السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وبعد، فهذا هو الدرس العاشر من قراءتنا لكتاب تحرير علوم الحديث لعبد الله الجديع. وصلنا إلى صفحة مائتين وواحد وستين: كيف يُعرف الضبط؟ تكلمنا، شباب، أن النقاد آآ أول خطوة في تحرير آآ النظر إلى إسناد الحديث أو رواية الحديث ينظرون إلى آآ الراوي، فيعيِّنون من هذا الراوي، وهو باب تمييز الراوي. الأمر الثاني هو أن يبحثوا في اتصال الإسناد: هل هذا الراوي سمع ممن روى عنه أم لا؟ الأمر الثالث، وهو الذي نحن فيه الآن، وهو الجرح والتعديل: أن يعرف أهلية هذا الراوي للرواية، هل هو حقق العدالة والضبط؟ هل كان صادقًا؟ هل كان حافظًا؟
وتكلمنا في الدروس السابقة، في بداية الحديث عن الجرح والتعديل، تكلمنا عن مشروعية نقد الرواة، وتكلمنا كذلك عن صفات الناقد الذي يُعتمد قوله، وتكلمنا كذلك عن نخبة من النقاد الذين يُعتمد قولهم ولا بد من الرجوع إلى كلامهم في ترجمة كل راوٍ. وتكلمنا عن حفظ الصدر وحفظ الكتاب، يعني أن بعض الرواة كان حفظه آآ ضعيفًا، لكنه يعتمد على كتاب صحيح، فيقبل العلماء رواياته التي من هذا الشأن.
وصلنا إلى: كيف يُعرف الضبط؟ يعني ما هي القواعد التي يسير عليها النقاد ليعرفوا الضبط؟ الناقد، شباب، يشبه الجواهرجي، اللي هو الراجل اللي بيبيع الذهب، هذا الرجل الذي يبيع الذهب عنده قدرة لتمييز الذهب المزيف من الذهب الأصلي. بالضبط الناقد أو العالم المحدث، عالم الجرح والتعديل، عنده أدوات يستطيع أن يعرف بها ضبط الراوي من غفلته، يستطيع أن يعرف بها صدق الراوي من كذبه.
فطالب علم الحديث لا بد أن يعرف هذه الخطوات؛ لأنه إذا آه سمع حديثًا أو رأى آه شخصًا يقول حديثًا ويحتاج هو أن يتعرف على درجة الحديث، فلا بد أن آه يتعرف أولًا كيف يجمع طرق الحديث، ثم بعد ذلك يأتي لكل رواية من الروايات يأخذ الإسناد من أوله فينظر في أحوال الرواة. هذا الفصل، يا شباب، يخص قواعد نقد الراوي: كيف نميز الراوي الثقة من الراوي الضعيف؟
وصلنا إلى صفحة مائتين وواحد وستين، شباب، قال رحمه الله، قال الشيخ: كيف يُعرف الضبط؟ جرى نقاد المحدثين على تمييز ضبط الراوي بطرق ترجع إلى ما يأتي: واحدًا: عرض رواياته على روايات غيره ليتبين قدر موافقته أو مخالفته أو تفرده. هذا هو الطريق الأول يا شباب. الطريق الأول أن أنا عندي الراوي هو ناقل، يعني الراوي ناقل، سمع من شيخه وأدى الرواية إلى تلميذه. سبق أن ذكرنا أن الثقة هو الذي يؤدي الرواية كما يتحملها، فمن أدى الرواية كما تحملها فهو ثقة.
فالراوي لكي يؤدي الرواية كما تحملها لا بد أن يكون صادقًا، ولا بد أيضًا أن يكون ضابطًا؛ فلا يكفي الصدق، يمكن في الإنسان أن يكون أمينًا صادقًا، لكنه ليس حريصًا على العلم ولا على تقييد العلم ولا أن يحفظ، فليس كل من هو عدلٌ آآ ضابطًا. يمكن أن يكون عدلًا صادقًا أمينًا متدينًا، لكنه ينسى أو عنده غفلة، أو أنه كسول مثلًا، فهذه الصفات، الشباب، يمكن أن ينفرد بعضها عن بعض، يعني لا يلزم أن تكون مجتمعة.
فنحن حتى نختبر روايات الراوي، أول شيء، يا شباب، بننظر في عدد ما روى الراوي؛ يعني لو أن الراوي مثلًا كان مكثرًا وأخطأ في عشرة أحاديث مثلًا، فهذا لا يقدح في ثقة الراوي بشكل عام، وإن كان يقدح في هذه الأحاديث العشرة، واضح؟ مثلًا شعبة بن الحجاج، أحد الثقات الحفاظ، روى أحاديث كثيرة جدًّا جدًّا، آه وضبط له العلماء بعض الأخطاء؛ يعني قالوا إن هو أخطأ في بعض الروايات، هل هذا يمنع أن يصفوه بشكل عام بأنه ثقة؟ لأ، واضح؟ لكن هل هذه الثقة العامة ينبغي أن تُصحَّح بها كل رواياته؟ الجواب: لا، فيمكن أن يكون ثقة في شيء، ضعيفًا في شيء آخر، يمكن أن يكون ضابطًا في أغلب أحواله وإن كان أخطأ في بعض الأحوال.
إذاً يا شباب، عندنا هنا قاعدتان: القاعدة الأولى في النظر إلى الراوي: ننظر إلى قدر ما روى وقدر الإصابة بجانب الخطأ، فإن كان خطؤه هو الأقل فيكون الحكم العام أنه ثقة، وإن كان خطؤه - ثانية واحدة يا شباب - وإن كان خطؤه، يا شباب، يعني إن كان خطأ الراوي أقل من إصابته، الحكم العام أنه مصيب أو أنه ثقة، وإن كان الأغلب منه الخطأ فيكون الحكم العام ضعيفًا.
لكن يمكن أن تكون دي القاعدة الثانية بقى يا شباب: لا تلازم بين الحكم على روايات الراوي والحكم على الراوي؛ يمكن أن يكون الراوي ثقة لكنه أخطأ في بعض الروايات، ويمكن أن يكون ضعيفًا لكنه أصاب في بعض الروايات. مش أنت مثلًا لما كنت في المدرسة ممكن كنت بتحب مادة اللغة العربية مثلًا فتجيب في اللغة العربية درجة عالية جدًّا، بينما في مادة الإنقليزي مثلًا ممكن تجيب ملحق أو ممكن تجيب خمسين في المية بالعافية؟ هكذا الرواة شباب.
الراوي يمكن أن يتفوق في باب دون باب، يمكن أن يكون متفوقًا في أحاديث الأحكام دون أحاديث العقائد، ممكن هنا يُقبل في أحاديث الرقائق، اللي هي الكلام عن تزكية النفس أو فضائل الأعمال، ولا يُقبل في أحاديث الأحكام، وهكذا. فعلماء الحديث، شباب، عندهم نظر دقيق جدًّا في الحكم على الراوي، فيمكن أن يجمع العلماء على ثقة وإمامة راوٍ ثم يجمعون على خطئه في بعض الروايات، وهذا موجود كثير جدًّا، كما أجمع العلماء على أن حماد بن سلمة هو أوثق الرواة في روايته عن ثابت البناني، بينما هم كذلك، يعني آآ خطَّؤوه في أحاديث كثيرة وعن رواة كثيرين؛ فهو يخطئ مثلًا في روايته عن قتادة وعن أيوب وغير ذلك من الروايات، واضح يا شباب؟
يبقى هاتان قاعدتان مهمتان: الأولى في كيف ننظر إلى روايات الراوي: نجمع روايات الراوي وننظر إلى الخطأ بجانب الإصابة، واضح؟ والأمر الثاني أنه لا تلازم بين الحكم على الراوي والحكم على رواياته؛ فربما كان الراوي ثقة لكنه أخطأ في بعض الروايات، وربما كان آآ ضعيفًا لكنه أصاب في بعض الروايات، فيكون الحكم العام ليس مناقضًا للحكم الخاص؛ يعني ليس هذا من باب التناقض؛ لأنه أساسًا ليس هناك تلازم. يمكن أن يكون الشخص مثلًا إمامًا في العلم ويخطئ في بعض الأمور؛ مثلًا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، من أئمة الصحابة ومن أئمة العلم ومن المحدثين، كان مُلْهَمًا رضي الله عنه، وإن كان في بعض الوقائع اجتهد فيها فأخطأ، مثل اجتهاده في صلح الحديبية، واجتهاده آآ في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوعد من يقول ذلك، إلى أن أسكته أبو بكر الصديق رضي الله عنه. وهكذا شباب.
فلا تلازم بين الحكم العام والحكم الخاص. آآ طبعا من القواعد المهمة جدًّا ستأتي معنا أنه قد آآ يخطئ الثقة في رواية ويتفوق عليه الضعيف، آآ وأنشدها بعض أهل العلم بالحديث قال: ربما يعرض للمفوق ما يجعله مساويًا أو قَدَم. يعني لأن الإنسان المفوق، الذي تفوق عليه غيره في غالب الأحوال، يمكن أن يتفوق هو على غيره ويمكن أن يساويه في الثقة. فالطريق الأول هنا، شباب، هو عرض رواياته على روايات غيره ليتبين قدر موافقته أو مخالفته أو تفرده.
قال: "ويتم ذلك بالمقارنة بين حديث الراوي وأحاديث الثقات المعروفة، وأحاديث المجروحين المنكرة، ويُعتبر حاله في الإتقان بقدر ما وافق فيه الثقات، وحاله في الجرح بحسب ما تفرد به أو خالف فيه الثقات أو وافق المجروحين". يعني، يا شباب، نركز بقى في هذا الطريق: أنا مثلًا، شباب، عندي راوٍ أريد أن أعرف حاله في الروايات، خلاص؟ فآتي إلى طبقة الرواة الذين آآ شاركوه في الحديث. خلينا نأخذ مثالًا واقعيًّا: أنا أريد أن أعرف حال جرير بن عبد الحميد الضبي في روايته عن الأعمش، فماذا أفعل يا شباب؟ آتي بكل أحاديث... أجمع أحاديث جرير عن الأعمش، ثم أنظر: هل هذه الأحاديث شارك جريَرًا فيها أحد من الرواة الثقات المعروفين آه عن الأعمش، مثل شعبة، والثوري، وآآ أبي معاوية الضرير، وآآ كذلك يحيى القطان؟ هؤلاء هم الثقات في الرواية عن الأعمش، هل آآ شاركوه؟ طيب، إذا كانوا شاركوه هل هو وافقهم أو خالفهم؟
لأن هؤلاء هم أوثق الرواة عن الأعمش، فيُوزن بهم غيرُهم. فإذا وجدنا جريرًا في أكثر أحواله يوافق هؤلاء فإننا نعده ثقة مقبولًا في روايته عن الأعمش، ثم لو تفرد بعد ذلك عن الأعمش صار مقبولًا. أما، شباب، إذا وجدناه كلما اشترك آآ في رواية عن الأعمش مع رواية غيره من الثقات، كشعبة والثوري مثلًا، وهو يخطئ ويخالف؛ عرفنا أنه ليس ضابطًا عن الأعمش، وبالتالي لا نقبل تفرده عن الأعمش. واضح يا شباب؟
نأخذ مثالًا آخر: عندنا مثلًا آه الزهري، هو أحد الثقات الحفاظ الذين دارت عليهم الأسانيد؛ يعني هو مكثر من الرواية، له تلاميذ كثيرون هه ينتفعون منه، فله مثلًا عقيل، وشعيب، ومالك، وابن عيينة، ومعمر، والزبيدي، والأوزاعي، وهكذا. فنحن نريد، يا شباب، أن نختبر رواية الأوزاعي عن الزهري، فنأتي بأحاديث الأوزاعي وننظر: هل هو يشارك الثقات فيها؛ يعني هم يروون نفس ما روى؟ وهل هو يوافقهم أم يخالفهم؟ فإن كان الأغلب أنه يوافقهم... طبعًا الثقات عن الزهري في القمة منهم مالك، وسفيان بن عيينة، ومعمر، ويلحق بعد ذلك عقيل، وشعيب، وآآ الزبيدي، وغير هؤلاء؛ فإذا كان الأوزاعي في أغلب أحواله يوافق هؤلاء فهو ثقة في روايته عن الزهري، وإن كان آآ في الأغلب أنه يخالفهم فيصير ضعيفًا فيه.
ودلالة ذلك، الشباب، أنه إذا تفرد عنه لا يُقبل؛ لأن الراوي الذي يتفرد ننظر إليه: هل إذا كان يشارك الثقات في الروايات يوافقهم؟ أو إذا كان الأغلب أنه يوافقهم قبلنا روايته، وإن كان الأغلب المخالفة لم نقبل تفرده. هنا نقل قولًا عن الشافعي، قال الشافعي: "يُعتبر على أهل الحديث بأن إذا اشتركوا في الحديث آآ عن الرجل أن يُستدل على حفظ أحدهم بموافقة أهل الحفظ، وعلى خلاف حفظه آآ بخلاف حفظ أهل الحفظ له". الشافعي طبعًا قلت لكم إنه في كتابه "الرسالة" من... يعني هو أول تقريبًا من تكلم في آآ علوم الحديث بقواعد مهمة جدًّا، سواء في باب آآ الإسناد أو في باب المتن، وكتابه هذا هو أول كتاب إن شاء الله سندرسه في قراءة تراث أئمة آآ المحققين في علوم الحديث، اللي هو كتاب الرسالة، ثم كتاب جماع العلم إن شاء الله.
الشافعي هنا، شباب، يقول: "يُعتبر على أهل الحديث"، يعني إيه "يُعتبر"، الشباب؟ كلمة "يُعتبر" لها دلالات، هنا يقصد بها يُختبر؛ يعني يُختبر حديث الراوي بأن تُقاس روايته على روايات الثقات، فإن وافقها كان ثقة. آآ قال الشيخ: "وكان الاستثبات بعرض حديث الراوي على حديث غيره، أو طلب الموافق له إذا أتى بما يُستغرب من العلم، واقعًا قديمًا" - وهو قال: "قديم"، وإن هي المفروض: "قديمًا" - "قديمًا منذ عهد الصحابة، وذلك لتبين حفظ ذلك الراوي للحديث من عدمه".
ذكر هنا قصة، قال آآ قصة أبي بكر في توريث الجدة: فعن قبيصة بن ذؤيب قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله عن ميراثها، فقال لها أبو بكر: ما لكِ في كتاب الله شيء، وما علمتُ لكِ في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس. فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس. فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر. هذه القصة فيها دلالة لإيه؟ للتثبت أو لقياس رواية الراوي على غيره.
وقصة عمر مع أبي موسى في الاستئذان: فعن أبي سعيد الخدري قال: كنت جالسًا بالمدينة في مجلس الأنصار، فأتانا أبو موسى فزعًا أو مذعورًا، قلنا: ما شأنك؟ ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إليّ أن آتيه، فأتيتُ بابَه فسلّمتُ ثلاثًا فلم يُرَدَّ عليّ، فرَجَعتُ، فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إني أتيتك فسلّمت على بابك ثلاثًا فلم يَرُدّوا عليّ فرجعتُ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ. فقال عمر: أَقِمْ عَلَيَّ الْبَيِّنَةَ وإلا أوجعتُك. فقال أُبَيُّ بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر القوم. قال أبو سعيد: قلتُ: أنا أصغر القوم. قال: فاذهب به. قال أبو سعيد: فقمتُ معه فذهبتُ إلى عمر فشهدتُ له.
وقصة عائشة في حديث حدث به عبد الله بن عمرو: فعن عروة بن الزبير قال: قالت لي عائشة: يا ابن أختي، بلغني أن عبد الله بن عمرو آآ مارٌّ بنا إلى الحج فالْقَهُ فاسأله؛ فإنه قد حمل عن النبي صلى الله عليه وسلم علمًا كثيرًا. قال: فلقيته فسألته عن أشياء يذكرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عروة: فكان فيما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعًا ولكن يقبض العلماء، سيرفع العلم معهم ويبقى في الناس رؤوسًا جهالًا يفتونهم بغير علم فيَضِلُّون ويُضِلُّون.
قال عروة: فلما حدثتُ عائشة بذلك أعظمت ذلك وأنكرته، قالت: أحدثك أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا؟ كلمة "أنكرته" يا شباب معناها لم تعرفه، يعني مثل إيه؟ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ. هذا هو معنى الإنكار، مش معناها أنكرته إن هي بتقول إن هو حديث منكر باطل يعني، لأ، أنكرته يعني لم تعرفه، واضح؟
قال عروة: حتى إذا آآ كان قابلٌ، يعني في العام اللي بعده، قالت له: إن ابن عمرو قد قدم، فالْقَهُ ثم فاتِحْهُ حتى تسأله عن الحديث الذي ذكره لك في العلم. قال: فلقيته فسألته، فذكره لي نحو ما حدثني به في مرته الأولى. قال عروة: فلما أخبرتها بذلك قالت: ما أحسبه إلا قد صدق، آآ أراه لم يزد فيه شيئًا ولم ينقص.
ده طبعًا إيه؟ شوف، دي آثار قديمة يا شباب تؤكد أن النقد موجود. هذا النقد، يا شباب، هو موجود في كل الناس، عند كل الناس في كل شؤون حياتهم؛ يقيسون روايات الراوي على روايات نفسه، إذا حدث بكلام ثم غيّر فيه فهذا يدل على أنه ليس ضابطًا، آه أو آه أو يقيسون روايات الراوي على غيره من الثقات، أو يقيسون روايات الراوي على المحكَم المعروف في الباب. هذا في كل شأن، في كل شؤون الحياة يا شباب، لا يختص به وقت عن وقت.
قال: "وفي هذه الآثار وما في معناها دليل على أن التيقظ والتثبت لقبول الحديث، والتحري لأحوال نقلته، بدأ منذ بدأت الرواية في عهد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا المنهج في المقابلة لحديث الراوي بحديث غيره ليتبين منه قدر ما يشهد له وما لا يشهد له، أو ما يخالفه ويناقضه، هو القاعدة العظمى لتمييز الحفاظ الثقات من غيرهم، وازداد ظهور ذلك كلما تأخر الزمن بعد الصحابة بسبب طول الإسناد وتشعبه المقتضي كثرة الناقلين، مما تزداد معه مظنة الخطأ والوهم مع ضعف الوازع عند كثير من الناس، مما ظهر معه الكذابون آآ الذين كانوا يتعمدون وضع الحديث متنًا أو إسنادًا أو جميعًا".
قال الذهبي: "اعلم أن أكثر المتكَلَّم فيهم ما ضعّفهم الحفاظُ إلا بمخالفة الأثبات". نعم، يعني إن طبعًا الراوي، يا شباب، له حالان؛ الحال الأولى: أن يشترك مع غيره. والحال الثانية: أن ينفرد. إذا اشترك الراوي مع غيره كان الأمر أيسر؛ لأننا سنقيس رواياته برواية غيره، لكن إذا انفرد الراوي فكيف نعرف حاله؟ نعرف حال الراوي عند التفرد بقياس حاله عند الاشتراك، فإذا كان الراوي كلما اشترك مع الرواة وافقهم وكانت رواياته مثل رواياتهم، إذن نقبل تفرده إذا انفرد، أما إذا كان العكس فالعكس.
سيذكر هنا مثالًا هو أشهر مثال يُذكر: آآ ابن معين بيقول: قال لي إسماعيل بن علية - طبعًا إسماعيل بن علية، يا شباب، أحد أكابر الرواة، وهو ممن قيل فيه إنه نادر الخطأ، وبعضهم قال إنه لم يخطئ في حديث، يعني أن كل الروايات التي رواها كان ضابطًا فيها، فهو أحد الحفاظ - ومع ذلك ذهب يسأل آآ أحدًا من أئمة الحفظ والدراية بعلم الرجال، فيقول له: كيف حالي في الرواية؟ أنا عامل إيه؟ زي ما واحد كده يروح للدكتور يقول له: أنا صحتي عاملة إيه، أو يروح مثلًا لشيخه يقول: هل أنا طالب علم جيد أم لا؟
فابن علية، إسماعيل بن علية، ذهب إلى يحيى بن معين وقال له: كيف حديثي؟ قال: آآ قلتُ: أنت مستقيم الحديث، يعني أنت يعني ثقة في الحديث. قال: فقال لي: وكيف علمتم ذلك؟ إزاي عرفت إن أنا آآ مستقيم في الحديث؟ ما هو الميزان الذي وزنتني به؟ قلت له: عارضنا بها أحاديث الناس فرأيناها موافقة. قال: فقال: الحمد لله.
طبعًا في فوائد كثيرة جدًّا، يا شباب، من قراءة آآ كلام الأئمة وقصص الأئمة، منها مثلًا هنا أن هذا الرجل ذهب إلى المتخصصين مع أنه ثقة في الرواية، لكنه لا يدري ربما أخطأ وهو لا يعلم، فطلب النصيحة أو طلب ممن يبين له حاله، حتى إذا كان فيه نقص يُغيّره أو يُقوّم نفسه. ثم بعد ذلك سأله عن الميزان، لما قال له: أنت ثقة، قال: طب كيف عرفت؟ هذا مهم جدًّا. حينما يقول لك شخص مثلًا: على فكرة آآ أنت فيك عيب، فتقول له: طيب أخبرني بهذا العيب، كيف عرفته وكيف أصلحه؟ واضح كده؟ هذا مهم جدًّا، مش تزعل، أو لو مدحك تسكت؛ مثلًا قال لك: أنت طالب علم متميز، تقول له: طب كيف عرفت ذلك حتى أُنمِّيَه في نفسي؟ واضح؟
وآخر شيء يا شباب هو آآ قوله: الحمد لله، وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، سواء حفظتَ سورة أو أجدتَ في مسألة علمية أو وُفِّقتَ لأي عمل صالح، فاحمد الله تبارك وتعالى.
وقال يحيى بن معين: "ربما عارضتُ بأحاديث يحيى بن يمان أحاديثَ الناس، فما خالف فيها الناس ضربتُ عليه. وقد ذكرتُ لوكيع شيئًا من حديثه عن سفيان فقال وكيع: ليس هذا سفيانَ الذي سمعنا نحن منه". طيب، هذا مثال ثانٍ، شباب، مهم جدًّا. عندنا سفيان الثوري وهو الثقة المكثر، روى عنه رواة، تمام يا شباب؟ آآ أشهرهم طبعًا عبد الله بن المبارك، يحيى القطان، آآ وكيع بن الجراح، أبو نعيم الفضل بن دُكَيْن، آآ عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي، ويحيى القطان، هؤلاء أئمة آآ وطبعًا عبد الرحمن بن مهدي، أئمة الرواية عن الثوري.
واضح يا شباب؟ فعندنا راوٍ بقى نريد أن نختبره في روايته عن الثوري، شوف الرجل ده ثقة لما بيروي عن الثوري ولا لأ؟ فالرجل هذا هو يحيى بن يمان، فابن معين بيقول إيه؟ بيقول أنا كنت بآخد الأحاديث اللي بيرويها آآ يحيى بن يمان، يروح مثلًا يسمع أحاديث يحيى بن يمان ويعرضها على واحد من الثقات المشهورين في الرواية عن الثوري، اللي هو وكيع، فطبعًا وكيع قال له إيه؟ قال له: لا، ده ده إحنا عمرنا ما سمعنا الكلام ده، ده ده كأن ده سفيان غير سفيان الثوري اللي إحنا بنروي عنه، يعني كأنه ينكر الرواية.
طيب، آآ وكما قال مسلم بن الحجاج: "من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما أو عن أحدهما العددَ من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائزٍ قبول حديث هذا الضرب من الناس".
يعني إيه يا شباب؟ الإمام مسلم يقول لك: آه، يعني إذا وجدت راويًا يأتي إلى مثل الزهري أو هشام بن عروة - طبعًا هذا المثال يا شباب يُضرب لمن؟ يُضرب للثقات الحفاظ المكثرين حديثًا وأصحابًا. يعني إيه يا شباب مكثرين حديثًا وأصحابًا؟ يعني هناك رواة يا شباب دارت عليهم الأسانيد، سواء من الصحابة كعائشة، وأبي هريرة، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عباس، وعبد الله آآ بن عمر، وآآ أبي موسى الأشعري، وجابر، وأبي سعيد الخدري، واضح يا شباب؟ هؤلاء الصحابة الذين هم وأنس طبعًا، تدور عليهم الأسانيد، يعني مكثرون جدًّا، آآ لهم تلاميذ كثيرون نقلوا أحاديثهم.
كذلك في الطبقة اللي بعدهم عندنا مثلًا الحسن، وابن سيرين، وعندنا الشعبي، آآ وعندنا كذلك مثلًا إبراهيم النخعي، آآ ثم الأعمش، وآآ أبو إسحاق السبيعي، ويحيى بن أبي كثير، وهشام بن عروة، والزهري، وقتادة، وأبو إسحاق السبيعي، آآ بعد ذلك مثلًا يأتي سفيان بن عيينة، ومعمر، ومالك، وهكذا يا شباب. هؤلاء رواة مكثرون اعتنى الناس بجمع رواياتهم، فلما يأتيني شخص بقى ينفرد عن هؤلاء ولا يوافق الثقات الحفاظ المعروفين عمن تفرد عنه، لأ، يبقى ده إحنا لا نقبل روايته.
تصور إن فيه شيخ، يا شباب، مشهور جدًّا في منطقتك، أنت مثلًا ساكن في محافظة وفيه شيخ مشهور جدًّا، أول ما يعمل لقاء الناس كلها بتتجمع من كل مكان، خلاص الناس بقى بتبدأ تتناقل دروس هذا الشيخ: والله الشيخ قال كذا، الشيخ النهاردة تكلم عن كذا. فلما يأتي بقى واحد شخص كده نكرة، آآ هو ليس معروفًا بالعلم، وليس معروفًا بالأخذ عن الشيوخ أو عن ذلك الشيخ بعينه، ثم يحدثك عن ذلك الشيخ بكلام لا تجده أبدًا عند الطلاب الذين تعودت أنهم دائمًا يحرصون على حضور مجالس الشيخ ويتناقلون كلامه، فلا شك أنك لا تقبل هذه الرواية؛ تقول له: أين كان أصحابه الحفاظ الثقات الذين تعودنا أنهم يجمعون حديثه ويروونه ويبثونه بين الناس؟ فاهمين يا شباب؟ فهذا القانون حتى معمول به في كلام الناس، اللي هو أن آآ ألا نقبل الرواية التي ينفرد بها الراوي غير المعروف عن الشيخ المعروف.
طيب، قال: "ومن أجل ذلك كانوا يكتبون حديث الراوي على الوجوه المختلفة، ليتبينوا موضع الموافقة من موضع المخالفة، وليُحكم عليه بحسب ما يظهر من ذلك". قال يحيى بن معين: "لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه". يعني إيه يا شباب؟ يعني أحيانًا تختلف الرواة عن راوٍ معين، يعني مثلًا خلينا نأخذ مثالًا، أو أحب أن أنوه لكم، خلينا نأخذ مثالًا عن قتادة مثلًا عشان تبدأ تحفظ الأسماء دي، آه، هي حفظ الأسماء، يا شباب، يأتي بهذه الطريقة: إنك أنت مرة تسمع آه شيخًا وله تلاميذ، مرة ثانية بتسمع شيخًا آخر وله تلاميذ، فيثبت عندك شيئًا فشيئًا إن شاء الله.
خليني آخذ مثال قتادة مثلًا: أشهر الرواة عن قتادة هشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة بن الحجاج، وهمام بن يحيى، طبعًا في درجة أقل منهم عن الثلاثة. فمثلًا لو أن هشامًا الدستوائي روى عن قتادة عن أنس آآ موقوفًا، وآآ شعبة روى عن قتادة عن أنس مرفوعًا، وبعد ذلك جاء همام روى عن قتادة عن سعيد بن المسيب مرسلًا، يبقى ده خلاف؛ هم اتفقوا في الرواية عن قتادة لكنهم اختلفوا، واحد خلى الحديث مرسل، والتاني خلى الحديث آه مرفوع، والتالت خلاه موقوف. فهذا هو، يا شباب، إيه؟ هذه هي أوجه الرواية. فلا بد أن نعرف: هل كل هذه الأوجه صحيحة فيكون قتادة حدث بها جميعًا، أو بعضها صحيح وبعضها خطأ، أو كلها خطأ؟ فاهمين يا شباب؟
فيحيى بن معين يقول: آه، لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا - يعني نجمع كل الروايات في الباب - لا يمكن أن يتبين لنا آآ الصحيح من الضعيف. وقال علي بن المديني، يا شباب: "الحديث إذا لم تُجمع طرقه لم يتبين خطؤه". وقال عبد الله بن المبارك: "إذا أردت أن يصح لك حديثٌ فاضرب بعضَه ببعض". واضح؟ أنت كمان لما تتعلم من شيخ واحد لا يمكن أن تتكون فيك مهارات متعددة، بل ستكون في أحسن الأحوال نسخة من ذلك الشيخ؛ مثلًا هذا الشيخ متميز في الهمة العالية فقط، فستكون متميزًا في ذلك، لكن مثلًا لما تكون أنت بتتعلم من مجموعة شيوخ: هذا الشيخ متميز في العقيدة، وهذا في الحديث، وهذا في الأصول، هذا تأخذ منه خُلُقًا، والآخر تأخذ منه منطقًا وبلاغة، والآخر تأخذ منه احترامًا وتواضعًا، وهكذا. الإنسان كلما تنوعت مشاربه كلما كثرت مواهبه، فاهمين يا شباب؟
بعكس الشخص الذي يحبس نفسه على شيخ واحد؛ فإنه في أحسن الأحوال سيخرج نسخة من ذلك الشيخ، والخير مفرق بين الناس. لذلك، يا شباب، حينما أعطيت الدرس اللي هو "معوقات النبوغ" ذكرت من أخص المعوقات هو أن يحبس الطالب نفسه على شيخ واحد أو على وسيلة واحدة في تلقي العلم؛ فهذا الشخص لا يمكن أن ينبل، وإنما ينبل الإنسان بتعدد مشارب العلم، فيحصل عنده ملكة نقدية يقيس كلام هذا على كلام هذا، يأخذ من هذا خُلُقًا، ومن هذا علمًا، ومن هذا مسألة معينة، ومن هذا فنًّا معينًا، ومن هذا منطقًا وبلاغة، ومن هذا علوَّ همة، ومن هذا آآ حسن الكتابة والترتيب، وهكذا شباب.
طيب، قال ابن حبان: "الإنصاف في النقلة استعمال الاعتبار فيما آآ روَوْا". الاعتبار هنا، يا شباب، اللي هو قياس روايات بعضهم على بعض. آآ طيب، قال وبين ذلك بمثال. طبعًا المثال ده، يا شباب، شرحناه كثيرًا جدًّا، لذلك سنقرأه فقط، يعني شرحناه في كل الكتب السابقة اللي هو مثال آه أحاديث حماد بن سلمة إذا أردنا أن نختبرها. فلذلك أنا سأشرح لكم... يعني إيه ليس كل الكلام الذي نقرأه نشرحه؟ لسببين: السبب الأول أن أغلب هذا الكلام شرحناه قبل ذلك في الكتابين السابقين بتوسع، والسبب الثاني أني أريد أن تتدرب أنت على فهم الكلام دون أن يُشرح لك.
أنا أحاول أن أشرح لك المشكل فقط، وهذا هو الذي أُحِبُّه يا شباب. في رأيي أن المعلم الجيد هو الذي آآ لا... يعني هو الذي يعطي للطالب ما يحتاجه الطالب، أما كل ما يمكن للطالب أن يعرفه وحده فالأفضل ألا يشرحه له المعلم؛ فإن هذا يعوّد الطالب على البلادة، ويعوّد الطالب على انتظار من يشرح له. فلذلك هذا المثال، الشباب، طويل جدًّا فلذلك لا أشرَحه.
قال: "كأن جئنا إلى حماد بن سلمة فرأيناه روى خبرًا عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لم نجد ذلك الخبر عند غيره من أصحاب أيوب، فالذي يلزمنا فيه التوقف عن جرحه، والاعتبار بما روى غيره من أقرانه؛ فيجب أن نبدأ فننظر هذا الخبر: هل رواه أحد... آآ هل رواه أصحاب حماد عنه، أو رواه رجل آآ أو رجل واحد منهم وحده؟ فإذا
أصحابه قد رووه، عُلِمَ أن هذا قد حدَّث به حماد، وإن وُجِدَ ذلك من رواية ضعيفٍ عنه أُلْزِقَ ذلك بذلك راوٍ دونه. فمتى صحَّ أنه روى عن أيوب ما لم يُتَابَع عليه يجب أن يُتَوَقَّفَ فيه ولا يُلْزَق به الوهن، بل يُنْظَر: هل روى أحدٌ هذا الخبر من الثقات عن ابن سيرين غير أيوب؟ فإن وُجِدَ ذلك عُلِمَ أن الخبر له أصلٌ يرجع إليه، وإن لم يوجد ما وصفنا نُظِرَ حينئذٍ: هل روى أحدٌ هذا الخبر عن أبي هريرة غير ابن سيرين من الثقات؟ فإذا وُجِدَ ذلك عُلِمَ أن الخبر له أصل، وإن لم يوجد ما قلنا نُظِرَ: هل روى أحدٌ هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير أبي هريرة؟ فإن وُجِدَ ذلك صحَّ أن الخبر له أصل.
ومتى عُدِمَ ذلك، والخبر نفسه يخالف الأصول الثلاثة -اللي هو القرآن والسنة والإجماع يا شباب- عُلِمَ أن الخبر موضوع لا شك فيه، وأن ناقله الذي تفرد به هو الذي وضعه. كلمة موضوع يا شباب فقط هي التي ينبغي أن نعلق عليها: موضوع لا تقتضي -أو لا تستلزم- أن يكون الواضع هذا تعمد كذبها، وإنما الوضع هو حكم على الرواية. يعني يا شباب الوضع أو الحكم بأن هذه الرواية باطلة أو مكذوبة لا يقتضي أن الراوي كذاب، لا، الوضع هو حكم على الرواية بأنها تأكدنا أنها كذب، لكن نفس الراوي قد لا يكون تعمد الكذب فيها؛ فالكذب يا شباب يمكن أن يكون بتعمد، ويمكن أن يكون بغفلة. لذلك ميز النبي صلى الله عليه وسلم فقال: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ. واضح؟ قال: وهذا حكم الاعتبار بين النقلة في الروايات.
وقال: ومن أمثلة التقريب ما بينه ابن حبان: قول يحيى بن معين: نظرنا في حديث الواقدي فوجدنا عن المدنيين عن شيوخ مجهولين أحاديث من المناكير، فقلنا: يحتمل أن تكون تلك الأحاديث المناكير منه، ويحتمل أن تكون منهم. يعني إيه يا شباب؟ يعني حينما تأتيك روايةٌ خطأٌ، فيها شخصان مثلاً: عليٌّ حدَّثَ عن خالد مثلاً، صاحبك عليّ حدَّثَ عن خالد، ووجدتَ أن الرواية منكرة. يعني مثلاً في شخص جه قال لك إيه، واحد جارك قال لك: على فكرة البطاطس رخصت. فـ البطاطس رخصت هو ده المتن، بلاش البطاطس لأن البطاطس مش مهم مش بتغلى كتير، خلينا نقول مثلاً البنزين، البنزين اللي كل شوية يغلى، ربنا يعيننا على العيشة يعني، نقول بالخير: البنزين غلي. واحد جه قال لك: البنزين رخص، يعني المعروف إن البنزين بيغلى، فجه شخص أقصد قال لك: البنزين رخص على فكرة بقى اللتر بربع جنيه! طبعا دي رواية منكرة معروفة.
خلاص، يعني أول ما يقول لك إن البنزين رخص أو أي حاجة في بلدنا رخصت تعرف إن ده خبر منكر على طول. بس أنت بقى محتاج تعرف مين اللي روى وأدَّى، فقلت للراجل ده اللي حدثك: سمعت الكلام ده منين؟ قال لك: والله سمعت الكلام ده من جارنا محمد السيد. فأنت عارف إن الكلام ده باطل، غلط، أنت تأكدت إنه غلط، أنت طبيعي عارف إنه غلط، فبتعمل إيه؟ بتقول: والله احتمال إن يكون الغلط ده من الشخص اللي حدثني، أو يكون من الشخص الذي حدثه اللي هو محمد السيد.
يبقى الخطأ هنا بيدور في واحد من اثنين: إما الناقل إليَّ أو من نقل عنه. هو ده بالضبط يا شباب اللي علماء الحديث بيعملوه؛ إذا جاءتهم رواية مثلاً يرويها بهزٌ عن حماد بن سلمة عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة مثلاً، وهذه الرواية تأكدنا أنها خطأ، فاحتمال الخطأ فيها يكون إما من بهزٍ، أو من حمادٍ، أو من أيوب، أو من ابن سيرين، فاهمين كده يا شباب؟
إذاً يا شباب عندنا قاعدة هنا، خلاصة بقى إيه رخص البنزين وغلو البنزين ده؟ عندنا قاعدة جميلة يا شباب: نقاد الحديث لا يعتنون فقط بوجود الخطأ في الرواية وتمييز الخطأ، لا، يهمهم كذلك معرفة من يتحمل الخطأ، فاهمين كده؟ يعني أنت راجل مدير في شركة، أو أنت رجل عندك مجموعة موظفين عرفت إن في حاجة خطأ في الحسبة، هم حسبوا لك حسبة غلط، تمام، أنت عرفت الغلط وصلحت الغلط، هل هذا يكفي؟ لا، لابد أن تعرف من المخطئ، لماذا؟ حتى تجازيه، وحتى تنبهه على ألا يخطئ، وحتى تعرف أنه يخطئ، وكذلك في الإصابة يهمك جداً أنك تعرف من الذي أصاب حتى تكافئه وحتى تشجعه، وهكذا.
طيب، ضرب هنا أمثلة ممكن أنتم تقرأوها في بيان عرض روايات الراوي على روايات غيره واعتبارها. طيب، الصفة الثانية يا شباب أو الطريق الثاني: عرض ما يحدث به الراوي حفظاً على ما في كتبه. يبقى الطريق الأول يا شباب هو قياس روايات الراوي على غيره من الثقات الذين شاركوه في بعض الأحاديث، الطريق الثاني يا شباب أن نعرض روايات الراوي -يعني ما حدث به من حفظه- على ما حدث به من كتابه. مش إحنا يا شباب ذكرنا إن بعض الرواة يكون حفظه حفظ كتاب فقط؟ يعني هو لا يحفظ حفظ الصدر بينسى مثلاً، شخص بينسى فبيحدث من كتابه. فحتى نتأكد من ضبطه -اللي هو ضبط الصدر- نقيس ما حدث به من حفظه على ما حدث به من كتابه.
قال: وذلك من أجل ما تقدم من كون الكتاب المتقن حاكماً على مجرد الحفظ، فهو إما شاهدٌ له دالٌ على اتقانه، وإما كاشفٌ لسوء حفظه تارة مطلقا كما تقدم مثاله، وتارة للدلالة على خطئه في الحديث المعين. يعني ممكن يا شباب يكون راوي مطلقاً حفظه حفظ سيئ -حفظ الصدر- وممكن يكون لا، حفظه في الأغلب كويس بس في الحديث المعين ده أخطأ. قال البخاري: يُرْوَى عن سفيان عن عاصم بن كليب عن عبدالرحمن بن الأسود عن علقمة قال: قال ابن مسعود: ألا أُصَلِّي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فصلى ولم يرفع يديه إلا مرة. وقال أحمد بن حنبل عن يحيى بن آدم: نظرت في كتاب عبد الله بن إدريس عن عاصم بن كليب ليس فيه: ثم لم يعد. قال البخاري: فهذا أصح لأن الكتاب أحفظ عند أهل العلم، لأن الرجل ربما حدث بشيء ثم يرجع إلى الكتاب فيكون كما في الكتاب. يعني بيَّن البخاري أنه أحياناً يكون الراوي لا يحفظ إذا حدث من صدره، فنميز ذلك بالرجوع إلى كتابه.
طبعاً هذا يا شباب كان لأئمة الحديث الذين عاصروا الرواة، أما من بعدهم يا شباب فلا وصول لنا لكتب هؤلاء الرواة، وإنما ليس عندنا إلا طريق واحد وهو جمع روايات الراوي وعرض روايات الراوي على روايات غيره من الثقات. ثانية واحدة يا شباب... يوسف... يوسف...
الطريق الثالث يا شباب: اختبار حفظ الراوي بقلب الأحاديث عليه أو تركيبها. طبعاً دي طريقة كانت موجودة، يأتي بعض النقاد يا شباب إلى راوي معين فَيَقْلِبُ عليه أحاديثه ويختبره، يقلب ويختبر روايات الراوي، واضح؟ ذكر هنا أمثلة، طبعاً هي لأنها قليلة فلن نهتم بها كثيراً لأن الحالة دي قليلة جداً، اللي هو أن يأتي ناقد فيختبر راوياً معيناً بأن يقلب عليه الأحاديث، حديث يمكن تقرأوها يا شباب.
أربعة: مجيء قرينة في سياق الرواية تكشف سوء حفظ الراوي. ده أيضاً طريق من الطرق، كقول البخاري مثلاً في ذوَّاد بن عُلْبَة الحارثي: يُخَالَفُ في حديثه -وينفع يُخَالِفُ في حديثه، ينفع ده وده- استدل له بقوله: حدثنا ابن الأصبهاني قال: حدثنا المحاربي عن ليث عن مجاهد قال: قال لي أبو هريرة: يا فارسي اشكم درد -دي كلمة فارسية يعني- قال ابن الأصبهاني: ورفعه ذوَّاد وليس له أصل، أبو هريرة لم يكن فارسياً إنما مجاهد فارسي. وتبعه على ذلك العقيلي وقال: الموقوف أولى، وكذلك قال ابن الجوزي: هو أصح، يعني الموقوف.
نركز كده يا شباب خلينا نكمل، ومن أجل قلة حديثه ومجيئه بمثل هذه المخالفات ضعفه الجمهور، فقال يحيى بن معين: ضعيف ولا يكتب حديثه، وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالمتين يكتب حديثه -كلمة يكتب حديثه يعني يعتبر به، يعني لا يقبل تفرده، كلمة يكتب حديثه يا شباب يعني ليس بحجة، يعني يعتبر به إذا وافقه غيره، أما هو وحده فلا يقبل، خلاص- قال: وذكره أبو زرعة في الضعفاء، والنسائي مرة قال: ليس بالقوي، ومرة: ليس بثقة، وقال ابن حبان: منكر الحديث جداً يروي عن الثقات ما لا أصل له وعن الضعفاء ما لا يعرف. فإن قلت: لمَ لم يُحمَل الخطأ فيه على ليث بن أبي سليم فإنه كان مضطرب الحديث ليس بالقوي؟ قلت: قد رواه ليث من وجه صحيح إليه بما لا يحمل معه الوهم في رفعه، والإسناد انقطع الطريق فيه دون الراوي الضعيف، وذلك بعلةٍ دونه، فلا يجوز أن يكون الحمل بعدها عليه إلا أن تكون العلة غير مسقطة، فيكون التعليل بضعف ذلك الراوي زائداً في ضعف الحديث.
خلينا نشرح هذا المثال يا شباب، ناخد المثال كده واحدة واحدة: كقول البخاري مثلاً في ذواد بن علبة الحارثي، يبقى الآن يا شباب ذواد بن علبة ده هو اللي إحنا نريد أن نعرف حاله، قال: يُخالَف في حديثه، تمام، وقلت لكم ينفع يُخالِف في حديثه، يعني يخالف الثقات أو يخطئ أو يخالفه غيره. استدل له -يعني البخاري حكم هذا الحكم يا شباب إنه يخالف في حديثه- طيب استدل بإيه يا شباب؟ استدل بقوله: حدثنا ابن الأصبهاني قال: حدثنا المحاربي عن ليث -ده ليث بن أبي سليم يا شباب وهو فيه ضعف- عن مجاهد قال: قال لي أبو هريرة: يا فارسي اشكم درد. دي كلمة فارسية يا شباب، هو حتى ذاكر لك معناها تحت، يعني ألم البطن، اشكم درد يعني بطني وجعاني. قال ابن الأصبهاني: ورفعه ذواد، يعني ذواد خلى هذا الحديث مرفوعاً، واضح؟ يعني إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قاله يا شباب، فاهمين كده؟ كلمة مرفوع يعني النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قال ذلك. قال: وليس له أصل، أبو هريرة لم يكن فارسياً إنما مجاهد فارسي. يعني إيه؟ يعني بعض الرواة خلى إن النبي صلى الله عليه وسلم هو اللي قال لأبي هريرة: يا فارسي اشكم درد، وده مش صح لأن أبو هريرة أساساً مش فارسي، واضح؟ لكن مجاهد هو اللي فارسي، فالصحيح إن أبو هريرة هو اللي قال كده لمجاهد، مش إن النبي صلى الله عليه وسلم هو اللي قال كده لأبي هريرة، فهمنا كده يا شباب؟ فبالتالي يكون هذا خطأ.
طيب، هذا الخطأ يا شباب احتمال إن هو يكون من كذا واحد، احتمال إن هو يكون من ذواد، وممكن يكون من غيره، فممكن يكون من ليث بن أبي سليم لأنه ضعيف، لكن نحن تأكدنا أنه ليس من خطأ ليث، لأن ليثاً رواه من طريق آخر صحيحاً، بينما هو خطأ ذواد لأن ذواداً هو الذي لم يُوافَق على روايته، بينما ليث ضبطه من طريق آخر. فواحد بيقول إيه؟ الشيخ هنا بيقول لك: طب لماذا لا نجعل هذا الخطأ خطأ ليث؟ فهو بيقول لك: نعم، يمكن أن نلصق الخطأ بأضعف راوٍ في الإسناد إذا لم يكن هناك قرينة على أن غيره هو المتحمل للخطأ. يعني إيه يا شباب؟ يعني مش عشان فيه راوٍ ضعيف يبقى لازم يكون هو اللي غلط في الرواية، لا، ممكن يكون ضبط الرواية ويكون الخطأ من شيخه أو ممن روى عنه من تلميذه، فهمنا يا شباب؟ فمش لازم عشان الراوي ضعيف يبقى كل رواياته تكون ضعيفة، لا، ممكن يكون فيه خطأ من جهة روايته لكن ليس منه، وإنما من غيره.
تنبيه: هذه الطرق ربما عُرِف بها أيضاً كذب الكذابين، ولكشفهم طرق تزيد على هذا ذكرتها في الحديث الموضوع ولم أذكرها هنا من أجل أن الكذب فسق يقدح في العدالة لا في الحفظ، وهذا المقام إنما هو لبيان ما كان يتبعه النقاد لتمييز حفظ الراوي. طبعاً هو في الحديث اللي فات يا شباب ذاكر لك في الحاشية -ودي ميزة في الكتاب جداً- ذكر لك في الحاشية أن هذا الحديث لا يثبت مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها فوائد يمكن أن ترجع إليها إن شاء الله.
طيب، حكم تحمل الحديث في الصغر: قال: العبرة بالضبط والتمييز. طبعاً الآن يا شباب نتكلم عن ماذا؟ عن مسألة فرعية، الراوي إذا عرفنا أنه تحمل الرواية، طبعاً إحنا عندنا يا شباب الراوي بيمر بمراحل ثلاثة: بمرحلة التحمل ومرحلة الضبط ومرحلة الأداء، يعني الإنسان بيستمع إلى درس، وبعدين يضبط هذا الدرس، وبعدين يبلغه للناس، تمام كده؟ وممكن تختصرها في مرحلة التحمل والأداء، فنحن الآن نتكلم عن التحمل: إذا كان الراوي قد تحمل الحديث وهو في سن صغير فهل يقبل تحمله هذا أم لا؟ طبعاً يا شباب إحنا نحتاج نعرف ما هو هذا السن الصغير؟ يعني هل نقصد مثلاً ثلاث سنوات أو خمس سنوات أو إيه بالضبط؟ فنقرأ: قال: العبرة في الرواية بالضبط والتمييز والقدرة على الأداء بعده على الوجه الذي سمع الراوي، فإذا كان في سن لم يمنعه من ذلك فسماعه صحيح. خلاص؟ يعني هو المشكلة كلها اللي إحنا عايزينها إيه؟ إن الإنسان ينقل الرواية كما تحملها، صح؟ طب ده ممكن يحصل للطفل اللي عنده ثلاث سنوات، ممكن يكون عندك طفل عنده ثلاث سنوات يؤدي الكلام بالضبط كما قلته له، واضح؟ يعني أنت قلت له: روح قل لأمك كذا كذا، بيروح يقول لها بالضبط، فهذا يعد ضابطاً، يبقى ابنك كده يا عم من الثقات، فهمنا؟ فهو ده الذي نريده، لأن بعض الناس اشترط سناً معينة، يعني تشدد في ذلك، وواقع الرواية يؤكد أن كثيراً من الرواة الذين سمعوا في سن صغيرة جداً كانوا ولما قاس النقاد رواياتهم على رواية غيرهم من الثقات وجدوها موافقة.
قال القاضي عياض: متى ضبط ما سمعه صح سماعه ولا خلاف في هذا، وهو في الصحابة جماعة كانوا صغاراً يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم وقد سمعوا منه ورووا عنه، منهم الحسن بن علي -رضي الله عن الجميع- وعبد الله بن الزبير، والمسور بن مخرمة، وعمر بن أبي سلمة، والسائب بن يزيد، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، والنعمان بن بشير وغيرهم، هؤلاء المذكورون ليس فيهم يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم من كان بلغ عشر سنين. وهناك جماعة من الصحابة ثبت لهم شرف الصحبة لكن لم يثبت لهم سماعهم من النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم أدركوه صغاراً لا يميزون، منهم محمود بن لبيد على الأصح.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي: متى يجوز سماع الصبي في الحديث؟ فقال: إذا عقل وضبط. يا سلام! شوف الإمام أحمد لم يحددها بسن، لم يقل إذا كان عمره عشر سنين، أنت ممكن يكون عمره عشر سنين وهو أصلاً ما بيحفظش بينسى، أو مغفل أو مش مهتم بالضبط، لا، هو قال: متى عقل وضبط، لما عرفنا إن هو بيميز وبيحفظ، الاتنين دول: بيميز وبيحفظ.
قال: قلت: فإنه بلغني عن رجل سميته أنه قال: لا يجوز السماع حتى يكون له خمس عشرة سنة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم رد البراء وابن عمر استصغرهم يوم بدر، فأنكر قول هذا وقال: بئس القول! يجوز سماعه إذا عقل، فكيف يصنع بسفيان بن عيينة ووكيع؟ وذكر أيضاً قوماً. شوف هنا في فوائد يا شباب، عبد الله بن الإمام أحمد طبعاً روى عنه المسائل والسؤالات، يعني كان يسأله في المسائل الفقهية وفي العلل وفي الرجال، وطبعاً روى عن أبيه المسند، مسند الإمام أحمد، فعبد الله بيقول له: إمتى نقبل رواية الراوي الصغير؟ قال لك: متى عقل وضبط، يعني ذكر هنا المناط. الإمام عبد الله بن أحمد من أدبه قال له: طيب ده فلان بيقول، ما رضيش يسميه يعني، وده مهم جداً يا شباب إن أحياناً أنت لا يلزم وأنت تعرض فتوى أو مقالة من شخص لشخص لا يلزم أن تذكر له الشخص القائل لأمرين: إما أنك تجعله يقدح فيه إذا كان مخطئاً عنده، أو تجعله ينبهر به ويخاف من مخالفته، لا، الصواب أن تقول له: سمعت بعض الناس يقولون كذا، لكن أحياناً تحتاج أن تذكر من حدثك أحياناً، والإنسان العاقل يميز بين الحالين.
فبيقول له: ده في واحد غيرك بيقول لازم الطفل أو الشخص ده يتم خمسة عشر سنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم رد بعض الصحابة في بدر. طبعاً ده قياس باطل، ليه؟ كيف تقيس الغزوة على الرواية يا شباب؟ أنت ممكن تعتمد على ولدك في شيء ولا تعتمد عليه في شيء آخر، واضح؟ أنت نفسك لما بتيجي تقول له مثلاً: ركب اللعبة الفلانية دي، وهو بيعرف يركبها لأن دي شيء مناسب له، لكن تيجي تقول له مثلاً: روح ادفع فاتورة الكهرباء مثلاً وهو أصلاً عنده ثلاث سنوات ما ينفعش، فاهمين؟ فأنت ممكن توكل ابنك بعض الوظائف تليق به، تقول له مثلاً: روح قل لأخوك كذا أو روح اعمل كده لأنك وجدت أنه أهل لهذه المهمة، وفي غيرها لا تراه مناسباً. فنفس الكلام، أنت بتقيس الرواية على غزوة بدر؟ لا، مش صحيح، فالإمام أحمد ضرب له أمثلة واقعية بعدما خطأ هذا المناط، قال له: طيب وسفيان بن عيينة ثقات حفاظ ومع ذلك تحملوا الرواية في صغرهم.
قلت: ينكر أحمد في هذا مذهب صاحبه يحيى بن معين فإنه قال: حد الغلام في كتاب الحديث أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة، يعني كأن عبد الله بن أحمد من أدبه أنه لم يذكر لأبيه أن يحيى بن معين هو الذي قال ذلك. وقال أحمد في استدلال يحيى: إنما ذلك في القتال، طبعاً ده القتال وده الرواية، فيه فرق بين الاستدلال، أي هو استدلال غير صالح لهذه المسألة، فليست الرواية كالقتال؛ القتال يحتاج إلى قوة بدن، والرواية إنما تحتاج إلى قوة العقل، فإذا تبين من الصبي أنه يضبط فقد تحقق المقصود.
طيب، ذكر هنا طبعاً أمثلة تؤكد صحة مذهب أحمد وهو الرجوع إلى المناط، وهو العقل والضبط؛ العقل يعني التمييز يا شباب، والضبط اللي هو الحفظ. فذكر هنا أمثلة سهلة جداً تؤكد، مثلاً كـمثال أن سفيان بن عيينة ضبط الرواية وكان مميزاً، ووجد العلماء أن روايته توافق روايات الثقات مع أنه تحمل في الصغر. وله قصة جميلة جداً جداً موجودة في سير أعلام النبلاء في ترجمته، وإن كان بعض أهل العلم ضعَّف القصة لكنها عموماً قصة دمها خفيف يعني، إن هو كان بيدرس ودخل طفل صغير المجلس فالناس ضحكوا عليه، فقال لهم: ده أنا كنت مثل هذا الطفل، وقعد بقى يقول لهم: نَعْلِي كَآذَانِ الفَأْرِ -يعني كان نعله صغير- أَقْعُدُ بَيْنَهُمْ كَالْمِسْمَارِ، أختلف إلى علماء الأمصار كالزهري وعمرو بن دينار، يعني دليل، قصة لذيذة كده تبين إن هو كان سنه صغير ومع ذلك كان يختلف إلى علماء الأمصار الزهري وعمرو بن دينار وكان يحفظ عنهم، تبين أنه تحمل في الصغر يعني.
طيب، فذكروا لنا أمثلة لمن سمع في صغر سنه. قال -في صفحة مائتين خمسة وسبعين يا شباب-: فمن جرى على غمز بعض الرواة بمجرد كونهم حملوا عن بعض شيوخهم في الصغر لا يعتد بذلك كقادح في حديثهم حتى يثبت أنهم لم يكونوا ضابطين. ومن أمثلة ما لا يقبل -إذاً يا شباب ليس كل من روى في صغر سنه يكون متقناً، والعكس ليس كل من روى في صغر سنه يخطئ، العبرة بماذا يا شباب؟ بصوا يا شباب، الميزان في الرواية هو أن تؤدي الرواية كما تحملتها. طيب، كيف نعرف ذلك؟ نقيس رواياته على روايات غيره، فهمنا كده يا شباب؟ حتى أنت ابنك الصغير لما أولادك جميعاً يسمعون أمهم تقول كلاماً، فجه ولدك الصغير هذا قال: اه يا أبي أمي بتقول لك مثلاً حضَّر الفطار مثلاً، خلاص كده؟ وابنك الصغير قال لك كده، فالكبير جه قال لك: أمي بتقول لك جهز الفطار مثلاً، فأنت كده عرفت إيه؟ بتقيس رواية ده على رواية ده، ده قال لك حضر وده قال لك جهز، فلو أنت بقى ممن يقبلون الرواية بالمعنى أنت كده كده هتقوم تحضر الفطار بلا شك، فاهمين؟ أنت بتقيس رواية واحد منهم على الرواية الأخرى، يبقى هنا يا شباب صغر السن أو كبر السن مش هو المناط، لأن ممكن يخطئ الصغير وممكن يخطئ الكبير ويصيب الصغير والعكس، يبقى المناط هو يا شباب أن يؤدي الرواية كما تحملها.
في أمثلة بقى لرواة رووا في الصغر ولم يكونوا ضابطين: قال: من أمثلة ما لا يقبل ما حكاه نعيم بن حماد قال: سمعت ابن عيينة يقول: لقد أتى هشام بن حسان عظيماً بروايته عن الحسن! قيل لنعيم: لِمَ؟ قال: لأنه كان صغيراً. أخيراً قلت: إذا كان مراد بن عيينة ما فسر به نعيم من الصغر فإنه في التحقق ضعيف لأسباب ثلاثة -يعني لو كان ابن عيينة بينتقد رواية هشام بن حسان عن الحسن البصري لأن هشام كان صغيراً وقتها، طب ده كلام مش صح، ليه؟- قال: إن بعض من حُكِي عنه غمز روايته عن الحسن لم يذكر أحدٌ منهم الصغر -يعني كل الناس الذين ضعفوا رواية هشام عن الحسن البصري ما جابوش سيرة الصغر أصلاً خلاص- وثاني شيء أنه ثبت عن هشام قوله: جاورتُ الحسنَ عشر سنين، قلت: وهذا دليل مساعد يثبت السماع في الجملة من الحسن، وثالثها أن ابن عيينة نفسه قد سمع وهو صغير، فده ما هو ابن عيينة نفسه سمع وهو صغير! قال: والذي ظهر لي أن مراد بن عيينة غير ذلك، وهو أن هشاماً كان يدلس عن الحسن، وهي مظنة واردة على كل ما لا يذكر فيه السماع الصريح عن الحسن -يعني هشام بن حسان يا شباب كان يسقط بعض من عن الحسن البصري، كان بيدلس، أنتم عارفين التدليس خلاص- قال علي بن المديني: حديثه عن الحسن عامتها يدور على حوشب.
قلت: وحوشب هذا هو ابن مسلم الثقفي من كبار أصحاب الحسن وكان ثقة، فلو دلسه هشام فيما يرويه عن الحسن بالعنعنة فلا يقدح ذلك في ثبوت الروايات عنه. يعني إيه يا شباب؟ يعني لو أن راوياً يدلس عن راوٍ معين خلاص وتأكدنا أن الساقط بينهما راوٍ ثقة خلاص تقبل الرواية، ليه يا شباب؟ لأننا نخاف من التدليس خشية أن يكون الراوي الساقط غير ثقة، نضرب مثالاً: لو أننا تأكدنا أن حميداً الطويل يدلس عن أنس مثلاً، أو قتادة يدلس عن أنس، لكننا وجدنا أن قتادة فيما يدلس فيه عن أنس يسقط ثابت البناني، يعني قتادة أخذ عن ثابت عن أنس، خلاص يبقى كده الرواية صحيحة لأن ثابتاً ثقة.
طيب، قال: اثنين: قول يحيى بن معين في أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي الأسود: ما أرى به بأساً، ولكنه سمع من أبي عوانة وهو صغير، وقال: قد كان يطلب الحديث. قلت: أبو بكر هذا ثقة حافظ، فغمزه ابن معين بغير مغمز، وإلا فأين ما رواه عن أبي عوانة ولم يضبطه؟ غمز يحيى بن معين لأبي بكر في روايته من أبي عوانة ليس جيداً، لأنه غمزه بالصغر، والصغر ليس سبباً في ألا يضبط الإنسان، واضح؟ يمكن أن يكون... يعني إحنا عندنا مثلاً إسحاق بن إبراهيم الدبري هو الذي روى كتاب المصنف عن عبد الرزاق، تعرفوا مصنف عبد الرزاق يا شباب؟ أحد دواوين السنة العظيمة الكبيرة، الذي روى لنا هذا الكتاب هو إسحاق الدبري، إسحاق سمع الكتاب ده وهو عنده أربع سنوات، يعني سمع الكتاب وهو عنده أربع سنوات أو خمس سنوات أو ست سنوات، يعني هو نفسه بيقول: مات عبد الرزاق... إبراهيم الحربي بيقول -خلينا نجيب القصة من أولها يا شباب، خلينا نمشي بالترتيب-:
قال: ثلاثة: وقول الحافظ محمد بن مسلم بن وارة -هو كاتب بالتاء، لا، غلط، هي وارة، الهاء دي كانت موجودة في بعض البلدان- قال في عمرو بن هاشم البيروتي: كتبت عنه، كان قليل الحديث. قيل له: ما حاله؟ قال: ليس بذاك، كان صغيراً حين كتب عن الأوزاعي. قلت: هو صدوق، قال فيه ابن عدي: ليس به بأس، وما قاله ابن وارة تليين، وإنما يكون اللين من جهة الضبط، ومجرد الصغر لا ينافي. قال: أما بعد عصر التدوين ومصير الناس إلى رواية الكتب والأجزاء فإن المتأخرين سهلوا في السماع في الصغر، ومن أقدم ذلك سماع إسحاق بن إبراهيم الدبري من عبد الرزاق الصنعاني كتبه كالمصنف والتفسير -عبد الرزاق له كتاب التفسير وكتاب المصنف- وكان صغيراً -يعني إسحاق الدبري- قال الحافظ إبراهيم الحربي: مات عبد الرزاق وللدبري ست سنين أو سبع سنين. يعني تصوروا يا شباب! يعني راوي المصنف الذي اتفق على قبوله والاعتماد عليه كرواية لعبد الرزاق هو شخص مات عبد الرزاق وهو عنده ست سنين، يعني سمع وهو عنده كم سنة؟ أربع سنين، خمس سنين.
قال ابن عدي: استُصغِر في عبد الرزاق، أحضره أبوه عنده وهو صغير جداً، فكان يقول: قرأنا على عبد الرزاق، أي قرأ غيره وحضر صغيراً، وحدث عنه بحديث منكر -يعني حديث من ضمن الأحاديث- قلت: والحمل في تلك النكارة على غيره، إذ في الإسناد مجروحٌ، ثم إن وجد في تلك الكتب شيء فينبغي أن يؤخذ فيها على عبد الرزاق -خلافاً لبعض أئمة الحديث- وذلك من أجل أنه اختلط بآخِرَةٍ، سوى بعض التصحيف مما أُخِذ على الدبري وليس بضاره أصل سماعه، فإنه في الجملة سماع صحيح، لذلك اعتمد من جاء من بعده على ما رواه من كتب عبد الرزاق.
يعني هو بيقول إيه يا شباب؟ يقول إن إسحاق الدبري هذا روى عن عبد الرزاق وهو صغير، وبعض الناس أنكروا عليه بعض الروايات، فالشيخ الجديعي بيقول: لما اختبرت هذه الروايات وجدت أن إسحاق الدبري ليس هو المخطئ فيها، وإن كان أخطأ في بعضها لكن هذا لا يضر أصل سماعه، وكثير من الأخطاء لا ترجع إلى الدبري وإنما ترجع إلى عبد الرزاق نفسه، لأن عبد الرزاق كان في آخر عمره اختلط، حتى الإمام أحمد يا شباب الإمام أحمد يعني هو ويحيى بن معين لما هم الاتنين ذهبوا إلى عبد الرزاق ليتعلموا منه بينوا أن عبد الرزاق في آخر عمره اختلط.
آآ وإن كان طبعًا آآ عبد الرزاق في الجملة هو من جملة الثقات، ولكنه في آخر عمره تغير حفظه، فكأن الشيخ هنا بيقول: لا يصح أن نستنكر أصل رواية إسحاق آآ لمجرد صغره.
يبقى خلاصة ذلك، شباب، أن الرواية في الصغر لا تضر الراوي، وإنما الاعتبار هنا بالحفظ والضبط؛ فليس من كان كبيرًا يجب أن يكون حافظًا، وليس من كان صغيرًا يجب أن يكون غير حافظ. وهذا موجود حتى في عامة، ممكن طفل صغير يكون متقنًا لكتابه، ورجل كبير لا يحسن قراءة الفاتحة، وهكذا.
طيب، نقف هنا يا شباب. وقفنا عند صفحة مئتين وتسعة وسبعين. جزاكم الله خيرًا، وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق