السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. صباح الخير يا شباب، موعدنا إن شاء الله تبارك وتعالى مع الدرس الثلاثين من قراءتنا لكتاب تحرير علوم الحديث لعبد الله بن يوسف الجديع، وقد وصلنا إلى الحديث عن جملة من أنواع ما يدخل تحت علم علل الحديث.
وصلنا إلى الحديث عن زيادة الثقة، وقلنا إن صورة زيادة الثقة أن جماعة من الرواة يشتركون في الرواية عن شيخ، ثم يزيد بعضهم زيادة في الإسناد أو في المتن، فما حكم هذه الزيادة؟ طبعاً البحث هنا عن الثقة. قال الأصل الثاني صفحة ستمائة وأربعة وثمانين: ما هو محل للتعليل من صور زيادات الثقات؟ زيادة الوصل في محل الإرسال، أو الراوي في محل العنعنة، أو زيادة الرفع في محل الوقف، أو الزيادة في متن الحديث، قال: وليس منه المزيد في متصل الأسانيد، ولا زيادة التحديث في موضع العنعنة. هذا لا أثر له فيما يأتي من الخلاف. يعني هنا هو يقول حينما يشترك جماعة من الثقات بالرواية عن شيخ ما، فبعضهم قد يزيد، ما هي الزيادة التي ينبغي أن نتوقف معها وأن نحللها، وأن نبحث هل هي صحيحة أم لا؟
النوع الأول من هذه الزيادات: أن يكون الثقات قد رووا هذه الرواية مرسلة، ثم هو رواها متصلة، يعني مثلاً يكون الرواة رووا الحديث عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو يقول: عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا هو زاد عليهم، هم أرسلوا وهو وصل. أو مثلاً حينما يروون بالعنعنة؛ مثلاً الرواة يروون الحديث عن حميد عن أنس بن مالك، وهو يرويه الراوي عن حميد عن ثابت عن أنس بن مالك. يبقى الفرق إيه؟ أن بعض الرواة جعلوا الحديث من حديث قتادة عن أنس مباشرة، وبعضهم جعله من حديث قتادة عن ثابت عن أنس. هذا أيضاً موضع يحتاج أن نعرف هل يمكن أن نقبل الروايتين؟ أم لا بد أن نرجح بينهما؟ أيضاً كذلك إذا روى بعض الرواة الحديث مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم جعله موقوفاً على الصحابي، أو زاد في متن الحديث. يبقى دي كده أنواع العلل التي ينبغي أن نبحث فيها هل نقبلها جميعاً أو نرد بعض طرقها.
بيقول: وليس منه المزيد في متصل الأسانيد. يعني إيه المزيد في متصل الأسانيد يا شباب؟ يعني يكون الحديث صالحاً، يعني يكون الحديث متصلاً سواء بهذه الزيادة أو بغير هذه الزيادة، مثلاً حديث يرويه يحيى القطان عن الأعمش، وفي رواية أخرى يرويه يحيى القطان عن الثوري عن الأعمش، كده كده الرواية متصلة سواء بوجود الثوري أو بعدم وجوده، ودي تكلمنا عنها قبل ذلك. قال: ولا زيادة التحديث في موضع العنعنة، يعني بعض الرواة يكون روى الحديث بالعنعنة، وبعضهم روى الرواية ولكن بلفظ حدثنا أو أخبرنا، واضح؟ فهذا لا أثر له في الخلاف، يعني هذا مما تجمع فيه بين الروايتين، ولا مشكلة فيه.
قال: ونقسم الكلام في الزيادة في حكم زيادة الثقة عند أهل العلم إلى قسمين. القسم الأول: زيادة الثقة في الإسناد، الوصل أو الرفع أو راوياً في محل العنعنة، دي الأنواع الثلاثة يا شباب: الوصل أن يكون الحديث مرسلاً أو منقطعاً والراوي يسنده يعني يرويه متصلاً، والرفع أن يكون الحديث موقوفاً والراوي يجعله مرفوعاً، أو زيادة الراوي في محل العنعنة أن تكون الرواية بين الراوي ومن روى عنه بالعنعنة، ثم يدخل بينهما راوياً آخر. قال: بين أهل العلم في هذا اختلاف حصره الخطيب في المذاهب الأربعة التالية. المذهب الأول: عدم قبول الزيادة والحكم لتاركها، حكاه عن أكثر أهل الحديث. يعني هو بيقول إن المذهب الأول حينما نجد هذه الزيادة من الثقة أننا لا نقبل هذه الزيادة، نصحح رواية من لم يزد، يعني الراوي الذي زاد في الرواية ما لم يروه الثقات لا نقبل زيادته، ونصحح الرواية بدون الزيادة، وهو بيقول حكى هذا عن أكثر أهل الحديث الخطيب البغدادي.
قال المذهب الثاني: الترجيح بالعدد، فإن كان التارك أكثر القول قوله، وكذلك العكس. يعني الأمر الثاني أننا لا نقبل ولا نرد، وإنما ننظر في عدد الرواة، فإن كان أكثر الرواة قبلوا الزيادة حكمنا بقبولها، وإن كان أكثر الرواة لم يرووا هذه الزيادة فإننا نحكم بعدم الزيادة. قال الزيلعي: إن جماعة من الحنفية لا يرون الترجيح بكثرة الرواة، وهو قول ضعيف لبعد احتمال الغلط على العدد الأكثر، ولهذا جعلت الشهادة على الزنا أربعة لأنه أكبر الحدود، وقال: وإنما يرجح بكثرة الرواة إذا كانت الرواة محتجاً بهم في الطريقين. يعني هو بيقول هنا أن هذا مذهب صحيح، أننا إذا وجدنا اختلافاً في الرواية فإننا نقدم العدد الأكثر، نشوف العدد الأكثر ماذا قالوا ونحن به رواية. طبعاً هو هنا بيتكلم عن فكرة الكثرة والقلة حينما يكون الرواة جميعاً ثقات أو على الأقل في حيز القبول.
قال المذهب الثالث: الترجيح بالحفظ، فإن كان التارك أحفظ فقوله أرجح، وكذلك العكس، وهذه طريقة الدارقطني مع إقراره بمبدأ الزيادة من الثقة مقبولة لكنه لا يرجح به، إنما يرجح بالأحفظ. وقد سئل عن حديث اختلف فيه مطرف بن طريف وسفيان الثوري، رواه جميعاً عن زيد العمي عن أبي الصديق الناجي عن ابن عمر، فزاد مطرف عن عمر، فأجاب بأن ثلاثة رووا عن مطرف، اتفقوا ثقتان على روايته عنه بزيادة عمر، ورواه عنه شريك القاضي ولم يذكر عمر، ثم قال الدارقطني: مطرف من الأثبات، قد اتفق عنه رجلان ثقات فأسنداه عن عمر، ولولا أن الثوري خالفه فرواه عن زيد العمي فلم يذكر فيه عمر، لكان القول قول من أسند عن عمر لأنه زاد وزيادة الثقة مقبولة. طبعاً إن شاء الله سيأتي بعد ذلك أن كل هذا الكلام لا يصح أن يؤخذ منه قاعدة كلية، وأن الناقد من أئمة المتقدمين كأبي حاتم الرازي أو أبي زرعة الرازي أو البخاري أو مسلم أو النسائي أو من جاء بعدهم حتى كالدارقطني، ليس عندهم قانون واحد في الحكم على زيادة الثقة، وإنما عندهم اعتبارات يعتبرونها جميعاً في الروايات، طبعاً هذه الاعتبارات منها العدد والثقة والأحفظ والقرائن التي تحتف بالرواية، فتجعلهم تميل قلوبهم إلى تصحيح بعض الروايات على بعض، أو الجمع وقبول كل الروايات، فبالتالي هنا لا يصح يا شباب أننا إذا وجدنا مثلاً الدارقطني في رواية معينة قدمها بناءً على أن فيها هم الأكثر، أن نجعل الدارقطني دائماً يقدم بالأكثر، أو لو مثلاً قدم في مرة أخرى بحسب الأحفظ فنقول إن الضابط عنده الأحفظ، أو مثلاً لو وجدناه قدم رواية فقال: الزيادة من الثقة مقبولة، نجعل هذا قانوناً أن الدارقطني يقبل كل الزيادات، هذا خطأ يا شباب، كل رواية لها حكم خاص.
قال: وسئل عن حديث رواه إسماعيل بن جعفر عن عمارة بن غزية عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبيه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل ما يقال عند الأذان، خالف ابن جعفر فيه إسماعيل بن عياش، فرواه عن عمارة عن خبيب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، كما خالفاه يحيى بن أيوب الغافقي فرواه عن عمارة عن خبيب موقوفاً، فقال الدارقطني: إسماعيل بن جعفر أحفظ من يحيى بن أيوب وإسماعيل بن عياش، وقد زاد عليهما وزيادة الثقة مقبولة. قلت: وهكذا رأيته فعل في مواضع، ثم الترجيح بالأحفظ هو القاعدة العامة التي جرى عليها الدارقطني في تعليله الأحاديث. يعني هو الشيخ هنا بيقول: أنا استقرأت علل الدارقطني فوجدت أنه دائماً يقدم الأحفظ حتى لو كان الذي خالفه أكثر، وهنا الدارقطني كأنه يميل إلى فكرة أن الأحفظ وكمان الأكثر اختصاصاً يا شباب، يعني أحياناً يكون الراوي له اختصاص بشيخه، مثلاً حماد بن سلمة له اختصاص بثابت البناني، مثلاً سعيد بن أبي عروبة له اختصاص بقتادة، مثلاً يحيى القطان أو عبد الرحمن بن مهدي له اختصاص بسفيان الثوري، فهكذا. فالنظر هنا ليس إلى مجرد الثقة العامة، وإنما النظر إلى قوة الراوي في من روى عنه، طيب يبقى هنا إيه؟ التقديم بالأحفظ.
قال المذهب الرابع: قبول الزيادة من العدل الضابط مطلقاً كان التارك لها واحداً أو أكثر مثله في الحفظ أو أحفظ منه. يبقى ده المذهب الرابع اللي هو بيقول إيه؟ إننا نقبل كل زيادة من كل ثقة. يعني نلاحظ يا شباب أن هو جعلها هنا أربع أقسام، اللي هو الأمور المحكية في هذا الأمر. طب ما هي صورة المسألة يا شباب قبل أن نتكلم في المسألة؟ محتاجين نعرف صورتها، صورة المسألة كما قلنا قبل ذلك، أن يشترك ثقات في الرواية عن شيخ ثم يزيد بعضهم زيادة لم يروها غيره من الثقات، الزيادة دي بقى ممكن تكون إيه يا شباب؟ الثقات رووا الحديث مرسلاً وهو جعله موصولاً، رووا الحديث موقوفاً وهو جعله مرفوعاً، الثقات رووا الحديث بالعنعنة وهو وضع رجلاً بين الراوي وشيخي يبقى زاد تمام كده، فماذا نفعل في هذه الزيادة؟ المذهب الأول للشيخ حكاه، اللي هو عدم قبول الزيادة، تمام؟ وهو بيقول هنا حكاه عن أكثر أهل الحديث، وهذه الحكاية في رأيي ضعيفة لا تثبت، ليس عند أكثر أهل الحديث هذا القانون أبداً، أنهم يجعلون كل زيادة مردودة، هذا ليس صحيحاً إلا أن يكون أدخل في أهل الحديث من ليسوا منه كالأصوليين والفقهاء وغير ذلك.
المذهب الثاني قال لك الترجيح بالعدد، يعني نشوف الأكثر من فيهم. والمذهب الثالث اللي هو حكاه عن الدارقطني أو أنه أغلب فعل الدارقطني، وهو النظر للأحفظ أو للراوي المختص في شيخه، والمذهب الأخير اللي هو قبول الزيادة مطلقاً. باختصار يا شباب أنا أقول لكم إن ليس عند المحدثين مذهب مضطرد، أنا أقصد هنا النقاد، نقاد المحدثين ليس عندهم مذهب مضطرد في الحكم على زيادة الراوي الثقة، ربما يكون الراوي ثقة في شيخ لكنه ضعيف في شيخ ما، وربما يكون الراوي ثقة لكن جاءت قرينة تثبت أنه أخطأ في تلك الرواية بعينها، وربما العكس، جاءت قرينة تثبت أنه اختص بهذه الرواية لمزيد علم فيها، أو أن الراوي الذي رواها على أكثر من وجه، يعني ممكن مثلاً الزهري يكون روى هذا الحديث بأكثر من صورة، رواه مرة موقوفاً ومرة مرفوعاً، رواه مرة مرسلاً ومرة موصولاً، واضح كده؟ وهذا له أمثلة كثيرة إن شاء الله سنأخذها في دراسة علم العلل.
قال المذهب الرابع: قبول الزيادة من العدل الضابط مطلقاً كان التارك لها واحداً أو أكثر مثله في الحفظ أو أحفظ منه. وهذا المذهب قال الخطيب هو الصحيح عندنا، لأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله ولا تكذيب له، ولعله أيضاً مسند عند الذين رووه مرسلاً أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسي لا يقضى له على الذاكر، وكذلك حال راوي الخبر إذا أرسله مرة ووصله أخرى، لا يضاعف ذلك أيضاً لأنه قد ينسى فيرسله، ثم يذكر بعده فيسنده، أو يفعل الأمرين معاً عن قصد منه لغرض له فيه. يعني هو بيقول إيه هنا يا شباب؟ عشان نفهم الكلام، الخطيب البغدادي رحمه الله طبعاً في كتابه اللي هو كتاب الكفاية في أصول علم الرواية، يجمع ما جاء قبله ويحاول أن يلخص رأيه في كل مسألة من المسائل، وهو هنا كان يتكلم عن حكم زيادة الثقة، فهو يرى أن الزيادة من الثقة لا بد أن تقبل، لأن الثقة حينما زاد هو لا يتهم الآخرين ولا يخالفهم، هو فقط زاد. فهو يرى أن عدداً من الرواة فعلاً في واقع الرواية ممكن هو نفسه يروي الحديث مرسلاً وبعدين يتذكر فيرويه مسنداً، أو أنه يروي الحديث مرسلاً يا شباب من باب الفتيا أو من باب يخطب في الناس مثلاً، فلا يسند الرواية، فيقول هنا لا يصح أن نحكم للناس أو لمن أرسل الحديث أو أوقفه لغرض ما، لا يصح أن نحكم له ولا نحكم للذاكر الذي تعمد أن يزيد في الرواية.
طبعاً كل هذا الكلام كلام عام. يعني لا يصح أبداً أن ننسب قول الخطيب هذا لعامة كلام النقاد، بل إن كثيراً -يعني كأن الخطيب هنا يقول يا شباب- بيقول إن كل زيادة زادها الثقة يقضى له بها، وده مش صح؛ لأن أحياناً الثقة هذا يهم في زيادته. فكأن الخطيب البغدادي رحمه الله هنا لم يبقِ احتمالاً لفكرة أن يكون الراوي وهِم أو أخطأ، وهذا ليس صحيحاً؛ لأن واقع الرواية يثبت أن كثيراً من الرواة أوهموا أو أخطأوا في الزيادات التي زادوها.
طيب، وقال الخطيب: اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لا يؤثر في الحديث ضعفاً، لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث مرة ويرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى على سبيل الفتوى، ولا يرفعه لحفظ الحديث عنه على الوجهين جميعاً. وكان سفيان بن عيينة يفعل هذا كثيراً في حديثه؛ فيرويه تارة مسنداً مرفوعاً، ويقفه مرة -يعني يرويه موقوفاً- مرة أخرى قصداً واعتماداً، وإنما لم يكن هذا مؤثراً في الحديث ضعفاً. ثم قال: لأن إحدى الروايتين ليست مكذبة للأخرى، والأخذ بالمرفوع أولى لأنه أزيد. طبعاً هل هذا الذي قاله الخطيب ليس له واقع في الرواية؟ لا، هو له واقع فعلاً، لكننا ننفي فقط أن يكون قاعدة مضطردة تصحح بها كل زيادات الثقات. لا، ليس كذلك، وإنما قد تأتي بعض الروايات يكون فيها ذلك.
قال: ولهذا انتصر ابن حزم، ولهذا انتصر ابن حزم -يعني لهذا القول- ولم يعد الاختلاف في ذلك مؤثراً في رواية الثقة موصولة. طبعاً ابن حزم رحمه الله ليس من أئمة الحديث المعتبرين في مسألة قواعد علم الحديث، وليس من المحققين في هذا الباب. قال: وهذه في التحقيق طريقة كبار النقاد من الأئمة، كما هو الشأن في إطلاق من أطلق زيادة الثقة مقبولة كأحمد بن حنبل، كما سيأتي وغيره.
البخاري عن حديث إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ. فقال: الزيادة من الثقة مقبولة، وإسرائيل بن يونس ثقة، وإن كان شعبة والثوري أرسلاه؛ فإن ذلك لا يضر الحديث. والبخاري لا يقبل زيادة الثقة مطلقاً، إنما يعتبر في ذلك قوة الحفظ، فإنه أعَلَّ أخباراً بالاختلاف فيها وصلاً وإرسالاً أو رفعاً ووقفاً، ولا يقبل فيها زيادة الوصل أو الرفع في أمثلة في التاريخ وعلل الترمذي. يعني يقصد يقول إن البخاري في كتابه التاريخي اللي هو التاريخ الكبير، وهو أعظم كتاب في التاريخ -المقصود هنا بالتاريخ يا شباب مش سرد الأحداث التاريخية، لا، يعني تاريخ رواة الحديث والكلام عليهم نقداً وعدالة ونحو ذلك، وصلاً وإرسالاً وانقطاعاً، هل سمعوا مشايخهم أو لا، هل الثقات أم لا- وهو بيقول التاريخ، وأعلَّ الترمذي البخاري، رويت عنه جملة كبيرة من الكلام في الرواة والأحاديث في كتاب علل الترمذي الكبير، اللي هو بترتيب القاضي اللي هو الإمام الترمذي، بيسأل فيه البخاري أسئلة في الحديث.
وقال مسلم بن الحجاج: والزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يعثر عليهم الوهم في حفظهم. طبعاً هو هنا بيبين أن هذه الطريقة ليست طريقة المحدثين باضطراد؛ يعني الأئمة المحدثين الكبار اللي هم النقاد ليس عندهم قبول لكل زيادة من الثقة، وإنما عندهم اعتبارات كما سبق ذكرها: النظر إلى عدد الرواة، وإلى اختصاص الراوي بشيخه، وإلى ثقة الراوي، وإلى قرائن أخرى تحتف بالرواية، كأن يترجح لدينا أن الراوي رواها مرة مرسلة ومرة موصولة، مرة موقوفة ومرة مرفوعة، أو روى الحديث على الوجهين مرة بالعنعنة ومرة بزيادة راوٍ وهكذا.
وقال أبو زرعة الرازي في شأن زيادة وصل لعبد الله بن المبارك: إذا زاد حافظ على حافظ قُبِل، ابن المبارك حافظ كما قال كذلك في زيادة الوصل أيضاً زيادة الحافظ على الحافظ تقبل. قلت: والعمل بهذا الإطلاق يشبه أن يكون عليه عمل عامة متأخري علماء الحديث، كالحاكم والبيهقي وابن الجوزي ومن بعدهم. وذكر هنا أقوالاً؛ يعني كأن الشيخ يميل إلى أن هذا هو الأصل، وقد يخرج عنه لعلة. يعني الشيخ هنا يا شباب عايزين نفرق بين الأقوال، الشيخ هنا كأنه يميل -هو المؤلف- كأنه يميل إلى أن الأصل أن زيادة الثقة مقبولة إلا لقرينة، لا يختلف عن القول اللي بيقول: لا، احنا ليس عندنا أصل في هذا الباب. لماذا؟ لأن القول الذي يقول ليس عندنا أصل في هذا الباب معناه أننا في كل رواية ننظر لها على حدة، لا نقدر أننا سنقبل ثم إذا جاء دليل ينفي هذا القبول ويقول لا. فالشيخ هنا بيميل إلى أن الأصل في زيادة الثقة أنها مقبولة إلا لقرينة. واضح يا شباب؟
طبعاً نقل هنا روايات أنتم ممكن تقرؤوها لأنها سهلة، احنا قرأنا أهم النقولات فيها. قال الراجح -في صفحة 689- قال: والراجح المحرر في هذا من بين مذاهبهم القول: زيادة الثقة للوصل في موضع الإرسال، أو الرفع في موضع الوقف، أو الواسطة في موضع العنعنة مقبولة ما تحققت فيها اعتباران: الأول أن يكون الراوي ثقة ضابطاً لا يُذكر بلين في حفظه، والثاني أن يبرأ من قيام حجة على خطئه في ما زاد. نفس الكلام اللي احنا حاولنا ننبه عليه كثيراً، أنها لا يمكن أبداً أن تكون مقبولة بإطلاق ولا مردودة بإطلاق، وإنما ننظر في قرائن، منها أن يكون الراوي ثقة، أن يكون مختصاً بالراوي الذي تفرد عنه بهذه الزيادة، وألا تقوم حجة تبين وهمه؛ لأنه يا شباب ممكن يتحقق فيه الشرط الأول دون الثاني، يعني ممكن يكون ثقة في نفسه وثقة عن شيخه، لكن جاء دليل يؤكد أنه أخطأ في تلك الرواية بعينها، فليس كل راوٍ ثقة ينبغي أن يكون حافظاً لكل رواية رواها، لأ مش لازم.
طيب قال الترمذي: وإنما تصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه. وقال: إذا زاد حافظ ممن يعتمد على حفظه قُبِل ذلك منه، فأما الصدوق ومن في حفظه لين فلا تقبل زيادته، فهؤلاء قد يزيد أحدهم الشيء وهماً، كما يزيد الوصل في الإسناد المرسل يجريه على الجادة غفلة. يعني مثلاً في شخص خلينا نفهم الفكرة دي يا شباب، يقول هنا احتمالات لماذا قد يخطئ الراوي اللي هو الصدوق مثلاً، أن هو مثلاً متعود دائماً أن الحديث بيرويه مثلاً عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، متعود على الإسناد ده، ده اسمه الجادة يا شباب، متعود عليه، فلما يأتي مرة من المرات يكون الحديث رواه قتادة عن سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذكر أبي هريرة، فممكن هو كمان يخطئ ويخلي نفس هذه الرواية على الجادة، يعني على الطريق المعروف. فهمنا كده؟ فيكون أخطأ.
قال أحمد بن حنبل: كان ابن المنكدر رجلاً صالحاً وكان يُعرف بجابر، مثل ثابت عن أنس، وكان يحدث عن يزيد الرقاشي، فربما حدث بالشيء مرسلاً فجعلوه عن جابر. يعني يا شباب هو بيقول إيه؟ إن ابن المنكدر كان معروفاً بالرواية عن جابر دائماً: محمد بن المنكدر عن جابر، محمد بن المنكدر عن جابر، لكن بعض الروايات رواها محمد بن المنكدر عن يزيد الرقاشي عن جابر، تمام كده؟ أو أقصد عن محمد بن المنكدر عن يزيد الرقاشي مرسلاً، يعني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأكمن الرواة بقى يا شباب لأن الرواة تعودوا أن محمد بن المنكدر دائماً بيروي عن جابر فيخلوا هذه الرواية أيضاً عن محمد بن المنكدر عن جابر. فهمنا كده يا شباب؟ لذلك من القواعد المهمة أني إذا رأيت أحداً خالف الجادة فيحتمل أن يكون قوله هو الصواب. واضح؟ لأن مخالفة الجادة أدعى للحفظ.
وقال أبو طالب قال أحمد: محمد بن يونس بن أبي إسحاق حديثه فيه زيادة على حديث الناس. قلت: يقولون إنه سمع في الكتاب فهو أتم. قال: إسرائيل ابنه سَمِع من أبي إسحاق وكتب، فلم يكن فيه زيادة مثل ما يزيد يونس. ركز كده عايزين نركز كده في النص ده تاني يا شباب؛ أبو طالب أحد تلاميذ الإمام أحمد بيسأله بيقول له: يونس بن أبي إسحاق حديثه فيه زيادة على حديث الناس، يعني يونس بن أبي إسحاق السبيعي لما بيروي عن أبيه اللي هو أبو إسحاق السبيعي المحدث الثقة الكوفي يزيد على حديث الناس، تمام كده؟ يعني بيروي فيه زيادات. قلت: يقولون إنه سمع في الكتاب فهو أتم؛ يعني بيقولوا إن هو سمع من كتاب أبي إسحاق فهو حديثه أتم وأكمل. قال الإمام أحمد بقى بيقول: إسرائيل ابنه، إسرائيل اللي هو ابن يونس بن أبي إسحاق، واضح كده؟ يبقى أبو إسحاق السبيعي هو جد إسرائيل، يقول: إسرائيل ابنه سَمِع من أبي إسحاق وكتب، هو كمان سَمِع وكتب، فلم يكن فيه زيادة مثل ما يزيد يونس. يبقى عايز يقول إيه كده؟ إن يونس هنا زياداته غير مقبولة، واضح كده يا شباب؟ لأن ابنه حافظ متقن لم يروِ عن جده بمثل هذه الزيادات، وإن كان تحقق له أيضاً أنه سمع من كتبه وسمع منه.
قلت: ولمثل هذا المعنى تردد شعبة بن الحجاج في حديث تفرّد برفعه سماك بن حرب دون جماعة من الثقات وقفوه، وذلك أن سماكاً وإن كان ثقة لكنه يهم ويخطئ وفي حفظه شيء. يعني كأن الشيخ هنا بيقول: إنما تُقبل الزيادة من الثقة الحافظ المتقن المختص بمن تفرد عنه بالزيادة، وليست تُقبل من كل ثقة. طيب، ذكر هنا أيضاً مثالاً آخر، طيب ممكن أن نتجاوز هذا المثال؟ نقرأ تنبيهاً.
التنبيه الأول: الحديث قد يختلف فيه النقلة رفعاً وقفاً، لكن يوجد في الرواية الموقوفة ما يدل على كون الخبر لا يُقال إلا بتوقيف، فيكون ذلك دليلاً على ترجيح الرفع. يعني الشيخ هنا بيقول إيه؟ بالفعل قد يختلف الرواة وقفاً ورفعاً، لكن تأتي قرينة تؤكد أن حتى هذه الرواية الموقوفة لا يمكن أن يكون الراوي قد قالها من نفسه أو باجتهاده. أضرب هنا مثالاً بسورة الكهف، مثال معروف يضرب في هذا، قراءة سورة الكهف. قال: وذلك نحن في صفحة 699 يا شباب. قال: وذلك نحو حديث أبي سعيد الخدري قال: من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق. قال: في هذا الحديث مما اختلف فيه رفعاً ووقفاً، والصناعة الحديثية بناءً على الأصل المتقدم في قبول زيادة الثقة لا تساعد على قبول زيادة الرفع من جهة حفظ من زادها، الرواية هنا يا شباب مختلف فيها، ولو كان عندنا وقت -إن شاء الله وقت آخر لما نيجي ندرس العلل- هنحاول ندرس العلل عن طريق السبورة، وهشرح لكم إن شاء الله الأحاديث دي. فقط احنا بس بناخد هنا بنلتقط الفكرة والقاعدة، لكن التطبيقات ستأتي إن شاء الله. يعني هو بيقول من ناحية الصناعة الحديثية الصواب الوقف، أن هذه الرواية موقوفة، خلاص كده؟
قال: ولكنه اعتضد بكون هذا -وإن كان الراجح فيه الوقف بناءً على القواعد، اللي هي تقديم الأحفظ والأوثق والأكثر- لكنه مرفوع حكماً؛ إذ مثله لا يُقال من قِبَل الرأي، فكانت هذه قرينة مرجحة لزيادة الرفع في التحقيق. يعني هو بيقول إيه يا شباب؟ يقول إن الأصل أن هذا الحديث على قاعدة الترجيح لابد أن نرجح الرواية الموقوفة وليست المرفوعة، لكن هذه الرواية الموقوفة تأخذ حكم الرفع؛ ليه يا شباب؟ لأن الراوي لا يمكن أن يكون قالها من قبيل الاجتهاد، ده رأي الشيخ يعني، وإن كان يرى أنه يمكن أن يقال مثل هذا من باب الاجتهاد، وهذا له تفاصيل أخرى، يعني قد يجتهد الراوي في ذكر ثواب معين بحسبة معينة، مثلاً زي: من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله، باعتبار أنه يحسب أن رمضان ثلاثون يوماً والست أيام يبقى ستة وثلاثون يوماً، والسنة ثلاثمئة وستون يوماً، والحسنة بعشر أمثالها، يعني يمكن أن يدخل شيء من ذلك في قبيل الاجتهاد، لكنه طبعاً ليس قطعاً.
التنبيه الثاني: من الثقات المتقنين من كانوا يوقفون الحديث تقصيراً وغيرهم يرفعه، فمن تبيَّن ذلك منه لم يصح أن يُقال صنيعه مخالفة معتبرة للثقة الذي رفع الحديث. يعني إيه يا شباب؟ عايزين نركز هنا، عندنا مدرسة اللي هي مدرسة البصرة: ابن سيرين وأيوب وحماد بن زيد، كان عندهم كده خصلة معينة، إذا شك الراوي منهم في الحديث هل هو موقوف أو مرفوع؟ فيجعله موقوفاً أضمن، وإذا شك أنه مرسل أو مسند يجعله مرسلاً أضمن. فمن عرفنا فيه هذه الخصلة، يبقى احنا لا نعتبر مخالفته إذا خالف الثقات، ولا نقضي بصحة زيادة من خالفه؛ ليه؟ لأننا عرفنا أن هو من عادته أنه لما بيشك بيقصر الحديث، فبالتالي شكه هذا يجعلنا نرجح الرواية الأخرى المرفوعة. واضح كده؟ وده الموجود عند ابن سيرين وأيوب السختياني، وخط معروف كده حماد بن زيد، أيوب، ابن سيرين. طيب.
قال كقول أبي بكر المروذي: سألته، يعني أحمد بن حنبل، عن هشام بن حسان، فقال: أيوب وابن عون أحب إلي، وحسن أمر هشام، وقال: قد روى أحاديث رفعها أوقفوها. وقد كان مذهبهم أن يقصروا بالحديث ويوقفوه. يعني إحنا عرفنا كده.
بيسأل هنا عن مين يا شباب؟ عن هشام بن حسان. هشام بن حسان طبعا كل دول يا شباب هما رواة بيروون عن ابن سيرين. دايما يا شباب تركز حينما يسأل الراوي أو الناقد عن بعض الرواة لابد أن يكون بينهم قدر مشترك؛ لازم يكون في قدر مشترك، سئلوا أو قورنوا أو قورن حالهم فيه. هو هنا كأن المروزي بيسأل أحمد بيقول له: إيه رأيك في هشام بن حسان؟ الإمام أحمد قال له: أيوب وابن عون أحب إلي، ليه؟ لأن أيوب وابن عون الاتنين بيرووا عن ابن سيرين.
قال: وحسن أمر هشام، يعني قال إن هشام برضو كويس، تمام. وقال: قد روى أحاديث رفعها أوقفوها، يعني هو خلى الأحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بينما هم جعلوها موقوفة. قال: وكان مذهبهم، هم دي تعود على مين؟ على أيوب وابن عون، خلاص، وكان مذهبهم أن يقصروا بالحديث ويوقفوه. يعني مذهبهم أن هم لما بيشكوا بيجعلوا الحديث إيه؟ موقوفا مش مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب، القسم الثاني: زيادة الثقة في المتن. كل ده يا شباب اللي فات في الإسناد، والإسناد له تلات صور يا شباب في الزيادات اللي هي محل للتعليل أو محل للنظر: أن يكون بعض الرواة وصله والبعض الآخر أرسله، أو يكون بعض الرواة أوقفه والبعض الآخر رفعه، أو يكون بعض الرواة رواه بالعنعنة، والراوي الثقة زاد راويا في موضع العنعنة.
طيب، زيادة الثقة في المتن بقى يا شباب، قال مذهب جمهور أهل الفقه والأصول قبولها، ونسب بعضهم إلى الإمام أبي حنيفة أنه ردها. والتحقيق أن مذهب أبي حنيفة الذي يتبين من صنيع أصحابه قبول زيادة الثقة كما وجدته في كلام الطحاوي، يعني اللي هو في كتاب مشكل الآثار، لأن الطحاوي هو حنفي، وينقل عن الأحناف وعن أئمة الأحناف كلامهم حتى في الروايات أو في الأحاديث أو في الصناعة الحديثية.
قال: وتعلق به المتأخرون في مواضع كابن الهمام، وذكروه على التسليم، وأحسب الوهم دخل على من نسب رأي رد الزيادة لأبي حنيفة من جهة مذهبه في النصين المستقلين؛ في أحدهما من الحكم ما ليس في الآخر، يتراخى أحدهما، فليس من مذهبه بناء المطلق على المقيد ولا العام على الخاص في هذه الحالة، وإنما يرى المتأخر منهم ناسخا، وإلا تعارضا في تفصيل يعرف من أصول مذهبه.
يعني هو بيقول هنا إن الذين فهموا عن أبي حنيفة أنه يرد الزيادة مطلقا لأنهم بنوا ذلك على مذهبه في النصين، اللي هو النصين اللي هو الآية أو حديث، واضح يكون بينهم عموم وخصوص، أو في بينهم تراخي، أن هو لا يحمل أحدهما على الآخر بل يقول إن المتأخر نسخ المتقدم، فبالتالي هو كذلك لا يقبل بزيادة الثقة، وإنما ينظر إلى المتأخر من النصين أو نحو ذلك. هو الشيخ بيقول لا، الشيخ بيقول غلط أنك أنت تفرع أو تبني مسألة زيادة الثقة على مسألة النصين المختلفين اللذين أحدهما عن الآخر، غلط، هذا البناء خطأ.
قال: وليست هذه المسألة من باب زيادة الثقة في الحديث الواحد المعين، وكذلك الشأن عند أهل الصنعة أهل الحديث، فإن الزيادة في المتن عندهم مقبولة إذا كان من جاء بها ثقة متقنا لم يقم دليل على وهمه فيها. فكذلك كان أحمد بن حنبل يرى كما سيأتي بعض قوله، وعلى ذلك جرى منهج الشيخين البخاري ومسلم، فخرج الكثير من متون الحديث يزيد الرواة فيها على بعض، يصححان كل ذلك.
وطبعا هو ذكر هنا يا شباب فكرة إيه؟ يعني كأنه بيقول إن نفس الكلام في زيادة الإسناد هي نفس الكلام في زيادة المتن، أنه ينظر فيها إلى عدد الرواة وثقة الرواة واختصاص الرواة، وينظر فيها كذلك يا شباب إلى مسألة المخالفة؛ هل هذه الزيادة تضيف معنى أم تخالف المعنى؟ أيضا هذا ينظر فيه، يمكن أن تكون الزيادة تضيف معنى. وإن شاء الله يا شباب تفاصيل كل هذا تجدونها موجودة في، يعني شرحتها في كتاب التمييز لمسلم في دورة كانت في أوسلو للشباب، وإن شاء الله قريبا سترفع هذه الدورة، أنا الحمد لله أنجزتها ولكن أحاول الآن أرفعها على اليوتيوب، ستجدون فيها هذه الأمثلة التطبيقية إن شاء الله.
طيب، هو ده كان هنا تفاصيل لكن خلاصتها أرجو أن إحنا ذكرناه، اللي هو النظر إلى القرائن، النظر إلى ثقة الرواة، النظر إلى هذه الزيادة؛ هل هذه الزيادة تضيف معنى أم أنها تخالف المعنى أو نحو ذلك. من الكتب العظيمة جدا في هذا كتاب التمييز للإمام مسلم، وهذا يبين يا شباب اعتناء أئمة الحديث بالمتن والنظر إلى المتن، على خلاف ما يدعيه كثير من المعتزلة ومن جاء بعدهم من الحداثيين أن أئمة الحديث لا ينظرون إلا في سند الحديث، وهذا قول باطل يدرك بطلانه كل من درس شيئا من علم علل الحديث. ذكر هو هنا يا شباب زيادات في المتون ردها البعض وقبلها البعض، وذكر وجه الخلاف فيها.
ثم قال تنبيها، صفحة ستمائة وخمسة وتسعين: التنبيه الأول، الراوي يبلغه الحديث أو يسمعه بواسطة عن شيخ، ثم يلقى ذلك الشيخ فيحمله عنه بعلو دون واسطة، فيقع تحديثه به تارة بالواسطة وتارة بعدمها. هذه الصورة إذا انتفت فيها شبهة الغلط فالحديث محفوظ من الوجهين، ولا يعد ذلك اختلافا مؤثرا.
يا شباب يعني ببساطة كده يحيى القطان مثلا يروي عن الثوري عن الأعمش، تمام؟ وبعد كده يحيى القطان شاف الأعمش وسمع منه نفس الأحاديث، فروى نفس هذه الأحاديث مرة عن الثوري عن الأعمش، ومرة عن الأعمش مباشرة، هذه كلا الطريقين صحيح، ما فيش مشكلة خلاص كده؟
طيب قال: لكن يجب أن يكون محل وقوع الاختلاف على الراوي نفسه ومن اختلف أو اختلفوا عليه ثقتان أو ثقات وهو ثقة كذلك، أما إذا وقع الاختلاف بين النقلة في طبقة أدنى من طبقة من روى عن ذلك الشيخ فمظنة الغلط أرجح. يعني إيه يا شباب؟ يعني هو بيقول هنا لابد أن يكون الرواة الذين رووا عن الشيخ هذين الوجهين أن يكون كل الرواة ثقات بحيث أن إحنا نقول يبقى ممكن يكون الشيخ سمع مرة هكذا ومرة هكذا، ولازم يكون كمان الخلاف على نفس الشيخ مش في أقل منه.
يعني إيه يا شباب؟ يعني خلينا نتصور كده لو أن المثال اللي إحنا ذكرناه يحيى القطان بيروي عن الأعمش مباشرة ومرة يروي يحيى القطان عن الثوري عن الأعمش، لو الخلاف على يحيى القطان نفسه يبقى تمام، يبقى ده هو ده محل المسألة، لكن افرض الحديث ده رواه عن يحيى القطان أحمد بن حنبل مثلا أو علي بن المديني مثلا، خلينا نقول أن علي بن المديني مثلا روى عن يحيى القطان، تمام، لو اختلف على علي بن المديني نفسه لأ يبقى ده خارج محل الخلاف، دي مش المسألة بتاعتنا. المسألة بتاعتنا يا شباب أن الراوي نفسه اللي هو روى مرة بواسطة ومرة بغير واسطة هو اللي يكون اختلف عليه، مش أن يكون تلاميذه هم اللي اختلف عليهم، والأمر الثاني أن يكون الراوي المختلف عليه هو نفسه ثقة، وإلا يحمل ذلك على اضطرابه، أن هو نسي، مرة حدث هكذا ومرة حدث هكذا، ليس لأنه رواه على الوجهين، ولكن لأنه وهم في أحد الوجهين.
طيب كل الكلام ده طبعا كان محتاج سبورة لكن إن شاء الله هيجي معنا في دروس أهل الحديث نشرحها بإذن الله. قال مثال هذه المسألة ما رواه يزيد بن أبي حبيب عن عراك بن مالك أنه بلغه أن نوفل بن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من فاتته صلاة فكأنما وتر أهله وماله، قال ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هي صلاة العصر. ورواه جعفر بن ربيعة أن عراك بن مالك حدثه أن نوفل بن معاوية حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله.
الخطيب والحكم يوجب القضاء في هذا الحديث لحديث جعفر بن ربيعة بثبوت إيصاله الحديث، يعني الحديث بقى متصل، ليه يا شباب؟ لأن عراك روى عن نوفل على طول، لكن في المرة الأولى بلغه عن نوفل. زي ما أنت كده مثلا تكون سمعت حد بيحكي لك شيء عن الشيخ مثلا ابن عثيمين مثلا أو الشيخ يوسف الغفيص مثلا أو الشيخ أبو إسحاق الحويني، أي شيخ، وأنت نفسك بعد مدة تقابل الشيخ ويحدثك الشيخ بنفس هذا الكلام، فمرة بلغك عنه ومرة سمعته منه مباشرة، طيب خلاص يبقى إحنا كده عرفنا إيه.
التنبيه الثاني، قال ابن حبان: لا نقبل شيئا منها إلا عمن كان الغالب عليه الفقه حتى يعلم أنه كان يروي الشيء ويعلمه، حتى لا يشك فيه أنه أزاله عن معناه. يعني ابن حبان بيقول إن الراوي اللي يزيد في المتن محتاجين أن هو يكون راوي بيفهم، طبعا الحاجات دي كلها أخذوها من الشافعي رحمه الله، أو الفكرة دي تحديدا أن يكون الراوي يفقه معاني الحديث، فإذا روى الرواية بالمعنى عرفنا أن هو كان فاهم المعنى أصلا.
قلت: هذا مما انفرد به ابن حبان، واشتراط ثقة الناقل وعدم الدليل على وهمه فيما زاد يدفع المظنة التي ذكرها ابن حبان. يعني هو بيقول إن إحنا مش هنقبل الزيادة في المتن، ابن حبان بيقول مش هنقبل الزيادة في المتن إلا من شخص فقيه معروف بالفقه، الشيخ الجديع اللي هو مؤلف الكتاب بيقول: لا والله أنا شايف أن ده مش لازم، يعني عادي، ممكن يكون الراوي ما دام الراوي ثقة خلاص يبقى إحنا نطمئن أنه روى الرواية على وجهها.
الموضوع ده شوية يا شباب في رأيي أن هو واحتمل كلام ابن حبان إذا كان فعلا الزيادة هذه تضيف معنى جديدا، أو يحتمل أن يكون الراوي رواها بالمعنى فأخطأ، وقول ابن حبان ليس مهدورا على كل وجه، ولكن الشيخ كأنه بيقول إذا كان الراوي ثقة فنحن نطمئن أنه روى الرواية كما تحملها، أظن أن ممكن نجمع بين القولين أن هو عند مظنة أن الراوي يكون روى الرواية بفهمه هو، يمكن أن نعلل الحديث حتى لو كان ثقة، ولكن الأصل أن هو إذا كان ثقة متقنا أننا نقبل زيادته إلا لقرينة.
طيب نحاول نكمل بقى، قال التعليل بالمخالفة، ده وجه آخر يا شباب، قال لعدم الوضوح في تحليل أصول هذا العلم ولما يقع من إطلاق النقاد عبارة: رواه فلان وفلان وخالف فلان، صارت عبارة مخالفة كأنها حقيقة في كل علة تقع بسبب مجيء الرواة بالحديث على أكثر من وجه، وليس كذلك، بل الحديث على وجهين، كأن يروى متصلا ومرسلا أو مرفوعا وموقوفا، ويسمي الناقد ذلك مخالفة أو اختلافا، وهو كذلك بالنظر إلى صورته إن جاء هذا على وجه وهذا على وجه، لكن ليس بين النقص والزيادة تعارض أصلا، إذ الرواية بزيادة في الأصل تضمنت الرواية الناقصة مع مزيد فائدة، فغاية ما يحتاج إليه إلى تحقيق هو هل هذه الزيادة مما يقبل أم لا.
يعني الشيخ هنا كأنه بيقول إيه يا شباب؟ يقول كلمة المخالفة، هل المخالفة هنا معناها التناقض أو أنها عدم الاتفاق؟ الصواب أن هو عدم الاتفاق، ليه؟ لأنها ممكن ما تكونش متناقضة يا شباب، يعني ممكن ما تكونش متناقضة، مثلا الراوي الذي روى الحديث مرسلا ثم جاءت روايته موصولة، يمكن أن يجمع بينهما. يعني كأنه بيقول يا شباب ليس كل اختلاف محكي عن النقاد يقتضي أن نحكم بإحدى الروايات، لأ ممكن يكون كل الروايات صحيحة ويكون ما فيش بينهم تناقض، واضح كده.
وده مهم يا شباب أن مجرد زي مثلا الأحاديث اللي بيقال أنها مختلفة يمكن أن يجمع بينها، واضح كده، مثل حديث: يفر من المجذوم فرارك من الأسد، مع حديث: لا عدوى ولا طيرة. حديث مثلا لا تستقبل القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبرها، مع حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه فعل شيئا من ذلك، فهذه الأحاديث يا شباب تذكر في الحديث لكن ليس بينها اختلاف، فالشيخ كذلك يقول ليس كل خلاف يحكيه بعض النقاد في رواية يكون من قبيل التناقض الذي ينبغي أن نقدم فيه إحدى الروايات على الأخرى، لأ ممكن يكون نقبل كل الروايات.
نتكلم بقى هنا عن أنواع المخالفات، الأول الشذوذ وهو مخالفة الثقة لمن هو أقوى منه، على ما سيأتي في الحديث الشاذ، قال: والواجب حصرها بالمخالفة التي لا وجه لها، وقامت الحجة على الخطأ فيها لتعذر جمعها إلى رواية الأحفظ. لأنه بيقول هنا عن الآية.
هو طبعا حصر هنا الشذوذ بأنه مخالفة الثقة لمن هم أوثق منه، وعند التحقيق، ودا درسناه قبل ذلك في كتاب لغة المحدّث، لذلك أدعو الشباب اللي هم لم يحضروا معنا كتاب لغة المحدّث أن هم يستمعوا لهذه الأشرطة؛ لأنها مدخل أساسي في فهم أهم القضايا العملية التطبيقية في علوم الحديث. يعني الفرق بين كتاب لغة المحدّث وكتاب تحرير علوم الحديث أن كتاب لغة المحدّث وإن كان يحاول أن يغطّي كل مباحث العلوم، إلا أنه ركز البحث على أهم القضايا التي ستجد لها أثراً في الناحية التطبيقية العملية؛ كالنكارة، معنى الحسن، والاتصال، والانقطاع، وغير ذلك. فالشيخ هنا يرى أن الشذوذ هو مخالفة الثقة لمن هم أقوى منه، وهذا هو كلام الحافظ ابن حجر، بينما الأئمة المتقدمون كانوا يطلقون على هذه الصورة الشذوذ أو الخطأ أو النكارة، ليس عندهم مشكلة فيها. وكما قلنا إن أهل أي صنعة من الصناعات -حتى في التجارة والزراعة والصناعة والطب وغيرهم- يطلقون ألفاظاً يختلفون فيها وإن كان المعنى واحداً؛ يعني يعبّرون عن المعنى الواحد بأكثر من لفظ، أو يطلقون اللفظ الواحد على أكثر من معنى.
فهو هنا بيقول الشذوذ اللي هو تحصل مخالفة من الراوي لمن هم أولى منه بالحفظ، هو بيقول الواجب أن إحنا لا نحكم بالشذوذ إلا على ما لا يُقبل من الزيادات أو المخالفات؛ فإذا قبلنا هذه الزيادة أو قبلنا هذا الخلاف وصححنا الوجهين فلا يصح أن نسمي أحد الوجهين شاذاً. الشذوذ يا شباب هو تفرّد مذموم، أو هو نوع من الخطأ، واضح؟
النوع الثاني مخالفة القرآن. اعلم أنه يخطئ على هذا العلم من أقام المعارضة بين القرآن والحديث بزعم صحته؛ فالمفارقة بين طريقي نقلهما كافية للقطع أنه لا يوجد حديث يقوم لمعارضة القرآن. لذا ما تصوّر وجوده من ذلك إن كان ظاهره الصحة نقلاً فلا يخلو من أحد حالين؛ يعني لو إحنا وجدنا فعلاً حديثاً صحيحاً ويظن أنه يعارض القرآن.
طبعاً هنا يا شباب فيه مجموعة كتب جميلة جداً؛ يعني أحب أن تنتفعوا منها في ما يتوهم منه التعارض، هي أربع كتب مهمة جداً يا شباب: كتابين للدبيخي، وهو رجل فاضل أنا قابلته، وبينت له أن الكتابين مهمان جداً لطالب العلم؛ الكتاب الأول هو حديث العقيدة التي يوهم ظاهرها الاختلاف أو المعارضة في الصحيحين، والتاني الأحاديث التي يتوهم ظاهرها الإشكال. الاتنين دول مهمين، وفيه كتاب تاني لشيخ اسمه القصير؛ الأحاديث التي يتوهم تعارضها للقرآن، وكتاب تاني اسمه الآيات التي يتوهم تعارضها أو التعارض بينها، مش فاكر لأن عنوان البحث بالضبط لكنه لمجموعة باحثين، أيضاً هذا جيد. وطبعاً فيه بحث جميل للشنقيطي رحمه الله: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، هذه الكتب جميلة جداً في تنمية ملكة طالب العلم في الجمع بين النصوص. واللي طبعاً في كتاب الرسالة أيضاً عندنا جملة جميلة جداً في الأحاديث التي جمع بينها الشافعي رحمه الله باب الجمع، عموماً الشباب سواء كان بين حديثين أو بين آيتين أو بين حديث وآية، هذا باب جميل جداً اللي هو يعلّمك كيف تفقه الخلاف بين النصوص وكيف تعرف موضع النص؟ وهل الاختلاف بينه اختلاف تضاد أو اختلاف تنوع أو اختلاف لفظي؟ هذا مهم جداً يا شباب.
طيب هو الشيخ بيقول الصورة الأولى: أن تكون المعارضة بينه وبين القرآن لا تعدو أن تكون غلطاً من مدّعيها؛ يعني الشخص نفسه هو اللي غلط، يعني الشخص أساساً ظنّ المعارضة بينما لا يوجد أي تعارض أبداً، واضح كده؟ لا يوجد أي تعارض. يعني هناك آيات كثيرة جداً يا شباب توهم بينها التعارض؛ مثلاً: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، والآية الأخرى بتقول: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. الهداية المثبتة غير الهداية المنفية؛ الهداية المثبتة للنبي صلى الله عليه وسلم هداية الإرشاد والنصح والبيان، والهداية المنفية هي هداية التوفيق والإعانة والتثبيت ونحو ذلك فهذا يختص به الله تبارك وتعالى. مثلاً: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ؛ الله نفى عن النبي صلى الله عليه وسلم الرمي وأثبت له الرمي، فمعنى الآية وما قتلت إذ حذفت ولكن الله قتل، يعني ليس كل من رمى أصاب، الله سبحانه وتعالى يقول للنبي صلى الله عليه وسلم وما رميت إذ رميت، يعني ما كنت لتقتلهم بهذا الفعل لولا أن الله قتلهم، واضح كده؟
نصوص كثيرة جداً: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ، وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ. بصوا يا شباب خدوها قاعدة: كل خبرين ثبت صحتهما لابد أن يكون المثبت غير المنفي، يعني كل خبرين ظن فيهما التعارض واحد يثبت والآخر ينفي لابد أن المثبت غير المنفي. تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ، والحديث الآخر: لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله؛ العمل سبب في دخول الجنة لكنه ليس ثمناً للجنة وإنما تدخل الجنة برحمة الله. وهكذا، كل نصين أو كل خبرين صح وكان أحدهما يثبت والآخر ينفي فلابد أن يكون المثبت غير المنفي. هذه قاعدة، يبقى ممكن الشخص نفسه هو الذي يتوهم هذا التعارض. الثاني: أن تكون معارضة حقيقية وعندئذ لا يسلم الإسناد من علة خفية؛ يعني بيقول بقى إيه: ممكن ييجي هنا نوع آخر أن فعلاً يكون في معارضة حقيقية، لكن لا يمكن أن تحصل المعارضة بين آية وحديث صحيح إلا إذا كان في الحديث علة، أو أن الآية فهم منها معنى يتعارض مع الحديث ولا يكون هذا المعنى المفهوم هو دلالة الآية.
طيب قال والمقصود منع وقوع التعارض الحقيقي بين آية من كتاب الله وحديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على وجود النسخ أو الصور التي إحنا اتكلمنا عنها يا شباب. طيب، أنا أحاول أن أنا أختصر الفكرة دي لأن الفكرة دي سيأتي بحثها وأنا أحب منك أنك عايز حاجة بس مش دلوقتي. طيب هو ذكر هنا أمثلة يا شباب ممكن أنتم تقرأوها؛ يعني أمثلة ادّعي فيها أنها مخالفة، أن القرآن يخالف، أن السنة تخالف فيها القرآن؛ بعضها يكون من باب أن المخالفة هذه مضمونة وليست صحيحة، أو فهم معنى من الآية يعارض الحديث بينما هذا لا تدل عليه الآية، أو فهم معنى من الحديث وظن أنه يخالف الآية وليس كذلك، أو أن الحديث أساساً لا يثبت، فأنتم يمكن أن تراجعوا هذه الأمور يا شباب؛ لأننا نريد أن نقف على الأمور الصعبة في الكتاب، وذكر أمثلة هنا جيدة، يمكن أن تراجعها.
طيب النوع الثالث: مخالفة المعروف من السنن النبوية. يبقى النوع الثالث يا شباب من المخالفات -يعني من المخالفة التي يظن ينسب فيها الحديث للمخالفة- هو أن يأتي حديث يخالف ما ثبت من السنة النبوية، يعني يكون في هنا يا شباب السنة ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم وجاء حديث يخالفها. أنا وهذه طريق يكشف به إتقان الرواة وحفظهم أن يقارن حديث الراوي بالمحفوظ المعروف من روايات غيره كما بيّنت في الجرح والتعديل، وكذلك هو طريق يكشف به مثال وعرض الروايات المختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة صلاة الكسوف على السنن المحفوظة عنه؛ أنه صلّاها ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان، كما صح من حديث جابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وغيرهم، ورويت فيها صفات غير ذلك من طريق بعض الثقات لكنها لا تصح من أجل خلافها للمحفوظ من السنة، والنبي صلى الله عليه وسلم لما صلّى في حياته الكسوف مرة واحدة ويمتنع تعدد الصفة لصلاة واحدة. هذا يا شباب سبق أن إحنا شرحناه في كتاب جليلة في التوسل والوسيلة؛ لأننا نعرض حديث الراوي إلى الثابت المحفوظ المستقر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
إن شاء الله يا شباب حينما أرفع لكم كتاب التمييز لمسلم ستجدون فيه جملة جميلة من الأحاديث التي وقع فيها مخالفة في المتن أو في الإسناد، وشرحت فيها للشباب الذين كنت أعطيهم الدورة كيف نطلع على هذا الخطأ أو كيف نكتشفه. عندنا مثلاً هنا رواية جاءت في صلاة الكسوف التي صلّاها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصلِّ إلا صلاة واحدة، فجاءت روايات ثابتة متفقة، خلاص صارت هذه هي السنة المحكمة في الباب، وجاءت روايات أخرى تضيف أشياء وتزيد وتخالف؛ فنحن حينما نعرض هذه الروايات على السنن المحفوظة سنردها، واضح كده؟
طيب، قال ومن عمل الأئمة بهذا الأصل قول الشافعي، وقد استدل بالمحفوظ من السنة: ألا يقطع الصلاة شيء. فإن قال قائل -يعني الشافعي بيقول- فقد روي أن مرور الكلب والحمار يفسد صلاة المصلي إذا مر بين يديه، قيل لا يجوز إذا روي حديث واحد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار، وكان مخالفاً لهذه الأحاديث فكان كل واحد منها أثبت منه ومعها ظاهر القرآن، أن يترك إن كان ثابتاً إلا بأن أكون منسوخاً ونحن لا نعلم المنسوخ حتى نعلم الآخر، ولسنا نعلم الآخر، أو يرد ما يكون غير محفوظ. قال وهو عندنا غير محفوظ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى وعائشة بينه وبين القبلة، وصلّى وهو حامل أمامة يضعها في السجود ويرفعها في القيام، ولو كان ذلك يقطع صلاته لم يفعل واحدة من الأمرين وصلّى إلى غير، وكل واحد من هذين الحديثين يرد ذلك الحديث؛ لأنه حديث واحد وإن أخذت فيه أشياء.
طبعاً هو الشافعي رحمه الله بيخالف في فهم هذا لأن العلماء يفرقون بين المرور وبين المكوث؛ حين أن تمر بين يديه وبين أن تكون بين يديه، زي ما تكون كده أن عائشة رضي الله عنها جالسة والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي وهي بين يديه، وبين أن تمر. المهم أن هو المقصود هنا يا شباب هو المنهجية مش المثال، دايماً تركز لا تقف مع المثال وإنما تلتقط من المثال ما يستدل به للقاعدة، وهي فكرة النظر للثابت المحكم عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الثابت المحكم في الباب ومحاكمة النص الجديد عليه؛ فإذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نص محكم وجاء ما يخالفه وتحققت المخالفة فيه فإننا نرده مخالفة الأصل. لا نناقش بقى الآن مع هذه النصوص يا شباب يعني لا نقف مع كل نص منها، فقط نأخذ الفكرة.
طيب النوع الرابع، صفحة 705 يا شباب: مخالفة المحسوس. يعني من الأمور التي ترد بها الرواية أن تخالف المحسوس. والمقصود أن تأتي رواية الثقة على خلاف المشاهد، يعني تخالف الواقع، وهذه الصورة من التعليم معدومة في أحاديث الثقات، ولا يؤخذ على ثقة أنه روى ما يخالف المحسوس، لكن قد تشتبه بعض النصوص على قوم يحسبونها تخالف الواقع المشاهد، وإنما ذلك أنهم أوتوا من قبل أفهامهم، والدليل على خطئهم وجود المخالف لهم فيما يدعونه. وما يخالف المحسوس على سبيل اليقين لا يماري فيه أحد. يعني الشيخ بيقول: وردت بعض الأحاديث بنى فيها أنها تخالف المحسوس أو الواقع أو العقل، هذا ليس صحيح ببساطة؛ يعني في كثير منها طبعاً، وإلا فممكن يكون حديث ضعيف، نحن نتكلم هنا في الحديث الثابت. الدليل أنه لو كان هذا محسوساً لاتفق عليه العقلاء الذين يحسّون؛ فلما خالف بعض الناس فبعضهم رأى المخالفة وبعضهم رأى الاتفاق، فهذا لا يصح أن يكون محسوساً بل الصواب أنه وهم من شعر به.
طيب قال وذلك مثل تعليل من ليس من أهل الصنعة لحديث أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة، فقال: الواقع شاهد بأن المرأة حكمت في بعض البلدان في الغابر والحاضر وأفلح قومها بعقلها ورشدها، كبلقيس التي قصّ الله تعالى نبأها مع نبيه عليه السلام وكيف سارت بقومها إلى الإسلام؟ أقول: إذا كان هذا هو معنى الحديث فله نصيب من هذا التعليل، ولكن الحديث ورد على سبب؛ يعني هو بيقول هنا إيه يا شباب؟ الاحتمال هنا أن يكون الخطأ في فهم الحديث أو في فهم الواقع الذي ظن مخالفته للحديث، واضح كده؟ فالناس فهموا أن النبي صلى الله عليه وسلم بيقول مش ممكن أبداً يفلح قوم ولّوا أمرهم لامرأة. طبعاً هو هل المقصود أساساً يا شباب الفلاح الدنيوي أو الفلاح الأخروي؟ أو هل المقصود بالفلاح هنا كل فلاح أو نوع من الفلاح؟ لابد أن نعرف سبب النزول يا شباب، سبب ورود الحديث مثل سبب نزول الآية مثل سبب القصيدة يعني لازم تعرف الأسباب أو ما وراء النص.
قال فقد قال أبو بكرة في صدره: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال فذكر الحديث. نعم العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن مراعاة السبب أصل لفهم مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم خصوصاً عند اشتباه المعنى، والعموم باق في مثل صورة السبب، وقوم كسرى بعد هلاكهم ما رفع الله لهم ذكراً، ما أفلحوا حين ولّوا ابنته لما دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم. يعني هو بيقول أن هذا الحديث أساساً جاء في ابنة كسرى، وبالفعل بنت كسرى أول ما ملكت.
وبعد كده جابت واحد تاني من الملوك الأكاسرة اللي هم كانوا مغمورين وولته. فعلاً لم يبقَ لهم ملك واضح، لكن إحنا في نفس الوقت بنقول إن ليست العبرة بخصوص السبب ولكن بعموم اللفظ.
أه، يبقى دي الفكرة الأولى يا شباب، إني أي قوم يشتبهون بحال ابنة كسرى لا يمكن أن يفلحوا إذا ولوا، يعني لو كانت امرأة مثل ابنة كسرى هذه أو مثل حال فارس، لن يفلح هذا القوم. أو ربما يكون المقصود كل جوانب الفلاح، لكن لا يمكن أبداً أن يكون المقصود هنا ما يخالف الواقع. وهذا له تفاصيل أخرى يا شباب، ربما إن شاء الله يأتي لها وقت آخر.
طبعاً هو ذكر هنا حتى حديث إن الشمس تسجد تحت العرش، وعدد من الناس قالوا أين الشمس؟ الشمس أمامنا، أين ذهبت الشمس لتسجد تحت العرش؟ أمور كثيرة جداً يردها الجهلة لظنهم أنها تخالف العقل أو تخالف المحسوس، بينما المشكلة عندهم إما في فهم الحديث أو في فهم الواقع تماماً.
يا شباب كمان ندعم مخالفة القرآن للعقل، لا يمكن أبداً أبداً أن تتخالف وسائل المعرفة، لا يمكن، مش ممكن أبداً تتخالف وسائل المعرفة، وهذا إن شاء الله له بحث كبير إن شاء الله لما نقرأ كتاب درء تعارض العقل والنقل، هنعرف إن الدليل لا يمكن أن يتعارض دليلان صحيحان، إما أن يكون أحدهما ضعيفاً أو يكون الخطأ في فهم من ظن المخالفة بينهما. ممكن أنت تقرأ تفسيرات الشيخ لهذه الأمور.
طيب، قال النوع الخامس: مخالفة العقل، صفحة سبعمئة وثمانية، قال هذا النوع ذكره تكميل من أجل تبيين وجهه؛ لأنه معدوم في رواية الثقة، يعني لا يمكن أبداً أن يصح حديث ثم يخالف العقل. طيب هو ذكر هنا جملة من الأحاديث يا شباب، وكما قلت لكم جامع هذا إنه لا يمكن أبداً أن يثبت دليلان قطعيان ويحصل بينهما تعارض، هذا لا يمكن، لا يمكن أن يكون هناك مصدران للمعرفة صحة المعرفة في كل منهما ثم يقع بينهما اختلاف أو تعارض، هذا غير ممكن، فإما أن يكون أحدهما ضعيفاً أو أنك فهمت خطأ من هذا الواقع أو هذا العقل أو هذا الدليل.
ذكر هو هنا أمثلة منها مثلاً حديث: يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فيُنادى منادٍ، ثم يذبح الكبش إلى آخر ذلك، وبيقول إن بعض الناس استشكل هذا الحديث ثم أجاب الشيخ عنه. قال خلاصة هذا المبحث: وقوع تعليل الأحاديث من رواية الثقة بأنواع المخالفة المتقدمة حاصل في الأنواع الثلاثة الأولى: الشذوذ عن رواية الأقوى، أو مخالفة القرآن، أو مخالفة المعروف من السنة على ما بينته بمثال، دون اعتقاد كثرة وقوعه، يعني هذا أمر نادر جداً. قال: أما التعليل بمخالفة المحسوس أو العقل فلا يوجد له مثال.
لا يوجد أبداً يا شباب، لا يوجد مثال ثبتت فيه الرواية عن الثقات الحفاظ ثم هو يخالف العقل أو يخالف المحسوس، أما أن يكون الحديث ليس ثابتاً وظننته ثابتاً، واما أن يكون هذا الواقع أنت فهمته خطأ أو ظننت وجهاً يخالف النص. يبقى يا شباب الإنسان قبل أن ينسب دليلين إلى الاختلاف لابد أن يصح الدليلان وأن يفهم الدليلين على الوجه الصحيح، وطبعاً هو في الآخر قال يعني ينبغي أن يرد ذلك إلى أهل العلم والحفظ وأهل الخبرة، ولا يصح أبداً أن يتهور الإنسان فينسب حديثاً للخطأ أو مخالفة العقل أو الواقع بهوى نفسه.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأحب منكم يا شباب أن تجتهدوا في طلب العلم، فوالله طلب العلم مع الصبر واليقين من خير ما يتسلح به الإنسان في حياته، ولا أعلم شخصاً صرف عن طلب العلم ثم بقي على ما هو من الهدى، لا يمكن أبداً يا شباب.
فلذلك اجعل يعني سواء كنت طبيباً، مهندساً، كنت تاجراً، كنت عاملاً، لابد أن يكون لك نصيب من العلم بكتاب الله وحديث النبي صلى الله عليه وسلم، حتى تعرف كيف تعبد ربك؟ كيف تعلم الناس؟ كيف تدعوهم؟ كيف تعلم زوجتك؟ كيف تعلم أبناءك؟ لن تعيش إلا حياة واحدة، فاتق الله تبارك وتعالى في عمرك.
لا يستوي عند الله تبارك وتعالى أبداً من قصد العلم بدينه ونشر العلم وسنته، وبين شخص يعيش لا يدري ما يفعل، أو يؤدي فرائضه ولا يعقل ما يقول ولا ليس عنده خطة نجاح. فلذلك يا شباب أطلب منكم أن تصبروا على طلب العلم، وأن تجاهدوا أنفسكم فيه، فوالله من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق