ للطلبة الذين يبيتون جيد، وكانوا يعطون أيضا مرتبا شهريا للطلبة الذين لا يبيتون في المدرسة. ما معنى يبيتون؟ قديما أيها الأحبة كانت المعاهد اه جد حولها مساكن للطلبة، هذه المعاهد يوجد حولها مساكن للطلبة يبيت فيها الطلبة المغتربون، وكان هؤلاء الطلبة اه المغتربون يأخذون مرتبا شهريا من هذه المعاهد ومن هذه المراكز مقابل طلبهم للعلم.
الذي وضع اه أو أسس هذه المدرسة، المدرسة الكاملية، وأسس لها أماكن المبيت وضع شرطا لمن يأخذ مرتبا شهريا، ما هو هذا الشرط؟ وضع شرطا لمن يأخذ مرتبا شهريا من المدرسة، هذا الشرط أن يكون الطالب الذي يعطى مرتبا شهريا ممن يبيت في المدرسة. أما إذا كان الطالب ممن يأتي إلى المدرسة صباحا، يحضر الدورات والمجالس العلمية، ثم يعود إلى أهله، فهذا لا حاجة لأن يصرف له مرتب شهري. فمن وقف هذه المدرسة وأسس هذه الأماكن للمبيت وضع هذا الشرط لمن يأخذه راتبا شهريا من الطلبة، أن يكون من الطلبة الذين يبيتون.
ابن جماعة لم يكن يدرك ذلك، وكأن آآ المسؤولين أيضا عن هذه المدرسة لم يكونوا على دراية بهذا الشرط الذي اشترطه الواقف. عندما أصبح ابن جماعة معلما بعد سنوات في هذه المدرسة وقرأ اه رسالة الوقف التي تركها الواقف، وجد أن من شروط تقاضي راتب للطلبة أن يكون هذا الطالب ممن يبيت، فتذكر أنه حينما كان شابا ناشئا يدرس أنه كان يأخذ يأخذ راتبا من هذه المدرسة مع أنه كان لا يبيت، ربما لسهو من المسؤولين ما كانوا على دراية بهذا الشرط.
فمن ورعه رحمة الله تعالى عليه أنه حاول أن يقدر مقدار المال الذي أخذه من هذه المدرسة في فترة طلبه للعلم، وقام بجمعه من تجارته ومن وظيفته ودفعه مرة أخرى إلى خزينة المدرسة، لأنه رأى نفسه قد أخذ مالا ليس تبن حقه. وهذا من ورعه رحمة الله عليه، لو كان شخص اليوم أيها الأحبة مكان ابن جماعة، ماذا كان سيفعل برأيكم؟
جميل. وكان عفيفا رحمة الله عليه، وكان متواضعا، ويذكر في تواضعه قصص وآثار كثيرة. من هذه القصص أنه كان كما قلنا قاضيا للقضاة، ثم بعد فترة عزل عن القضاء ووضع مكانه يعني ولاة الأمر جلال الدين القزويني. الآن ما هو موقف ابن جماعة عندما يعزل عن هذه المرتبة العليا في القضاء ويوضع مكانه شخص آخر؟ هل حقد عليه وحسده وكاد له ليل نهار، أم تقبل الأمر بروح طيبة عفيفة زكية طاهرة؟
قالوا: ابن جماعة عندما بلغه كتاب العزل، ركب دابته من مصر وذهب إلى المدرسة الصالحية التي كان فيها جلال الدين القزويني يقضي، فسلم على جلال الدين القزويني وبارك له بهذا المنصب الجديد، وعاد إلى مصر مرة أخرى. مسافة كبيرة يقطعها الصالحية في الشام ومنزله كان في مصر، يقطع كل هذه المسافة ليحيي جلال الدين القزويني على منصبه الجديد الذي أخذ مكانه، عودوا إلى منزله. فهذه من مآثره رحمة الله تعالى عليه.
قالوا: وكان فيه تودد ولين جانب وحسن خلق، وكان ذا عبادة ونزاهة. أثنى عليه العلماء كثيرا، قال الذهبي: هو قاضي القضاة وهو شيخ الإسلام. وقال ابن كثير: العالم شيخ الإسلام. وكذا وصفه بشيخ الإسلام ابن فهد. ونقل ابن حجر عن بعضهم أنه كان علامة وقته، إلى غير ذلك من الألقاب التي نالها رحمة الله تعالى عليه.
وظيفته؛ ولي رحمة الله عليه القضاء والخطابة بمصر والشام، فكانوا يقولون هو قاضي الإقليمين، إقليم الشام وإقليم مصر، وهذه مرتبة عالية جدا تبوأها ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه. تولى القضاء والخطابة إذا في مصر والشام، ودرس بالمدرسة الناصرية والعادلية والغزالية اه. فكان رحمة الله عليه إذا قاضيا ومعلما وخطيبا، وكان رحمة الله عليه شافعي المذهب أشعري المعتقد. فنسأل الله المغفرة والصفح والعفو عنه. وله عدة مؤلفات.
يعني ذكر ابن كثير طائفة من هذه المصنفات، وذكر الذهبي أيضا طائفة منها. من هذه المصنفات: إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل، التبيان مهمات القرآن، تجنيد الأجناد وجهات الجهاد، تحرير الأحكام في تدبير جيش الإسلام. ومن هذه المصنفات هذا الكتاب الذي بين أيدينا؛ تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم.
توفاه الله سبحانه وتعالى كما يقول ابن كثير آآ توفي ليلة الاثنين بعد آآ في الحادي عشر من جمادى الأولى وقد أتم أربعا وتسعين سنة، وقد أتم أربعا وتسعين سنة. إذا في أي عام توفي؟ إذا توفي في عام سبعمئة وثلاثة وثلاثين للهجرة رحمة الله تعالى عليه، وصليا عليه في الجامع الناصري بمصر ودفن بالقرافة، وكانت جنازته حافلة هائلة. إذا هذا هو الإمام ابن جماعة رحمة الله عليه، صاحب هذا السفر المبارك الذي حفظه لنا التاريخ. فنسأل الله أن يرحم ابن جماعة لما بذله من جهد ووقت من أجل أن تصل هذه الرسالة النبيلة، رسالة الأدب ورسالة الأخلاق لطالب العلم وللعلماء على مدار الأجيال اللاحقة بإذن الله.
قال رحمة الله عليه: سمى كتابه، قبل أن ندخل في كتابه بماذا سمى ابن جماعة كتابه؟ سماه: تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم. إذن لاحظوا هذه التسمية، قال: تذكرة السامع، وتذكير وليس تأسيس، لأن هذه الآداب التي سيبثها وهذه النصائح التي سيرشدك إليها يا طالب العلم ينبغي أن تكون مقربة عندك مسبقا تعلمتها وأنت ناشئ، وإنما يقوم الآن ابن جماعة بالتذكير والتنبيه على ما هو موجود أصالة.
فهو لا يؤسس، هو يذكر وينبه لما ينبغي أن يكون موجودا، فحتى لو كانت هذه الأخلاق وهذا الأدب ليست موجودة عندك، كأنه يريد أن يقول لك ينبغي أن تكون موجودة عندك مسبقا، وأنا فقط سانبهك عليها وأرشُدك إليها وكيف تتعامل بها. إذا هي تذكرة.
طيب تذكرة لمن؟ قال: تذكرة السامع. من هو السامع؟ السامع أيها الأحبة هو المتعلم لأنه يسمع العلوم من شيوخه ومن أئمته. فإذا تذكرة السامع يعني تذكرة المتعلم، قال: والمتكلم. من هو المتكلم؟ هو العالم الذي يتكلم ويدلي بالعلم. فهذا الكتاب تذكرة للسامع أي للمتعلم لطالب العلم، وللمتكلم أي للعالعالم. قال: في أدب العالم والمتعلم اه الآن سلك اه في هذه التسمية، سلك طريقة اللف والنشر غير المرتب.
سلك منهج اللف والنشر غير المرتب، هذا المنهج معروف عند البلاغيين: أن يسمي شيئا أولا ثم شيئا ثانيا، ثم بعد ذلك يعود فيذكر من متعلقات الثاني، ثم يذكر متعلقات الأول. ثم شيئا أولا ثم شيئا ثانيا، ثم عندما أراد أن يذكر متعلقات الأشياء ذكر متعلقات الثاني ثم عاد فذكر متعلقات الأول اه في قوله تعالى: يوم تبيض وجوه
وتسود وجوه. فبدأ بذكر الوجوه البيضاء، ثم أعقب ذلك بذكر الوجوه السوداء، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ. ثم لما أراد أن يفصل في أحوال أصحاب الوجوه البيضاء وأصحاب الوجوه السوداء، بدأ بأصحاب الوجوه السوداء، قال: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ، وَّأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ. فلاحظوا كيف عندما عدد ذكر أصحاب الوجوه البيضاء ثم السوداء، وعندما فصل بدأ بأصحاب الوجوه السوداء ثم البيضاء، فهذا يسمى لف ونشر غير مرتب، جاء معكوساً. أما لو ذكر أصحاب الوجوه البيضاء ثم السوداء ثم عندما فصل بدأ بتفصيل أصحاب الوجوه البيضاء ثم السوداء كان هذا لف ونشر مرتب.
طبعا هناك مقاصد، هناك مقاصد من اللف والنشر المرتب وهناك مقاصد من اللف والنشر غير المرتب تدرس في علم البلاغة. فإذا هنا سلك في كتابه في عنوان هذا الكتاب ابن جماعة سلك طريقة اللف والنشر غير المرتب، لأنه إيش قال؟ قال: تذكرة السامع، والسامع هو المتعلم، والمتكلم وهو العالم، في أدب من؟ العالم والمتعلم. فإذا بدأ بأن هذا الكتاب تذكيرا للمتعلم والعالم في الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها العالم والمتعلم، فعندما عدد المتعلم ثم العالم، وعندما ذكر المتعلقات ذكر آداب العالم ثم ذكر آداب المتعلم.
هكذا اه استخدم طريقة اللف والنشر غير المرتب، وهذه فقط تنبيه ليعمل طالب العلم الذهن في مثل هذه الدقائق اللطيفة. إذا، تذكرة السامع والمتكلم، تذكير، تنبيه، إرشاد من ابن جماعة لكل طالب علم متعلم ولكل عالم في الآداب التي ينبغي أن يتحلوا بها. وعرفنا في مطلع هذه المحاضرة ما معنى كلمة الأدب؟ بمعناها العام الذي ينبغي أن يتحلى به عامة المسلمين، وبمعناها الخاص الذي ينبغي أن يتحلى به طالب العلم والعالم.
فهناك آداب عامة تشترك أو يشترك فيها طالب العلم والعالم مع عامة الناس كالحياء والصدق ولين المعشر إلى غير ذلك. وهناك آداب خاصة ينبغي أو يعني تختص طالب العلم ولا يلزم عوام المسلمين أن يتحلوا بها، لكن طالب العلم عليه أن يتحلى بهذه الأخلاق. و آداب خاصة للعالم عليه أن يتحلى بها، بما أنك تصدرت لأن تكون عالماً عليك أن تتحلى بأخلاق وآداب وإن لم يلزم باقي الناس أن يتحلوا بها.
فما هي هذه الآداب العامة وما هي هذه الآداب الخاصة بالعالم والمتعلم؟ هذا هو موضوع كتابنا الذي نشرع فيه بإذن الله. واليوم نقرأ طرفاً من المقدمة فقط، فلن ندخل اه في فصول هذا الكتاب إلا في المحاضرة القادمة بإذن الله. نقرأ إذا مطلع هذا الكتاب، قال الشيخ الإمام العلامة قاضي القضاة حاكم الحكام.
الآن أيها الأحبة، أجاز يصح أو يجوز التسمية بقاضي القضاة وحاكم الحكام؟ كثير من أهل العلم يرى أن هذه التسمية ينبغي أن يعدل عنها؛ لأن قاضي القضاة هو الله سبحانه وتعالى، وحاكم الحكام هو الله سبحانه وتعالى. ويرى أو ترى طائفة أخرى من أهل العلم أنه لا مانع من استخدام هذه الألقاب إذا عرف سياقها، يعني أنه قاضي القضاة بمعنى قاضي قضاة الدنيا، أنه مسؤول عن قضاة الدنيا الذين في عصره، وحاكم الحكام أنه مسؤول عن الحكام بمعنى القضاة أيضاً في عصره، ويرى أنه لا حرج في ذلك إذا عرف، وإن كان الأولى والأسلم الابتعاد عن هذه الألقاب فإنها لا تسمن ولا تغني من جوع، لكن قد شيخ مشايخ الإسلام مثل هذه الألفاظ خرج بها وناصر الحق وعلم السنة بدر الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ الإمام العارف الزاهد القدوة برهان الدين أبي إسحاق إبراهيم.
إذاً، والده كان عالماً قدوة، انظر للبيت الصالح أيها الأحبة كيف ينشئ أبناء وعلماء قدوات للناس. أبوه إبراهيم كان إماماً عالماً قدوة للناس، ربى ابنه، لم يتصدر لتعليم الناس وغفل عن تربية أبنائهم بحجة أن الدعوة تشغله، اشتغل بتربية أبنائه قبل أن يشتغل بتربية المجتمع، فخرج ابنه عالماً هو ابن جماعة محمد بن جماعة رحمة الله تعالى عليه. إذاً، والده الشيخ الإمام العارف برهان الدين إبراهيم بن جماعة رحمة الله عليه، أدام الله أيامه وأعاد من بركاته، يقول ابن جماعة رحمة الله عليه: الحمد لله البر الرحيم الواسع العليم ذي الفضل العظيم، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد النبي الكريم، المنزل عليه في الذكر الحكيم وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وعلى آله وأصحابه الكرام جواره في دار النعيم.
بمطلع هذا الكتاب بدأ رحمة الله تعالى عليه بالحمد والثناء على الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه أهل الحمد والثناء دائماً وأبداً. فأثنى على الله بما هو أهله وأثنى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا. ومعنى الحمد تكرر معنا في دورات سبقت كثيراً ومراراً وتكراراً أنه الثناء بالجميل على الجميل الاختياري على وجه المحبة والتعظيم.
معنا هذا اه الحج ولو قلنا اختصارا في معنى الحمد أنه ذكر محاسن المحمود مع محبته وتعظيمه، فإن هذا التعريف المختصر يجمع ذاك التعريف المطول. فالحمد هو ذكر محاسن المحمود مع محبته وتعظيمه، فبدأ إذاً بحمد الله سبحانه وتعالى وذكر مجموعة وطائفة من اسمائه الحسنى فقال: الحمد لله البر الرحيم الواسع ذي الفضل العظيم.
ثم بعد حمد الله سبحانه اتبع ذلك بالصلاة والسلام على أطهر البشرية وسيدهم سيد ولد آدم محمد وعلى آله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، فقال: وأفضل الصلاة وأتم التسليم، فجمع بين الصلاة والسلام بأن الله سبحانه وتعالى جمع بينهما في كتابه حين قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. فالله عز وجل أمرنا بالصلاة والسلام، قرن بينهما في كتابه فكان من دأب العلماء أن يقرنوا بينهما في مصنفاتهم وفي أشعارهم و اه نثرهم، فقال: وأفضل الصلاة وأتم التسليم.
والصلاة من الله سبحانه على عبده هي الثناء عليه في الملأ الأعلى، والصلاة من الملائكة هي الاستغفار، والصلاة من الخلق هي بمعنى الدعاء. إذاً فمفهوم الصلاة يختلف باختلاف متعلقه، هل هي صلاة من الله أو من الملائكة أو من المخلوقين؟ قال: وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الكريم، المنزل عليه في الذكر الحكيم وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
الاتيان بهذه الآية في مقدمة الكتاب يسميه آآ البلاغيون براعة الاستهلال. براعة الاستهلال أيها الأحبة أن يأتي الناظم أو المصنف أو الكاتب في مقدمة كتابه أو في مقدمة منظومته بكلمة بآية تشير إلى العلم الذي سيكتب فيه وسيصنف فيه، أن يأتي في مقدمة الكتاب بكلمة تشير إلى العلم الذي سيصنف فيه ويشرع في كتابته، سواء كان طبعا هذا نظم أو كان نثراً.
فمثل السيوطي رحمة الله عليه في عقود الجمان ماذا يقول؟ يقول: قال الفقير عبد الرحمن الحمد لله على البيان، وأفضل الصلاة والسلام على النبي أفصح الأنام. لاحظوا ولا يصلي ويحمد الله سبحانه وتعالى، لكن ما هي الكلمات المفتاحية التي استخدمها في هذه المقدمة؟ استخدم كلمة بيان قال: الفقير عبد الرحمن الحمد لله على البيان. ثم قال: وأفضل الصلاة والسلام على النبي، بماذا وصف النبي بالفصاحة؟ أفصح. في استخدام كلمة أفصح واستخدام كلمة البيان في مقدمة الكتاب فيه إشارة إلى أن هذا النظم الذي سانظمه في هذا البلاغ في علم البلاغة. ذكر هذه الكلمات المفتاحية في بداية المقدمات وفي أثناء المقدمات للإشارة إلى طبيعة الذي سيكتب فيه، يسمى عند البلاغيين براعة الاستهلال.
الآن دعونا نطبق على ما بين أيدينا، الآن هو يحمد الله ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أثناء صلاته على النبي عليه الصلاة والسلام جاء بالآية التي امتدح فيها ربنا سبحانه نبيه بأنه على خلق عظيم فقال: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ. اقتحام هذه الآية في المقدمة هو براعة استهلال يشير به ابن جماعة إلى أن المصنف الذي سيصنفه هو في علم الأخلاق والآداب والسلوك، هو في علم الأخلاق والآداب والسلوك. ثم قال: وعلى آله، وآل النبي صلى الله عليه وسلم. كلمة الآل إذا وردت في الكتب والمصنفات وفي أثناء الدعاء، يقصد بالآل كل من تبع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه إلى يوم القيامة.
ولا يختص بأهل البيت علي وفاطمة والحسن والحسين كما هو متبادر إلى الأذهان، وكما يظنه كثير من طلبة العلم؛ لأن أهل البيت لهم مصطلح معروف في السيرة علي وفاطمة والحسن والحسين، على خلاف في تحديد ما هو وعد البيت بالتحديد وبالدقة. ولكن في باب الدعاء بشكل عام والثناء إذا قيل اللهم صلي على آل محمد، فذكر العلماء أن الآلة هنا تشمل كل من تبع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه وسلك منهج أهل السنة والجماعة فهم آله وأنصاره في الدنيا وفي الآخرة بإذن الله.
ثم قال وعلى أصحابه، إذاً وعلى آل وأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نجوم السماء، هم كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام ولو تخللت ردة على الأصح. وسنبين معنى هذا التعريف إن شاء الله في دراستنا لنزهة النظر، ما هو تعريف الصحابي دقة وما هي المحترزات؟
ولكن بشكل عام الصحابي هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام ولو تخللت ردة على الأصح. قال: وأصحابه الكرام جواره في دار النعيم. الذين سيكونون في جوار النبي صلى الله عليه وسلم في دار النعيم.
بعد إذن الحمد وبعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وذكر براعة الاستهلال شرع في بيان مقصد في هذا التصنيف، فأتى بفصل الخطاب فقال: أما بعد. هذه تسمى فصل الخطاب عند البلاغيين أيضاً. وهي فصل الخطاب كلمات تستخدم في حال الانتقال من موضوع إلى موضوع آخر. فصل الخطاب هي الكلمات التي تستخدم في حال انتقال من موضوع إلى موضوع آخر جديد مثل أما بعد أو هذا وإن.
فأما بعد هي من فصل الخطاب تستخدم في الانتقال من إلى موضوع آخر، فالآن الموضوع الجديد الذي سيبدأ به وبيان ما هذا الكتاب؟ فقال: أما بعد، فإن من أهم ما يبادر به اللبيب شرخ شبابه. يبادر بمعنى يسرع. به اللبيب، اللبيب الذكي الفطن. شرخ شبابه أي أول شبابه، أول شبابه. فالشرخ هنا بمعنى أول الشيء، فأهم ما يبادر به الانسان العاقل شبابه ومطلع شبابه ويتعب نفسه في تحصيله واكتسابه، يدأب أي يتعب نفسه وبذل جهداً كبيراً بتحصيله واكتسابه.
الآن هو يشوقك، يعطيك تشويقاً لمعرفة ما هو الشيء الذي ينبغي أن أبادر إلى تعلمه في الشباب وأن أتعب نفسي في اكتسابه وفي تحصيله. قال: حسن الأدب. طالب العلم ربما يتوقع أن من جماعة سيقول له أن يدرس منظومة وألفية في النحو أو في البلاغة، أو أن يدرس كتاباً موسعاً في الفقه أو في الاعتقاد، لا لا، ابن جماعة يريد أن يربي الآن ويعلم، يقول: إن من أهم ما يبادر به اللبيب شرخ شبابه، ويدأب نفسه في تحصيله واكتسابه، تتعب في تعلمه حسن الأدب.
أن تتعلم الأخلاق الرفيعة الرائقة العالية. الأدب بنوعيه: الأدب العام والادب الخاص. الأدب العام الذي يشترك فيه طالب العلم مع الناس، والادب الخاص الذي تخصصوا أو يختص بطلبة العلم الشرعي. قال حسن الأدب الذي شهد الشرع والعقل بفضله، الذي شهد الشرع والعقل بفضله.
الان هو يعطيك معيار ما هو الأدب الذي ينبغي عليك أن تحرص على تعلمه. قال: الأدب الذي توافق الشرع والعقل في الشهادة بفضيلته، توافقوا على أنه فاضل، أن هذا الخلق فاضل رائق ينبغي الابتسام. لذلك قال: الذي شهد الشرع والعقل بفضله، واتفقت الآراء والألسنة على شكر أهله. فإذاً الشرع والعقل وعُرف الناس الصحيح الذي لا يتعارض مع الشرع والعقل، فهذه الأمور الثلاثة هي التي تحدد معيار الأدب الذي ينبغي التحلي به. الشرع والعقل والعرف الصحيح وليس العرف الفاسد؛ لأن الأعراف الفاسدة أيها الأحبة قد تفرض آداباً تخالف الشرع؛ أدبيات في الأعراس وأدبيات في السهرات وأدبيات في الكلام تكون مخالفة للشرع والشرع لا يريدها.
فلذلك قلنا معيار الأدب الصحيح الذي ينبغي على طالب العلم أن يجهد في تحصيله ينبع من هذه المصادر: الشرع والعقل والعرف الصحيح هي التي تحدد لنا معالم الأدب الذي ينبغي اكتسابه. لذلك قال يعني نعود فنقول إن من أهم ما يبادر به اللبيب شرخ شبابه ويدأب نفسه في تحصيله واكتسابه حسن الأدب الذي إن شهد الشرع والعقل بفضله واتفقت الآراء والألسنة على شكر أهله.
قال: وإن أحق الناس بهذه الخصلة الجميلة وأولاهم بحيازة هذه المرتبة الجليلة أهل العلم، الذين حلوا به ذروة أو ذروة، يجوز أن تضم الذال وأن تكسر، الذين حلوا به أي حلوا بسبب العلم وبهذا ذروة المجد والثناء. أهل العلم الذين رفعهم العلم فحلوا به أعلى درجات المجد والثناء، والثناء هي الرفعة أيضاً، وأحرزوا بالعلم قصبات السبق إلى وراثة الانبياء. فصل أهل العلم بالعلم سبقوا غيرهم في وراثة الانبياء، فالأنبياء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم.
فأهل العلم سبقوا غيرهم في ميراث الأنبياء، هم الذين أسرعوا للنيل والغرث من ميراث النبوة وهو العلم المقرب إلى الله سبحانه وتعالى. فالعلماء الذين حلوا بعلمهم مراتب الشرف وسبقوا غيرهم إلى ميراث النبوة هم أولى الناس باكتساب الأدب والتحلي به والتخلق بأخلاقه. لذلك قال وأحرزوا به قصبات السبق إلى وراثة الأنبياء.
لماذا طب لماذا العلماء هم الذين أولى الناس بحيازة الأدب والتخلق به والاجتهاد والدأب في تحصيله، لماذا؟ قال الآن سيعلل. قال: لعلمهم بمكارم أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه، وحسن سيرة الأئمة الأطهار من أهل بيته وأصحابه، وبما كان عليه أئمة علماء السلف واقتدى بهديهم فيه مشايخ الخلف.
يريد أن يقول أيها الأحبة: لماذا أهل العلم هم أولى الناس بالتمسك بححسن الأدب؟ ما هي العلة في ذلك؟ قال: لان أهل العلم اطلعوا على أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم. علمهم جعلهم يطلعون على أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام وعلى هديه وسيرته، كيف كان يفعل مع واجهي، مع صحابته، مع الأطفال الصغار، مع الكبار، مع الشيوخ، مع الأعراب، مع أهل المدن، كيف كان يتصرف صلى الله عليه وسلم؟ وقفوا على ذلك، وقفوا على فهدي أصحابه كيف كان عندما فتحت الأمصار وذهبوا كيف طبقوا منهج النبي صلى الله عليه وسلم في جميع الأمصار التي ذهبوا إليها.
كذلك العالم وقف على سير العلماء وأحوالهم من أئمة الهدى الذين سبقوا في هذه الأمة، ووقف أيضاً على سيرة العلماء المتأخرين كريم، فإذا هو وقف وتعلم فهم منهج النبي صلى الله عليه وسلم، فهو أولى الناس بأن يطبقوا ما قرأوا وما تعلموا وما وقفوا عليه، وأولى الناس بأن يطبقوا. الإنسان العام الذي لا يعرف شيئاً من هذه السير والأحوال ومن هدي الصحابة والسلف ربما أقول ربما تجد له عذراً في عدم تمسكه بجملة الأخلاق الفاضلة لأنه جاهل.
لكن العالم وطالب العلم الذي عرف أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم وعرف أخلاق صحابته وعرف أخلاق الأئمة، ما عذره في ترك التخلق بهديهم وسندهم؟ لا عذر له. أنت تتعلم علماً ولا تفعل ولا تطبقه ولا تمارسه ولا تعمل به، إذن هناك مشكلة، هناك تباين إذن بين علمك وبين عملك. وهذا ليس معروفاً عند الأئمة، لذلك كما يقول ابن جماعة: أولى الناس بالتخلق بالأخلاق الفاضلة وباكتساب حسن الأدب العلماء؛ لأنهم عرفوا، ومن عرف فعليه أن يعمل.
هذه هي الفكرة باختصار. قال ابن سيرين -الآن سيبين لك ابن جماعة رحمة الله عليه في مجموعة من النقول كيف كان السلف رحمة الله تعالى عليهم يهتمون بالأدب وكيف كانوا يحرصون ويتعبون أنفسهم في اكتسابه ويرشدون طلبتهم إلى تعلمه، وقد ذكرت شيئاً من هذا الأمر في مطلع هذه المحاضرة وهذه نصوص أخرى استفيدوا منها أيها الأحبة-. قال ابن سيرين: كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم. يتكلم عن سلف هذه الأمة عن الصحابة وعن التابعين، وهو من التابعين رحمة الله عليه، يقول: كانوا في زمنهم يتعلمون الهدي. الهدي هو الأدب والسلوك، يتعلمون الأدب والسلوك قال: كما يتعلمون العلم، لا يوجد فرق، تتعلم علم نحو صرف بلاغ أصول فقه وتتعلم الأدب تعلماً. قال: وقال الحسن البصري: إن كان الرجل ليخرج في أدب
يكسبه السنين ثم السنين، كلمة عظيمة من الحسن البصري. يقول: الرجل كان يخرج في اكتساب الآداب والأخلاق السنوات. قال: السنين ثم السنين يجلس من أجل أن يتعلم. عجيب حالهم أيها الأحبة. قال سفيان ابن عيينة، الإام الكبير: يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الميزان الأكبر وعليه تعرض الأشياء على خلقه وسيرته وهديه، فما وافقها فهو الحق وما خالفها فهو الباطل.
الآن هنا ابن عيينة رحمة الله عليه يعطينا معيار الآداب الفاضلة. ما هي الآداب الفاضلة كما قلنا قبل قليل؟ ابن جماعة في المقدمة ذكر لنا معيار ما توافق الشرع والعقل والعرف على مدحه، فهو الخلق الرفيع الذي ينبغي أن نكتسبه. جميل، الآن إذا كان هناك شيء جعله العرف أدباً وجعلته بعض العقول أدباً ولكنه يخالف الشرع، الشرع لم يعد أدباً ورفضه ونهى عنه، إذاً هو ليس بأدب قطعاً. فإذاً أساس الآداب ومنبعها الأصيل من الشرع، والأخلاق التي تفرضها الأعراف أو العقول إذا لم تعارض الشرع فلا مانع من التحلي بها. يعني بعض مثلاً العرقيات والطوائف والعشائر قد يكون لها أدبيات وأخلاق، أليس كذلك؟ هذه الأدبيات وهذه الأخلاق، هل يجب عليه أن يتمسك بها أو هل يحرم عليه أن يتمسك بها؟
يقول: والله هذه الأخلاق والأدبيات التي تكتبها العشيرة ليست... لم يأت بها الإسلام، فبالتالي لا... بها نقول: لا، انتظر قليلاً، هذه الأدبيات وهذه الأخلاق التي تفرضها عشيرتك أو قوميتك أو عرقك، إذا كانت لا تتعارض مع الإسلام ولا تتعارض مع تعاليمه وأحكامه فينبغي عليك أن تحرص عليها، لأنها تقربك من قومك ومن أهلك ومعشرك. لكن إن كانت تلك الأعراف التي أتى بها معشرك أو الأخلاق التي تفرضها عقول بعض الناس تتعارض مع الدين ومع شعائر الإسلام، فإنها تكون مرفوضة ولا يجوز لك أن تتمسك بها، حتى ولو كانت عشيرتك هي التي تفرض هذه الأدبيات، أو كان قومك أو قوميتك، لا، الإسلام هو المقدم.
سفيان بن عيينة يعطينا هذه القاعدة، يقول: إن محمد صلى الله عليه وسلم هو الميزان الأكبر، هو الميزان الأول الذي تعرض عليه الأخلاق والآداب. قال: وعليه تعرض الأشياء على خلقه وسيرته وهديه، فما وافقها فهو الحق وما خالفها فهو الباطل. وقال حبيب بن الشهيد -ذكرته لكم في المقدمة- لابنه إبراهيم: يا بني، اصحب الفقهاء والعلماء وتعلم منهم وخذ من أدبهم، فإن ذلك أحب إلي من كثير من الحديث.
وقال بعضهم لابنه: يا بني، لأن تعلم باباً من الأدب أحب إلي من أن تتعلم سبعين باباً من أبواب العلم. انظر ماذا يقول؟ تتعلم باباً واحداً من الأدب خير من أن تتعلم سبعين باباً من أبواب العلم. لماذا؟ لأن العلم إذا لم يكن معه أدب ذهبت بركته، وذهب رونقه وبهاؤه، وأما العلم القليل مع الأدب الكثير فيؤتي أُكله ويستفيد منه الناس. لذلك رحمة الله عليهم كانوا يفضلون الإكثار من الأدب حتى ولو كان على حساب المسائل الشرعية. قال: وقال مخلد بن الحسين بن المبارك: نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم. لاحظو نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث، أنا قلت العلم، وقال إلى كثير من الحديث.
وتنقل هذه المقولة بشكل آخر: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم. هذه المقولة نقلت هنا: نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث، وتنقل أيضاً عن السلف بصورة أخرى يقولون فيها: نحن إلى قليل وليس كثير، نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم. تلك هي المقولة الأخرى، وكلاهما صحيح ويتفقان في المعنى العام وهو الحاجة إلى الأدب أكثر من الحاجة إلى العلم، لأن العلم بلا أدب تذهب بركته كما قلنا.
وقيل للشافعي رضي الله تعالى عنه: كيف شهوتك للأدب؟ فقال: أسمع بالحرف منه مما لم اسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعاً تتنعم به. قيل: وكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المضلّة ولدها وليس لها غيره. الله أكبر! الشافعي رحمة الله عليه يسأل: كيف نهمتك في تعلم الأدب؟ فيقول: عشقي في تعلم الأدب ونهمتي، منيتي في طلبه كامرأة ليس لها إلا ولد واحد أضلت هذا الولد، كيف يكون حرصها على العثور عليه؟ حرص شديد جداً جداً، لا تنام ليلاً ولا نهاراً حتى هذا الفرخ الذي فقدته، ليس لها غيره وهي أم. فيقول: حرصي على تعلم الأدب كحرص هذه الأم التي أضلت ولدها، فهو يعطيك صورة معبرة عن شدة عشقه لتعلم الأدب والسلوك، وهذا هو الإام الشافعي الفقيه العالم الرباني.
الان بعد أن ذكر هذه الاقتباسات من كلام الأئمة، قال: ولما بلغت رتبة الأدب هذه المزية. لأن هو أعطاك تشويقاً لما ذكر لك أقوال الأئمة السابقين في منزلة الأدب، لما ذكر لك أقوال الأئمة السابقين في منزلة الأدب كأنه شوقك وعرفك بالقيمة العليا التي كان ينالها الأدب عند الأئمة. فقال: لما بلغت رتبة الأدب هذه المزية التي نبهنا عليها الأئمة الاقدمون وكانت مدارك مفصلاته خفية، إذاً الأدب له مزية عالية، وأن تدرك تفاصيل الأدب هذا أمر فيه نوع خفاء يحتاج إلى شيخ يرشدك ويعلمك إلى تفاصيل الأدب في جميع نواحي الحياة، دعاني ما رأيت من احتياج الطلبة إليه.
لما كان الأدب له مزية والوقوف على تفاصيله يحتاج إلى تعلم وإلى شيخ مرشد، ورأيت هناك حاجة ملحة لطلبة العلم في تعلمه، قد دعاني ما رأيت من احتياج الطلبة إليه وعسري تكرار توقيفهم عليه، إما لحياء يمنعهم من الحضور أو لجفاء يورثهم النفور، إلى جمع هذا المختصر مذكراً للعالم ما جعل إليه، ومنبهاً للطالب على ما يتعين عليه، وما يشتركان فيه من الأدب.
الآن هو ماذا يقول؟ حتى أفسر هذه العبارة، يقول: أنا رأيت الطلبة يحتاجون إلى توقيفهم إلى هذه التفاصيل وإلى نصحهم وإلى إرشادهم، وانا كمعلم، وهو يتكلم عن نفسه كمعلم، هو كمعلم يقول: يعسر علي أن أكرر توقيف الطلبة على هذه الآداب، كلما أخطأ طالب في أدب أنبهه وأرشده إليه، قال: هذا يصعب، فإن أخطأ اليوم نبهته وأخطأ غداً نبهته وأخطأ بعد غد نبهته. أصير أحقق الطلبة دائماً على تفاصيل الأدب مباشرة أن توجه النصيحة لهم بشكل مباشر؟ قال: لماذا؟ قال: لأن الطالب أحد طالبين: إما طالب عنده حياء، فكثرة توقيفه على تفاصيل الأدب وارشاده تورثه حياء يمنعهم من حضور مجالس العلم بعد ذلك. يستحي، الشيخ أوقفه مرة على خطأ، ثم مرة ثانية على خطأ سلوكي آخر وثالث، يصيبه حياء فيبتعد عن مجالس العلم حياء.
وأما طالب آخر إيقافه على عثراته وعلى سوء أدبه في بعض التصرفات يورثه جفاء من الشيخ وبغضاً له وكرهاً له فينفر من مجالس العلم أيضاً. ابن جماعة مربي أيها الأحبة، أدرك أن النصيحة المباشرة لطلبته في المدارس التي يدرس فيها ستورثهم نفوراً عن مجالس العلم، فأحب أن يرشدهم إلى تفاصيل الأدب بشكل غير مباشر، من خلال وضع تصنيف وكتاب في هذا الباب. فوضع لهم هذا الكتاب، فوضع لهم هذا الكتاب لصعوبة وعسره كما قال التوقيف المباشر لطلبة العلم دائماً، لأنهم إما حيي وإما إنسان يعني عنده نوع جفوة إذا وقف على أخطائه.
لذلك قال: فجمعت جمعت هذا المختصر مذكراً للعالم مذكراً، ها، لذلك سموها تذكرة، قال: مذكراً للعالم ما جعل إليه، يعني ما الذي ينبغي أن يتحلى به، ومنبهاً للطالب على ما يتعين عليه. أنبهك وأرشدك إلى ما يتعين عليه، وما يشتركان فيه من أدب. فهناك إذاً أيها الأحبة آداب خاصة بالعالم، وهناك آداب خاصة بطالب العلم، وهناك آداب مشتركة بينهما. لذلك قال: مذكراً للعالم ما جعل إليه، يعني الآداب التي تختص به وعليه أن يتعلمها، وللطالب ما يتعين عليه في طلبه أن يتمسك به وما يشتركان فيه، الآداب التي يشترك فيها العالم وطالب العلم، ثم قال: وما ينبغي سلوكه في مصاحبة الكتب، كيف يتعامل الطالب مع كتابه.
ثم أدب من يسكن المدارس منتهياً أو طالباً. الآداب طبعاً هذا كان في زمنهم، كان هناك مدارس توضع لطالبة لطلبة العلم ينامون فيها ويستيقظون الصباح يذهبون إلى المعدة ثم يعودون إلى هذه المدارس، قد توجد اليوم في بعض الجامعات التي يغترب إليها الطلبة لكنها قليلة.
فالطالب في هذه المدارس وفي أماكن المبيت هناك زملاء يعيشون معه، ما أدب هذه الزمانة؟ كيف تتعامل مع هؤلاء الزملاء واسمع هذه الأماكن وهذه المدارس التي وضعت لطلبة العلم، ما هي أخلاقك في التعامل؟ قال ثم أدب من يسكن المدارس منتهياً يعني إنسان انتهى من الطلب وأشرف عليه التخرج أو طالباً ما زال في مدارج التعلم فيها.
قال لأن هذه المدارس مساكن طلبة العلم في هذه الأزمان غالبة. قال وجمعت ذلك من أين جمعت؟ طب هذه المادة التي كتبتها؟ عرفنا الآن لماذا صنفت هذا الكتاب؟ لتوجيه نصيحة غير مباشرة لطلبتك الذين يعسر عليك أن توقفهم دائماً على أخطائهم في السلوك فأحببت أن أسعرهم بشكل غير مباشر بآداب العالم وآداب طالب العلم والآداب المشتركة وآداب التعامل مع الكتاب وأدب التعاون مع المدرسة التي هم فيها.
الآن من أين هذه المادة؟ قال وجمعت ذلك مما اتفق في المسموعات، يعني مما سمعته في حياتي، سواء سمعته من الشيوخ والأئمة أو سمعه من كبار السن أصحاب الحنكة والتجربة وإن لم علماء ترى الإنسان يستفيد الأدب أحياناً من والده ومن والدته يستفيده من مهندس من محنك من تاجر، هذه الحياة وحنكته تجارب هذه الحياة فتستفيد منه أخلاقاً وأدباً، ولا يشترط أن يكون الأدب مأخوذاً من المشايخ فقط.
لذلك قال وجمعت ذلك مما اتفق في المسموعات، يعني سمعته هكذا اتفق لي أن سمعته في مجلس من مجالس العلم أو مجالس الحياة. قال أو سمعته من السادات، فإذاً هناك سماع عام من تجارب الحياة لابن جماعة، وهناك سماع خاص من شيوخه ومن أئمته فلذلك ركز على الموضوعين ليبين أن الأدب لا يقتصر في آخذه فقط من الشيوخ والأئمة بل يأخذه الإنسان من تجارب الحياة ومن المحنكين فيها.
قال أو مررت به في المطالعات، يعني أو أدب استفدته من خلال مطالعتي في الكتب، أو استفدته في المذاكرات يعني مع الزملاء وذكرته محذوف الأسانيد. الآن بعد أن بين ما مصدر هذه المادة من مسموعاته العامة ومسموعاته الخاصة من الشيوخ ومن المطالعاته ومن مذاكرته والمذاكرة تكون مع الزملاء، قال وذكرته كل هذه الأمور التي أثبتتها لك في هذا الكتاب قال ذكرته محذوف الأسامي والأدلة كي لا يطول على مطالعه أو يمله، انظروا هذا السجع الجميل.
قال وذكرته محذوف الأسانيد والأدلة كي لا يطول على مطالعه أو يمله، يعني ذكرت كل ما سمعته في حياتي واستفدته من شيوخي ذكرته محدوف الأسنان يعني لم أنسب الأقوال إلى أصحابها في أكثر المواضع ولم أذكر أدلة استشهد بها على القواعد والنصائح التي أدلي بها. لماذا لم يفعل هذا المنهج؟ قال اختصارا حتى لا تمل وأنت تقرأ.
اختصر، جعلت هذا الكتاب مختصراً يعطيك زبدة هذه المسموعات وهذه المطالعات التي أفنيت فيها عمري. ثم قال وقد جمعت فيه بحمد الله تعالى تفارق آداب هذه الأبواب ما لم أره مجموعاً في كتاب وقدمت على ذلك باباً مختصراً في فضل العلم والعلماء على وجه التبرك والاقتداء. فهو يقول الفصل الأول في هذا الكتاب هو فصل في فضل العلم والعلماء وشرف العلم، ذكره تبركاً وصولاً إلى المقصد.
فالفصل الأول ليس هو المقصد، الفصل الأول في ذكر شرف العلم وشرف العلماء كما قال ذكرته على وجه والاقتداء يعني الاقتداء بمن سلفه من المصنفين. فكان العلماء إذا صنفوا شيئاً في العلم أو في أدب العلم يبتدئون عادة فضل العلم وشرف العلم كما فعل ذلك ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله وفعله كثير من الأئمة المتقدمين. فهو يقول أنا اقتديت بمن سبقني في الكتابة في شرف العلم وفي فضله وفي أدب العلم.
فابتدرت بذكر شرف العلم وفضله في مطلع هذا الكتاب اقتداء إذاً وتبركاً بذكر هذه الفصول أو هذا الفصل الذي سيذكر فيه ابنه ابن جماعة طائفة كبيرة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وآثار عبده بالسلف في فضل العلم وشرفه وفضل العلماء وشرف العالم. ثم قال وبعد ذلك أي بعد هذا الفصل الذي ذكره توطئة في شرف العلم وشرف العلماء قال رتبت هذا الكتاب قال وقد رتبته على خمسة أبواب تحيط بمقصود الكتاب.
الباب الأول في فضل العلم وأهله وشرف العالم ونبله وهذا هو الباب الأول التوطئة فيما يظهر. قال والباب الثاني في آداب العالم في نفسه وما طلبته ودرسه. الباب الثالث في آداب في نفسه ومع شيخه ورفقته ودرسه، إذا بدأ بأداب العالم ثم انتقل إلى أداب المتعلم. ثم قال والباب الرابع في مصاحبة الكتب وما يتعلق بها من الأدب الأدب مع كتب العلم. الباب الخامس في أدب سكنى المدارس وما يتعلق به من النفائس.
قال وقد سميته تذكرة هو المتكلم في أدب العالم والمتعلم والله تعالى يوفقنا للعلم والعمل ويبلغنا من رضوانه نهاية الأمد. إذا هنا الآن في هذا الموضع في ختام مقدمته سمى هذا الكتاب، قال وقد سميته تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، إذا هذا الكتاب من خمسة فصول فصل في فضل العلم وأهله والشرف، ثم بعد ذلك فصل في آداب العالم ثم فصل في آداب المتعلم، ثم فصل في الآداب التي ينبغي أن تراعى في التعامل مع الكتاب وفصل في آداب سكنى المدارس والتعامل مع الزملاء.
وبإذن الله أيها الأحبة في المحاضرة القادمة نشرع في الفصل الأول من هذا الكتاب في للعلم وأهله وشرفه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا وأن يؤدبنا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل