السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ. نبدأ بإذن الله تبارك وتعالى درسنا الثاني من قراءة كتاب تحرير علوم الحديث لعبد الله بن يوسف الجديع. أخذنا في الدرس الأول مقدمات تعريفية، أو مقدمات يتحدث فيها المصنف رحمه الله عن أهمية دراسة علوم الحديث، وهذه هي المقدمة الثانية وهي الكلام عن بعض المصطلحات كالتعريف بعلم الحديث، الفرق بين السنة والحديث، وتاريخ علم الحديث، وغير ذلك من المقدمات. لكننا لن نقرأ كل كلمة في هذه المقدمات، وإنما نأخذ العنوان ثم نعلق عليه، ونقرأ أهم ما جاء في كلام المؤلف؛ لأن هذه المعاني كلها تقريبًا أخذناها في الكتب السابقة، ونحن نريد أن يعني ندخر الوقت للمسائل التي تحتاج إلى قراءة أو تحتاج إلى تعليق.
نحن في صفحة سبعة عشر يا شباب: تعريف علم الحديث. العلم معرفة الشيء، والحديث في الأصل يطلق على الجديد من الأشياء، ويطلق على الخبر، ومنه قوله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا، وقوله: فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ. وفي الاصطلاح: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة.
والمؤلف هنا يا شباب سيذكر أمثلة لكل صنف، يعني الحديث هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة. خلينا نقرأ هذه الأمثلة، يعني نأخذ بركة بقراءة حديث النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فالقول هو الألفاظ النبوية، مثل حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين.
والفعل هو التصرفات النبوية العملية، مثل حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه توضأ فغسل وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بهما وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح برأسه، ثم أخذ غرفة من ماء على رجله اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله يعني اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ.
والتقرير ما يقع من غيره صلى الله عليه وسلم باطلاع أو علمه فلا ينكره، مثل حديث عائشة رضي الله عنها قالت: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا على باب حجرتي والحبشة يلعبون في المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه أنظر إلى لعبهم.
والصفة خصائص بشريته صلى الله عليه وسلم فيما لا يرجع إلى كسبه وعمله، اللي هي بيسموها يا شباب الصفة الخِلْقية غير التخلق، غير الصفة الخُلُقية، يعني حينما مثلًا يوصف شكل النبي صلى الله عليه وسلم أو الطول أو البدن، فهذه أمور يا شباب بيسموها خِلْقية، وإنما الأمور الخُلُقية كحياء النبي صلى الله عليه وسلم وكشجاعته وقوته وصبره وغير ذلك. قال: مثل حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهًا وأحسنهم خَلْقًا، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير. ولا يدخل في الصفة بهذا التفسير ما يحبه أو يكرهه من الأفعال والأحوال، وإنما يندرج هذا النمط من الأحاديث تحت الفعل باعتبار الصادر عنه على وفق محبته أو كرهه، مثل حديث عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن ما استطاع في شأنه كله، في طهوره وترجله وتنعله. الترجل يا شباب اللي هو تسريح الشعر يعني.
هنا هو يفرق بين الصفة الخِلْقية، يعني ما خُلق عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وبين الأمور التي تعمد النبي صلى الله عليه وسلم فعلها من الصفات المكتسبة: كان يفعل كذا، كان يحب كذا. هذه الأمور طبعًا لها دلالة في باب أصول الفقه، وهو أن الأمور التي تعمدها النبي صلى الله عليه وسلم وقصد منها التعبد إلى الله، هذه هي الأمور التي يشرع للعبد أو يستحب للعبد أن يقتدي فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم.
طبعًا قيمة هذا الكتاب يا شباب، كما سبق قلنا إن هذا الكتاب -آسف- هذا الكتاب له مميزات كثيرة، من أكثر هذه المميزات يا شباب كثرة الأمثلة؛ لأن الذين يدرسون علوم الآلة كعلوم الحديث وأصول التفسير واللغة العربية أو النحو أو مصطلح الحديث مشكلتهم أنهم كثيرًا ما يحتاجون إلى أمثلة ولا يجدون ذلك في كتب المختصرات والمتون. فلذلك قيمة هذا الكتاب يا شباب، وقد نبهت على هذا التنبيه قبل ذلك، أن قيمة هذا الكتاب في كثرة الأمثلة وحسن الاستدلال.
قال: هل يدخل في الحديث ما أضيف إلى من دون النبي صلى الله عليه وسلم؟ يعني هل يصح يا شباب أن نطلق لفظ الحديث على رواية هي من قول عمر أو من فعل عمر رضي الله عنه، أو من فعل أبي هريرة، أو من قول مثلًا علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟ قال: ما يضاف إلى صحابي أو تابعي أو من بعدهم من الأخبار يسمى حديثًا من حيث اللغة، لكن الاصطلاح جرى غالبًا على إرادة ما يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، حتى صار يتبادر إلى الذهن عند إطلاق، حين يقال مثلًا في المسألة حديث، أنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدفعًا للإيهام لا ينبغي إطلاق لفظ حديث على غير ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
يعني يا شباب كل ما أثر عن الصحابة يمكن أن يسمى حديثًا بمعنى أنه كلام، لكن لما صار عرف المحدثين أن دلالة لفظ الحديث هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالأولى هنا إما أنك تقصر لفظ الحديث على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو تخصص فتقول: حديث موقوف على علي بن أبي طالب مثلًا، واضح؟ فيكون هذا دفعًا للإيهام.
طيب، الشيخ ذكر بعد ذلك قال: الفرق بين الحديث والسنة: السنة في المعنى الأصولي مساوية للحديث بالتعريف المتقدم عند أهل الحديث دون قيد أو صفة، واستثناء الصفة النبوية من جملة السنن إنما وقع من أجل أن محل الكلام في السنة هو اعتبار كونها من مصادر التشريع، وهذا لا يندرج تحته الأوصاف الذاتية، وإنما يستفاد من الأقوال والأفعال والتقريرات النبوية. يعني هو يقصد هنا أن لفظ السنة معناها ما يشرع لنا أن نتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم فيه، وبالتالي يخرجون منها الأمور الخِلْقية، يعني مثلًا طول النبي صلى الله عليه وسلم وصفة جسده الشريف صلى الله عليه وسلم، فهذه في علوم الحديث تسمى حديثًا، واضح؟ ويمكن أن تدخل في دلالة لفظ السنة، يعني ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
لكن هل هي في المعنى الأصولي تسمى سنة؟ لا، لا تسمى سنة، وسيأتي إن شاء الله معنا يا شباب في دراسة تراث الإمام ابن تيمية رحمه الله أن الأمور التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقصد منها التشريع ولم يقصد منها التقرب إلى الله تبارك وتعالى، فهذه الأمور لا يشرع للإنسان أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم فيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أساسًا ما فعلها تقربًا إلى الله. مثلًا النبي صلى الله عليه وسلم ركب حمارًا مثلًا، أو وهو يسير في الطريق مثلًا بال في مكان معين، هل هذه الأمور يسن للإنسان أن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم فيها؟ الجواب: لا؛ لأن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم يكون في الأمور التي يتعبد بها إلى الله تبارك وتعالى، وسيأتي تفصيل الكلام إن شاء الله في وقت لاحق.
طيب، قال: الأثر. نحن هنا يا شباب نتكلم عن دلالات المصطلحات، إحنا قلنا إن مصطلح الحديث بنهتم فيه بأمرين: معرفة المسائل ومعرفة المصطلحات. معرفة المصطلحات من جملة المصطلحات التي نأخذها: الحديث، الأثر، السنة، تمام يا شباب؟ وهو يتكلم هنا عن بداية لفظ الأثر. نحاول نختصر هنا يا شباب. طيب، مختصر هذا الكلام يا شباب أن لفظ الأثر يطلق على كل ما روي بإسناد، أو كل ما أثر عمن سبقونا، فيدخل فيه الحديث القدسي والمرفوع والموقوف والمقطوع من كلام التابعي، وسميت كتب ككتاب شرح معاني الآثار، وشرح مشكل الآثار للطحاوي، وكتاب تهذيب الآثار للطبري، وغير ذلك من الكتب سميت بكلمة الآثار ويدخل فيها حتى ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن أغلب العلماء يطلقون الأثر على من دون النبي صلى الله عليه وسلم، يعني الموقوف والمقطوع يعني من كلام التابعي.
طيب، علوم الحديث في صفحة تسعتاشر يا شباب، قال: علوم الحديث هي المعارف المتعلقة بالحديث من جهة نقله، ومعرفة الصحيح من سقيمه، والألقاب المتعارف عليها عند أهل هذا الفن بعلم مصطلح الحديث، وهي القاعدة العامة لهذه العلوم. يعني يا شباب باختصار، علوم الحديث نحن ذكرنا أن طالب العلم إذا دخل إلى باب من أبواب العلوم الشرعية ليدرسه ينبغي أن يعرف أمورًا: الأمر الأول أن يعرف شيئًا عن نشأة هذا العلم، وأن يعرف كذلك أبواب هذا العلم.
فعلوم الحديث يمكن أن نقسمها إلى أربعة أقسام: القسم الأول منها هو الخاص بعلم مصطلح الحديث، والذي يهتم فيه الطالب بمعرفة أبواب علوم الحديث ومسائل علوم الحديث، وكذلك يعرف المصطلحات المستعملة في أبواب علوم الحديث، ويعرف دلالات هذه المصطلحات، هم يستعملون مثلًا مصطلح صحيح أو ضعيف أو شاذ أو منكر، أو يسمون كتابًا بأنه مسند أو مستخرج أو مستدرك أو إلزامات، فلا بد للطالب أن يعرف هذه المصطلحات، وأن يعرف هل لها دلالة واحدة أو أكثر من دلالة.
الباب الثاني هو علم الجرح والتعديل أو علم الرجال، الذي يختص بنقد الراوي، يتعرف فيه الطالب على قواعد النقد، ومن هم أعلام النقاد، وما هو منهجهم في النقد، وما هي أهم الكتب التي جمعت نقدهم أو كلامهم. كذلك يحتاج أن يتدرب تدريبًا عمليًا على عمل ترجمة شاملة للراوي، أو ترجمة خاصة في حديث ما.
العلم الثالث: علم علل الحديث، يختص بنقد الرواية، يتعرف فيه الطالب كذلك على تاريخ نقد الرواية وقواعد النقاد، ويتعرف على أشهر النقاد، ويتعرف على أشهر الكتب أو أهم الكتب التي جمعت كلام النقاد، ثم يتدرب تدريبًا عمليًا على نقد الرواية.
كذلك من العلوم التي تدخل في علوم الحديث: مصادر السنة، يتعرف الطالب فيها على الطرق التي صنف فيها العلماء حديث النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء عمن دونه كالصحابة والتابعين، فيعرف أن هناك كتب الجوامع وكتب السنن وكتب الآثار وكتب المعاجم والمشيخات والمسانيد، وكتب التفسير المأثورة المسندة، وكتب الإيمان والعقيدة المسندة، وكتب التواريخ، وكتب الرجال، وهكذا.
أيضًا مما يدخل في علوم الحديث: فقه الحديث، أن يتعرف الطالب على الكتب التي شرحت سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أو شرحت ما جاء عن الصحابة والتابعين، فهذا هو الذي يمكن أن يدخل تحت علوم الحديث.
الشيخ الآن سيتكلم عن تاريخ علم الحديث، يعني كيف انتقل الحديث من كونه ممارسة عملية إلى علم نظري، وتذكر تحته أمثلة. قال الشيخ: مبدأ ظهور هذا العلم، الكلام في النقلة فن قديم من فنون هذا العلم، يعود إلى عصر الصحابة، وقد ورد عنهم في ذلك آثار قليلة، إليك بعض أمثلتها: عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى عليه السلام صاحب بني إسرائيل ليس هو موسى صاحب الخضر عليه السلام، فقال: كذب عدو الله، سمعت أبي بن كعب يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قام موسى عليه السلام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فذكر الحديث بقصته مع الخضر.
وعن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان يحدث رهطًا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب.
تلاحظ في هذين المثالين أن الكلام وقع في رجلين من غير الصحابة يعرفان بالرواية عن أهل الكتاب، ولم يكن الصحابة يكذب بعضهم بعضًا في النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما خطأ بعضهم بعضًا في أحرف يسيرة، كما وقع فيما استدركته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها على بعض الصحابة. وعلة ذلك أن نقلة الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانوا العدول، ولذلك لم يكن الناس يومئذ يعتنون بالإسناد حتى ظهرت الفتن وتباعد العهد وصار النقل إلى التابعين بعد الصحابة.
يمكن هنا يا شباب أن نعلق على هاتين القصتين: القصة الأولى فيها أن سعيد بن جبير سمع نوفًا البكالي يعني يقول إن موسى الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، واضح؟ فعرض تلك الرواية على ابن عباس، وما فعله ابن عباس يا شباب هو الذي يسمى بالنقد. والنقد في لسان العرب ليس معناه الرد أو التخطئة، على عكس ما اشتهر عند كثير من الشباب أن النقد هو الرد أو التخطئة، لا، النقد هو الاختبار، هو التمييز، هو الفحص. الملكة النقدية هي القدرة على التمييز، لذلك سُمي بائع الذهب ناقدًا، اللي إحنا بنسميه في مصر الجواهرجي؛ لماذا سمي ناقدًا؟ لأن لديه قدرة على التمييز بين صحيح الذهب ومزيف الذهب.
وكذلك الملكة النقدية في أي باب من أبواب العلم، يعني الراجل مثلًا اللي بيدوق صينية بطاطس ده وبيعرف إن طعمها حلو أو مش حلو، ده عنده ملكة نقدية خاصة بالأكل، واضح؟ كذلك الطبيب عنده ملكة نقدية لما بيخليك تعمل تحليل دم أو غيره وبيكتشف به إنك عندك مرض، هذه ملكة نقدية. فالملكة النقدية موجودة في كل مجالات الحياة، وهي القدرة على الفحص والاختبار والتمييز. فهذا المثال الأول فيه أن عبد الله بن عباس رضي الله عنه نقد هذه الرواية بناء على الرواية الصحيحة، ففيه دلالة على قِدم وجود علم النقد سواء في الرواة أو في الروايات.
المثال الثاني يا شباب، أريد أن أنبه هنا إلى أن معاوية بن أبي سفيان لم يكن يكذب كعب الأحبار، يعني لما قال: وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب، يعني في روايته، وليس أنه يكذبه هو. يعني يقول: أنتم تعرفون أن ما جاء عن بني إسرائيل، النبي صلى الله عليه وسلم أذن في الرواية عن بني إسرائيل لكن نبه على أنه ليس كل ما يجيء عنهم صحيحًا. ومن الطرق التي يكتشف بها كذب ما جاء عن بني إسرائيل أن ترد إلى المحكمات في الشريعة أو الروايات الثابتة التي جاءت في القرآن أو السنة. فحينما كانوا يعرضون بعض روايات كعب الأحبار على ما جاء في الوحي أو في حديث النبي صلى الله عليه وسلم يكتشفون أنها كذب، ليس أنه هو تعمد الكذب ولكن هذه الرواية في نهايتها كذب لا تثبت، يعني تخالف ما ثبت عندنا.
والكذب يا شباب هو ما يخالف الواقع، سواء تعمده العبد أو لم يتعمده، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قيد فقال: من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار. هذا يؤكد أن الكذب هو مخالفة الرواية للواقع، يمكن أن تكون بتعمد من الراوي ويمكن أن تكون بغفلة.
طيب، المهم أن أيضًا هذه الرواية عن معاوية رضي الله عنه تبين النقد عند الصحابة. وفي هاتين الروايتين يا شباب نلاحظ أن الخطأ في الرواية، أو اللي هو بمعنى الكذب يعني سواء كان تعمدًا أو غير تعمد، كان يكون من غير الصحابة رضي الله عنهم. أحيانًا كان يقع الوهم من بعض الصحابة سواء في مسائل فقهية أو مسائل يستدرك بعضهم على بعض، لكن لم يكن أحد من رواة الصحابة رضي الله عنهم يتعمد كذبًا على النبي صلى الله عليه وسلم، بل كانوا على احتياط شديد. وأنا كتبت لكم يا شباب مقدمة موجودة، هي تقريبًا أربعة وخمسين صفحة، مهمة جدًا، فيها نشأة علوم الحديث بشيء من التوسع.
قال الشيخ: فعن مجاهد بن جبر المكي قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس، فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس، ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلًا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف.
نلاحظ هنا يا شباب أن بشيرًا العدوي هذا من الثقات، لكن المشكلة ليست فيه، وإنما المشكلة أنه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم رواية منقطعة، وهذا دليل على رد الصحابة للحديث المرسل؛ لأن بعض الناس يزعم أن الشافعي أول من رد المرسل أو أول من تكلم في الرواية المرسلة، هذا ليس صحيحًا. وسيأتي أثر عن محمد بن سيرين أنهم لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم. فكلمة لم يكونوا يسألون عن الإسناد هذا وقت الصحابة، كان يصدق بعضهم بعضًا، لكن إذا جاء أحد من التابعين يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم فهنا حلقة مفقودة لا ندري عمن أخذ هذه الرواية. فبالتالي يا شباب رد الروايات المرسلة لم يكن أول من رد الرواية المرسلة الشافعي رحمه الله، وإنما سبقه غيره. لما ركب الناس الصعب والذلول يا شباب، الصعب والذلول هنا كناية عن الدخول في البدع أو الأهواء.
وقال الإمام التابعي محمد بن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. طبعًا يا شباب من مقاصد قراءة هذا الكتاب، أو من أسباب أن نقرأ هذا الكتاب: كثرة النقولات التي يذكرها المؤلف عن أئمة الحديث، ومن المقاصد يا شباب أن نحلل هذه المقالات ونتعلم كيف نستثمرها ونفهمها أولًا.
هذه المقالة يا شباب مهمة جدًا، أولًا: معنى الفتنة هنا هي فتنة مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأغلب ما يرد في كلام العلماء في إطلاق لفظ الفتنة يراد به تلك الفتنة التي لم يجتمع فيها الناس بعد ذلك على إمام أو على خليفة. هو بيقول هنا: قالوا سموا لنا رجالكم، يعني من أين أخذتم هذا الحديث؟ ينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. بعض الناس قد يظن أن المقصود هو أن كل سني يحدث، يعني كل من كان على ما يؤمن به أهل السنة يقبل العلماء حديثه، وكل من كان على بدعة يرد العلماء حديثه، وهذا ليس مرادًا؛ لم يكن المناط فقط في قبول الرواية هو أن يكون الرجل صادقًا أمينًا سنيًا، لا، لا بد أن يكون كذلك ضابطًا.
وفي المقابل يمكن أن يكون الرجل على بدعة ويقبل العلماء روايته، لماذا يا شباب؟ لأن الرواية من باب الخبر وليست من باب الرأي، وبالتالي نحن نأخذ روايته فإن كان صادقًا ولم نبلو عليه الكذب أو الغفلة فهو بالتالي ممن يحتج بروايته، وإن كنا ننكر عليه بدعته فهذا أمر آخر. لا بد أن تعرف مناط الحكم، بناء على هذا المناط تستطيع أن تختار من اللائق بهذا المناط. وستأتي آثار كثيرة عن الأئمة في قبول رواية من كان على بدعة إذا كان صادقًا ثبتًا يوافق الثقات، وفي المقابل يردون من روايات أهل الصدق والأمانة ما تحقق لديهم أنهم أخطأوا فيه، بل ربما يحكمون على راو هو إمام في السنة والعدل والصدق يحكمون عليه بأنه ضعيف الحديث. أغلب ظني أن قصد محمد بن سيرين بأهل البدعة هنا الذين كانوا يستحلون الكذب، وكلمة السنة كأنه يعني يقصد الصادقين يعني.
قال: ثم منذ ذلك الوقت بدأ شيوع الاعتناء بالأسانيد والكلام في النقلة ونقد الروايات، وكلما تأخر العهد زاد ذلك، فتكلم طائفة من التابعين بكلام منثور في ذلك، منهم: سعيد بن جبير، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وعامر الشعبي.
طبعًا يا شباب وأنت تقرأ أي كتاب لا بد أن يكون عندك كراسة تقيد فيها الفوائد. هذه أول فائدة عندنا وهي ذكر أسماء أعيان التابعين الذين مع كونهم ثقات لكن كان لهم كذلك كلام في النقد، نقد الروايات ونقد الرواة، فنسجل هذه الفائدة يا شباب: من النقاد في طبقة التابعين هذه الأسماء: سعيد بن جبير، وسالم، وعطاء، وعروة، والحسن، وابن سيرين، والشعبي.
قال: ثم الكلام بعد هؤلاء أكثر، كالزهري، وأيوب السختياني، والأعمش، حتى جاءت طبقة أتباع التابعين فصار هذا العلم إلى النضوج، وعلته ترجع إلى كثرة الكذابين، وطول الإسناد الذي يزيد معه الوهم والغلط، وتعمد الإسقاط من رجاله تخفيفًا، فظهر أمثال شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، ومن بعدهم طبقة تلامذتهم كيحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ثم تلامذتهم كأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وعمرو بن علي الفلاس.
طبعًا يا شباب من الواجب عندنا، يعني إحنا ناخد واجب معنا إن إحنا نحاول نعمل خارطة، يعني نعمل اللي هي رسمة نرسم فيها طبقات النقاد: نجعل طبقة التابعين نضع فيها هذه الأسماء، وبعدها السطر اللي بعده ممكن نعمل نكتب يعني صغار التابعين أو مثلًا كبار أتباع التابعين، سمِّ كما تشاء، أو الطبقة الثانية من النقاد مثلًا تضع مثلًا الزهري وأيوب والأعمش، وبعدين الطبقة اللي بعدها تضع شعبة والثوري ومالك والأوزاعي، وبعد ذلك تضع يحيى القطان وابن مهدي، وبعد ذلك أحمد وابن معين وابن المديني وابن راهويه وعمرو بن علي الفلاس. بهذا الشكل يا شباب أنت سيثبت عندك المعلومة. من الأشياء اللي كنت بحب أعملها جدًا في دراسة أي شيء إن أنا أحاول أبتكر شيء في الدراسة، يعني مثلًا ألخص الكلام أو أجعله في جدول أو أجعله في خارطة، فاهمين يا شباب؟ دي طريقة جيدة جدًا عشان ما تنساش المعلومات.
قال: وهذا وقت بدأ يظهر فيه التصنيف في علوم الحديث، لكن في أبواب منه مخصوصة، كالجرح والتعديل، وعلل الحديث، وتواريخ النقلة. وتطور وكثر الكلام في تلك العلوم فيمن بعدهم، لكنها بقيت دون أن تُخص مصطلحاتها بتصنيف بعدُ إلى زمن الإمام أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي المتوفى عام ثلاثمائة وستين، فصنف أول كتاب مفرد في علوم الحديث سماه المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، ثم توالى الناس على التصنيف فيه، وأنفع المؤلفات فيه كتب الخطيب البغدادي وأجلها الكفاية، ثم مؤلف الإمام أبي عمرو ابن الصلاح علوم الحديث المعروف بالمقدمة.
الشيخ هنا يقصد يا شباب أن علوم الحديث وإن كانت بدأت قديمًا، اللي هو النقد نقد الروايات، لكنها شيئًا فشيئًا أصبحت تتطور وتتمدد وتتسع، فكان علم الحديث ككل العلوم ممارَسًا لم يكن مكتوبًا، وأول ما بدأ ككتابة هو التدوين: تدوين السنة، أو تدوين كتب الجرح والتعديل، أو كتب الرجال، أو تواريخ النقلة. بعد ذلك صار التصنيف في جمع السنة، جمع السنن والآثار: كتب الجوامع وكتب المسانيد والمعاجم والمشيخات والمستخرجات والمستدركات وكتب التواريخ والجرح والتعديل وكتب التفسير المسندة. بعد ذلك لم يكن إلى الآن صنفت كتب في مصطلح الحديث تتكلم عن نشأة علوم الحديث وأبواب علوم الحديث وصفات الناقد ونحو ذلك، فألف الرامهرمزي رحمه الله كتابه المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، ثم توالى التصنيف بعده.
من الكتب المركزية في هذا العلم يا شباب في كتب المتقدمين يمكن أن نكتب هذه الفوائد: أول كتاب أو أقدم كتاب في رأيي يعد مركزيًا في هذا العلم هو كتاب الرسالة للإمام الشافعي رحمه الله، فيه فصل مهم جدًا في صفات قبول الرواية، هذا الفصل مهم جدًا، وفيه كذلك فصل على علل الأحاديث والناسخ والمنسوخ، وفهم السنن والآثار، فهذا مهم جدًا. أيضًا للشافعي كتاب مهم في نقد شروط التواتر عند المتكلمين، وهو كتاب فذ وإن كان فيه بعض العبارات التي ربما تشكل على الطالب المبتدئ، هو كتاب جماع العلم، وهذا الكتاب أيضًا معنا في الخطة، نحن بعد قراءة هذا الكتاب سنشرع في استقراء تراث الأئمة المحققين إن شاء الله في علوم الحديث.
فعندنا كتاب الشافعي وكتاب جماع العلم، يعني الرسالة وجماع العلم، وعندنا مقدمة الإمام مسلم والتمييز للإمام مسلم أيضًا، وهما كتابان مهمان جدًا، من أهم القطع التي كتبت في علوم الحديث وفي شروط قبول الرواية وفي نقد الروايات. وعندنا بعد ذلك شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي، أيضًا قطعة متميزة، وطبعًا هي أصلها أنها كتاب العلل الصغير للترمذي وهو في آخر كتابه الجامع، وكان ابن رجب الحنبلي شرح الكتاب كله ولم يتبق منه إلا هذه القطعة يعني، ابن رجب الحنبلي شرح جامع الترمذي كله لكن لم يتبق منه، يعني فُقد الكتاب إلا هذا الجزء اللي هو شرحه للعلل.
أيضًا معنا رسالة أبي داود لأهل مكة، ومعنا كذلك مقدمات الكتب: مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، ومقدمة المجروحين لابن حبان، والكامل لابن عدي، والضعفاء للعقيلي، وعندنا معرفة علوم الحديث للحاكم، مجموعة من الكتب المهمة إن شاء الله نأتي عليها كتابًا كتابًا.
بعد ذلك جمع هذه الكتب أو حاول أن يرتبها الخطيب البغدادي، ثم جاء بعده ابن الصلاح وصنف كتابه، واسمه الصحيح معرفة علم الحديث أو علوم الحديث، اشتهر بعد ذلك أو سُمي الكتاب مقدمة ابن الصلاح. كل من جاء بعده حاول أن يرتب أو يختصر أو يستدرك أو ينظم هذا الكتاب، إلى أن جاءت بعد ذلك كتب مختصرة صارت أيضًا مركزية عند طلاب العلم ككتاب الموقظة للذهبي ثم نخبة الفكر للحافظ ابن حجر رحمه الله.
طيب، أيضًا يا شباب تجدون يعني تجدون في الخطة عندنا، يعني صنعت لكم جدولًا أظن موجودًا معنا، أظن موجودًا معنا يا شباب هذا الجدول اللي هو جدول أهم الكتب في علوم الحديث، أنا أظن كتبت لكم جدولًا موجودًا فيه أهم المصنفات وقسمت ثلاث طبقات: الطبقة الأولى هي كتب تراث الأئمة المحققين اللي هم قبل ابن الصلاح.
وفي آخرها كتب الخطيب البغدادي، وبعد ذلك مقدمة ابن الصلاح وما تفرع عنها، والطبقة الأخيرة هي الكتب المختصرة كالموقظة ونخبة الفكر. طيب، قال: تقسيم علوم الحديث؛ علوم الحديث من حيث الإجمال تنقسم إلى قسمين كليين: القسم الأول علم رواية، وموضوعه ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو من دونه من صحابي أو تابعي، من جهة العناية بنقل ذلك وضبطه وتحرير ألفاظه، وبعبارة أخرى هو العناية بمتن الخبر من جهة نصه خاصة، ويندرج تحته أصناف من علوم الحديث منها: المرفوع والموقوف والمقطوع وغريب الحديث ومختلف الحديث.
يعني يقصد يا شباب الأمور التي تخص المتن؛ هل هذا المتن أضيف إلى الله فيكون قدسيا، أم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيكون مرفوعا، أم إلى الصحابي فيكون موقوفا، أم إلى التابعي فيكون أثرا أو مقطوعا أو منقطعا على اختلاف العبارة؟ ويدخل فيه كذلك غريب الحديث، الألفاظ قليلة الاستعمال، أو مختلف الحديث، الأحاديث التي يظن تعارضها. فهذا كله يا شباب يدخل فيما يسمى بعلم الرواية. وعلم الدراية يا شباب هو الذي يتحدث عن قوانين قبول الرواية، والجرح والتعديل، ونقد الراوي، ونقد الرواية من حيث الثبوت ومن حيث العلة وغير ذلك.
طيب، قال بعد ذلك: تعريف السند والمتن. طبعا الأشياء هذه يا شباب نقرؤها سريعا لأن إحنا أخذناها قبل ذلك كثيرا، ذكر تعريف السند، ذكر تعريف المتن، ثم تكلم عن أهمية الإسناد، ثم تكلم عن... إحنا في صفحة خمسة وعشرين يا شباب، ذكر قول ابن الصلاح: إن الرواية بالأسانيد المتصلة ليس المقصود بها في عصرنا وكثير من الأعصار قبله إثبات ما يروى بها، إذ لا يخلو إسناد منها من لا يدري ما يرويه ولا يضبط ما في كتابه ضبطا يصلح لأن يعتمد عليه في ثبوته، وإنما المقصود منها إبقاء سلسلة الإسناد والتي خصت بها هذه الأمة.
يعني ابن الصلاح يا شباب هنا يريد أن يقول: لو عندنا حديث أصله في البخاري أو مسلم أو الترمذي أو النسائي أو الدارقطني أو غير ذلك من الكتب، ونحن عندنا إسناد طويل يصل إلى مثلا البيهقي أو البخاري، فنحن لا نحتاج أن ننظر في الإسناد من المتكلم إلى البخاري، لماذا؟ لأن أصل الحديث موجود في البخاري. طيب، لماذا اعتنى العلماء بالإسناد مع كونهم لا يهتمون بتمييز الصحيح من سقيمه ما دام أصله موجودا؟ قال: ليبقى الإسناد خاصة في هذه الأمة، أو يعني حتى تبقى سنة الإسناد، يعني يا شباب فاهمين؟
طيب، الشيخ هنا تكلم عن اعتناء العلماء بجمع الأسانيد وبتنقية الحديث، ثم بين أن العلماء بعد تدوين كتب السنة لا يحتاجون إلى معرفة حال الرواة اللي هم الرواة المتأخرين الذين رووا أصلها في كتب السنة الموجودة.
طيب، بعد ذلك قال في آخر الصفحة يا شباب، صفحة خمسة وعشرين: واصطلاح الحديث المسند عند أهل الحديث: قال الخطيب البغدادي: يريدون أن إسناده متصل بين راويه وبين من أسند عنه، إلا أن أكثر استعمالهم هذه العبارة هو فيما أسند عن النبي صلى الله عليه وسلم، واتصال الإسناد فيه أن يكون كل واحد من رواته سمعه ممن فوقه حتى ينتهي ذلك إلى آخره، وإن لم يبين فيه السماع بل اقتصر على العنعنة.
كلمة السماع هنا يا شباب عشان إحنا بناخد دلالات الألفاظ، كلمة السماع هنا معناها لفظ التحديث أو الخبر: حدثنا، سمعت، أخبرنا، أنبأنا. فكلمة السماع هنا "لم يبين فيه السماع" يعني لم يصرح بلفظ سمعت أو أخبرنا أو حدثنا، وإنما قال عن. يعني الخطيب البغدادي يقول: لا يشترط في قبول الحديث أن يصرح الراوي بكلمة سمعت، الذي يشترط فقط أن نتأكد أنه سمعه، سواء عبر بلفظ عن أو بغيره. طيب، قلت: وبهذا المعنى الذي عند أكثرهم عرف الحاكم المسند.
يعني الحاكم يا شباب اللي هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم رحمه الله، وهو من علماء الحديث المتأخرين وله كتاب مشهور جدا وهو المستدرك على الصحيحين، محمد بن عبد الله الحاكم. في عندنا شخص آخر يا شباب اسمه أبو أحمد الحاكم، هذا ناقد، هذا غير هذا، نحن الآن نتحدث عن صاحب المستدرك، الحاكم صاحب كتاب المستدرك على الصحيحين اللي هو تلميذ الدارقطني.
فالحاكم هذا يا شباب قصته عند موته جميلة، أحب دائما أذكر بها طلبة الحديث في التنبيه على معاني العبودية في طلب العلم. الحاكم يا شباب كان يعني آخر أمره أنه توضأ ثم يعني قال دعاء الوضوء: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، ثم قضى، يعني توفي رحمه الله. وقد نبهت كثيرا على أن يستحضر طالب العلم معاني العبودية وهو يذاكر؛ لا تذاكر إلا... يعني لا تبق إلا على وضوء، تحاول دائما أن تبقى على وضوء، وأنت تذاكر مثلا قم وصل ركعتين، اترك المذاكرة قليلا واذكر الله، حتى وأنت تذاكر استحضر معاني العبودية، هذا مهم جدا.
معاني العبودية من جهتين: من جهة النية في طلب العلم، وأعظم نية أن تكون من خير مثال ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، وهم خير من تلقى الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم، من الأرض التي قبلت الوحي فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فتعلمت وزكت أنفسها وعلمت غيرها، هذه نية. ومن النيات أيضا أن تتواضع بالعلم، وأن تعلمه للناس، وأن تعلم به الجاهل، وأن ترحم به الخلق.
أيضا من الأمور المهمة يا شباب أن تستحضر الاستعانة، كما كان يقول ابن تيمية رحمه الله: إني لأقرأ في الآية مئة تفسير ثم أقول: يا معلم إبراهيم علمني! أن يعلم الإنسان أن ما به من نعمة فمن الله، فيتذكر دائما الدعاء والاستعانة، ويستغفر الله، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكر الله قليلا. هذه الأمور يا شباب يحتاجها الإنسان جدا، وكل من يغفل هذه المعاني شيئا فشيئا سيتحول إلى مجرد موظف.
استحضار معاني العبودية في طلب العلم من أعظم ما يهون طلب العلم؛ إذا وجدت في نفسك كسلا أو تعبا واستحضرت معاني العبودية ستحتسب تعبك، إذا وجدت في نفسك غرورا أو كبرا واستحضرت معاني العبودية ستنكسر لله وتتواضع وتفتقر إلى الله، استحضار معاني العبودية من أعظم ما يعان به العبد في طلب العلم.
طيب، قال الشيخ: لكن ابن عبد البر جعله مرادفا للمرفوع، فلم يشترط فيه الاتصال، وحكاه عن طائفة، وليس وصفه بالاتصال عند من ذكره يعني الصحة، وإنما المراد مجرد الإحالة، وقد يكون ضعيفا. يعني هو هنا يا شباب يتكلم عن دلالة لفظ المسند في كلام المحدثين. قلت لكم سابقا إن لفظ المسند، الألفاظ عموما يا شباب التي يستعملها أي أحد تختلف دلالاتها، حتى في كلام الناس في الشارع يمكن أن يطلقوا مصطلحا واحدا لأكثر من دلالة، واضح؟ هذا موجود في كل لغة وفي كل أهل فن، في علوم الحديث هذا يكثر جدا.
لفظ المسند أحيانا يطلق على الكتاب، وأحيانا يراد به الكتاب الذي جمع الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيسمونه مسندا، أو يقصد به الكتاب الذي جمع الروايات بإسناد سواء كانت عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن غيره، أو يقصد به الكتاب الذي جمع الأحاديث ورتبها على مسانيد الصحابة، هذه مقاصد ثلاثة. وأحيانا يطلق المسند على الرواية المرفوعة التي رفعها الصحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يشترطون الاتصال، وأحيانا لا يشترطون الاتصال فيقولون: كل رواية الكلام فيها أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهي مسندة، سواء كانت مرسلة يعني التابعي أرسلها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو الصحابي أسندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم. المهم يا شباب أن لفظ المسند له أكثر من دلالة، ويحتاج الطالب أن يعرف دلالات المصطلحات عند كل من تكلم بها.
طيب، هنا الشيخ سيتكلم عن ألقاب الحديث من جهة من يضاف إليه. سنختصر هذا يا شباب حتى يدخر الوقت للأشياء الصعبة. طبعا عندنا يمكن أن نجعلها ألقاب الحديث من حيث من يضاف إليه: الحديث القدسي ما أضافه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله تبارك وتعالى، واختلف هل لفظه من الله أم من النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث المرفوع هو ما أضافه الصحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قوله أو فعله أو صفته أو تقريره، وعندنا كذلك الحديث الموقوف وهو من قول أو فعل الصحابي، والحديث المقطوع هو من قول أو فعل التابعي، واضح يا شباب؟
ذكر هنا هو هذا الفصل وذكر فيه فوائد كثيرة مهمة جدا يا شباب؛ لأنها تخص الألفاظ التي يراد بها معنى المرفوع والموقوف، وكذلك ذكر أمثلة تطبيقية على كل نوع من هذه الأنواع. طيب، هنا ممكن إن إحنا نعلق في صفحة تسعة وعشرين: المسألة الثانية: قول الصحابي "قال قال" دون ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هل هو مرفوع؟ هذه صورة نادرة الورود في روايات الحديث، إحنا في آخر صفحة تسعة وعشرين يا شباب، مثالها ما حدث لأسود بن عامر شاذان قال: أخبرنا شعبة، قال: أخبرني إدريس الأودي، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال: لا يصلي أحدكم وهو يجد الخبثين.
تحرير هذه المسألة: يعني يا شباب كلمة "قال قال" لو أن صحابيا قال "قال" ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم، هل هذا يأخذ حكم المرفوع؟ أولا يا شباب هذا مثال نادر، واضح؟ والمثال النادر هذا مشكلته في أمرين: الأمر الأول أنك لن تجد له تطبيق في الواقع، والأمر الثاني أن انشغالك به ليس له ثمرة؛ لأنه ربما لا يكون موجودا إلا في حديث واحد، فلا يصح أن يجعل مسألة، فأنا في رأيي أن الشيخ أساسا لم يكن يصح أن يجعل هذا مسألة، هي يمكن أن تكون فائدة، واضح؟ لكنها لا تسمى مسألة؛ لأن المسألة يا شباب هي التي ينتظم تحتها جزئيات كثيرة.
طيب، المهم أن الشيخ قال: فتحرير هذه المسألة أن هذه الصورة بمجردها لا تفيد رفع الحديث، بل هو موقوف من هذا الوجه، وهذا المثال المذكور مما اختلف فيه على شعبة أصلا رفعا ووقفا؛ هل الحديث موقوف على أبي هريرة أم مرفوع من كلام النبي صلى الله عليه وسلم؟ طيب، ولا يكاد يوجد لهذه المسألة مثال يسلم من علة، وعليه فيحول ذلك دون القول إن هذه الصيغة تفيد الرفع. طيب، هو أساسا ما كانش المفروض يجيب هذا المثال لسببين: لأنه أولا نادر الوقوع، وثانيا إنه المثال الواحد حتى عندهم مختلف في رفعه ووقفه.
طيب، قال: وما ذكر عن محمد بن سيرين بخصوص ذلك من تركه رفع الحديث أحيانا وهو عنده مرفوع، فهو أمر غير مضطرد على التحقيق، وبيانه أن الحافظ دعلجا السجزي قال: حدثنا موسى بن هارون بحديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة قال: قال: الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه، قال موسى: إذا قال حماد بن زيد والبصريون "قال قال" فهو مرفوع. سأشرح لكم إن شاء الله يا شباب، قال الخطيب: قلت للبرقاني: نحسب أن موسى عنى بهذا القول أحاديث ابن سيرين خاصة، قال: كذا تحسب.
قلت: فهذا المثال لا يصلح أن تبنى عليه قاعدة، وقول موسى بن هارون الحمال غير صحيح الإطلاق، وما حسبه الخطيب من كون ذلك محصورا فيما يرويه ابن سيرين خاصة عن أبي هريرة صواب، ما لم يكن هناك قرينة في سياق الخبر تجعله على أصل الوقف. وواقع الأمر أن ابن سيرين حدث عن أبي هريرة بأحاديث لم يكن يذكر فيها الرفع الصريح إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهي محفوظة من حديث أبي هريرة، أحيانا يوجد ذلك في رواية ابن سيرين نفسه عن أبي هريرة، يكون حدث به عنه لا يذكر الرفع وتارة يذكره، كما يكون مرفوعا من رواية غير ابن سيرين عن أبي هريرة.
وهذا ما جاءت به الطرق للحديث المذكور، فإنه رواه من البصريين أيوب السختياني، وهشام بن حسان، وعمران بن مسلم القصير، جميعا عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم به. واستدل الخطيب لما حسب بقول ابن سيرين: كل شيء حدثتكم به عن أبي هريرة فهو مرفوع، وصح عن محمد بن سيرين أنه كان إذا حدث عن أبي هريرة فقيل له: عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كل حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الطحاوي: وإنما كان يفعل ذلك لأن أبا هريرة لم يكن يحدثهم إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا عن ابن سيرين فائدة خاصة، وهي أن الخبر إذا جاء عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا فإن ذلك لا يعد من الاختلاف القادح في صحة الرفع، فالحكم بالرفع متعين. نشرح هذه المسألة يا شباب: نحن يا شباب عندنا رواة كان عندهم قدر كبير من الورع، ما معنى ذلك يا شباب؟ الراوي أحيانا يا شباب يسمع حديثا عن شيخه موقوفا، وأحيانا يسمعه مرفوعا.
مثلا محمد بن سيرين إمام البصرة، وهو من أخص تلامذة أبي هريرة، فكان أحيانا محمد بن سيرين وهو يروي الحديث يا شباب يشك: هل هذا الحديث من كلام أبي هريرة أم من كلام النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو عموما هو طبعا كثير من تلامذة ابن سيرين تأثر بهذا المنهج، كأيوب وحماد بن زيد، سلسلة من الرواة في أهل البصرة كان عندهم شيء من الورع أخذوه عن ابن سيرين رحمه الله، فكانوا إذا شكوا، يعني الراوي منهم شاكك: هل هذا الحديث مرسل أم مسند؟ يجعله مرسلا، هل هذا الحديث مرفوع أو موقوف؟ يجعله موقوفا، من باب الاحتياط.
فهذه فائدة خاصة يا شباب: أن ابن سيرين إذا اختلفت الروايات عنه هل هي مرفوعة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو موقوفة عن أبي هريرة، فالصواب أنها مرفوعة لسببين: السبب الأول أن أبا هريرة أساسا لم يكن يحدثهم إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، والسبب الثاني أن ابن سيرين من عرفه أنه كان إذا شك أوقف الرواية. فأحيانا يروي عنه بعض الرواة، يعني مثلا هو من أصحابه من أصحاب ابن سيرين مثلا يونس وهشام بن حسان وعمران القصير، فحينما مثلا يروي عنه أيوب الحديث عن أبي هريرة موقوفا، بينما يرويه هشام بن حسان مرفوعا، وكلهم ثقات، ففي هذه الحالة يرجح العلماء المرفوع، لماذا؟ لأنهم يعلمون أن ابن سيرين ربما شك في هذه الرواية، فيحملون هذه الرواية على اليقين الموجود في روايات هشام مثلا ابن حسان عن ابن سيرين.
فمختصر القول يا شباب في أمرين عشان نختصر هذه المسألة، اللي هي المسألة الثالثة: أن قول الصحابي "قال قال" ثم يذكر المتن دون أن يذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم هذا لا يأخذ حكم الرفع، وإنما ينظر إلى الرواية خاصة. أما في حال محمد بن سيرين فإن محمد بن سيرين له عرف خاص، أنه إذا شك قصر الرواية، يعني جعلها على الأقل، فإذا جاءت عنه روايات قال فيها: قال أبو هريرة: قال كذا كذا، ولم يذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم، فهي رواية مرفوعة، وإذا اختلف عليه فرواه بعضهم بالوقف وبعضهم بالرفع يحكم بصحة الوجهين ويكون الحديث مرفوعا، يعني يحمل الوقف على الشك منه فلا يكون ذلك قادحا في الحديث.
المسألة الرابعة: ما لا يقال مثله بمجرد الاجتهاد، فالأصل أن يكون مرفوعا حكما. الآن هنا يا شباب نحن نتكلم عن رواية هي من كلام الصحابي أو من فعله لكن جاء فيها قرينة معينة دلت على أن الصحابي أخذ تلك الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا يا شباب يسمونه المرفوع حكما. قال: وذلك كتحديث الصحابي بما لا سبيل إلى معرفته إلا عن طريق الوحي، مع ضميمة ألا يكون الصحابي يحدث بالإسرائيليات فيما يمكن أن يكون من أخبار أهل الكتاب، مثل ما يتصل بأخبار السابقين وبدء الخلق ومستقبل الزمان، ومن أشهر من عرف من الصحابة بالتحديث عن أهل الكتاب عبد الله بن عمرو بن العاص وأبو هريرة، وربما وقع لغيرهما، خصوصا من نزل الشام منهم.
طيب، نعلق يا شباب على هذه الفقرة: الآن هو يقول: إذا روى الصحابي كلاما لا يقال من باب الاجتهاد، كالأخبار التي تقال مثلا في الغيب، أو في ذكر الجنة والنار، أو بدء الخلق، أو مستقبل الزمان، هل هذه تأخذ حكم الرفع؟ يعني نقول: هو مرفوع حكما؟ فالشيخ هنا بيقول: نعم، يكون مرفوعا حكما بشرط ألا يكون الصحابي الذي كثر عنه هذا الكلام ممن يأخذون عن أهل الكتاب. اشتهر هنا يا شباب أن مجموعة من الصحابة يأخذون عن أهل الكتاب؛ ذكر ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وكذلك عبد الله بن عباس، كل هذا يحتاج إلى تحقيق يا شباب.
والشيخ مساعد الطيار، حفظه الله وأكرمه وهو من المحققين في علوم القرآن، في علم التفسير خاصة، له بحث مهم جدا في نقد ما اشتهر أن عبد الله بن عمرو بن العاص يأخذ عن أهل الكتاب أو أنه روى روايات، واستدل لذلك بأدلة تجدونها موجودة في شرح مقدمة تفسير ابن تيمية للشيخ مساعد الطيار. وأنا قرأت لكم تقريبا هذه الفائدة حينما كنا نقرأ في شرح نخبة الفكر. فبالتالي يا شباب لا يصح أن نلحق صحابيا من الصحابة إلى جملة من لا تقبل رواياتهم في أخبار الغيب وبدء الخلق بناء على أنهم ممن يحدثون عن بني إسرائيل إلا بعد التحقق من ذلك الأمر.
قال: ولما كان قد يعسر تبين إن كان الصحابي حمل الرواية عن أهل الكتاب أو كان بتوقيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أجل أنه ليس لدينا ما يقطع في هذا، إنما هو قائم على المظنة، فالاتجاه يوجب أن يرد في سياق الخبر قرينة غير ما تقدم تدل على ضعف احتمال أن يكون من أخبار أهل الكتاب. فاهمين يا شباب؟ مهم جدا دي يا شباب. فيه عندنا مثال أنا قيدته على هذا الكتاب يمكن أن تراجعوه، مهم جدا: أن البيهقي حكم على رواية من روايات عبد الله بن عمرو بن العاص أنها من الإسرائيليات بقرينة معينة، تجدونها في كتاب الأسماء والصفات للبيهقي، رقم الحديث أربعمئة واثنين وثلاثين.
الشيخ هنا سيذكر مثالا، قال: وذلك كقول أبي سعيد الخدري: من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق. فأبو سعيد ليس معروفا بالتحديث بالإسرائيليات، وحدث بشيء هو مما اختصت به هذه الأمة، يعني سورة الكهف وفضل قراءة سورة الكهف، وهي مما أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وذكر البيت العتيق وليس لأهل الكتاب فيه شأن.
ومما يجب أن يحتاط فيه من هذه الصورة... يعني يا شباب هو يعطيك هنا مثالا للروايات التي تأخذ حكم الرفع. طبعا يا شباب الروايات التي تأخذ حكم الرفع صنفان: إما أن تكون من باب الخبر، أو من باب الحكم. أساسا يا شباب كل القرآن إما من باب الخبر أو من باب الحكم؛ القرآن إما يخبرنا عن الله أو عن أسمائه، أو عن الجنة، أو عن النار، عن الأنبياء، أو عن صفة الصحابة، أو عن الأمور المستقبلة، أو يأمرنا بأمر: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ، آتُوا الزَّكَاةَ، واضح يا شباب؟ فلذلك حتى لما ذكر الله الكفار قال: فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ * وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ. فما يأتي في الوحي إما أخبار تقتضي التصديق، أو أعمال تقتضي الامتثال، يعني واضح.
هو الشيخ هنا ضرب لك مثالا للأخبار التي تقبل وتأخذ حكم الرفع وهو فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة. وأنا يا شباب يعني عملت بحثا في هذا الحديث خاصة اللي هو قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، ووجدت بعد بحث طويل في هذه السورة، وعرضت هذا البحث على الشيخ مصطفى العدوي حفظه الله والشيخ محمد عمرو رحمه الله، وجدت أن هذا الحديث الصواب فيه أنه من كلام أبي سعيد الخدري، يعني موقوفا، والصواب أنه ليس فيه تقييد يوم الجمعة؛ الرواية المحفوظة في فضل قراءة سورة الكهف لا تخص يوم الجمعة، والصواب كذلك الوقف، وإن كان الوقف بعد ذلك أن يأخذ حكم الرفع فهذا أمر آخر.
ولذلك يا شباب سورة الكهف لها فضل ولكن ليس محصورا في يوم الجمعة، وإن كان بعض أهل العلم كما تعلمون صحح هذه الرواية وجعل التقييد بيوم الجمعة صحيحا، فأنت عموما يعني تكثر من قراءة سورة الكهف. وطبعا القراءة هنا يا شباب أكيد مقصود منها التدبر؛ لأن سورة الكهف من سور القصص وفيها معاني عظيمة جدا. لعلنا إن شاء الله في وقت آخر نعمل سلسلة لسور القصص في سورة مريم، وسورة طه، وسورة الأنبياء؛ لأن هذه السور يا شباب فيها معاني إيمانية قوية، ومن أعظم ما يؤكد ذلك أنها نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وقرأها على الصحابة في فترة الاستضعاف؛ في فترة الابتلاء يحتاج الإنسان أن يقوي نفسه بالمعاني الإيمانية التي تتحدث عن صالحين سبقونا وصبروا على هذا الطريق، وأيقنوا بجزاء الله وكانت لهم الحسنى.
طيب، قال الشيخ: ومما يجب أن يحتاط فيه من هذه الصورة ما يقوله الصحابي من إثبات تحليل أو تحريم، فمن الناس من يدعي أن له حكم الرفع وهذا خطأ؛ فإن الصحابة كانوا يفتون الناس في الحلال والحرام، وكما وسع من بعدهم من العلماء أن يحلوا ويحرموا باجتهادهم فيما لا نص فيه، فعلماء الصحابة هم سادة مجتهدي هذه الأمة، وقد سبقوا إلى أن قالوا باجتهادهم فأحلوا وحرموا، واختلفوا في المسائل بسبب ذلك.
دي فائدة جميلة جدا يا شباب، وتقييد مهم جدا؛ بعض الناس يقول: كل ما جاء عن الصحابة في الحل والحرمة وباب التكليف والعبادات هو من باب المرفوع، هذا ليس صحيحا يا شباب، هذا يحتاج إلى قرينة قوية تشهد أنهم أخذوا ذلك الحكم عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن القرآن. أما ما استنبطه الصحابة أو ما فعلوه باجتهادهم فهذا لا يصح أن يأخذ حكم الرفع، وإنما يبقى موقوفا.
وهذا له أمثلة كثيرة جدا جدا يا شباب، تجدون فيها فصلا نفيسا جدا للإمام ابن تيمية في كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، وهو يستدل على أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يخطئ في اجتهاده حينما كان يتبع النبي صلى الله عليه وسلم في كل أمر فعله النبي صلى الله عليه وسلم حتى لو لم يقصد منه التشريع، استدل لذلك بأمثلة كثيرة أن كثيرا من الصحابة اجتهدوا في مسائل فقهية وأخطأوا، واضح كده يا شباب؟
فمهم جدا أن تعلم أن فتوى الصحابي ليست حديثا مرفوعا، ثانيا أن فتوى الصحابي ليست حجة كحديث النبي صلى الله عليه وسلم. نعم، بعض الأخت علقت: لذلك هناك خلاف في حجية قول الصحابي، نعم، هذا قول صحيح.
قال: المسألة الخامسة: قول الصحابي "أمرنا بكذا"، "نهينا عن كذا"، "كنا نؤمر بكذا"، "كنا ننهى عن كذا"، "كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعل كذا"، "كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا"، "من السنة كذا" وشبه ذلك، فهو حديث مسند مرفوع حكما في قول أكثر أهل العلم، وهو الصواب. واضح يا شباب؟ يعني الشيخ هنا يتكلم عن نوع من الأحاديث الموقوفة لكنها تأخذ حكم الرفع، وهي أن يقول الصحابي: "كنا نؤمر بكذا"، "ننهى عن كذا"، "من السنة كذا"، واضح يا شباب؟ هذا أيضا ألحقه العلماء بالكتب المسندة والمرفوعة؛ لأن الصحابي الذي يأمره هو النبي صلى الله عليه وسلم، وكلمة السنة هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
ذكر الشيخ أمثلة هنا يمكن أن تراجعوها لكنها سهلة إن شاء الله، بين فيها كذلك أن السنة في لفظ الصحابة تدل على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا قال صحابي: "أمرنا بكذا" أو "نهينا عن كذا"... الأخت بتسأل: ما معنى موقوف لكنه يأخذ حكم الرفع؟ كلمة موقوف يعني أنه من قول الصحابي، واضح؟ لكنه يأخذ حكم الرفع يعني كأنه مرفوع، يعني مثلا قال الصحابي: "من السنة مثلا صلاة ركعتين قبل الفجر"، خلاص؟ هذا من قول من؟ هذا قول الصحابي، ليس قول النبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل من السنة صلاة ركعتين قبل الفجر، لكن كلمة "من السنة" هنا وإن كانت من قول الصحابي لكنها تأخذ حكم الرفع وتدل على مشروعية صلاة السنة قبل الفجر، لماذا؟ لأن كلمة السنة تدل على سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
الحديث إذا كان من قول أو فعل الصحابي ثم جاءت قرينة أو علامة تدل أنه أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم أو أخذه من القرآن نصا فهذا يأخذ حكم الرفع، يعني كأنه حديث مرفوع من حيث الحجية، وإن كان من حيث الطريق كان موقوفا، لكنه من حيث الحجية يكون حجة في استنباط الأحكام. طيب، ذكر الشيخ أمثلة يمكن أن تراجعوها، وذكر اعتراضا ورده، اعتراض سهل.
قال: المسألة السادسة: طبعا يا شباب أنتم المفروض تقرؤوا... يعني بعد ما ناخد الدرس تقرؤوا القدر اللي إحنا أخذناه مرة ثانية؛ لأن الأشياء اللي أنا بفوتها بشرح فحواها، وأنا شرحتها قبل ذلك كثيرا، لكن نحن فقط نراجع ونعطي توطئة للطالب الجديد معنا، وبالتالي أنتم لازم تقرؤوا مرة أخرى هذا الكلام يا شباب، وإذا أشكل عليكم شيء يمكن أن تراجعوه معي إن شاء الله.
المسألة السادسة: الصحابي إذا حدث عن شيء مما كان منهم على حياة النبي صلى الله عليه وسلم لكن ليس فيه اطلاعه صلى الله عليه وسلم ولا إقراره، فهذا مما اختلفوا فيه. يعني عندنا يا شباب مسألة، وهي أن يحدث شيء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدخل تحته صورتان: الصورة الأولى ما اطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم فأنكره أو أقره، فهذا بحسبه؛ إن أنكره فخلاص هذا منكر، وإن أقره فهو من السنة، واضح يا شباب؟
يعني النبي صلى الله عليه وسلم أكل على مائدته الضب، هذا يؤكد أن الضب حلال، واضح؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع عليه. وبعض الصحابة مثلا قرأ أحدهم سورة الفاتحة على شخص يرقيه وأخذ جعلا، يعني أخذ أجرة، والنبي صلى الله عليه وسلم أقره، واضح؟ فهذه الأمور هي من السنة، يعني من السنة التقريرية. لكن الصورة الثانية أن يحدث شيء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا يأتينا خبر أنه اطلع عليه.
يعني لم يأتنا خبر أن النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك فأقره أو أنكره، هذا محل خلاف يا شباب. هنا مثال يا شباب وهو قصة عمرو بن سلمة الذي صلى بقومه وكان صغير السن.
طيب، نقرأ حديثه لأن حديثه جميل جدا يا شباب، أنا كنت هعديه، لكن الحديث ده من الأحاديث اللي أنا بحبها جدا، هي فيها ابتسامة كده، وفيها طرفة، وفيها قوة العزم، وفيها كذلك أن يقدم المتأهل وإن كان صغير السن. فخلينا نقرأ القصة الجميلة جدا يا شباب: قال: وهذا مثل ما جاء في قصة عمرو بن سلمة الجرمي حين حدث عن أبيه قال: جئتكم والله من عند النبي صلى الله عليه وسلم حقا، فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا. قال عمرو: فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني. الناس بيبصوا كده، هو جاء لهم بيقول لهم: يا جماعة، أنا جاي لكم من عند النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: وأنتم بتصلوا خلوا الإمام بتاعكم يكون أقرأكم قرآنا، فالجماعة بصوا كده في المسجد ملقوش حد عارف قرآن غيري، يعني أنا أقرأ الناس قرآنا.
قال: لما كنت أتلقى من الركبان فقدموني. يعني أنا كنت إيه... يعني هو الراجل عمرو بن سلمة هذا من الشرفاء، وده قصته إن شاء الله لما نيجي نتكلم عن سلسلة تعليم الأطفال أو بث العزم والإرادة في الأطفال لازم نصدر هذه القصة؛ لأن عمرو بن سلمة رضي الله عنه كان شريفا، كان صاحب عزم وإرادة، كان بيتلقى الركبان، أي حد جاي من ناحية النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: علمني علمني أنت اتعلمت إيه، واضح؟ لازم تربي في ولدك طلب العلم، طلب المعرفة، طلب الإرادة، حتى في الأبواب التي لا تحسنها أنت. يعني مثلا أنت ابنك بيحب مثلا الأجهزة وبيحب يعتني بالتركيب والتصليح والحاجات دي، افترض إنك أنت ما فيكش الموهبة دي، شجعه، شجعه على هذه الأمور قدر الإمكان.
طيب، نرجع تاني يا شباب للفكرة، نكمل الحديث: قال: فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة، ركز بقى، كنت إذا سجدت تقلصت عني، أول ما بيسجد كده الفانلة بتاعته بتترفع كده، تمام؟ وقالت امرأة في الحي، واحدة ست معدية كده لقت كده إيه حتة من ضهره باينة، فقالت: ألا تغطون عنا است قارئكم؟ اللي هي المؤخرة يعني، حديث جميل جدا والله، فاشتروا فقطعوا لي قميصا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص. يعني هو دخل يصلي بالناس، الست معدية كده لقيته وهو بيصلي ضهره باين وما ينفعش يكون إمام يعني، فقالت لهم: يا جماعة، طيب مادام الراجل ده الإمام بتاعكم هاتوا له يعني غطوه، يا إما تجيبوا له أي لبس حلو كده يلبسه عشان يغطي جسمه، فاشتروا له قميص، فبيقول: أنا بقى بعد الإسلام ما فرحتش بحاجة غير بالقميص ده. فرح الإنسان الطيب ربنا بيسعده بأقل الأشياء، والإنسان الذي لا يرضى لو جاءه كل شيء لا يرضى.
قال: فهذا الحديث دل عند طائفة من أهل العلم على صحة إمامة الصبي، وحقيقة الأمر أن صنيع القوم في تقديم عمرو مع صغره ليس في الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وعلم به فأقره، غير أن محقق القولين أن ما جاء من قول أو فعل عن أحد من الصحابة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فهو مرفوع حكما، ودليل يحتج به، وهو لاحق بالتشريع التقريري، وذلك من أجل أن الله تعالى مطلع والوحي ينزل، وكم نزل من القرآن في أشياء من أحوال الناس يومئذ لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يعلمها إلا حين ينزل الوحي بخصوصها.
يعني الشيخ يرجح أن كل ما حدث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حتى لو لم يطلع عليه، يعد سنة، طبعا من الأشياء اللي هي تخص الشرع؛ لأنه لو لم يكن كذلك لبلغ الله نبيه أو نزل قرآن يبين غلطه، طبعا يستدل على ذلك قصة مشهورة جدا وهي أن الصحابة كانوا يعني كثيرا يخافون، أو خلينا نقرأ: قال: ويشهد لهذا ما صح عن عبد الله بن عمر قال: كنا نتقي كثيرا من الكلام والانبساط إلى نسائنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن ينزل فينا القرآن، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلمنا.
هذه مهمة يا شباب، وهي فكرة أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعلمون أن القرآن ينزل في شأنهم ويبين بعض أخطائهم، والقرآن أطلع النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام على أخبار كثير من المنافقين: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ. وغير ذلك أيضا يا شباب مما يذكر كدليل لهذه الفكرة هي قول الصحابة: كنا نعزل والقرآن ينزل. العزل عن النساء معروف عند الجماع يعني، فكأنهم يقولون: لو كان العزل حراما لنزل قرآن ينهانا، أو لنهانا النبي صلى الله عليه وسلم، هذا أيضا يلحق بالأدلة على ما قاله الشيخ هنا.
قال: المسألة السابعة: حكم تفسير الصحابي للقرآن: إذا كان يتصل بسبب نزول فهو حديث مسند، وإن لم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم، من أجل أن النزول كان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. يعني الشيخ هنا يا شباب يقول: ما جاء عن الصحابي في سبب النزول، يعني إذا قال الصحابي نزلت هذه السورة في كذا، فهذا يدل على أنها تأخذ حكم الرفع، يعني إيه؟ يعني تكون حجة في إثبات ذلك سببا لنزول تلك الآية.
لكن هنا يا شباب ننبه على أمر مهم جدا: فرق بين النزول والتنزيل، يعني إيه؟ يعني فرق بين أن يقول الصحابي هذه الآية نزلت في كذا، هذا نص، أو يذكر الصحابي حديثا أو واقعة ثم يذكر بعدها آية معينة، هذا هو التنزيل. التنزيل يا شباب معناه أن هذا المعنى يدخل تحت الآية، لا أن الآية نزلت خاصة في هذا المعنى. يعني إيه يا شباب؟ يعني أحيانا تكون الآية نزلت خاصة في شيء معين، لكن يدخل تحتها صور أخرى، كما كان يقول الصحابي مثلا: يا رسول الله، هل هذه لي خاصة أم للناس عامة؟ قال: لا، هي لك خاصة وللناس عامة، الاثنين، هي نزلت فيك لكنها تعم كل من كان على مثل حالتك.
إذاً يا شباب، هناك أمثلة كثيرة جدا لا أريد أن أخرج عنها، إن شاء الله ندرسها حينما نقرأ في أصول التفسير، تجدونها موجودة في كتاب التحرير في أصول التفسير للشيخ مساعد الطيار حفظه الله، وهو يفرق بين سبب النزول وبين ما يدخل تحت الآية الذي يعني بمعنى التنزيل ما تتنزل الآية عليه.
طيب، المهم يا شباب أن تفسير الصحابي في الأصل هو من كلامه واجتهاده، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يأخذ حكم الرفع، وإن كان هو من الأمور التي يرجع إليها في التفسير، لا سيما إذا كان متخصصا في التفسير كعبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب، أو كان من أئمة الصحابة: أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، أو علي بن أبي طالب، أو غير هؤلاء. لكن يا شباب هذا الأصل فيه أنه اجتهاد وإن كان من أهم ما يرجع إليه، لكن إذا قال الصحابي: نزلت هذه الآية في كذا، فهو مما يدل على أنه يأخذ حكم الرفع، يعني يكون حجة.
المسألة الثامنة: الحديث القدسي. طيب يا شباب، نختصر الحديث القدسي حتى ندخل في الفصل الذي بعده. الحديث القدسي يا شباب هو وحي لكنه ليس قرآنا، لكن اختلف في لفظه: هل هو من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أم من كلام الله؟ مشكلة الخلاف هنا يا شباب أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله، فهذا واضح أنه قول الله تبارك وتعالى، لكن مع ذلك أراد بعض العلماء أن يميزه عن القرآن فقال: لا، المعنى من الله واللفظ من النبي صلى الله عليه وسلم.
المهم يا شباب هنا أن المحكم أن الحديث القدسي الصحيح هو من الوحي، الأمر الثاني أنه ليس قرآنا وأن لفظه لا يتعبد بتلاوته كالقرآن، واضح كده يا شباب؟ وغير ذلك من الفروق التي فرق بها العلماء. طبعا هناك أمثلة كثيرة للحديث القدسي: من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، أحاديث كثيرة جدا يمكن أن تراجعوها في كتب الأحاديث القدسية، وفي كتاب للشيخ مصطفى العدوي حفظه الله: صحيح الأحاديث القدسية.
تنبيه هنا يا شباب، تنبيهات، إحنا في صفحة ثمانية وثلاثين يا شباب: التنبيه الأول: قد تأتي صيغة الإضافة في الرواية غير صريحة، وذلك مثل ما رواه بعض الرواة من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رفعه: إن المؤمن عندي بمنزلة كل خير، يحمدني وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه. فكلمة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رفعه، يعني النبي صلى الله عليه وسلم رفعه إلى الله يعني، طبعا هذه أشياء نادرة جدا يا شباب، أنا أحب جدا يعني الشيخ جعلها تنبيها، جيد، لم يجعلها مسألة، فدي مش مشكلة.
قال: التنبيه الثاني: لكون الأحاديث القدسية منقولة بطريق الآحاد فإنها يعتريها ما يعتري سائر ألفاظ أحاديث الآحاد من أداء بعض الألفاظ بالمعنى، أو باختلاف يسير في اللفظ، وبزيادة بعض الرواة على بعض فيها، وليس ذلك بالكثير، يعني ممكن تروى بالمعنى.
التنبيه الثالث: يغلب على صفة الحديث القدسي التذكير والموعظة لا إثبات الأحكام، وإن كان ربما دل على الحكم. يعني يا شباب هو يقول الأغلب... واحد سأل سؤال: هل يمكن أن نقول ليس كل كلام الله قرآنا فإن الله يكلم ملائكته ويخلق الأشياء بكلمة كن؟ نعم، هذا صحيح، الأستاذ محمد، التنبيه هذا تنبيه جيد، أكيد طبعا معروف أن ليس كله، الله سبحانه وتعالى قال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، واضح؟ فحتى الوحي نفسه يكون بأكثر من لسان.
يعني مش بس أن كلام الله ليس محصورا في القرآن، لأ، ده كمان الله سبحانه وتعالى يتكلم بأكثر من لسان كما جاء في هذه الآية، واضح؟ يعني أنزل القرآن بلسان العرب وأنزل وحيا آخر بلسان الأقوام الأخرى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، وبالتالي الله سبحانه وتعالى كلم موسى ويكلم أهل الجنة ويكلم أهل النار وهكذا، أكيد كلام الله ليس محصورا في القرآن، لكن حتى لو قلنا إن كلام الله ليس محصورا في القرآن تبقى أيضا المسألة مختلفا فيها: هل هذا من كلام الله أم من كلام النبي صلى الله عليه وسلم؟ فالمسألة محل خلاف، لكن أنا لا أظن أنها يبنى عليها شيء، فسواء كان من كلام الله أو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهي حجة إن ثبتت.
ذكر هنا يا شباب أن الأحاديث القدسية يغلب عليها جانب التذكير والوعظ. هنا يا شباب مهم جدا أن نعرف أن الأحاديث القدسية، هو هيذكرها: التنبيه الرابع: الأحاديث القدسية الصحيحة ليست كثيرة، وصنف في جمعها مصنفات اشتملت على الصحيح والسقيم من جهة الإسناد، ولما كان بابها المواعظ كثر فيها الواهي والموضوع.
هذا التنبيه يا شباب مهم جدا، وهو أن كثيرا من الخطباء والوعاظ ومن يعظون الناس في المساجد عندهم مشكلة في التساهل جدا في الأحاديث القدسية، وكثير من هذه الأحاديث القدسية يكون موضوعا، يكون كذبا، حتى لو كان لفظه حسنا لا يصح أن تسنده إلى الله. نفرق هنا يا شباب بين أن يكون المعنى حسنا وبين أن يكون صحيح النسبة، فاهمين يا شباب؟ يعني أنا لو قلت لك: واحد زائد واحد يساوي اثنين، ده كلام صحيح، بس لو قلت لك: قال النبي صلى الله عليه وسلم واحد زائد واحد يساوي اثنين، هذا أنا صيرته حديثا، هذا ليس صحيحا يا شباب، فلابد إن كنت إماما أو خطيبا أو واعظا أو مدرسا أن تتثبت من الحديث، والأحاديث القدسية يكثر فيها جدا الأحاديث الموضوعة.
وأنا أتعجب جدا من شباب عندهم قدرة وطاقة، ويهتم أحدهم بتنميق العبارات والأبيات الشعرية وتقليد المشايخ والتأثير في الناس، ولا يكلف نفسه أن يراجع الحديث الذي يذكر به الناس، ويذكر كثيرا أحاديث باطلة موضوعة، وعنده في صحيح الحديث ما يغني عنه، لأ يا شباب، لابد من التحري، لابد من التحري.
ووالله والله يعني أنا أستغرب جدا من إنسان عنده القرآن، يعني إذا كان الشخص يفهم كتاب الله ودرس تفسيرا واحدا مختصرا لكتاب الله سينهل جملا ودلالات ومعاني تكفيه إلى أن يموت، لو عاش عشر مية ألف سنة مش هيكفي الموضوعات اللي ممكن يتكلم فيها من القرآن فقط، فلو أضفنا عليه السنة وأقوال الصحابة وأحوال الأئمة، والله ده يعني لو فضل يخطب، لو بيخطب سبع خطب في الأسبوع لن يوفي ذلك.
يعني والله أنا حينما أريد أن أكلم الناس، لما أذهب مثلا في أي بلد أو في أي مسجد لأعظ الناس، لا أعرف بما أعظهم من كثرة المعاني الموجودة عندي من الرصيد الكبير الموجود في القرآن والسنة، مش عارف أقول لهم إيه ولا إيه، يا ترى سأكلمهم عن آيات الأحكام وحكم الله في التشريع التي جاءت في سورة النور أو سورة الحجرات أو سورة النساء أو غيرها؟ أم أكلمهم عن قصص الأنبياء؟ شوف بقى كم قصة! أكلمهم عن الابتلاء في حياة الأنبياء؟ عن رحمة الله بخلقه؟ أكلمهم عن نعمة التشريع ونعمة الوحي؟ أكلمهم عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم؟ عن قصص النبي صلى الله عليه وسلم؟ عن أقوال الصحابة التأسيسية التي تعد قواعد؟ أكلمهم عن ماذا؟ أكلمهم عن أمهات المؤمنين؟ أكلمهم عن جهاد النبي صلى الله عليه وسلم وصبره؟ أكلمهم عن ماذا في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم؟ أكلمهم عن قصص السنة؟
يا شباب، عندك رصيد كبير جدا تنوع فيه كما شئت، وعندك فيه أجود الأدلة وأصح الأدلة وأجمل المعاني وأجمل الألفاظ، فكيف بعد ذلك لا تكلف نفسك، ثم تسمع خطبة لفلان أو فلان تكتبها وتتلوها وأنت لا تعرف من أين جاء بهذه العبارة أو من أين جاء بالحديث؟ لماذا يا شباب؟ يعني أنا أستغرب من شخص يستطيع الكمال ويقصر عنه، لازم تعرف إن الكلمة مسؤولية، حينما تعد كلامك وتجتهد في تحضيره هذا فضلا عن كونه ثوابا هذا يظهر أثره في الدرس. ما أنت ممكن من غير ما تحضر درس تقول أي كلام، لكن لا يكون مرتبا ولا يكون ممتعا ولا أن تكون الأدلة فيه صحيحة، لأ، ده أنت عندك الوحي: القرآن والسنة وما جاء عن الصحابة الكرام، يعني بحر تغرف منه ما تشاء.
أنا مش عارف والله، ناس كتيرة بقى له ثلاثين سنة مبيتكلمش غير عن حديثين ثلاثة وآيتين ثلاثة، يا عم الحاج ده القرآن ده كنز! أنت والله لو مسكت جزء عم فقط تستخرج منه معاني ممكن تكفيك ألف خطبة، ده لو أنت أصلا تطلب الفقه في الدين، إنما تقعد تجيب كلمة من هنا على كلمة من هنا على كلمة من خطبة على بيت شعر وتلفق ده مع بعض وتطلع تقول للناس أي حاجة، لا يا شباب، لابد أن يكون درسك نوعيا، وأن تكون خطبتك نوعية، وأن تكون موعظتك مؤثرة، لن تكون مؤثرة حقا إلا إن كانت بالوحي: قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ، فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ، كذلك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، أحسن ما يكون في طريق الوعظ.
اجتهد واتعب، لا يحملك، ركز بقى: لا يحملك ضعف المتلقي على ضعف التحضير، لا يحملك ضعف المتلقي على ضعف التحضير، ليه؟ لأن دورك أن ترتقي بالمتلقي لا أن تنزل إليه، افهم ده كويس، فاهم؟ اتعب وحضر واجتهد ولا تكسل في انتقاء أجمل المعاني، أنت ليه دايما مبتخطبش غير عن بر الوالدين وعن الذنب وعن النار؟ طب ما تخطب يا أخي عن رحمة الله في التشريع وحكمته في التشريع، اخطب عن مكانة العقل في الإسلام، اخطب عن ابتلاء سيدنا أيوب وكيف تفاعل معه، اخطب عن التشويق إلى الجنة، اخطب عن صحابي من الصحابة جاهد في سبيل الله، عندك كتير كتير جدا، ليه أنت حاصر نفسك في كم موضوع وكم دليل وكم آية؟ اختر الأدلة الجديدة حتى تكون جديدة على ذهن السامع، واضح؟ واجعل خطبتك فيها بركة من كلام الله وكلام النبي صلى الله عليه وسلم. إن شاء الله ممكن يكون لنا درس كده عن تحضير خطبة الجمعة أو تحضير الموعظة، يفيد بعضنا بعضا فيه إن شاء الله.
طيب، الحديث الموقوف خلاص، الحديث الموقوف يا شباب هو ما جاء من قول الصحابي الكريم من قوله أو فعله أو تقريره أو صفته، يسمى موقوفا ويسمى أثرا. الحديث المقطوع هو ما أضيف إلى التابعي من كلامه أو قوله أو فعله، ويسمى أثرا وربما يسمى منقطعا، يعني يمكن أن يسمى منقطعا يا شباب، كما قيل في مدح ابن أبي شيبة، اللي هو صاحب المصنف أبو بكر بن أبي شيبة، بأنه أعلم أهل زمانه بالمنقطعات، يعني بالآثار، الآثار عن الصحابة والتابعين.
في مسائل هنا: المسألة الأولى: قد نجد القول يؤثر عن التابعي مسندا إليه لا يتجاوزه، وتراه يروى من طريقه تارة عن صحابي موقوفا أو يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا، وتارة يروى عن ذلك التابعي قوله، ويرويه غيره بإسناد موقوفا على صحابي، أو موقوفا على النبي صلى الله عليه وسلم، فما لم تقم الحجة في ذلك على خطأ راو فيه، فالوجه فيه أن التابعي حين حدث به من قوله فهو استشهاد منه بما انتهت إليه الرواية فيه عمن قبله، وهو مقطوع لما حدث به من قوله، وموقوف أو مرفوع من الوجه الذي انتهى إلى الصحابي أو إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا أمثلة.
طب نشرح الصورة يا شباب. جميل جدا من الشباب الطلاب الذين معنا أنهم يعلقون إما بفوائد زائدة أو بانتخاب الجمل المركزية في الدرس وكتابتها، هذا مفيد جدا، وهذا من التفاعل يا شباب، إن شاء الله هيجي لنا درس نتكلم فيه عن كيف يتحول الطالب أثناء حضور المحاضرة أو الدرس إلى منتج وفعال ولا يكون مجرد مستهلك، يعني مستمع أو متلقي، جزاكم الله خيرا على هذه التعليقات.
المسألة التي نتكلم فيها يا شباب هنا تخص أن راويا من التابعين يؤثر عنه رواية من كلامه، ومن طريق آخر يسندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى الصحابي، كيف نتعامل مع تلك الرواية يا شباب؟ نختبر الإسناد إلى هذا التابعي، فإن كان الإسناد صحيحا في كل الروايات عنه، فتكون هذه الرواية مرة مرفوعة، ومرة موقوفة، ومرة من كلام التابعي. كيف يتكلم التابعي بكلام النبي صلى الله عليه وسلم ولا يسنده إليه؟ كما نتكلم نحن يا شباب، نحن مثلا أحيانا نذكر شخصا فنقول: يا فلان اتق الله، إنما الأعمال بالنيات، أو مثلا: يا فلان احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، فأحيانا نذكر كلام النبي صلى الله عليه وسلم دون أن نسنده إليه. فهو يقول لك هنا: إذا ثبتت صحة الروايات جميعا عن التابعي فجميعها صحيح، مرة رواها من قوله، ومرة من قول الصحابي، ومرة من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر لك مثالا.
قال: المسألة الثانية، نحن في صفحة واحد وأربعين يا شباب، قال: ربما وجدت في كلام أهل الحديث يقولون وقفه فلان على عطاء، يستخدمون الفعل من الموقوف، مع أن عطاء تابعي وهو ابن أبي رباح. يعني يقول إن الوقف أحيانا يسند إلى التابعي، يقولون: موقوف على عطاء، موقوف على الزهري، وقفه على سعيد بن المسيب، فهذا مع التقييد ليس فيه مشكلة، وإن كان كلمة موقوف الأشهر أنها تكون موقوفة على الصحابي.
المسألة الثالثة وهي الأخيرة في درس اليوم يا شباب؛ لأن إحنا قلنا لا نريد أن نزيد على ساعة ونصف إن شاء الله حتى لا يمل الشباب، قال: المسألة الثالثة: قول التابعي من السنة كذا اختلفوا فيه، فمنهم من قال هو مرفوع مرسل، وذلك على اعتبار أنه يريد بالسنة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال هو مقطوع، من أجل أن التابعي عنى به سنة أهل البلد، والذي أراه في ذلك تفصيلا: فإذا وجدنا التابعي قال ذلك فيما هو معروف من سنة النبي صلى الله عليه وسلم من وجه صالح، قلنا في خبره ذلك هو مرسل، وأراد بالسنة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا وجدناه أطلق ذلك الوصف على ما لم نجد له في المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يجعله منها، قلنا: هو قوله، أراد به سنة أهل البلد، وما رأى عليه الناس.
ما هي صورة هذه المسألة يا شباب؟ نحن اتفقنا... أول ما قلت لكم الدرس هيخلص دلوقتي لقيت فيه ناس بيعملوا إعجاب قد كده، أنتم عايزين الدرس يخلص؟! ده أنا عايز... ده أنا بعد كده إن شاء الله هعمل لكم درس يكون عشر ساعات! أنا عملت لكم قبل كده درس قعد معانا خمس ساعات إلا ربع، يعني لما كنا بننهي تقريبا كتاب لغة المحدث عملنا درس أربع ساعات وربع، ولما كنا بننهي كتاب العبودية أيضا عملنا درس تقريبا أربع ساعات ونصف، إن شاء الله في مرة هعمل لكم درس عشر ساعات عشان تتعودوا على الدروس دي بإذن الله.
صورة المسألة هنا يا شباب أن عندنا تابعي قال: من السنة كذا، إحنا اتفقنا لو أن الصحابي قال: من السنة كذا فهذا حديث مرفوع؛ لأنه يقصد سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هل إذا قال التابعي: من السنة كذا نجعله حديثا مرسلا باعتبار أنه أسند أو جعله من سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ في هذا نظر، نحتاج أن يكون هناك مستند من السنة الصحيحة تدل على أن هذا المعنى الذي قيل إنه من السنة أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيكون حينها الحديث عن التابعي مرسلا، يعني كأن يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا، فيكون حكمه حكم المرسل، أما إذا لم نجد مستندا منقولا عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى الذي قيل فيه إنه سنة، فكأن ذلك التابعي أراد به سنة أهل زمانه ولم يقصد بها سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
فيمكن أن نكتفي على هذا القدر يا شباب، وإن شاء الله نحاول أن نأخذ ساعة ونصف حتى لا يمل الشباب. لكن يا شباب لازم تقرأ الكتاب من أوله مرة ثانية لو سمحت، قلت لك قبل ذلك: من الخطأ الكبير أن ترى نفسك دائما مضطرا للبدء من الصفر، دايما تريد أن تبدأ من الصفر، تأخذ كتابا وتفهمه جيدا ثم بعد ذلك تتركه.
الأخت بتقترح إن النساء يعملن جروبا يعني اللي هو زي مثلا مجموعة ويلخصن فيها الفوائد، فكرة جميلة جدا، أن يكون مجموعة مثلا للنساء ومجموعة للشباب، كما تحبون، هذا ممتاز جدا. المدارسة الجماعية يا شباب دائما ما أوصي بها، وأنا قلت لكم تسعين بالمئة، أو خليني لا أبالغ: سبعين بالمئة مما كونت به نفسي هو أن أذاكر وأتدارس العلم مع إخواني، ولم أشترط أبدا أن يكونوا نابغين، أبدا، وإنما أشترط فقط أن يكونوا محترمين طيبين ديّنين، حتى لو كانوا أقل مستوى ليس هناك مشكلة، التكامل بين طلاب العلم هذا مهم جدا.
يبقى يا شباب لابد من قراءة الكتاب واستخراج الفوائد، ولو عندك إشكال اكتبه، وإن شاء الله نسير على هذه الطريقة، إذا كان هناك أمر سهل نلخصه، يعني بحيث إن إحنا كل درس مثلا ناخد ثلاثين صفحة أو خمسين صفحة. الله سبحانه وتعالى يعيننا أن ننهي هذا الكتاب حتى ندخل في قراءة كلام الأئمة، ستستمتعون جدا جدا جدا يا شباب إن شاء الله حينما نقرأ كتاب الرسالة، وكتاب التمييز لمسلم، ومقدمة مسلم، وشرح علل الترمذي، ورسالة أبي داود لأهل مكة، ونقرأ مقدمات الكتب، ونقرأ الجامع الصحيح للإمام البخاري، والله ستستمتعون جدا إن شاء الله، وستشعرون أنكم لا تريدون الانتقال عن هذا العلم.
يعني هذا العلم يا شباب، يعني أنا دخلت في علوم كثيرة جدا لكن دائما يكون الدخول مع هذا العلم، يعني أدخل إلى العقيدة مع هذا العلم، إلى أصول الفقه مع هذا العلم، مع أصول التفسير مع هذا العلم. هذا يا شباب يعني أنا أغصب نفسي في مذاكرة غيره، يعني أنا وأنا بذاكر هذا العلم لما أحب أن أنتقل لغيره بيبقى بصعوبة علي؛ لأنه شيق جدا، لكن يحتاج دائما أن تدرسه بشكل عملي تطبيقي حتى تشعر بمتعته.
ممكن ناخد يا شباب واجب بعد إذنكم من هذا الدرس، نحاول ناخد واجب: كل يوم نقرأ خمس دقائق فقط في الجامع الصحيح للإمام البخاري، خمس دقائق فقط. أنا لما كنت زمان بقول لأصحابي: نقرأ خمس دقائق في البخاري، ونصلي بالليل أربع ركعات فقط ومثلا بربعين فقط من القرآن، ونواظب في اليوم على نصف ساعة قرآن، كان صحابي كتير يقولوا: لا يا شيخ متقولناش كده، قل لنا نقرأ عشر ساعات عشرين... قلت له: لأ، أنا دايما أحب أدومه وإن قل، الإنسان يصلحه القليل الدائم.
أنا شخصيا لما بقعد أذاكر الحمد لله بقعد أذاكر ساعات طويلة جدا، لكن لما بكلف الناس أحاول أكلفهم بأشياء قليلة حتى يستمروا عليها، واضح؟ حتى تتعود نفسه على المثابرة؛ لأن طلب العلم ده يأتي شيئا فشيئا يا شباب. يعني طلب العلم أنت... أنا رحت مثلا لشباب دورة في بعض البلدان وقلت لهم: الدورة هتكون عشر ساعات في اليوم، قالوا لي: مستحيل، إحنا مبنقدرش نقعد أكتر من نص ساعة، قلت لهم: طيب، أنا قاعد معكم أسبوع، هنشوف هنشوف وأنتم اللي هتطلبوا.
أول يوم يا شباب أخدنا حوالي أربع ساعات، هم كانوا بيقولوا نص ساعة، أخدنا أربع ساعات، قلت لهم: تعبتوا؟ قالوا: شوية، قلت لهم: طيب، كفاية كده. تاني يوم والله يا شباب ست ساعات، اليوم التالت لحد آخر أسبوع والله الذي لا إله إلا هو كل يوم تلاتاشر ساعة! درس تلات ساعات وياخدوا راحة ربع ساعة، تلات ساعات وراحة ربع ساعة، وإن شاء الله عندي دورة بإذن الله في أوسلو.
يوم السبت القادم هتكون أسبوع، دورة جميلة جدًّا هتكون مركزية لطالب العلم: كيف ينتقل من الثقافة إلى التأصيل؟ إن شاء الله هحاول أسجلها لكم بإذن الله، هيكون في آخرها قراءة كتاب الرسالة.
الدورة دي يا شباب البرنامج تبعها هيحضر فيها إن شاء الله الجالية المسلمة هناك، ربنا يفتح علينا ويوفقنا ويسددنا. البرنامج محطوط يا شباب إن الدورة تكون تسع ساعات كل يوم، آآ يعني بعد كل ساعتين راحة ربع ساعة تقريبًا. لكن أنا متأكد إن شاء الله، يعني أنا كتبت لهم في الجدول، لكن أنا متأكد إن شاء الله إن أقل يوم هيكون فيه اتناشر ساعة، ليه يا شباب؟ لأن نفسك على ما تعودها، نفسك مثل دابتك، إن رأت منك الجد جدت.
أنت مش أحيانًا تكون بتعمل حاجة وتنشغل بها عن الأكل والشرب وحتى الحمام وعن أي شيء؟ ممكن تكون قاعد بتتفرج على الماتش مثلًا، ممكن بعض بس اللي هم بيتفرجوا عندهم هواية للماتش، وأنا ما عنديش خلق أبدًا أقعد قدام مباراة كورة، يعني أنا بستغرب الناس اللي بيقعدوا، أنا ما أقدرش أقعد، أنا ممكن أتفرج على الأهداف بالعافية، مثلًا دقيقة، لو أخد أكتر من دقيقة ما بقدرش، تمام؟
ممكن شخص تلاقيه قاعد قدام فيلم، قاعد بالعشر ساعات ومش قادر يقوم، آآ ليه؟ لأن الحب والرغبة عنده هي اللي مقعداه، ولا مفكر في أكل ولا في نوم ولا في أي شيء. هكذا يا شباب، الإنسان على قدر استمتاعه بالشيء ويقينه بقيمة ما يفعل يصبر. ولذلك يا شباب، اصبروا واستعينوا بالله، وخذ نفسك إلى معالي الأمور. ليس كل ما هو ممتع نافعًا، وليس كل ما هو نافع لك ممتعًا، خلاص كده؟
آه وممكن تستمتع بشيء ويكون شيء تافه فارغ، وممكن تغصب نفسك على شيء يكون فيه خير الدنيا والآخرة. اصبر واتعب واجتهد، وربنا سبحانه وتعالى هيبارك في تعبك. واستحضر معاني العبودية وأنت جالس لما تتعب كده وأنت بتتعلم القرآن، تقرأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، بتذاكر، افتكر دائمًا حاجتين: أول حاجة: وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، أنت بتتعب لنفسك، ده أول معنى، إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا.
طب بقى، ما هو المعنى الثاني يا شباب؟ أن تستحضر فضل الله عليك، ربنا اختارك يا أخي، فيه ناس بترقص، وفيه ناس بتغني، وفيه ناس صايعة، وفيه ناس بايظة قاعدة في المقاهي، وناس بتغتاب، وأنت ربنا سبحانه وتعالى اختارك فأنت عشان تقرأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، تقرأ القرآن، تتعلم السنة، مدرس تعظ الناس، والله العظيم هذا المعنى كفيل بأن تذوب نفسك حبًّا في الله، وأن تغصب نفسك على أن تجتهد. والله المعنى ده أنا ما فيش معنى بيفلح معي لما بتعب غير المعنى ده، إن أنا باقول: ياه! ده ربنا أكرمني إنه مخليني قاعد على الكتاب، ده أنا يا رب الحمد لله، يا رب أدمها علي نعمة، فأنت قاعد لنفسك أولًا، ومع ذلك هذا فضل من الله.
إذا أردت أن تعرف عند الله مقامك، فانظر فيم أقامك، انظر بما يشغلك يا شباب. قبل ما تنام بالليل كده عايز تعرف قيمتك عند ربنا، شف يومك مضى إزاي، شوف الوقت بتاعك عدى إزاي، قضيته في إيه؟ أفضل نعمة من الله على عبده أن يشغله بما يحبه، بس حط تحت دي بقى مية خط. عايز تعرف قدرك عند ربنا، شف ربنا بيشغلك بإيه، ربنا بيشغلك بأداء الفرائض، وقراءة القرآن، ونصيحة الناس، وتعليم الناس، وتربية أبنائك، واحترام آآ أهل بيتك، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل والشغل عشان تكسب من الحلال، ها، هذا هو الكلام.
إنما ربنا بيشغلك بإيه؟ ما هو فيه واحد يقول لي: يا شيخ، طب ما هو مباح إن أنا أتفرج على الكورة. ماشي، مباح يا عم الحاج، بس لما يومك تقضي منه ساعة ونصف كورة، ونصف ساعة تحليل المباراة؛ تحليل دم وتحليل حاجات تانية مش عايز أقولها، ليه؟ وعمال تضيع وقتك في كلام فارغ، واللعيب الفلاني اشتراه النادي الفلاني، والممثل الفلاني عمل فيلم بالتمن الفلاني. فارغ يا شباب، تافه! وهل معنى إن الشيء مباح -على فرض إنه مباح يعني، وأكثره لا يكون مباحًا، بل أكثره حرام، وأكثره مكروه، وأكثره يجعلك تفرط، ولا تخشع في الصلاة، وتدخل في خصومات تافهة وفارغة- على فرض يا شباب إن كل ده مباح، مش هدخل في جدليته هو مباح ولا لأ، أترضى أن يمضي عمرك فيما لا ينفعك في دينك ولا دنياك؟!
اللعيب الفلاني اشترى النادي الفلاني بكذا، واللعيب الفلاني بعد ما جاب الجون سجد، واللعيب الفلاني أدى فانلته لواحد، شفت طيبته، شفت قلبه، اللعيب الفلاني اتبرع لمعهد السرطان؛ يا عم جزاه الله خيرًا، الله يكرمه ويصلح حاله ويهديه للخير، أنت مالك؟! أنت مالك يعني؟! أنت لماذا تشغل نفسك بما لا يعنيك يا شباب؟! كل من اشتغل بما لا يعنيه لا بد أن يفرط فيما يعنيه، معروفة، لا ينشغل الإنسان بما لا يعنيه إلا لتفريطه فيما يعنيه. والذي يجعلك تشتغل بما لا يعنيه الفراغ، قاعد فاضي، ضع لنفسك جدولًا من العمل والاجتهاد.
حط لنفسك يا أخي جدول، لازم الصلوات كلها في المسجد، أحافظ على السنن، التمرين، اللياقة البدنية. لازم دائمًا تأخذ أهل بيتك معك في النشاط والاجتهاد، لازم يكون البيت كله شعلة نشاط، تلاوة القرآن دائمًا، القرآن يكون شغال في البيت، إما بتتلوه أنت أو بيستمع في البيت، يكون فيه قراءة، كل واحد في البيت قاعد، الأولاد إما بيلعبوا ألعاب ذكاء، أو يقرؤوا، أو بيحفظوا، أو بيتعلموا، أو بيمارسوا الرياضة، آآ الست كذلك بتطبخ تسمع قرآن، تسمع درس، زوجها كذلك، لو حتى أنت بتساعد أختك في البيت اسمع درس أنت وهي، اتكلموا وأنتم قاعدين على الأكل، اتكلموا في حديث، في آية، في قصة صحابي.
لازم تحول بيتك لبيت خير: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ. شف البيت الجميل ده، بيت سيدنا يحيى وسيدنا زكريا، بيت في منتهى الجمال، زي الفل، منور، ليه؟ كله خيرات، واحد قاعد بيحفظ، والتاني بيقرأ، والتاني بيتعلم، والتالت بيراجع قرآن، والتانية بتطبخ وبتسمع درس، قاعدين على الأكل بيتكلموا في حاجة جميلة، أو بيلعبوا مع بعض أي لعبة ذكاء، أو جميل.
لا بد يا شباب أن تجتهدوا في أن ترفع مستواك، أن تنمي في نفسك العزم والإرادة والتصميم، ما تبقاش كسلان كده وتنام براحتك في أي وقت، لأ ما فيش الكلام ده، ما فيش إنسان يعلم قيمة الحياة وينام براحته ويصحى براحته، ومثلًا ممكن يضرب بعد الفجر خمس ست سبع ساعات، ده كلام فارغ، نام بدري واصحى بدري واتمرن، حافظ على ورد القرآن، حافظ على الصلاة في المساجد، على السنن، خليك شعلة نشاط وخليك تيار خير، خذ كل من يخالطونك إلى الخير الذي يناسبهم، مش لازم كلهم يطلبوا علم، عادي ممكن واحد تكون زوجته ما لهاش في قصة طلب العلم، خلاص، يكلفها من الأعمال ما تحب، خليها مثلًا تهتم بالقرآن، خليها تهتم بالقصص، خليها تسمع دروس. فيه واحد يقول لي: أنا ما أقدرش أقرأ، اسمع، خلاص كده؟ ما بقاش عندي خلق للسماع، اتفرج على حلقة يكون فيها آآ فوائد علمية، وهكذا يا شباب.
اجتهدوا يا شباب، وخذوا أهلكم وأبناءكم، فوالله هذه الدنيا لا يصلح فيها إلا العمل الصالح، ولن يسعد الإنسان في الدنيا قبل الآخرة إلا بقدر عمله الصالح: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. حط دي بقى، شف هتجتهد في العمل الصالح يفتح الله عليك أبواب الخير، ومع ذلك خذ بالأسباب، وخير ما تنشغل به ما فرضه الله عليك، وهو الصلوات الخمس وكل الفرائض، هي دي.
واستحضر معاني العبودية وأنت تطلب العلم، هذه المعاني والله هي بلسم الحياة، إذا لم تستحضر معاني العبودية في طلب العلم فأنا أقول لك: اترك هذا الطلب، ليه؟ سيكون ثقيلًا عليك كالجبل، أنت دلوقتي لما بتروح الجيمانيزيوم، الجيم، وتقعد تتمرن بتحس إنك تعبان، إيه اللي بيخليك تصبر؟ إنك متخيل شكلك بعد التمرين؛ جسمك هيكون شكله حلو ومتناسق، عندك عضلات، أو مثلًا يخف وزنك، فبتصبر. إذا لم يستحضر الإنسان شرف ما يطلب لن يهون عليه ما يبذل.
خلاص، مش عايز أطول عليكم أكتر من كده بقى يا شباب، جزاكم الله خيرًا وبارك الله فيكم، ومش عارف إيه اللي خلانا ندخل في الموضوع ده بس إيه لعله خير إن شاء الله. جزاكم الله خيرًا وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إن شاء الله قريبًا أضع لكم رابط درس كنت سجلته، طلبه مني آآ بعض القائمين على المعاهد، هو درس عن معوقات الشروع في طلب العلم، والأسباب التي تصد الطالب عن الاستمرار، ومعوقات النبوغ: لماذا ندرس ولا نكون نابغين؟ ذكرت تقريبًا أربعين أو خمسة وثلاثين معوق، تجدونها إن شاء الله في ساعتين مسجلتين، إن شاء الله خلال أيام أنزلها لكم إن شاء الله، هو درس صوتي.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا في مرضاته، وأن يسهل علينا العمل الصالح وأن يهونه علينا، وأن يجعل فرحنا وقرة أعيننا العمل الصالح، وأن يكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وأن يجعلنا من الراشدين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق