السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
صباح الخير يا شباب. فنحن في الدرس الواحد والثلاثين من قراءتنا لكتاب تحرير علوم الحديث لعبد الله بن يوسف الجديع، وكان حديثنا عن علم علل الحديث، أو أنواع أو أسباب الأسباب التي تعلل بها الرواية. وصلنا إلى صفحة سبعمائة وإحدى عشر، التعليل بالاختلاف. قال: معنى الاختلاف على الراوي. قال أبو داوود السجستاني: أسند الزهري أكثر من ألف حديث عن الثقات، وحديث الزهري كله ألفا حديث ومائة حديث، النصف منها مسند، ثم قالوا: أما ما اختلفوا عليه فلا يكون خمسين حديثا. والاختلاف عندنا ما تفرد قوم على شيء، وقوم على شيء.
نحن الآن يا شباب نتحدث عن نوع من صور توجد في كثير من الروايات، خصوصا في روايات الثقات الذين تدور عليهم الأسانيد. ما معنى تدور عليهم الأسانيد يا شباب؟ يعني مثلا نحن عندنا صحابة كرام أخذوا عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث وأكثروا من روايته، طبعا ما فيش تلازم يا شباب بين أن يكون الراوي كثير الأخذ وأن يكون الراوي كثير الرواية. فمثلا أبو بكر الصديق أكثر الصحابة علما برسول الله صلى الله عليه وسلم وبحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك هو في الرواية مقل جدا بسبب أنه شغل بالخلافة وأمورها، لم يكن لديه الوقت الذي توفر لبعض الصحابة الآخرين كأنس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وأبي موسى وغير ذلك. فبالتالي الصحابة الكرام المكثرون نقصد منهم الذين أكثروا من الرواية، والذين لهم أصحاب اعتنوا بجمع حديثهم وبروايته. تأتي بعد ذلك طبقة التابعين، ثم تأتي بعد ذلك طبقة أتباع التابعين. هناك رواية يا شباب تدور عليهم الأسانيد، يعني هم مكثرون من الرواية وتجد اسم راو منهم في أغلب الأحاديث. كل واحد منهم كان في بلد، وربما وجد أكثر من شخص في بلد، فعندنا مثلا الأعمش، أبو إسحاق السبيعي، قتادة، الزهري، عمرو بن دينار، ثابت البناني، يحيى بن أبي كثير وغير هؤلاء الكرام.
حينما يروي هذا الراوي وله تلاميذ كثيرون، يبقى إحنا الراوي اللي بتدور عليه الأسانيد يا شباب فيه ثلاث صفات مهمة. طبعا لابد أن يكون ثقة ثابتا وإلا فلن نتحدث عنه أصلا. الأمر الثاني: أن يكون مكثرا من الرواية. والأمر الثالث: أن يكون مكثرا من التلاميذ، يعني عنده كثير من التلاميذ. طيب، هل كل الرواة الذين دارت عليهم الأسانيد هم محل اهتمام؟ لأ، محل الاهتمام إذا كان الراوي قد اختلف عليه، يعني اختلف عليه أصحابه؛ بعضهم مثلا روى عنه الحديث مرسلا والآخر رواه مسندا، بعضهم رواه موقوفا والآخر رواه مرفوعا، بعضهم روى بلفظة والآخر روى بلفظة أخرى وهكذا. فنحن هنا نتحدث عن هذا النوع من علل الحديث، وهو أن يكون الرواة قد اشتركوا في الرواية عن راو من الرواة الثقات، ثم اختلفوا في الإسناد أو في المتن. فدي صورة المسألة يا شباب، كيف نتصرف مع هذا الاختلاف؟
إحنا في صفحة سبعمائة وإحدى عشر يا شباب، قال قلت: هذا يبين معنى الاختلاف على الراوي عند أئمة هذا الشأن، فالزهري حافظ كثير الحديث، وأصحابه الذين رووا عنه الحديث خلق كثير، وهم درجات في حفظهم، وثقات متقنون عنه كمالك بن أنس، ويونس بن يزيد الأيلي، وعقيل بن خالد، وسفيان بن عيينة، ومعمر بن راشد، وشعيب بن أبي حمزة وغيرهم، ربما اختلفوا عنه في الرواية وصلا وإرسالا، أو رفعا ووقفا، أو على إسنادين مختلفين، أو غير ذلك. قبل ذكر صور الاختلاف على الراوي يجب أن تعلم أنه ليس كل اختلاف في الرواية يكون قادحا مؤثرا في صحتها، وإنما الاختلاف بهذا الاعتبار قسمان. القسم الأول: اختلاف غير قادح، ولهذا صور منها الصورة الأولى: أن تتكافأ الطرق قوة عن راو ثقة يروي حديثا فيقول فيه مرة عن فلان، ومرة عن رجل آخر، لا على سبيل الشك، وإنما افترقا الوجهان بافتراق طرق كل من كل عن ذلك الثقة. مثل أن يروي بعض أصحاب سهيل بن أبي صالح حديثا عنه عن أبيه عن أبي هريرة، وغيرهم عنه أي عن سهيل عن أبيه عن أبي سعيد، فهذا لا يخلو من واحد من احتمالين. أولهما: أن يكون صوابه من أحد الوجهين، فيكون هنا أخطأ فيه ذلك الثقة، وقد يترجح الصواب بعينه بقرينة فيصار إليه، وقد لا يترجح شيء فتقبل الرواية أيضا؛ لأن غاية أمرها أن تكون محفوظة بأحد الإسنادين. وثانيهما: أن يكون محفوظا على الوجهين جميعا، وهذا طريق لا يصار إليه إلا إذا كان ذلك الثقة ممن لا يعاب، فبمثله تعدد الأسانيد من مثل الزهري، وعمرو بن أبي سلمة، والأعمش، ومنصور بن المعتمر وشبههم، وطائفة من المتأخرين يصيرون إلى ترجيح الاحتمال.
قال الثاني: بعضهم يقول ذلك أولى من تخطئة الثقة، وبعضهم يجعله من أجل ثقته قوة للحديث عن حفظه من وجهين. قال ابن حزم كما قال ابن حزم في مثل هذا: هذه قوة للحديث وزيادة في دلائل صحته، فقال مثلا في المثال المذكور: من الممكن أن يكون أبو صالح سمع الحديث من أبي هريرة ومن أبي سعيد فيرويه مرة عن هذا ومرة عن هذا. قال الشيخ: والتحقيق أنه لا يكون علة قادحة من أجل أن كلا الاحتمالين لا يمنع القول بثبوت الحديث. طيب، نشرح وبعد كده يا شباب نبدأ نذكر المثال. نحن الآن يا شباب نتكلم عن نوع من الاختلاف، حتى نحدد صورة المسألة. عندنا راو من الرواة الثقات الذين لهم تلاميذ كانوا يحفظون حديثهم، هؤلاء التلاميذ حينما رووا الرواية عن هذا الراوي الثقة المكثر اختلفوا عليه. يعني إيه اختلفوا عليه يا شباب؟ يعني خلينا نتصور كده مثلا أن الزهري كان يعطي درسا في المدينة النبوية وحضر له مثلا معمر وسفيان بن عيينة، فرووا عنه هذا الحديث برواية معينة، مثلا مرسلا أو رواه من مسند أبي هريرة أو من مسند أنس مثلا، ثم حدث بعض الثقات عن الزهري كعقيل وشعيب بنفس هذا الحديث ولكن جعلوه مرسلا أو موقوفا، يعني على خلاف الرواية الأولى. فكيف نتصرف هنا؟
فإحنا هنا عندنا احتمالات، الاحتمال الأول: أن يكون الزهري بالفعل حدث بكل هذه الطرق، واضح كده؟ لكن حتى نرجح هذا يا شباب لابد من أمور، أو من شروط. الشرط الأول: أن يكون الراوي المختلف عليه -اللي هو مثلا هنا الزهري- قد يكون في إسناد آخر الأعمش، قد يكون في إسناد آخر منصور بن المعتمر، قد يكون في إسناد آخر أبو إسحاق السبيعي، قد يكون قتادة، قد يكون يحيى بن أبي كثير، أي راو ممن يختلف عليه حتى نقبل تعدد الروايات عنه، لابد أولا أن يكون هو ثقة ضابطا متقنا، ولابد أن يكون من الحفاظ وألا يكون معروفا بالخطأ إذا جمع الروايات، يعني لابد أن هو يكون معروف أنه يحتمل منه أن يعدد الطرق وأنه ضابط للطرق فحينها نقول نعم، يمكن أن يكون حدث على الوجهين، وإلا يكون ذلك وهما منه. طيب، الشرط الثاني بقى يا شباب، الشرط الثاني في الرواة المختلفين عليه لابد أن يكون هؤلاء الرواة ثقات وأن يكونوا ثقات فيه هو، وكذلك الشرط الأخير ألا تأتي قرينة تثبت خطأ وجه من الوجوه. إذا تحققت هذه الشروط يا شباب نقبل كل الروايات على الراوي، واضح؟
طيب، الاحتمال الآخر بقى الاحتمال الآخر: أن نرجح بعض الروايات على بعض، حينها نعمل القرائن التي تكلمنا عنها في الدرس الماضي، مثلا ننظر إلى العدد، ننظر إلى ثقة الرواة، إلى اختصاص الراوي بشيخه، ننظر إلى ثقة الراوي في روايته وغير ذلك، ننظر إلى الشواهد والمتابعات، يعني نحاول أن نبحث عن الأدلة التي ترجح أحد، حينها يكون الوجه الذي رجحناه يسمى محفوظا. والمحفوظ هنا ليس بمعنى الصحيح ولكن بمعنى الوجه الصحيح للرواية، ليس معنى ذلك أن في نهايته صحيح ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأ، كلمة محفوظ يعني هو الوجه المحفوظ للرواية. هو هنا طبعا نقل عن المتأخرين، أو نقل كمان حتى عن ابن حزم، وابن حزم ليس من علماء الحديث المحررين، وليس ممن يؤخذ عنه قواعد علم الحديث، وإنما قد يستأنس بكلامه، لكن قواعد علم الحديث تؤخذ أولا من أئمة هذا العلم؛ شعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، ومسلم، والبخاري، والنسائي، والترمذي، وأبو داوود، والدارقطني، والبيهقي، وهؤلاء. فهو هنا ابن حزم رحمه الله بيقول تعدد الطرق يقوي الطرق، وهذا ليس صحيحا دائما؛ لأن تعدد الطرق كثيرا ما يكون بيانا لعلة الحديث، ويكون سببا في كشف خطأ الرواية، وهذا إن شاء الله ربما نأخذه في الدروس العملية، لكن أرجو أن يكون الكلام واضحا.
الشيخ بقى هنا بيقول إيه؟ والتحقيق أنه لا يكون علة قادحة من أجل أن كلا الاحتمالين لا يمنع القول بثبوت الحديث. هو هنا بيقول إيه يا شباب؟ بيتكلم عن الصورة الأولى التي هي الاختلاف فيها غير قادح، يعني يقصد يقول إيه؟ أن الرواة اختلفوا لكن كان في نهاية الأمر أي واحد من الطرق سيكون هو المحفوظ سيصح به الحديث. فالصورة دي الشيخ بيجعلها من العلل غير القادحة، هذا الكلام فيه جانب من الصواب وفيه جانب ليس صوابا، جانب الصواب فيه يا شباب نعم أن الحديث في نهايته لابد أن يكون صحيحا، فلو كان مثلا من رواية أبي سعيد الخدري أو من رواية أبي هريرة والإسناد موصول على كلا الوجهين، ما فيش أي مشكلة، كده كده الحديث صحيح. لكن علماء الحديث لا ينظرون إلى ذلك فقط يا شباب، لا ينظرون إلى مجرد صحة الحديث على كل الاحتمالات، وإنما يعنيهم أن يكون الراوي أدى الرواية كما تحملها. يعني إيه يا شباب؟ نركز هنا، لو أنا عندي مثلا الحديث اختلف هل هو من رواية أنس؟ أو من رواية أبي هريرة؟ العلماء هنا لا يقولون لا، ما هو أنس وأبو هريرة كل واحد منهم ثقة، فبالتالي خلاص ليس عندنا مشكلة، يمكن أن يكون من رواية أنس، من رواية أبي هريرة مش هيبقى فيه مشكلة لأن الاثنين صحابة. لكن علماء الحديث لا يقولون هذا يا شباب، النقاد ينظرون إلى الراوي، هل أدى الرواية كما تحملها أم لا؟ هو ده هذا هو قانون نقد الرواية، لا ينظرون إلى فكرة أن الحديث في نهاية الأمر سيكون صحيحا، لا، يعنيهم أن يكون الراوي أدى الرواية كما تحملها.
فبالتالي هنا عندي تعقيب على كلام الشيخ أن هو التحقيق أنه لا يكون علة قادحة، لو قصد أنه لا يكون علة قادحة في الحكم النهائي على الحديث فهذا له وجه من الصواب، أما لو قصد أنه لا يكون علة قادحة بحيث أن الراوي حيث روى فعلى أي وجه يكون كلامه صحيحا فليس هذا الكلام صحيحا، بل إن كثيرا من الأحاديث الموجودة في كتب العلل إنما ينكرها العلماء على أصحابها لكونهم أبدلوا ثقة بثقة، أو غيروا صحابيا بصحابي آخر، ويعدون ذلك من أخطائه. طيب قال: ومن أمثلة ما يقوى فيه ترجيح الاحتمال الثاني، قال: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء، واطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء. رواها أبو رجاء العطاردي فاختلف عنه، فرواه عوف بن أبي جميلة، وسلم بن زرير، وقتادة، وأيوب السختياني من طريق صحيح عن أبي رجاء عن عمران بن حصين. ورواه أيوب السختياني في أكثر الطرق عنه، وأبو الأشهب جعفر بن حيان، وسعيد بن أبي عروبة، وحماد بن نجيح، وصخر بن جويرية عن أبي رجاء عن ابن عباس.
أنت حاول لما يأتي مثال من هذا يا شباب أنك أنت تعمل له خارطة وتحاول أنك أنت ترسم خارطة الحديث حتى يسهل لك وحتى تتدرب. قال: وأخرج الحديث الشيخان البخاري من حديث عمران بن حصين، ومسلم من حديث ابن عباس، قال الترمذي: كلا الإسنادين ليس فيهما مقال، ويحتمل أن يكون أبو رجاء سمع منهما جميعا. طبعا الكلام هذا جيد أن هو احتمال أن إحنا نقبل كل الطرق، نعم يمكن يا شباب أن الراوي يكون له أكثر من شيخ، ممكن مثلا الزهري يكون سمع نفس الحديث عن أنس، يكون سمع نفس الحديث عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، عادي جدا ممكن، ممكن الشخص الواحد يكون له أكثر من شيخ ويصل إلى نفس المعلومة، ده شيء معروف جدا، لكن هل هذا دائما هو التفسير الوحيد للاختلاف؟ لا، يمكن أن يكون هذا خطأ من نفس الراوي أو من الرواة عنه.
طيب قال: ورواه أبو داوود الطيالسي فقال: حدثنا أبو الأشهب، وجرير بن حازم، وسلم بن زرير، وحماد بن نجيح، وصخر بن جويرية عن أبي رجاء عن عمران بن حصين وابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم به. قلت: هذا فيما أرى من صنيع أبي داوود أشبه.
حمل رواية بعضهم على بعض، وهو مرجح لما ذهب إليه الترمذي. يعني أبو داود الطيالسي أدخل الروايتين على بعض، يعني خلى أبا رجاء روى الحديث عن عمران وابن عباس في نسق واحد، بينما باقي الرواة بعضهم جعله من رواية عمران فقط، وبعضهم رواه من جعله من رواية ابن عباس فقط. لكن هو كأن هذا تصرف من أبي داود الطيالسي -رحمه الله- أنه ترجح لديه أن كلا الطريقين صحيح، فبالتالي خرجه بهذا النسق. المهم يا شباب أنك أنت تعرف أنه ليس كل اختلاف يحمل على هذه الصورة، إنما لا بد أن تتوفر فيه الشروط السابقة التي ذكرناها من ضبط الراوي المختلف عليه، واحتمال تعدد الطرق عنه، وثقة الرواة عنه، وعدم وجود قرينة تدل على أن أحدهم أخطأ.
الصورة الثانية: أن يروي الحفاظ الأثبات عن ثقة حديثاً بإسناد معين، وينفرد ثقة متقن عنهم فيرويه عن ذلك الثقة بإسناد آخر للحديث. مثاله ما رواه عامة أصحاب الأعمش عنه، يعني عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله بن مسعود -عن النبي صلى الله عليه وسلم- في سؤال اليهود إياه عن الروح، ونزول قوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ. كذلك قال في إسناده عن الأعمش: وكيع بن الجراح، وأبو معاوية الضرير، وحفص بن غياث، وعيسى بن يونس، وعبد الواحد بن زياد، وغيرهم وغيرهم. وهؤلاء من الحفاظ الأثبات من أصحاب الأعمش، خالفهم عبد الله بن إدريس الأودي، فقال عن الأعمش عن عبد الله بن مرة، عن مسروق بن الأجدع، عن عبد الله بن مسعود به. وابن إدريس ثقة حافظ لا يختلف فيه. وهذه الرواية تختلف عن الأولى لكنها لا تناقضها.
ويخاف من مثلها من راوٍ صدوق لم يعرف بمتانة الحفظ، أو كان ثقة قليل الحديث، فلا يحتمل أن يأتي بمثل هذه المخالفة، لعدم تبين إتقان لمثلها لقلة ما جاء به، بل ربما كان مجيء مثل هذه الرواية عنه دليلاً على لينه. يعني هو بيقول هنا يا شباب لما ذكر هذه الصورة الواقعية -يعني صورة وقعت بالفعل- أن عامة أصحاب الأعمش الثقات الحفاظ رووا الحديث عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن ابن مسعود، لكن عبد الله بن إدريس رواه عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود، واضح كده؟ ففي خلاف طبعاً. هو بيقول: إمتى نخاف من الاختلاف ده؟ إذا كان الراوي المنفرد من الرواة الضعفاء أو الرواة المتوسطين.
واضح هنا بقى نخاف منه، بل نجعل هذه المخالفة سبباً في تليينه وتضعيفه في روايته عن الأعمش، إذا كثرت منه يعني. واضح؟ قال: أما ما ثبت كونه من الثقات المتقنين المكثرين، فالأصل أن نقبل ما روى حتى يقوم دليل على خطئه. يعني بيقول: هذا الراوي تأكدنا من ضبطه في روايات كثيرة، فحيث خالف هؤلاء مخالفة يمكن أن يجمع بينها وبين روايتهم، وهو مشهور بالتثبت، فالأصل أن نقبل روايته، وأن نقوي بها الرواية الأخرى، وأن تكون الرواية لها أكثر من وجه. ولكن لا يقبل ذلك من كل أحد، وإنما يقبل من الثقة المتقن المشهور بالإتقان عن شيخه. إيه الفرق يا شباب بين هذه الصورة والتي قبلها؟ أن في الصورة التي قبلها عندنا مجموعة رواة خالفوا مجموعة رواة، إنما هنا عندنا أغلب الرواة في كفة وراوٍ آخر في كفة، فحينها احتمال تخطئة الراوي يكون أقوى. ولكن ربما يكون الراوي به قرائن يحتمل أن ينفرد بمثل هذا. طبعاً يا شباب كل رواية لها قرائنها الخاصة، ليس عندنا في علم الحديث قوانين جامدة، ليس عندنا قوانين رياضية، أن إذا خالف الثلاثة واحد كل رواية الثلاثة هي الأكثر، أو إذا خالف الثقة الضعيف ينبغي أن نقدم الثقة دوماً، لا، ما عندناش الأمور دي. عندنا كل رواية لها نقد خاص، وإن كان هناك قواعد عامة تراعى أيضاً.
قال: وليس مما يدل على خطئه أن يستقل دون الجماعة بما لا يروونه، وإنما بأن يروي ما يناقض رواية الجماعة ولا يكون له مخرج سوى الحكم بخطئه أو بخطأ الجماعة. وحيث امتنع الثاني فقد تعين الأول، وهو الشذوذ كما سيأتي. يعني هو بيقول هنا إيه يا شباب؟ بيقول إننا سنقبل هذه الرواية، الرواية التي انفرد بها الراوي الثقة، لأننا ليس عندنا دليل على خطئه، وليست مجرد مخالفة الثقات له تقطع بخطئه، بل يحتمل أن تكون الرواية لها أكثر من وجه. واضح؟ إلا إذا لا يمكننا الجمع بين الروايتين، فحينها نسمي رواية هذا الثقة شاذة أو منكرة، يعني نبين أنها خطأ لا تقبل. الشيخ هنا يقول والدارقطني متشدد، وقد يعل رواية الثقة بمجرد المخالفة وإن لم تكن مناقضة لرواية من هو أولى منه، ولكنه قال في هذا الحديث وقد ذكر مخالفة ابن إدريس للجماعة ولعلهما صحيحان وابن إدريس لم يتابع على هذا القول. طبعاً قول الشيخ أن الدارقطني متشدد، وصفه للدارقطني بأنه متشدد بناءً على مذهب الشيخ. فالتشدد أو اللين إنما يقال بناءً على الشخص نفسه. يعني مثلاً مثال واقعي، تصور أن شخصاً أساساً لا يؤدي الفرائض ولا يحافظ على الصلاة ومقضي حياته كلها يشاهد المباريات والأفلام ومضيع وقته، فحينما يرى شخصاً جاداً يحافظ على الفرائض لا يتكلم بالغيبة يحافظ على وقته، سيصفه بالتشدد. لا، هو مش تشدد، أنت أساساً اللي ضايع، يعني هو ليس متشدداً ولكن أنت اللي ضايع، فأنت نظرت إلى هذا الشخص الذي يقوم بالقسط -يعني يدوبك بيعمل الأعمال الواجبة- فنظرت إليه أنه متشدد، واضح كده؟
طبعاً مع الفارق في أنا بس أردت أن أقرب الفكرة. أنا في رأيي أن هذا ليس تشدداً من الدارقطني ولا شيء، بل هذا منهج صحيح قوي، والدليل أن الدارقطني أحياناً لا يعمل هذا المنهج إذا قامت قرينة قوية في الراوي تجعلنا نقبل من الراوي تفرده كما فعلت في هذا الحديث، يعني هو قبل تفرد ابن إدريس، واحتمل أن تكون كلا الروايتين صحيحة، مع أنه في الغالب يعل مثل ذلك. وسبب الإعلال -يا شباب- قوي له وجاهة، سبب الإعلال: كيف يكون هؤلاء الثقات جميعاً مع تواطئهم على هذه الرواية لم يحفظوا هذه الرواية؟ واضح، قد يقبل تفرد الراوي إذا كان له اختصاص بالراوي الذي انفرد عنه، لكن ليس كل ثقة يقبل تفرده عن الجماعة، وده بقى الخطأ. يعني لو أن الشيخ يقصد -هو تقريباً يقصد هذا- يقصد أن الثقة إذا خالف الجماعة فنحن على طول الخط نقبل روايته إلا لقرينة، لا هذا ليس صحيحاً. بل نقول أن الراوي إذا كان ثقة وانفرد عن الجماعة لابد أن يقوم به صفات تجعلنا نطمئن لروايته التي خالف فيها الجماعة.
الشيخ هنا يقول لا هذه ليست مخالفة، هذا اختلاف تنوع. يعني الشيخ يقول إن المخالفة فقط هي التناقض، وهذا ليس صحيحاً، ليست المخالفة هي مجرد التناقض، وإنما المخالفة يدخل فيها أن يكون هناك اشتراك في أصل الرواية ثم لا يقع توافق، يعني مجرد عدم التوافق يسمى مخالفة، هل يمكن أن نقبل الوجهين؟ نعم يمكن إذا قام في الراوي المنفرد قرائن تؤكد اختصاصه بالشيخ الذي انفرد عنه، فبالتالي هنا أنا لا أوافق الشيخ على فكرة أن مادام الراوي ثقة خلاص، يبقى الأصل أن نقبل روايته إلا لقرينة. لا، ولكن أضيف إلى ذلك أو أضبطه بأن أقول: لا بد في الراوي الذي نقبل تفرده عن الجماعة بحديث قد اشترك معهم في أصله لا بد أن يكون الراوي المنفرد له اختصاص بالشيخ، أو قامت قرائن على أنه ضبط تلك الرواية وأن أحداً من الرواة لم ينكر عليه في تلك الرواية فحينها نطمئن إلى صحة الوجهين.
قال: وهكذا دل صنيع مسلم حيث أخرج الحديث بالروايتين، وقال ابن حبان عقب إخراجه الحديث من رواية ابن إدريس التي تفرد بها ذكر البيان بأن الأعمش لم يكن بالمنفرد في سماع هذا الخبر عن عبد الله بن مرة دون غيره، وساق روايته عن إبراهيم كما رواها عنه الجماعة، فأفاد تصحيح الخبر من الطريقين. طبعاً المثال الجزئي يا شباب لا يؤخذ منه قاعدة كلية، يعني لا يصح أن نجعل هذه الأمثلة دليلاً على القاعدة بأن الأصل في رواية الثقة التي خالف فيها الثقات إذا لم تكن مناقضة لروايتهم أنها مقبولة إلا لقرينة، لأ ينبغي أن يكون هذا شائعاً في صنيعهم لا يستدل على ذلك بالمثال والمثالين والثلاثة. واضح؟
قال: بل في سياق رواية مسلم ما يشعر بوقوع الحديث لابن إدريس من الوجهين، حيث قال: سمعت الأعمش يروي عن عبد الله بن مرة وذكر إسناده، فكأنه يقول: قول هذا الحديث الذي رواه الأعمش عن إبراهيم سمعته كذلك يرويه عن عبد الله بن مرة. طيب، يبقى كل دي قرائن، يبقى ده يؤكد الفكرة التي نقولها وهي أن مجرد ثقة الراوي ليست هي المعتبر وحده، ليست هي المعتبر فقط، وإنما ننظر أيضاً إلى اختصاص الراوي أو إلى قرائن خاصة بالراوي تدل أنه فعلاً أن شيخه روى الرواية على أكثر من وجه.
طيب يا شباب، قال: وكذلك وجدته رواه عبد الله بن محمد الكرماني -وثقة- قال: حدثنا عبد الله بن إدريس عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله. يعني أو جاء وجه آخر عن عبد الله بن إدريس بالروايتين، قال: وهذه كرواية الجماعة دلت على وقوع الحديث لابن إدريس من الوجهين، والأعمش حافظ مكثر لا نكارة له، حفظ الحديث من وجهين. طبعاً كل ما ذكره الشيخ هنا جميل جداً وهو تحرير جيد، لكن فقط تعقيبي أن على ذلك سائداً في كل اختلاف من هذا النوع. لأ، أنت ترى أن الشيخ نفسه أعمل هنا قرائن بحث في تصرف العلماء وبحث في ثقة ابن إدريس وأنه مختص وبحث ونظر في الأعمش أنه يحتمل هذا التعدد، هذا بالضبط الذي نقوله، ينبغي أن يكون هذا عاماً سائداً في كل راوٍ يخالف جماعة قد اشترك معهم في أصل الحديث، لا يكون ذلك محصوراً في المخالفة التي هي بمعنى التناقض، لا، المخالفة هنا هي عدم الموافقة.
قال الصورة الثالثة: أن يروي الحديث ثقتان يختلفان في راوٍ في الإسناد، يسميه أحدهما ويبهمه الآخر، فهذا في التحقيق اختلاف غير مؤثر إذ لا تضاد فيه، وإنما يؤثر اختلاف الموجب للترجيح أو التوقف. وأما في هذه الصورة، فرواية من سمى قضت على رواية من أبهم، إذ الذي سمى قد حفظ علماً قصر عنه من أبهم. طبعاً شباب أيضاً كلام الشيخ هنا أيضاً أنا لا أوافقه عليه أنه كلما اختلف ثقتان فأحدهما أبهم والآخر سمى فهو بيقول ينبغي أن نقضي للذي، وهذا ليس دقيقاً أيضاً يا شباب، ليست هذه قاعدة. يعني أنا لا أعلم أحداً من العلماء جرى على هذه القاعدة أن كل ما خلينا نذكر صورة المسألة، هلا يا شباب يعني مثلاً لو أن راوياً يروي عن الزهري مثلاً، فقال -وليكن مثلاً عقيل- عقيل قال: حدثنا الزهري عن رجل عن أنس، تمام كده؟ حدثنا الزهري عن رجل عن أنس، وقال مثلاً يونس بن يزيد: حدثنا الزهري عن قتادة عن أنس مثلاً، هو ده بقى الشيخ بيقول خلاص إحنا نقضي بأن هذه الرواية الصواب أنها من رواية قتادة. هذا ليس صحيحاً يا شباب، ليس صحيحاً هذا الإطلاق أن كل ما ثقتين يختلفوا في الإبهام أو التصريح أننا نقضي لمن صرح. لا ليس هذا، لا أعلم أحداً جرى على هذه القاعدة بهذا الإطلاق، وإنما هذه القاعدة يجرى تطبق عليها كل الشروط السابقة أن ننظر في المختلفين الثقة فيهم ومن هو أوثق في شيخه، وننظر إلى القرائن، لأن كثيراً من الروايات تعلل بأن يذكر فيها راوٍ والصواب أن هذا الراوي ليس، والصواب هو كلمة "عن رجل" أو "عن فلان"، وليس الصواب هو التصريح.
قال القسم الثاني: اختلاف قادح. يعني الشيخ بيجعل كل الاختلافات السابقة ليست قادحة، فنحن هنا لنا نظرتان: الأولى إذا قصد ليست قادحة بمعنى أن الرواية في نهاية الأمر ستصح على أي الوجوه فهذا كلام له وجه حسن. لكن إن قصد أنها ليست علة أصلاً من أي نوع من العلل بحيث أن الراوي نفسه حتى لا يخطئ هذا ليس صحيحاً. لأن كثيراً من العلماء من علماء النقد في كتب علل الحديث أدخلوا أحاديث فيه وأعلوها مع أن الحديث في كل وجوهه سيكون صحيحاً، لكنهم يهتمون هنا: هل الراوي أدى الرواية كما تحملها أم لا؟ أنا فصلت في ذلك قبل قليل. طيب، قال: اختلاف قادح، يعني الاختلاف القادح معناه أنه سيؤثر على صحة الحديث. قال الصورة الأولى: أن يروي الحفاظ الأثبات عن ثقة حديثاً بإسناد معين وينفرد واحد دونهم في الحفظ، فيرويه عن ذلك الثقة بإسناد آخر للحديث. مثال ما رواه ابن شهاب الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة في كفارة المواقع امرأته في نهار رمضان، قال: هكذا رواه الثقات المتقنون من أصحاب الزهري: مالك بن أنس، ومعمر بن راشد، وسفيان بن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة، ويونس بن يزيد الأيلي، وعقيل، وابن جريج، وإبراهيم بن سعد، ومنصور بن المعتمر، والأوزاعي، والليث الأنصاري، وعراك، وعبد الرحمن بن خالد، ومحمد بن أبي حفصة، وغيرهم.
خلفاً في إسناد هشام بن سعد، فقال عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وهشام ثقة في الجملة، لكن لمجيئه بمثل هذه الرواية عن الزهري ضعف فيه خاصة. يعني ضعف في الزهرية خاصة، يعني قد يكون الراوي يا شباب ثقة في الجملة لكنه ضعيف في بعض شيوخه لثبوت المخالفة، أو أنه انفرد عنه بما لم يتابعه عليه الثقات.
قال البخاري: قال هشام بن سعد عن الزهري عن أبي سلمة، ولم يصحح أبو سلمة. يعني ذكر أبي سلمة هنا لا يصح. وقال ابن خزيمة: هذا الإسناد وهم، الخبر عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن هو الصحيح. كلمته الصحيح يعني هو المحفوظ، لا عن أبي سلمة. وقال العقيلي: المحفوظ حديث حميد. وقال ابن عدي في رواية هشام: خطأ. وقال الخليلي: قد أنكره الحفاظ قاطبة من حديث الزهري عن أبي سلمة، لأن أصحاب الزهري كلهم اتفقوا عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخي أبي سلمة، وليس هو من حديث أبي سلمة.
ومنهم من رواه عن هشام عن الزهري مقطوعاً عن أبي هريرة، رواه هكذا وكيع. قال أبو زرعة الرازي: أراد وكيع رحمه الله السف على هشام فأسقط أبا سلمة. قلت: ولو كان، يعني يقصد أن وكيعاً أسقط الراوي بين الزهري وبين أبي هريرة حينما روى الحديث عن هشام، واضح كذا؟ يعني كأنه أراد أن يستر خطأ هشام. ولكن الصواب يا شباب أن هذا ليس ستراً، يعني الستر هو أن تستر عيباً خاصاً، لكن إذا كان خطأ عاماً سيضر فهنا بيانه أولى. ولا يضر الرجل أن يخطئ، ما من أحد إلا وله أخطاء.
واضح قلت: ولو كان من حفاظ أصحاب الزهري لاحتملنا له ما احتملناه لابن إدريس عن الأعمش. هو بيقول هنا لو كان هو من الحفاظ المتقنين لاحتملنا منه ذلك. هذا بالتحديد يا شباب هو الذي نناقش الشيخ فيه، أن الشيخ يجعل أن مجرد أنه ثقة حافظ في شيخه هذا يقطع بأن كل تفرد له لم يتابع عليه يكون مقبولاً. لا، هذا من جملة الشروط، لكن هناك شروط أخرى لا بد أن تتوفر في الرواية، وفي الراوي المتفرد عنه، وفي ملابسات الرواية، قد يأتي دليل يقطع بأنه أخطأ، أو تأتي قرينة تدل أن الراوي روى الحديث من الوجهين.
آه الصورة الثالثة: الاضطراب. وذلك يبقى الصورة الثانية دي يا شباب اللي هي الصورة، أقصد في عندنا الصورة الأولى من الاختلاف القادح الذي هو المؤثر، أن راوياً يخالف الثقات وليس مختصاً بالشيخ الذي انفرد عنه، فبالتالي لا نقبل روايته. الصورة الثانية يا شباب من الاختلاف القادح الاضطراب، وذلك بأن يختلف الجماعة من الثقات ولا يقوم مع اختلافهم مرجح إلى الحكم برواية على أخرى لاستواء الثقة درجة واحدة.
يعني بيقول هنا إيه يا شباب بقى أننا قد نصل إلى الحكم بالاضطراب، يعني في الصورة الأولى يا شباب عندنا حديث عندنا وجه صححناه، أما باقي الوجوه أقصد باقي وجه صححناه الذي هو عليه الجماعة، ووجه أنكرناه، يبقى هنا فيه واضح أن فيه محفوظاً وفيه شاذاً أو منكراً. لكن في الرواية الأخرى بقى يا شباب في الوجه الثاني ليس عندنا دليل على تصحيح أحد الوجهين، فبنحكم للرواية على الرواية بالتوقف أو الاضطراب أن هذه رواية مضطربة لا نستطيع أن نرجح لاستواء الدرجات عن الرواة ثقات مختلفين اختلافاً شديداً.
قال مثال ما نقله أبو داود السجستاني، قال: سمعت أحمد بن محمد بن حنبل يقول -طبعاً أحمد يعني هو بينسب إلى جده، أحمد بن حنبل هو جده هو حنبل، إنما والده محمد- يقول: اختلف شعبة وسعيد وهشام في حديث أنس: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخْفِقُ رُؤُوسُهُمْ ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ، في اللفظ، وكلهم ثقات، يعني اختلفوا في اللفظ لكن كلهم ثقات، يعني لم يتفقوا على لفظ واحد، يعني كأن إيه الصحابة بيروحوا في النوم كده شوية وبعد كده بيقوموا يصلوا وما بيتوضوش.
وساق أبو داود ألفاظهم، فلفظ شعبة عن قتادة عن أنس: ينامون ثم يقومون فيصلون ولا يتوضؤون على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ولفظ سعيد بن أبي عروبة عنه: يضعون جنوبهم فينامون فمنهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ. ولفظ هشام الدستوائي: ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون. قلت: فأعل أحمد بالاختلاف ولم يرجح لثقة الرواة وتقارب درجاتهم في الحفظ. يعني الشيخ بيقول إيه؟ إنه مش قادر يرجح أي رواية، ليه؟ لأن كلهم ثقات وكلهم مختصون بالرواية عن قتادة. فهو مش عارف يرجح، يا ترى يرجح شعبة ولا سعيد بن أبي عروبة ولا هشام الدستوائي؟ كلهم ألفاظهم قريبة من بعض وكلهم ثقات.
فالإعلال هنا يا شباب بمعنى أنه متوقف، مش عارف أي رواية هي أصح. مش معنى كده أن الرواية مطرحة، لا هو نفسه بيقول أنا متوقف، ليس عندي قطع بأي الطرق أصح. لكن في اضطراب بقى يا شباب يكون أشد من كده، أن الراوي المختلف عليه أساساً ليس ثقة، فاختلاف الرواة الثقات عنه يؤكد أنه هو نفسه مضطرب، هو نفسه مش متأكد أي رواية صحيحة، واضح؟ فيقبل تعدد الطرق إذا كان الراوي يحتمل تعدد الروايات.
طيب قال: وهذه صورة المضطرب وهو قادح، يعني الشيخ بيقول إن طبعاً عشان نكون واضحين يا شباب الاضطراب هذا الحكم بالاضطراب هو أمر نسبي، ممكن مثلاً واحد غير الإمام أحمد يرى أن هذه الروايات ليست مضطربة وأنه يمكن الجمع بينها، وممكن واحد تاني يقول لأ، يمكن ننظر إلى باقي الروايات أو السياقات لهذا المعنى في الشريعة، يعني يحاول مثلاً يأتي بشواهد ومتابعات حتى يقوي أحد الطرق. إذاً يا شباب حكم الناقد على حديث ما بأنه مضطرب أو معلول اجتهاد هو يمكن أن يخالف فيه.
قال الصورة الثالثة: أن يروي الثقتان حديثاً يتفقان فيه سنداً ومتناً إلا في لفظة، يرويها أحدهما على ضد ما يرويها الآخر. يعني يقصد يقول إن فيه تناقضاً واضحاً، يعني لا يمكن الجمع هنا، لا يتكلم عن عدم الموافقة، لا يتكلم عن التناقض، عدم إمكان الجمع. قال مثل رواية عبد الله بن نمير -وهو من الثقات- عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبوري، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة المسيء صلاته قال: ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا.
فذكر في القصة الجلوس بعد السجدة الثانية، وهذه جلسة هي التي تسمى بجلسة الاستراحة، اللي هو قبل ما تطلع للركعة يا شباب، عارفين لما نخلص السجودين وعايزين بقى نطلع فوق عشان نقرأ مثلاً الفاتحة، دي بيسموها جلسة الاستراحة. خالف أبو أسامة حماد بن أسامة، وقد رواه عن عبيد الله بن عمر فقال في لفظه: ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ وَتَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا.
يعني لم يذكر شباب إيه؟ الجلسة اللي هي قبل الدخول في الركعة اللي بعدها، اللي هي بنسميها جلسة الاستراحة. فأسقط ذكر الجلسة من روايته وبلفظ مخالف لإثباتها، واضح كده؟ يعني واضح أنه بيقول لا، ارفع حتى تستوي قائماً، يعني خلاص كده لا الجمع. ورجح البيهقي روايته على رواية ابن نمير، لأنه أثبت في الجملة منه. لكن وجدنا من القرائن ما بين الخطأ في رواية أبي أسامة، وذلك أن الرواية عنه قد اختلفت، فرواه عنه إسحاق بن منصور وهو ثقة حافظ بترك الجلسة، ورواه إسحاق بن رواه موافقة لرواية ابن نمير، ولا سبيل إلى الطعن على من دون أبي أسامة، فلم يبق إلا حمل الوهم عليه كما وجدنا الترجيح، فلذلك بغير ذلك من القرائن.
يعني هو بيقول هنا يا شباب هنا ثقتان، يعني نحن عندنا المقارنة هنا بين ثقتين ولا يمكن الجمع بين الروايات، واحد منهم زاد رواية أو زاد لفظة مش ممكن تجتمع مع الرواية الأخرى، لأن كأن بينهما تناقضاً، واحد بيقول إنك بعد ما تقوم من السجدة الثانية ترفع على طول تقوم تجيب الركعة اللي بعدها، وواحد بيقول لا تجلس وتطمئن، اللي بنسميها جلسة الاستراحة. ففي خلاف، أقف هنا واضح. فهو بيقول كل واحد من النقاد يحاول أن يعمل القرائن، لكن هنا جميل نقده هنا لهذا الحديث جميل جداً، لأنه لم يعتمد فقط على ثقة الثقة العامة، مثلاً ثقة أبي أسامة حماد بن أسامة أنه أوثق من ابن نمير، وإن كان ابن نمير كذلك من الثقات الحفاظ، لكنه اعتمد على أمور أخرى وهو جمع الروايات عن أبي أسامة، فبين أنه اختلفت عليه الروايات وأن هذا الوهم ربما يكون منه، فلذلك قوى الرواية الأخرى، فهذا منهج في نقد الروايات.
طيب يا شباب هنا عندنا التعليل بالخطأ، إن شاء الله نحن عندنا خمس صفحات نحاول نقرأها بسرعة، مش عارف نحن كدا أخذنا ساعة ولا وقت قد إيه، مش عارف لو حد يبص في الوقت يا شباب، شوف نحن أخذنا وقت قد إيه. قال التعليل بالغلط ويأتي على أمثلة كثيرة يندرج تحتها بعض ما تقدم مما يعود إلى وهم الراوي الثقة، كالخطأ في الوصل أو الإرسال أو الرفع أو الوقف، ومن أظهر ما يكون من عداد الحديث مما ترى التعليل به عند أئمة الشأن الصور التالية.
أربعين دقيقتين طيب تمام خلاص إن شاء الله نكمل يعني عشرين دقيقة كمان عشان يبقى نلتزم بالساعة عشان الشباب قالوا ما تزودش عن الساعة. عندنا يا شباب يعني هو بيقول هنا التعليل بالغلط، يعني وقوع الخطأ في الرواية، ده سهل جدا يا شباب هنقرأه سريع جدا إن شاء الله. أول نوع أو أول صورة نحن عندنا يا شباب الخطأ إيه هو خطأ الراوي يا شباب؟ أن يروي الرواية على غير الوجه الذي تحملها به، أن يؤدي الرواية على خلاف ما تحمل، بس هو ده، طيب إيه هي صور الخطأ؟ صور الخطأ بقى كثيرة جداً لكن يجمع هذا الأصل أنه أدى الرواية بخلاف ما تحملها، مثلاً سمع الرواية عن أبي هريرة فخلاها عن أنس، سمع الرواية مرسلة مثلاً عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم فجعلها عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سمع الرواية موقوفة فجعلها مرفوعة، دخل عليه حديث في حديث، ركب إسناداً على متن، كل دي أسماء صور للخطأ.
طبعاً عندنا الصورة الأولى التي هي دخول حديث في حديث، نحاول نأخذ منها مثالاً واحداً لأنها سهلة جداً. قال علي بن المديني حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ. روى يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن أبي إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن الحجاج بن أبي الحجاج عن أبي هريرة، وهذا غلط. ورواه يحيى بن سعيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم.
طيب خلينا نختصر في ده يا شباب لأن هو الصراحة مش محتاج أننا... قال خلينا نجيب صفحة سبعمائة وواحد وعشرين. قال وقول أبي هريرة وحديث الثلاثة، وقول أبي هريرة... لا خلينا نرجع تاني قال وعن هشام بن عروة عن الحجاج بن أبي الحجاج عن أبي هريرة: الرضاع ما فتق الأمعاء، وقول أبي هريرة وحديث الثلاث صحاح وحديث ابن إسحاق وهم. يبقى هو يبين أن في راوياً من الرواة دخل عليه حديث في حديث اللي هو حديث ابن إسحاق اللي هو أول حديث يا شباب، اللي هو عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن الحجاج، يعني دخل عليه حديث في حديث، دخل حديثين في بعض يعني يا شباب. صراحة مش محتاج شرح. خلينا نقف مع الأشياء الصعبة.
طيب صفحة سبعمائة واثنين وعشرين التصحيف في الأسانيد والمتون، قال: وهذا يقع في المتن والإسناد، التصحيف يا شباب يعني التصحيف أن هو يغير لفظ الحديث أو يغير تشكيله مثلاً أو يرويه بالمعنى فيفسد معناه، أو يغير اسم الراوي يكون صالح بن حيان يخليه ابن حبان، وهكذا. أيضاً ده مش محتاج صراحة أنني أعلق لكم عليه، سهل جداً، وطبعاً التصحيف يقع في الإسناد أو في المتن.
آه، مثلا شعيب يخليه سعيد، اه مثلا اه، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذ الروح غرضا، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذ الروح عرضا. آه الروح غرضا يعني ما ينفعش، عارفين نشان؟ أنك أنت تنشن مثلا على تحط حاجة وترمي عليها طوبة مثلا أو ترمي عليها سهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تتخذ الروح غرضا، نهى أنك أنت تجيب فرخة مثلا دجاجة وتحطها وتنشل عليها وتتدرب عليها، لأ ده حرام. فالراوي فهم الحديث غلط ورواه بالايه؟ بالمعنى: نهى أن تتخذ الروح عرضا، أنك أنت ما تفتحش شباك في بيتك بالعرض يعني، فطبعا أفسد معنى الحديث.
طيب، التصحيف ده أمره يعني سهل أنك أنت تفهمه طبعا، وإن كان اكتشاف التصحيف صعب، لكن هو آه يعني أنك أنت تفهم ما معنى التصحيف ده، وإن شاء الله بإذن الله قريبا أرفع لكم الشرح الذي شرحته للشباب في الدورة الأخيرة في الحديث في كتاب التمييز؛ فيه أيضا جملة من الأحاديث التي وقع فيها تصحيف. طيب، هو ذكر صورا كثيرة جدا من التصحيف: أسماء الرواة وتصحيف بعض ألفاظ المتن.
طيب قال الصورة الثالثة، صفحة سبعمئة خمسة وعشرين، القلب: قال وبينت معنى القلب في الحديث المقلوب، ومن الأمثلة التي وقع فيها القلب في الإسناد وتضمن غير نوع من العلل، يعني أكثر نوع من العلل أكثر، يعني قال ما رواه أبو الأحوص سلام بن سليم عن سماك بن حرب عن القاسم بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي بردة بن نيار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشربوا في الظروف ولا تسكروا. سأل ابن أبي حاتم الرازي أبا زرعة عن هذا الحديث فقال: وهم أبو الأحوص، فقال عن سماك عن القاسم عن أبيه عن أبي بردة، قلب من الإسناد موضعا وصحف في موضع. أما القلب فقوله عن أبي بردة، أراد عن ابن بريدة؛ يبقى أول حاجة إيه يا شباب؟ أنه قلب، ثم احتاج أن يقول ابن بريدة عن أبيه، فقلب الإسناد بأسره وأفحش الخطأ، يعني كده هو بوظ الدنيا خالص، فاهمين كده يعني هو مش غلط في غلط واحد، لا غلط أكثر من خطأ.
قال وأفحش من ذلك وأشنع تصحيفه في متنه، يعني كمان صحف في المتن، يعني إيه؟ هو صراحة سلام بن سليم ضيع الحديث ده خالص يا شباب، حاول أنت مع نفسك كده تقرأ الحديث الأول الذي هو الذي احنا ذكرناه صفحة سبعمئة خمسة وعشرين، وتشوف نقد أبي زرعة الرازي له، وتعرف إيه وجه الصواب في الرواية وإيه الوجه الذي أخطأ فيه سلام رحمه الله. قال: وأفحش من ذلك وأشنع تصحيفه في متنه: اشربوا في الظروف ولا تسكروا، وقد روى هذا الحديث عن ابن بريدة عن أبيه أبو سنان ضرار بن مرة وزبيد اليامي عن محارب بن ديثار وسماك بن حرب والمغيرة بن سبيع وعلقمة بن مرثد والزبير بن عدي وعطاء الخراساني وسلمة بن كهيل، كلهم عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية ولا تشربوا مسكرا. وآه في حديث بعضهم قال: واجتنبوا كل مسكر، ولم يقل أحد منهم: ولا تسكروا، وقد بان حديث أبي الأحوص من اتفاق هؤلاء. يا ريت يا شباب تحاول تقرأ الحديث وتشوف كم غلط أخطأ فيه، أو كم وهم وقع فيه أبو الأحوص.
طيب، التعليل بالتدليس صفحة سبعمئة سبعة وعشرين يا شباب، قال وشرحت معنى التدليس في الحديث المدلس، معروف الحديث المدلس، التدليس هو الإيهام، أن يروي أن يوهم الراوي الرواية على خلاف ما تلقى، قد يكون ذلك بإسقاط شيخه أو شيخ شيخه، قد يكون ذلك تغيير اسمه مثلا الذي هو نسميه تدليس الإسناد أو تدليس أسماء الشيوخ، أو تدليس البلدان أو تدليس التسوية، واضح؟ إذن احنا شرحناه قبل ذلك يعني، وتجدون شرحا مفصلا إن شاء الله في كتاب لغة المحدث.
قال التعليل ب بمعنى الوقوع لا المظنة، أي ليس التعليل بمجرد العنعنة من الراوي الموصوف بالتدليس، وإنما بكشف وقوع تدليسه في ذلك الحديث عن طريق جمع أسانيده، يعني هو يقصد يقول التعليل بالتدليس يعني إيه يا شباب؟ يعني أن يكون الراوي روى عن شيخه مثلا عندنا راوي مدلس مثلا يعني مثل ابن جريج مثلا يروي عن الزهري بينما هو أخفى الراوي الذي أخذ منه الرواية عن الزهري، أو مثلا حميد يروي عن راوي عن أنس فيخفي الراوي الذي حدثه عن أنس. فلو أننا اكتشفنا هذا الراوي المدلس الذي هو أخفى، وكان هذا الراوي ضعيفا، يبقى لا شك أن هذا مما تعل به الرواية، يكون هنا بقى من باب القطع، لكن لما الراوي قال عن، احتمال أنه يكون دلس واحتمال أن يكون لم يدلس، واحتمال أن يكون الراوي ثقة الذي هو الساقط، واحتمال يكون ضعيف. واضح كده يا شباب؟ طبعا لو أي أحد منكم يحضر هذا الدرس وهو لم يحضر الدروس الأولى أظن سيكون الكلام عنده صعبا، ولكن لو هو بدأ في مجموعات، احنا تقريبا عندنا الآن مثلا هذا الكتاب عندنا فيه واحد وثلاثين درسا، وعندنا كتاب لغة المحدث كان خمسة وعشرين درس، وكتاب النهج المبتكر الذي هو شرح نخبة الفكر أيضا كان خمسة وعشرين درس، يعني عندك تقريبا كم درس؟ يعني ما يقارب تسعين درسا حاولنا أن نشرحها بتوسع في كل مسائل علوم الحديث التي هي من الدراسة النظرية وشوية من الجانب العملي، فلو أنك أخذت من أولها ستجدوها سهلة إن شاء الله وكل مرحلة تسلم لما بعدها، لكن ربما هنا لو أنت دخلت مثلا في هذه الدروس ربما تكون عليك صعبة، تسمع مصطلحات جديدة لا تعرف دلالاتها أو نتكلم عن موضوع نبنيه على ما تقدم بينما ليس عندك أنت هذه المقدمات، فحاول يعني لمن انضم إلينا مؤخرا يبدأ الأحاديث من أولها وممكن يمشي في الاثنين مع بعض؛ يأخذ درس من هنا ودرس من هنا.
طيب فذكر هنا يا شباب أن مثل حديث بقية بن الوليد عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل يحب الملحين في الدعاء، قال هكذا رواه كثير بن عبيد الحذاء عن بقية، فهذا يقول فيه المبتدأ في إسناده بقية، يعني بيقول لو واحد مبتدئ مثلا ما عندوش خبرة، يقول إيه؟ في إسناد بقية وهو مدلس وقد عنعن، خلاص كده يعني قال عن، ثم يقلب فيرى بعض من رواه عن كثير قال فيه: حدثنا كثير بن عبيد حدثه بقية، فيحدث الأوزاعي فيقول إن زاحت عنه شبهة التدليس، والأوزاعي فمن فوقه إسناد معروف الصحة. طبعا هو هنا الشيخ بيبين أن عددا من المحققين المعاصرين يفعل هذه الطريقة البدائية الخطأ، أن هو يأتي مثلا لراوي مدلس روى بالعنعنة فيقول فيه فلان وهو مدلس وقد روى بالعنعنة، يبقى احنا نشك في هذه الرواية، فإذا وجد رواية أخرى فيها التصريح بين الراوي ومن روى عنه التصريح بالسماع، يعني يقول خلاص انزاحت عنه شبهة التدليس. طبعا الشيخ بيستعمل نفس ألفاظ هؤلاء بالضبط هم يتكلمون بهذه الطريقة، ويعني هم بيقلدوا بعض فيها، وهي طبعا طريقة بدائية ولم يكن على هذه الطريقة الأئمة، الذي هو النظرة السطحية، قال لكن يقول الناقد عن الناقد الذي بيفهم يعني: لكن يقول الناقد في هذه الرواية كما قال البيهقي هكذا قال حدثنا الأوزاعي وهو خطأ، يعني لتفرد راو بها عن كثير عن بقية دون الجماعة مع قيام الدليل على الواسطة بين بقية والأوزاعي فيه.
يعني إيه يا شباب؟ يعني الذي ينظر نظرة مبدئية للإسناد ده ماذا يقول؟ آاه حد بيقول التسلسل، آه التسلسل هو أنك أنت تبدأ بكتاب النهج المبتكر ثم لغة المحدث ثم كتاب تحرير علوم الحديث، بعدها يأتي إن شاء الله عندنا بقى شرح الكتب الكبيرة، وإن شاء الله يكون عندنا تدريب عملي بإذن الله. فهنا يا شباب بيقول لك لو واحد مبتدئ يعني ونظر في هذا الإسناد فهيقول لك إيه: إن بقية مدلس وروى بالعنعنة، لكن بعد كده لو جاءت أي رواية فيها حدثنا بين بقية وشيخه فسيقول مباشرة إيه، فسيقول إن خلاص انتفت شبهة أو انزاحت على رأي الشيخ يعني انزاحت شبهة التدليس، بينما الصواب يا شباب أن كلمة حدثنا هنا هي الخطأ أصلا، يعني كلمة حدثنا الأوزاعي هذه خطأ، واضح كده يعني إيه خطأ؟ يعني الراوي الذي ذكرها أخطأ، بينما من أصحاب بقية رووا لهذا الحديث عنه بالعنعنة ولم يأتي التصريح فيها، يبقى إذا يا شباب وجه الإعلال هنا، وجه الإعلال هنا أن الراوي الذي ذكر حدثنا بين بقية والأوزاعي أخطأ، الصواب ذكر العنعنة بين بقية والأوزاعي؛ لأن الراوي يا شباب كما أنه يخطئ في الأسماء ويخطئ في ألفاظ الحديث، كذلك يخطئ فيحول كلمة عن إلى حدثنا أو أخبرنا أو العكس.
طيب قال كما قال أبو حاتم الرازي: هذا حديث منكر، نرى بقية دلسه عن ضعيف عن الأوزاعي، يعني بقية أسقط ضعيفا بينه وبين الأوزاعي، وقال العقيلي: العقيلي لعله أخذه بقية عن يوسف بن السفر، يعني يوسف بن السفر هذا هو الواسطة بين بقية والأوزاعي، قلت هو كذلك إنما حمله بقية عن أبي الفيض يوسف بن السفر كاتب الأوزاعي عن الأوزاعي، وكان يوسف هذا متهما بالكذب في الحديث، وطبعا يعني كما وصف أبو مسهر، وهو من من كبار نقاد الشام وكان له المرجع في العلم برواة الشام، أن هو قال: أحاديث بقية ليست نقية، فكن منها على تقية. يعني إيه ليست نقية؟ يعني يدلس فيها كثيرا فانتبه وكن على حذر. فالشيخ هنا جزاه الله خيرا وهو من الباحثين المتميزين جدا بصراحة وعنده جمع وتحرير ونقد رائع جدا خصوصا في علوم الحديث يعني، فهو الشيخ لما قال العقيلي لعله أخذه عن بقية، الشيخ تتبع وبالفعل أقصد العقيلي، قال لعل بقية أخذه عن يوسف، فالشيخ تتبع ووجد فعلا أن بقية أخذ هذا الحديث عن راو كذاب أو متهم بالكذب، وذكر الرواية التي جاء فيها ذكر ذلك.
طيب قال وكذلك عله ابن عدي بتدليس بقية، والتعليل بهذا الطريق لا يتفطن له إلا من رزق بصيرة وقوة معرفة وسعة اطلاع في هذا العلم، والذي يعل به الطلبة غايته ما ذكرت؛ يعني عايز يقول أن الطالب المبتدئ أو الشخص الذي لا يسير على منهج أئمة الحديث في النقد سيكون متسرعا. من أراد يا شباب أن يعرف جملة من الأخطاء الكبيرة التي وقع فيها كثير من المحققين المعاصرين شراح الحديث، يراجع كتاب كثيرا ما أنبه عليه، كتاب الإرشادات في تقوية الحديث بالشواهد والمتابعات للشيخ طارق عوض الله، وهو أحسن كتاب صنف في بابه، وهو بيان أخطاء المحققين المعاصرين في تقوية الحديث بالشواهد والمتابعات، كتاب رائع، أصلا هذا الكتاب فيه مقدمة سبعين صفحة، أنا كنت دائما على الطلاب حتى لو لم نقرأ الحديث، يعني أقصد لو لم نقرأ الكتاب كاملا، كنت أجمع الطلاب وأقرأ عليهم أول سبعين صفحة لأنها تتكلم عن جهود أئمة الحديث والدقة والجمع والتحرير بما يقتضي أن تسلم لهم في منهجهم في نقد الرواية وألا تخرج عنهم. فالشيخ هنا فعلا يعني جزاه الله خيرا هو نبه على هذا الخطأ المشهور الذي يقع فيه الطلاب الذين لم يتعودوا على طريقة نقد الأئمة ويتسرعون في تقوية الأحاديث بالشواهد، وحتى لا يكلفوا أنفسهم، لا يكلفون أنفسهم بالرجوع إلى كتب العلل.
طيب بذلك يا شباب نكون قد انتهينا من درس اليوم، وبإذن الله تبارك وتعالى هنحاول أن احنا في الأيام القادمة نشد حيلنا شوية لأن أنا كنت وعدت بعض الشباب أننا سننتهي من هذا الكتاب قبل رمضان إن شاء الله، لأن هو تقريبا ملتزم بدراسة تقريبا في أكاديمية أو شيء، هو مجموعة من الطلاب يعني اهتموا بأن احنا نحاول ننجز الكتاب قبل رمضان، فإن شاء الله أجيبهم إلى ذلك وأنا أحب أن أعين طلاب العلم بما أستطيع خصوصا طلاب العلم الجادين الذين هم يعني عندهم جدول يهتمون، وهؤلاء صراحة قليل قليل جدا يا شباب. فرق كبير بين واحد يريد أن يكون مثقفا، يقلب الصفحات وينتقل من مجموعة لمجموعة أو من درس لدرس ومن كتاب لكتاب، لم يختم كتابا واحدا من أول ما بدأ طلب العلم. وبالمناسبة يا شباب أنا قابلت كثيرا من طلاب العلم وسألته سؤالا واضحا، هو بيشتكي بقى من قلة تحصيله، قلت له: سأسألك سؤالا واحدا فقط، وهو طبعا ينسب إلى المتفرغين للطلب، قلت له: هل ختمت كتابا واحدا من الأول إلى آخره؟ يا عم ولو حتى مختصرا؟ لا، ولا قرأ كتاب لا في تفسير القرآن ولا في أحكام الشريعة الفقه ولا كتاب في شرح حتى الأربعين النووية التي هي المفروض يعني. يا شباب في فرق كبير جدا بين طالب العلم قبل.
انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وبعدها فرق كبير، كبير جداً. في ناس لا يتحكم في نفسه، يبقى طول النهار عايش على الإنترنت وعلى المواقع، ينتقل من صفحة إلى صفحة، ومن مسألة مثارة إلى مسألة مثارة، يضيع عليه عمره بين خصومات وجدال، يضيع قليل ما عنده بكثير من الجدل. يدخل في المشكلات، ما عندوش صبر يجلس على الكتاب ساعة واحدة. أنا مستغرب والله، يعني لما أذهب إلى الطلاب أجدوني يحكي لي، يعني يجلس على الكتاب خمس دقائق وبعد كده يقوم يكتب منشور، بعد كده يجلس شوية، وبعد كده يكتب معلومة أخذها.
لا يا شباب، ما فيش الكلام ده والله، أقسم بالله العظيم أنا كنت أجلس مع الشباب وأنا أدرس لهم باثني عشر ساعة في اليوم، وحينما أذاكر مثلاً يعني كتاب تفسير الطبري لما كنت بقرأه من قبل أربع سنوات أو خمس سنوات، لما عزمت أن أنا أقرأه والحمد لله، كنت أحياناً كثيرة أقرأ في اليوم الواحد سبعمائة صفحة، أبقى في المسجد يعني لا أقوم إلا للغداء والصلاة، كده كده أنا جالس في المسجد. وهكذا يا شباب وإلا العمر هيضيع. لابد أن تأخذ نفسك إلى معالي الأمور، احفظ نفسك.
وإن شاء الله بإذن الله يوم الثلاثاء القادم في محاضرة كده طلبها مني واحد في أكاديمية تعليم القرآن في مكة، إن شاء الله هذه المحاضرة بإذن الله يا شباب يعني هي المشكلة أنها تكون ساعة واحدة فقط، أنا أحب أن تكون ساعتين لأني سأتكلم فيها عن حفظ الوقت لطالب العلم، كيف الحكمة في التعامل مع الوقت؟ سبيل الإنجاز؟ القصة مش قصة بس أنك تكون حريص على الوقت، لا، القصة أن تختار أحسن ما يمكن أن تشتغل به في الوقت. فلذلك يا شباب أنا حزين، أقسم بالله حزين جداً جداً على كثير من طلاب العلم اللي عندهم نباهة وعندهم صدق، عندهم أمانة، عندهم دين، أن هم تضيع أعمارهم فيما لم يخلقوا له، أو فيما فيه نفع لكنه قليل بالنسبة لإمكاناتهم التي يمكن أن يقدموها.
كثير من الشباب درسوا مئات الكتب، عشرات مئات الكتب، وإلى الآن ليس لهم درس وليس لهم من ينتفع بهم، لا يعلمون الناس، لا يخطبون الجمعة، لا يعني ترى أهل الكفر، أهل الباطل، أهل الفسق وأهل الفجور، وأهل الإلحاد وأهل العلمانية والليبرالية والحداثيين، وكل هؤلاء تراهم مع قلة وضحالة ما عندهم من علم، وضعف البيان والجهل والفسق، يجاهرون بالمنكر وينشرونه بقوة، وينشطون يسافرون البلدان، وطالب العلم اللي هو المفروض ثقة عاجز، أما لأنه خايف من النقد، أو لأنه يحضر ويتوسع كثيراً فيصل به إلى الملل، أو لأنه مشغول بأمور تافهة، أو لأنه كسلان. فكما قال عمر بن الخطاب: أعوذ بالله من جلد الفاجر وعجز الثقة. أعوذ بالله أن الفاجر جلداً صبوراً قوياً مع فجوره وكذبه على الله، ويكون أهل الثقة ضعفاء عاجزين جبناء خائفين مترددين نائمين.
وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ * وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. لذلك يا شباب نتقي الله تبارك وتعالى في أعمارنا، في صحتنا، في قوتنا. والله العمر ده شباب غالي جداً، كل إنسان يوم القيامة سيتحسر على وقت مضى لم يعمل فيه لله تبارك وتعالى. يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ، خلاص، تنفع يقول: يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي. كل ما تفعله اليوم يعني تقدمه لحياتك الباقية، وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ.
لذلك لما هم قالوا لربنا: يا رب رجعنا، قال: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ. النذير هنا يا شباب هو كل شيء تنذر به، ممكن موعظة تسمعها، ممكن سنك اللي كبر وعمرك اللي رايح منك، ممكن ابتلاء، ممكن موت الفجأة، كل هذا نذير. فإذا لم يتعظ الإنسان بكثرة النذر من حوله خلاص لا يلم بعد ذلك إلا نفسه. فلذلك شباب نتقي الله ونجتهد في تحصيل علوم نافعة ونجتهد في تعليم الناس ودعوتهم بما نستطيع، لكن لازم تعرف أن التأصيل والقوة، إعداد القوي يثمر دعوة مباركة، تكون دعوتك دعوة تنفع بها الناس، مش أي حديث تعرفه، أي حاجة، لا يا شباب لازم لازم تتعب شوية، تتعب وتصبر وتجتهد وربك سبحانه وتعالى معك لن يضيعك.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك فيكم وأن يحفظكم، اجتهدوا يا شباب، فوالله من خير ما يمكن أن تخدم به الإسلام أن تتعلم دينك وأن تعلم من تستطيع، علم أبناءك، علم زوجتك، علمي زوجك، علمي جيرانك، علم أحبابك، علم زملائك في العمل، خليك كده إنسان منور، تتحط في أي مكان تدل الناس فيه على الخير، بدل ما هم بيلعبوا ومضيعين وقتهم كلفهم بأشياء نافعة، انصحهم، شجعهم، بث فيهم الأمل، قوي عزائمهم، أشغلهم بالأعمال النافعة، افتح لهم أبواب الخير، دلهم على الطريق. والله يعني لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم.
ستجد في صحيفتك يوم القيامة أعمالاً عظيمة ما كانت تخطر ببالك، وتقول: يا رب أنا كيف بلغت هذه المنازل؟ يعني تقول إن عملي قليل فكيف بلغت هذه المنازل؟ تجد أنك بلغت هذه المنازل لأنك فتحت طريق الله أمام كثير من الغافلين، أمام كثير من الكسالى، أمام كثير من الذين هم يعني عدموا الثقة في أنفسهم. هتلاقي نفسك نور كده بتنور في أي مكان، ستكون بركة على كل من تخالطهم وكل من يسمعون كلامك. فلذلك يجب أن تكون قوياً، المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. اجتهد واستعن بالله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق