السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، صباح الخير يا شباب. نبدأ بإذن الله تبارك وتعالى في الدرس الثالث عشر من قراءتنا في آخر كتاب في المرحلة الأولى من دراسة علوم الحديث، هو كتاب تحرير علوم الحديث. وإن شاء الله سيكون معنا ربما خلال هذا الأسبوع أو الأسبوع القادم شرح لتراث الأئمة المحققين في علوم الحديث؛ سنبدأ بمقدمة الإمام مسلم رحمه الله، ثم يتلوه كتاب علل الترمذي، وكتاب الرسالة للشافعي، وجماع العلم، وغيره من الكتب التي هي عيون كتب علوم الحديث.
في هذا الدرس يا شباب، إحنا في صفحة ثلاثمائة وثلاثة وعشرين. في هذا الدرس يا شباب الحديث عن أئمة الجرح والتعديل، اختار المؤلف منهم مجموعة اشتهر أنهم يوثقون المجاهيل؛ يعني اختار مجموعة من النقاد الذين اشتهر بين طلبة علوم الحديث أن توثيقهم ليس قوياً، يعني يتساهلون في التوثيق، مثل العجلي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن عبد البر. قيمة هذه المسألة يا شباب أنها نموذج لنقد المقالات التي تشتهر بين طلبة العلم أو بين الناس عموماً ويتلقونها دون تمحيص أو دون نقد، وهذا موجود في كل المجالات؛ تجده في الطب، في الهندسة، في السباكة، في النجارة، في النحو، في الصرف، في علوم الحديث أو غيره. تجد مقالات تشتهر بين الناس ويتلقونها كأنها مسلمات دون أن يعرفوا حجتها، دون أن يفحصوها، دون أن ينتقدوها، فيأتي أئمة أو علماء أو باحثون من هذا المجال أو من هذه المجالات فيبدؤون بنقد هذه المقالة بمعنى الاختبار؛ يعني هم لا ينقضونها بقصد ردها، ولكن يمتحنونها ويختبرونها.
من أخص هؤلاء الأئمة الذين أدعوك لقراءة تراثهم والاهتمام به، فإن ذلك يورثك ملكة نقدية حتى تعرف من أين تقول ولماذا تقول: من أخص هؤلاء الشافعي، والطبري، ومسلم، وابن تيمية، وابن هشام الأنصاري، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم كثير، ولكن هؤلاء أنصح كثيراً بقراءة تراثهم، لأن قراءة تراثهم ليس المراد منها فقط أن تتعرف على المعلومة؛ المعلومة هي آخر ما أريده منك. صباح الفل يا شيخ عبد المعطي حبيبي، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا شباب. معلش ما كنتش شايف التليفون، صباح الورد والفل والياسمين. فإحنا عندنا أئمة أدعوكم كثيراً لقراءة تراثهم، لأن قراءة تراثهم هي التي تكسبك مهارات علمية كبيرة؛ مهارات التحليل والنقد والمناقشة ومعرفة وجه الاستدلال ومعرفة التعبير عن الفكرة التي تريدها بدقة.
كذلك معنا الذهبي يدخل أيضاً في هؤلاء، وهم كثير بحمد الله، ولكن طلبة العلم للأسف اشتغلوا كثيراً بالذات بعد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، اشتغلوا واهتموا بالأبحاث ورسائل الدكتوراه؛ وهذه فيها نفع لكنه لا يمكن أن ينبل به طالب العلم. لا يمكن أن ينبل طالب علم نبت لحمه من دراسات معاصرة وأبحاث؛ وأهم سبب في ذلك أن هذه الأبحاث تعطيك نتائج جاهزة، لا تعرفك من أين أتت المعلومة ولماذا، وما حجتها، فبالتالي تتعود على البلادة وتفقد لغة العلم، لا تعرف لغة العلم. ثم إذا أتيت لتقرأ بعد ذلك كتب أهل العلم الكبار كالطبري والشافعي وابن تيمية والشاطبي وهؤلاء، تجد نفسك لا تستطيع أن تفهم؛ لذلك تترك الكتاب، وده اللي بيحصل كتير يا شباب، أن كذا شخص يقول لي أنا ما أعرفش أقرأ لابن تيمية أو للشاطبي أو لابن عبد البر أو لابن حجر حتى. ليه؟ لأن هو ما تعودش على هذه اللغة، هو تعود على الكتاب اللي هو مقدمة وفصول ومباحث، والقول الأول كذا وأدلته كذا، ورد أصحاب القول الأول على القول الثاني بكذا، فتعود البلادة، تعود المعلومة اللي هي معلومة جاهزة وسريعة، فما عادش عنده خلق، ما عادش أساساً عنده طاقة أن هو يقرأ بقى ويفكر، وعايز واحد يقدم له المعلومة كده في هدية. هؤلاء الطلاب لا يمكن أن ينبل واحد منهم؛ أنا لم أجد شخصاً واحداً منكباً على وسائل التواصل أو يعيش على الأبحاث المعاصرة فقط دون أن يكون له مطالعة في تراث الأئمة وينبل، لا يمكن، هذا غير موجود. فلذلك أنا أدعوكم كثيراً لهذه الفكرة يا شباب، وهي أن يكون لكم ورد قوي، بل تكون أعظم قراءتكم في تراث هؤلاء الأئمة المحققين، كالشافعي، والطبري، ومسلم، وابن تيمية، والذهبي، والشاطبي، وابن حجر، وابن هشام الأنصاري، وأمثال هؤلاء الكبار.
طبعاً ده يا شباب هو اللي بيفرق بين المثقف والباحث المحرر. المثقف يتلقى المقالات جاهزة دون أن يعرف حجتها ودون أن يعرف ما يخالفها ودون أن يعرف من أين نشأت وكيف جاءت وما دليلها، فيسلم لها ويجعلها ديناً أو يجعلها عقيدة عنده. أما الباحث المحرر فليس عنده مسلمات سوى الوحي، الوحي فقط هو المسلمات؛ ما دون الوحي فإنه قابل لأن تعرف وجهه من أين جاء ولماذا وكيف نشأ وهكذا. عندنا هنا مثال لما انتشر بين طلاب علم الحديث مؤخراً، أن جماعة من النقاد الذين يكثر كلامهم في الرواة يتساهلون؛ يعني يوثقون المجاهيل، يعني بيكون الراوي عنده مجهول مثلاً، أو الراوي حاله ضعيف فهو يوثقه، فبالتالي هؤلاء لا يعتمد على توثيقهم. هذه هي النتيجة التي خرج إليها كثير من طلاب العلم. فالشيخ هنا بقى لأنه يكلمك عن مبحث الجرح والتعديل ونقد الرواة، بعدما كلمك عن أكابر النقاد المعروفين بالنقد كشعبة، وابن مهدي، والقطان، وأحمد، وابن معين، وأبو حاتم، ومسلم، والبخاري، والدارقطني وغير هؤلاء، بدأ بقى يكلمك عن مجموعة انتشر بين طلاب العلم أنهم يتساهلون في توثيق الرواة، فبالتالي لا تعتمدون على توثيقهم؛ فهو بقى يريد أن ينقض ذلك، يعني يريد أن يختبره. قلنا يا شباب قبل ذلك أن النقد ليس المراد منه الرد، وإنما النقد هو الفحص والتمييز.
قال الشيخ صفحة ثلاثمائة وثلاثة وعشرين يا شباب: تحرير القول في تعديل جماعة من المتقدمين تنازعهم الناس. هذا مبحث قصدت به إزالة الشبهة عن منزلة بعض متقدمي أئمة الحديث؛ وجدنا من جاء من بعده يتنازع هنا في قوة تعديله من الرواة، وقصدت فيه إلى جماعة عرفوا بالكلام في الرواة، لا من له القول بعد القول. والكلام محصور في الأئمة: أحمد بن عبد الله العجلي، وأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي حاتم محمد بن حبان البستي، وأبي عبد الله الحاكم النيسابوري، وأبي عمر بن عبد البر. نلاحظ هنا يا شباب، دي فيها فائدة للباحث، وهي أنك إذا قصدت أن تبحث مسألة وأن تدرسها وأن تتعب عليها لابد أن تختار مسألة لها واقع في العلم الذي تريد أن تبحث فيه؛ فبالتالي لا تختر مسألة قتلت بحثاً، أو تختر مسألة لا ينبني عليها عمل، أو أمثلتها نادرة، ولكن اختر مسألة يكون واقعها ملموساً، يعني لها مفردات ولها جزئيات. فهو هنا بيقول إيه؟ أنا اهتممت بالرواة اللي اجتمع فيهم أو النقاد اللي اجتمع فيهم خصلتان؛ الخصلة الأولى أنهم مكثرون من الكلام، لأن في عدد من النقاد لكنهم مقلون جداً من الكلام في الرواة، فبالتالي بحث أن هو يعمل بحث خاص عنهم ده ما لوش فائدة لأن ما لهمش غير قول أو قولين أو ثلاثة؛ لكن هو قصد المكثرون من النقد الذين اختلف أو تنازع الناس فيه: هل يعتمد أو يعتد بتوثيقهم أم لا؟
خلاص هم خمسة بس إحنا عرفناهم: العجلي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن عبد البر. قال: ومعلوم عند المعتني بهذا العلم أن لهؤلاء الأئمة كلاماً كثيراً في تعديل الرواة، لكن أشكل منهم إطلاق التعديل في طائفة من الرواة هم في نظر غيرهم من النقاد مجهولون أو مجروحون. يبقى ما هي صورة المسألة عندنا يا شباب؟ لابد أن نحررها حتى نفهم وجه الكلام؛ وأنت قبل أن تدرس أي مسألة تحتاج أن تعرف صورتها عشان تعرف ما هي الأدلة المناسبة لها. صورة المسألة أننا عندنا خمسة من الذين أكثروا الكلام في تعديل الرواة؛ إحنا بنتكلم هنا عن التعديل بالتحديد، واضح؟ وليس التجريح. فهؤلاء الخمسة خلاص عرفناهم، عدد من طلاب العلم انتشر بينهم أن الخمسة دول يا جماعة يوثقون المجاهيل أو يوثقون ضعفاء، فبالتالي لا تعتمدوا على كلامهم في توثيق الرواة. خلاص كده؟ هذه المقالة انتشرت بين الناس وتلقوها كأنها مسلمة، يقول لك مثلاً: لم يوثقه إلا العجلي، والعجلي معروف بتوثيق المجاهيل، لم يوثقه إلا ابن عبد البر، وهو معروف بتوثيق المجاهيل. فهمنا يا شباب؟ فتلقوا هذه المقالة دون فحص أو تمييز وبنوا عليها عدم الاعتماد على توثيق هؤلاء. فمن هنا كانت أهمية هذه المسألة. هو الآن سيبحث: هل فعلاً هؤلاء الخمسة بهذا الأمر الذي اشتهروا به؟ فيه فرق بقى بين واحد تلقى المقالة وأخذها وسلم لها، وبين واحد تتبع كلام هؤلاء من كتبهم ويقارنه بأئمة النقد الكبار الذين يعتمد عليهم كأحمد، وابن معين، والبخاري، ومسلم، وهؤلاء.
قال: بعض الناس شكك في توثيق يحيى بن معين، ومحمد بن سعد، ويعقوب بن سفيان، والنسائي، والدارقطني، من جهة أنهم كان يقع في كلامهم توثيق المجهولين؛ وأقول: دعوى ذلك تجنٍ على هؤلاء الأئمة، فهؤلاء جميعاً من أعلم خلق الله برواة الحديث، وطرقهم في نقد الرواة غير خارجة عن طرق غيرهم، وذلك في إرجاع القول في الراوي الذي لم تعلم سيرته إلا من جهة روايته إلى اختبار مروياته؛ فإذا سلمت من النكارة حكموا بثقته. يعني بيقول إيه؟ ده كمان في ناس من أكابر الأئمة لم يسلموا من هذا النقد أو من هذا الإسقاط الخطأ، الدارقطني، ويحيى بن معين، والنسائي وغيرهم، ومع أن دول طبعاً أكابر أئمة النقد؛ فهو بيقول أنا مش هتكلم عن دول لأن دول أساساً معروف أنهم أئمة كبار، ومن له اشتغال بطلب العلم يعرف قيمة نقد هؤلاء. إنما بقى هيركز على مين؟ على الخمسة اللي إحنا قلناهم يا شباب.
قال: وأما هؤلاء الأئمة الذين سميت قبل، فالبيان هنا مقصور على تحرير طريقهم في التعديل للرواة الذين يعدهم غيرهم مجهولين. أما الذين جرحه غيرهم فما من الأئمة النقاد إلا عدل من جرحه غيره، فلا ينبغي أن يكون ذلك مما يؤخذ على هؤلاء الأئمة. وإليك بيان ذلك؛ يعني بيقول محل البحث بالضبط يا شباب، صورة المسألة أن هؤلاء الأئمة وثقوا رواة قيل إنهم مجهولون؛ كلمة مجهولون يعني لم يضعفهم غيرهم، أو لم يوثقهم، يعني لم يأت إلينا كلام في هؤلاء الرواة إلا عن طريق هؤلاء، فبالتالي هم مجهولون. فهل هؤلاء فعلاً يوثقون المجاهيل؟ هو لا يتكلم هنا أن يكون هؤلاء الأئمة وثقوا من ضعفه غيرهم، لا، هو بيركز على أن هؤلاء هل لهم توثيق للمجاهيل الذين لم يقل فيهم جرح أو تعديل من غيرهم.
هيبدأ بمين بقى يا شباب؟ هيبدأ بالعجلي. قال: طريقة العجلي، أطلق بعض المتأخرين أن العجلي يوثق المجهولين، وقد تتبعت كتاب العجلي المسمى معرفة الثقات من رجال أهل العلم والحديث ومن الضعفاء وذكر مذاهبهم وأخبارهم، فوجدته في الغالب متين العبارة، موافقاً لكلام غيره من نقاد المحدثين، وذلك في تعديله وتجريحه، ويتفرد عن كبار الأئمة بتوثيق من لا يوجد لهم فيه توثيق، كما يشذ في قوله عنهم وهو في شيء قليل. يبقى الراجل بيقول لك إيه؟ بيقول لك بدايةً أنا لم أبني كلامي في العجلي إلا بعدما استقرأت كتابه وقارنته بأكابر الأئمة، فبيقول: وجدته متين العبارة، موافقاً لغيره من نقاد الحديث؛ خلاص؟ في التعديل والتجريح، وأحياناً ينفرد عنهم بتوثيق من لا يوجد لهم توثيق، يعني بينفرد في توثيق رواة لم يتكلم فيهم غيره، خلاص؟ ووجدت أيضاً يشذ، ولكن شيء قليل، يعني وجدته يخالف أحياناً ولكن هذا كان قليلاً. قال: وأقول إذا أنصفت وجدت عامة كبار النقاد يتفرد أحدهم بتعديل لا يقوله غيره، ويخالف الجمهور في الشيء بعد الشيء، فإذا عددناه مأخذاً على العجلي لزم أن يؤخذ على يحيى بن معين، وأبي زرعة، وأبي حاتم الرازي، وغيرهم؛ لذلك فالواجب أن يُعتبر له نقده، فإن جاءت عبارته على الموافقة لعبارة سائر النقاد فذاك ظاهر القبول، وإن خالف أخضعنا قوله لقواعد الترجيح عند اختلاف الجرح والتعديل، وإن انفرد وجب قبول قوله والاحتجاج به كغيره حتى يتبين بالحجة خطؤه.
هو الراجل هنا أداك فائدة جميلة جداً، بيقول لك إحنا عندنا ثلاث أحوال في هؤلاء الأئمة المكثرين الذين لهم كلام في الرواة: الحالة الأولى أن هو يوافق باقي النقاد، خلاص، يبقى دي خير وبركة. الحالة الثانية أن هو يخالفهم، فإذا خالفهم نشوف مين فيهم الأرجح، يعني لا نترك قوله ونقول غير معتبر، لأ، نقارن، شوف حجة كل واحد فيهم. طب لو انفرد؟ لو انفرد وجب أن نقبله؛ لماذا؟ لأنه علمنا أنه يوافق الرواة أو النقاد في باقي الروايات أو في باقي الحكم على الرواة، فلماذا لا نعتبر بقوله؟ لا نعتبر بقوله ونجعله حجة إلى أن يأتي قول آخر أو إلى أن تأتي قرينة تدل مثلاً على نكارة في رواية الراوي الذي وثقه.
أو تدل على خطأ حكمه في الراوي أو نحو ذلك. قال طريقة أبي بكر بن خزيمة لم يصلنا لابن خزيمة مصنف في التعديل والتجريح، طبعاً بخلاف العجلي، العجلي عنده كتاب خاص بالجرح والتعديل.
خلاص، وإنما له في ذلك عبارة منثورة في صحيحه وفي كتاب التوحيد له؛ يعني ابن خزيمة له كتاب الصحيح الذي هو صحيح ابن خزيمة، ده كتاب خاص بالأحكام.
وعنده كتاب آخر كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب، يرد فيه على الكلابية والمعتزلة وغيرهم الذين ينكرون الصفات، قال وقد اشترط فيه الصحة كذلك، وأيضاً ما يستفاد من احتجاجه بحديث الراوي كتوثيق على ما تقدم ذكره.
وفي الأصل السابع من المبحث السابق الذي هو أن العلماء الذين اشترطوا سبق أننا أخذناه في الدرس الذي فات يا شباب، العلماء الذين اشترطوا الصحة في كتابهم يعد تخريجهم للحديث توثيقاً للرواة الذين شملهم الإسناد. قال والذي وجدت بعض المتأخرين أعابه على ابن خزيمة أنه كان يوثق المجهولين، كذا زعم، وهو ادعاء منتقد من جهة؛ الأولى أنه لا يعاب ناقد من أئمة الحديث بالقول يوثق المجهولين، لأنه ما من النقاد أحد وثق راوياً إلا وقد أخرجه بذلك التوثيق من جملة المجهولين، ولكن بما قام له من الحجة على ثقته بناءً على ما هو معلوم من تمكن ذلك الناقد في الصنعة. يعني إيه؟ يعني ما ينفعش تيجي تقول إيه ده فلان ده بيوثق المجاهيل، لا، هو معنى أن هو وثقه إذاً خرج عن حد الجهالة؛ ما هو كلمة الجهالة معناها أنه شخص مش معروف أو مش معروف حاله، أما أن عينه ليست معروفة أو حاله ليس معروفاً، فإذا وثقه عالم صار معروفاً لدى هذا العالم، فكيف تقول يوثق المجاهيل؟ كلمة يوثق المجاهيل معناها أن ذلك الراوي مجهول عنده ومع ذلك وثقه، واضح؟
فهذا النقد أساساً خطأ. الثانية: وجدنا ابن خزيمة في الواقع جرح رواة بالجهالة ورد حديثهم بذلك في مواضع عدة من كتابيه؛ فلو كان الأصل عنده إجراؤهم على الثقة والعادات لم يكن لجرحه بالجهالة معنى. يعني إيه؟ يعني بيقول لهم أنتم تدعون أن ابن خزيمة يوثق المجاهيل عنده، يعني أنتم بتقولون إنه أساساً ما بيكونش عارف حال الراوي ومع ذلك يوثقهم، هذا ليس صحيحاً، الدليل؟ الدليل طبعاً ذكرنا الدليل الأول أنه ما معنى أنه وثقهم فمعناها أنهم صاروا معروفين عنده، طيب المعنى الثاني بقى أنه هو نفسه يجرح جماعة بكونهم مجهولين، يبقى ده يفيد إيه؟ ده يفيد أنه لما بيكون مش عارفهم بيحكم عليهم بأنهم مجهولون ويجعل ذلك جرحاً لهم. قال لكن حقيقة الأمر أن توثيقه لمن وثقه أو احتجاجه به مبني على الخبرة بأمر ذلك الراوي وتحقق سلامة حديثه عنده من النكارة، يبقى إيه؟ يبقى لما هو يوثق راوياً لا يصح أن تقول هو يوثق المجاهيل، خلاص، لأنه قد عرفه وهو نفسه يرد رواية من لا يعرفه أو من ليس للنقاد فيه كلام، يبقى الواجب أن تقبل كلامه إلا لقرينة.
قال طريقة ابن حبان، هو أشهر من عيب عليه من النقاد التوسع في التعديل وتحرير القول في ذلك فيما يلي. أشهر واحد قيل أنه يوثق المجاهيل هو مين؟ هو ابن حبان. قال اعلم أن ابن حبان رحمه الله ألزم نفسه بتقسيم النقلة إلى ثقات ومجروحين وصنف كتابي المجروحين، كتابيه المعروفين في اللي هو كتاب الثقات وكتاب المجروحين، فكان يجعل كل من وقف على اسمه منهم في واحد من القسمين، يعني كل ما يعرف راوياً إما يحطه هنا أو يحطه هنا، أما يحطه في المجروحين أو الثقات، وأحياناً ينقلهم، يعني أحياناً يقول إيه؟ يحول من الثقات أو يحول من المجروحين مثلاً. قال فإذا كان الراوي ظاهر الأمر عنده في الثقة أو يقرب من ذلك أو يرجح إلى جهته يدخله في الثقات، وإذا كان ظاهر الأمر في المجروحين أو يقرب منهم أو يرجح عنده جرحه فهو من المجروحين، فهو في المجروحين وهذان ظاهران، يبقى إيه؟ واضح قوي كده أن لو الراوي عنده ساقط أو ضعيف بيحطه في المجروحين، ولو الراوي يقرب من الثقة يضعه في الثقات، طبعاً الثقات مراتب والضعفاء مراتب، واضح يا شباب؟ قال وطائفة هي محل تردده؛ فيه بقى طائفة هو محتار، يا ترى يحطهم هنا ولا هنا؟ نيجي هنا يقول لنا هناك، وهناك يقول لنا هنا.
ماشي؟ قال وطائفة هي محل تردده فربما مال إلى إدخالهم في الثقات ونبه على ما يؤخذ عليهم كالخطأ فيقول يخطئ، وربما قال يخطئ كثيراً، وربما عدهم فيهم وهو يستخير الله في قبول حديثهم، وهو يدخل الرجل ممن تردد فيه في المجروحين فيصفه أيضاً بكونه يخطئ أو يخطئ كثيراً أو ربما علق أمره على الاستخارة. يعني إيه يا شباب؟ إحنا أو أهم فائدة عندنا هنا أن نعلم أن الباحث المحرر يختلف تماماً تماماً عن إنسان مثقف، الإنسان المثقف يتلقى المقالات المشهورة وكأنها مسلمات، خلاص، وتلاقيه كل شوية بيتلون في الاختيار دون حجة، أما الباحث المحرر فيأتي إلى العلم الذي يريد أن يبحثه فيأخذ هذه التي يقال إنها مسلمات ويبحثها، عندنا مثلاً أمثلة لهؤلاء منهم الشيخ مساعد الطيار مثلاً في علوم التفسير من أحسن المحررين والباحثين، عندنا كذلك من الباحثين المتميزين في علوم الحديث عبد الله بن يوسف الجدية، محمد عمرو عبد اللطيف، حاتم بن عارف الشريف، اللواء حاتم العوني، وغيره مثلاً في علوم العقيدة مثلاً الدكتور يوسف الغفيص، وهكذا، ففي باحثين شباب متميزون جداً يعتنون بالاتيان إلى هذه التي يقال إنها مسلمات فيضعونها في ميزان النقد بنفس قوائم وقواعد أئمة العلم. فهو هنا بيقول لك إيه؟
بيقول لك أنا لما قرأت الكتابين دول، يبقى هو قرأهم وتتبع أقوال ابن حبان فوجد أن ابن حبان أحياناً يضع الراوي في الثقات لكن ينبه أنه يخطئ، لكنه في الجملة يدخل في الثقات، وأحياناً يقول أنا أستخير الله فيه وأحياناً يتردد، فبالتالي بقى حينما أنت تأتي دون أن تبحث في كتابه بل دون أن تقرأ الكتاب أصلاً، دون أن تقارنه بغيره، دون أن تتبع الرواة، يبقى أنت كده كذاب، يبقى أنت كده بتدعي أشياء وتقفو ما ليس لك به علم، يبقى الأولى يا شباب أن كل مقالة لم تختبرها بنفسك أو على الأقل لم تبحث أو لم تقرأ فيها كتباً محترمة لا تتبنَّ الأقوال فيها، وهذا القطع المنتشر بين طلاب العلم من السرعة في الجزم أو السرعة في الإنكار، هذه ظاهرة تدل على قلة الورع وضعف العلم، تجده يقطع بصحة أشياء ويقطع ببطلان أشياء، عنده جرأة على القطع غير عادية، مع أنك حينما ترى العلماء -يعني أنا كنت مع الشباب قريباً شباب في أوسلو في كتاب الرسالة- وهم أنفسهم بقيت كل ما نعدي على موضع يقول فيه الشافعي هذا والله أعلم ولعله كذا ولعله كذا، قلت لهم شفتوا كم موضع؟ قال لعله، يمكن، احتمال، ليه؟
لأن العالم الورع الذي يخاف الله ويدرك قيمة الكلمة يعرف أنه مسؤول، فمش هيكون عنده هذا التسرع لا في القبول ولا في الإنكار، دائماً هتجده لما يكون بحث المسألة وقتلها بحثاً يقطع تمام، ولما يكون المسألة متوسطة بالنسبة له أو يشك فيها أو يحتملها ستخرج عبارته تدل على بودي، إنما نحن لقلة ورعنا ولقلة علمنا نجزم ونقطع، ويريد كل واحد منا أن يكون له في كل نازلة أو مسألة أو شيخ أو طائفة يريد أن يكون له قول فيهم، مش ممكن يعدي حدث إلا ويريد أن يعلق عليه ويجزم، يبقى الناس نفسها التي عايشة في حدث مترددة لكن هو عنده ثقة غير عادية، وبعد يوم أو بعد ساعة أو بعد ثانية يكتشف أن كلامه كان غلط فيرجع تاني يغير كلامه وهكذا.
لأ يا شباب، خصلتان يحبهما الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، الحلم والأناة؛ الحلم هو الحلم في تصور الأمر، والأناة هي التأني في إصدار الحكم، يبقى الحلم والأناة جميلة جداً، أنت حصل حدث معين أو حدثت واقعة معينة، في إنسان بيتسرع دون أن يتصورها فيصدر الحكم، فيبقى عنده خطأ من جهتهم أنه لم يحسن التصور وأنه تجرأ في الحكم، فهذا الشخص حتى لو أصاب الحق فهو آثم، وهذا يعني كأنه شبه اتفاق بين العلماء أن كل من تكلم في مسألة دون أن يعرف حجتها حتى لو وافق الصواب فهو آثم ولا يؤجر على اجتهاده وحكمه، لأنه تكلم بغير علم، والعكس لو أن الإنسان اجتهد في تصور المسألة وأراد الحق ثم أخطأ فإنه يؤجر على اجتهاده، يبقى دي يا شباب لا بد أن تكون خصلة فينا كباحثين أو كمسلمين بشكل عام، الحلم والأناة، الحلم في التصور والأناة في إصدار الحكم، وكلما كان الإنسان حليماً في التصور كلما اقترب من صحة الحكم، وكلما كان متأنياً في الحكم قل خطؤه في الكلام، ومن كثر كلامه كثر خطؤه.
طيب، قال فمثاله، هيجيب لك بقى أمثلة على إيه؟ على ما يفعله ابن حبان من هذا الباب. قال إبراهيم بن سليمان الزاد، قال مستقيم الحديث إذا روى عن الثقات، ثم قال وهو أقرب من الضعفاء وهو ممن استخير الله فيه، يعني متردد، يعني شوف الأئمة كانوا بيستخيروا الله يحط الراوي ده هنا ولا يحطه هنا، إحنا عندنا ناس بتمر قرارات مصيرية في حياتها ومع ذلك لا تستخير الله، إنما ده كان بيستخير الله في أدق الأمور. قال بينما أورد جماعة في المجروحين وهم عنده من هذا النحو منهم بهز بن حكيم، قال لولا حديث أنا أخذوه وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا لأدخلناه في الثقات وهو ممن أستخير الله عز وجل فيه، يعني يقول إن لكون هذا الحديث منكراً أنا مش هقبله ولذلك أنا وضعته في الضعفاء. قال جعفر بن الحارث أبو الأشهب، قال كان يخطئ في الشيء بعد الشيء ولم يكثر خطؤه حتى يصير من في الحقيقة، ولكنه ممن لا يحتج به إذا انفرد وهو من الثقات يقرب وهو ممن أستخير الله فيه، يعني ده من الأمثلة التي تبين لك أنه لما بيكون متردد يبين تردده.
يبقى بالتالي يا شباب الذي يقول إن ابن حبان يوثق جزافاً أو يوثق المجهولين، قول هذا لا بد أن يأتي فيه بحجة، وإلا فهذا الرجل نفسه يبين أنه يتردد أحياناً وأنه يفصل أحياناً، فحينما أنت تأتي إلى عالم مثل ابن حبان له كتابان كبيران عظيمان في أبوابهما كتاب الثقات والمجروحين، ثم تريد أن تحكم عليه بأن توثيقه لا يعتد به إذا لم يتابع عليه أو إذا انفرد، يبقى هذا صراحة تجني كبير جداً. قال وقال نحواً من ذلك في خالد بن يزيد بن أبي مالك الدمشقي وخصيف بن عبد الرحمن الجزري وسويد بن عبد العزيز ويحيى بن أبي بلج الفزاري، قال ومن كانوا على هذه الصفة فهم موضع تردد، وتردد ابن حبان يجعلهم في الثقات أو في الضعفاء، وهؤلاء لا تجعل قوله حكماً فيهم، إنما يدفع تردده بقول غيره من النقاد فيصار بالراوي إلى الثقات أو إلى الضعفاء، يعني هو خلاصة الكلام يا شباب أن تعتبر، فقوله هو ما بيقولكش احتج بقوله لوحده، لأ، اعتبره، يعني حطه في دماغك وأنت بتبحث، مش تيجي تاخد المسلمة أنه رجل بيوثق المجاهيل وتركن بقى كل أحكامه على جنب، لأ، اعتبر بها، هل وافق؟ هل خالف؟ هل انفرد؟ قال ومما يؤخذ عليه أنه أورد جماعة من الرواة في الكتابين جميعاً، يعني أحياناً يضع الراوي هنا وهنا في الثقات والمجروحين مما يعد منه من تناقضه، منهم إسماعيل بن محمد بن جحادة اليامي وزريق أبو عبد الله الألهاني الشامي وزياد بن عبد الله النميري وسعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك الأموي وسهل بن معاذ بن أنس الجهني وعبد الواحد بن نفيع أو نافع بن علي أبو الرماح الكلاعي وعمر بن إبراهيم العبدي وعمران بن ظبيان الأسلمي وكنانة بن العباس بن مرداس السلمي، يعني بيقول إن دول أوردهم هنا وأوردهم هنا.
قال وما وقع فيه ابن حبان من ذلك فليس تردداً بل هو خطأ، وصواب قوله يتميز بحكم غيره، أما قوله أو ما قوله وهو فحيث تناقض فقد تساقطا إذ أبطل أحدهما الآخر، يعني بيقول طب نعمل إيه إحنا بقى في الرواة اللي هو ذكرهم هنا وهنا؟ الرواة دول الأصعب أننا لا نعتمد على حكمه فيهم لأن هذا تردد، ونرجع إلى حكم غيره فيهم. قال نعم، ربما وقع في ذلك لظنه الفرق بين شخصين كالذي وقع منه في شأن عباد بن مسلم الفزاري فإنه أورده في الثقات وأورده في المجروحين، فقال منكر الحديث على قلته ساقط الاحتجاج بما يرويه عن مسلك المتقنين في الأخبار، وأحسبه الذي يروي عن الحسن الذي يروي عنه الثوري أبو نعيم، فإذا كان كذلك فهو مولى بني حصن كوفي يخطئ، لكن يعني عايز أقول لك أنه أحياناً يخطئ يعني أحياناً هو يفكر الراوي اثنين بينما يكون الراوي شخصاً واحداً، وده موجود يا شباب اللي هو فيه كتاب اسمه الموضح لأوهام الجمع والتفريق للخطيب البغدادي يبين فيه أن بعض الأئمة.
أحيانا يجعلون الراوي الواحد أكثر من راوٍ أو يجعلون أكثر من راوٍ راوياً واحداً. طيب، قال: لكن يبقى صنف من الرواة ليسوا بواحد من الأقسام المتقدمة، وهم من أوردهم في الثقات ممن لا يعرف، ويبين هو نفسه في بعضهم أنه لا يدري من يكونون، وهؤلاء سبب وصفي بالتساهل. بيقول إيه بقى؟ بيقول: لا، لكن بالفعل فيه رواة أدخلهم في الثقات مع أن هو نفسه قال: أنا ما أعرفهمش. هم دول بقى السبب اللي خلى بعض الناس يطلقون عليه أنه يوثق المجاهيل.
قال: والتحقيق أن ابن حبان لمن تأمل كتابيه يجده إماماً بصيراً بالنقلة. هذا بالفعل يا شباب، يعني أنا اعتنيت جداً بكتاب المجروحين، في مواضع كثيرة من الرواة الذين أبحثهم وجدته عنده نقد بارع جداً في الراوي، لا يكتفي فقط بذكر حال الراوي بل يذكر نقد الرواة السابقين؛ أقصد النقاد السابقين كأحمد ويحيى وغيره، ثم يأتي من روايات الراوي ما يشهد لنكارة حديثه وضعفه، فهو إمام بصير. قال: والتحقيق أن ابن حبان لمن تأمل كتابيه يجده إماماً بصيراً بالناقلة التي يعرضهم على موازين النقد ويحرر أحوالهم في الرواية من خلال مروياتهم، وهو ذاته منهج متقدمي الأئمة؛ يعني يحكم عليهم من خلال الحكم على رواياتهم.
طيب، قال: وهو في إيراده هذا الصنف من الرواة في الثقات، فمن أجل أنه جعل الأصل في كل راوٍ لم يظهر في روايته ما يطعن فيه لأجل اللحاق بالثقات، وإن كان لا يدري من يكون ذلك الراوي. يعني الشيخ هنا بيقول إيه بقى؟ بيقول لك هو لما وضع الراوي الذي لا يعرفه في كتابه، هل معناها أنه ما يعرفش الراوي ده خالص؟ لأ، معناها أنه ما يعرفش حال الراوي لكنه يعرف مرويات الراوي، ومن هذا المنطلق حكم عليه. أليس الحكم على الراوي مستمد من الحكم على روايته؟ فهو حكم عليه من خلال روايته وإن كان لا يعرف من هو. بمعنى تصور كده لما أنت تيجي تقول لي: إحنا عندنا شيخ في المنطقة يكلمنا عن الله ويذكرنا بالجنة والنار، ويكلمنا عن النبي صلى الله عليه وسلم وحب الصحابة، ويعلمنا التقوى والعمل الصالح؛ آه ما رأيك فيه؟ أنا اللي ما أعرفوش، أنا لا أعرف هذا الشيخ، لكن من خلال ما ذكرت أنت لي عنه حكمت أنه ثقة، بمعنى أن هذا الرجل فيه خير فاتبعه واسمعه. كما أن هرقل حكم على صدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يراه، لما سأل عن دعوته وعن أتباعه وسأل عن صفاته وخصاله؛ فمش لازم أنك تكون عارف عين الشخص عشان تحكم عليه، يكفي أن تكون صورة تحكم بمقتضاها، فهو الشيخ هنا عايز يقول هذا الكلام.
عايز يقول: هو حكم عليه من خلال الروايات. قال: وحيث علمنا أن ابن حبان إذا لم يثبت عنده كون الراوي مجروحاً فإنه يدخله في الثقات، وأنه أدخل فيهم من لا يعرفه؛ فهذا المنهج لا يعني -ما ينفعش نأخذ منه- لا يعني أن من في كتابه من هؤلاء فهم ممن يحتجون بهم، بل فيهم من هو حجة، وفيهم من هو دون ذلك ممن هو صالح للاعتبار؛ يعني متوسط لا يقبل تفرده لكن يقبل إذا توبع. قال: والمستورون والمجهولون الذين لم يثبت عليهم فيما رووا حديث منكر، يحتملونهم؛ يعني ما تأكدنا أنه أخطأ أو أنه أنكر عليه رواية معينة، واضح لم يثبت أنه هو الذي وقع في روايته النكارة. قال: فهؤلاء يعتبر بحديثهم لغيره؛ يعني يمكن أن تتقوى روايتهم، وربما خرج حديث في الصحيح متابعة، وهذا منهج لا يعرف فيه اختلاف من حيث الجملة. يعني بيقول أن فكرة أنه يقبل للراوي الذي لم يجد في حديثه نكارة ويجعله صالحاً للاعتبار، هذا عليه أكثر الأئمة أو ربما كل الأئمة. قال: ولم يوجه لعيب ابن حبان بهذا خلافاً لما جرى عليه طائفة من المتأخرين.
مشكلة كثير من المتأخرين يا شباب أو طلاب العلم المعاصرين هي في الجرأة على إصدار الأحكام والقطع، ومشكلتهم الأعظم أنهم أساساً ما بيقرأوش كلام الأئمة المتقدمين؛ يعني هم بياخدوا المقالات دي، وسبحان الله أنا وجدت كثيراً والله يا شباب الباحث الذي يتعب على البحث تكون عبارته لينة ورقيقة، بخلاف الإنسان الذي لا يتعب في البحث تجده جريئاً. تجد مثلاً عالماً كبيراً تقياً ورعاً يتكلم في حدث من الأحداث النازلة لعلها ربما تحتمل، وممكن، ومع أنه عنده علم كبير وعنده علم بالواقعة؛ بينما تجد الشباب اللي هم ما عندهم طاقة أساساً لتصور المسألة، ولم يقرأوا كتاباً واحداً لا في الفقه ولا في العقيدة ولا في أي شيء، ولا عندهم تصور للحدث وما عندهمش أساساً خُلُق أنهم يتتبعوا الأحداث، تجده أول ما الحدث ينزل يحلل هذا الحدث ويقطع فيه ويحلف بالله وينكر على غيره. هؤلاء هم أكثر الناس ندماً، ده لو كان عنده دم يعني؛ لو كان عنده دم وإحساس هيندم على كثرة الباطل الذي تكلم فيه وأشاعه بين الناس والأخبار المفبركة التي سارع في نشرها حتى يأخذ أكثر اللايكات أو يعمل سبق علمي؛ هؤلاء الذين لا يدركون قدر مسؤولية الكلمة أمام الله، لا يدركون معنى أن تتكلم بالكلمة تنتشر بين الناس تهوي بها في النار سبعين خريفاً.
لا يدرك معنى هذه الكلمات ولا مسؤوليتها، لذلك هو لا يؤنب نفسه؛ يفتن في كل يوم مرة أو مرتين ثم لا يتوب ولا يتذكر، مئة مرة بيكتشف أنه غلط في الخبر ده، وأن الخبر كان مفبرك، وأن الصورة كانت غلط، وأن حكمه كان غلط، ومع ذلك لا يعتذر ومستمر في نفس الخطأ، فيصير بعد ذلك يعيش على هذه اللايكات والشير ويفكر ده عمل لي كم لايك، وعايز يخطف الأنظار؛ نعوذ بالله من هذا الحال. هذا لم يكن أبداً مسلكاً للأئمة، وطبعاً لم يكن مسلكاً للنبي صلى الله عليه وسلم، بل كان يحب الحلم والأناة، وعلم الصحابة رضي الله عنهم أن من كذب عليه متعمداً فليتبوأ مقعده من النار؛ هكذا أدبهم في أدب الرواية والحكم.
طيب، قال: يبقى إحنا ما ينفعش نعيب ابن حبان بهذا الأمر الذي اشتهر دون أن نفحص هذا الأمر. قال: والراوي يلحق بالثقات ولا يحتج به منهج قديم، فهذا أبو حاتم الرازي -هيجيب لك بقى نظائر لأئمة النقد المتفق على قبول قولهم أنهم كمان أحياناً يحكمون بثقة الراوي- بمعنى أنه مقبول في الجملة يعني أنه يعتبر به يعني. قال: فهذا أبو حاتم الرازي مثلاً على تشدده يقول في محل ابن محرز: كان آخر من بقي من ثقة أصحاب إبراهيم وما بحديثه بأس ولا يحتج بحديثه، كان شيخاً مستوراً، أدخله البخاري في كتاب الضعفاء يحول من هناك. يعني بيقول إن الراجل ده كويس، واسطة "محل" هذا كويس قوي، لا بأس به، كان شيخاً مستوراً، بيقول إن البخاري دخله في كتاب الضعفاء بس الصح أنه يحول من هناك؛ يعني الصح أن البخاري ما كانش يحطه في كتاب الضعفاء. قال: وهذا يدور على أمور؛ أولها أن يكون الرجل ثقة ولا يحتج به، وثانيها المستور ثقة لا يحتج به، وثالثها من هذا وصفه لا يلحق بالضعفاء. يعني هو بيحلل هنا إيه؟ يعلمك كيف تحلل مقالات الأئمة؛ فبيقول لك كلام أبو حاتم الرازي هنا نستفيد منه أن الراجل هو ثقة ولا يحتج به، يمكن أن يتصف الإنسان بأنه ثقة ولا يحتج به، خلاص؟ يعني يعتبر به يعني نقوي روايته بغيرها. قال: والمستور ثقة، يبقى دي الفائدة الثانية أن المستور ثقة لكن لا يحتج به، يعني المستور اللي إحنا لم نكتشف في حديثه نكارة. قال: ومن هذا وصفه لا يلحق بالضعفاء، يعني اللي وصفه كده ما ينفعش تحطه في الضعفاء لأنه يوهم الناس أن هذا لا ينظر في قوله أو لا يعتبر به.
قال: وهذا في الأمرين الأول والثالث منهج ابن حبان في ثقاته في الرواة غير المشهورين بالثقة والعدالة. قال: يتأيد هذا بتفسير ابن حبان نفسه للعدالة، فإنه قال: العدالة في الإنسان هو أن يكون أكثر أحواله طاعة الله، لأنه متى لم نجعل العدل إلا من لم يوجد منه معصية بحال أدانا ذلك إلى أنه ليس في الدنيا عدل، إذ الناس لا تخلو أحوالهم من ورود خلل الشيطان فيها، بل عدل من كان ظاهر أحواله طاعة الله، والذي يخالف العدل من كان أكثر أحواله معصية الله. قلت: وهذا لا يخالف في شيء تفسير العدالة عند من تقدمه من أهل العلم، وهي العدالة الدينية. فأما العدالة الموجبة للصحة الاحتجاج بحديث الراوي، وهي اقتران الضبط إلى العدالة في الدين؛ فيبينها ابن حبان في صحيحه بقوله: وقد اعتبرنا حديث كل شيخ على ما وصفنا من الاعتبار على سبيل الدين، فمن صح عندنا منهم أنه عدل احتجنا به، وقبلنا ما رواه وأدخلناه في كتابنا هذا، اللي هو كتاب الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان.
طيب، قال: وقبلنا ما رواه وأدخلناه في كتابنا هذا، ومن صح عندنا أنه غير عدل بالاعتبار -بالاعتبار يعني باختبار روايته؛ أنه بيقول أنا بختبر رواية الراوي قبل ما أحطه في كتابه- قال: بالاعتبار الذي وصفناه لم نحتج به، وأدخلناه في كتاب المجروحين من المحدثين بأحد أسباب الجرح. قلت: ومنهجية اعتبار حديث الراوي طريق عامة النقاد قبل ابن حبان وهو على الأثر فيها، يعني هو متبع لمن قبله، ويبينه في مواضع من كتابيه في الثقات والمجروحين. ومن عبارته في ذلك عن الشيخ، هنا صراحة يعني اهتم بابن حبان جداً لأن ابن حبان هو أكثر واحد اشتهر أنه يوثق المجاهيل، فهو الراجل بيدفع عنه هذه التهمة ولكن عن طريق التحري والبحث مش عن طريق الكلام وخلاص، فأتى لك ببيان أن ابن حبان متبع لمن سبقه في الحكم على الراوي، وأتى لك بحجج من كلامه على تردده أحياناً وعلى حجته التي يبديها في الحكم على الراوي، وبين أن هذه طريقة عامة الرواة، فلماذا تطلق هذا الحكم العام على توثيقه وتقول إنه يوثق المجاهيل فلا تهتم بكلامه؟ هنا بقى هيجيب لك كلام واقعي له.
قال في ترجمة عبد الله بن المؤمل المخزومي: كان قليل الحديث منكر الرواية، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد، لأنه لم يتبين عندنا عدالته فيقبل ما انفرد به، وذاك أنه قليل الحديث لم يتهيأ اعتبار حديثه بحديث غيره لقلته فيحكم له بالعدالة أو الجرح، ولا إطلاق العدالة على من لسنا نعرفه بها يقيناً فيقبل ما انفرد به، فعسى نحل الحرام ونحرم الحلال برواية من ليس بعدل، أو نقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل اعتماداً منا على رواية من ليس بعدل عندنا، كما لا نطلق الجرح على من ليس يستحقه بإحدى الأسباب التي ذكرناها من أنواع الجرح في أول كتاب. وأعوذ بالله من هاتين الخصلتين أن نجرح العدل من غير علم، أو نعدل المجروح من غير يقين. والله العظيم نص من أحسن ما يكون، كلام زي الورد ينطق شهد كده، أنت ممكن أساساً تأخذ النص ده كده وتخليه من أحسن ما قيل في ورع الأئمة في النقد، والله نص من أحسن ما يكون، الراجل مش بس بيكلمك عن جهة الرواية وجهة الفحص، ده بيكلمك عن الخوف من الله، يبين لك أن الكلام في النقاد يحتاج أمرين: الأمر الأول الخوف من الله وقيمة المسؤولية الناس اللي بتتساهل في إطلاق الأحكام على الناس، والأمر الثاني هو العلم بقواعد النقد، ما أنت ممكن تكون قاصد وجه الله لكنك جاهل بقواعد النقد، وممكن يكون العكس أنك عالم بقواعد النقد لكن عندك هوى في الحكم؛ لأ، يبقى لازم الاثنين دول القصد والعلم. والله جملة في منتهى الجمال، لذلك حتى لما كنت قرأت الكتاب، الكتاب طلع تقريباً سنة ألفين وخمسة تقريباً، الكتاب الأول أظن أنه كان سنة ألفين وأربعة، لكن أنا اشتريته تقريباً ألفين وخمسة، شوف من ساعة ما كنت قرأت وأنا معلم على الجملة دي أنها أفضل أو من أفضل الجمل التي يحكى فيها عن عدل الأئمة واتباعهم قواعد النقد.
وقال في ترجمة سعيد بن زياد بن أبي هند الداري: الشيخ إذا لم يروِ عنه ثقة فهو مجهول لا يجوز الاحتجاج به، لأن رواية الضعيف لا تخرج من ليس بعدل عن حد المجهولين إلى جملة أهل العدالة، كأنما روى الضعيف وما لم يروِ في الحكم سيان. يبقى ده يؤكد أنه لو كان الراوي عنده ضعيف يبقى لم يوثقه بل يجعله مجهولاً. طيب.
اقصد لو كان الراوي عنده غير معروف يعني يجعله مجهولاً، ثم ذكر نصوصاً أخرى يا شباب فيها نفس هذا المعنى، قلت صفحة ثلاثمئة واثنين وثلاثين، فهذه النصوص المفسرة دالة على ما يلي. هي دي بقى الخلاصات يا شباب، أن الطريق إلى تبين عدالة الراوي عنده هو اختبار حديثه، يعني يسبر مروياته ويختبره، وهذه هي العدالة الموجبة لقبول الحديث وهي الإتقان لما رواه، وهذه طريقة عامة الأئمة في الرواية. طيب، ثانياً: أن العدالة تثبت عنده برواية الواحد الثقة. طبعاً هو بيقول دي الطريقة يا شباب عند عامة الأئمة في أغلب الرواة؛ ليه؟ لأن أحياناً يكون الراوي الناقد عارف الراوي شخصياً، عشان تحكم على الشخص إما تكون عارفه شخصياً أو تكون عارف كلامه عشان تحكم من مقتضى كلامه عليه، فهمنا؟ بيقول ثانياً: أن العدالة تثبت برواية الواحد الثقة، وحيث إنه اعتبر اختبار حديث الراوي وسلامته من النكارة علامة على عدالته في النقل، دل على أن العدالة التي تثبت عنده برواية واحد ثقة إنما هي ما ترتفع به جهالة عينه ويثبت بها شخصه، وقد تقدم أنه مذهب لغيره، بل عليه عمل النقاد في رواة ما روى عنهم إلا الفرد من الثقات، لم يروِ أحدهم منكراً إلا توثيق وقبول. يعني بيقول إن هذا مذهب، أن لو فيه شخص ثقة روى عن شخص فهذا يرفع جهالة عينه ثم ينظر في روايته، فإذا لم يكن في روايته روايات منكرة يوثق أو يقبل.
قال ثالثاً: أنه جرح رواة بالجهالة، لكنها عنده ثابتة للراوي الذي لم يعرف إلا من رواية مجروح لا يعتبر به عنده عن ذلك الراوي، يعني إذا لم يجد أن الرواة الثقات رووا عن ذلك الراوي -يعني لم تأتِ روايته أو لم تبلغ ابن حبان روايته إلا عن طريق راوٍ ضعيف- فإنه يعتبره مجهولاً، يعني ما يعرفوش. قال: وهذا القدر صحيح موافق لطريقة غيره، ويبقى الراوي لا يروي عنه إلا واحد من الثقات، فهذا قد يصفه غير ابن حبان بالجهالة، وقد سبر حديثه فيلحقه بحسب ما تبين له إما بالمجروحين وإما بالثقات. وابن حبان لم يتجاوز هذا، وابن حبان عمل كده، خلاص؟ غاية أمره أنه تعنى اختيار حديث الراوي بالقدر الذي وقف عليه منه، فصار بذلك إلى تبين ضبطه فألحقه بالثقات أو ضاعفه فألحقه بالمجروحين. والأدلة على إلحاق ابن حبان الراوي من هؤلاء بالثقات بناءً على اختبار حديثه كثيرة في كتابه. يعني بيقول إن هو وقف على مواطن كثيرة اختبر فيها ابن حبان حديث الراوي ثم حكم عليه، قال: وقد تتبعت ذلك بما يطول بيانه هنا.
لكن الواجب -دي بقى الأخيرة يا شباب ركزوا فيها- لكن الواجب اعتباره بما بينته قبل، أن رجال الثقات فيهم الثقة المحتج به وفيهم الصالح للاعتبار وليس حجة، يعني إيه ليس حجة؟ يعني لا يقبل تفرده، إنما يقبل إذا وافقه غيره. قال: وهذا مما يتعذر معه اعتماد إيراد ابن حبان للراوي في الثقات على أنه ثقة يحتج به، إلا أن يوجد فيما ذكر قرينة تدل على أن ذلك الراوي في محل من يحتج به، كأن يقول مستقيم الحديث. يعني بيقول يا شباب مجرد ذكر ابن حبان للراوي في كتابه الثقات يدل على أنه من جملة المقبولين لكن لا يستلزم أن يكون حجة عنده بحيث يحتج بتفرده، خلاص طيب، قال وقد قالها في طائفة، وإلا فما لك إلا أن تفسر قدر توثيق ابن حبان بمقالات سائر النقاد في الراوي. قال: ولست أرى في هذا شيئاً من التساهل، ولكنه فوت فائدة الفصل بين ثقة محتج به وصالح يعتبر به. يعني الشيخ بيقول أنا رأيي لا يصح نسبة ابن حبان إلى التساهل، زي بعض الناس يقول لك ده هو ابن حبان متساهل في التوثيق في توثيق المجروحين فبالتالي لا تعتمد على توثيقه، لأ. الحاجة بس اللي ممكن يكون ابن حبان رحمه الله لم يصب فيها أنه لم يفصل الثقات المحتج بهم الذين هم في أعلى الدرجة الذين يقبل تفردهم، لم يفصلهم عن من سواهم من جملة المقبولين الذين يعتبر بقولهم لكن لا يحتج بتفردهم، قال: لكن ليس في الثقات راوٍ لا يعتبر به على رأي ابن حبان. يعني على رأي ابن حبان كل من أدخلهم في الثقات فهو من جملة الثقة عنده، قال: وكذلك ليس كل راوٍ في المجروحين أراد ابن حبان إسقاط حديثه مطلقاً، بل فيهم المتروك وفيهم من يعتبر بما يوافق فيه الثقات من حديثه. وهو تبين ذلك.
يعني بيقول إيه؟ يعني بيقول إن ممكن راوٍ يكون زي ما حصل في الثقات هيحصل في الضعفاء يا شباب، في كتاب المجروحين لابن حبان يمكن أن يوجد راوٍ ساقط لا يصح أساساً أن تعتني بخبره مطلقاً، وفي راوٍ متكلم في حفظه لكن يمكن أن يصحح بعض روايته إذا وافق غيره من الثقة أو وافقه غيره. قال: وأما قول ابن حجر -ركز بقى- هذا الذي ذهب إليه ابن حبان من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه مذهب عجيب والجمهور على خلافه، هذا هو مسلك ابن حبان في كتاب الثقات الذي ألفه؛ فإنه يذكر خلقاً ممن ينص عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون، وكان عند ابن حبان أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهذا مذهب شيخه ابن خزيمة. يعني ابن خزيمة طبعاً هو شيخ ابن حبان، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره. يعني الشيخ بقى سيحلل هذا القول، قول ابن حجر، طبعاً ابن حجر له أيضاً كلام آخر على ابن حبان، قال: وقول ابن حجر أيضاً في ترجمة أيوب، رجل ذكره ابن حبان في الثقات وقال... يعني ابن حجر يا شباب له كتاب اسمه لسان الميزان، هذا الكتاب صنعه على كتاب ميزان الاعتدال للذهبي، الذهبي جمع فيه الرواة المتكلم فيهم بشكل عام، فيوجد منهم رواة في الكتب الستة البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داوود، وفي رواة خارج هذه الكتب، فابن حجر لما كان تكلم على الرواة الذين هم رواة الكتب الستة في كتاب تهذيب التهذيب ترك هؤلاء وأخذ من كتاب ميزان الاعتدال الرواة الذين تكلم فيهم الذهبي وليسوا في الكتب الستة، فعمل كتاب اسمه لسان الميزان، فبالتالي بقى هو في لسان الميزان بيعمل إيه؟
بيجمع الكلام على ومن الكتب التي اعتنت بالمجروحين، ومن أهم هذه الكتب طبعاً كتاب الكامل لابن عدي وكتاب المجروحين لابن حبان والضعفاء للعقيلي، تمام؟ فهو أحياناً بيعقب بقى على مين؟ على ابن حبان، فبيقول ابن حجر بيقول: لا أدري من هو ولا ابن من هو، وهذا القول من ابن حبان يؤيد ما ذهبنا إليه... يعني هو ده كلام ابن حجر بينقله عن ابن حبان، يعني ابن حبان في راوٍ معين اللي هو أيوب ده بيقول أنا مش عارف مين ده ولا أبوه مين، فابن حجر بقى بيعقب على الكلام ده بيقول إيه؟ وهذا القول من ابن حبان يؤيد ما ذهبنا إليه من أنه يذكر في كتاب الثقات كل مجهول روى عنه ثقة ولم يجرح. يعني ابن حجر يرى أن منهج ابن حبان في من يدخلهم في الثقات أن أي راوٍ روى عنه ثقة ولم يجرح -يعني لم يثبت أن أحداً من النقاد جرحه- بيدخل اسمه في كتاب الثقات ما دام لم يجرح ولم يكن الحديث الذي يرويه منكراً، قال: هذه قاعدته، وقال: قد نبه على ذلك الحافظ صلاح الدين العلائي والحافظ شمس الدين ابن عبد الهادي وغيرهما.
فأقول -ركز بقى الشيخ الجديع سيعقب على هذا الكلام- يعني سيقول رأيه في تحليل ابن حجر، طب عايزين نفهم الأول تحليل ابن حجر وعلى أي شيء بناه. ابن حجر رحمه الله يرى أن ابن حبان يدخل في الثقات كل راوٍ مجهول روى عنه ثقة، يعني راوٍ مش معروف روى عنه ثقة، ما دام فيه شخص روى عنه، ولم يجرح -يعني لم يتكلم فيه النقاد- ولم يكن حديثه الذي بين يديه هذا منكراً، يعني حديث عادي مش منكر، خلاص؟ وابن حجر بيقول أن المذهب ده عجيب وغريب، تمام؟ فأقول -الجديع بقى سيعقب على الكلام ده- طبعاً ابن حجر بنى الكلام ده على أن ابن حبان في بعض الرواة قال: أنا مش عارف ده مين ولا حتى عارف مين أبوه. فأقول: ليس مذهباً عجيباً ولا هو خلاف قول الجمهور، وإنما هو على ما بينت، إلا أن -يعني ابن حجر بقول الجمهور- إن جهالة الحال لا تثبت إلا برواية اثنين، وهذا ما قدمت له من قبل، له أمثلة من كلام أحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وأبي زرعة الرازي فيها توثيق من لم يروِ عنه إلا واحد، وبينه كلام أبي حاتم وأبي زرعة بناءً على استقامة حديثه، وكذلك صنع ابن حبان. يعني الشيخ هنا ينتقد ابن حجر رحمه الله، بيقول أنا مش موافق ابن حجر في تحليله هذا، اللي يقصد يعني في حكمه تحليل ابن حجر كويس تمام؟
هو فعلاً ده مذهب ابن حبان، بس لما هو قال إن ده مذهب عجيب ومخالف لقول الجمهور، احتماله حاجة من الاثنين، إن هو يقصد أن الجمهور مش موافقينه لأن الجمهور يحكمون على الراوي الذي لم يروِ عنه اثنان، يعني في راوٍ مثلاً يا شباب ما رواش عنه غير واحد بس، يبقى في قالوا: لأ، إذا لم يروِ عنه إلا واحد بس حتى لو كان الواحد ده ثقة يبقى نعتبر الراوي ده مجهولاً، وفيه رواة ثانيين قالوا: لأ، والله لو روى عنه ثقة واحد نعتبره معروفاً خلاص. فالشيخ بيقول لابن حجر أن قولك أن كلام ابن حبان هذا أو مذهبه عجيب هذا ليس دقيقاً، فلا هو عجيب ولا هو خلاف قول الجمهور، وإنما هو كما سبق، يعني الجمهور موافقون هذا، ما دام الرجل تتبع مروياته ووجد أن مروياته ليس فيها نكارة، ووجد أنه روى عنه راوٍ ثقة، خلاص مش لازم يعرفه، هو حكم عليه بناءً على مروياته. تمام؟ قال إلا أن -يعني ابن حجر بقول الجمهور- إن جهالة الحال لا تثبت إلا برواية اثنين.
لو هو قصد كده، يبقى فعلاً قول الجمهور أنهم يرون أنه لا بد أن يروي عنه على الأقل اثنان، وإن كان بعض العلماء أجاز أن يحكم على الراوي بأنه معروف بناءً على رواية راوٍ واحد ثقة، لا سيما إن كان من الثقات الذين يتحرون في الأخذ عن الشيوخ، وسبق الحديث في الدرس اللي فات يا شباب. طيب، طريقة الحاكم النيسابوري، الحاكم النيسابوري، نحن في صفحة ثلاثمئة وأربعة وثلاثين، طبعاً الدرس ده نحن طولنا فيه وحاولنا أننا المفروض أخذنا صفحات قليلة، لكن لأنه مهم جداً يا شباب، لأنه له واقع في الروايات، فإنه يقابلك كثيراً توثيق ابن حبان، فمهم جداً أنك تعرف حال ابن حبان أو العجلي أو الحاكم أو ابن عبدالبر؛ لأن هيقابلك كثير أن فيه ناس بتهدر أحكام هؤلاء. قال: الحاكم النيسابوري رأس من رؤوس هذه الصناعة، كلامه في النقلة في التحقيق معتبر قوي، وتعديله فيما يصف به الرواة من الثقة والصدق مقبول محتج به، وإنما دخلت الشبهة على بعض المتأخرين في تعديل الحاكم ووصف بعضهم له بالتساهل فيه من جهة ضعف تحقيقه لشرط الصحة في كتابه المستدرك كما بينت في القسم الثاني، يعني سيأتي الكلام إن شاء الله على مستدرك الحاكم.
هو بيقول هنا لماذا دخلت الشبهة على المتأخرين أنهم قالوا ابن حبان -أقصد الحاكم- لا يعتبر بتوثيقه، بناءً عليه يا شباب؟ بناءً على أنهم وجدوه يتساهل في كتاب المستدرك والمستدرك على الصحيحين. قال: وحمل أحد الأمرين على الآخر معتبر لو لم يتبين سبب ما يعود إليه الخلل في طريقة الحاكم في التصحيح. بيقول إن فعلاً الكلام ده صح لو كان الحاكم بيصحح الأحاديث وهي فيها رواة كذابون ومتروكون وضعفاء، أو يستدرك على الصحيحين أحاديث لهؤلاء الرواة الضعفاء ويجعلها صحيحة، يبقى ده كلام صح، يبقى نحن كده نعرف أن الراجل ده لا يعتمد على توثيقه. تمام؟ لكن الشأن... هو بيقول بقى لأ، الكلام ده مش صح، لكن الشأن في كلامه في النقلة مختلف، فقد جرى على منهاج النقاد قبله فزكى رجالاً وجرح آخرين، بل جرح رجالاً بالجهالة، مما دل على أن خبر المجهول عنده ليس موضعاً للحجة ولا يحكم بصحته، وهذا موافق مسلك جمهور أئمة هذا العلم، ووافق غيره من الأئمة في كثير مما تكلم فيه، وتفرد بفوائد في تعديل الرواة وجرحهم، تعد له -يحسب له- وكثير من ذلك منثور في المستدرك، ومنه في سؤالات مسعود السجزي في كتاب سؤالات.
مسعود السجزي، يعني من سجستان، للحاكم. طبعاً الحاكم كمان هو تلميذ للدارقطني وله سؤالات عنه. قال ومنه في تاريخ نيسابور، يبقى أنت عندك كده أحكام الحاكم أنت عرفتها، هتلاقيها في بعض الناس جمع أحكام الحاكم على الرواة، وبعض الناس عمل كتباً خاصة بالمستدرك، يعني أو بالحاكم عموماً. فأنت عندك كلام الحاكم على الرواة تجده في ثلاث كتب: في تاريخ نيسابور، أو في سؤالات الدارقطني، أو في المستدرك. قال ولا يكاد يخلو سائر كتبه من شيء من ذلك. طبعاً له كتب أخرى لكن ممكن تجد فيها قولاً أو اثنين مثلاً مع معرفة علوم الحديث، له كتاب أيضاً في المصطلح يعني يمكن أن نصنفه في مصطلح الحديث يمكن أن يأتي فيه بعض الأقوال.
قال وعهد في طريقة من يذكر عند بعض العلماء بالتساهل في التعديل أن يجري حال من لم يتبين أمره على العدالة، وليس الحاكم منهم. وهذه أمثلة من الرواة نعتهم بالجهالة في المستدرك ولم يصحح حديثهم لأجله، يعني هو سيجيب هنا؛ سيبطل هذه الدعوى من خلال واقع الرواية، تمام؟ الجهة الأولى يبين أن الحاكم هو نفسه ضعف رواة من جهة الجهالة ولم يحتج بحديثهم، واضح؟ والجهة الثانية أنه يختبر رواية الراوي، هو مش بيحكم عليه أنه ثقة بمجرد أنه لا يعرفه، لا ذكر منهم باقي يحيى بن عبد الله، أن الحاكم قال إيه: لست أعرفه بعدالة ولا جرح. ذكر طبعاً رواة ممكن أنت تراجعهم.
قال وهؤلاء منهم من عرف مخرجه من جهة مجروح أصلاً كيحيى بن عبد الله، فقد روى عنه اليمان بن سعيد وهو ضعيف، ومنهم من عرف مخرجه من جهة عدل كغزال بن محمد فقد روى عنه زياد بن يحيى الحساني وواثقه، ففيه إبانة أن الجهالة عند الحاكم تفارق الجهالة عند ابن حبان. فابن حبان لا يعد من كان بين ثقتين مجهولاً، فغزال مثلاً روى عن محمد بن جحادة ووثق، فيكون بهذا بين ثقتين. لكن أنه مجهول في رأي الحاكم دي فائدة ممتازة، يبين الفرق بين الجهالة عند الحاكم والجهالة عند ابن حبان، ما فيش بينهم تطابق، تمام؟
قال بل يؤكد أن رفع الجهالة عنده إنما هي برواية اثنين على الأقل، قوله في إسماعيل بن إبراهيم الشيباني، وقد ذكر حديثاً من رواية محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عنه قال: ولعل متوهماً من غير أهل الصنعة يتوهم أن إسماعيل الشيباني هذا مجهول وليس كذلك، فقد روى عنه عمرو بن دينار الأثرم. فجعل جهالته مرتفعة برواية اثنين ابن ركانة وعمرو بن دينار وهما ثقتان. فاهمين كده يا شباب؟ يبقى كمان احنا استفدنا هنا فائدة جديدة أن الجهالة عنده بترتفع أقل شيء باثنين.
طيب قال وهذا موافق لشرط الحاكم الذي قننه لصفة الحديث الصحيح عنده، حيث قال: صفة الحديث الصحيح أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زائل عنه اسم الجهالة وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهادة على الشهادة. وهذه الصفة التي ذكر الحاكم ظن بعض الناس أنه عني أن كل حديث صحيح يجب أن يرويه اثنان عن الصحابي، وليس الأمر كذلك. إنما قوله وهو أن يروي عنه تابعيان عدلان عائد على ما ترتفع به الجهالة؛ فهو يقول رفع الجهالة لا يكون إلا برواية اثنين عن الصحابة فمن دونه من رواة الحديث. يعني إيه يا شباب؟ يعني بعض الناس فهم أو افتكر أن الحاكم لا يقبل رواية معينة إلا لما يكون في كل طريق من أو في كل طبقة من طبقات الرواية على الأقل راويان، لا ده مش صحيح. هو يقصد يقول أن كل راوي يروي عنه اثنان بشكل عام، سواء بقى في الحديث ده أو في غيره، يعني أن يكون هذا الراوي معروفاً من رواية اثنين عنه على الأقل بشكل عام، مش لازم هذه الرواية بعينها، واضح؟ وإلا فهناك روايات لم تأت إلا من طريق واحد، يعني ينفرد بها راو عن راو عن راو، وهذه أمثلة كثيرة.
قال وخلاصة ما تحرر لي في شأن كلامه في الرواية ما يلي. يبقى الراجل بيديك خلاصة تجربته، خلاصة تجربتي هذه تجعلها أنت في اعتبارك، يمكن أن تقبلها مبدئياً ويمكن أن تراجعها أنت إذا كنت من أهل الصنعة وكنت متفرغاً لذلك. يعني الإنسان يا شباب عموماً في أي علم من العلوم يعتني بقراءة أكثر من كتاب في المسألة التي يريد أن يحررها، ثم ينظر إلى أي الأقوال يطمئن قلبه، ومع ذلك يبقى عنده نوع من احتمال المراجعة، يعني لا تتسرع في القطع، ومن يتسرع في القطع يتسرع في الندم، يعني يندم كثيراً. إنما الإنسان هو الراجل بيقول لك خلاصة ما تحرر لي، هو ده بحثي.
قال أولاً: إن صدرت منه العبارة صريحة في تعديل أو تجريح أو تجهيل الراوي المعين فقوله حجة كقول شيخه الدارقطني وشبهه، فإن خالفه غيره في بعض ذلك فهو من اختلاف الجرح والتعديل يرجح الراجح بحجته. ثانياً: حكمه على إسناد -دي بقى ركز فيها- في المستدرك بقوله مثلاً: صحيح الإسناد، حكم منه بثقة رواته عنده، لكنه في مرتبة غير معينة من القبول من أجل أنه لم يكن يفرق بين الصحيح والحسن، فقد يكون الراوي في مرتبة الثقة أو مرتبة الصدوق. يعني بيقول لك في فرق بين أن هو يصرح هذا راوي ضعيف، ثقة، مجهول، وبين أن هو يحكم على إسناد عام، بحكم الحكم على الإسناد العام ده لا، يعني أقل في الجزم بقوله، لأنه أحياناً مثلاً يقول إن الحديث ده صحيح الإسناد بينما الراوي مثلاً متوسط أو يدوبك مقبول بالعافية أو صحيح بمجموع الطرق. قال ولما ثبت فمن خطئه الكثير في الحكم على أحاديث بالصحة وهي واهية وضعيفة أو ضعيفة من رواية المجروحين، فإنه لا يصح تعميم القول في الاحتجاج بذلك على كون رواة الإسناد ثقاتاً أو صدوقين، لكنه يرفع من شأن الراوي المجهول عند غيره. يعني بيقول لما احنا وجدنا أنه كثيراً ما يصحح الرواية بينما هي ضعيفة أو واهية، فاحنا مش مطمئنين للحكم ده، فبالتالي ما ينفعش تيجي تقول: كل إسناد صححه الحاكم فيكون كل رواته ثقات عنده. واضح؟ من جهتين؛ لأنه ممكن يكون الراوي متوسط عنده، وممكن يكون الراوي يرتفع فقط عن الجهالة مش أن هو راوي يحتج به.
طريقة ابن عبد البر، ابن عبد البر من طبقة الخطيب البغدادي، يعني طبعاً من المتأخرين، أو يعني هو خلينا نقول آخر المتقدمين لو احنا جعلنا رأس الأربعمائة الفاصل بينهم. بعض العلماء بيجعل ابن عبد البر بين الاثنين. قال وهما معدودان في المتأخرين، كلاهما كلامهما في الرواة المتقدمين مبني على تلخيص عبارات السلف فيهم، يعني بيقول إن ابن عبد البر غير الجماعة اللي فاتوا؛ ابن عبد البر من طبقة الخطيب البغدادي الذي له كتاب الكفاية وكتاب الجامع، فبيقول إن الجماعة دول كانوا بياخذوا كلام الأئمة الذين سبقوهم ويلخصوه، وأحياناً يحكموا بمقتضى رواية الراوي. قال نعم الخطيب فارق ابن عبد البر بإنشاء القول بتعديل الرواة وجرحهم خصوصاً من طبقة شيوخه، لكن لا يكاد يوجد ذلك لابن عبد البر إلا قليلاً، فإذا كان قول ابن عبد البر في الرواة خلاصة كلام السالفين فالحجة إذاً عائدة إلى كلامهم، ويبقى تحرير ابن عبد البر للعبارة في الراوي تحرير إمام ناقد، فكما نقبل تحرير العبارة ممن جاء بعده كالذهبي وابن حجر من المتأخرين فقبول قوله أولى. طبعاً بل إن المتتبع كلامه في الرواة في كتبه يجد له وزن عبارة الناقد العارف بهذا العلم المقدم فيه.
ولهذا دخلت الشبهة عند بعض الناس أن ابن عبد البر يتساهل في التعديل من جهة ما فهموه عنه من قوله في تفسير العدالة وأنه يجري المسلمين في الأصل عليها، وليس كذلك كما بينته آنفاً في المبحث الثالث. بل قد وصف ابن عبد البر بالجهالة رواة عديدين، نفس الخطأ شباب الذي تكرر معنا في كل اللي فاتوا، أن واحداً بيتلقى المقالة دون فحص وتمييز فيخرج بحكم عام على الناقد فيقول لك: هذا لا يعتد بتوثيقه لماذا؟ لأنه يوثق المجاهيل بناءً على أنه يعتبر أن الأصل في الشخص المسلم أنه يجب أن يكون عدلاً. وهذا ليس كذلك. قال بل قد وصف ابن عبد البر بالجهالة رواة عديدين، ولو كانت العدالة تثبت عنده بمجرد الإسلام فيقبل بذلك حديث لم يكن لوصفه بالجهالة أولئك الرواة معنى. يعني بيقول لو كان ابن عبد البر فعلاً بيجري أحكام العدالة التي يقبل بها الراوي بمجرد أنه مسلم، طب ليه بقى جرح بعض الرواة بأن هم مجهولون؟ خلاص ما كانش ينفع ما كانش يبقى لها معنى.
وممن ينبغي التنبيه على كلامه في الرواة من المتأخرين الحافظ نور الدين الهيثمي، فإنه قد نثر في كتابه مجمع الزوائد من خلال حكمه على الأسانيد كثيراً من عبارات الجرح والتعديل وهو يعتمد على من تقدمه، لكن عبارات ينقصها التحرير، فربما أطلق التوثيق وهو كثير لراو مجهول أو ضعيف، وهو يعتمد توثيق ابن حبان بإطلاق، وكثيراً ما يقول في الراوي: لم أعرفه، وهو معروف. كما أنه جعل الأصل في شيوخ الطبراني الثقة، فقال: ومن كان من مشايخ الطبراني في الميزان نبهت على ضعفه، ومن لم يكن في الميزان ألحقته بالثقات الذين بعده. يقصد الميزان؛ ميزان الاعتدال للذهبي يعني يا شباب، هو خلينا نكمل العبارة وبعدين ألخصها لكم عشان ما تتوهوش. قال ومعروف أن الحافظ الطبراني روى عن خلق كثيرين ولم يكن معتنياً بنقد النقلة إنما كان راوية، ولم يعرف عنه انتقاء الرواة الثقات، بل وقع في شيوخه من هو معروف بالضعف، فأطلاق الهيثمي هذه منهجية في شيوخ الطبراني إطلاق غير علمي.
يعني الشيخ بيقول لك ما دمنا بقى بنتكلم عن الناس الذين عندهم شيء من التساهل، فهو سيتكلم هنا عن مين؟ عن الهيثمي صاحب كتاب مجمع الزوائد، مشهور جداً، فأحياناً يحكم على فهو بيقول لك إن الحافظ الهيثمي هذا لما هو تتبع حكمه، طبعاً هو أحياناً يحكم بالجرح والتعديل، هو يعتمد على من تقدمه لكن هو ليس محرراً. يعني إيه التحرير يا شباب؟ التحرير اللي هو التصور والجمع والنقد وذكر النتيجة، فهو يقول لك إن هذا الناقد ليس محرراً، يعني المحرر هو الذي يتلقى الأقوال فعنده تقصير، أما في التصور وأما في الجمع وأما في النقد واضح؟ فهو ينقصه التحرير، ليس مثل الذهبي، ليس مثل ابن حجر، ليس مثل ابن تيمية، الذين اعتنوا بتحرير المقالات حتى لو نقلوا في الحديث مثلاً. فهو بيقول إنه اعتمد توثيق ابن حبان بإطلاق، وكمان خد قاعدة كده أن كل شيوخ الطبراني ثقات، وهذا ليس صحيحاً، فهو بيقول لك احتاط في أن تعتمد على كلام الهيثمي في المجمع.
بهذا يا شباب يكون انتهى درس اليوم، وأرجو أن يكون درساً مهماً جداً حيث إنه له واقع في الرواية كثير جداً. هل نعتمد توثيق ابن خزيمة والحاكم والعجلي وابن حبان وابن عبد البر؟ ما قيمة توثيق هؤلاء؟ وهل القول المشهور بأن هؤلاء يوثقون المجاهيل أو لا يصح الاعتماد على توثيقهم، هل هذا كان صحيحاً أم لا؟ أرجو أن يكون درساً نافعاً لكم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح. جزاكم الله خيراً يا شباب، اصبروا على طلب العلم وأخلصوا النية لله تبارك وتعالى، ولا أريد منكم أن يكون انشغالكم بأي حدث سبباً في أن تترك ما بين يديك من العمل الصالح، فهذا من أكثر الطرق التي يضحك بها على الإنسان أنه يصور له أن اهتمامه بالأحداث والنوازل، وأن تفاعله معها يقتضي أن يترك ما هو عليه من خير بحجة أن الخير الذي هو فيه مش هيأثر في الواقع. هذا كلام باطل يا شباب، وهو حجة الكسالى، كثير من الكسالى يخرج كسله في صورة النضال، يقول لك ليس هناك وقت للعلم الآن، الآن وقت الحركة، وكل هذا ليس صحيحاً. اختر لنفسك طريقاً من العمل الصالح يناسبك ويناسب قدراتك، ومع ذلك ابقَ على كثب من الأحداث التي تهم كل المسلمين، وليكن قلبك معهم وتحرك في نصرتهم بما تستطيع، ولكن لا تترك العمل الصالح. ما معنى أن تترك العمل الصالح والنوافل وقرآن وصلاة الجماعة بحجة الانشغال؟ ما هذا الهبل الذي انتشر بين كثير من الطلاب؟ تجده يتابع الأخبار ليل نهار والأذان جنبه في المسجد وهو مش نازل يصلي في المسجد، وتارك النوافل، وقاعد ليل نهار على القنوات يسمع ويشوف النشطاء اللي على فيسبوك اللي كثير منهم جاهل ولا عنده تصور ولا عنده علم.
يرجع إلي، ولا حتى عنده حكمة ولا عنده ورع فيما يقول. ثم يعيش هو على كلام هؤلاء ويصدر عنهم ويتفاعل معهم، لا، كن بصيرًا، وإياك أن تخدع، أبصر طريقك وأبصر مواهبك، واختر لنفسك طريقًا من الخير. لا أدري كيف والله يضحك الشيطان على كثير ممن كانوا طلاب علم؛ جعلهم ينخرطون في كثير من النوازل والأحداث، فلا هم كانوا أهلًا لها من ناحية العلم والعمل، ولا هم بقوا على ما كانوا عليه من الأعمال الصالحة والخير؛ فلذلك كن ذكيًا وكن حكيمًا.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الهدى والتقى والعفاف والغنى، وأن ينجي إخواننا المستضعفين، وأن يشدد وطأته على الظلمة وعلى كل من أعانهم. اللهم إنا نسألك أن تشدد وطأتك على الظلمة، وعلى كل من أعانهم من شيخ أو صحافي أو أو مذيع أو رجل أعمال أو غني، أو أي شخص يعين هؤلاء وهو يعرف باطلهم ويعرف طغيانهم.
اللهم إنا نسألك أن تجعل بأسهم بينهم شديدًا، وأن تنجي إخواننا منهم. اللهم إنا نسألك بنعمتك وفضلك ألا تجعلنا ظهيرًا للمجرمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق