السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، صباح الورد صباح الفل. النهاردة إن شاء الله تبارك وتعالى عندنا درس يعني كنا مؤجلينه من زمان جدا عشان ما كانش فيه سبورة، الحمد لله السبورة جت، فعندنا درس طويل ومهم جدا يشرح لك قصة علوم الحديث. الأول: الصوت واضح؟ لازم حد يكتب إن الصوت واضح عشان نبدأ إن شاء الله الصوت والصورة، يعني لازم يكون كل اسم من دول موجود قدامك، أنا عملت لكم ألوان وعملت لكم الدنيا ربيع.
في حد كتب حاجة؟ الصوت واضح يا شباب؟ طيب، نبدأ وإن شاء الله لو في مشكلة في الصوت نجيبها. طيب، الحمد لله، الحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. اليوم إن شاء الله تبارك وتعالى عندنا درس مركزي في علوم الحديث. كثير جدا من الشباب يمكن أن يدرس علوم الحديث ويحب علوم الحديث، لكن عنده مشكلة إن هو أساسا غير متصور لنشأة علوم الحديث، أو قيمة علوم الحديث، أو هو أساسا مش عارف القصة بدأت إزاي.
فلذلك في هذه المحاضرة إن شاء الله ستكون مقدمة لسلسلة محاضرات موضوعها علوم الحديث التطبيقية بشكل عملي. وأنا وجدت كثيرا من الشباب يحب علوم الحديث... الصوت مش واضح يا شباب؟ إزاي الصوت مش واضح؟ كده واضح؟ سامعين يا شباب ولا سامعين ولا تمانين؟ تمام، حد كتب يا عمر؟ الكلام اللي على السبورة بعيد يا شباب معناه كده كده هقوله، يعني أنا صورت لكم صورة لها، لكن أنا هقوله خلاص. الصورة واضحة يا شباب؟ ها؟
طيب، بقول إن كتير من الشباب اللي بيدرسوا علوم الحديث أو بيدرسوا أي علم من علوم الشريعة أو حتى العلوم الأخرى عنده مشكلة إن هو بيأخذ النتائج دون أن يعرف كيف أُنشئت العلوم، أو كيف تطورت، أو من هم أعلام هذا العلم، أو ما هي أهم الكتب الأساسية، أو ما هي مراحل الطلب؛ كل هذه المقدمات يتغافلها كثير من الطلاب ويدخلون مباشرة في العلم نفسه.
اليوم إن شاء الله تبارك وتعالى هو مقدمة لسلسلة دروس عملية تطبيقية، يعني مع البرنامج الذي أخذناه في دراسة العلوم نظرية من خلال كتب مصطلح الحديث، وعلم الرجال، وعلم علل الحديث، ومصادر تدوين السنة، ودراسة الروايات وغير ذلك. اليوم إن شاء الله تبارك وتعالى سنتكلم عن قصة علوم الحديث من الأساس، لتتصور أساسا لماذا نحتاج إلى علوم الحديث أو علم نقد الروايات.
أول فكرة نتكلم عنها: نتكلم عن خلق الإنسان. حينما نتكلم عن خلق الإنسان نتكلم عن المبدأ، والغاية، والوسيلة، والمصير، والجزاء. الله سبحانه وتعالى عليم حكيم، خلق الإنسان لغاية عظيمة، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. وبَيَّن أن من ظن أن ربه يخلقه دون غاية أو دون بيان وإرشاد فقد ضل، وذلك ظن الذين كفروا. قال الله سبحانه وتعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا.
آيات كثيرة جدا تبين أن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان لغايات عظيمة، وعاب الله كل من ظن أن ربه يمكن أن يخلقه بغير غاية، أو لا يبعثه مرة أخرى للجزاء: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ. طيب، الله سبحانه وتعالى إذًا المبدأ من الله، خلقنا الله تبارك وتعالى لغاية وهي أن نعبده، وهذه العبادة ابتلاء واختبار.
لا بد أن يكون هناك وسيلة نعرف بها الحق من الباطل، لا بد أن يكون عندنا وسائل للمعرفة نهتدي بها، والله سبحانه وتعالى جعل في الإنسان أسبابا بها يعرف الحق من الباطل ويميز الخير من الشر، اللي هي ممكن أن نسميها وسائل المعرفة: عنده فطرة، وعنده عقل؛ يعني العقل هو عمل يقوم به القلب في قول بعض أهل العلم، وعنده حواس: السمع، والبصر، والشم، وغير ذلك من الأدوات التي يحصل بها على معلومات يعطيها للقلب أو للعقل.
لكن هذه الأمور لا يمكن أن تكفي الإنسان لأن يهتدي، لا يمكن أن تتم الهداية بهذه الأمور وحدها؛ لأن المعرفة الفطرية مثلا ناقصة، ويمكن أن تتغير الفطرة: أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا. آيات كثيرة جدا تبين أن الفطرة قد تتغير. ما من مولود إلا يولد على الفطرة، حديث شريف، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. كذلك العقل يمكن أن يخطئ في حكمه، وكثير من كبار العقلاء أخطأوا في بعض الأحكام. وكذلك الحاسة وهي أساسا تنقل إلى القلب، فبالتالي هذه الأدوات لا يمكن أن تكفي في باب الاهتداء أو المعرفة.
إن شاء الله سيأتي عندنا وقت آخر في دروس الإيمان أو المعرفة نفصل فيه هذه الأمور، لكني أردت فقط أن ندخل على فكرة علوم الحديث ولكن من البداية. الله سبحانه وتعالى بنعمته، ورحمته، وعدله، وحكمته، اصطفى من الناس رسلا، اصطفى رسلا وجعل مع كل رسول آية أو برهانا أو سلطانا، التي سماها بعد ذلك المتكلمون أو شاع تسميتها بالمعجزة، إنما التسمية الصحيحة لها أنها آية، أو برهان، أو بينة.
الله سبحانه وتعالى يصطفي الرسل الكرام ويؤيدهم، ويبعثهم لإنذار الناس، يعني لتعليم الناس الخير وتحذيرهم من الشر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: لم يكن من الأنبياء قبلي نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم. طيب، هؤلاء الأنبياء الكرام، هذه بداية الكلام يا شباب ركزوا بقى شوية، هؤلاء الأنبياء الكرام هدايتهم ليست من أنفسهم، هم كذلك بشر عندهم نفس الأدوات، فبالتالي يحتاجون إلى وحي منزل من الله.
الله سبحانه وتعالى الذي خلق الإنسان وهو أعلم به وأعلم بما يصلحه، واضح؟ وأعلم بالغاية التي أرادها منه، والله سبحانه وتعالى أنزل على الأنبياء بلاغا أو وحيا، هذا الوحي فيه بيان الهدى، وبراهين الهدى، والفرقان بين الحق والباطل؛ كما عبر الله سبحانه أو كما ذكر الله عن القرآن: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ. فهو الهدى الحق، وأدلة وبراهين هذا الحق، والفرقان بين الحق والباطل، واضح؟
كل رسول من هؤلاء الرسل الكرام كان عليه البلاغ والبيان: البلاغ أن يبلغ ما أوحي إليه، يعني ما قاله الله له، أو ما أوحاه الله إليه عن طريق جبريل، أو عن طريق أي وسيلة من وسائل الوحي، كما سيأتي معنا بعد ذلك إن شاء الله في شرح أنواع الوحي. والله سبحانه وتعالى يوحي إلى الرسول، والرسول الكريم يبلغ ويبين، خلاص، يبلغ ويبين. بيان أي نبي من الأنبياء يكون بقوله وبفعله، كما قال شعيب عليه السلام: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا عَنْهُ، واضح؟
طيب، إذًا كل رسول وظيفته البلاغ والبيان، والبيان يكون بالقول أو بالفعل. رسالة الأنبياء واحدة، والرسل كانوا يتتابعون، يرسل الله سبحانه وتعالى رسولا أو رسولين أو ثلاثة، تتابع الرسل الكرام إلى أن وصلنا إلى رسالة الإسلام. حينما نتكلم عن رسالة الإسلام نحتاج أن نعرف... الصوت واضح يا شباب؟ يا ريت لو في أي مشكلة تقولوا لي، ماشي.
الناس قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا صنفين: كانوا أهل كتاب، أهل كتاب اليهود والنصارى بدلوا وحرفوا، يعني خرجوا عن منهج أنبيائهم الكرام، ومشركون، عرب الذين ابتدعوا دينا من عند أنفسهم عبدوا غير الله أو أشركوا في عبادة الله تبارك وتعالى، وهؤلاء العرب اتبعتهم طائفة من العجم. المهم إن عندنا أهل كتاب وعندنا مشركون، عرب وعجم، يجمع الطائفتين أمران عظيمان: الشرك، والبدعة في الدين؛ يعني يبتدعون عبادات لم يشرعها الله، واضح؟ يخترعون أنواعا من العبادات لم يشرعها الله تبارك وتعالى.
وسورة الأعراف، وسورة المائدة، وسورة الأنعام تبين صورا كثيرة من ابتداع هؤلاء في دينهم، فهم إما أنهم يعبدون الله ويشركون في عبادته وهو الشرك، أو يتعبدون إلى الله أو يتقربون إلى الله بالبدعة، يعني بما لم يشرعه الله. في دبانة حاولت أطلعها من الأوضة مش راضية تطلع خالص، فالظاهر عايزة تحضر الدرس عشان تدرّس لمجموعة الدبان صحابها التانيين!
طيب، الله سبحانه وتعالى منّ على الناس فبعث لهم النبي محمدا صلى الله عليه وسلم، اصطفاه وهو خير الناس وسيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم. لما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم أُنزل عليه الوحي، الوحي منه القرآن، إذًا القرآن شيء من الوحي، صورة من صور الوحي، وهو أعظم ما في الوحي الذي نزل على الأنبياء الكرام. القرآن فيه أخبار: أخبار عن الله، والملائكة، والرسل، والأمم، واليوم الآخر، فيه أحكام، فيه وعد ووعيد، فيه موعظة وعبرة.
كل ذلك من الله حجة ورحمة؛ يعني حجة على عباده أنه بلغهم، أنه بَيَّن لهم، أنه هداهم، وفي نفس الوقت رحمة أن الله به ليهتدوا، تمام؟ يريد الله ليبين لكم ويهديكم. الوحي اللي هو القرآن هو هدى وفرقان، مثل باقي الرسالات، يبين الحق بحججه ويفرق بين الحق والباطل.
نأتي هنا للمدخل لعلوم الحديث، كيف ندخل إلى علوم الحديث؟ حينما نتصور أن بيان القرآن، نحن كتاب الهداية بالنسبة لنا كمسلمين هو القرآن، واضح؟ طيب، هذا القرآن كيف نفقهه؟ كيف نفهمه؟ كيف نتبين ما فيه من أخبار وقصص وأحكام وأخلاق؟ كيف البيان؟ بيان القرآن يكون بأمرين رئيسين: العلم باللسان الذي نزل به القرآن، وهو لسان العرب، واضح؟ أن تعلم سنة العرب في الكلام.
والأمر الثاني، طبعا ده ليس فقط محصورا في علم النحو اللي هو إنك تعرف موقع الكلمة في الجملة أو مذاهب النحويين في الإعراب، لأ، هذا جزء منه، إنما أن تعرف كيف كانت العرب تتكلم لأن القرآن نزل بلسانهم. الأمر الثاني في بيان القرآن هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وكلمة هدي أضبط من كلمة حديث، فهدي النبي صلى الله عليه وسلم هو سنته، هديه ما الذي كان عليه؟ خلقه، أخلاقه.
وكلمة الأخلاق ليست محصورة فيما نسميه اليوم الأدب، لأ، كان خلقه القرآن، يعني هديه وسمته وسنته هدي النبي صلى الله عليه وسلم. النبي صلى الله عليه وسلم مبلغ ومبين: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. طيب، بيان النبي صلى الله عليه وسلم يكون بقوله، إنه بلغ، بلاغ النبي صلى الله عليه وسلم يكون بقوله: بلغ القرآن، وبلغ الأحكام، لكنه كذلك يبينها، يبين ما فيها من عِبر، يبين ما فيها من أخلاق، يبين ما فيها من أحكام.
يشرح كيف نصلي؟ كيف نصوم؟ كيف نتصدق؟ كيف نزكي؟ يفصل في أمر الكبائر والمحرمات، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يبين الأخبار، ويبين الأحكام، ويبين المواعظ، قال: صلوا كما رأيتموني أصلي، لتأخذوا عني مناسككم، واضح؟ الله سبحانه وتعالى أمر بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وتصديقه، واتباعه، وطاعته، وحذر من مخالفته. إذًا النبي صلى الله عليه وسلم هو ترجمان عملي وقولي للقرآن.
فالذي يريد أن يؤمن بالقرآن، أو أن يتبع ما في القرآن، أو أن يعتصم بما في القرآن، لا يمكن أن يتم له ذلك إلا عن طريق ذلك النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. من هذا المنطلق علم الصحابة الكرام أنه لا يمكن أن يكون لهم طريق إلى الله إلا عن طريق النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بين هذا المعنى في أحاديث كثيرة، آخذ حديثا واحدا بالشرح: جاء ثلاثة نفر إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن هديه في العبادة، وهؤلاء الثلاثة كانوا متأثرين بفكرة أن العبادة الأصل فيها كلما كان العمل شاقا كلما كان أكثر أجرا، وهذه البدعة انتشرت حتى بعد ذلك في بعض كتب الفقهاء والمتكلمين وكتب الصوفية وغيرهم؛ فكرة أن الأجر ليكون فقط على قدر المشقة، أو كلما كان العمل شاقا، كلما كان فيه تعذيب للنفس كان أكثر أجرا.
وأظن أن أنا بينت خطأ هذه القاعدة في دروس في العقيدة وغيرها. لما جاء هؤلاء الثلاثة إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته علموا أنه يقوم ويصلي، ويصلي وينام، يعني يقوم وينام، يقوم الليل وينام بعض الليل، ويتزوج النساء، ويأكل، ويصوم ويفطر، أمر عادي جدا، واضح؟ سنة النبي عليه الصلاة والسلام سنة وسط. هم تقالّوا هذه العبادة، وقالوا: يعني ذاك رجل غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فبالتالي هو لا يحتاج من المجهود في العبادة كما نحتاجه نحن، نحن أصحاب ذنوب.
عندهم بعض المقدمات الخطأ، فلذلك وصلوا إلى تلك النتيجة، أنشأ كل واحد منهم مقالة: قال أولهم: أما أنا فأقوم ولا أنام، والثاني: أصوم ولا أفطر، والثالث قال: لا أتزوج النساء، يعني يتعبد إلى الله بألا يتزوج. ونلاحظ أن الثلاثة اختاروا من العبادات ما فيه مشقة أو حرمان للنفس، يعني فيه منازعة لفطرية ما تحتاجه النفس. النبي صلى الله عليه وسلم غضب غضبا شديدا وقال ثلاث جمل، كل جملة منها تأسيسية لهذا العلم:
قال أولا: أما أنا فأقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فالجملة الأولى بيان هدي النبي صلى الله عليه وسلم ووجوب معرفة ما الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم. الثانية قال: فأنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية، يبين أن هديه أكمل الهدي، وأحسن الهدي، فليس هناك طريق إلى الله أحسن من طريق النبي صلى الله عليه وسلم. الثالث: فمن رغب عن سنتي فليس مني. هذه الثلاثية: العلم بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه أكمل الهدي، وأنه لا طريق غير طريقه يوصل إلى رضوان الله تبارك وتعالى.
من هنا اعتنى الصحابة الكرام بالعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: حسن التلقي والعمل، الأمر بالبلاغ والرواية، وبعدين آداب الرواية. الصحابة الكرام تلقوا عن النبي صلى الله عليه وسلم بعلم وفقه، وطبقوا ذلك عمليا، حتى رضي الله عنهم وأرضاهم. النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالبلاغ مثلا، قال: ليبلغ الشاهد منكم الغائب، بلغوا عني ولو آية. والآية هنا ليس معناها الآية القرآنية، وإنما الحكم، أو المعنى، أو السنة، أو الهدي؛ الآية هنا بالمعنى العام، واضح؟ ولا بد أن يكون البلاغ بفهم لها.
الأمر بالبلاغ: قال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة الكرام: احفظوه وأخبروه من وراءكم. إذًا النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالتلقي والبلاغ، لكنه أدبهم بآداب الرواية، اللي هي إيه بقى يا شباب؟ اللي هي التثبت في الأخذ والأداء. أنتم عارفين الرواية يا شباب هي وسط، الإنسان الراوي ده بيروح عند معلم أو شيخ يتلقى منه ويضبط، ثم يؤدي إلى تلميذه، فلا بد أن يكون عنده ضبط في الأخذ وعنده ضبط في الأداء.
فمن أدى الرواية كما تحملها فهو ضابط، أما من خالف في ذلك فهو ليس ضابطا: إما متعمدا فيكون كذابا عمدا، وإما أن يكون غافلا يعني من باب النسيان أو السهو. النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالتثبت في الأخبار، وهذا جاء كثيرا حتى في القرآن الكريم، الله سبحانه وتعالى قال: إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا، وفي قراءة: فَتَثَبَّتُوا. وقال: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ. مثلا سيدنا سليمان قال: سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ.
آيات كثيرة جدا يبين فيها أن المخبر أو الراوي ناقل فلا بد أن يكون ضابطا صادقا. الصحابة الكرام كانوا يتثبتون في الروايات، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يسهل عليهم، إذا سمع صحابي من صحابي آخر رواية يسهل عليه أن يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيسأله عن هذه الرواية: هل قلت ذلك أم لا؟ وهذا له وقائع كثيرة تجدونها مكتوبة في المقدمات التي كتبتها لكم في علوم الحديث. إذًا كان الصحابة أحيانا يتثبتون من النبي صلى الله عليه وسلم في بعض ما تناقلته الرواة عنه.
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم اشتد الأمر، وبدأ الصحابة يحتاجون إلى هذا الأمر كثيرا. عمر رضي الله عنه مثلا يجمع الصحابة ويأمرهم بضبط الروايات، ويأمرهم بالتثبت، ولما حتى هم قالوا: أتتهمنا؟ قال: لا، ولكن ابقوا عندي فأنا أعلم بما تروون، يعني يمكن أن يخطئ صحابي منهم ليس من باب تعمد الكذب وإنما من باب الغفلة، والصحابة كان يستدرك بعضهم على بعض.
إذًا التثبت من الأخبار هي سنة نزلت في القرآن وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عليه الصحابة الكرام. التثبت من الأخبار معناه أنه ليس كل ما يخبر به مخبر يجب التصديق به، لا بد أن نعرف صفات هذا المخبر، لا بد أن ننظر في خبره. إذًا عندنا نظر في المخبر نفسه، ونظر في الخبر نفسه؛ يمكن أن يكون المخبر صادقا لكنه يسهو، ويمكن أن يكون كاذبا، وخبره نفسه لا بد أن يوافق ما ثبت عندنا من أخبار محكمة ثابتة.
طيب، إذًا الصحابة اعتنوا بمسائل الضبط. حدثت هنا حادثة عظيمة جدا في الإسلام وهي فتنة مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهذه الفتنة يعني كان قبيل هذه الفتنة وبعدها نشأت فِرق ومذاهب، كثير من أصحابها كان يختلق أحاديث وكان يكذب وكان يخفي بعض العلم، فمن هنا نشأت دواعٍ لمزيد من التثبت. قبل هذه الفتنة كان الصحابة يرون كل واحد منهم يصدق الآخر، يتناقلون الروايات يعني عادي، كلنا صحابة وصادقون فما فيش أي مشكلة.
لكن لما وقعت الفتنة نادى أئمة العلم والنقد بضرورة التثبت من الأخبار، نجد مثلا هنا مقالة عظيمة للإمام الكبير العَلَم محمد بن سيرين، وهو من كبار أئمة النقد والرواية في علوم الحديث، وهو من أجلّ علماء الإسلام بشكل عام، قال: كانوا لا يسألون عن الإسناد، الإسناد معناه الرواية، يعني من حدثك، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم. جبتوا الكلام ده منين؟ من أين لك هذا؟ جبت الرواية دي منين؟
فهذا بداية لتأريخ عصر جديد لا يكون فيه مجرد الرواية كافية، لا بد من النظر في الراوي وروايته: هل هذا الراوي أهل للرواية؟ هل هو رجل صادق؟ وحتى لو كان صادقا يمكن أن يكون مغفلا، أو يمكن أن يكون بينه وبين النبي وسائط لم نعرفها، نقول له: أنت جبت الكلام ده منين؟ أين إسنادك إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟
من هنا يا شباب نقف مع ثلاث وقائع، ثلاث وقائع هنقف معهم عشان نشوف المنهج النقدي الجديد الذي بدأ: ابن عباس رضي الله عنه كان في المسجد فوجد بشير بن كعب العدوي، بشير بن كعب العدوي ده رجل من ثقات التابعين، بيقول أحاديث: حدث، قال النبي صلى الله عليه وسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم، فابن عباس لم ينظر له، فهو قال لابن عباس: أحدثك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا تنظر؟
فقال له: إنا كنا قبلُ إذا قال الرجل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم أو قال النبي صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بأسماعنا، يعني سمعناه وركزنا معه، فلما ركب الناس الصعب والذلول صرنا لا نأخذ إلا ممن نعرف. بيقول له: الأول كنا كلنا صحابة، عندنا خوف من الله، وإيمان بالإسلام، وحب للدين، وحب للنبي صلى الله عليه وسلم، وخوف من الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وحتى الواحد منا إذا كان يشك في رواية لا يحدث بها؛ لأنه يخاف أن يدخل في هذا الوعيد: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.
لكن لما ركب الناس الصعب والذلول، يعني صاروا يدخلون في مذاهب وتَفَرُّق، ولم يكن عندهم دواعي التثبت والورع والخوف وحب الإسلام، صرنا لا نأخذ إلا ممن نعرف، وفي رواية: إلا ما نعرف، دي مهمة جدا ركز بقى. عندنا هنا تلات أمور في هذه الرواية: أولا: ابن عباس لماذا لم يأخذ من هذا الرجل الذي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ لأن هذا الرجل تابعي، إذًا بينه وبين النبي وسائط، جبت الكلام ده منين؟ يبقى أول شيء إنه رد الرواية لأنها مرسلة، وده يؤكد أن نقد المرسل كان قديما قبل الشافعي رحمه الله، يعني لم يكن الشافعي أول من تكلم عن رد المرسل، لأ، كان عليه جِلّة من الصحابة الكرام ومن بعدهم، يبقى ده أول شيء.
الأمر الثاني: صرنا لا نأخذ إلا ممن نعرف، من نعرف ثقته، النظر في الراوي يجمع العدالة والضبط، الصدق والحفظ. إذًا لا نأخذ إلا ما نعرف، اللي هو النظر في الرواية نفسها، ما يمكن أن تكون الرواية مخالفة للقرآن، مخالفة لثابت السنة المعروف المنتشر المحكم.
وهنا تأتي الرواية الأخرى لما حُدِّث ابن عباس أن نوفا البكالي بيقول إن موسى الخضر، يعني قصة موسى مع الخضر، ده غير موسى بني إسرائيل، يعني ده واحد موسى تاني، يعني فيه عندنا كده اتنين اسمه موسى، فابن عباس قال: كذب، وبَيَّن أن هذا خطأ منه، أيضا لنفس الأسباب؛ لأنه نظر في أنه لم يروِ ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن هذا مخالف لما علمه هو عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم روى رواية تؤكد أن موسى بني إسرائيل عليه السلام هو نفسه موسى الذي حدثت معه قصة الخضر عليه السلام.
الموقف الثالث معاوية، معاوية رضي الله عنه يقول، بيتكلم عن كعب الأحبار اللي هو كعب بن ماتع الحميري، يعني كان يروي عن أهل الكتاب وهو أصلا كان يهوديا، فكعب الأحبار كان يروي، معاوية بيقول: والله ده من أحسن الناس اللي بيحدثون عن بني إسرائيل، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب. يعني إيه؟ يعني نجد فيما يرويه ما يخالف ما عندنا من القرآن والحديث، فلذلك لا نقبل، كما أدبهم النبي صلى الله عليه وسلم: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم. يعني تعرض ذلك على ما عندك من الوحي، أما ما لم ينكره الوحي أو ما لم يثبته فلا تصدقه ولا تكذبه ويمكن أن ترويه.
تمام، يبقى إحنا هنا إيه؟ وصلنا إلى الصحابة بعد فتنة مقتل عثمان بن عفان والاهتمام بالإسناد، من حدثك؟ والاهتمام بصفة الراوي الناقل، هل هو ضابط صادق حافظ ولا لا؟ ثالثا: النظر في المروي نفسه، يبقى عندنا تلات أبواب هنا: الإسناد، الجرح والتعديل، العِلل، تمام يا شباب؟
طيب، هنا بقى نبدأ ندخل على عصر التابعين، طبعا التابعي هو من لم يلقَ النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه لقي الصحابة، وطبعا يدخل معهم المخضرمون، سيأتي معنا الدرس القادم إن شاء الله يا شباب طبقات الرواة، دي سلسلة دروس ليست درسا واحدا، واضح؟ دي فقط الفاتحة، عشان تفهم أنت بتدرس علوم الحديث ليه، أو من أين أتت هذه العلوم، وكيف نشأت، وكيف تطورت، وما هي مراحلها.
لما نتكلم عن التابعين، التابعي هو كل من لقي الصحابي ولم يلقَ النبي صلى الله عليه وسلم، ويدخل فيهم المخضرمون، حتى الصحابة الذين لم يكونوا مميزين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، يعني كان سِنّه سَنة أو اتنين، أو كان رضيعا مثلا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، تُلْحَق روايتهم أيضا بالتابعين، وإن كانوا من حيث الشرف يكونون من ضمن الصحابة.
التابعون، في سِمات في عصر التابعين: أول حاجة يا شباب نشأت المقالات والفرق. نشأت مقالات، في فرق بين المقالة والفرقة يا شباب، كتير من الناس بيخلط بين المقالة، والفرقة، والمذهب، والدين، والملة. الدين هو دين مُنزَّل أو دين وضعي، واضح؟ مثل اليهودية، النصرانية، الإسلام، دي أديان. في بقى الفرق: الفرقة هي اختلاف عقدي تحت الدين الواحد، اختلاف في مسائل إيمانية أو عقدية تحت الدين الواحد؛ مثلا الكاثوليك، الأرثوذكس، البروتستانت مثلا في النصرانية، في اليهودية طوائف، في الإسلام اللي هم اختلفوا في مسائل عقدية وصاروا فِرقا: فرقة المعتزلة مثلا، الجهمية، الأشاعرة، هذه فِرق، واضح كده؟ يكون لها مقالات في أبواب العقيدة أو الإيمان، واضح؟
المذهب بيكون غالبا بيُطلق على المذهب اللي هو الاختلاف في الفروع، ما يسمى بالفروع، يعني الفروع الفقهية: المذهب الحنبلي، الشافعي، الحنفي، المالكي، تمام؟ المقالة بقى يا شباب: المقالة هي قول أو فكرة أو نتيجة خاصة بباب معين، مثلا لما نقول الإرجاء: هو مقالة، يعني إيه؟ يعني إخراج العمل عن الإيمان، فهذه المقالة خاصة بالإيمان بمسألة العمل، قال بها عدد: قال بها الجهمية، قال بها الأشاعرة، الماتريدية، الكرامية، مثلا بعض الفقهاء الأحناف وهكذا، تمام يا شباب؟ اللي هو بيسموه مرجئة الفقهاء.
يبقى إذًا الإرجاء ليس فرقة وإنما هي مقالة، مثلا الوعيدية: هذه مقالة، قال بها من؟ قال بها الخوارج، قال بها المعتزلة، ففي فرق بين المقالة والفرقة. العلمانية: مقالة، واضح؟ قال بها عدد من المذاهب المعاصرة، وهكذا يا شباب، فلا بد أن تفرق بين... مثلا التعطيل: مقالة، وهو نفي دلالات الأسماء التي جاءت في القرآن أو الصفات التي جاءت في القرآن أو السنة، ده أو التشبيه ده مقالة. إذًا الإرجاء، التعطيل، التشبيه، الجبر، كل هذه اسمها مقالات وليست فِرقا، إنما الفِرق بقى: المعتزلة، الأشاعرة، الماتريدية، الكلابية، أهل السنة، دي اسمها إيه يا شباب؟ فِرق.
طيب، نشأت المقالات والفرق، يبقى دي أول سمة. السمة الثانية: دواعٍ للكذب، بعض الناس يريد أن يكذب ليقوي مذهبه. طيب، أيضا طول الإسناد، أنت عندك فترة التابعين، فترة الصحابة الكرام الصحابي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو الصحابي يروي عن آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم، شفت؟ السلسلة صغيرة، إنما دلوقتي فيه تابعي، التابعي سيروي عن... ربما يروي عن تابعي آخر، أو تابعي ثالث، ممكن يروي عن خمسة تابعين، واضح؟ فلا يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق الصحابي، واضح؟ يبقى الإسناد بيطول.
طيب، بعد ذلك أئمة... من ضمن سمات هذا العصر أن كبار أئمة التابعين كابن سيرين نادوا في الناس: انظروا عمن تأخذون دينكم، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، أمروهم بالتثبت، جايب الكلام ده منين؟ مش أي حد يقول لك رواية تقول عن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول لك: عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم تصدقه، لأ، جايب الكلام ده منين؟ إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
وإن كان بعضهم في المقابل يعني كان له سنة في المقابل حسنة، كان يقول: هذا العلم دين فانظروا من تعطونه دينكم، فيتكلم أن تنتقي من تتعلم منه وتنتقي من تعطيه علمك.
طيب، بعد ذلك من ضمن سمات هذا العصر نشأت مصطلحات، نشأت بقى مصطلحات، ما إحنا بنقول إن عندنا علوم الحديث دي نشأت شيء بعد شيء: الأول الرواية، النبي صلى الله عليه وسلم حدثت له واقعة مع جبريل عليه السلام، حكاها لأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وهي حكت هذه الرواية لورقة بن نوفل، يبقى ده اسمه الرواية: تلقٍّ وأداء. النبي صلى الله عليه وسلم علّم الصحابة الكرام، فهم تلقوا وأدّوا إلى من بعدهم، بس بعد كده نشأت علوم تانية: النقد، من أين أتيت بهذا الكلام؟
الإسناد: اللي هو الإسناد والإرسال، إذا لم يذكر الواسطة فهذا مرسل، وإذا ذكرها فهو مسند، يبقى ظهر مصطلح يصف هذه الحالة، مهم جدا يا شباب تفهموا.
إن في عندي ظاهرة، وفي عندي تفسير للظاهرة، وفي عندي مصطلح بنطلقه على الظاهرة، خلاص؟ الظاهرة اللي عندي هي إن في واحد قال كلامًا، وواحد آخر أخذه عنه وأداه، خلاص.
سبب هذه الظاهرة أو تفسير هذه الظاهرة: نقل الدين أو بلاغ الدين، تبليغ الدين والسنن. طب هنسمي الظاهرة دي إيه؟ هنسميها الرواية. طيب، لما يرويها بإسناد يبقى مسندة، طيب لما ما يذكرش الإسناد يبقى مرسلة. يبقى ظاهرة، تفسير للظاهرة، اسم للظاهرة.
مهم جدًّا تفهم إن اسم الظاهرة ممكن يكون أكثر من اسم؛ لأن العرب تسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، وتسمي بالاسم الواحد الأشياء الكثيرة. عندي مثلًا كلمة أمة: يمكن أن تطلق على جماعة من الناس، مدة زمنية، يمكن تطلق على الملة، يمكن يطلق على الإمام: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً، وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ، إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ، وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَّرَ بَعْدَ أُمَّةٍ. مثلًا الشيء الواحد اللي هو الأسد يمكن أن يسمى الأسد بغضنفر وليث وقسورة، أسماء كثيرة جدًّا.
كذلك يا شباب المصطلحات المستعملة في التعبير عن الأشياء متنوعة وكثيرة، وكثيرًا ما يكون الاختلاف بينها اختلافًا لفظيًّا، واضح؟ فممكن نسمي المرسل منقطعًا، فاهمين؟ طيب، يبقى نشأت مصطلحات مثل الإسناد والمرسل.
ومهم جدًّا إنك تفهم إن كل مصطلح يطلق على ظاهرة أو صورة لا بد أن يكون له علاقة بدلالة المصطلح في اللسان. إذًا اللسان العربي يستعمل مصطلحًا مثل مصطلح الإسناد أو الإرسال خلاص، أو الثقة أو الضعيف، الإمام المحدث يريد أن يستدعي هذا المصطلح ليطلقه على صورة معينة، تمام؟ لا بد أن يكون بينهما علاقة، لازم.
فالإسناد في لسان العرب كأنه بمعنى ما يستند عليه أو يعتمد عليه، كذلك الشخص الذي يروي الرواية بإسنادها يبين من حدثه وعمن سمعه، هذا كأنه أعطاك أصلًا معتمدًا تعتمد عليه. ففي بين دلالة اللفظ في لسان العرب وبين دلالته في علوم الحديث، يمكن ألا تكون متطابقة، ويمكن أن تكون بعيدة شيئًا ما.
مثل أحيانًا مثلًا يستعمل المحدثون كلمة لص، وهي نادرة في التعبير عن ثقة الراوي: فلان كان لصًّا، يعني كما أطلق ذلك في إسرائيل: لصًّا يسرق الحديث، من سرعة تلقيه وتلقفه للحديث وحفظه له. أو مثلًا يقول ابن معين: كان أحد أبوي الأثرم جنيًّا، يصف بأنه جني؛ لأنه يفعل ما لا يستطيعه البشر. أحيانًا يكون هناك شيء من البعد بين الدلالتين، لكن لازم يكون فيه خيط يصل بين المصطلح في لسان العرب أو اللفظ في لسان العرب واستعمال المحدثين له، أو استعمال الفقهاء أو الأصوليين أو اللغويين أو غير ذلك من العلوم. يبقى مهم جدًّا إن احنا نلاحظ العلاقة بين دلالة المصطلح في لسان العرب وبين استعماله في مصطلح الحديث أو غيره.
في هذا العصر أيضًا يا شباب سمة تدوين السنة بأمر عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. عمر بن عبد العزيز رحمه الله ورضي الله عنه، يعني خلافته كانت من سنة تسعة وتسعين لسنة مية وواحد، يعني سنتين، لكنه أمر أئمة الأمصار: أن اكتبوا ما عندكم من السنن. كل واحد محدث من كبار المحدثين في هذا العصر مثل الزهري وغيره، يعني دون لنا ما عندك من السنن.
تعتبر دي أبرز السمات. طبعًا أئمة التابعين سيأتي الحديث عنهم إن شاء الله مفصلًا، ونتكلم عن طبقات هؤلاء وعن كل إمام منهم وبلد كل إمام، وإن مثلًا البصرة من هم أئمتها؟ والكوفة واليمن ومصر والشام والحجاز، أئمة هؤلاء الطلاب الذين تلقوا عنهم العلم. هذا سنتكلم عنه إن شاء الله في الدرس القادم. فقط أريد هنا خطوطًا عريضة لتفهم كيف تطور هذا العلم؟ وكيف نشأت علومه؟
طيب، بعد ذلك ندخل في عصر أتباع التابعين. أتباع التابعين بلا شك لم يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يلقوا الصحابة، وإنما التقوا بالتابعين، تمام؟ طيب، أتباع التابعين دول يا شباب في سمات لهذا العصر: طبعًا زيادة الوسائط، يعني أنا الأول كان عندي النبي صلى الله عليه وسلم هيأخذ منه أبو هريرة، تمام؟ ومثلًا هياخد منه أبو صالح، يبقى عندنا ثلاثية: أبو صالح من التابعين، أبو هريرة صحابي، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
في عصر بقى أتباع التابعين يا شباب العصاية ما فيهاش غير تلاتة بس، في واحدة أربعة صغيرة هنا، نعتبر إن هو ده أتباع التابعين يعني، لما هيأتي الأعمش يأخذ عن أبي صالح، ويأخذ بعد ذلك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. لو كان في مكان في السبورة كنت رسمتها، بس المرة اللي جاية إن شاء الله هنرسم هذه الأسانيد.
يعني احنا عندنا سلسلة هتكون كل أسبوع درس في وسط الدروس اللي احنا بناخدها عملية آه، عشان تتصور الموضوع بشكل عملي؛ لأني وجدت كتير من الشباب اللي هم بيدرسوا كتب المصطلح أصلًا مش متصور قصة علوم الحديث، ولا نشأة علوم الحديث، ولا عارف الأسانيد، ومش عارف أصلًا كتاب مثل موطأ مالك إيه الفرق بينه وبين مسند أحمد أو جامع الترمذي أو مستدرك الحاكم أو إلزامات الدارقطني، ومش متخيل كل هذا. فسيكون عندنا إن شاء الله هذه الدروس التكميلية مع دروس مصطلح الحديث، وهي أساسًا الدراسة التطبيقية آه، وإن كانت تتكامل مع الدراسة النظرية لكنها أقوى في الواقع العملي.
يبقى زيادة الوسائط. الأمر الثاني: تشعب الأسانيد. يعني إيه يا شباب تشعب الأسانيد؟ مش عارف في مكان صغير هنا ممكن نحاول نخطفه ونبين فيه، يعني يا شباب لما يكون عندي هنا أنا إسناد النبي صلى الله عليه وسلم وأبو هريرة، خلاص؟ وهنا مثلًا أبو صالح، وهنا الأعمش. عن الأعمش أخد مجموعة: أخد مثلًا محمد بن خازم أبو معاوية آه، أو أخذ شعبة، والثوري، والقطان، وجرير بن عبد الحميد، يبقى الدنيا بتتشعب أهي، وكل واحد عن دول عنهم بيتشعب عنه؛ فشعبة هياخد منه غندر، هياخد منه وكيع، هياخد منه ابن مهدي، يحيى القطان، تمام يا شباب؟
طيب، ممكن بقى عندي واحد من ضمن اللي أخدوا عن الأعمش اللي هو الثوري، الثوري ده هيحصل خلاف عليه، تمام؟ فالثوري اللي بيروي عنه مثلًا مجموعة، أهمهم عبد الله بن المبارك، أبو نعيم الفضل بن دكين، يحيى بن سعيد القطان، عبد الرحمن بن مهدي، وكيع، أي واحد من دول: عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي، ممكن يتفقوا وممكن يختلفوا؛ ممكن واحد منهم يروي الرواية مرفوعة، والتاني يخليها موقوفة، والتالت يخليها مرسلة، يبقى إذًا حصل إيه يا شباب؟ كثرة الوسائط.
بدل ما كان أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأ، بقى أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأ، ده كمان بقى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، الأعمش أخد منه الثوري والقطان وجرير بن عبد الحميد، وأخد منه شعبة خلاص، وأبو معاوية. وجه بقى الثوري مثلًا أُخذ عنه واختُلف عليه، يبقى تلاتة: زيادة الوسائط وتشعبها والاختلاف، حصل خلاف كثير في الرواية، تمام يا شباب؟
طيب، من ضمن أيضًا الأمور المهمة هنا أو من سمات هذا العصر: تصنيف السنن والآثار. بدأ عدد من العلماء يدونون ما عندهم من الروايات في كتب، وإن لم تكن مثل العصر الذي بعده لكنها كانت مقدمة. نجد مثلًا عندنا ابن جريج، ومعمر، ومالك، والثوري، كل هؤلاء حاولوا أن يصنفوا كتبًا. طبعًا أشهر هذه الكتب الجامع لمعمر بن راشد، والموطأ لمالك رحمه الله، وطبعًا معنا كتب الزهد لابن المبارك والجهاد وغيرها.
أيضًا من السمات المهمة جدًّا بقى يا شباب: تداول مصطلحات حديثية. العصر ده اللي هو عصر أتباع التابعين، ما احنا شف كل ما ينشأ عندي سبب لحفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم، العلماء ينشئون علومًا تغطي هذا السبب. مثلًا لما كان الصحابة يروون مباشرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فما فيش حاجة اسمها الإرسال، خلاص، يبقى العلم ده مش موجود. لكن جاء تابعي قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم، فين الواسطة؟ يبقى نشأ هنا مصطلح الإرسال.
طيب، جاء شخص كذاب أو مغفل، هينشأ علم الجرح والتعديل، هينشأ علم العلل، اختلاف الروايات. كل ما يأتي سبب يمكن أن تحفظ به السنة النبوية، ينشئ العلماء علومًا ومصطلحات؛ علوم تدرس هذه الظاهرة وتحللها، ومصطلحات تصف هذه الحالات. يبقى إذًا كل تطور في علوم الحديث لا بد أن يكون معه تطور في نشأة المصطلحات، فهمنا يا شباب؟
نشأت بقى مصطلحات كثيرة جدًّا تتكلم عن الرواية والراوي والكتب التي تدون الروايات: المسند، الضعيف، الثقة، الشاذ، المنكر، الباطل، الكذب، الموضوع، واضح يا شباب؟ يبقى نشأت المصطلحات مواكبة لعلوم الحديث. طبعًا أبرز أئمة هذا العصر طبعًا شعبة، والسفيانان: الثوري وابن عيينة، والحمادان: حماد بن زيد وحماد بن سلمة، ومالك طبعًا، والشافعي، وعبد الرزاق، أئمة كبار، وغيرهم كثير جدًّا سنأخذهم حينما نتكلم عن الطبقات.
أبرز هؤلاء الأئمة يا شباب من حيث النقد إمامان، اللي هم شغلتهم النقد، اللي هم كانوا مدرسة النقد، الذين من بعدهم تلقى عنهم هذا العلم ثم نقله للعصر الذهبي للسنة. طبعًا من أهم الأئمة اللي اعتنوا بالنقد في هذا العصر شعبة، لكن في اتنين اللي هم في ختام هذه الطبقة كانوا مسك الختام: ابن مهدي، ويحيى القطان، يحيى بن سعيد القطان. يبقى ختمت هذه المرحلة بهذين الإمامين الكبيرين.
ندخل بقى على القرن الثالث الهجري، اللي هو القرن يا شباب بيبدأ من أول السنة لآخرها، يعني القرن التالت من سنة ميتين لسنة تلتمية، ماشي؟ كده القرن التالت ده بقى اللي هو العصر الذهبي لعلوم السنة كافة: علم الرواية، النقد، الجرح والتعديل، التدوين، المصطلح، كل حاجة. هو ده العلم الذي تمت فيه علوم الحديث، وكان ينبغي على كل من جاء بعده أن ينطلق منه ويكون هو الأساس والمرد والمحكم.
طبعًا الآخذون عن أتباع التابعين مش محتاجين نعرفهم خلاص؛ لأن هم تلقوا من أتباع التابعين ولم يلتقوا بالتابعين. هذا العصر سماته هي نفس السمات السابقة بس بزيادة شوية، يعني زيادة الوسائط أكتر، تشعب الأسانيد أكثر، الاهتمام بالرواية؛ كل واحد من الأئمة عنده مجلس بيحضره الآلاف من الرواة، كل واحد عنده آلاف ومئات من الرواة، اعتنى الناس بعلوم السنة وانتشرت في الأمصار.
أيضًا اختلاف الرواية ده بقى كتير جدًّا، يعني ممكن الراوي الواحد يروي رواية ويُختلف عليه في عشر اختلافات. آه، طبعًا تصنيف السنن ده عصر مسند أحمد، ده عصر مصنف ابن أبي شيبة، ده عصر البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وإن كان النسائي هو أكتر واحد متأخر فيهم، عصر جامع الترمذي، سنن الدارمي أو مسند الدارمي على الاختلاف فيها.
طيب، فبالتالي طبعًا تداول المصطلحات أكثر بكثير جدًّا، يعني وُجدت مصطلحات في هذا العصر لم تكن استُعملت قبل ذلك. أيضًا تدوين الكتب؛ تدوين الكتب ليس خاصًّا هنا يا شباب فقط بتدوين الأحاديث والآثار، لأ، حتى تدوين في الجرح والتعديل، وعلم علل الحديث، وتدوين في الأخبار الموضوعة أو الأحاديث الضعيفة، أو كتب التفسير المسندة، أو الأجزاء الحديثية، كل هذا نشأ في هذا العصر وتطور.
طبعًا من أكبر الأئمة في هذا العصر، طبعًا إن شاء الله سيأتي عندنا درس خاص في الكتب التي جمعت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة: كيف دونت؟ نتكلم فيه عن الجوامع، والسنن، والمسانيد، والمستدرك، والمستخرج، وكتب التاريخ المسندة، كتب العلل المسندة، كتب الأحاديث الموضوعة، الأجزاء الحديثية، الإلزامات، وهكذا.
أئمة هذا العصر يا شباب: طبعًا أئمة هذا العصر في مقدمة هؤلاء ثلاثة، مهمين جدًّا يا شباب: ابن المديني، يحيى بن معين، أحمد بن حنبل، دول فاتحة هذا العصر، أئمة علم الرواية والنقد، بالذات علم النقد، واضح؟ بعد كده معنا طبعًا إسحاق بن راهويه، معنا الدارمي، معنا ابن أبي شيبة، معنا الإمام البخاري، مسلم، الترمذي، أبو داود، كل هؤلاء كانوا موجودين في هذا العصر وزيادة عليهم، لكني فقط ألتقط يعني رؤوس أقلام.
هذا العصر يا شباب تمت فيه، أنا مش عارف الساعة كام دلوقتي، احنا أخدنا وقت كبير ولا لأ؟ ممكن نكون أخدنا تقريبًا ساعة، يعني إن شاء الله قدامنا ربع ساعة، يعني مش عايز أزيد كل مرة عن ساعة وربع أو ساعة ونصف بالكثير عشان الشباب ما يتعبوش، وإن كانت الدروس العملية شوية بتكون أشوق من الدروس اللي هي النظرية أو الدروس اللي هي بتكون صوتية فقط. كنت عايز أحكي لكم أي حاجة تضحكوا بس ما فيش وقت، يعني عشان نخلي الدرس لذيذ يعني.
هذا العصر يا شباب هو القرن الثالث الهجري. احنا عندنا علوم السنة إيه يا شباب؟ عندنا علم مصطلح الحديث اللي هو المصطلحات المستعملة في الرواية التي تعبر عن الراوي أو المروي: مصطلح ثقة، ضعيف، مسند، شاذ، منكر، موضوع، هذه مصطلحات، ده علم المصطلح. الثاني: علم نقد الرواة، علم الرجال، الجرح والتعديل. الثالث: علم نقد الرواية، علم العلل. الرابع: تدوين السنة والتخريج وغير ذلك.
في هذا العصر يا شباب تمت هذه العلوم جميعًا على أكمل وجه، كان ينبغي أن يكون كل من جاء بعد هؤلاء تلقى عنهم هذا وجعله محكمًا ومردًّا ينطلق منه، يشرح، يفسره، ربما يضيف عليه ما تدعو إليه الحاجة، لكن لا يحل له أبدًا أن يخترع شيئًا لم يكونوا عليه، أو أن يخالفهم، أو أن يترك ما كانوا عليه ثم يخترع علم مصطلح حديث من عنده.
وهذا الذي فعله كثير من الأصوليين والمتكلمين، أنهم تركوا ميراث هؤلاء الأئمة وتخيلوا علومًا للحديث لم يكن عليها هؤلاء، ثم صار بعد ذلك هذا هو المحكم وصار كلام هؤلاء من المتشابه، كلام الأئمة صار هو المتشابه الذي يخالف المصطلح، الذي يخالف كتب الحديث، بينما هو الأصل والمرد!
القرن الرابع الهجري يا شباب، القرن الرابع الهجري يعني من أول سنة ثلاثمائة لسنة أربعمائة، ده هو الحد الذي جعله عدد من العلماء الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين. الذهبي يجعل بداية القرن الرابع الهجري هو الحد الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين في علوم الحديث، وهذا له دواعٍ؛ منها مثلًا أن كل علوم السنة موجودة، دونت، المصطلح اكتمل، الكتب اكتملت، السنن دونت، علم النقد وضعت قواعده، نقد الرواية، نقد الراوي خلاص. فبالتالي كأن الذهبي يقول: الذين جاؤوا بعد هؤلاء هم تبع لهم.
ولذلك تخفف العلماء في شروط القبول كما يذكر الذهبي وغيره، إن في بداية هذا العصر لم يكونوا يفتشون عن الرواية؛ لأن أساس الروايات موجود في الدواوين الأصلية، فلو أن شخصًا عنده إسناد يصل بي إلى البخاري أو أبي داود أو النسائي، خلاص، الكتاب الأصلي موجود عندنا، فأنت بقى كنت ثقة كنت ضعيفًا مش مشكلة، ولذلك تخففوا في شروط النقد.
القرن الرابع الهجري له سمات، منها نقص الاجتهاد، ظهور التقليد، منها كذلك نشأة علم الكلام، وهذا سيأتي عندنا خاص. نشأة علم الكلام لما أراد المأمون أن يترجم علم اليونان، ما جاء عن اليونان في الخطابة أو في الفلسفة، النتائج التي وصلوا إليها أو المنطق، طرق التفكير يعني، وترجمت هذه الكتب وتأثرت بها العلوم. تأثر بها طبعًا المعتزلة، وكان لذلك انعكاس في أصول الفقه وعلوم الحديث وعلوم اللغة وحتى علم التفسير. لم يترك علم الكلام أو العلوم الموروثة عن اليونان علمًا من علوم الشريعة إلا أثرت عليه.
ربما يأتي وقت آخر نفصل في ذلك لكني لا أريد أن أخرج عن الموضوع، وإن كان له علاقة قوية بالموضوع، لتعرف أن كثيرًا من المصطلحات أو التعبير عن الحالات الموجودة في علوم الحديث، أو حصر المصطلح في دلالة واحدة، أو كثيرًا من الأخطاء التي وقعت في علوم الحديث بأسرها كان سببها الأصلي اختلاط هذه العلوم بعلوم اليونان.
وقبل ذلك كان هناك تمايز واضح بين علوم السنة وما نشأ فيها وبين العلم الموروث عن اليونان أو علم الكلام، وكان هناك تمييز كبير جدًّا بين السنة والمعتزلة. لكن بعد ذلك حدثت أمور منها انتقال أبي الحسن الأشعري رحمه الله من الاعتزال إلى قريب من أهل السنة، وصار له مذهب خاص أراد أن يقرب بينهما، لكنه وقع في جملة من الأخطاء في باب الصفات والقدر وغيره، وأثر ذلك على من جاؤوا بعده. يعني الذين جاؤوا بعده منهم خطان، مثلًا خط الباقلاني الذي أراد أن يستدل لعقيدة الأشعري بالعقل، ومنهم البيهقي رحمه الله الذي أراد أن يستدل لعقيدته بالآثار. المهم نشأت أمور كثيرة جدًّا كانت سببًا في حدوث أخطاء في باب الإيمان والقدر والصفات وحتى في علوم الحديث وأصول الفقه وغيرها.
من السمات أيضًا التمايز الواضح بين المحدثين والفقهاء. في الفترة السابقة يمكن أن نجد فقيهًا لكنه يفهم في الحديث بقوة مثل الشافعي، ويمكن أن نجد محدثًا لكنه يفهم في الفقه بقوة أو هو فقيه مثل الإمام أحمد وهكذا؛ يعني كان التمايز الكبير الواضح ما كانش موجود، لأ، يعني كان فيه قرب وكان فيه تكامل بينهم. إسحاق بن راهويه مثلًا يقول إنه هو كان ماشي مع الشافعي في الطريق، هو بيعلم الشافعي الحديث والشافعي بيعلمه الفقه، كان هناك تكامل وتواصٍ وحب وتعاون. وإن كانت هناك بعض الحوادث لا شك فيها بعض النزاعات بينهم، ليس حديثنا الآن عنها.
لكن في هذا العصر حدث تمايز كبير جدًّا بين المحدثين الذين يعتنون بالروايات والأثر لكنهم يعني ضعفاء جدًّا في فقه ما يروون، والآخرون هم الفقهاء الذين يعتنون بالمسائل الفقهية ويعتنون بالنظر في فقه الحديث والتماس العلل والاستنباط ونحو ذلك. وحصل شوية بينهم يعني نزاعات، وحصل استعلاء من بعضهم على بعض، والخطابي رحمه الله وصف هذه الحالة وصفًا كبيرًا تكلمنا عنه بتوسع في الدرس الثاني في كتاب لغة المحدث لمن يريد أن يراجعه يعني.
طبعًا في هذا العصر كان في أئمة كبار جدًّا مثل الدارقطني، والحاكم، والرامهرمزي، وابن حبان، والطبراني، وغير هؤلاء، لكنهم طبعًا لم يكونوا كالأئمة السابقين. طبعًا صُنفت كتب كثيرة جدًّا هنا: سنن الدارقطني، ومعاجم الطبراني الثلاثة، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم، والمحدث الفاصل للرامهرمزي. يمكن هنا أن نكون تكلمنا عن هذه الفترة، أظن إن هي إن شاء الله تكون اتضحت لكم. في طبعًا تفاصيل كثيرة جدًّا تجدونها في المقدمات، أنا فقط أعطيتكم هنا رؤوس أقلام أو فتحت لكم الأبواب.
نريد هنا أن نتكلم عن آخر فكرة عندنا في الدرس وهي: ماذا تمثل علوم الحديث في علوم الإسلام؟ احنا يا شباب لما نتكلم عن النسق العلمي لأي مسألة، إنسان يريد أن يبحث مسألة، عندنا أربع مراحل يا شباب: مرحلة التصور، مرحلة الجمع، مرحلة النقد، مرحلة الوصول إلى نتيجة وتقرير هذه النتيجة ودفع الإشكالات عليها والجواب عن المخالفين فيها. ده نسق واضح: التصور، والجمع، والنقد، والتقرير.
طبعًا كل واحدة من دول فيها تفاصيل كثيرة جدًّا ستأتي معنا إن شاء الله في بناء طالب العلم، في دروس اللي هي رفع كفاءة طالب العلم موجودة على يوتيوب، من ضمن ما نتكلم عنه ملكة الاستدلال والنظر والنقد، كل هذا سيأتي معنا إن شاء الله. علوم الحديث يا شباب تمثل في هذا النسق مرحلة النقد لما إنسان، وطبعًا مرحلة الجمع؛ لأني أريد أن أجمع ما جاء في الباب. أنا أريد أن أدرس مثلًا مسألة في الطلاق، في الحج، في الزكاة، في مسألة نازلة، أو في ديانة معينة جديدة مثل القاديانية أو البهائية، أي شيء، فأنا محتاج بعد التصور الجمع، فأريد أن أتعلم كيف أجمع الروايات وكلام الصحابة والتابعين، يبقى ده يمثل جزءًا منه علم الحديث؛ لأني هجمع أيضًا الآيات.
طيب، تأتي بقى مرحلة إيه؟ النظر في الدليل يا شباب، الإنسان الذي بيذكر آية أو حديثًا النظر للدليل من جهات: واحد، هل هذا الدليل حجة؟ اثنان، هل هو ثبت؟ ثلاثة، صحة وجه الاستدلال، يعني علاقة هذا الدليل بالنتيجة التي أخذت منه. علوم الحديث يا شباب تمثل نقد الرواية، أن تتعلم كيف تميز صحيح الرواية من ضعيفها، فبالتالي علوم الحديث حجر أساس في قضية الاستدلال.
لذلك قال الشافعي رحمه الله: من تعلم الحديث قويت حجته. ليه؟ لأن من لم يتعلم علوم الحديث يبقى ناقصًا. أنت تجد كثيرًا جدًّا من الخطباء أو الوعاظ أو الفقهاء تجده على خير كبير وعنده عقل وذكاء، لكن مشكلته أنه لا يعرف من أين يرجع إلى الأحاديث، ويستدل بأحاديث كثيرة جدًّا ضعيفة، وليس عنده ملكة يميز بها الصحيح من الضعيف، بل ليس عنده أساسًا معرفة بالكتب التي تعينه على معرفة الصحيح من الضعيف. فبالتالي يا شباب علوم الحديث لها فوائد عظيمة جدًّا، من أعظمها أنها متعلقة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم التي هي بيان للقرآن.
أذكر هنا قصة حدثت لي مع كتير من الشباب اللي هو بيحب القرآن في بعض البلدان، أجد شابًّا مثلًا بيحب القرآن، والحمد لله يعني أنا من أكثر الناس التي تدعو إلى كتاب الله، وكتاب الله سبحانه وتعالى عندي هو الأساس في كل شيء، وتعلمت كل هذه العلوم ولا أزال أتعلمها لأجل القرآن، لأجل القرآن فقط، واضح؟ فبالتالي اهتمامي بالقرآن والحديث عن القرآن وشحذ الهمم عن القرآن وبيان منظومة القرآن ده الحمد لله شيء أساسي عندي.
لكني وجدت هؤلاء الشباب مش عايز يعمل حاجة غير إنه يمسك المصحف، يعني حتى علوم القرآن نفسها مش عايز يتعلمها، التفسير مش عايز يتعلمه! هو لا يتصور أن تعلم القرآن أوسع وأشمل وأعمق بكثير من إنك تقرأ قرآن أو تحفظ القرآن؛ حفظ القرآن أقل ما في منظومة علم القرآن أصلًا. علم القرآن أعلاه أن أفهمه، وأن أعلمه، وأن أتخلق به، وأن أستقيم عليه، ثم يأتي بعد ذلك الحفظ. كثير من الصحابة، من أئمة الدين والعلم، لم يكونوا يحفظون القرآن، بعضهم بقي في سورة البقرة يحفظها ثمان سنوات، واضح؟
فدي مشكلة عند كتير من الشباب إن هو يقول لك: أصل أنا بحب القرآن. الله! طب وانا باكلمك عن التوراة! ما أنا باكلمك عن القرآن! أنت لن تفهم كتاب الله إلا بهذه العلوم: العلم بلسان العرب، العلم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، العلم بأصول الفقه حتى تفقه دلالات الألفاظ، واضح يا شباب؟ العلم بأصول التفسير، كل هذه مفاتيح لعلوم القرآن.
كل هذه الأخطاء يا شباب ستأتي معنا إن شاء الله في رفع كفاءة طالب العلم، جوانب قصور طلاب العلم: لماذا يبقى شخص يطلب العلم عشرين ثلاثين سنة وما حصلش منه شيء؟ لأنه أصلًا مش متصور العلم، ولا العلوم، ولا مقاصد العلم، ولا أبواب العلم، ولا ما الذي يخدم بعضه بعضًا.
فبالتالي علوم الحديث يا شباب تمثل لنا قيمة عظيمة جدًّا في علوم الشريعة. أساسًا علوم الحديث بتربي فيك ملكة النقد في الحياة كلها؛ أنت تعرف لو أنت عايز تروح تشتري سمك، لو عايز تروح لو عايز تطبخ صينية بطاطس، لو أنت عايز تحل مشكلة عندك في البيت، الملكة النقدية التي وضعها علماء الحديث هي أشرف منهج نقدي على الإطلاق، فبالتالي انتفاعك منه مش بس في علوم الحديث، بالعكس، هذا يفتح لك الآفاق، يخليك تتعلم مين الشخص اللي تتلقى عنه العلم؟ من الذي تعطيه العلم؟ وكيف تستثمر العلم؟
فوائد كثيرة جدًّا، وأظن إن الطلاب اللي معنا اللي هم اهتموا بدراسة محتوى مثل هذا لا يحتاجون أن أوصيهم بالاهتمام بعلوم الشريعة، بالذات علوم الحديث، وكل ذلك نريد أن نتعلمه لنفقه ديننا، وأعظم ما في ديننا هو القرآن، فإننا نتعلم كل ذلك لنفهم كتاب الله، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم هو خير بيان لكتاب الله. قال الله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.
يعني لا أريد أن أطيل عليكم أكثر من ذلك، إن شاء الله عندنا ربما الأسبوع القادم يكون درس، نشرح فيه تكملة لهذا، نتكلم فيه عن تصور الطبقات، الأسانيد: كيف تصنع ترجمة للراوي؟ كيف تدرس إسنادًا؟ كيف تدرس رواية من باب الاختلاف؟ كيف تجمع طرق الرواية؟ إلى غير ذلك من الأمور.
جزاكم الله خيرًا، وبارك الله فيكم، وأوصيكم ونفسي بتقوى الله. الشافعي الذي تكلم عن من تعلم لسان العرب، ومن تعلم علوم الحديث، ومن يعني تعلم الفقه، ختم فقال: ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه. اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن عين لا تدمع. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق