السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، صباح الفل يا شباب. نبدأ في الدرس الرابع عشر من كتاب تحرير علوم الحديث صفحة ثلاثمئة وتسعة وثلاثين، تحرير القول في عدالة الصحابة.
هو الآن يا شباب يتكلم عن الجرح والتعديل أو علم الرجال، فذكر قواعد مهمة في نقد الراوي، وتكلم عن النقاد وعن مراتب النقاد، وتكلم عن درجات عدل الراوي ودرجات الثقات. فالآن سيتكلم عن الصحابة رضي الله عنهم، وهو بحث سهل يعني مسائله ليست صعبة، نريد أن ننجزه سريعا ثم ندخل في تفسير الجرح، يعني جرح الرواة من جهة العدالة أو من جهة الضبط، لذلك إن شاء الله من صفحة ثلاثمئة وتسعة وثلاثين لصفحة ثلاثمئة وخمسة وخمسين سنقرؤهم سريعا لأنها أبحاث سهلة تخص الصحابة رضي الله عنهم.
قال تحرير القول في عدالة الصحابة، الصحابي أصل الإسناد وهو حلقة الوصل بالوحي، وحيث إن العصمة لا تثبت لأحد من الصحابة فما القول في عدالتهم بركنيها العدالة الدينية وإتقان الرواية؟ يعني الآن هو سيتكلم عن هل العدالة نبأ؟ هل الصحابة الكرام نبحث عنهم من حيث العدالة والضبط؟ ما حكم الصحابي؟ يعني هل الصحابي أيضا ينظر في كتب الرجال عنه أم لا؟ قال ولا ريب أن الذي يهمنا تمييزه هو شأن الصحابي الذي روى العلم، فأما العدالة الدينية فثابتة لجميعهم بتثبيت الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ذلك لهم.
والمقصود براءة جميعهم من وصف الفسق، وإنما كان يوجد الفسق في المنافقين وليسوا صحابة لتخلف معنى الصحبة فيهم، وليس من هؤلاء بفضل الله من يذكر برواية علم. قال ابن حزم: قد كان في المدينة في عصره عليه السلام منافقون بنص القرآن، وكان بها أيضا من لا ترضى حاله كخيط المخنث الذي أمر عليه السلام بنفيه، والحكم الطريد وغيرهما، فليس هؤلاء ممن يقع عليه اسم الصحبة. هو يتكلم هنا عن معنى العدالة، فبيقول إن الصحابة الذين ثبتت صحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم لا نحتاج أن ننظر فيهم من جهة العدالة، لأنهم كلهم عدول حتى ومن لم يكن كذلك فليس هو صحابيا؛ يعني يمكن أن يكون من المنافقين، يمكن أن يكون منافقا علم نفاقه أو لم يعلم نفاقه، المهم أنه خارج عن دائرة الصحابة. أما الصحابة الذين ثبتت صحبتهم أو الذين رووا العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم فكل هؤلاء لا تحتاج أن تبحث في عدالتهم التي هي العدالة المرادة، وهي الصدق أو الأمانة ونحو ذلك، بل هم أعلى من ذلك.
قلت: وحتى من زنى أو سرق ممن قص علينا نبأهم، فإن من ثبت ذلك عليه فإنه تاب منه وأقيم عليه الحد المطهر، فعاد أمره إلى العدالة بالتوبة. قال الخطيب: كل حديث اتصل إسناده بين من رواه وبين النبي صلى الله عليه وسلم لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن. الأدلة طبعا كثيرة جدا يا شباب على عدالة الصحابة، فلذلك أظن أننا لن نحتاج أن نقرأها، ممكن نجيب طبعا فيه نصوص جميلة جدا، حتى أنا جمعت لكم بعضا منها في مقدمات علوم الحديث التي كتبتها لكم، يعني هي المقدمة دي مهمة للشباب الذين ما قرؤوها، فتراجعوا فيها الفصل الخاص بالصحابة رضي الله عنهم.
طيب، ضبط الصحابي، نحن كده بعد ما نتكلم صفحة ثلاثمئة وأربعة وأربعين يا شباب، يعني الحديث عن الصحابي من جهة العدالة، من جهة الدين، من جهة الورع، من جهة الصدق، هذا معلوم؛ إنما الحديث هنا عن الضبط، اللي هو أن ينقل الرواية كما تحملها. قال: وأما ضبط الصحابي لما روى فلا ريب أن أحدهم يجوز عليه الوهم كما يجوز على غيره، ولكن قرب العهد بالنبي صلى الله عليه وسلم وطريق تلقي العلم عنه بالسماع المباشر أو بالرؤية مع تكرار ورود العلم عليه يضعف احتمال الوهم بخلاف من بعدهم بعدما كثرت الوسائط. يعني هو يقول إن الوهم أو أن الإنسان يختل حفظه هذا يمكن أن يقع فيه الصحابي لا شك، يمكن أن ينسى، يمكن أن يخفى عليه العلم؛ واضح؟ فهذا لا يعصم منه الصحابي الكريم رضي الله عنه. لكن يقول إن دواعي أو احتمالات عدم الضبط قليلة جدا لأسباب منها القرب من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والسماع المباشر منه، فبالتالي قلة الوسائط، كل هذه عوامل تجعل الوهم قليل جدا في روايات الصحابة. وفي كتاب يا شباب جميل اسمه الوهم في روايات مختلف الأمصار، هذا الكتاب من الكتب والأبحاث المهمة التي تكلمت عن وقوع الوهم مثلا في روايات بعض الصحابة ومن بعدهم من كبار الثقات، فيكون جيدا إذا اطلعت عليه، ونحن عندنا قائمة من الكتب، قائمة للشباب الذين يريدون التخصص في علوم الحديث بكل مسائله، في قائمة أنا نشرتها لكم قريبا خاصة بدراسة علوم الحديث التأصيلية، في كل فرع من الفروع ذكرت لكم أهم كتب المتقدمين ثم أهم الأبحاث المعاصرة.
طيب، قال: ومع ذلك فإن حفظ الصحابي تعرض للنقد، وبدأ ذلك في الصحابة أنفسهم ووقع من بعض من جاء من بعده من الأئمة على ندرة، وإليك مثالين؛ يعني الصحابة أنفسهم بعضهم يستدرك على بعض أو يوهم بعضا، واضح؟ فبالتالي يبين أن فكرة نقد الصحابي من جهة الضبط هذه كانت قديمة؛ واضح؟ قال الأول: توهيم عائشة لابن عمر في تواريخ عمرات النبي صلى الله عليه وسلم، فعن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما جالس إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، قال فسألناهم عن صلاتهم فقال بدعة، ثم قال له: كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أربعا، إحداهن في رجب، فكرهنا أن نرد عليه، يعني عروة ومجاهد قالوا مش معقول بقى هنرد على ابن عمر نقول له أنت وهمت. قال وسمعنا استنان عائشة أم المؤمنين في الحجرة، فقال عروة: يا أماه، يا أم المؤمنين، ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما قال؟ يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع مرات إحداهن في رجب، قالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة إلا وهو شاهده، وما اعتمر في رجب قط. يعني سبحان الله، وكيف خفي عليه هذا الوقت مع أنه كان حاضرا وعارفا.
الثاني: توهيم سعيد بن المسيب لابن عباس في زواج النبي صلى الله عليه وسلم بميمونة وهو محرم، فعن عطاء بن رباح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم، قال سعيد بن المسيب: وهم ابن عباس، وإن كانت ميمونة خالة ابن عباس لكنه وهم فلم يحدد الوقت الذي حصل فيه الزواج، وإنما تزوجها حلالا يعني ليس في الإحرام. قال ابن تيمية: يتأمل غلط، فلا يسلم منه أكثر الناس، بل في الصحابة من قد يغلط أحيانا.
هناك فصل فصل مهم جدا يا شباب، وأنا أريد أن أنبه عليكم، كويس أنني تذكرت أننا في المرحلة القادمة إن شاء الله سنختار أصعب الرسائل من كتب ابن تيمية وأهم الرسائل في كتب الحديث، يعني نقدم أخذها بحيث إننا معنا شباب كثيرون ولله الحمد بقوا لهم مدة كبيرة معنا في الدروس، فأصبح عندهم ملكة قوية، فمش محتاجين أن نتدرج معهم شيئا فشيئا في الكتب السهلة قوي؛ يعني سنختار أهم وأصعب الكتب أو الكتب المركزية في كل باب من الأبواب التي نأخذها. فيكون عندنا إن شاء الله قريبا كتاب قاعدة عظيمة وقاعدة جليلة، وكتاب الاستغاثة في الرد على البكري، كتاب الاستقامة؛ يعني سنختار الكتب الصعبة أو المركزية ونقدمها قبل الرسائل السهلة أو قبل الكتب التي تناولت فروعا، وكذلك في الحديث إن شاء الله عندنا مقدمة مسلم، وشرح علل الترمذي، والتمييز لمسلم، ورسالة أبي داود لأهل مكة، يعني سنحاول نركز إن شاء الله في الفترة القادمة بتكثيف على الكتب الكبيرة الصعبة أو الكتب التي يدخل غيرها فيها. ومع ذلك بعدها سنكمل في المشوار كما بدأنا إن شاء الله، ولكن فقط أحببت أن أبين أن الشباب الذين معنا الحمد لله بقى لنا سنة تقريبا، فأصبح عندهم الحمد لله قدرة على قراءة الكتب الصعبة، ونحن مع بعض إن شاء الله لو وقف قدامك حاجة تكتبها في رسالة أو في التعليقات إن شاء الله نحلها مع بعض.
فكنت أريد أن أقول إن الإمام ابن تيمية رحمه الله في كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة عمل فصلا رائعا جدا جدا في أخطاء الصحابة رضي الله عنهم في الاجتهاد، فهذا الفصل نفيس جدا لم أر مثله، تبين أن الصحابة يمكن أن يقع الواحد منهم في شيء من الخطأ النسيان، يفوته شيء، وهذا أيضا ذكره في مقدمة كتاب رفع الملام عن الأئمة الأعلام.
قال مسائل في عدالة الصحابة، المسألة الأولى: الرجل يختلف في صحبته فيقدح فيه بعض من لا يثبتها له. هو الآن يتكلم عن ثبوت صحبة هذا الراوي؛ فبعض من اختلف في صحبته يجرح باعتبار أنه لا تثبت صحبته. قال: وجد في بعض الرواة من عد في الصحابة لشبهة رواية وقعت له عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو لزعم بعض أهل السير أنه ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فمثل هؤلاء إذا وجد في أحدهم الجرح فليس هو عند الجارح معدودا في الصحابة، وثبت عليه الجرح عنده لسبب من أسبابه، وذلك مثل بسر بن أرطاة، ويقال ابن أبي أرطاة، يخطئ الشباب من يقول أرطاه، لا هي أرطاة؛ فقد عده بعضهم في الصحابة ولا تثبت له صحبة على التحقيق. قال يحيى بن معين: أهل المدينة ينكرون أن يكون سمع ابن أبي أرطاة من النبي صلى الله عليه وسلم، وأهل الشام يروون عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: لما ثبت عنه من الظلم والفساد في الأرض لهوى بني أمية قال فيه يحيى بن معين: رجل سوء.
يبقى هو هنا يبين لك أن ابن معين لما قال رجل سوء يعني بين أنه أساسا لا تثبت صحبته فبالتالي جرحه بأسباب الجرح، وهي أنه لم يكن عدلا أو كان ظالما أو كان يعين المفسدين، وهكذا أورده ابن عدي في كتابه في المجروحين لقول ابن معين فيه، وأورد له حديثين أحدهما دعاء مرفوع والآخر لا تقطع الأيدي في الغزو، وقال: بسر بن أبي أرطاة مشكوك في صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، لا أعرف له إلا هذين الحديثين، وأسانيده من أسانيد الشام ومصر، ولا أرى بإسناد هذين بأسا. يعني يقول إن الأسانيد ما فيها مشكلة لكنه شاك في صحبته فبالتالي هو مش قادر يعده من الصحابة. قلت: إن سلم الحديثان من النكارة فلا يسلم إسناد فيه مثل بسر من السقوط، فإن ما تقدم له من الفساد يتعذر في مثله التأويل؛ يعني معروف بفساده فكيف نعتذر عنه؟
قال: والمهم أن تدرك هنا أنه لا يوجد قدح في عدالة من ثبتت صحبته، إنما وجد مثل هذا فيمن اختلف فيه، والراجح عدم صحبته. يعني لو اختلف فيه والراجح عدم صحبته فبالتالي سيجرحه الناقد بما يستحق، وقد يقول الناقد في الرجل مجهول وغيره يدعي له الصحبة، فلا تحمل قول بعضهم على بعض فتظن أن من الصحابة من يطلق عليه ذلك، وإنما هذا تعارض بين أن يكون تابعيا مجهولا أو صحابيا، فإن رجح القول بصحبته وإلا فوات به عيون مجهول، فابحث عن راجحه بحجته، وذلك مثل معبد بن خالد الجهني أبي رغوة، فقد قال ابن أبي حاتم: له صحبة، روى عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، مات سنة اثنتين وسبعين وهو ابن ثمانين سنة، سمعت أبي يقول ذلك، ويقول هو مجهول، وقد قال فيه يحيى بن معين ثقة. قلت الأشبَه أن يكون صدر هذه المقالة من كلام ابن أبي حاتم لا من كلام أبيه، وأن قوله من بعد سمعت أبي يقول ذلك إشارة إلى روايته عن أبي بكر وعمر وما بعده من الكلام، وكذلك وجدت ابن عبد البر نسب القول بصحبته لابن أبي حاتم لا لأبيه، وتبعه عليه ابن الأثير وابن حجر وغيرهما. يعني هو يقول إيه هنا.
يقول: إن كلمة له صحبة هذه ليست من أبي حاتم الرازي، وإنما أبو حاتم الرازي اللي هو أبو ابن أبي حاتم، واضح أبو حاتم الرازي يا شباب؟ اللي هو محمد بن إدريس، واحد من كبار أئمة النقد، اللي هو صاحب أبي زرعة الرازي. له ابنه اللي هو ابن أبي حاتم، اللي هو له كتاب العلل وله كتاب الجرح والتعديل، ابنه بيروي عنه كثيراً في الحديث عن الحكم على الرواة والروايات. فابنه بيقول إيه في معبد الجهني؟ بيقول له صحبة، وبعدين قال: روى عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، مات كذا كذا كذا، سمعت أبي. فهو الجديع بيقول الواو يعني الذي يظهر أن كلمة له صحبة هذه اجتهاد من ابن أبي حاتم مش من أبيه، واستدل لذلك بأن الكلام ده فهمه ابن عبدالبر وتبعه عليه ابن الأثير وابن حجر؛ لأن دول طبعاً كانوا مهتمين جداً بأسماء الصحابة.
قال: وحيث قام هذا الاحتمال فلا يصح الاعتراض بهذه الصورة على الأصل في انتفاء جرح الصحابي بالجهالة، ويؤيده أن ابن أبي حاتم نفسه أورد توثيقاً عن ابن معين فدل على أصل الاختلاف فيه، ولم أجد مستنداً في ذكر عمره الذي أقام شبهة صحبته إلا كلمة الواقدي، وهو متروك غير ثقة (يعني الواقدي). نقلها عنه من سميت آنفاً وغيرهم، وقال أبو حاتم الرازي في خزام بن وديعة مجهول وغيره يثبت له الصحبة، وكذا قال في مدلاج بن عمرو السلمي، وهو صحابي على الراجح ولا رواية له. يعني بيقول إن هذا اجتهاد مش راجع؛ لأن بعض الصحابة يقال عنه مجهول، هو خلاف هل هو صحابي أو ليس صحابياً.
وقالها في بلال الفزاري، والقول قوله، فالرجل إنما روى مرسلاً ولا صحبة له. ومثله آخرون منهم الحارث بن بدل النصري، وعبدالله بن أبي شديدة، وعبدالله بن قيس الأسلمي. قال: وقد وجدت لابن حجر قولاً بخصوص هذه المسألة جديراً بالتنبيه عليه، قال في ترجمة مدلاج المتقدم ذكره، اللي هو اللي إحنا ذكرناه في صفحة ثلاثمئة وسبعة وأربعين، اللي هو ابن عمرو السلمي، قال ابن حجر: وكذا يصنع أبو حاتم في جماعة من الصحابة يطلق عليهم اسم الجهالة لا يريد جهالة العدالة، وإنما ما يريد أنه من الأعراب الذين لم يروِ عنهم أئمة التابعين.
أهي بقى دي بقى دي الفوائد المهمة جداً التي لازم تقيد أن حينما يطلق أبو حاتم الرازي -طبعاً هذا اجتهاد أو استقراء ابن حجر لهذا الصنيع من أبي حاتم- خلينا مش أبو حاتم هو كده. يعني إحنا حينما نفهم دلالة مصطلح عند عالم له طريقان: إما أن يكون هذا الطريق من نفس العالم، العالم نفسه يقول: إذا قلت كذا فأقصد كذا. كما قال الترمذي مثلاً: إذا قلت هذا حديث حسن فإنما أريد به حسن إسناده عندي، كل حديث يروى لا يكون فيه من يتهم بالكذب، ولا يكون شاذاً ولا معللاً، ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندي حديث حسن. يبقى كده هو عرفنا ما معنى كلمة الحسن عنده. وكما قال ابن حجر: إذا قلت إن الراوي مقبول فهو أن توبع وإلا فهو لين أو ضعيف. يبقى ده الطريق الأول. الطريق الثاني: بالاستقراء، أن يأتي واحد من تلامذته أو من المتأخرين عنه يستقرأ هذا اللفظ في مواضعه ثم يخرج المعنى الجامع له.
فابن حجر هنا بيقول: أنا وجدت أن أبا حاتم الرازي لما بيطلق اسم مجهول على الصحابة ما يقصدش الجهالة من جهة عدالة، وإنما يقصد أن دول كانوا من الأعراب اللي هم يعني ما لهمش رواية أو ما لهمش في العلم أو الحاجات دي. يبقى دي فايدة جميلة جداً يا شباب.
طيب، قال: قلتم وليس الأمر ما أوهمته عبارته رحمه الله أن أبا حاتم يقول في أحدهم مجهول وهو من أعراب الصحابة، فهذا ما لا يوجد له مثال واحد البتة في كلام أبي حاتم. ولو قال حكم أبو حاتم بجهالته لكونه من أعراب الصحابة فلم يعرف صحبته لعدم ظهور أمره فيها، وذلك أن هؤلاء يكون أحدهم مغموراً فكيف إذا اقترن بذلك أنه لم يروَ عنه من العلم شيء؟ ولم تأتِ الأخبار ما يبين أمره كمدلاج المتقدم. والتحقيق أنه لا يوجد في من وصفهم أبو حاتم بقوله مجهول من له صحبة في رأي أبي حاتم نفسه.
هنا الشيخ الجديع بيقول: لأ، ده ده كلام ابن حجر؛ يعني ابن حجر بيقول إن لما تلاقي أبو حاتم الرازي بيقول في واحد من الصحابة إن هو مجهول، يبقى دي معناها إن هو كان من الأعراب اللي هم الناس اللي ما لهمش في العلم أو الحاجات دي. فالشيخ الجدي بيقول: لا، الكلام ده مش دقيق. ليه؟ لأنه بيقول: أنا تتبعت الناس اللي قال فيهم أبو حاتم الرازي مجهول، وليس فيهم واحد تثبت صحبته أساساً، وإنما أطلق عليه لفظ الجهالة بناءً على أنه لم تثبت صحبته ولم يحدث، تعرف لا يجتمع عند أبي حاتم أن يكون رجل صحابياً ثم يكون مجهولاً. خلاص كده، ده رأي الجديع لما قال: والتحقيق أنه لا يوجد فيمن وصفهم أبو حاتم بقوله مجهول من له صحبة في رأي أبي حاتم نفسه. يعني ممكن يكون له صحبة، ولكن في رأي ناقد آخر.
المسألة الثانية: الرجل تُدعى صحبته بناءً على ما لا يثبت عنه من الرواية، فيذكر في الضعفاء من أجل نكارة حديثه، فهذا لا يصح عده صحابياً، دي مهمة دي يا شباب. قال: ومثاله عمرو بن عبيد الله الحضرمي، قال البخاري: رأى النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح حديثه، فذكره ابن عدي في الضعفاء، وقال: وهذا هو حديث واحد وإنما شك البخاري ألا يصح له. أي ليس لعمرو بن عبيد الله، يعني عايز يقول يا شباب أن هو رأى النبي صلى الله عليه وسلم، يعني مروي في حديث أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الحديث لا يصح، مش البخاري بيقول إن هو رأى النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك ليست له صحبة. لا، يقصد البخاري أنه روي حديث فيه أن هذا الرجل رأى النبي صلى الله عليه وسلم لكن هذا الحديث لا يثبت، فبالتالي لا تثبت صحبته. فهمنا؟
طيب، قال: ومثل زهير بن عثمان الثقفي، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم الوليمة حق واليوم الثاني معروف، قال البخاري: لم يصح إسناده ولا يعرف له صحبة. وذكره ابن عدي تبعاً للبخاري وأقره، فمثل هذين إنما ذكرا في الضعفاء لا لضعفهما، وإنما لضعف الرواية عنهما. وإذا كان مثل هذه الرواية هو الطريق لإثبات الصحبة فالصحبة لا تثبت به، وإن افترضنا ثبوتها للرجل بغير هذه الرواية، فذكره في الضعفاء ليس لجرحه في عدالته، وإنما من أجل الرواية الضعيفة التي قد تكون علتها من قبل غيره. تمام؟ يبقى واضح أن هم هنا ينقدون الإسناد الذي يثبت صحبة هذا الشخص، فبالتالي يقولون: لا، هذا الإسناد لا يثبت.
تحرير القول في جهالة الصحابي؛ يعني إيه يا شباب؟ يعني لما يجي واحد يقول: عن النبي عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو حدثنا رجل من الأنصار مثلاً أو رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ما حكم هذه الرواية؟ قال: المقصود به هنا من لم يُسمَّ، وهو وارد في رواية بعض الحديث، كقول الراوي: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا عند أهل العلم في الاحتجاج به وقبوله على مذهبين.
هنا اختلفوا بقى، هل نقبل لمجرد أن يأتي تابعي يقول: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ نشوف المذهب الأول: لا يقبل، وهو ظاهر صنيع الشيخين في صحيحيهما. قال الحاكم في صفة الحديث الصحيح: أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زال عنه اسم الجهالة، وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم أوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة. وقال ابن حزم: لا يقبل حديث قال راويه فيه: عن رجل من أصحاب من الصحابة، أو حدثني من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حتى يسمي ويكون معلوماً بالصحبة الفاضلة ممن شهد الله لهم بالفضل والحسنى.
المذهب الثاني: يقبل بمنزلة المسند، وعليه جرى المصنفون هنا في جمع المسانيد كأحمد بن حنبل وغيره. يعني المذهب الثاني قالوا: لأ، إذا كان التابعي ثقة وقال: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فنعتبر أن هذا إسناد متصل ولا يضرنا هنا ألا نعلم من هذا الصحابي؛ بناءً على أن الإسناد صح إليه وأنه من جملة الصحابة فهو عدل.
والتحقيق أن جهالة الصحابي غير قادحة، وذلك لاعتبارين: الأول بناءً على أصل عدالة جميع الصحابة، ومظنة النفاق والردة ليست واردة على نقلة الأثر (يعني الرواة من الصحابة). قال ابن الصلاح: الجهالة بالصحابي غير قادحة؛ لأن الصحابة كلهم عدول. والثاني لما عُلم بالتتبع أن الرواية عن صحابي مجهول العين قليلة، ولم يوجد فيها ما يُعد منكراً أو ضعيفاً لمجرد كون الصحابي لم يُسمَّ أو لم يُعرف، فدل على سقوط أثر ذلك. يعني ما عادش عندنا حاجة إن إحنا نعرف من هذا الشخص بعينه إذا كان الإسناد صح إليه برواية تابعي ثقة ثبتت تابعيته فخلاص يبقى إحنا نقبله. ده القول الثاني، القول الأول: لا، لابد أن يُسمَّ ويُعرف.
قال: لكن اتصال السند أو عدمه إنما يعتبر في تقسيمه إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول مسند متصل، وله صور. الأولى أن قال صحابي معروف: أخبرني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. طبعاً ده أعلى صورة أن الصحابي هو اللي يقول: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. خلاص، يعني يصح الإسناد إلى الصحابي، ثم هذا الصحابي يقول: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال كقول أنس بن مالك: أخبرني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ليلة أسرى به بمر على موسى عليه السلام وهو يصلي في قبره. بالمناسبة هذا الإسناد هو اللي صحيح، إنما حديث الأنبياء أحياء في قبورهم هذا الإسناد ضعيف لا يثبت. قال: فالجهالة بهذا الصحابي لا تضر على أي حال، صرح الصحابي المسمى بسماعه منه أم لا، وذلك تصديقاً لذلك الصحابي المسمى في خبره بصحبة مخبره. ولو لم يخبر عن صحبته أو ما يدل عليها فأدنى أحواله أن ينزل منزلة مراسيل الصحابة، وهي مسندة عند عامة أئمة الحديث (يعني في حكم المسند).
مرسل الصحابي يا شباب هو اللي صورته التي سُميت بعد ذلك بالتدليس، اللي هو أن يحكي الصحابي حادثة لم يحضرها لكنه أخذها عن صحابي آخر، واضح؟ يعني مثلاً عائشة رضي الله عنها لما بتحكي بدء الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، هل هي عاصرت هذا الموقف؟ لأ، بالتأكيد لأ، لكنها حكت شيئاً لعلها أخذته عن صحابي آخر، لأنها لم تروِ هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم حدثها عن بداية الوحي. وأحاديث كثيرة جداً يرويها أنس أو غيره ربما يكون أخذها من أبي هريرة، ربما يكون أبو هريرة نفسه أخذها من صحابي آخر وهكذا.
قال الثانية: أن يقول التابعي الثقة: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. يبقى الصورة الأولى أن صحابي هو اللي يقول: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. الصورة الثانية أن يقول التابعي الثقة: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فيصدق في وصفه لمن حدثه بالصحبة، وخبره متصل لبيان السماع منه من ذلك الصحابي المبهم. قال أبو بكر الأثرم -أبو بكر الأثرم هو أحد أصحاب الإمام أحمد وله سؤالات، وهو من كبار أصحاب الإمام أحمد وكان حافظاً-: قلت لأبي عبدالله (يعني أحمد بن حنبل): إذا خرجوا من التابعين حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فالحديث صحيح؟ قال: نعم. يقصد كلمة الحديث صحيح يعني هذا الإسناد يُقبل، مش أن الحديث نفسه يكون صحيح، لأ معناها هل هذا يُقبل؟ هل هذا يُعد إسناداً متصلاً؟ قال: نعم. والقول بتصحيح ذلك أيضاً منقول عن محمد بن عبدالله بن عمار الموصلي من أئمة الحديث، وأبي بكر الصيرفي من الأصوليين، لكن خالف البيهقي فقط.
قال: هو مرسل وله أمثلة كثيرة كقول عبدالرحمن بن أبي ليلى: حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما الحديث. قلت: هذا ما دام التابعي ثقة، يعني الكلام ده لما يكون التابعي ثقة وقال: حدثني. أما إن كان مجروحاً فقد سقط قوله، إذ كان هو أصلاً مجروحاً فخلاص.
الثالثة: أن يقول التابعي الثقة: أخبرني رجل سمع النبي صلى الله عليه وسلم، وشبه ذلك، فتثبت الصحبة في تلك الواسطة المبهمة تصديقا للتابعي في خبره المتصل عن تلك الواسطة أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم. مثل قول أبي البختري سعيد ابن فيروز: أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لَا يَهْلِكُ النَّاسُ حَتَّى يُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
طبعا يا شباب من الحاجات الجميلة جدا في هذا الكتاب، وهي صراحة أنا لم أجدها في أي كتاب معاصر بهذه الصورة، أن هذا الكتاب طبعا مع استقرائه والتقاط الأمثلة، أن هو لا يذكر مسألة ويتعب فيها إلا إذا كان لها أثر موجود في واقع الروايات. بمعنى أصح أنك مش هتتعب معه في أي مسألة إلا لما تجي تشتغل عملي ستجد لها أمثلة تشعرك بقيمة المسألة. لكن غيره يا شباب كثير من الناس مثلا اللي كتبت كتب معاصرة بيتكلم عن مسائل خيالية لأنه اعتمد مثلا على كتب أصول الفقه أو غيرها. إنما هذا الرجل واضح جدا جدا هو استقرأ كتب الحديث بعناية.
يعني أنا كنت لما كنت بستقرأ كتب السؤالات وكتب العلل كنت بروح الكلية ولي مواقف مضحكة جدا أن أنا كنت بطلع تربية عملي نضحك الشباب شوية اللي معنا. كنت بطلع تربية عملي في المدارس. اه كنت في كلية تربية رياضية مطلع تربية عملي يعني بشغل العيال اللي هو واحد اتنين تلاتة اربعة وصفا وانتباه والكلام ده، فكنت لما آجي اعمل لهم دورة كورة كنت باخد معاي، كنت ساعتها بدأت بقى أبدأ أحافظ صلاِح العلوم. كنت مهتم بععلوم الحديث جدا، فكنت أخد كتب السؤالات كل يوم أخد معاي كتاب أقرأ شوية منه في القطار، شوية منه في المدرسة اللي بروح أدرس فيها وبعد كده شوية منه وأنا راجع.
ففي مرة كنت واخد أربع كتب من سؤالات الإمام أحمد كنت بقارن بينهم في حاجة، وفارش الكتب في الملعب رميت اللي عليه الكورة يلعبوا هم. وجه بقى الموجه اللي هو إيه؟ اللي هو بيفتش على المدرسين يعني، فالموجه دخل هو بص لقى الولاد بيلعبوا بالكورة والمدرس مش شايف، هو المدرس فين؟ أنا المفروض تربية عملي يعني أنا تبع الكلية بس بروح يوم في الأسبوع. فأنَا فارش الكتب وعمال أقرأ ومطلع القلم وبكتب الفوائد بلون بقى وبظلل وفارش، يعني كنت عايز أشرح لكم الموقف مليان. الراجل ده جه فالعيال قالوا له هو ده المدرس اللي علينا، فلقيته هو واقف ورايا هو ما كلمنيش، هو بس عايز يعرف أنا بعمل إيه، يعني أنا بعمل إيه يعني؟ هو هيتجنن واقف ورايا مش بيعمل حاجة وشايفني عمال أكتب وأنا مش ملاحظه.
في الآخر قال لي: هو أنت المدرس اللي عليهم؟ فبصيت أنا ما أعرفش مين ده، فقلت له: طبعا أنت المدرس اللي عليهم وأنا أساسا مش واقف معهم في الملعب وسايبهم ورامي لهم الكورة وعمال أقرأ، فمش مناسب خالص يعني، فما أعرفش ما عرفتش أقول له إيه يعني فقلت له: آه. قال لي: أمال أنت بتعمل إيه؟ فقلت له: ده أنا بعمل كذا وكذا. راح جه قاعد جنبي وبدأ بقى بدأت أفهمه قلت له: ده أنا بعمل كذا وكذا. قال لي: يا سلام! طب ما دي حاجة كويسة.
سبحان الله ربنا هداه وسبحان الله إداني درجة كويسة لأن طبعا كنت بهتم بالأولاد في أوقات تانية. يعني أنا بس الوقت ده كنت ساعة ما يكون هم عليهم لعبوا كورة، بس كنت بدي له بالكورة إنما كنت بعلمهم اللياقة البدنية، كنت بعمل لهم دورات، كنت بعمل لهم أنشطة كويسة. بس فهمته إن أنا اديت لهم الكورة لما ما كانش لي لازمة معهم، فأنا قلت استغل الوقت. أنا مش عارف إيه اللي خلاني أحكي لكم القصة دي، بس خلينا نرجع لصفحة ثلاثمئة واثنين وخمسين.
قال القسم الثاني بقى اللي هو نحن نتوقف فيه: هل نقبل أن يكون هذا صحابيا أو لا؟ قال: وله صورة واحدة، وهي أن يقول التابعي الثقة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيذكر الخبر معنعنا. يعني التابعي ما يقولش حدثنا، فهو صادق في وصفه الصحبة، لكنه لا يجري مجرى المتصل وذلك لاحتمال كون التابعي لم يدرك ذلك الشيخ من الصحابة. فإنا نعلم أن الإرسال في التابعين كثير، كانوا يحدثون عمن لم يدركوا ومن لم يسمعوا منهم من الصحابة، ولم يسلم من ذلك حتى بعض كبار التابعين كسعيد ابن المسيب.
لا صح أنا افتکرت أنا إيه اللي خلاني أحكي لكم القصة دي؟ أن أنا عايز أقول إن أنا الأمثلة اللي كنت بحصل عليها من خلال استقرائي، مثلا أمثلة مثلا فوائد في علم الرجال، في العلل، في منهج الإمام أحمد، في منهج ابن معين، الدارقطني، في كل كتب السؤالات اللي كنت بقراها، وفي التراجم لما كنت بقيد الأمثلة تحت أبواب معينة، كنت أجي بعد لما وصلت لما وقفت على الكتاب ده اللي هو تحرير علوم الحديث، سبحان الله، وجدت أن هذا الرجل فعلا عنده استقراء عالي جدا، وانتقاء للأمثلة، وجودة في توظيف المثال واستثماره، وجودة في صنع مسألة تحت كل باب.
صراحة أنا لا أعرف كتابا معاصرا فيه هذا. في كتب معاصرة ممتازة، يعني أنا شرحت لكم مثلا النهج المبتكر في نخبة الفكر، كتاب ممتاز، وكتاب لغة المحدث ممتاز، وفي كتاب والله يأتي معنا اسمه الخبر الثابت، كتاب سهل مختصر لكنه أيضا فيه زبد جميل. لكن بصراحة هذا الكتاب اللي هو تحرير علوم الحديث يمكن أن أقول لو في شخص بيقول لي: اختر لي كتاب واحد معاصر يكون مدخل لقراءة تراث الأئمة، لا أجد أفضل من هذا الكتاب اللي احنا بنقرأه.
طيب، قال: فإنا نعلم أن الإرسال، خلاص كده خلصنا. ومن أمثلته قول راشد ابن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد قال كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة. يعني ده هو فتن، يعني في الجهاد يعني.
قال: واما ما سأل الحسين بن إريس الحافظ محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، قال: إذا كان الحديث، لأ خلينا نركز كده، وأما ما سأل الحسين بن إدريس الحافظ -يعني الحسين بن إدريس هيسأل الحافظ محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي- يبقى المسؤول هنا هو محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي. قال الحسين بيسأل إدريس: إذا كان الحديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أيكون ذلك حجة؟ قال: نعم، وإن لم يسمعه، فإن جميع الصحابة، أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كلهم حجة.
قال: فهذا للإبانة أن جهالة الصحابي لا تضر، ذكر في روايته سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم أم لم يذكر، وليس هو في شأن اتصال، في شأن اتصال ما بين التابعي وذلك الصحابي المجهول. ممتاز جدا، خلينا نفهم المثال ده يا شباب مثال لمعرفة فهم الكلام. أنا الحسين بيسأل محمد اللي هو الحافظ الموصلي، بيقول له: لو سمحت لو جاء لي حديث فيه عن رجل من أصحابه، يعني عن رجل، إذا كان الحديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أيكون ذلك حجة؟ فقال: نعم وإن لم يسمعوا، يعني وإن لم يقل في الحديث إن هذا الصحابي سمع من النبي صلى الله عليه وسلم، لكننا أساسا محل البحث هنا أن يثبت الإسناد إلى الصحابي أو إلى هذا الرجل.
يبقى الشأن هنا في اتصال الرواية إلى هذا الذي قيل إنه صحابي، فلو اتصلت الرواية إلى الصحابي ما يضرناش بقى بعد كده أن الصحابي يقول عن النبي أو حدثني النبي صلى الله عليه وسلم، إنما الشأن في الإسناد قبل الوصول إلى ذلك الذي قيل فيه إنه رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
الثالث: القسم الثاني متوقف فيه؛ لأن احنا مش عارفين هل التابعي أدرك ذلك الرجل أم لا؟ الثالث بقى: المرسل، وله صورة واحدة، وهي أن يقول التابعي الثقة: عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو حدثني رجل ولا ينسبه للصحابة، ولا يذكر عن ذلك الرجل أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم. فهل هذا مرسل؟ وذلك أن الرجل مجهول جهالة مؤثرة، ولا يلحق بالصحابة، فإن التابعين رووا كثيرا عن نظرائهم. الصورة دي يا شباب واضحة: أن يكون شخص من التابعين قال عن رجل، ولم يقل عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم، فده في صورة المرسل.
قال: كذلك رأيت أبا داود خرج في المراسيل حديثا من طريق محمد بن كعب القرظي قال: حدثني من لا أتهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا أبو داود عده في المراسيل، فمعنى أن أبو داود أدخله في المراسيل بهذا هو صورة الآية؟ صورة المرسل.
طبعا هو الشيخ هنا -ما شاء الله عليه- في الحاشية جايب لك فايدة جميلة، بيقول لك: الإسناد إلى القرظي راو مجهول، وإنما استدللت بصنيع أبي داود في إدخال هذه الصورة في جملة المراسيل. يعني ممكن أنت تستدرك تقول: أنت إة اللي خلاك تذكر هذه الصورة هنا مع أن الإسناد لا يثبت إلى القرظي؟ فهيقول لك: لأ، ما هو وجه الشاهد هنا أن أبا داود إذ أدخل هذا الحديث في المراسيل باعتبار أن التابعي قال: حدثني من لا أتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه صورة المرسل. واضح، يعني بغض النظر هل ثبت الإسناد له أم لا؟
طيب، ناخد شوية بقى يا شباب في تفسير الجرح، مش عارف احنا خدنا وقت قد ايه؟ لا ده لسه لسه معنا إن شاء الله. معنى الجرح، احنا اتكلمنا عن التعديل يا شباب ونتكلم الآن عن الجرح. الجرح يقابل صفحة ثلاثمئة وسبعة وخمسين. الجرح يقابل التعديل وهو الطعن في الراوي بما يسلب عنه وصف العدالة والضبط أو الضبط جميعا، وصف العدالة أو الضبط أو جميعا. يعني الجرح إما أن هو يجرح في العدالة أو يجرح في الضبط أو يجرح في الاتنين مع بعض.
قال: فسلب العدالة، سلب العدالة يكون بالفسق بالفعل أو بالقول والكذب في الحديث والتهمة به وسرقة الحديث والبدعة والجهالة. وسلب الضبط -طبعا سيأتي الحديث عن الحكم على الراوي بأنه مبتدع أو ما ضابط البدعة التي ترد بها رواية الراوي- قال: وسلب الضبط في سوء الحفظ، ومنه الاختلاط وفحش الخطأ وقبول التلقين، ويكون نسيانا، ويكون نسبيا فلا يطرح معه الراوي، وكليا يسقط معه الراوي.
احنا عندنا يا شباب حينما نتكلم عن الراوي، نحن نريد من الراوي أن ينقل الرواية كما تلقاها، فالراوي الثقة هو الذي يؤدي الرواية كما تلقاها. خلاص؟ لأن الراوي يتحمل ويؤدي، فنحن ننظر في هذا الراوي من جهتين؛ من جهة الصدق العدالة الأمانة، واضح؟ دين التقوى، وننظر إليه من جهة الحفظ والضبط. يمكن أن يكون تقيا ومع ذلك يكون يهم في الحديث، أو يكون مغفلا، أو يكون سيء الحفظ، فبالتالي نحن حينما بقى نجرح الراوي -يعني حينما يأتي علماء يجرحون الراوي- إما أن يجرحوه من جهة العدالة، وهذه لها أسباب منها الفسق أو الكذب أو التهمة بالكذب أو سرقة الحديث أو البدعة أو أنه مجهول غير معروف.
طيب، الجهة الأخرى هي الضبط، يعني نقول: إن هذا الرجل ضبطه ليس قويا، كيف نعرف ذلك؟ يأتي الحديث عنهم.
اه، قال: وتقدم تحرير القول في حكم جرح الرواة غير العدول، وأنه مما توجبه ضرورة حفظ الدين. يعني سبق أن احنا تكلمنا يا شباب عن ضرورة نقد الرواة، ليس من باب الغيبة وليس من باب استباحة عرض المسلم، وإنما من باب أن الحديث عن حكم هؤلاء الذين نقلوا أخبارا عن النبي صلى الله عليه وسلم هل كانوا أهلا لها أو لا؟ وبينا المدخل الشرعي لهذا، وبينا الآداب والأخلاق، سبق لنا هذا الباب.
قال: وفي المباحث التالية تحرير سائر ما يتصل بهذا الأصل، وتبقى بقية تستوعب في الفصل الخامس في تحرير القول في اختلاف الجرح، يعني سيأتي معنا إن شاء الله يا شباب إذا حصل خلاف بين ناقدين، هذا جرح وهذا عدل، فإلى أيهما مصير؟
طيب، قال: صور الجرح غير المؤثر. سيبدأ هو الآن، احنا اتفقنا أن الجرح معناها أن هذا الراوي كل لما فيه بجرح. لكن هذا الكلام يا شباب ينظر فيه من جهات؛ يعني قيل مثلا أن فلان كان هذا تكلم لما فيه بجرح. أول شيء لابد أن نعرف من المتكلم فيه؟ من الناقد الذي تكلم فيه؟ وهل هذا ناقد أساسا عدل يقبل نقده؟ هل كان خبيرا بقواعد نقد الراوي؟ واضح؟ هذا هو الصورة الثانية.
ثانيا: هل ثبت الإسناد إلى هذا الناقد؟ يعني هذا الناقد فعلا قال هذا الكلام أم أن الإسناد لم يثبت له؟ ووجد روايات كثيرة نسبت إلى نقاد وهي لم تثبت عنهم، يبقى دي الخطوة الثانية أن نتحقق من ثبوت الإسناد إلى الناقد. وطبعا الخطوة الأولى أن يكون الناقد أساسا معتبرا، أن يكون عدلا ثقة إماما قبل العلماء.
نقده مثل طبعا عبدالرحمن بن مهدي القطان، أحمد بن حنبل، يحيى بن معين، البخاري، مسلم، النسائي، الدارقطني وهؤلاء. الخطوة التي بعد ذلك أن نعرف مورد النقد، هل هذا الجرح أساساً مؤثر أو ليس مؤثراً؟ لأنه يمكن أن يقدحه بشيء ليس مؤثراً، كما مثلا أنتقد على بعض الرواة أن هو كان يبول واقفا مثلا، أو أن أنه كان بجواره عرس كان فيه موسيقى وآلات وهو لم ينكر عليهم.
فبعض الرواة يقول: أنا ذهبت إلى فلان لأخذ منه الحديث فوجدت بجواره مثلا عرسا أو كذا فتركت الحديث عنه. وشخص آخر يقول: تركت الحديث عن فلان لأنه كان يرى نكاح المتعة أو كان يشرب النبيذ. كل هذه المسائل في الأصل لا يصح أن يجرح بها الشخص، بمعنى أن ترد روايته، يصح أن تنكر عليه أن تستدرك عليه أن تخطئه، أما أن تسقط عدالته بمثل هذه الأمور فلا يصح، لأن هناك قواعد في نقد الرواة، ليس كل من تكلم فيه بجرح ثبت عليه، وليس كل من تكلم فيه بجرح كان المتكلم اللي هو الناقد يعني أهلاً يقبل كلامه، وليس كل من تكلم فيه بجرح كان هذا الجرح مؤثراً فعلاً، واضح؟ فاحنا بقى في هذا الفصل يا شباب نتكلم عن صور من الجرح غير المؤثر، فاهمين؟ أضرب لكم مثال بسيط جداً عشان تفهموا، الرافضة مثلا يقدحون في عمر بن الخطاب بأشياء وفي عثمان بن عفان بأشياء وفي أبي بكر بأشياء رضي الله عنهم أجمعين.
ابن تيمية لما حلل هذه الظاهرة في كتابه العظيم جداً منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية، ابن تيمية في هذا الكتاب قال: أنا كفيل أن آتي إلى كل نقد جرح به أو ذكره الرافضة على أبي بكر وعمر وعثمان، تناوله من جهتين؛ الجهة الأولى أبين أن أكثره لا يثبت أساساً وهو كذب ومختلق، والقسم الثاني منه لا يقدح في عدالة هؤلاء الأئمة وأنا ضمين أن آتي إلى كل صورة قدح فيها بصحابي من هؤلاء أن آتي بمثلها أو نظيرها في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فإن كان علي معذورا فيها أو كان مجتهدا غفر له خطؤه فكذلك هم، وإن جرحتموهم بهذه الأمور فاجرحوا عليا بها. فهذه طريقة عظيمة جداً في المناظرة، مثل الطريقة العظيمة التي اتبعها الباقلاني في المناظرة المشهورة مع ملك الروم، لما قال له ملك الروم يريد أن يستفزه ويريد أن يجعله يغضب ويستثيره، فقال له ملك الروم بيستفز الباقلاني، من أئمة المتكلمين من أئمة الأشاعرة لكنه كان له مناظرات رائعة جداً مع النصارى، فقال له ملك الروم: ماذا يقول الناس عن زوجة نبيكم؟
يقصد يقول أن زوجة نبيكم أساساً الناس متهمينها بالفاحشة، يبقى أنت أساساً ستتبعون هذا النبي؟ فلم يستفز طبعا الباقلاني وكان خبرة وكان عالما وكان فقيها بالمناظرة، قال له: ثنتان في التاريخ اتهمتا بالفاحشة، في اتنين في التاريخ اتهموا بالفاحشة مشهورين ومعروفين؛ الأولى امرأة ليس لها زوج يكفيها وجاءت بابن تحمله يعني هي ما عندهاش زوج، وكمان جاءت بابن تحمله، والثانية لها زوج لها بعل يكفيها تماماً ولم يؤتى عليها ببينة واحدة، فإن كانت الأولى وهي مريم عليها السلام مع قوة الداعي ووجود الشبهة بريئة، فتكون الثانية وهي عائشة رضي الله عنها مع عدم الداعي وعدم الشبهة أكثر براءة. هذه القطعة القصيرة جداً بنى عليها ابن تيمية كتابه العظيم منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية في كل ما اتهم به صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ورد عليهم في كل موطن. فبالتالي يا شباب هناك جرح غير مؤثر، يعني ايه غير مؤثر؟ يعني لا يصح أن ترد به رواية الراوي، تمام؟
نبدأ بقى ندخل بعد هذه المقدمة، قال: اعلم أنه ليس كل جرح في الراوي مقبولا، فلا يعتد إلا بجرح من أهله، ولا يعتد بجرح إلا بصيغة بينة واضحة أن علة جرحه كذا وكذا، وكانت تلك الجرحة قادحة وسلمت من المعارض الراجح. يبقى عندنا أربع أمور هنا يا شباب؛ الأولى لا يعتد بها إلا إذا كان من أهل للنقد يعني ناقد بصير عالم قواعد النقد، واضح؟ هذا هو الأمر الأول. اتنين، لابد أن يكون بصيغة بينة واضحة، يعني عرفنا أنت جرحته ليه؟ ما تجيش تقول لي، يجي واحد يقول لك: أنا فلان ده عايز يتجوز اختي، فتيجي تقول له: لا، ما تخلوش يتجوز اختك، ليه؟ عرفنا ليه؟ فلان مردود الرواية، ليه؟ فلان ما تسمعوش ليه؟ ليه؟ فلان مبتدع ليه؟ لابد أنك أنت تعرفه بالتفصيل، لا يكفي هنا الإجمال، يبقى ده الأمر التاني. الأمر التالت: أن تكون الجرحة قادحة، يعني ايه؟ يعني أنت فعلا فسرت قلت: آه، أنا لا آخذ الحديث عن ابن جريج لأنه كان يرى نكاح المتعة، صح أنت فسرت، لكن هذا الجرح ليس قادحا، ليه؟ لأنها مسألة اجتهادية، نعم أخطأ فيها بعض أهل مكة، اتبعوا فيها ابن عباس رضي الله عنه ورأوا جواز نكاح المتعة، هذا خطأ نعم، لكنه لا ترد به روايته، واضح؟ ففي فرق بين أن خطأ وبين أن ترد به روايته، هذا شيء وهذا شيء. طيب، الرقم أربعة: وسلمت من المعارض الراجح، ما هو ممكن يكون للجرح من إمام بصير ويكون الجرح مفصلاً ويكون فعلا جرحا قويا، لكن المعارض أقوى، يعني يكون هناك أئمة أكثر أو أقوى رجحوا ثبوت أو صدق الراوي أو عدالة أو ضبط الراوي. طيب، الأربع أمور دي تحفظوها يا شباب، آه.
قال: وقد وقع في هذا الباب القدح في الرواة بأسباب غير معتبرة في التحقيق، أقدم بيانها ليخلص القول بعدها في تحرير القول في الأسباب المؤثرة وذلك في صور. هيبدأ هنا يقول إيه بقى؟ هيذكر يا شباب صور مما انتقد على بعض الرواة لكنه ليس قادحا، يعني لا يصح أن ترد به رواية الراوي. الصورة الأولى: استعمال المباحات أو ما يختلف فيه الاجتهاد حلا وحرما. قال: فوقوع الراوي دي أول صورة من الجرح غير المؤثر، قال: في وقوع الراوي في الشيء من ذلك لا يجوز أن يعد قادحا، إذ استعمال المباح مشروع ولا يقدح في العدالة استعمال المشروعات ولا يصح أن تكون مفسقات، وإن جرى العرف بتركها على التحقيق، فإن العرف لا يصلح دليلا على المنع مما أباحه الله عز وجل. يعني بعض الناس هنا يا شباب يقول لك ايه؟ إن العدل هو الذي لا يأتي شيء من خوارم المروءة، ويجعله بقى كل واحد بمزاجه بقى، يخلي خوارم المروءة دي حاجة خاصة به هو، ممكن يقول لك إن أنا شفت فلان لابس بنطلون فيبقى ده من خوارم المروءة فيس ليس عدلا، وواحد تاني يقول لك: شفته بياكل في الشارع فهذا من خوارم المروءة فليس عدلا لا يؤخذ عنه العلم، واحد تاني يقول لك: أنا شفته مثلا يتبول واقفا وهكذا. فهذه أمور يا شباب المباحة لا يصح أبدا، أنا لا أعرف ناقدا معتبرا قدح في راوي بمثل هذه الأمور، وإنما يقدح في الراوي من جهة الصدق أو من جهة الضبط، أما هذه الأمور أجنبية، هذه الأمور يا شباب تختلف من واقع لواقع. زي واحد بالضبط تلاقيه مثلا عايز يدي درس في هذه الأيام بنفس الطريقة التي كان يعطي بها الإمام مالك تلاميذه، الإمام مالك يا ابني كان بيدرس في المسجد النبوي، كان بيدرس في عصر تلميذه الشافعي، وتلميذه يحيى بن يحيى، وتلميذه عبد الله بن يوسف، وتلميذه القعنبي، وتلميذه معن بن عيسى، يعني ناس لها ظروفها ولها واقعها.
الذكاء بقى مش انك تنقل التجربة كما هي، لا، الذكاء أنك تنقل عصارة وجوهر هذه التجربة ثم تعمم هذا العلم بين شبابك المسلمين، تكلمهم بلغتهم وبما يعرفون، وتضرب لهم من الأمثلة ما يعقلونه ويحبونه، هو ده الذكاء، مش الذكاء أنك تنقل التجربة كما هي، يعني واحد يقول لك: الإمام مالك كان بيخلي الطلاب ما حدش فيهم بيهمس في الدرس، فبالتالي لو حد اتكلم في الدرس بتاعي أطرده، غباء ده غلط، لأن أنت كده بتنفر الناس، لأنك بتكلم شباب، الشباب دول احنا عايزين نتألف قلوبهم أساسا مش عايزين ننفرهم، إنما مالك كان بيكلم ناس جاية له بتضرب له أكباد الإبل من آخر الدنيا، عارفة قيمته، عارفة قيمة العلم، فبالتالي هو بيكلمهم بهذا النوع العالي من الكلام، فاهمين يا شباب؟ أنا ضربت لكم بس تفصيلة صغيرة للخطأ في إنسان بيستجلب التجارب خطأ، وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ. يبقى الذكاء يا شباب أن نعمم هذا العلم وأن نبين بين الناس، أن نبقي جوهره ولكن نطور في وسائله؛ مثلا الباوربوينت طريقة جميلة يبقى ندخل فيها، الإعلام، الفيسبوك، اليوتيوب، الواتساب، أي وسيلة يمكن أن تكون سببا في تعميم ونشر العلم بين الناس وتبصيرهم، نحاول أن نتخذ من الأسباب ما يعيننا على هذه الغاية، إذاً الغاية واحدة ولكن السبل هي التي تختلف، واضح؟
فمن هنا يا شباب لما تلاقي مثلا كتير من أنا أعرف أن في ناس ما كانوا بيحضروا درس شيخ عشان بيلبس عباية بنص كم، أخ من العلماء كان جاري، كان عالم كبير، كان بيدي دروس يعني والله كان بيشرح لنا في كتاب عمدة الأحكام، وشرح لنا المنظومة البيقونية في الحديث، كان من أهل العلم الكبار، وكان ساعات بيلبس عباية نص كم نازل بها من البيت يصلي الدرس عشان كده، وناس تانية ما كانوا بيحضروا عشان الشيخ اللي كان بيدرس كان أصغر منهم في السن، ده اسمه هبل، وناس تانية ما كانوا بيحضروا لشيخ عشان الشيخ بيقصر لحيته شوية، وناس تانية عشان الشيخ بيلبس بدلة، يعنى هؤلاء الناس محرومون، مش بس هم غلطانين، لأ، هم حرموا، صرفوا عن هذا الخير، فكان هذا النوع يا شباب موجود أيضا قديماً، اللي هم الناس اللي بيبحثوا عن الأشياء الأجنبية عن العلم، يعني أشياء لا تخص العلم، ولا يصح أن يرد بها العالم أو الراوي، خلاص؟ كاستعمال المباحات. يقول لك: أنا شفت فلان راكب حصان والحصان بيتنطط به كده، فقلت لأ، ده ما ينفعش يؤخذ عنه العلم، شفت فلان بياكل وهو ماشي في الشارع فقلت لأ، ما ينفعش يؤخذ عنه العلم. طيب، أنت اللي حرمت، وبالمناسبة عدد من هؤلاء هو نفسه بين أنه حرم وندم على أنه قصر في الأخذ عن بعض العلماء بناء على أمور كان يظنها واجبة. تعرفوا أن في بعض العلماء يرون أن النقاب ليس واجبا، ففي بعض الناس ترك التعليم مع شيخ كبير جليل جدا لأن مراته مش منتقبة لأنها محجبة فقط، فده شباب موجود موجود كثير جدا، والمشكلة أن كتير من الأشياء اللي هم فاكرينها أساسا هي اللي عليها قول الإجماع والجمهور، الجمهور على خلافها، واضح؟ لكن هذا ليس وقت بحثها الآن.
المهم يا شباب أن الإنسان يكون بصيرا، أبصر طريقك، كل إنسان عنده شيء يمكن أن تنتفع به خذه، وتجنب الأشياء السيئة، خذ ما تعرف ودع ما تنكر. هو مين الشخص اللي أنت هتلاقيه هيعجبك في كل شيء؟ فلو أنت كل شخص وجدت فيه خطأ أو كتب منشور معين ما عجبكش فتركت الأخذ عنه كاملا، مع أنك ترى في كلامه خيرا، إذن يبقى أنت كده تفوت على نفسك خير كبير، زي بالضبط الناس اللي فوتوا على أنفسهم روايات عظيمة جدا لكبار أئمة العلم لكونه عنده بدعة معينة أو عنده خطأ معين، لا.
واضح؟ طيب، وصلنا لإيه؟ وما يختلف فيه الاجتهاد، فهذا إن فعله الراوي فلا يقدح فيه من جهة ما يكون له معه من عذر المخالفة، وخلاف العلماء في الأحكام كثير بينهم. قال: وقد جاوز بعض النقاد فجرح الراوي أو تركه لمثل ذلك، فمن أمثلته، هنحيب بقى أمثلة هنا لجرح الرواة جرحا غير مؤثر، فهذا الجرح فعلا هو تكلم يقول لك: فلان ده تكلم فيه، صح؟ لكن ليس كل من تكلم فيه يصدق الكلام فيه، وإلا شباب اليهود قالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا، تعالى الله عن قولهم، بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ. كذلك اليهود ذم النبي صلى الله عليه وسلم والمشركون والنبي صلى الله عليه وسلم هو سيد ولد آدم، فبالتالي ليس كل من تكلم فيه، ده أنا ضربت لكم أمثلة عالية، واضح؟ كذلك الرافضة تكلموا في الصحابة، فليس كل من تكلم فيه ثبت فيه الكلام، أو حتى لو ثبت لا يلزم أن يقدح فيه. عشان كده يا شباب بنفهم، ليس كل راوي مذكورا في كتب الضعفاء يعد ضعيفا، ليه؟ لأن يمكن أن يذكر الراوي في كتب الضعفاء ويكون المؤلف قد جلب ذكر هذا الراوي ليدافع عنه، إما يبين أن هذا الراوي لا يثبت النقد فيه، أو أن هذا النقد ثبت لكنه لا يقدح فيه، أو أن هذا النقد قد ثبت ولكن في رواية بعينها، يعني يمكن أن يكون الراوي تكلم فيه ولا يؤثر في رواية الراوي، ويمكن أن يكون الناقد تكلم في الراوي وذكره في الضعفاء ثم ينتقد صنيعه، كما انتقد الذهبي صنيعا.
صنيعة العقيلي حينما ذكر علي بن المديني في كتب الضعفاء، قال له باللفظ: أما لك عقل يا عقيلي؟ أن رايح تذكر علي بن المديني اللي هو الإمام البخاري بيقول: ما استصغرت نفسي بين يدي أحد إلا اه اه بين يدي علي بن المديني. علي بن المديني الإمام الكبير العلم.
مم، أفضل أفضل شيوخ الإمام أحمد وأعلاهم قدراً، وهو إمام العلل الكبير الذي نشأت عنه مدرسة العلل. رايح تحطه لي في، لأن الإمام أحمد ترك آآ الرواية عنه، أو يعني ما تركش الرواية عنه، يعني الإمام أحمد خصمه بسبب قوله في فتنة خلق القرآن. رايح أنت تدخله في كتب الضعفاء؟
الذهبية بيقولوا: ده أنت لو دخلت في كتب الضعفاء بقى يبقى خلاص الشمس هتخرج هتخرج من مغربها، والمسيح الدجال هيخرج علينا، خلاص القيامة هتقوم بقى، ده أنت كده بتهزر بتهزر يعني. فبالتالي يا شباب ليس كل راو جاء ذكره في كتب الضعفاء يؤثر الجرح فيه؛ أما لان الجرح لا يثبت، أو أن جارحه أساساً ليس أهلاً للجرح، أو أن هذا الجرح لا يؤثر في روايته.
واضح؟ ممكن يكون مسكه عليه بدعة، خلاص. قتادة مثلاً وبعض الرواة كانوا بيقولوا بالقدر: إن الله لم يخلق أفعال العباد، فهذا خطأ، لكنه لا يؤثر على روايته، واضح؟ يأتي الكلام إن شاء الله عن آآ رواية المبتدع.
المهم يا شباب أن تكون حكيماً في تلقي المعرفة، فكل شخص تجد عنده علماً أو معرفة أو فائدة خليك ذكي؛ خذ من كل نسخة من النسخ المتميزة أحسن ما عندها مما يناسب، يبقى عندك ضابطين هنا. أول شيء: ما تاخدش عنه كل حاجة، لأنه مش كل حاجة عنده هتكون حلوة، أكيد. عنده الشهادات خطأ، عنده صفات خطأ، ممكن يكون هي ألفاظه مش حسنة، ممكن يكون علمُه ضعيف، ممكن تكون بتستفيد منه مثلاً حسن المنطق، لكنه ما عندهوش تحرير في العلم.
ممكن تكون بتستفيد منه تحرير في المسائل، لكن لسانه ما بيعجبكش. ممكن يعجبك منه همته وعزمه وصبره، لكن خلقه ما بيعجبكش، وهكذا. خذ من كل نسخة أحسن ما عندها مما يناسبك، مهمة دي، مما يناسبك، لأن ممكن يكون الشخص عنده مواهب لكنها لا تناسبك.
أنت مثلاً وجدت شخصاً يصنع أشياء على يوتيوب ناجح جداً فيها، عامل برنامج والناس بتتابعه، وفعلاً بينفع الناس، بس أنت ما عندكش الموهبة دي، خلاص مش لازم تبقى نسخة منه، اختر لنفسك من المواهب ما تناسبها، خلاص؟ آآ وجدت شخصاً مثلاً إماماً للمسجد وبقرأ بالناس والناس منبهرة به وبقرائته، بس أنت ما عندكش الموهبة دي، خلاص اختر أنت طريق آخر، تمام؟
طيب، هنضرب بقى الأمثلة للقدح الذي هو آآ لا يصح أن يقدح به الراوي. قال شعبة بن الحجاج: لقيت ناجية الذي روى عنه أبو إسحاق، اللي هو أبو إسحاق السبيعي، فرأيته يلعب الشطرنج، فتركتُه فلم أكتب عنه، ثم كتبت عن رجل عنه. يبقى إيه؟ يبقى هو هنا فاته ذات الإسناد عالي واضطر ياخده نازل.
قال الخطيب البغدادي: ألا ترى أن شعبة في الابتداء جعل لعب الشطرنج مما يجرحه فتركه، ثم ما استبان له صدقه في الرواية وسلامته من الكبائر فكتب حديثه نازلاً. يبقى إيه؟ يبقى كده شعبة فوت على نفسه، راح لقى راجل بيلعب شطرنج، أيوه طيب ماشي، الشطرنج يا عم فيه خلاف في ثبوتها، تمام؟ هل هي آآ تباح أو لا تباح؟ لكن ما علاقة ذلك بالعلم الذي رواه هو؟
فهم، هذا لا يقدح في علمه، لأن الرجل ثبت أنه يوافق الثقات في روايته. فأنت بقى لو أنت مثلاً مخالفه، مثلاً فيه واحد في واحد ما بيحبش يلبس جلاليب، يلبس بدل، يلبس قميص وبنطلون، بيسرح شعره بطريقة معينة، ما دام هو في دائرة المباح، أو حتى في دائرة الخلاف السائغ، تمام، أو حتى على بدعة لكن هو معذور فيها أو مجتهد، لكن عنده علم صحيح، لماذا لا تأخذ أنت أحسن ما عنده؟ فهمت آآ قلت ومعروف عن شعبة تشديده في ترك حديث الراوي لشيء رآه منه في غير الحديث مما يحتمل التأويل أو الخطأ.
يعني شعبة معروف عنه هذا التشدد، أنه كان عنده تشدد في آآ في ترك روايات بعض الرواة آآ بما هو خارج عن الرواية. قال عن ارقاء بن عمر، قال: قلت لشعبة: ما لك تركت حديث فلان؟ قال: رأيته آآ يزن إذا وزن فيرجح في الميزان فتركت حديثه. وقلت لشعبة آآ: ما لك تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يركض دابته فتركت حديثه.
وكان شعبة يقع آآ في الخصيب بن جحدر، يقول: رأيته في الحمام بغير مئزر آآ، وقال يحيى القطان: أتى شعبة المنهال بن عمرو فسمع صوتاً فتركه، يعني الغناء. هو انتهى من الكلام عن شعبة كمثال لمن كان لهم جرح غير مؤثر، واضح يا شباب؟
إذاً، ليس كل من ذكر من الرواة في كتب الضعفاء ينبغي أن يكون ضعيفاً. يقال: فلان تكلم لما فيه. مجرد أنه تكلم لما فيه يعني أن أحداً تكلم فيه، فينظر هنا في هذا الذي تكلم فيه: هل هو أهل للنقد؟ هل هو عالم بأسباب النقد؟ اثنان: هل ثبت عنه النقد؟ ثلاثة: هل كان نقده مفسراً؟ يعني ما هو الجارح الذي جرحه به؟ ثم ينظر: هل هذا الجارح فعلاً يؤثر في الرواية في روايته أو لا؟
المثال الثاني: احنا في صفحة ثلاثمائة وستين شباب، وقال جرير بن عبد الحميد: أتيت سماك بن حرب فرأيته يبول قائماً فرجعت ولم أسأله عن شيء، قلت: قد خرف. يعني هو ما عجبوش أن هو بيبول واقفاً يعني، مع أنه مباح، يبقى هذا جرح غير مؤثر.
قال: وقصة شرب الكوفيين للنبيذ معروفة وقولهم فيه مشهور في آآ عصر النقل والرواية، وكانت استباحتهم حاصلة بالتأويل آآ بالتأويل يا شباب، يعني عندهم حجة فيها، سواء أخطأوا أو أصابوا، وسيأتي نص مهم للإمام الشافعي رحمه الله يبين فيه أنه لا تقدح في الإنسان إذا اجتهد في مسألة من المسائل الاجتهادية آآ يرد عليه وينكر عليه خطأه، لكنه لا يقدح في عدالته أو لا يصير فاسقاً بذلك.
آآ قال: فالقدح على راو رأى ذلك الرأي أو فعل ذلك الفعل بمجرد ذلك جرح مردود غير معتبر. قال يحيى بن معين: وكيع وابن نمير كانوا يشربون النبيذ. طبعاً دول من أكابر الأئمة، يعني هو لما، ما هو طبعاً في ناس بتشرب النبيذ كتير، بس لماذا يعتني معين بأنه يذكر لك الاتنين دول؟ لأنهم من أكابر العلماء ديناً ورواية وصدقاً وضبطاً.
قال: كانوا يشربون النبيذ، وإنما كان نبيذهم يجعلونه في التنور يشربونه اليوم واليومين والثلاثة، ويهرقونه ولا يشربون كل نبيذ يزداد على الترك جودة جودة. وقال شريك وقال شريك وسفيان ووكيع، طبعاً دول مدرسة الكوفة معروفة أن هي كانت بتري، حتى سفيان آآ الثوري رحمه الله كان يذهب إلى بعض الأعراس يعني ويتناول فيها النبيذ آآ يقول: ليعلم الجاهل أنه مباح. يعني هو رجل كان متأولاً فيه لدرجة أنه هو بيقول للناس: يا جماعة اشربوا، ده ما فيهوش حاجة.
قال شريك وسفيان ووكيع وكل وكل من رخص فيه كلهم يكرهون المعتق، يعني مش هم يكرهون أن يسكر الرجل، وإنما كانوا يشربون يظنون أن الخمر المحرم هو الخاص بالعنب، وليس بكل بالشعير أو التمر أو غيره. وقال أيضاً: ومن رخص فيه آآ فيما أسكر كثيره شريك وسفيان والحسن بن حي ووكيع وابن نمير وهؤلاء وهم مع ذلك ينهون عن الخليقة، عن المنادمة والمعاقبة والجلوس عليه، والنقيع عندهم خمر والبصريون يرخصون في النقيع ويقولون هو حلال.
وكل نبيذ آآ يجوز ثلاثة أيام فلا خير فيه عندهم وعند سفيان وعند سفيان وشريك وابن حي وابن نمير وكيان وأبي معاوية كلهم يكرهه. أبو معاوية آآ الضرير، اللي هو محمد بن خازم أحد آآ أكبر الرواة عن آآ أعمش. يبقى هو هنا بيحدد أن هو ليس كل نبيذ يبيحونه ليس لا يشربون الخمر الصريح، واضح؟ وإن كان هذا أيضاً محرم عند غيرهم.
وقال يحيى بن معين أيضاً: تحريم النبيذ صحيح، واقف عنده، لا أحرمه، قد شربه قوم صالحون بأحاديث الصحاح، وحرمه قوم آخرون بأحاديث صحيحة. طبعاً ابن معين أساساً لم يكن مجتهداً في الفقه، أو لم يكن أساساً يعني كأحمد مثلاً في الفقه، وكان هو طبعاً متبعاً لمذهب أبي حنيفة رحمه الله، فيحيى بن معين كان متبعاً لمذهب أبي حنيفة آآ في الفقه، فبالتالي هو وجهه الشاهد من كلامي هنا ليس في مسألة النبيذ، وإنما وجه الشاهد هنا: ألا يقدح في الرواية الذين كانوا يتأولون في شرب النبيذ.
قال: وأحسن ما قيل فيمن وقع مثل هذه المخالفة متأولاً قول أبي حاتم الرازي: جاريت أحمد بن حنبل في النبيذ من محدثي الكوفة، فيمن شرب النبيذ من محدثي الكوفة وسميت له عدداً منهم، فقال: هذه زلات لهم ولا تسقط بزلاتهم عدالتهم. كلام جميل جداً، وسيأتي قول الشافعي يا شباب، يعني بيقول: دي أخطاء لهم خلاص، وربما هم يكونون متأولين فيها مجتهدين معذورين أرادوا الحق فأخطأوه، واضح؟ ولعلهم ذلك طبعاً، لأنهم أئمة في العلم والدين، فنحن ننكر خطأهم، لكن لا نتجاوز ذلك ولا نتعدى، فلا نسقط روايتهم، لأن مناط قبول الرواية شباب ليس متعلقاً بهذه الأمور، الراوي هو ناقل.
في حد من الشباب كاتب: وأحياناً معيار المناسبة يكون منحرفاً في أشياء جميلة يعتبرونها غير مناسبة. نعم، أيضاً هذا كلام جميل، أن بعض الناس مثلاً أضرب لكم مثال: أنا وجدت بعض الناس يجعل من خوارم المروءة أنك تمارس الرياضة، أنك تلبس ترنج وتجري في الشارع، وبعد كده تلاقي كرشه قد كده ووزنه مثلاً آآ زايد أربعين كيلو مش قادر يطلع السلم وبينهج يعني.
فعلاً يعني كما قلت، كثير من الناس يحرمون أنفسهم من أشياء مش بس مباحة ده هي تدخل في عداد المستحب، وبالعكس تخلف عليه قوة ونشاطاً وبركة، لكنه يحجم نفسه لأنه يرى: أنا لو دخلت لكم في القصة دي هنتعب كتير. أنا ما وجدت شباب آآ عايش حياته كلها يعني مش عايز أقول لك لو رحت حديقة تلاقيه لابس الغترة والجلابية وقاعد كده بوقار وهيبة، ولاده بيلعبوا حواليه وهو قاعد كده مستكن في مكانه، يعني يقول لك هذا هو الوقار! بالعكس، ليس من الوقار أن أن تضع الوقار في غير موضعه، بالعكس ده مش وقار، أنت بتحرم نفسك وبتحرم أولادك، العب واجري معهم، تعلمهم الرياضة وحببهم في النشاط.
مش عارف الناس دي عايشة إزاي بصراحة يعني، بيحرموا أنفسهم من أشياء وبعكر على نفسه، يبقى نفسه يا عيني يقعد كده ويفرد رجليه أو يحط رجل على رجل، أو نفسه يقعد بشكل معين، يقول لك: لأ، طالب العلم ما ينفعش يجلس بهذه الصورة. وهذه الصورة مباحة لا إشكال فيها، وليست حتى مخالفة للعرف ولا شيء، إنما هو أدخل نفسه في في صورة معينة، وسبحان الله هو الذي يعذب نفسه بها، يعني هو أول وأكثر من يعذب بها، هو صح بيقرف اللي حواليه برضه، لكن هو أكثر من يعذب بها، لأنه يحرم نفسه من أشياء يريدها ويرجوها ويحبها وتفرحه، ويوهم نفسه أنه بذلك كان وقوراً.
وأنا كتبت قبل كده منشوراً يا شباب قلت: إن من أهل العلم الكبار من كان آآ وقوراً مهيباً آآ لا يتكلف ذلك، وإنما كانت طبيعته، كان قليل الكلام، قليل الضحك، ومنهم من كان من هو صاحب فكاهة، ومنهم من كان يحب الضحك ويحب المزاح ويلعب ويتكلم ويهزر، ويهزر مع طلابه، وكلاهما إمام تقي وأسع علم، عندنا الأعمش وغيره من الأئمة، وعندنا في المقابل مالك والقطان، دي يا شباب أشياء آآ لا يتكلف أن يكون غير نفسه، ما دمت أنت في حيز المباح، ما دمت لم ترتكب محرماً فأنت في حيز المباح.
فكثير من هؤلاء الذين يحرمون أنفسهم من هذه الأشياء التي أحلها الله، ثم يجعلون ذلك حكماً على الناس ويصيرون قضاة على الناس يخرجون الناس من دائرة العدل أو الإيمان أو الدين بصفات لم تكن أبداً كذلك، ويصنفون الناس. واضح آآ فبالتالي هذه الأشياء لا يجرح بها.
وقال الإمام أحمد -المثال الرابع يعني-: وقال الإمام أحمد بن حنبل: كان يحيى بن القطان لا يرضى إبراهيم بن سعد. قال المروذي: المروذي يا شباب، اللي هو غير المروزي. المروزي هذا من بلد اللي هي مرو، المروذي من بلد اسمها مرو الرود، في هذا من أكابر أصحاب الإمام أحمد، وله سؤالات هي في رأي يعتبر أفضل سؤالات يمكن أن تبدأ بها في استقراء تراث الإمام أحمد في الجرح والتعديل والعلم، وهي مطبوعة طبعة قديمة، أنا ما أظن أن هي طبعت جديدة، أو طبعت جديدة طبعة تعبانة يعني، لكن هي الطبعة القديمة هي التي كنت أعتمد عليها في في استقراء تراث الإمام أحمد رحمه الله.
فسؤالات المروذي مهمة جداً يا شباب آآ قلت: إيش كان حاله؟ يعني حاله كان إيه؟ قال: كان على بيت المال. قال يحيى بن سعيد القطان: لو لم أرو إلا عن كل من أرضى ما ما رويت إلا عن خمسة. يعني ليه؟ لأن ميزانه كان صعباً، ميزان شديد، فاهم؟
فده مش صح، لأن الإنسان يفوت على نفسه أشياء، ربما أنت تتلقى العلم عن شخص عنده خطأ معين، أو عنده بدعة معينة، أو يرى حكماً معيناً خالفك فيه، فلماذا تحرم نفسك من علمه ومن خبرته أو من أي نفع؟ على فكرة يا شباب، أوجه النفع من الناس ليست فقط في المعرفة، يمكن أن تنتفع.
من شخص في قوة عزمه وجلده وصبره. شخص آخر في حسن منطقه. شخص آخر في أخلاقه. شخص آخر في تربيته لأبنائه. شخص آخر في حسن خلقه وكلامه الجميل، وهكذا. فأنت كن ذكياً واختر من كل نسخة من الناس أحسن ما عندها مما يناسبه. فيحيى القطان بيقول: أنا لو لم أروِ إلا عن كل من أَرْضَى، ده أنا ما كنتش رويت غير عن خمسة! كان هيروي عن مين؟ عن الثوري، وعن شعبة، وعن الأعمش مثلاً، وهكذا. كان هيروي عن مين يعني؟
قال وفسر ذلك الحاكم، فقال: يحيى بن سعيد في إتقان وكثرة شيوخه يقول مثل هذا القول، يعني بالخمسة الشيوخ الأئمة الحفاظ الثقات الأثبات، يعني اللي هم أكابر مشايخي، يعني كشعبة وسفيان. قلت: بل والجامعين لأوصاف الورع والعفة حتى المباح المستحسن تركه، كما يدل عليه رأيه في إبراهيم بن سعد؛ فإبراهيم لم يكن ليعاب في حفظه، إنما عيب قربه من الحاكم. يعني هو عاب على إبراهيم بن سعد في إيه يا شباب؟ أن هو قريب من الحاكم.
فبعض الناس يا شباب يجعل قربك من الحاكم بمجرده قادحاً فيك، وهذا ليس صحيحاً؛ لأن القرب من الحاكم بمجرده لا يقدح فيه الإنسان. لكن لماذا خاف الناس من القرب من الحكام؟ لأنهم رأوا بأعينهم أن كثيراً من العلماء والدعاة والعباد لما اقتربوا من العلماء انحرفوا عن الدين رغبة أو رهبة. أما رغبة فيما عند هؤلاء الحكام فصاروا خدماً لهم يشرعون لهم، ويبررون لهم أفعالهم، كما الآن في واقعنا هذا وهم كثيرون جداً يسقطون عند أول اختبار. نسأل الله أن يحفظنا وأن يثبتنا جميعاً وأن لا يجعلنا ظهيراً للمجرمين.
فبالتالي لما لقى هؤلاء أن من يقرب من السلطان أو من الأمير أو من بيوت المال فإنه يعني يذل أو يفتن، تركوا الأخذ عنهم أو أنهم جعلوا ذلك مظنة ضعف عدالتهم. لكن الصواب يا شباب أن هذا ليس دائماً؛ كان من العلماء من يدخل على الأئمة يعظهم وينكر عليهم، وكان يبين لهم الحق كالامام الزهري.
طيب، وقال أبو عبيد الآجري. أبو عبيد الآجري يا شباب اللي هو روى عن الإمام أبي داود السؤالات؛ سؤالات مشهورة جداً مطبوعة هي مجلدين، سؤالات أبي عبيد الآجري عن أبي داود السجستاني. قال: سمعت أبا داود يقول: كان وكيع لا يحدث عنه شيء لهشام بن بشير؛ لأنه كان يخالط السلطان. ولا يحدث عن إبراهيم بن سعد، ولا ابن علية، وضرب في حديث ابن عيينة يعني؛ وكيع ضرب في يعني بيروي يعني. هو طبعا عايز يقول لك إن دي أمثلة للجرح غير المقبول، يعني جرح وكيع لهؤلاء جرحاً غير مقبول. واضح يا شباب؟ لأن هؤلاء كانوا أئمة ثقات وكانوا كان عندهم المناط المراد في الرواية، وهو الحفظ والضبط والاتقان.
قال أبو داود: سمعت رجلاً قال لأحمد: لأيش ترك يعني؟ لأيش يعني لأي شيء؟ لأيش ترك وكيع إبراهيم بن سعد؟ قال: ما أدري، كان إبراهيم ثقة. بيقول: سبحان الله، حاجة غريبة! إزاي وكيع يترك إبراهيم بن سعد؟ ده إبراهيم في... دي يا شباب فيها دلالتان: الأولى عرض قول ناقد على غيره، فهنا تجد أن أبا داود يعرض على الإمام أحمد –طبعاً الإمام أحمد هو شيخ أبي داود، سواء في الفقه أو في؛ أبو داود روى عنه السؤالات والمسائل، فهو يعرض عليه قول وكيع في إبراهيم بن سعد– قال: ما أدري، حاجة غريبة، كان إبراهيم ثقة. يبقى الإمام أحمد انتقد هذا القول ورأى أن قدح وكيع في إبراهيم ليس صحيحاً أو لا ترد به روايته.
الستة: وقال أبو زرعة الدمشقي –ده غير يا شباب غير أبو زرعة الرازي، أبو زرعة الرازي من الري، وأبو زرعة الدمشقي طبعا شامي، وكلاهما من النقاد، وإن كان طبعا أبو زرعة الرازي أعلم أو أشهر من جهة كلامه في العلل والرواة– وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأبي مسهر –وهو عبد الأعلى بن مسهر، حافظ الشاميين، يعني أبو مسهر ده يا شباب كان المرجع لرواة أهل الشام، لما يجي واحد يسأل عن أهل الشام كان بيُرجع على طول لعبد الأعلى بن مسهر، لما يكون عايز يسأل عن الراوي من رواة الشام بيُرجع لهذا– قال: إنه يعني سليمان بن عتبة يسند أحدث عن أبي الدرداء. قال: هي سيرة، وهو ثقة ولم يكن له عيب إلا لسوقه بالسلطان. إلا لسوقه بالسلطان. يعني يجعلون ذلك عيباً، لكنه لا يؤثر في الروايات.
طبعاً قلت لكم إنه بمجرده لا يُعد عيباً إلا إذا فتن هذا الرجل أو كان يسكت عن حق أو كان يداهن في باطل، أما مجرد أن يكون قريباً منه ينصحه. بصوا يا شباب، من الآخر كده: أي إنسان يقترب من السلطان لا يمكن أن يبقى إلا واحداً من اثنين، مش ممكن! أما أن يكون إمام هدى وحق، ينصح ولا يسكت عن باطل، وهؤلاء قليلون قليلون قليلون قليلون جداً –واضح؟– أو أن هو يكون مداهناً وكذاباً ودجالاً ومحرفاً للدين، وهؤلاء كثيرون كثيرون جداً.
فلذلك العلماء من هنا وجدوا أن الانسان لما يقترب من السلطان، السلطان باختياره فهو يقترب من الفتنة؛ لانه لا شك سيقع هذا السلطان في مخالفات شرعية كثيرة جداً، وهذا الرجل سيقع: أما أن يبين له الحق ويرد الباطل، أو يسكت، أو يداهن، أو يكذب، أو يسكت على كل باطله ثم يقف بجانبه في شدائده ويدافع عنه في الباطل كما يحدث الآن يعني.
وقال أبو الحسن الميموني: قلت لأحمد: يا أبا عبد الله! أحمد بن عبد الملك بن واقد؟ فقال لي: قد مات عندنا كيساً وما رأيت بأساً، رأيت حافظاً للحديث. قلت: ضبطه؟ طب إيه رأيك في ضبطه؟ قال: هي أحاديث زهير، وما رأيت إلا خيراً، وصاحب سنة قد كتبنا عنه. قلت: أهل حران يسيئون الثناء عليه. يعني الثناء يا شباب يمكن بيكون بالشر وبالخير: أثنيتم عليها شرا وأثنيتم عليها خيراً في الحديث.
قال لي: أهل حران –ركز بقا– أهل حران قلما يرضون عن إنسان هو يغشى السلطان بسبب ضيعة له. فرأيت أمره عند أبي عبد الله حسناً، يتكلم فيه بكلام حسن. يبقى طبعا النص ده واضح جداً من جهتنا يا شباب: الجهة الأولى طبعا الميموني من تلامذة الإمام أحمد، الإمام أحمد يا شباب من أكثر من روي عنه سؤالات هو وابن معين والدارقطني، دول أهم تلاتة في السؤالات. والسؤالات غير المسائل؛ السؤالات هي السؤالات عن الرواة وعلل الأحاديث، أنما المسائل هي المسائل الفقهية. الإمام أحمد روي عنه مسائل وروي عنه سؤالات لأنه كان فقيهاً، أنما ابن معين والدارقطني يُروى عنهما سؤالات. الإمام أحمد له تلاميذ رووا عنه السؤالات والمسائل، أهمهم عبد الله ابنه، إسحاق الكوسج، وكذلك الميموني والمروذي وأبو داود السجستاني، وهكذا.
فالميموني بيعرض، بيقول له: إيه رأيك في أحمد بن عبد الملك؟ فقال له: والله هو راجل كويس. قال له: طب ما أهل حران ليه مش بيتكلموا عنه كويس؟ قال له: يا عم، ده أهل حران دول قلما يرضون عن إنسان هم يعني؛ يبقى ده حكم عام، وهم يتكلموا فيه لأنه كان بيروح للسلطان، بينما هو أساساً كان بيروح للسلطان لأنه كان عنده ضيعة خلاص كده، زي قرية يعنی أو حتة أرض يعني. قال: فرأيت أمره عند أبي عبد الله حسناً. إذاً، هذا الكلام لا يُقبل.
طيب، ومن هذا القدح على المحدث باأخذ الأجرة على التحديث وممن عيب به؟ يعني في واحد عيب به، طبعا أشهر واحد عيب به اللي هو أبو نعيم الفضل بن دكين، وهشام بن عمار، وعلي بن عبد العزيز المكي. طبعا الفضل بن دكين من أكابر أكابر العلماء وهو من أوثق الرواة عن سفيان الثوري. طيب بيقول: وعلل بعضهم القدح بمثل هذه الصورة بأن أخذ الأجرة ربما أغرى المحدث بالزيادة في الحديث من أجل المال، كما قد يغري بذلك لسوقه بالسلطان لما يجر إلى محاباته.
والصواب في جميع ذلك أن القدح فيها ليس معتبراً من جهة أننا اشترطنا الصدق لقبول الرواية، فاذا ثبت اندفعت به مثل هذه الظنون. يعني لو احنا أكدنا أن الشخص ده صادق، وصبرنا مروياته وعرفنا حاله، فكونه يأخذ أجرة هذا عادي، كان يأخذ أجر؛ لأن عنده بيت يريد أن ينفق عليه، يريد أن يتفرغ لهذا.
في أثر جميل جداً جداً أحبه عن عبد الله بن المبارك؛ يقول حبان بن موسى –ركزوا يا شباب كده– عاتب ابن المبارك كثيراً على أنه يوزع ماله في الأمصار؛ يعني بيقول لك إن الناس كانوا بيعتابوا عبد الله بن المبارك يقولوا له: يا عم، أنت بتقعد تتعب في الفلوس وتشتغل وتستثمر، وبعدين تقعد توزعها على العلماء في الأمصار وطلبة العلم؟ فقال له: فهو بص للراجل كده وقال –هو بقى بيقول للناس، بيقول: إن لي أعرف مكان قوم طلبوا العلم لله وأحبوه وسعوا في نشره، فإن نحن كفلنهم أنهم بثوا العلم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فلا أعلم بعد النبوة خيراً من بث العلم، وإن نحن تركناهم ضاعوا وضاع علمهم.
فهو كان يرى أنه لابد أن يكفل هؤلاء الصادقون؛ لأن كفالة هؤلاء تدخر أعمارهم وقوتهم في الطريق الصح. وأنا بستغرب لما بلاقي واحد بيودي أولاده في دروس ويديهم أندية، ويصرف عليهم بالالفين والتلت تلاف جنيه والاربع تلاف جنيه في دروس؛ ودرس مش عارف الماثماتيك، ودرس الانجليز! ولما يروح عند شيخ القرآن يقول للشيخ: أبقى اديه لوجه الله! من غير ما يدي له فلوس! يا أخي، ده أنت تصرف على ابنك في الدين أحسن ما تصرف عليه في أي حاجة، اصرف على ابنك واصرف على نفسك وعلى دينك أفضل ما تصرف على نفسك في أي شيء آخر.
طيب، قال: وكذلك فإن المخطئ المتأول بمعصية إذا عرف بالصدق فحديثه مقبول مطلقاً؛ لأن التأويل متضمن في قادة صاحبه للصواب وعدم قصده للخطأ. وقد وقع التأويل للمخالفة الشرعية من جماعة من الصحابة، فلم يمنع ذلك من قبول ما حملوه من علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأهل الشام الذين قاتلوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فأولى من ذلك أن يقبل حديث من وقع مختلفاً، أو تُرك مختلفاً في فرضه.
النص اللي جاي ده يا شباب هو من أنفس النصوص، أو هو في رأي أفضل نص يذكر في هذه المسألة، احنا شرحناه قبل ذلك، لذلك سنقرأ فقط يعني. قال الشافعي رحمه الله: والمستحل لنكاح المتعة –يبقى الصورة الأولى يا شباب هو القدح، عشان خد بالك إن فيه فرق بين دي ودي؛ الصورة الأولى القدح في الناس بالمباحات، الأمور المباحة، التانية القدح فيهم بأيه؟ يعني طبعا ده له صور، ذكرنا له صور، وصلْنا لحد صفحة تلتمية تلاتة وستين يا شباب– أنما هنا بقا هنتكلم عن المسائل اللي هي إيه؟ زي مسائل فقهية أخطأ هو فيها أو اجتهد وخالف الصواب.
قال الشافعي رحمه الله: والمستحل لنكاح المتعة، والمفتي بها، والعامل بها، ممن لا ترد شهادته. يعني لا ترد شهادته بمجرد أنه اجتهد في مسألة فقهية. قال: وكذلك لو كان موسراً فنكح أمة مستحلاً لنكاحها، مسلمة أو مشركة؛ لأنا نجد من مفتي الناس وأعلامهم من يستحل هذا. وهكذا المستحل الدينار بالدينارين والدرهم بالدرهمين يداً بيد والعامل بها؛ لأنا نجد من أعلام الناس من يفتي به ويعمل به ويرويه. وكذلك المستحل لإتيان النساء في أدبارهن؛ فهذا كله عندنا مكروه محرم، وإن خالفنا الناس فيه فرغبنا عن قولهم.
يعني بيقول: كل الصور اللي فاتت دي أنا أحرمها خلاص؟ لكن مع ذلك، حتى لو الناس خالفونا، لم يدعنا هذا –يعني لم يكن ذلك موجباً عندنا أن نجرحهم ونقول لهم: إنكم حللتم ما حرم الله وأخطأتم– لأنهم يدعون علينا الخطأ كما ندعيه عليهم، وينسبون من قال قولنا إلى أنه حرم ما أحل الله عز وجل.
هذا النص يا شباب مهم جداً في أعذار المخالف، وفي أن يكون إنكارك موجهاً إلى القول والفعل. نعم، يمكن أن يكون قولك أو إنكارك شديداً، يمكن أن يكون في أشد الأقوال، يمكن أن تصل بوصف هذا الفعل بأنه بدع أو منكر أو باطل أو خطأ، لكن لا يتعدى ذلك إلى الفاعل بأن تصفه بأنه صار فاسقاً أو مجرماً أو كذا أو كذا إلا بحجة ليست هي فقط مجرد اختلاف الاجتهاد.
وسيأتي معنا إن شاء الله يا شباب شرح معنى: لا إنكار في مسائل الاجتهاد. سيأتي معنا كتاب مهم جداً للإمام ابن تيمية نموذج لمناقشة الفتاوى الشاذة، والفتوى التي تعرض لها هي نكاح التحليل، التي صورتها أن يطلق الرجل زوجته ثلاثاً ثم يعني يستأجر رجلاً أو يتبرع رجل بأن يحللها له بأن يتزوجها ويأتيها ثم بعد ذلك يطلقها فتحل لزوجها الأول. فابن تيمية ينكر هذه الفتوى، لكن كتابه "بيان الدليل على بطلان التحليل" يُعد نموذجاً.
في كيفية التعامل مع مسائل الخلاف والفرق بين مسائل الاجتهاد ومسائل الخلاف، وما معنى الإنكار؟ هل الإنكار هو أن تنكر الفتوى والحكم أم أن ترد به الفتوى وتمنع من اتباع هذه الفتوى وترد على القاضي قضاءه؟ سيأتي معنا إن شاء الله وذلك في تراث الإامم ابن تيمية رحمه الله. قال المؤلف: قلت، والقول في البدعة من هذا على التحقيق، وسيأتي في أسباب سلب العدالة. يعني سيأتي الكلام على البدعة.
الصورة الثالثة، الصورة الثالثة يا شباب من ماذا؟ الصورة الثالثة من الجرح غير المؤثر في رواة الحديث. قال: ما يعود الجرح فيه إلى طريق التلقي، والجارح اعتمد فيه المذهب المرجوح، وذلك في حالتين: الأولى في رواية الراوي عرضا، وهي الرواية قراءة على الشيخ لا سماعا من لفظه. وتقدم أنها متصلة بمنزلة السماع عند أكثر الأئمة، وربما رأيت من بعض النقاد الطعن في رواية بعض الثقات عن بعض شيوخهم أنها كانت عرضا، ويكون مرجع الأمر إلى شيء زائد على مجرد العرض، وهو أن الذي كان يعرض على الشيخ فيه راو مجروح، ويكون ذلك الثقة قد حضر ذلك العرض.
يعني إيه يا شباب؟ يعني نحن عندنا هنا وسائل يأخذ بها الراوي الرواية عن شيخه، تمام؟ من هذه الوسائل أنه يسمع من الشيخ، فهذه أعلى وسيلة. الوسيلة الثانية: القراءة على الشيخ، هذه القراءة يمكن أن يكون الراوي نفسه هو الذي قرأ، ويمكن أن يكون الشيخ يقرأ عليه والراوي يسمع، مثلا يحيى بن أبي يحيى يقول: قرأت على مالك وأنا أسمع. يعني فيه واحد كان بيقرأ على الإامم مالك مثلا، عبد الله بن يوسف التنيسي، أو أي واحد من تلامذة الإامم مالك، معن بن عيسى أو القعنبي أو غيره. يبقى الإامم مالك له مجلس يقرأ عليه بعض تلاميذ الموطأ، فبيقرأ مثلا يحيى بن يحيى يقرأ على مالك، أو مثلا عبد الله بن يوسف يقرأ على مالك أو غيره، وفي بعضهم بيسمع. فهل هذا يقدح؟ هل هذا يقدح في الرواية؟ الصواب أنه لا يقدح فيه، لكن يمكن أن يكون القدح خارجا عن هذا المعنى، كان يكون القارئ مجروحا مثلا، يبقى القدح هنا ليس في أصل القراءة على الشيخ، وإنما في هذه الصورة المحددة.
قال: مثل من طعن في رواية عن مالك لكونه أخذ عنه بعرض حبيبي كاتبه، حبيب اللي هو كاتب مالك. ومنه قول يحيى بن معين في حفص بن ميسرة: سمي عرضا، كان عباد بن كثير يعرض لهم على زيد بن أسلم وغيره. قال أبو جعفر السويدي: ذهبت إلى حفص بن ميسرة فسألته أن يخرج إلي كتابا، فقال لي: إنما كان عباد بن كثير يعرض لنا. السويدي ده مش من السويد يا شباب، ها؟ ده من بغداد يعني، عشان ما تفكرش السويدي في السويد. قلت: والرواية بمثل هذا في الأصل صحيحة؛ لأن العبرة بإقرار الشيخ لما يقرأ عليه، والقارئ ليس واسطة بين التلميذ وشيخه، ولذلك فلا تضر جهالته ولا كونه مجروحا. يعني بيقول هنا الشيخ: الترجيح أن يقبل هذا العرض؛ لأن الشيخ ما دام يقر هذه الرواية فهي صحيحة. عايزين نشوف احنا خدنا وقت قد ايه كده؟ كده احنا خدنا ساعة ونصف.
آآ طيب يا شباب، بعض الشباب أو كتير من الشباب اللي هم متابعينا من بعض الجنسيات الأخرى بيقول: آه، حتى الأمثلة نخليها برضو يعني نجعل الأمثلة باللغة الفصحى؛ لأنهم يصعب عليهم اللغة اللي هي اللغة المصرية، فنحاول أن نلتزم ذلك، وإن كان بعضهم الآخر يعني يقول لي في المقابل يعني: خلي الدرس شوية باللغة العامية عشان احنا بنحب اللغة المصرية. فلأ، احنا نخليها بقى بالفصحى، يعني حتى يفهم الجميع إن شاء الله.
إذا، الشيخ يرجح أن العرض على الشيخ يعني الشيخ عبد الله بن يوسف الجديع مؤلف هذا الكتاب يرجح أن العرض على الشيخ ما دام الشيخ يقر فيكون هذا العرض مقبولا. قال: ولو افترضنا صحة القدح على من يروي بهذه الطريق، فإن ورود القدح على الشيخ أولى من وروده على التلميذ، فإنما حدث التلميذ بما أقر به الشيخ مما قرأ عليه. نعم، يعني يقول: لو كنتم ستقدحون في أحد بهذه الطريقة، اقدحوا في الشيخ، فلماذا لم تقدحوا في الشيخ، فلماذا تقدحون في الراوي عنه؟ قال: وأما أن يكون حفص بن ميسرة اتقى التحديث عن زيد بن أسلم من أجل أنه سمع بعرض مجروح، فذلك جائز أن يكون من أجل شكه في ضبطه لرواية نفسه عن شيخه، يعني يمكن أن يكون ذلك لسبب خارج عن مجرد القراءة. قال: والمقصود أن من تكلم فيه من الرواة المعروفين بالثقة بسبب مثل في هذا السماع، فليس ذلك بقادح. نعم، يبقى دي الحالة يا شباب الثانية، أن يكون قدح، أو الحالة الأولى من الصورة الثانية: أن يكون القدح في الراوي بسبب التلقي، فلو كان القدح بسبب أنه قرأ على الشيخ بسأم راو مجروح ثم تلقى هذا التلميذ، فهذا القدح ليس صحيحا.
قال: الحالة الثانية، اللي هي الحالة الثانية من طرق التلقي، القدح في الراوي من جهة أنه روى وجادة. قال علي بن المديني: سألت سفيان يعني ابن عيينة عن جعفر بن محمد بن عباد بن جعفر وكان قدم اليمن، فحملوا عنه شيئا. قلت لسفيان: روى معمر عنه أحاديث يحيى بن سعيد. فقال سفيان: إنما وجد ذلك كتابا، ولم يكن صاحب حديث، أنا أعرف بهم، إنما جمع كتبا فذهب بها. وقال شعبة بن الحجاج وسفيان بن عيينة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة، وفي لفظ لشعبة: إنما هو كتاب. وقال أبو حاتم الرازي: فأما جابر فإن شعبة يقول: لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث، ويقال إن أبا سفيان أخذ صحيفة جابر عن سليمان اليشكوري. وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان شعبة يرى أن أحاديث أبي سفيان عن جابر إنما هو كتاب سليمان اليشكوري. طبعا هو هنا يذكر لك نماذج لهذه الروايات التي ردت وسيعقب عليها.
وقال أبو حاتم الرازي: جالس سليمان جابرا، سمع منه وكتب عنه صحيفة، فتوفي وبقيت الصحيفة عند امرأته، فروى أبو الزبير وأبو سفيان والشعبي عن جابر، وهم قد سمعوا من جابر أكثره من الصحيفة، وكذلك قتادة. وقال همام بن يحيى: قدمت أم سفيان اليشكري بكتاب سليمان، فقرأ على ثابت وقتادة وأبي بشر والحسن ومطرف، فرووها كلها. وأما ثابت فروى منها حديثا واحدا. وقال سليمان التيمي: ذهبوا بصحيفة جابر إلى الحسن، فرواها، أو قال: فاخذها وأتوني بها فلم اروها. وقال ابن مهدي: حدثت سفيان يعني الثوري أحاديث إسرائيل عن عبد الأعلى عن ابن الحنفية، قال: كانت من كتاب، يعني أنه اليست بسماع. وقال شعبة: أحاديث الحكم عن مجاهد كتاب، إلا ما قال: سمعته. وقال يحيى القطان: قال شعبة: عامر الشعبي عن علي، وعطاء يعني ابن أبي رباح عن علي، إنما هي من كتاب. يعني كل هذا يا شباب فيما تلقاه الراوي عن شيخه من كتاب.
قال يحيى: فاسترجعت أنا، يعني قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، والتحرير كما بينت في شرطي، ده كلام تعقيب الشيخ على كل هذه الروايات يا شباب، والتحرير كما بينته في شرط اتصال السند: أن قبول الوجادة والعمل به صحيح معتبر بشرط حصول الثقة بالموجد، وعليه فلا تعد الرواية بها مما يقدح في الراوي لأجله. سبق يا شباب في شرط اتصال السند تكلمنا عن شيخ يجد كتابا وتحقق أن هذا الكتاب صحيح النسبة عمن روى عنه، يعني فيه راوي وجد كتابا عن شيخ، وهذا الكتاب ثابت النسبة عن الشيخ، فتكون هذه الرواية مقبولة.
لمن لم يحضر معنى هذا الدرس يمكن أن يراجعه، فصلنا فيه الأمر في موضعه. يمكن أن نقف هنا عند صفحة ثلاثمائة وسبعة وستين، يعني أحاول أن ألتزم معكم بساعة ونصف لا أزيد عليها. إن شاء الله بالليل يا شباب يمكن أن يكون عندنا كتاب من كتب الإامم ابن تيمية رحمه الله، ساخبركم بالكتاب، ولكن اريد منكم أن تجهزوا هذه الكتب؛ لأننا سنأخذها في أسبوع سيكون عندي فيه فرصة أن أنا أعطيكم فيه الصبح وبالليل إن شاء الله، ويكون الدرس يعني ساعتين مثلا، ساعتين الصبح وساعتين في الليل، يكون ساعتين في علوم الحديث وساعتين في تراث الإامم ابن تيمية رحمه الله. يمكن أن نجهز كتبا، سأضع رابطا إن شاء الله أو أضع إرشادا لها بالترتيب حتى تكون معكم الكتب. جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق