السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ.
أهلا ومرحبا طلاب العلم الكرام، أهلا ومرحبا بشباب دراسة تراث الأئمة المحققين، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا. رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ، رَبَّنَا هَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا. وبعد، فهذه الدورة الثالثة من دراسة علوم الحديث.
وقد أكرمنا الله تبارك وتعالى وتدارسنا في أيام سابقة كتابين مهمين كمدخل لتصور علوم الحديث وأبوابها ومسائلها؛ درسنا بحمد الله في الكتاب الأول النهج المبتكر شرح نخبة الفكر، وهو كتاب مهم جدا وتأسيسي في تصور كل مسائل علوم الحديث، أو جملة مسائل علوم الحديث، وأخذناه بشكل عملي تطبيقي. ثم بعد ذلك دخلنا في دراسة كتاب مهم جدا، وهو كتاب شرح منظومة لغة المحدث للشيخ طارق عوض الله حفظه الله. وهذا الكتاب وإن لم يكن جامعا لكل المسائل، إلا أنه يعني اهتم بأخص المسائل التي يجدها الطالب في الناحية العملية التطبيقية، وكان كتابا يعني مهما جدا؛ يعني الحمد لله حاولنا أن نغطي كل المسائل المهمة التي تناولها الكتاب والتي سيجدها طالب العلم عند الدراسة التطبيقية إن شاء الله.
اخترت لكم في ختام المرحلة الأولى، وحتى يتذكر الشباب، نحن أردنا أن تكون المرحلة الأولى بمثابة الفرشة؛ يعني نحاول أن نعرج على كل أبواب علوم الحديث، ونأخذ في كل باب من الأبواب أهم المسائل، ونأخذ في كل مسألة أهم القواعد التي تتأسس عليها تلك المسألة. وسبق أن بينا أن علوم الحديث تدور في علم مصطلح الحديث، وعلم الرجال الذي يسمى بعلم الجرح والتعديل، وعلم علل الحديث، والعلم بمصادر السنة وشروط الأئمة في مصنفاتهم. ذكرنا كذلك أن من فروعه دراسة الأسانيد ونقد الرواية ونقد الراوي. في هذه الكتب التي في المرحلة الأولى أردنا أن نهتم بعلم مصطلح الحديث كأساس للدخول بعده في دراسة استقراء تراث الأئمة المحققين في علم الحديث.
وبيّنا أن علم مصطلح الحديث إنما نريد منه أمرين، الأمر الأول: أنا دائما أبين هذه الأفكار حتى تعرف غرض كل دورة، فمعرفة هدف الدورة أساس في كيف تتعامل معها؟ وكيف تقيم نفسك فيها؟ هل حققت المراد منها أم لا؟ المراد من دراسة علم مصطلح الحديث أمران؛ الأمر الأول: أن تتعرف على أبواب ومسائل وفصول علوم الحديث؛ تعرف أن هناك مثلا بابا وهو أنواع الأسانيد أو أنواع المتون، أو من هو الصحابي؟ ما معنى الموقوف؟ المرفوع، الشاذ، المنكر، ما معنى أن يوصف الراوي بأنه مدلس؟ أو أن يوصف الحديث بأنه مرسل؟ وهكذا، أن تعرف أبواب علوم الحديث.
الأمر الثاني: أن تعرف المصطلحات المستعملة في علوم الحديث ودلالات هذه المصطلحات. فمثلا أهل العلم الذين يعبرون عن جرح الراوي أو تعديله يستعملون ألفاظا؛ يستعملون مثلا لفظ ثقة، أو ضعيف، أو منكر الحديث، أو كذاب، أو وضاع، أو يدلس، أو مدلس، ماذا يعنون بهذه المصطلحات؟ وما دلالاتها؟ وما آثارها؟ كذلك الكتب المصنفة في علوم الحديث منها كتب مثلا تصف الرواية بأنها مسندة أو مرسلة، أو أنها شاذة أو منكرة، أو يصف كتابا بأن هذا الكتاب من كتب السنن والآثار، أو من كتب المعاجم والمشيخات، أو أنه مستدرك، أو أنه مستخرج؛ فلا بد أن تعرف دلالات هذه المصطلحات.
وسبق أن بينا أن المصطلح الواحد تختلف دلالاته من علم لآخر، وتختلف دلالاته أيضا عند العالم الواحد؛ فالعالم الواحد ربما يذكر مصطلحا يريد به أكثر من دلالة بحسب الموضع وبحسب السياق. الذي يريد منكم أن يعرف تفاصيل هذه الخطة يمكن أن يطالع الدرس الأول في هذه السلسلة، وهو موجود في مقدمة شرحنا لكتاب النهج المبتكر شرح نخبة الفكر، سيجد إن شاء الله الخطة كاملة، لكني فقط هنا أذكر لماذا اخترت لكم هذا الكتاب، وهو كتاب تحرير علوم الحديث تأليف عبد الله بن يوسف الجديع.
هذا الكتاب في رأيي هو أجمع كتاب للمعاصرين؛ ذكر كل مسائل علم الحديث تقريبا، وذكر تحت كل مسألة منها خلاصة جامعة قوية، مستدلا فيها بكلام أئمة الحديث من المحققين. وهذا الكتاب في رأيي هو لا يستغني عنه طالب العلم، وهو يحتاج أن يعيد النظر فيه، ويحتاج أن يجعله أصلا يزيد عليه. كان اختياري في بداية الأمر أن يكون هذا الكتاب يعني يقرأه الطالب وحده؛ يعني نحن اتفقنا في هذه السلسلة يا شباب أن يكون هناك جزء نتدارسه معا وهو الجزء الذي يحتاج توضيحا، أو يحتاج تعليقات كثيرة، أو ربما يشكل على الطالب، واخترت أن يكون لكم جدول موازٍ، هذا الجدول يعني تسيرون فيه أنتم وحدكم.
وكنت يعني أرى أن هذا الكتاب يمكن أن تقرأه وحدك، هو بالفعل يمكن أن تقرأه وحدك، لكني أردت فقط أن نمر عليه ولو مرورا سريعا نحاول فيه أن نذكر كل مسألة ونختصر كلام المؤلف ما استطعنا. والسبب الأساس في ذلك أن المؤلف لا يذكر في أي مسألة إلا كلام الأئمة المحققين: كالإمام البخاري، والإمام مسلم، والإمام أحمد، ويحيى بن معين، والخطيب البغدادي، وابن الصلاح، وغير هؤلاء؛ فبالتالي هذا الكتاب هو مقدمة مهمة جدا تنفعنا في أمور.
خلينا بقى نبدأ الآن نتكلم عن فكرة: لماذا اخترنا هذا الكتاب؟ الأمر الأول الذي يعطينا إياه هذا الكتاب هو أن هذا الكتاب سيمر بنا إن شاء الله على كل المسائل السابقة ويضيف إليها مسائل جديدة، هذا هو الأمر الأول، فسيكون مراجعة للطالب الذي حضر معنا ويكون تعليما للطالب المبتدئ. الفائدة الثانية: أن هذا الكتاب يهتم جدا بترتيب المسائل تحت كل باب من الأبواب؛ وهو مثلا إذا ذكر باب الجرح والتعديل فإنه يذكر تحته أغلب أو عامة المسائل التي تخص هذا العلم، فيتصور الطالب ما هي المسائل التي تذكر تحت الأبواب.
الفائدة الثالثة، وهي في رأيي أهم الفوائد في هذا الكتاب: كم النقول التي سنقرأها وسنتدبرها وسنستخرج منها الفوائد التي نقلها المؤلف عن أئمة علم الحديث؛ وهذه في رأيي أهم توطئة للدخول في دراسة تراث الأئمة في علوم الحديث. فنحن إن شاء الله بعد هذا الكتاب سندخل في تراث الأئمة ككتاب الرسالة للشافعي، وكتاب مقدمة مسلم، والتمييز لمسلم، وشرح علل الإمام الترمذي لابن رجب الحنبلي، ورسالة أبي داود لأهل مكة، ومقدمات الكتب في الجرح والتعديل والعلل والسؤالات كتب الرجال، وكذلك سنقرأ مقدمة الإمام ابن الصلاح إن شاء الله، وغيرها من الكتب.
فبالتالي هذا الكتاب في رأيي سيكون نقلة كبيرة إن شاء الله للشباب. وهذا الكتاب تكلم تقريبا في كل الموضوعات التي يحتاجها طالب علم الحديث؛ فتكلم عن مقدمات تعريفية شرح فيها معنى علم الحديث وتاريخ علوم الحديث بشكل مختصر لكنه مركز، تكلم كذلك عن تقسيم علوم الحديث، وتكلم عن ألقاب تضاف للحديث يعرف فيها الطالب ما معنى المرفوع والموقوف، وما معنى مثلا الحديث القدسي. أيضا تكلم المؤلف عن تقسيم الأخبار من حيث متواتر وآحاد، يعني من حيث عدد الأسانيد، وإن كنا سننبه على أن هذا التقسيم إنما هو تقسيم حادث حدث من أهل الكلام؛ سنبين هذا إن شاء الله وبيناه قبل ذلك في كتاب لغة المحدث وفي الكتاب الأول وهو شرح نخبة الفكر.
تكلم بعد ذلك المؤلف بشكل جديد أو بطريقة جديدة عن النظر في دراسة الإسناد، فهو تكلم عن علوم الحديث بناء على دراسة الإسناد؛ فتكلم مثلا عن الإسناد أول شيء: كيف نميز الراوي؟ كيف نميز الراوي؟ إذا وجدنا راويا في رواية معينة في حديث، وجدت راويا مثلا اسمه شعبة، أو راويا مثلا اسمه سفيان، أو وجدت راويا اسمه حماد، كيف تميزه؟ فالتمييز هو الطريق الأول لمعرفة حاله، كيف تميزه؟ فتكلم في باب مهم جدا سماه تحرير أركان النظر في الحديث، ثم تكلم عن تمييز النقلة، وتكلم بعده عن تمييز طبقات الرواة، وتمييز شيوخ الرواة، ثم تكلم عن طبقة الصحابة رضي الله عنهم، ثم تكلم عن اتصال الإسناد؛ يعني كل ما يخص الاتصال والانقطاع في الإسناد، وما يتخلل ذلك من مباحث.
ثم تكلم عن نقد الرواة اللي هو علم الجرح والتعديل: تكلم أولا ما هو الناقد الذي يقبل نقده؟ ثم تكلم عن معنى التعديل ومعنى الجرح، وما هي أسباب التعديل؟ وما هي أسباب التجريح؟ وما معنى الضبط؟ وما معنى الحفظ؟ وكيف يعرف الضبط؟ وتخلل ذلك مسائل كثيرة جدا. ثم تكلم عن أصول تعديل الرواة، ثم تكلم عن حال المتأخرين الذين لهم كلام في علم الرجال والذين اختُلف في درجة قبول تعديلهم أو تجريحهم. ثم تكلم بعد ذلك عن الجرح وتكلم عن أسباب الجرح؛ منها الجرح بالفسق، أو الجرح بالبدعة، أو جرح الغفلة وسوء الحفظ، أو الكذب، أو نحو ذلك من الأمور. ثم تكلم بعد ذلك عن مسألة مهمة كبيرة جدا وهي تعارض الجرح والتعديل، حينما يتعارض الجرح والتعديل في راو معين.
ثم تكلم بعد ذلك عن تعليل الرواية، يعني باب العلة، اللي هو العلة هي الأخطاء الخفية التي تطرأ على الرواية؛ فتكلم عن مبحث العلة، وتكلم عن من هم النقاد المعتبرون في التعليل؟ وما هي أنواع الخطأ التي تقع في الرواية التي ترد بها الرواية؟ ثم تكلم بعد ذلك عن الاختلاف الذي يقع في الرواية، كيف نرجح بينه؟ ثم تكلم عن قوانين ضبط عملية تعليل الأحاديث حتى لا يكون تعليل الحديث بمجرد الهوى أو يكون بغير علم، ثم تكلم عن كيف تكشف الخطأ في الرواية أو علة الحديث؟
ثم بعد ذلك تكلم عن الألقاب أو الصفات التي يطلقها النقاد على الرواية؛ فتكلم عن الحديث المقبول، وتكلم عن أقسام الحديث المقبول وشروط الحديث المقبول، تكلم عن الحديث الصحيح بنوعيه والحديث الحسن بنوعيه، وتكلم عن دلالات هذه المصطلحات، وتكلم عن شروط الأئمة فيها، ثم تكلم عن مظنة وجود هذه الأحاديث: أين تجد الأحاديث الصحيحة؟ أين تجد الأحاديث الحسنة؟ وتكلم كذلك عن كتب مشهورة هي دواوين السنة، وتكلم عن شروط الأئمة فيها: تكلم مثلا عن الصحيحين، وعن الترمذي، وأبي داود، وابن ماجه، وتكلم عن موطأ الإمام مالك، وتكلم عن صحيح ابن حبان، وصحيح ابن خزيمة، والمستدرك على الصحيحين، تكلم كذلك عن كتب المسانيد، تكلم كذلك عن المستخرجات والمستدرك.
وتكلم بعد ذلك عن الحديث المردود، وتكلم عن ألقاب الحديث المردود وما دلالاتها؛ ما معنى أن يوصف الحديث بأنه ضعيف، أو أنه مرسل، أو أنه شاذ، أو أنه منقطع؟ تكلم بعد ذلك عن أسباب رد الرواية بسبب جرح الراوي، وتكلم عن درجات رد الحديث، وتكلم عن الاعتبار أو تقوية الحديث بالشواهد والمتابعات. أنا في رأيي أن هذا الكتاب يا شباب لم يترك بابا واحدا من أبواب علوم الحديث إلا ذكر فيه جملة مهمة جدا، فلذلك يا شباب أرى أن الطالب ينبغي أن يعتني بهذا الكتاب وأن يهتم به، وأن يجعله أصلا يضيف عليه ما يأخذه من كتب أخرى أو من مصادر أخرى، وهو في رأيي أفضل لك إذا أردت أن تأخذ فرشة في علوم الحديث أو أرضية تدخل بها في قراءة تراث الأئمة المحققين السابقين.
نبدأ إن شاء الله في الكتاب، نحن لا نريد أن نطيل، يعني يكون الدرس طويلا، فنحن سنحاول أن نضبط أنفسنا على ساعة ونصف أقصى شيء إن شاء الله. نبدأ في مقدمة الكتاب، المقدمة جيدة يمكن أن نقرأها قراءة سريعة. قال الشيخ أكرمه الله وحفظه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، النبي الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين.
في ميزة أخرى في الكتاب يا شباب نسيت أن أقولها، لأن هذه الميزة لا يشعر بها إلا الشباب الطلاب اللي هم لا ينطقون بلسان العرب؛ يعني لي شباب يدرسون معي مثلا من روسيا، من أوروبا، من أمريكا، من الشيشان، عنده مشكلة كبيرة جدا في الكتب التي لا تكون مضبوطة بالشكل؛ فهذا الكتاب من أوله إلى آخره كل كلمة فيه مضبوطة، فلذلك مثل هذه الكتب تكون ميسرة جدا على هؤلاء الشباب.
قال: أما بعد، فإن العلم بهذا الدين يقوم على معرفة كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد تكفل الله تبارك وتعالى للناس بحفظ ما تقوم عليهم به الحجة وتلزمهم الشرائع، كما قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، فسخر له من عباده من كانوا أسبابا في حفظه وبقائه. طبعا هذه المقدمة يا شباب هي مقدمة عن أهمية علوم الحديث.
قال: وهذا الحفظ حقيقته مشاهدة في حفظ الكتاب العزيز، ولما نص الله عز وجل فيه على أن معرفته لتقوم الحجة على العباد موقوفة على بيان رسوله صلى الله عليه وسلم كما قال: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، ولأجله فرض الله طاعته في آيات كثيرة، لزم أن يكون حفظ بيانه مما يندرج ضمنا تحت حفظه تعالى للذكر. كلمة لزم هي جواب كلمة لما، واضح؟ يعني هو يريد أن يقول إن الله حفظ القرآن وحفظ ما يتبين به القرآن وهو حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله جعل النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة المبين: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ. بيان النبي صلى الله عليه وسلم يكون بالقول وبالفعل وبالإقرار، ويكون بنقل الصحابة الكرام، ولا طريق للعلم به وبصحيحه أو ما ثبت عنه إلا بعلوم الحديث.
قال الشيخ: ومعرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مما هو بيان القرآن لا طريق إليها إلا بمعرفة المنقول عنه، وبالضرورة علمنا أن ذلك المنقول لم يصلنا كما وصلنا القرآن، إنما هي الرواية التي يغلب عليها نقل الفرد عن الفرد أو الأفراد القليلين عن أمثالهم، وما عاد إلى مثل ذلك -يعني وما سبيله مثل ذلك- وما عاد إلى مثل ذلك جاز عليه ما يجوز أن يقع من غير معصوم كالخطأ والوهم بل والكذب؛ لذا كان العمل على تمييز الصحيح من السقيم فرضا على الأمة أن توجد إذن من بينها من يحقق لها الكفاية فيه، حيث لا سبيل إلى معرفة بيان الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بذلك.
ولا شك أن السنة يقوم عليه نظر الفقيه وينبني عليه اجتهاده كالقرآن العظيم، فإن لم يتبين له ما يصح أنه سنة مما لا يصح، فعلى أي أساس يقيم بنيانه؟ ومن أجل ذلك أدرك الأولون أن تمييز الصحيح من السقيم ضرورة للفقيه ومقدمة لا بد منها، فحرروا وحققوا واجتهدوا في نخل المنقول -نخل يعني في الفلترة، يعني في نخل المنقول اللي هو جاي من المنخل يعني، اللي هو مش عارف الناس اللي هم مش مصريين هيعرفوه ولا لأ- قال: واجتهدوا في نخل المنقول ولم يزل يناظر بعضهم بعضا ويرد بعضهم على بعض في شأن صحة نقل الدليل، ولم ينظروا إلى هذه المقدمة إلا كجزء من المقدمات الضرورية للاستدلال.
الآن يا شباب هذه المقدمة هي مقدمة في أهمية علوم الحديث أو دور علوم الحديث في الفقه في الدين كأساس للفقه في الدين. وأنا كتبت لكم مقدمة يا شباب هي موجودة مطولة، مهمة جدا لمن يريد أن يكون مدرسا لعلوم الحديث أو لمن يريد أن يعلم الناس أو يكلم الناس عن أهمية علوم الحديث، هذه المقدمة موجودة، أظن أن بعض الشباب رفعها على الإنترنت، هي مقدمة في رأيي مهمة جدا جعلتها على شكل سؤال وجواب، هي تقريبا خمسون صفحة، لكنها مهمة جدا كمقدمة تاريخية لعلوم الحديث ولأهمية علوم الحديث ولآداب طالب علم الحديث.
الآن الشيخ سيذكر أقوالا لأئمة علوم الحديث في بيان أهمية تمييز الصحيح من السقيم: قال الإمام علي بن المديني: التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الحديث نصف العلم. أراد بمعرفة الحديث تمييز صحيحه من سقيمه؛ يعني هو يريد أن يقول إن الإنسان ليصل إلى الفقه في الدين يحتاج أن يعرف فيم ينظر وكيف ينظر، واضح يا شباب؟ يعني أنت تريد أن تتفقه في الدين، فأنت تحتاج أن تعرف فيم تنظر، يعني ما هي الحجة التي ستنظر فيها؟ وكيف تنظر فيها؟ الذي يعلمك ما هي الحجة وهل هي صحيحة ثابتة أو ليست صحيحة؟ علوم الحديث، والذي يعلمك كيف تنظر وكيف تفهم هو علم أصول الفقه وعلم كذلك أصول التفسير.
ولذلك أسس الإمام الشافعي، وكنت أحب أن يذكر الشيخ كلامه لكن الشيخ لم يذكر هنا كلامه وهو مما فاته ويمكن أن نضيفه إن شاء الله، أن الإمام الشافعي أسس الفقه في الدين من أوله إلى آخره على أمرين: أن تعلم اللسان الذي نزل به القرآن، وأن تعلم البيان الذي تم به القرآن وهو سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ وفي رأيي هو أقوى ما يمكن أن يذكر كنقل للأئمة السابقين على أهمية علوم الحديث.
طيب، قال: وعدوا معرفة ما يثبت من الحديث مما لا يثبت شرطا في المجتهد والمفتي مما لا ينبغي أن يرتاب فيه؛ فإنه إن لم يفهم ذلك صار ولا بد إلى أن يبني ويفرع على ما لا يثبت به دين من الروايات. قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي -إن شاء الله يا شباب ترجمة هؤلاء الأئمة الكرام الكبار ستأتي معنا إن شاء الله، جزء منها سيأتي في هذا الكتاب وجزء منها سيأتي في كتاب شرح علل الإمام الترمذي إن شاء الله- قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي: لا يجوز أن يكون الرجل إماما حتى يعلم ما يصح مما لا يصح، وحتى لا يحتج بكل شيء، وحتى يعلم مخارج العلم. مخارج العلم يا شباب يعني يعلم من أين أتت المعلومة وكيف.
قال: وهذا يبينه الحافظ أبو حاتم ابن حبان البستي. ابن حبان البستي اللي هو صاحب كتاب صحيح ابن حبان، واضح؟ لاحظ هنا يا شباب أنه سمى ابن حبان الحافظ وسمى من قبله بالأئمة، هذه الدلالات مهمة جدا يا شباب، ليس كل شخص يمكن أن يسمى إماما، أو يسمى حافظا، أو يسمى مثلا حجة، هذه المسميات هي مسميات كبيرة تحتاج... يعني أنا لا أريدك أن تكون من المسرعين في إطلاق الألفاظ؛ أحيانا مثلا تجد شخصا مجتهدا يعلم الناس فالناس يصفونه بأنه الإمام أو العالم أو مش عارف إيه، فدي صراحة من الأمور المستفزة جدا، يعني تحس الذي لا يحفظ لسانه في المدح كالذي لا يحفظ لسانه في الذم تماما، لا، الألقاب لها دلالاتها، مش أي شخص تقول عليه الألفاظ دي، واضح؟ وربما أنت تهلكه بذلك يعني، هذا فضلا عن أنه لا يستحقها أصلا.
طيب، قال الحافظ ابن حبان رحمه الله: من لم يحفظ سنن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحسن تمييز صحيحها من سقيمها، ولا عرف الثقات من المحدثين ولا الضعفاء والمتروكين، ومن يجب قبول أفراد خبره ممن لا يجب قبول زيادة الألفاظ في روايته، ولم يحسن معاني الأخبار والجمع بين تضادها في الظواهر، ولا عرف المفسر من المجمل، ولا المختصر من المفصل، ولا الناسخ من المنسوخ، ولا اللفظ الخاص الذي يراد به العام، ولا اللفظ العام الذي يراد به... أنا في رأيي: ولا اللفظ الخاص الذي يراد به العام صح وشكلها صح، ولا اللفظ العام الذي يراد به الخاص، نعم، ولا الأمر الذي هو فريضة وإيجاب، ولا الأمر الذي هو فضيلة وإرشاد، ولا النهي الذي هو حتم لا يجوز -كلمة لا يجوز يا شباب هذا هو الخبر، يعني من لم يحفظ وكذا وكذا لا يجوز، لا، أنا آسف- ولا النهي الذي هو حتم لا يجوز ارتكابه من النهي الذي هو ندب يباح استعماله، مع سائر فصول السنن وأنواع أسباب الأخبار، كيف؟ كيف هذه يا شباب، كيف هذه هي الجواب: كيف يستحل أن يفتي؟ أو كيف يسوغ لنفسه تحريم الحلال أو تحليل الحرام تقليدا منه لمن يخطئ ويصيب؟
واضح يا شباب؟ هذا النص من ابن حبان رحمه الله نص نفيس جدا في بيان أدوات المجتهد. إن شاء الله يأتي معنا شرح هذه النصوص لكن أظنها بينة يعني؛ هو يتكلم عن المجتهد أو الناقد أو الفقيه: لا بد أن يعلم طرق الاستدلال وكيف ينظر وكيف يحكم، فيتعلم جهتين على وجه الاختصار: كيف يميز الصحيح من الضعيف؟ وكيف يفهم النص الصحيح؟ ثم بعد ذلك يتفرع: كيف يجمع بين النصوص التي ظاهرها التعارض؟ وكيف يميز الندب عن الإيجاب، والمكروه عن المحرم، وغير ذلك من الأدوات التي يحتاجها.
قلت -يعني الشيخ قال-: وفي هذا منع لطائفتين من الناس أن تتكلما في الحلال والحرام ابتداء؛ الأولى: من لهم بالحديث عناية وتخصص في تمييز صحيحه من سقيمه الموجب للمعرفة برواته من تمييز المقبول والمردود، لكن ليس لهم حظ من علوم أصول الفقه، ولا ميراث لفروعه، فهؤلاء لا يقدر أحدهم أن يستنبط ويجتهد لفقده آلة النظر في الأحكام؛ فلتتق الله طائفة تسلقت جدار الفقه حيث لم تأته من بابه ولا أعطيت الإذن من بوابه، فحظ مثل هؤلاء فقء العين حتى لا تنظر إلى ما لا يباح، وفي أهل زماننا من هؤلاء خلق عافى الله العلم منهم. يعني بيقول: الناس دي الأفضل إن هي أساسا لا تدخل في الكلام فيما ليست أهلا له، واضح؟
طبعا في كلام جميل جدا للخطابي رحمه الله يبين هذا المعنى بعمق، ويبين أن الناس في عصره، يعني في القرن الرابع الهجري، انقسموا إلى طائفتين متخاصمتين: طائفة الفقه والنظر وطائفة الحديث والأثر، ثم تكلم عن وجوب التكامل بينهما حتى يتم الفقه في الدين؛ فأخذنا هذه المقدمة في كتاب شرح لغة المحدث. قال الشيخ: والثانية -يعني الطائفة الثانية التي لا يصح أن تتكلم في الفقه- من لهم اشتغال بالفقه ومعرفة بطرقه وأصوله وفهم لدلالات النصوص ومعانيها -هي تنفع دَلالات أو دِلالات- لكنهم لا يميزون بين رواية مقبولة ومردودة؛ فترى أحدهم يبني الأحكام على ضعيف الأخبار، بل على ما لا أصل له وباطل من الروايات، لأنه لا يدري الصحيح من السقيم.
فهذا حين يفرض على الناس شيئا أو يحرم عليهم، وكان قد بنى على رواية لا تصح، فقد نسب إلى الدين ما ليس منه، وأورد الحرج على المكلفين فيما أتاهم به من حكم بناه على غير أساس؛ فكيف يحمل على كاهله من حرج! بل مثل هذا لا يدرى من علمه في التحقيق ما بني على دليل صحيح وما بني على غيره، وهو نفسه لا يعرف ذلك. يعني هو يريد أن يقول: إن نفس هذا الشخص الذي يكلم الناس في الحلال والحرام هو أساسا وإن كان يفهم وعنده ملكة الفهم ويفهم لسان العرب وعنده شيء من الاستنباط، لكنه أساسا لا يميز الصحيح من السقيم، فربما اجتهد في فهم نص باطل أو منكر ثم استنبط حكما وألزم به الناس، أو منع اجتهادا اجتهده مجتهد آخر وأبطل حكمه، مع أنه لا يدري أساسا ما هو الحديث الذي يبنى عليه الحكم.
طيب، قال علي بن الحسن بن شقيق المروزي -قلنا يا شباب في فرق بين المروذي والمروزي؛ المروزي من مرو، والمروذي بالذال يعني هذا من بلد اسمها مرو الروذ، وكثيرا ما يعني يخلط الشباب بين هذين اللقبين- قال: وكان ثقة: سمعت عبد الله -يعني ابن المبارك، لأن عبد الله بن المبارك أيضا مروزي يا شباب- يقول: إذا ابتليت بالقضاء فعليك بالأثر. قال علي: فذكرته لأبي حمزة محمد بن ميمون السكري، فقال: هل تدري ما الأثر؟
طبعا السكري ده يا شباب هو من حفاظ الحديث ومن الثقات، سمي السكري عشان كلامه كان حلو؛ يعني موضوع السكر لما إحنا بنقول: أنت سكر وعسل، كثير من الشباب اللي بيحضروا معنا الدروس مثلا من تركيا، أو من سوريا، أو من العراق، أو من الشيشان، أو من أي بلد، فمثلا أكون بمدح فيه بقول له: ده أنت سكر، فأجيب له الفكرة دي إن كلمة وصف الإنسان بأنه سكر ده يعني وصف له مستند يعني. فأبو حمزة السكري ده كان راجل فعلا كلامه زي السكر يعني، حتى الراجل لما جه يبيع البيت، جاره لما جه يبيع البيت فعمل يافطة كده يعني إن البيت ده للبيع، فالناس قالوا له: بكام؟ قال لهم: بألفين درهم، باين، ولا مش عارف بكام، فقالوا له: ليه؟ ده يستحق ألف، قال لهم: الألف الثانية عشان هتكونوا جيران أبي حمزة السكري.
فقال: هل تدري ما الأثر؟ إذا حدثتك بالشيء فتعمل به فيقال لك يوم القيامة: من أمرك بهذا؟ فتقول: أبو حمزة، فيجاء بي، فيقال: إن هذا يزعم أنك... هو يتكلم عن الإسناد، يعني ما معنى الأثر؟ هو يعلم تلميذه ما معنى كلمة الأثر. فأبو حمزة بيقول للرجل اللي هو التلميذ هذا اللي هو علي بن الحسن: تفهم ما معنى الأثر؟ معنى الأثر: لو أنا حدثتك بحديث يجاء بك يوم القيامة يقال لك: من أمرك بهذا؟ فتقول: أبو حمزة السكري، فيجاء بي، فيقال: إن هذا يزعم أنك أمرته بكذا وكذا، فإن قلت: نعم، خلي عنك، ويقال لي: من أين قلت هذا؟ فأقول: قال لي الأعمش، فيسأل الأعمش، فإذا قال: نعم، خلي عنه، ويقال: والأعمش من أين قلت؟ فيقول: قال لي إبراهيم -طبعا يقصد إبراهيم النخعي- فيقال له: من أين قلت؟ فيقول: قال لي علقمة -اللي هو علقمة بن قيس النخعي- دي أحسن سلسلة في الكوفة يا شباب، دي سلسلة ذهبية في الأسانيد عن أهل الكوفة، إنها تبدأ بعبد الله بن مسعود
وتاخد بقى في السكة إما علقمة، آه، أو غيره من أصحاب ابن مسعود؛ علقمة بن قيس غير علقمة بن وقاص الليثي. وبعد ذلك يأخذ من علقمة إبراهيم النخعي، ويأخذ عنه الأعمش أو غيره من حفاظ الكوفة. طيب، خُلّي عن الأعمش وأُخذ إبراهيم، فيقال له: من أين قلت؟ فيقول: قال لي علقمة. فيسأل علقمة، فإذا قال: نعم، خُلّي عن إبراهيم، ويقال له: من أين قلت؟ فيقول: قال لي عبد الله بن مسعود. فيسأل عبد الله، فإن قال: نعم، خُلّي عن علقمة، ويقال لابن مسعود: من أين قلت؟ فيقول: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن قال: نعم، خُلّي عن عبد الله بن مسعود، فيسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: قال لي جبريل، ينتهي إلى الرب تبارك وتعالى.
فهذا الأثر، فالأمر جد غير هزل، إذ كان يشفي -يشفي يعني يدخل يعني أو يتسبب، يشفي على جنة أو نار ليس بينهما هناك منزل-. وليعلم أحدكم أنه مسؤول عن دينه وعن أخذه حلّه وحرامه. هذا النص يا شباب في رأيي هو من النصوص المهمة جدًا التي يضعها طالب العلم، ومن يفتي الناس، ومن يعلم الناس: من أين لك هذا؟ الحجة، ألا يتكلم إلا بالحجة. وهذا معنى قول الإمام أحمد: لا يحل لأحد أن يتكلم في مسألة ليس له فيها إمام. فأظهر معنى للإمام هنا هو الحجة: من أين لك هذا؟ من أين قلت؟
فإن اجتهدت في طلب الحق وأخذت بأسبابه وكان عندك حجة، حتى لو كنت أخطأت في الحكم فإنك على الأقل معذور وفي اجتهادك مأجور. أما إن تكلمت بغير علم وبغير حجة، فأنت في كل الأحوال لست معذورًا على الخطأ ولست مأجورًا على الصواب. وهذا يعني أصله عدد كثير من أهل العلم، من أهمهم الإمام الشافعي، ثم من بعده الإمام ابن تيمية رحمه الله. قال الشيخ: نعم، لا حرج أن تستعين الطائفتان ببعضهما، يعني التكامل بين أهل النظر والفقه وبين أهل الحديث.
طيب، أنا في رأيي إنه كان المفروض هنا يذكر نص الخطابي رحمه الله، يمكن أن نضيفه يا شباب حتى نجعل هذا الكتاب يعني مرجعًا لنا، نضيف نص الإمام الخطابي في طائفتي أهل الحديث والأثر وأهل الفقه والنظر، ستجدونها في مقدمة كتاب شرح منظومة لؤلؤة المحدث، هي مقدمة مهمة جدًا يا شباب ونحن علقنا عليها بشيء من التفصيل، يمكن أن تراجعها. تذكر هنا في وجوب التكامل بين أهل العلم، أساسًا يجب التكامل بين أهل الخير عمومًا؛ في كل أبواب الدين المجاهدون، وطلاب العلم، والمنفقون، والعلماء، والدعاة، والكفاءات العلمية في أبواب العلوم الطبيعية وغيرها، يجب أن يحصل التكامل بين هؤلاء، فما بالك بأهل العلم؟
قال: نعم، لا حرج أن تستعين الطائفتان ببعضهما، ورب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. حامل الفقه يعني اللي هو الراوي، الراوي يحمل حديثًا يحفظه لكن لا يفهمه خلاص، أو أنه يوصله إلى من يفهمه. قال: لكن أن يستقل كل بنفسه فيأخذ بالنصيبين وهو لا يفهم اختصاص الآخر، فهذا من الجناية على العلم.
هذا السطر من كلام المؤلف نفيس جدًا يا شباب ودقيق، يبين المشكلة: ليست المشكلة أن تكون على شعبة من الإيمان، أبدًا ليست المشكلة أن تختار بابًا من أبواب الخير تختص به؛ الإنفاق، الصيام، الصلاة، التعليم، الدعوة، الجهاد، الإصلاح، باب تنمية قدرات الناس وتشجيع الناس، ليست المشكلة أبدًا أن تختار شعبة من شعب الإيمان لنفسك، وإنما الخطأ في أمرين: أن تبغي بهذه الشعبة وأن تنتقص غيرك وأن تحقر عمل الناس، والأمر الثاني أن تظن أنك وحدك أو أنك وشعبتك لا يقوم الدين إلا عليك، وأنك وحدك كافٍ في القيام بأمور الدين، هذا من أعظم المنكرات.
يبقى عندنا مشكلتان: الأولى أن تبغي بما أنت عليه من الخير، والأمر الثاني أن تأخذ كل الأدوار فتتكلم فيما لا يعنيك وفيما لست أهلًا له. أما إن اخترت شعبة تناسب مواهبك وقدراتك، تطور نفسك فيها وتبثها بين الناس، وتكون سببًا في أن يتعرف الناس عليها، وأن تتكامل بها مع إخوانك، وألا تتكلم فيما لا تعلم، وألا تتكلم إلا بقدر موهبتك، فهذا من أحسن ما يكون، وهذا هو الذي يفهم معنى النجاح، واضح يا شباب؟
طيب، تكلمنا عن ذلك أظن كثيرًا في مسألة التكامل بين أصحاب المواهب. قال رحمه الله: والكامل من وفقه الله ليضرب بنصيب هؤلاء وأولئك، وهو الواجب فيمن يكون للناس إمامًا. طبعًا التكامل بين الأئمة موجود، وذكرت قبل ذلك في مقدمات الدروس، كنت في بعض الدروس يا شباب لو كنت أبدأ لكم أحيانًا بفكرة مهمة جدًا أو أختم بها، فمن الأفكار التي بدأت بها الكلام عن التكامل بين أهل العلم: التكامل بين أحمد والشافعي وإسحاق بن راهويه، لما كان إسحاق يقول: كنت أصحب الشافعي في السفر أعلمه الحديث ويعلمني الفقه والنظر، فهذا كان من أحسن ما يكون.
وذكرت لكم السهرة الجميلة، السهرة الصباحي اللي بيسهرها الأئمة، لما تصوّر بقى الإمام أحمد سهران مع ابن معين وإسحاق بن راهويه، والأئمة دول ومعهم قتيبة تقريبًا، وسهرانين سهرة جميلة بقى يعملوا إيه يا شباب؟ يذكروا الحديث، فيقولوا لابن معين: ممكن تذكر لنا الطرق؟ فابن معين يسوق طرق الحديث. بعد كده يبدأوا يتكلموا: إسحاق بن راهويه، ممكن تكلمنا عن علل الحديث؟ يبدأ إسحاق يقول لهم: والله الحديث ده فيه كذا واختلف على كذا والصواب فيه كذا. أو إسحاق بن راهويه بقى بيقول: أول ما كنا نتكلم عن الفقه والنظر، كلنا نسكت ويخرج بقى الإمام أحمد بالكنوز والدرر.
والإمام أحمد يا شباب تعلم ذلك ممن؟ من الإمام الشافعي، كان يأتي الحرم في مكة فيجد حلقة الإمام الشافعي والإمام سفيان بن عيينة، فيترك حلقة سفيان بن عيينة يقول: يعني إذا لم يدركني، إذا لم أدرك حديث سفيان بعلو أدركته بنزول؛ يعني لو أنا ملحقتش الدرس ده ممكن آخده عن أي حد من طلاب سفيان، ممكن من قتيبة، ممكن آخده من الحميدي، ممكن آخده من أي حد من تلامذة سفيان، لكن إن فاتني عقل الشافعي فلن أجد مثله.
أقصد يا شباب فكرة التكامل، أنا كان لي مجموعة من الشباب تدارسنا مع بعض تقريبًا عشر سنوات، كل واحد فينا فاهم في شيء: أنا فاهم شوية في الحديث، وآخر فاهم في الفقه، وآخر فاهم في لسان العرب، وآخر فاهم في العلوم الفكرية، وآخر فاهم كذلك في مسائل أصول الفقه، وهكذا كل واحد فينا بيعلم الثاني، ممكن أنا أقول درس وهو يحضر لي وثاني يوم أنا بحضر له وهكذا، هذا هو التكامل. وهذا هو الذي كان عليه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم نفسه حينما كان يسترشد بأهل الخبرة، وكان ينتفع من مال هذا، أو عقل هذا، ومشورة هذا، ودين هذا.
لذلك أمره الله: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا. يعني ربنا يقول له: أنت لا تستقل بنفسك، لا تستقل عن الناس، ولكن كن مع هؤلاء المؤمنين وانتفع منهم. هذا هو حال المؤمن العاقل الموفق الذي يتكامل مع إخوانه ينفعهم وينفعونه، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض.
أما أن تستقل كل شعبة من شعب الخير والعمل بنفسها، وتبغي على الناس، وتصدر للناس فكرة أن الإصلاح العام لن يأتي إلا من قِبلها، فهذا بداية الشر، وهذا بالتحديد هو الذي حذرنا الله منه تبارك وتعالى حينما تكلم عن أن أهل الكتاب تفرقوا لما جاءهم العلم بغيًا بينهم، يبغي كل واحد منهم على الآخر؛ تبغي طبقة العباد على طبقة العلماء، تبغي طبقة المجاهدين على طبقة المنفقين، وهكذا.
قال الشيخ، طبعًا الشيخ بيقول: الكامل من وفقه الله ليضرب بنصيب هؤلاء وأولئك. عشان نكون واضحين يا شباب، أنا لا أعلم شخصًا كان فقيهًا ومحدثًا بنفس الدرجة، وكان إمامًا في كليهما بنفس الدرجة، يعني خلينا نأخذ مثالين: خلينا نأخذ الإمام أحمد والإمام الشافعي. الإمام أحمد محدث وفقيه، والإمام الشافعي فقيه ومحدث؛ يعني الإمام أحمد محدث لا ينقصه الفقه، والإمام الشافعي فقيه لا ينقصه الحديث. يعني باختصار يا شباب، فيه فرق بين المادة أو الباب المركزي في حياتك، وبين الباب الذي لك فيه نصيب تتبلغ به أو تكون فيه معدودًا من أهله، واضح يا شباب؟ التمييز ده مهم جدًا.
ففكرة إن واحد يفكر إنه هيكون مفسر، ومحدث، ومفسر أحلام، ومحلل رياضي! زي ما بيحصل كده من الشباب اللي هم دلوقتي بيتعلم سنة ولا حاجة يروح يلف على المشايخ يتصور مع كام واحد فيهم صورة، ويجيب شوية إجازات، ويعمل لنفسه مواقع على النت، ويدخل نفسه ويتقحم أبوابًا تفتح له أبواب شر من الفتيا بغير علم، وبعد كده يشتغل بقى يصدّر نفسه إنه محدث، وفقيه، وباحث في شؤون السياسة والأمور الاستراتيجية، ثم مفسر أحلام، ومحلل رياضي، وواضع للخطط والبرامج! كل ده يا شباب هبل، ده اسمه هبل، وأي شخص يدخل من هذه البوابة فلها أول وليس لها آخر، ولن يبلغ شيئًا لا من الخير ولا من العلم، بل يفتح على نفسه أبوابًا من الشر تهلكه ويهلك بها أتباعه، واضح يا شباب؟
الإنسان لا بد أن يكون إعداده عميقًا، يُعد نفسه أكثر مما يعطي، ولا يزال يطور نفسه، ويعرف بالتحديد ما الذي عندي؟ وما الذي أقدمه؟ وما الذي ينقصني؟ وكيف أطور نفسي فيه؟ لا يتعدى حدوده. إنما اللي شغالة اليومين دول كل واحد يعمل لك سلاسل في مش عارف إيه، ودروس إيه، وعندهم شهوة رهيبة جدًا جدًا على تصدر المجالس وعلى التدريس وعلى التعليم، ويتكلمون في أدق الأمور وأدق الحوادث والنوازل التي يعجز عنها من يعيشون في الحدث من العلماء، وإذا كثر كلام الإنسان في كل نازلة قل ورعه، واضح؟
ويعني إن شاء الله ربما يأتي لنا درس خاص عن هؤلاء، وأنا لي معكم يا شباب محاضرة كانت ساعتين تقريبًا عن معوقات النبوغ في طلب العلم، وذكرت من أساسها أولئك الذين يتعلمون شهورًا أو سنوات قليلة وليس لهم عمق في علوم الشريعة، ثم يفتحون على أنفسهم كل باب من أبواب التدريس والتعليم؛ تلاقيه بيتكلم في العقيقة، في الوليمة، في افتتاح مش عارف مركز شباب، واحد بينتخب يجيبوه معه، أي حاجة، وهو عنده شهوة الكلام وخلاص، ومع ذلك لا تراه يطور نفسه، أخذ شوية معلومات وعايش عليهم، بقاله سبعين سنة مبيكلمش الناس إلا عن ثلاث أربع موضوعات، لا يطور نفسه لا في المعلومات، ولا في العبادة والاستقامة، ولا في أسلوب الدعوة، ولا في طرق التعليم وإيصال المعلومة، ولا في طرق التواصل مع الشباب، هو واقف زي ما هو، ومع ذلك يفتح على نفسه أبوابًا كثيرة.
على العكس طالب العلم المجتهد، على العكس تمامًا يا شباب، طالب العلم المجتهد العاقل هو الذي يُعد نفسه أكثر بكثير مما يعطي، ينبغي أن يكون الأخذ أكثر من العطاء، يعني تكون دائم التطوير لنفسك والتعليم، ومع ذلك لا تتعدى حدودك ولا تقف ما ليس لك به علم.
طيب، قال الشيخ: علوم الحديث علوم آلة تُستعمل للكشف عن السنن الصحيحة المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين نقل كثير اختلط فيه الغث بالسمين، وأُلّف فيه من المؤلفات ما يعسر عده. يتكلم هنا عن محل نظر المحدث: أين ينظر المحدث؟ الفقيه ينظر في النص، والمحدث ينظر كيف وصل إلينا النص، واضح يا شباب؟ إحنا عندنا الدليل حتى يُستدل به يا شباب يُنظر فيه من ثلاث جهات: الجهة الأولى: هل جنس هذا الدليل حجة يصح أن يحتج به أم لا؟ النظر الثاني: إذا كان أصله حجة فهل هو ثابت؟ يعني نحن نحتج بالحديث النبوي لكن ليس كل حديث ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم نحتج به، لا بد أن يكون صحيحًا ثابتًا. النظر الثالث في الاحتجاج أو في الدليل هو وجه الاستدلال: هل هذا المعنى المستدل له موجود في النص المستدل به أم لا؟ واضح؟
طيب، قال الشيخ: وهذه العلوم بدأت من أول أمرها علومًا تطبيقية غير مؤصلة -يقصد علوم الحديث غير مؤصلة تأصيلًا نظريًا من أجل تقريبها وفهمها وتيسير استعمالها- بل دفعت ضرورة تمييز السنن الصحيحة من غيرها أئمة الأمة في الصدر الأول إلى الاجتهاد بما هدَت إليه العقول من أجل التحقق من صحة النقل، حتى نما ذلك مع نمو الأسانيد وكثرتها، إذ كلما بعد الزمان عن زمن التلقي -وهو عهد النبوة- فإن الأسانيد تطول، وطولها موجب لزيادة في التحري، فصار هذا العلم إلى التقنين تلبية لما أوجبته الحاجة، على ما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله. وجرى الناس من بعده.
طبعًا أنا ذكرت لكم يا شباب مقدمة كتبتها واستفدت فيها من كتب، منها كتاب نفيس جدًا للدكتور حاتم بن عارف العوني، كتاب مهم جدًا اسمه المنهج المقترح لفهم المصطلح، وهذا كتاب مهم جدًا لطالب العلم، استفدت منه في كتابة مقدمة لكم تشرح تاريخ نشأة علوم الحديث، يعني لماذا نشأت علوم الحديث؟ فيا ريت ترجعوا له يا شباب، ستجدونه مكتوبًا بعنوان مقدمات في علوم الحديث، لأن الشيخ هنا مش هيطول في الفكرة دي.
قال: وجرى الناس من بعدُ على صياغة قواعد هذه العلوم كما صنعوا في التأصيل لسائر علوم الآلات، كالعربية وأصول الفقه، واستمر عند المحققين في هذا العلم التحرير والتقريب والتيسير إلى زماننا، وأكثر العناية فيه كانت في مصطلحاته حتى غلب على هذه العلوم تسمية مصطلح الحديث. يعني الشيخ هنا يريد أن يبين لك كيف وصلنا إلى تسمية علوم الحديث بعلم مصطلح الحديث؟
الأول يا شباب نبين ما معنى كلمة علم الآلة؟ علوم الآلة يا شباب هي الأدوات التي يحتاجها الباحث، الباحث يا شباب الذي ينظر مثلًا في مسائل الإيمان أو مسائل الفقه يحتاج أن يكون لديه أدوات يعرف بها ما هي مصادر العلم وكيف تثبت وكيف ننظر فيها؟ فعندنا علوم الأدوات يمكن أن نجعلها خمسة؛ هي أربعة لكن أُضيف إليها علم آخر سنعرفه. العلم الأول هو العلم بلسان العرب، هي أهم أداة وهي أساس الأدوات؛ لأن القرآن وحديث النبي صلى الله عليه وسلم بلسان العرب، فلا بد أن تعرف سنن العرب في الكلام حتى تفهم القرآن، هذا هو العلم الأول.
العلم الثاني هو علوم الحديث التي بها تميز الصحيح من الضعيف، واضح؟ والعلم الثالث هو علم أصول الفقه: كيف تفهم؟ وهناك علم آخر شبيه بعلم أصول الفقه وهو علم أصول التفسير؛ أصول الفقه هو كيف تفهم كل نص، وأصول التفسير هو كيف تفهم كتاب الله. أُضيف إلى هذه العلوم الأربعة علم المنطق، والسبب في ذلك ليس أن علوم الشريعة متوقفة على العلم بالمنطق، لأن المنطق أساسًا هو لسان اليونان. اليونان جاء عنهم، في الأصل جاء عنهم أمران -أو استورد العرب منهم أمرين-: الأمر الأول النتائج التي وصل إليها الفلاسفة وهذا الذي يسمى بالفلسفة، فهذه هي النتائج أو خلاصة ما وصلوا إليه، لكن كيف وصلوا إليه؟ اللي هي طرق التفكير، هذا الذي سُمي المنطق، واضح؟
وأشهر من تكلم فيه وانتقل علمه إلى بعض علماء الشريعة وتأثروا به، وكان تأثيره في الغالب سلبيًا، هو منطق أرسطو. وإن شاء الله سيأتي لنا، وتكلمنا قبل ذلك عن أثر هذا المنطق على علوم الحديث وعلوم القرآن وعلوم اللغة وغير ذلك. المهم أن هذا ما يسمى بعلوم الآلة، فعلوم الحديث تُصنّف في علوم الوسائل أو علوم الآلات. فالشيخ بيقول لك إن هذا العلم بدأ يتطور يتطور، يوجد هذا العلم مثلًا مبثوثًا في كتب علماء الحديث والفقهاء، لكنه صار يُصنّف فيه خاصة كما صنف في ذلك الرامهرمزي في كتابه المحدث الفاصل، وجاء بعده مثلًا مؤلفون كثيرون صنفوا كتبًا خاصة، مثلًا الحاكم: معرفة علوم الحديث، وجاء ابن الصلاح في معرفة أنواع علم الحديث وكان قد استفاد ممن سبقه من أهل العلم، إلى أن جاء بعده المتأخرون كابن حجر والذهبي.
طبعًا الناس اعتمدوا على مقدمة ابن الصلاح وجعلوها أصلًا، فمنهم من يستدرك عليه، ومنهم من يضيف، ومنهم من يشرح، ومنهم من يحول الكتاب إلى نظم كالعراقي، ومنهم من ينكّت عليه ويذكر فوائد كابن حجر والزركشي. بعد ذلك بدأت فكرة كتب المختصرات، منها مثلًا كتاب الموقظة للذهبي، وأهم الكتب المختصرة التي صارت عمدة لكل تقريبًا من يبدأ في علوم الحديث هو كتاب نخبة الفكر. طيب، الآن يا شباب هو طبعًا بيّن أنه صار العلم يسمى بعلم مصطلح الحديث، لكن ده طبعًا اختزال لعلوم الحديث يا شباب؛ مصطلح الحديث هو فرع من فروع علم الحديث.
طيب، قال الشيخ -إحنا في صفحة عشرة يا شباب-: وصار لها في الزمن المتأخر -يعني عند المعتنين بها- ما صار لسائر علوم الآلة كأصول الفقه أن تُدرس كعلوم نظرية لا تستعمل في الواقع، إلى أن تجرأ طائفة من الطلبة في هذا الزمان فصاروا إلى استعمال تلك المصطلحات للحكم على الأسانيد المروية، اكتفوا بمصطلحات ظاهرة قُصدت عند صياغتها أن يحفظها الصبيان في الكُتّاب، حسِب هؤلاء أن هذا هو منتهى الطلب لهذا العلم، إلا نفرًا يسيرًا أدركوا وعورة الطريق فسلكوه متأنّين حذرين مجتهدين في اتباع علاماته.
طبعًا التنبيه ده من أحسن ما جاء في المقدمة، ليه؟ لأن الشيخ هنا ينبه على موضة حصلت عند كثير من الشباب، وأنا رأيت مئات منهم، مش عشرات، مئات: شاب يأتي مثلًا يدرس كتاب نخبة الفكر دورة كده مثلًا يوم أو يومين، واضح؟ ويأخذ فيها إجازة مثلًا من الشيخ، بعد كده يبدأ بقى... أنا رأيتها بعيني والله يا شباب، رأيتها بعيني في عشرات الطلاب اللي هي فكرة التصنيف، وفي مئات الطلاب فكرة السطحية في علوم الحديث. بيعمل إيه بقى الطالب ده؟ بيجي يقعد مثلًا في بلد من البلدان فيها شيخ يعلم الناس، الشيخ بيقعد معه سنة أو ست أشهر، الشاب ده يا شباب اتعلم مثلًا آخره إنه قرأ نخبة الفكر وكتاب مثلًا زي تيسير مصطلح الحديث للشيخ الطحان أو غيره من كتب المختصرات، والله يبدأ مباشرة مش بس في الناحية العملية، لأ، ده بيبدأ يحقق الأحاديث ويبدأ يؤلف كتب ويبدأ يحقق كتب! يعني مثلًا بيحقق كتب إما أنها ليست محققة أو كتب محققة وفرغ من تحقيقها وتحقيقها جميل جدًا، أنا وجدت ذلك.
ومنهم شاب صديقي سأله، قال له: يا ابني أنت مش فاهم حاجة في أي حاجة، لسه بقالك شهر بتتعلم مصطلح حديث، إزاي تورط نفسك وتؤلف كتاب وتحقق الأحاديث؟ والله الواد قال له باللفظ، الشاب قال له باللفظ، قال له: أصل أنا أبويا كان مزنوق في جمعية، أبوه كان عامل جمعية، كان داخل في جمعية عايز يشتري حتة أرض، فمزنوق في جمعية، فصاحبنا ده ألف كتاب عشان يسد الدين بتاع أبوه! والله يا شباب أقسم بالله، وفيه مهازل كثيرة أنا لو كلمتكم عن المهازل دي يعني ممكن نقعد نأخذ ثلاث ساعات ولا حاجة.
كثير من الشباب مش متصور معنى العلم، مش متصور قيمة العلم، مش متصور مسؤولية الكلمة التي يقولها أصلًا. لذلك دائمًا إحنا في مقدمات الدروس عندنا بنتكلم عن مسؤولية العلم. أحيانًا كثير من الدعاة من كثر ما سهّل العلم على الناس أصبح العلم فوضى. فيه يا شباب خط فاصل بين التشجيع على العلم وبين الفوضى في العلم، يعني إيه؟ طب أنا ما قابلتش أي شخص في حياتي إلا ما شجعته إنه يتعلم ويطلب العلم، بس فيه فرق بين إني أفهّمه مسؤولية العلم وكيف يتعلم وكيف يطور نفسه ومسؤولية الكلمة في دين الله تبارك وتعالى، وأن الله حرّم الكلام بغير علم عمومًا، وحرّم الكلام بغير علم عليه خصوصًا، من أكبر الكبائر، واضح؟
ففيه فرق بين إني بشجعك: يا حبيبي شد حيلك واجتهد واتعلم، وفرق بين إن أنا أجرّأك على التدريس والتعليم. فيه فرق بين إني أشجعك على الدعوة إلى الله والتعليم، وبين إن أنا أجرّأك إنك تتكلم وتدعو وتخطب وتدرّس وأنت أساسًا مش فاهم أنت بتقول إيه، غلط، دي فوضى يا شباب، هذه مهازل! في علوم الحديث بقى الشيخ هنا بينبه على إيه؟ بينبه على طائفة من الشباب قرؤوا كتابين أو ثلاثة: كتاب مثلًا الموقظة، وكتاب نخبة الفكر، وكتاب مثلًا التوضيح الأبهر أو أي كتاب من كتب المختصرات، وأحضر له مثلًا... يبدأ بقى يشتغل إما في التدريس وإما في التأليف والتحقيق، مصيبة! ويعتمد بقى على مثلًا كلام الحافظ ابن حجر في كتاب تقريب التهذيب في الحكم على الرواة، وعنده أي راوٍ يقول فيه الحافظ ابن حجر ثقة يبقى حديثه صحيح، وإذا قال فيه صدوق يبقى حديث حسن، وإذا قال فيه ضعيف يبقى حديثه ضعيف، أي كلام وأي هبل! ده يا شباب اسمه تخريف، واضح يا شباب؟ ده راجل مش فاهم حاجة في أي حاجة.
فبالتالي يا شباب لا بد أن يكون طالب العلم بداية متصورًا لعلوم الحديث أو لأي علم يريد أن يدخل فيه، لا بد أن يعرف... لذلك أول شيء بنعمله في أي علم يا شباب مع الطالب: أن يعرف فروع العلم، وأن يعرف نشأة العلم، وأن يعرف مسائل العلم، وأن يعرف أبوابه، وأن يعرف فصوله. لماذا؟ ده فيه هدفين عندي يا شباب: الهدف الأول هو أن يدرك الطالب صعوبة هذا العلم، هتقول لي: طب ليه يدرك؟ طب ما أنت كده بتزهّده فيه! بالعكس، ينبغي للمرشد أن يبصّر الطالب بوعورة الطريق، كما قال ورقة للنبي صلى الله عليه وسلم: ويا ليتني فيها جذعًا إذ يخرجك قومك، يعني يا ريت أكون إنسان شاب قوي لما قومك يخرجوك، قال: أومخرجيّ هم؟ قال: لم يأتِ أحد قط بمثل ما جئت به إلا عُودي. خلاص، مفيش شخص هيأتي بما تأتي به أنت إلا وينصب له الناس العداوة، واضح؟
فبالتالي يا شباب هذا ليس من التخويف بل هو لتأخذ حذرك وللاستعداد، يعني هذا ليس للتخويف وإنما للاستعداد، أن تكون مهيأً، فاهمين يا شباب؟ زي ما النبي صلى الله عليه وسلم كده سأله الصحابي الكريم ربيعة لما قال له: أسألك مرافقتك في الجنة، قال له إيه؟ أعني على نفسك بكثرة السجود. اشتغل، خلاص كده؟ أنا دوري إن أنا أقول لك: والله علوم الحديث كذا وكذا وكذا، وأحاول أساعدك، بس من الذي سيسلك الطريق؟ أنت، أنت بطل هذه القصة من أولها إلى آخرها. المعلم، يعني لو ربنا رزقك بمعلم إنسان بيفهم وناصح وأمين، يبقى كده عسل قوي، آخره إن هو بيرشدك، إنما من الذي يقوم بالعمل؟ هو أنت، أنت بطل هذه القصة، وَقُلِ اعْمَلُوا، اعملوا، أنت اللي بتعمل، النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا فاطمة اعملي فإني لا أغني عنكِ شيئًا.
فبالتالي يا شباب، الفكرة الأولى عندي في أن أبيّن لك خارطة العلوم، ثم خارطة كل علم، ثم فصول وأبواب ومسائل كل علم، في أمرين عندي: الأمر الأول: أن تعرف أن الأمر جد ليس هزلًا، إحنا مش بنهرج هنا، واضح كده؟ زي ما دلوقتي أي شاب عارف كلمتين يطلع يعمل بها مقاطع فيديو يقعد يكلم الناس يقول لهم: ربنا بيقول لنا، وربنا هيزعل مننا يا جماعة، وخدوا بالكم. مفيش مشكلة إن الإنسان يتكلم بلسان الناس ويبسط، لكن فيه فرق بين إن الإنسان يتعب في الوصول للمعلومة الصحيحة ثم يجتهد في إيصالها إلى الناس، وبين إنه يتساهل في ذلك فيحدث الناس بآية لا يعرف أين نزلت، ولا يعرف معناها، ولا يعرف ما يمكن أن يعارضها في الظاهر، ولا تفسيرها، واضح كده؟ يتكلم بلغة لا يمكن أبدًا أن تكون لغة العلم ولا لغة البيان، واضح؟
فيه فرق بين شخص يفهم المعلومة جيدًا ثم يحاول أن يبسطها للناس، وبين شخص أساسًا لا يجتهد في طلب المعلومة، هو مكسل أساسًا إنه ينظر في صحة الحديث، لم يقرأ تفسيرًا واحدًا للآية. كلمة: بلغوا عني ولو آية، كلمة عظيمة، واضح؟ لكن ليس معناها إنك أنت أي معلومة تعرفها تقولها، لأ، تحتاج أن تكون متأكدًا منها، متحققًا منها قدر الإمكان، لا نقول أن تستقصي فيها، واضح؟ حتى نميز يا شباب بين الفوضى وبين التعليم.
الأمر الثاني بقى يا شباب الذي يهمني في معرفة أن يتصور الطالب خارطة العلوم والمسائل والأبواب هو أن يعرف ماذا عنده منها، وماذا ينقصه، وكيف يحصله، ولا يكلم الناس إلا في الحيز الذي يحسنه. يعني إيه يا عم الحاج؟ يعني أنت دلوقتي عرفت خارطة العلوم الشرعية، خريطة العلوم الشرعية دي فيها علوم كثيرة جدًا جدًا، أنت تريد أن تعلم الناس وتخطب وتدرّس، جزاك الله خيرًا، هذا ما نفعله نحن، تمام؟ من أول يوم اتعلمت فيه وأنا بحاول أعلّم الناس، والله من أول لحظة حضرت فيها درس وأنا اللي بتعلمه بعلمه للناس، خلاص كده؟ تمام، بس فيه حاجة بقى: تعرف الحصان اللي بيكون عنده حبل، الحبل ده مربوط في حجر أو مربوط في أي شيء، الحصان ممكن يتمشى ويلف ويدور بقدر الحبل اللي معه، ما يقدرش يقطع الحبل ويجري، بالضبط كده طالب العلم الذي اشتغل في الدعوة: كلم الناس فيما تحسن.
وفرق بين دائرة المطالعة، ودائرة المعلوم المتقن، وبين دائرة ما يحتاجه الناس. ممكن أنت تكون بتطالع شيء بس لست متقنًا فيه، أنا مثلًا بتعلم في علم الفلسفة، بقرأ مثلًا في علوم كثيرة زي مثلًا العلوم الغذائية والرياضة والقصص دي، بس ده مش مجالي، فيه فرق بين إن أنا أشارك مشاركة في هذه، وبين أن أتكلم. أنا مهتم شوية بعلوم الحديث، مهتم شوية مثلًا بعلم العقيدة، مهتم شوية بعلوم القرآن، فبتكلم في اللي أنا فاهم فيه شوية، فاهمين كده يا شباب؟ يبقى الإنسان لا بد أن يعرف: ماذا يريد؟ وماذا عنده منه؟ وكيف يستدرك؟ وكيف يحصّل ما بقي له؟ وفيما يتكلم؟ تمام يا شباب؟
طيب، نكمل، قال: وقد رأيت تلك العلامات تحتاج إلى ترميم، ومنها ما يحتاج إلى إعادة بناء، فكما قصدت إلى تقريب أصول الفقه التي هي على
خدمةً للمرور في طريق الفقه، فكتبت تيسير علم أصول الفقه، وقربت ما ينبغي العلم به محررًا للإقبال على كتاب الله عز وجل، فكتبت... يعني الشيخ صراحة له مجموعة مقدمات جميلة جدًّا يا شباب، في رأيي والله من أحسن ما ينتفع به الطالب، ودائمًا بنصح الشباب بأن الشيخ عنده ثلاثة كتب مهمة جدًّا: الكتاب اللي معنا ده اللي هو تحرير علوم الحديث، وكتاب المقدمات الأساسية في علوم القرآن، وكتاب تيسير علم أصول الفقه؛ الثلاثة كتب مهمة جدًّا، طبعًا هي بدايات لكنها كتب جميلة، وصراحة هي تعطيك تصورًا حسنًا، فجزاه الله خيرًا.
طيب، الشيخ قال: فكتبت المقدمات الأساسية في علوم القرآن، فكذلك وجب إتمام القصد في علوم الآلة أن آتي على علوم الحديث. طبعًا الشيخ له كتاب في اللغة العربية، بديع في النحو لكنه مختصر جدًّا، هو في اللغة العربية نسيت اسمه والله دلوقتي، اسمه تقريبًا المنهاج المختصر؛ أه اسمه المنهاج المختصر، مختصر جدًّا، يعني ممكن يصلح كمتن يا شباب، لكن أنا بفضل جدًّا في دراسة النحو أن الإنسان يبدأ بكتاب مثل النحو الواضح، وبعده يدخل في كتاب مثل شرح قطر الندى لابن هشام، هذا بحسب علمي، لكن لست متخصصًا في لسان العرب أو في اللغة العربية حتى أحدد لك ما الذي تبدأ فيه، لكن أنا فقط أحكي لك الطريق الذي اخترته أنا نفسي.
طيب، قال الشيخ: فكذلك وجب إتمام القصد في علوم الآلة أن آتي على علوم الحديث، فأحررها لا اكتفاءً بتقريب مصطلحاتها، بل صياغتها بأتم صيغة ممكنة، مؤصلة من منهج أهلها. والشيخ يا شباب في رأيي أن قيمة هذا الكتاب يعني ظهرت؛ دقيقة، ليه؟ واضح قوي إن الشيخ كتابه هذا متقن إلى حد كبير. طبعًا في ملاحظات إن شاء الله ستكون لنا على الكتاب، يعني من خلال استقراء مثلًا لتراث الأئمة في إضافات، وفي استدراكات، وفي مناقشات، لكن في الوجه العام هو كتاب نفيس جدًّا يا شباب، حتى الشيخ محمد عمرو رحمه الله كنت عرضت عليه هذا الكتاب، وأُعجب بفقرات كثيرة منه، والشيخ أصلا محمد عمرو قال لي باللفظ يعني: الواحد... أنا منبهر بتحقيقات الجديع؛ لأن الجديع يا شباب كما قلت لكم عنده تكوين حسن في علوم الحديث، له تحقيقات نفيسة جدًّا، يعني بياخد مثلًا دراسة حديث معين بيدرس الحديث بإبداع.
والشيخ محمد عمرو رحمه الله، وطبعًا هو باعتباره من المتمكنين جدًّا في علم الرجال، أثنى على مجموعة من الأشخاص في تحقيقاتهم؛ منهم الشيخ أبو إسحاق الحويني حفظه الله وشفاه، ومنهم عبد الله الجديع، أثنى جدًّا على تحقيقاتهم، إن هم عندهم طول نَفَس في تحقيق الأسانيد ودراسة الأسانيد. فلذلك الشيخ بقى الجديع لكونه استقرأ كتبًا من كتب أئمة الحديث، وكذلك مارس ذلك ممارسةً عملية، كما ذكرت لكم في الشيخ طارق عوض الله حفظه الله، مما ميز كتاباته إن هو عنده استقراء لتراث الأئمة، وكذلك عنده الناحية العملية التجريبية التطبيقية؛ فلذلك هذا الكتاب يا شباب إن شاء الله سننتفع منه كثيرًا، بإذن الله ستُنقل به نقلة نوعية في علوم الحديث إن شاء الله.
قال الشيخ: وهذا علم لي منذ تلقيته ما يزيد اليوم على ربع قرن؛ طبعًا هو مؤلف الكتاب ده يا شباب من حوالي عشر سنين تقريبًا، يعني هو تقريبًا بقى له خمسة وثلاثين سنة، لكن هو قال يعني: اهتم بعلوم الحديث منذ خمسة وعشرين عامًا، وعصارة الخمس وعشرين عامًا دي كتبها لك وجمعها لك في هذا الكتاب. شوف إحنا خدنا وقت قد إيه؛ لأني هذه المحاضرة -علوم الحديث بالذات- لا أريد أن أتجاوز فيها الساعة ونصف إن شاء الله، فلذلك يمكن أن نكتفي بالمقدمة فقط، وممكن غدًا إن شاء الله ندخل في الباب الأول.
قال الشيخ: وهذا علم...؛ إحنا بقينا ربع ساعة فقط يا شباب عشان الناس اللي إيه اللي تعبت، لأ يعني اطمئن، أنا دائمًا كنت باقول لكم ربع ساعة وبعد كده ممكن بتبقى ثلاث ساعات، لكن أنا إيه المرة دي باحاول أمسك نفسي شوية عشان كثير من الشباب قال لي: إحنا بنتعب؛ فأنا لا أريد أن أشق عليكم، أنا باخدكم واحدة واحدة يعني، أهو عشان ما تقولوش إن أنا متشدد معكم ولا حاجة، أنا ماشي معكم عسل أهو!
قال: وهذا علم منذ تلقيته ما يزيد اليوم على ربع قرن من الزمان، وأنا أعالجه وأعانيه، وكنت أجد إلحاحًا من داخلي بضرورة أن أصوغه مستوعب الأبواب، وبأسلوب عصري العرض تيسيرًا على الطلاب، دون إخلال بشيء من مراد أهله، مع ما انضم إلى ذلك من سؤال كثير من طلبة هذا العلم الحريصين على تحقيق مسائله وتحريرها، حتى صارت زبدة الأفكار، والمقيد من المسائل والآثار، إلى هذا الكتاب الذي بين يديك.
النصف صفحة دي يا شباب، النصف صفحة اللي إحنا قرأناها أو الثلث صفحة هذه، هي فيها خلاصة الكتاب، يعني ما الذي وضعه الشيخ في هذا الكتاب؟ فلذلك هي مهمة يا شباب عشان تعرف؛ ما أنت أي كتاب تدخله لازم تعرف: موضوعات الكتاب، وسبب تأليف الكتاب، وقيمة الكتاب، وما الذي ينبغي أن تأخذه من الكتاب؟ دي أسئلة مهمة جدًّا يا شباب عند قراءتك لأي كتاب.
أول شيء: هذا الكتاب في أي مادة من العلوم الشرعية، أو من علوم الحياة عمومًا؛ في الكيمياء، في الفيزياء، في الحديث، في الفقه، في أي باب؟ الأمر الثاني: موضوعات الكتاب الرئيسة. الأمر الثالث: قيمة الكتاب؛ ما هو ممكن يكون كتاب اسمه براق: التحقيق المش عارف إيه، الإتقان المش عارف إيه، وهو يطلع في الآخر كتاب ما لوش أي لازمة! لأ، لازم تعرف قيمة الكتاب عشان ما تتعبش على الفاضي، تمام؟ الأمر الذي بعد ذلك: ما الذي ينبغي أن تأخذه من الكتاب؟
يعني إيه يا شباب؟ يعني ممكن أنت تقرأ كتابًا كبيرًا جدًّا وتكون مركزًا فيه على فكرة، مثلًا أنت عايز تقرأ كتب واحد من الفلاسفة مثلًا، بس أنت مركز على عنصر واحد اللي هو إيه؟ مثلًا فكرة الإيمان بالقدر، أو فكرة القدر في تراث الفلاسفة مثلًا، يبقى خلاص أنا عارف كدا أنا داخل الكتاب ليه، أنا داخل الكتاب بفكرة محددة. لكن أحيانًا يا شباب يكون في كتاب مركزي في العلم الذي تطلبه، فهذا الكتاب المركزي هو الذي يعطيك الأفكار التي تأخذها، مش أنت اللي بتفرض عليه الفكرة اللي أنت محتاجها، واضح كدا يا شباب؟
يعني مثلًا اعتبر إن أنا لما جيت أستقرئ كتابًا جامعًا عظيمًا مثل كتاب تفسير الطبري، ما حطيتش في دماغي فكرة بقى إن أنا داخل تفسير الطبري عشان آخد مثلًا مناهج المفسرين في التفسير، أو التفسير اللغوي في القرآن، أو الناسخ والمنسوخ في القرآن، أو منهج الطبري في القراءات؛ لأ، أنا سلمت الزمام للطبري رحمه الله، قلت له: يا عم الحاج، أنت إمام من أئمة التفسير، أنا داخل معك باقرأ الكتاب من الجلدة للجلدة، أنا باستفيد منك المسائل، مش أنا اللي باطرح المسائل اللي عايز أستفيدها منك؛ فبالتالي كل ما يديني فكرة أنا أجعلها مسألة.
فوجدته يتكلم مثلًا عن مقدمة في نزول القرآن، مقدمة في معنى نزول القرآن على أكثر من حرف، أو على سبعة أحرف، تكلم مثلًا عن من هم المفسرون المعتبرون؟ تكلم عن أخطاء المفسرين من أهل اللغة، تكلم عن الناسخ والمنسوخ وعجلة كثير من الناس في عَدّ هذا من المنسوخ بينما هو محكم، تكلم عن الاستدلال بالشعر في التفسير، تكلم عن أنواع الاختلاف. إذًا لما تدخل على كتاب مركزي في علمٍ ما، مثل مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث، أو الرسالة في أصول الفقه، أو مثلًا تراث الإمام ابن تيمية مثل كتاب الإيمان الأوسط في باب الإيمان، أو كتاب منهاج السنة في مسألة القدر ومسألة عصمة الأنبياء، وهكذا يا شباب؛ أي كتاب مركزي في أي باب من أبواب العلم لا ينبغي أن تدخل بغاية خاصة، بقضية محددة، لا، بل تستخرج أنت منه المسائل التي تكون بعد ذلك غايتك في الكتب الأخرى.
أرجو أن يكون هذا الكلام مفهومًا يا شباب؛ لأن كثيرًا من الشباب بيتعب بس بيخرج من البحر بقطرة منه، يعني ممكن يدخل على كنز من الكنوز بس هو مش داخل صح، واضح يا شباب؟ زي واحد مثلًا دخل حديقة جميلة جدًّا، بس هو ما يعرفش غير الثوم، هو ما يعرفش من الزرع غير الثوم، فداخل واخد معه مثلًا حلة ولا واخد معه مثلًا شوال، وعمال يجمع الثوم، تمام؟ مع إنه في السكة عمال يعدي على إيه؟ على تفاح، وعلى مانجو -مانجو عويس عسل كدا طعمها جميل- وبيعدي على فراولة، وبيعدي على برقوق وبرتقال وكل حاجة، بس ما بياخدش؛ ليه؟ لأنه لا يشعر بقيمتها.
إذًا يا شباب حينما تدخل على حديقة كتاب لإمام من أئمة العلم، وهذا الكتاب عرفت أنه مركزي في بابه، فلا ينبغي أن تدخل بغرض خاص، بل تسلّم نفسك للكتاب، فأينما وصل بك أخذت هذه الفائدة. أرجو أن تقيد هذا المعنى؛ لأن هذا المعنى يفرق بين الطالب الذي يخرج بأعظم فائدة مما يقرأ ومما يحضره من المحاضرات، وبين... أقسم بالله يا شباب أنا كنت أستفيد ممن أحضر لهم مش بس المعلومة، لأ، المعلومة آخر حاجة كنت أستفيدها منه! أنا كنت أركز: متى يتكلم؟ وفيمَ يتكلم؟ وكيف يوصل المعلومة؟ وإذا كان للفكرة مثلًا مائة دليل، لماذا اختار الإمام الشافعي مثلًا هذا الدليل بعينه؟ الإمام ابن تيمية إذا قرر مسألة، فلماذا بدأ في هذه المسألة بالقول الخطأ الذي يرده ثم أعقبه بالقول الصواب، وفي مسألة أخرى بدأ بالقول الصواب الذي يرجحه ثم عقب بالقول الذي ينكره؟
كل هذه الدقائق هي الحد الفاصل بين طالب العلم النابغ، وبين الطالب المثقف السطحي الذي يريد أن يتعلم المعلومة الأخيرة؛ لذلك الإمام الشافعي يا شباب قال لتلامذته: من تعلم علمًا فليدقق فيه لئلا يضيع دقيق العلم. إذًا يا شباب المعلومة أو النتيجة هي آخر ما يطلبه الطالب وإن كانت مهمة، ينبغي للطالب أن يهتم بسؤال: كيف تكلم العالم؟ وفيمَ تكلم؟ ولماذا؟ ولماذا استطرد؟ ولماذا ذكر هذه الأقوال المخالفة؟ وكيف ناقش حجة المخالفين؟ وكيف عرض قوله؟ وكيف قرره؟ ولماذا وصل إلى تلك النتيجة؟ سؤال: كيف ولماذا مقدم على سؤال: ماذا.
طيب نكمل يا شباب، قال الشيخ: طريقة المتقدمين والمتأخرين. الشيخ هنا -يعني ده اللي هنختم به، هو صفحتين باقيين- يريد أن يتكلم عن موضوع شاع بين طلاب الحديث؛ أن هناك فرقًا بين منهج المتقدمين في علوم الحديث ومن منهج المتأخرين. إحنا يعني الأول يا شباب محتاجين نفهم إيه المتقدمين والمتأخرين؟ المتقدمون في علوم الحديث يحدهم كثير من العلماء ببداية القرن الرابع، يعني أول ما يبدأ القرن الرابع يبدأ المتأخرون، يعني إلى نهاية القرن الرابع؛ من أول القرن الأول إلى بداية القرن الرابع، اللي هو يعني من أول سنة مثلًا، من أول عهد الصحابة الكرام إلى بداية القرن الرابع؛ طبعًا بداية القرن الرابع بتبدأ يا شباب من أول سنة ثلاثمائة وواحد، يعني سنة ثلاثمائة وواحد هي بداية القرن الرابع، كدا إحنا خلصنا القرن الثالث.
فيجعلون المتقدمين هم أئمة العلم: شعبة، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، والبخاري، وأحمد، وابن معين، وإسحاق بن راهويه، والدارقطني، واضح كدا يا شباب؟ ثم يبدأ بقى من أول القرن الرابع يعني من يدخلون يعني بداية حقبة المتأخرين؛ يعني كأنهم يقولون: ينبغي لمن جاء متأخرًا أن يأخذ علم المتقدمين ويطوره، لكن لا يأتي بنتيجة تنقض ما قاله، وإنما يطور فيه وغير ذلك.
طيب، فهو هنا بقى بيقول: هل في فرق بين المتقدمين والمتأخرين في علوم الحديث؟ قال: شاع بين كثير من طلبة هذا العلم في هذا الزمان نزاع بين ما سموه طريقة المتأخرين وطريقة المتقدمين في علوم الحديث، فتحرير محل النزاع أن أصحاب التفريق رأوا علماء الحديث المتأخرين صاروا إلى الحكم على الأحاديث على ما تقتضيه ظواهر الأسانيد، والتقليد لعبارات بعض متأخري العلماء في الحكم على الرواة، دون مراجعة لكلام أئمة الجرح والتعديل إذ كثيرًا ما يختلفون في الراوي، كذلك دون اعتبار للعلل الخفية في الروايات.
نشرح الفكرة دي يا شباب، بصوا يا شباب: الشيخ هنا بعبارة مختصرة ذكر لك خلاصة ما يراه طلاب علم الحديث في الفرق بين المتأخرين والمتقدمين. طب إيه هو ببساطة كدا؟ بيقول إيه هو يا شباب الفرق المشهور جدًّا بين المتقدمين والمتأخرين؟ إيه اللي شاع بين طلاب العلم؟ إن المتأخرين -اللي هم مين يعني؟ إحنا بنتكلم الأول عن المعاصرين يا شباب، المعاصرين مثل مثلًا الشيخ الألباني رحمه الله، ومثل غيره من المحققين، الشيخ أبو إسحاق الحويني وغيره من المحققين اللي هم المعاصرين هؤلاء- هل هؤلاء العلماء الذين لهم كلام في تحقيق الروايات والحكم على الأحاديث، واللي هو مثلًا غيره زي واحد اسمه مشهور آل سلمان وغيره من المحققين دول، هل هؤلاء يسيرون في النقد على طريقة المتقدمين، اللي هو تحليل الرواية، والنظر في الأسانيد، والنظر في علل الحديث، وهكذا؟
فعدد من طلاب علم الحديث يرون أن كثيرًا من المعاصرين -بغض النظر عن الأسماء المذكورة- يرون أنه حصل تساهل نوعًا ما، ويرون أن كثيرًا من المعاصرين المحققين يكتفون بالحكم على الظواهر دون الغوص في علل الحديث، وأنهم يأخذون عبارات المتأخرين من النقاد؛ كابن حجر، والذهبي، وابن الصلاح، وغير هؤلاء، ويجعلونها حجة دون الرجوع إلى كلام الأئمة المتقدمين؛ كالبخاري، وأحمد، وابن معين، والدارقطني، وغير هؤلاء.
فبالتالي يا شباب هو يتكلم عن هذه الفكرة: هل فعلًا حدث هذا؟ الجواب يا شباب: نعم، حدث هذا عند كثير من المعاصرين، حدث عندهم نوع من التساهل في النظر في الأسانيد وفي نقد الرواة، أخطأوا في ذلك وأصابوا، جزاهم الله خيرًا على ما قدموا للإسلام، وهم مجتهدون معذورون إن شاء الله في خطئهم، ومأجورون على اجتهادهم وصوابهم، تمام؟
لكن دورنا نحن كطلاب علم أن نتعلم هذا العلم من منبعه ومن أصوله، لا بأس أن تحضر دورة لشخص مثلًا يدرّسك كتابًا متأخرًا، ما إحنا الآن ندرس كتابًا لشخص معاصر، ودرسنا كتابًا آخر لصديقي وأخي الشيخ حازم الشربيني، ودرسنا متنًا للحافظ ابن حجر، ودرسنا كتابًا للشيخ طارق عوض الله؛ إذًا الإنسان ينتفع من كل من لهم جهد مشكور، لكن لا بد أن تعلم مصادر العلم الأصلية، ولا بد أن يكون معظم وقتك في دراسة العلم على دراسة هذه الكتب؛ دراسة كلام الأئمة المحققين: الشافعي، مسلم، الترمذي، أبو داود، أحمد، البخاري، وهؤلاء، ثم الدارقطني، وغير هؤلاء، فينبغي أن تفرق بين من يقرّب لك العلم ومنابع العلم الأصلية، واضح كدا يا شباب؟
فبالتالي أنا في رأيي أن طالب العلم لا يصح أبدًا بحال أن يكتفي بما قرره العلماء الكرام المعاصرون، رحم الله من مات منهم، وبارك الله في عمر من بقي منهم، لا ينبغي أبدًا أن يكتفي بكلامهم، ولا حتى بكلام المتأخرين؛ كالذهبي، وابن حجر، والسخاوي، والعراقي، وغير هؤلاء، واضح؟ لا ينبغي أبدًا، وإنما ينبغي أن يكون له عمل كبير في تراث الأئمة المحققين، ويقرأ كتب العلل والسؤالات والتواريخ وكتب الجرح والتعديل، ويطالع كتب السنن فيقرأها، مسند الإمام أحمد والكتب، وغير هذه الكتب، لا ينبغي أبدًا أن يكتفي بمجرد هذه المقدمات.
طيب نكمل كلام الشيخ، قال الشيخ: وأيضًا رأوا للمتأخرين تساهلًا في إطلاق المصطلحات والتوسع -يعني في إطلاق المصطلحات- التوسع في قبول الحديث المعلول، بينما كان الأولون يردون مثل تلك الأحاديث، ومن تساهلهم تهوين العبارة في الرواية؛ كإطلاق وصف ضعيف أو فيه ضعف على الراوي الواهي الساقط، مما يسهل أمره -يعني يجعله يعني يمكن أن يقبل يعني، واضح؟- ويجعل حديثه مقبولًا ولو اعتبارًا، من أجل خفة هذا اللفظ المتأخر في الجرح، وكذلك يقولون في الحديث وهو في الواقع موضوع مثلًا.
وأقول... الشيخ بقى هيعقب على هذه الفكرة، يعني يا شباب خلاصة الفكرة أن عددًا من طلاب علم الحديث يرون أن العلماء المتأخرين والمعاصرين ليس عندهم تحرير كتحرير الأئمة السابقين، فيتساهلون في الحكم على الرواة والرواية، ويتوسعون في استعمال الألفاظ، واضح؟
الشيخ هيعقب بقى، قال: وأقول: لا ريب في صحة هذا المأخذ، لكن إطلاقه ليس بمحمود؛ فإن لمتأخري العلماء تحريرات نافعة تنفي هذا العلم؛ كالحفاظ أبي بكر البيهقي، والخطيب البغدادي، وابن عبد البر الأندلسي، فأبي.... طبعًا هو ما ذكرش ابن تيمية هنا، وهذا من الخطأ الكبير جدًّا المستدرك على الشيخ؛ الإمام ابن تيمية رحمه الله له تحريرات في علم الحديث هي ليست مشهورة، ليه يا شباب؟ لأنه مشهور عند طلاب العلم أن ابن تيمية يُرجع له في العقيدة والفقه، وهذا خطأ كبير جدًّا. ابن تيمية يا شباب أعظم ما تنتفع به هي علوم الآلة؛ لأن ابن تيمية تراثه يعطيك أدوات تؤهلك لدراسة أي علم إن شاء الله، يعطيك ملكة علمية بحثية، عارف أنت الإحماء اللي أنت بتعمله كدا لما تكون عايز تلعب ماتش كورة بتسخن؟ تراث ابن تيمية هو التسخين والإعداد لأي تراث تريد أن تدخله، وأي باب تريد أن تدخله في علوم الشريعة وغيرها.
ابن تيمية له تحريرات نفيسة جدًّا في أدق مسائل علوم الحديث، مبثوثة في كتب؛ مثلًا في كتاب منهاج السنة النبوية له تحريرات فيه رائعة جدًّا، كذلك كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، كتاب الاستغاثة في الرد على البكري، وغيرها من الكتب. طيب، فلذلك ينبغي أن نضيف هنا ابن تيمية رحمه الله.
قال: فأبي الحجاج المزي، فالذهبي، وابن كثير الدمشقي، وابن قيم الجوزية، وابن رجب الحنبلي، فأبي الفضل العراقي، فابن حجر العسقلاني. طبعًا دي فيها فائدة يا شباب إنه ذكر لك أعيان المتأخرين؛ تلاحظ إن هو بدأ بمن؟ بدأ بالبيهقي، نعم؛ لأن البيهقي معدود في المتأخرين يا شباب، ما إحنا قلنا إن المتقدمين نهاية القرن الثالث، ويبدأ من القرن الرابع مثلًا أو من أواخر القرن الرابع يبدأ المتأخرون.
هل كلمة المتقدم أو المتأخر دي يا شباب في ذاتها تعد تعديلًا أو تجريحًا؟ أبدًا! يمكن أن يكون شخص يعيش مع المتقدمين وهو لا يفهم شيئًا في العلوم، عادي جدًّا، كما كان المنافقون يعيشون مع النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، فهم متقدمون في الزمن، متأخرون في الدين بل ساقطون في الدين، وجاء من بعدهم من هو خير من ملء الأرض منهم، واضح كدا يا شباب؟
فبالتالي وصف المتقدم والمتأخر هو وصف زمني، لا يمدح الإنسان إلا بماذا قدم، يعني إيه يا شباب؟ نفهم دي، استنى لحسن أكون طولت، أصل أنا يعني إيه باسرح وبابقى مطول. أيوة، إحنا كدا عدينا دقيقة، لو نستنى دقيقتين بس يا شباب عشان دي فكرة يعني مهمة. في بعض الناس يمدحون الناس بما ليس مدحًا، يعني إيه؟ يقول لك مثلًا: فلان هذا لم يسجد لصنم، ويجعل هذا مما يمدح به الإنسان؛ طب ما إحنا ما سجدناش لصنم، حد فيكم سجد لصنم مثلًا؟ ما حدش فينا سجد لصنم، حد فينا شرب خمرة؟ لا الحمد لله، ما حدش فينا شرب خمرة إن شاء الله.
يا شباب، لا يمدح الإنسان بالذي كان عليه، إنما يمدح الإنسان بما قدم، إيه اللي عمل بعد كدا؟ يعني الصحابة كثير منهم كان زنى وشرب خمرًا وكان كافرًا يسجد لصنم، لكنهم خير من أبنائهم تلاقيهم، بلا شك الصحابة خير من أبنائهم، وأبناؤهم وُلدوا في الإسلام ولم يسجدوا لصنم ولم يشربوا خمرًا؛ القصة ليست ما الذي كنت أنت عليه، القصة ماذا قدمت بعد استقامتك؟
طيب، فالمهم فكرة المتقدم والمتأخر دي يعني ينبغي أن نحرر لفظها أو نحرر وجه المدح فيها. من المتأخرين بقى يا شباب المهمين جدًّا: البيهقي، والخطيب البغدادي، وابن عبد البر الأندلسي، وابن تيمية؛ طبعًا هو كان لازم يذكر ابن تيمية هنا، عارفين ليه يا شباب؟ لأن ابن تيمية هو شيخ كل من سيأتون بعد ذلك، تصوروا! يعني هي المشكلة في إنه لم يذكر ابن تيمية هنا في حاجتين: ابن تيمية من أخص المتأخرين الذين ساهموا في علوم الحديث وفي التدقيق فيها والإضافة لها، والأمر الثاني أن كل المذكورين بعد كدا تلامذته واستفادوا الحديث منه: المزي، الذهبي، ابن كثير، ابن القيم، ابن رجب، كل هؤلاء يا شباب، كل هؤلاء تفرعوا عن ابن تيمية، تمام؟ ثم بعد ذلك ذكر العراقي وابن حجر.
قال الشيخ: وإن كان التساهل المشار إليه يقع من غيرهم...؛ يعني يا شباب هو هنا بيتكلم عن مين؟ هنا في فرق يا شباب بين إن إحنا بنتكلم عن المتأخرين والمعاصرين، تمام؟ نحن الآن نتكلم عن طريقة المتأخرين وطريقة المتقدمين؛ طريقة المتقدمين نقصد بها أئمة العلم من الأوائل: البخاري، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، والدارقطني، وأحمد، وسفيان الثوري، والقصة دي، وبالمتأخرين اللي هم دول: البيهقي، والبغدادي، وابن القيم، وابن حجر، والذهبي، وهؤلاء، واضح؟ في بقى عندنا المعاصرين يا شباب اللي هم لهم جهد في التحقيق وو... فاهمين كدا يا شباب؟ عشان تميز بين الثلاثة.
قال: وإن كان التساهل المشار إليه يقع من غيرهم، وربما من بعضهم تارة، فإنه لا يصلح أن يقام النزاع المورث إعراضًا من بعض الناس عن تحريرات مثل هؤلاء الأعلام؛ يعني بيقول لك أنت من كتر ما بتقول بقى: الأئمة المتقدمين، الأئمة المتقدمين، وتهمل المتأخرين، مما كدا أنت تزهد الناس في أهل العلم، تزهد الناس في البيهقي، والبغدادي، وابن عبد البر الأندلسي، وابن الصلاح، وغير هؤلاء؛ كل ده غلط يا شباب فاهمين؟ كل هذا خطأ؛ لأن هؤلاء لهم تحريرات ولهم تصنيفات ولهم كلام عظيم جدًّا، سواء في الناحية النظرية أو في الناحية التطبيقية، فاهم؟
وأضيف أنا: أن يُستفاد كذلك من المعاصرين، نحن الآن نقرأ لمعاصر، واضح كدا؟ ونستفيد من تحقيقات الشيخ الألباني رحمه الله، تحقيقات الشيخ أبو إسحاق الحويني، نستفيد من كتب الشيخ طارق عوض الله، ومثلًا الشيخ عبد الله السعد له شروح نفيسة جدًّا، وكذلك الشيخ مثلًا عبد الكريم الخضير، وغير هؤلاء، والشيخ محمد عمرو عبد اللطيف رحمه الله؛ كل هؤلاء لهم جهد كبير نستفيد منهم وننتفع منهم، واضح؟
طيب، قال: وهذا العلم في تحرير من تقدم جميعًا مرجعه إلى طريقة المتقدمين. هنا بقى يا شباب سيذكر لك أخص أعلام، أقولهم بسرعة وإن شاء الله يأتي تفصيل الكلام عنهم بعد ذلك. قال: فلا غنى لهم عن منهاج أهله؛ هيذكر هنا بقى الأئمة يا شباب، دي كل اسم من دول عايز تضرب له تعظيم سلام، يعني دول أئمة العلم والدين الذين أكرمنا الله بهم، الذين أكرمنا الله بهم ونفع الله بهم المسلمين: كمالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، والبخاري، ومسلم بن الحجاج، وأبي زرعة الرازي، وأبي حاتم الرازي، وأبي داود السجستاني، والترمذي، والنسائي، وإخوانهم من متقدمي أهل هذا الشأن.
طبعًا يضاف، لازم يضاف مع هؤلاء الدارقطني، يعني الدارقطني وإن كان متأخرًا عنهم سنًّا، لكنه لازم يتحط معهم. الدارقطني يا شباب من أعظم... الدارقطني يا شباب هو ابن تيمية الحديث؛ يعني إذا كان الإمام ابن تيمية في مسائل الفقه وفي مسائل العقيدة ونحوها يجمع المقالات ثم يخرج لك بالنتائج، فالدارقطني في دراسة الروايات سلك مثل هذا المسلك. طبعًا الدارقطني متقدم على ابن تيمية وهو إمام كبير في علم الحديث، أنا فقط لماذا أتكلم عن ابن تيمية كثيرًا؟ لأن الشباب اللي حضروا معي الدروس فاهمين طريقة ابن تيمية، فأريد أن أبين لهم أن الدارقطني ينبغي أن يلحق بهؤلاء وإن كان متأخرًا عنهم في السن، واضح؟
طيب، طبعًا يا شباب من أهم الخطوات التي اتخذتها في طلبي لعلوم الحديث، وفرقت معي فرقًا كبيرًا جدًّا جدًّا، سواء أثرت على السلوك، والدين، والأخلاق، أو التحفيز والتشجيع والحماسة لطلب علم الحديث، فضلًا عن المعلومات الحديثية والقواعد، إني -يعني هاقولها لكم بالبلدي كدا- مسكت كل عالم من العلماء المذكورين دول، وأنا طبعًا لم أكن اطلعت على هذا الكتاب، وإنما اطلعت عليه متأخرًا، يعني أنا بدأت مثلًا أتعلم حديث من سنة ألفين واثنين تقريبًا، أول ما بدأت أتعلم وضعت خطة موازية، بدأت من أول لحظة درست فيها الحديث يا شباب، عارفين إيه هي؟ خطة لقراءة التراث، دواوين السنة، واضح؟ البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبو داود، ومسند أحمد، وو... يعني أقرأ فيها، أحاول أقرأ وردًا كل يوم؛ مثلًا ساعة، ساعتين، نصف ساعة، على حسب ما ربنا ييسر، سواء بقى كنت باحملها على الكمبيوتر، أو كنت مثلًا بعد كدا لما طلعت فكرة الموبايلات أحمله على الموبايل، أو أسحب معي الكتاب الصغير كان بيتباع في المكتبات، صحيح البخاري صغير كدا، آخده في جيبي وأقرأ كل يوم، كنت أستفيد.
حفظت عددًا كبيرًا؛ أنا أصلا حفظي ضعيف جدًّا، فيعني لا يثبت الحفظ عندي إلا بتكرار كبير، بس ما كنتش باكرر بقى إن أنا أقعد أمسك الحديث أقعد أحفظ، لأ، كنت أحاول أحدث به الناس يعني، أو أستعمله في خطبة أو درس.
فبالتالي فكرة ده الخط الموازي الأول هو كتب السنن، في خط موازي ثاني يا شباب مهم جدًّا، هو تراجم أئمة علم الحديث، سواء الأئمة المعتبرون في علم الرجال وعلل الحديث والمصنفون؛ كالبخاري، وأحمد، وو... أو الرواة الذين دارت عليهم الأسانيد، اللي أنا قلت لك إنك نادرًا ما تجد حديثًا صحيحًا إلا وواحد من هؤلاء فيه، مثل بقى ابدأ بقى من الكبار؛ طبعًا الصحابة الأوائل العشرة الأوائل اللي إحنا عارفينهم، لو حد من الشباب فاكر العشرة الأوائل -أهم عشرة من الصحابة محدثين- يا ريت يكتبهم في التعليق، يعني ناخدها كسؤال امتحان يعني، وأنا هاقولهم في آخر الدرس، بس لو عايز حد كدا مصحصح معانا وفاكر العشرة المحدثين من الصحابة -أشهر عشرة محدثين- يا ريت يكتبهم في التعليقات حتى ينشط ذاكرته يعني.
بدأت بقى يا شباب من طبقة الصحابة، ثم بعدها طبقة كبار التابعين؛ كسعيد بن المسيب مثلًا، علقمة بن قيس، وبعد كدا دخلت بقى في الطبقة المؤثرة: محمد بن سيرين، الحسن البصري، الشعبي، بعد ذلك دخلت بقى في الطبقة اللي هي متوسطة شوية؛ كقتادة، وأبي إسحاق السبيعي، ويحيى بن أبي كثير، والأعمش، وأيوب السختياني مثلًا، وغير هؤلاء، وابن جريج، ثم بعد ذلك بقى دخلنا في سفيان الثوري، سفيان بن عيينة، حماد بن زيد، حماد بن سلمة، إلى أن وصلت.
المتأخرة مثلاً البخاري ومسلم وغير هؤلاء. عايز أقول لكم يا شباب إن هذه الخطوط الموازية التي اتخذتها في طلب علوم الحديث فرقت معي بشكل غير عادي. ليه؟ لأني كنت وأنا بتعلم المصطلح، المصطلح نظري، بيعلمك المصطلحات بشكل نظري، الطريق محتاج ناحية تطبيقية؛ فاتخذت هذه الخطوط: الخط الأول استقراء كتب السنن، والثاني تراجم الأئمة الأعلام سواء المصنفين أو الذين تدور عليهم الأسانيد، والخط الثالث التدريب العملي على دراسة الروايات. هذه الخطوط الثلاثة يا شباب من أول يوم أدرس فيه وأنا دخلت فيها بحمد الله تبارك وتعالى، وأكرمني الله سبحانه وتعالى بهذه الفكرة، وفرقت معي جداً حتى أثرت بعد ذلك على التدريس لما أحب أُدرّس.
أصبح عندي مخزون في أسماء الرواة، عندي مخزون أضرب أمثلة. أنت تجد مثلاً أحياناً الإنسان لما يُدرّس لا يذكر للناس إسناداً، يقول مثلاً: إذا قال زيد عن عمرو فكذا، لا، لماذا أقول زيد عن عمرو؟ أنا عندي آلاف الأسانيد فلماذا أقول زيد عن عمرو وهو مثال وهمي؟ أو شخص آخر يقول: مالك عن نافع عن ابن عمر، لا يحفظ غيره! لا، أنت حينما تدخل في الناحية العملية وتراجم الرواة واستقراء السنن ستحصل مئات الأمثلة على الفكرة الواحدة التي تريد أن تستدل لها، فضلاً عن الفوائد المسلكية والخلقية والتشجيع.
أنت حينما تقرأ ترجمة شخص كعبد الله بن المبارك، أو أحمد بن حنبل، أو شعبة بن الحجاج، أو البخاري، أقسم بالله لا يمكن -شوف، أنا أقسم بالله، ولن أقول إن شاء الله في هذا القسم؛ لأني متأكد منه جداً- أقسم بالله لا تقرأ ترجمة البخاري، أو أحمد، أو شعبة، أو عبد الله بن المبارك، أو أمثال هؤلاء، إلا وتخرج منها بخلاف ما دخلت فيها! مش ممكن تقرأ الترجمة دي وبعدين تخرج منها زي ما دخلت، مستحيل! مستحيل، إلا إذا كان الإنسان ده حجر؛ لأن هذه التراجم يا شباب -طبعاً فضلاً عن تراجم أئمة الصحابة الكرام، أنا بتكلم فقط عن المحدثين، واضح؟ وإلا فقصص الأنبياء أعظم من ذلك، واضح؟ قصص الأنبياء ثم الصحابة هذه هي الذروة، واضح؟ لكن هؤلاء الأعلام أيضاً تؤثر تراجمهم، ترجمة ابن تيمية- هذا الباب مهم جداً يا شباب في التأثير على أخلاقك وسلوكك وأدبك وعلمك وذكائك، هذه الأمور مهمة جداً.
طيب، فبالتالي هذه الخطوط الثلاثة هي التي أنصحكم بها: استقراء كتب السنن، ابدأها بالبخاري، ثم مسلم، وبعد كده باقي الكتب الستة، وبعد كده مسند أحمد؛ لو كل يوم قرأت عشر دقائق حلو جداً، أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. القسم الثاني هو تراجم الرواة. القسم الثالث هو التدريب العملي على تحقيق الروايات، ده هنتكلم عنه إن شاء الله بعد كده. لما تتعلم شوية بقى، لما تبدأ مثلاً تدرس في كتب العلل وكتب الجرح والتعديل، لازم تعمل خط رابع؛ الخط الرابع هو قراءة كتب الجرح والتعديل كلها، بداية مثلاً من التاريخ الكبير للبخاري ككتاب جامع يعني، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، وبعدين بقى تبدأ تأخذ الكتب اللي هي كتب الضعفاء كالكامل لابن عدي، والمجروحين لابن حبان، والضعفاء للعقيلي، ثم بعد ذلك من الكتب المتأخرة ميزان الاعتدال للذهبي، ومهم جداً تقرأ كتب السؤالات والمسائل.
إن شاء الله يا شباب هنتكلم عن فكرة ممكن نعمل كده محاضرة نصف ساعة -أنا بقول نصف ساعة وبعد كده بتأخذ معنا أربع ساعات- نعمل محاضرة كده مختصرة: كيف يذاكر طالب علم الحديث؟ يعني الطالب، أكيد مش كلكم تريدون التخصص في علم الحديث، أكيد، في بعضكم مثلاً يريد أن يدرس من الحديث ما يتبلغ به، في كثير منكم هنا بيدرس بيقول لي: يا شيخ، بصراحة يعني الكلام اللي أنت بتقوله في الحديث كويس ومشجعنا، بس أنا مش لاقي نفسي في الحديث. خلاص، وإن كنت أنا لا أحب هذه العبارة، ليه يا شباب؟ ليه؟ لأن أنت لسة شاب، أنت لسة في مرحلة التحصيل، أنت مش مثلاً راجل عندك تسعين سنة وبتموت فبتقول لي: والله أنا عايز أتعلم كلمتين في العقيدة ينفعوني، لأ، أنت راجل شاب، استغل وقتك، مستعجل على إيه؟ اصبر، اتعلم، اتقل، مستعجل على إيه في الدعوة والتعليم؟ اصبر اتعلم علوم الآلة: أصول الفقه، وأصول في التفسير، لسان العرب، واضح؟
اصبر على نفسك شوية، واشتغل على نفسك شوية، هتفرق جداً. لو أنت مش لاقي نفسك في الدروس ومش عايز تدرسها بعمق، طبعاً أنت كده كده هتدرس معنا الدورة إن شاء الله، لكن بتكلم على التنمية الذاتية. إن شاء الله يكون لنا محاضرة، يا ريت حد فيكم يفكرنا بها، إحنا معنا يعني طلبة وطالبات ما شاء الله زي الفل، الحمد لله دايماً يفكروني بالحاجات اللي أنا بنساها، يفكروني بمحاضرة بعنوان مثلاً: كيف يذاكر طالب علم الحديث؟ أو: كيف يكوّن نفسه؟ أي اسم، أي اسم، واضح؟ مش هنختلف، المهم إن فكرتها: إزاي أنا كطالب علم حديث أذاكر؟ أعمل إيه؟ هل أكتفي بالدروس اللي أنا باخدها في دورة، أو بشاهد دورة مرئية، أو بحضر محاضرات؟ لأ، لازم يكون لك خط في أي علم من العلوم، ما فيش إنسان يا شباب بيطلع عالم من مجرد درس شيخ، يا رب يكون الشيخ ده ابن تيمية، لأ، لازم يكون هو بيشتغل لوحده في برنامج موازي. فهذه الخطوط الأربعة يا شباب مهمة جداً لطالب علم الحديث، وإن شاء الله نتوسع فيها في وقت آخر، بس يا ريت حد يفكرنا.
نخلص بقى المقدمة، قال الشيخ، فبيقول: وأما منهاجي في هذا الكتاب فقد بينت فيه تحرير أصول هذا العلم على طريقة السلف المتقدمين، واستفدت من تحريرات المتأخرين، وعدلت عن ابتكاراتهم في هذا الفن. يعني دي جميلة جداً يا شباب، بيقول: أساس هذا الكتاب هو استقراء تراث الأئمة، استفدت منهم، بس برضه انتفعت أحياناً من تحريرات الذهبي وابن حجر والخطيب البغدادي والبيهقي وغيرهم، تمام؟ بس لما ابتكروا حاجة أو بيألفوا حاجة ليس لها نظير عند المتقدمين ما باخدهاش، دي جميلة جداً يا شباب.
قال: لأنهم جروا على التنظير في أكثر ما انفردوا به. يعني هم انفردوا في مسائل هي نظرية ليس لها واقع عملي، خصوصاً أهل الأصول منهم، يعني العلماء المتكلمين، اللي هم المعتزلة والأشاعرة الذين صنفوا في أصول الفقه وتكلموا في علوم الحديث، دول يا شباب يعني بوَّظوا الدنيا بصراحة يعني بعبارة بسيطة، أولاً اخترعوا مسائل ليست من العلم، وحتى المسائل التي في العلم تكلموا فيها بغير لسان أئمة العلم ولا بغير تحريرات أئمة العلم، ثم خرجوا فيه بنتائج يعني خطأ تماماً. وأنا لي أظن تقريباً نصف ساعة تكلمت فيها عن أثر علم الكلام والمنطق على علوم الحديث لمن يريد أن يراجعها، أظنها في كتاب النهج المبتكر حينما تكلمنا عن حديث المتواتر والآحاد.
طيب، قال الشيخ: فبون كبير... لا، قال: خصوصاً أهل الأصول منهم، وهذا العلم مستنده إلى النقل وإلى التبصر في منهج أهله، فبون كبير مثلاً بين كلام أهل الفن في تحريرهم للعدالة والجهالة ومراعاتهم لواقع النقلة، وبين ما ضمّنه متأخرو الأصوليين كتبهم في تفسير ذلك، والذي تأثروا فيه بمعناها عند القضاة، وخلطوا بين هذا الباب وذاك، ولم يضربوا لها من الأمثال من أحوال النقلة ما يكشف حقيقته. يعني هو هنا بيتكلم عن أثر أصول الفقه، أقصد أثر علم الكلام وكلام الأصوليين في أصول الفقه على علوم الحديث. المقدمة يا شباب التي أشرت لها لكم، يا ريت لو حد منكم يا شباب معه رابط للمقدمة دي يا ريت يضعه في التعليقات لأنها مهمة جداً، هذه المقدمة ذكرت فيها أثر علم المنطق وعلم الكلام وأصول الفقه على علوم الحديث، تجدون فيها شرحاً مهماً جداً لهذه الفكرة.
قال: واجتهدت وسعي في ضرب الأمثال من واقع الحال لا من نسج الخيال تقريباً لمسائل العلم. يعني الراجل هنا جزاه الله خيراً بيقول لك: أنا اعتمدت على كلام الأئمة المتقدمين وعلى قواعدهم، واستفدت أحياناً من تحريرات المتأخرين، وأعرضت عن يعني ما خرجوا به عن نهج المتقدمين، ثم ضربت أمثلة على المسائل من واقع الروايات لا من الخيال حتى أقرب لك العلم. والله هذا من أحسن ما يكون، وهذا الكتاب يا شباب مثال رائع جداً لجودة التصنيف الذي يقسم العلم إلى أبواب ومسائل، وتحت كل مسألة المباحث، وتحت كل مبحث القواعد، وتحت كل قاعدة الأمثلة وكلام أهل العلم، والله كتاب فيه مجهود كبير جداً جداً، وأحب من أي شخص يريد أن يقرب العلوم إلى الناس أن يستفيد من منهاج هذا الشيخ في تأليفه.
قال: واستبعدت من مباحث هذا الكتاب من الأبواب: غريب الحديث، وفقه الحديث، ومشكل الحديث، والنسخ في الحديث؛ إذ ما كان منها يرجع إلى تأصيل فتأصيله فيما حررته في أصول الفقه من القواعد، ومنها ما حررت أيضاً في علوم القرآن لاشتراك السنن فيه مع القرآن. يعني الراجل بيقول لك: فيه مسائل أيضاً أُلحقت بعلوم الحديث بس أنا شرحتها في كتب تانية، يعني مثلاً: النسخ في الحديث، وغريب الحديث، وفقه الحديث، ومشكل الحديث، واختلاف الحديث، بيقول لك إن الأشياء دي أحياناً تُدرس في علم الحديث لكنها مشتركة مع علوم أخرى كأصول التفسير أو علوم القرآن أو مثلاً أصول الفقه، فأنا ذكرتها هناك، واضح؟
طيب، قال: ومنها ما هو تفريع محض كغريب الحديث إذ المراد به غريب الألفاظ، فهذا له كتبه الخاصة وليس علماً تأصيلياً، كما ألغيت ذكر بعض المسائل جرت كتب مصطلح الحديث على ذكرها في وقت لم تزل فيه الرواية والإسناد واليوم قد استغنى الناس عن التقنين لها إذ لم تعد تُستعمل، مثل مسألة: من ينسخ وقت القراءة والعرض على الشيخ؟ فهذه لا تكاد ترى لها تأثيراً في الواقع التطبيقي. يعني الراجل بيقول لك كمان من المسائل... الراجل على فكرة صفحات المقدمة دي مهمة جداً يا شباب عشان كده أنا قرأتها؛ لأنها تشرح لك أيضاً منهج الشيخ في تأليفه، لتعلم كيف ألف هذا الكتاب، وكيف تنتفع أنت منه، ولماذا ترك بعضه.
قال: كذلك الجانب التنظيري لما انتهت الحاجة إليه كاعتبار السن عند الأداء. يعني بيقول لك: أنا تركت المسائل التي لا ينبني عليها عمل أو لن تجد لها واقعاً، شوفوا الكتاب ده يا شباب! قال: وجريت في جميع ما ذكرت على توثيق النقل -يعني لو أنا نقلت لك نقلة عن أي إمام من الأئمة لا بد أن يكون صحيحاً- بإحالة النصوص إلى أصحابها مستفادة من معتمد مصادرها -يعني لا أنقل عن شخص وإنما أرجع إلى المصادر الأصلية- مع اتباع قوانين الفن في اعتماد ما يثبت نقله عن قائله في جميع مادة الكتاب، والله عز وجل أسأل أن ينفع به وأن يكون قرة عين لطالب علم قلّ فيه الراغب. لطالب علم قل فيه الراغب اللي هو علوم الحديث، قليل جداً!
كثير من الشباب الذين أعلمهم عندهم شهوة لعلوم كثيرة ورغبة، لكن علوم الحديث يزهد فيه كثير من الناس، مع أن علوم الحديث من أعظم ما يُكوّن عقل الإنسان بشكل عام وعقل طالب العلم بشكل خاص. علوم الحديث يا شباب تعلمك الملكة النقدية، أن تختبر كل ما يُعرض عليك، عارف هتستعمل ده في إيه؟ لو أنت عايز تطبخ محشي هتستعمل الملكة النقدية فيه، وهتعرف هو ليه كان وحش المرة دي وليه كان حلو! يعني يا شباب هذه الأدوات تنفعك حتى لو أنت بتحل مشكلة بين واحد عايز يطلق مراته، مثلاً يعني، هذه الأدوات لا تنفعك فقط في العلوم بل هي تغير حياتك تماماً تماماً، فاهمين إن شاء الله؟
قال: وأن يغفر لي ما زل به الفكر والرأي والقلم، وهو المستعان وعليه التكلان. الكتاب ده يا شباب متألف سنة كام؟ ألفين وتلاتة، متألف سنة ألفين وتلاتة، أنا اطلعت عليه تقريباً سنة ألفين وستة، ألفين وخمسة تقريباً، اه ألفين وخمسة، في معرض الكتاب كان لي صديق دلني عليه، وكان كتاباً يعني مما نفعنا الله به، فجزاه الله خيراً وأحسن الله إليه وغفر له، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.
قلت لكم مش هاخد غير ساعة ونصف لكن العملية سرحت مننا شوية، أظن يعني ساعتين إلا عشر دقائق. أنا يعني دايماً باستعمل الفكرة دي، عارف لما بافاصل مع واحد، عارف الراجل اللي بيبيع لك سلعة مثلاً فبيقول لك: البنطلون ده مثلاً بإيه؟ بخمسمية جنيه، عشان هو أصلاً عايز يوصل معاك لتلتمية جنيه، فأنا بعمل العكس: أنا بقول لك ساعة ونصف تعرف إن أنا هزحزحها مثلاً نصف ساعة! أنا والله أريد أن أنفعكم قدر الإمكان، وأحب وأحرص على اغتنام الأوقات لكم، ووددت أن نبقى طول اليوم نتدارس ونتذاكر، نقضي أيامنا كلها في خير ما يمكن أن يقضي الإنسان فيه حياته وهو طريق الأنبياء: أن نطلب الفقه في الدين، أن نتعلم الوحي، أن نتعلم القرآن، نتعلم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما يخص العلم، ثم نتواصى بهذه المعاني وأن نستقيم عليها حتى يتوفانا الله سبحانه وتعالى مسلمين صالحين، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، جزاكم الله خيراً.
الباشمهندس عاصم قال لي: هتفضل ورانا لحد ما هتقفلهم ساعتين، طيب خلاص يا عم، أنقذ... لازم أقفلهم قبل الساعتين، باقي إيه؟ باقي تقريباً خمس دقائق، يعني نكتفي على هذا المقدار، وإن شاء الله غداً موعدنا مع مقدمات الكتاب، مقدمات تعريفية مهمة جداً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق