تسجيل الدخول

الدرس 7 - من صفحة 165

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

هذا هو الدرس السابع من قراءتنا لكتاب تحرير علوم الحديث لعبد الله بن يوسف الجديع، وكان الحديث عن اتصال الإسناد، وصلنا إلى صيغة العنعنة وما يجري مجراها. أذكر الشباب أننا في قراءتنا لهذا الكتاب نسير بطريقة المؤلف؛ والمؤلف أراد أن يدرس الطالب علوم الحديث عن طريق شكل الإسناد الموجود في الكتب. يعني مثلاً: الإمام مسلم يقول حدثنا قتيبة بن سعيد، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وكأن الشيخ المؤلف أراد أن يجعلك تدرس علوم الحديث، جميع علوم الحديث، بهذه الطريقة، كأنك أمامك إسناد وكيف ستتعامل معه؟ فذكر لك أولاً مجموعة من المقدمات والتعريفات، ثم بعد ذلك بدأ في الإسناد. أول شيء في الإسناد هو تحديد من هو الراوي، أو من هذا الراوي الذي بنسميه تمييز الراوي. فلما انتهى من الكلام عن تمييز الراوي والألقاب والأنساب والكنى ونحو ذلك، دخل في الحديث عن الأمر أو أول شيء ننظر فيه وهو اتصال الإسناد.

تكلمنا في اتصال الإسناد وذكرنا مجموعة من الأمور المهمة، منها مثلاً الفرق بين صيغ الأداء وطرق التحمل، وقلنا إن طرق التحمل هي الطريقة التي يتلقى بها الطالب الرواية عمن روى عنه، وصيغ الأداء هي الصيغة التي يذكرها الطالب بينه وبين من روى عنه: حدثنا، أخبرنا، سمعت، قال، وهكذا.

إحنا وصلنا الآن يا شباب إلى مسألة مهمة جدًا، وهي تعتبر أهم مسألة وقع فيها الخلاف في مسألة اتصال الإسناد، وهي الحديث المعنعن. يعني إذا جاء في الرواية: حدثنا فلان عن فلان، هذه العنعنة يا شباب هي بلا شك لا تستلزم ثبوت السماع. ثواني أغلق الصوت. هذه العنعنة يا شباب لا تستلزم ثبوت السماع، لكن هل إذا كان الراوي قد عاصر من روى عنه والراوي ليس مدلساً واللقاء بينهما ممكن، ولم يثبت أنه صرح بالسماع من روايته في أي حديث، هل يحكم لروايته التي رواها عنه بالعنعنة بأنها متصلة أم منقطعة؟ فهذه يا شباب أشهر مسألة وقع فيها الخلاف، دي مسألة اتصال الإسناد، وهي الحديث المعنعن من الراوي المعاصر.

طبعاً سنقرأ الآن إن شاء الله، من أهم الأئمة الذين تكلموا عن هذه المسألة يا شباب هو الإمام مسلم رحمه الله، لكن خلينا نمشي مع ترتيب الكتاب، نحاول إن إحنا نقرأ المسألة كاملة، يعني لن نختصر كما كنا نختصر قبل ذلك. هل الصوت واضح يا شباب؟ لأنني وجدت أن كانت فيه مشكلة قبل ذلك في الصوت بس أنا حاولت أصلحها. هل الصوت واضح؟ أحاول أمسك السماعة أفضل، لأن لما السماعة بتبعد ما بتكونش قوية.

إحنا صفحة مائة وخمسة وستين يا شباب: صيغة العنعنة وما يجري مجراها. العنعنة هي قول الراوي: عن فلان، وتقع من لفظ المحدث نفسه عن شيخه، كما يمكن أن تكون من تصرف من روى عنه. يعني العنعنة يا شباب يمكن المحدث هو الذي يذكرها، يعني مثلاً عندنا: قتادة عن أنس، ممكن يكون قتادة هو الذي قال عن أنس، يعني يكون بيحدث الناس مثلاً قتادة بيحدث سعيد بن أبي عروبة أو شعبة أو هشام، فيقول له: عن أنس، هو نفسه الذي يقول عن أنس. ويمكن أن تكون كلمة عن بين الراوي ومن روى عنه هي من تلميذ الراوي وليس من الراوي نفسه، كأن يكون التلميذ أخذ الحديث بصيغة أخبرنا مثلاً وهو الذي يقول عن اختصارًا.

قال: وهي صيغة لا تعني الاتصال ولا الانقطاع بمجردها، وقد استعملت في السند المتصل كما استعملت في السند المنقطع، وبها يوهم المدلسون الاتصال فيما دلسوا فيه. يعني إن هذه الصيغة يا شباب ليست صريحة لا في ثبوت السماع ولا في نفي السماع، والمدلس يستعمل تلك الصيغة في الحديث الذي دلسه. عارفين التدليس يا شباب شرحناه قبل ذلك كثيرًا، أن يكون راوٍ له سماع في الجملة من راوٍ، يعني أنت مثلاً حضرت دروسًا كثيرة لشيخ وفاتك بعض الدروس، فأخذتها عن ذلك الشيخ ولكن بواسطة أحد التلاميذ، فلم تذكر هذا التلميذ في الإسناد فقلت لنا: عن الشيخ، هذا الكلام أخذته عن الشيخ، فأنت في ذلك تدلس توهم أنك تلقيت هذا الدرس مباشرة عن الشيخ، بينما عندك واسطة ولم تذكرها، هذا بالضبط هو الذي يفعله المدلس في تدليس الإسناد.

قال: والناظر المحرر للأسانيد يجد أن استعمال عن في محل السماع هو الغالب، وكانوا يتخففون بترك الصيغة الصريحة ويكتفون بالقول: فلان عن فلان. قال الخطيب: إنما استجاز كتبة الحديث الإقتصار على العنعنة لكثرة تكررها، ولحاجتهم إلى كتب الأحاديث المجملة بإسناد واحد، فتكرار القول من المحدث: حدثنا فلان عن سماعه من فلان، يشق ويصعب؛ لأنه لو قال أحد: أحدثكم عن سماعي من فلان، وروى فلان عن سماعه من فلان، وفلان عن سماعه من فلان، حتى يأتي على أسماء جميع مسندي الخبر إلى أن يرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي كل حديث يرد مثل ذلك الإسناد لطال وضَجِرَ. يعني حاجة تزهق!

قال: وربما كثر رجال الإسناد حتى يبلغوا عشرة وزيادة على ذلك، وفيه إضرار بكتبة الحديث وخاصة المقلين منهم والحاملين لحديثهم في الأسفار، ويذهب بذكر ما مثلناه مدة من الزمان، فساغ لهم لأجل هذه الضرورة استعمال عن فلان. يعني هو هنا كأنك تقول: طب ولماذا لا يذكرون في الأسانيد المتصلة حدثنا أو أخبرنا؟ لأن ذلك هيصعب عليهم، هم خلاص الناس فاهمة إن كلمة عن هنا تفيد الاتصال فلذلك تخففوا منها.

قال: ومن الدليل على إرادة التخفيف قول عفان بن مسلم: جاء جرير بن حازم إلى حماد بن زيد، فجعل جرير يقول: حدثنا حماد قال: سمعت شريحًا، حدثنا محمد قال: سمعت شريحًا، فجعل حماد يقول: يا أبا النضر، عن محمد عن شريح، خلص!

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل لأبيه: أبو معاوية فوق شعبة، أعني في حديث الأعمش؟ فقال: أبو معاوية في الكثرة والعلم، يعني علمه بالأعمش، شعبة صاحب حديث يؤدي الألفاظ والأخبار، وأبو معاوية عن عن، مع أن أبا معاوية يخطئ على الأعمش خطأً. يعني هو يتكلم هنا يا شباب عن ماذا؟ يتكلم عن حال راويين في روايتهما عن الأعمش. الأعمش سليمان بن أبي مهران، أحد الثقات الحفاظ الذين تدور عليهم الأسانيد، فله رواة مشهورون بالأخذ عنه، أشهرهم سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وأبو معاوية الضرير.

فعبد الله بن أحمد بيقول لأبيه: أبو معاوية فوق شعبة، أعني في حديث الأعمش؟ يعني بيسأله: هل أبو معاوية فوق شعبة؟ فقال: أبو معاوية في الكثرة والعلم، يعني أبو معاوية في الرواية الكثيرة عن الأعمش وفي العلم بالأعمش، إنما شعبة صاحب حديث يؤدي الألفاظ والأخبار. يعني شعبة بيلتزم باللفظ الذي قاله الراوي، إذا قال الراوي حدثنا قال حدثنا، إذا قال عن قال عن. قال: أما أبو معاوية فإيه؟ فيقول: عن عن، يعني بينجز، يعني مابيقفش كثيرًا لا يقف كثيرًا مع الألفاظ، مع أن أبا معاوية بيخطئ بعض الأخطاء عن الأعمش.

قال الوليد بن مسلم: كان الأوزاعي إذا حدثنا يقول: حدثنا يحيى، قال: حدثنا فلان، حدثنا فلان، حتى ينتهي، فربما حدثت كما حدثني وربما قلت: عن عن تخففًا في الأخبار. طبعاً الوليد بن مسلم يا شباب بيدلس تدليس اسمه تدليس التسوية، وهو أنه يسقط الراوي الضعيف بين الثقتين، وسيأتي معنا إن شاء الله.

قال: والعلماء في حكم الإسناد المعنعن على مذاهب، يعتبر التنبيه فيها على ثلاثة. طيب يا شباب، خليني أشرح لكم أنا الأول بحيث إن إحنا لما نقرأ يكون دي المرة الثانية التي نسمع فيها الكلام. بصوا يا شباب، صورة المسألة التي نتحدث عنها الآن إن شاء الله أن راويًا عاصر من روى عنه. خلينا الأول يا شباب نفهم فكرة المعاصرة. إحنا عندنا يا شباب لو أن شخصًا روى عن شخص، الاحتمالات الواردة بينهما كالتالي:

الاحتمال الأول: ألا يكون عاصره أصلاً، يعني إنسان عاش في زمن يروي عن رجل، وهذا الرجل مات قبل مولده، هذا الرجل يا شباب الذي روى عن شخص مات قبل مولده لا شك أن هذه الرواية منقطعة، خلاص.

طيب الصورة الثانية يا شباب: أن يكون عاصره، يعني فعلاً عاش في زمنه، ولكن لم يلتقِ به، لم يثبت بينهما اللقاء، يعني أو تأكدنا أنه لم يلتقِ به، يعني حصلت معاصرة لكن لم يحصل لقاء، هذه أيضاً منقطعة.

طيب الصورة الثالثة يا شباب: أن هو عاصره والتقى به ولم يسمع منه، وهذا موجود كثير جدًا، أن هو إنسان يلتقي بشخص ولا يسمع منه، خلاص، ليس كل من تلتقي به تسمع منه.

الحالة الرابعة: أن هو يعاصره ويلتقي به ويسمع منه. حينما يسمع منه يا شباب في حالة نادرة أنه يسمع منه كلامه لكن لا يتلقى منه الأحاديث، هذا ورد أن بعض الرواة يلتقي بشيخ فيحدثه الشيخ مثلاً في أي موعظة أو شيء، لكن لا يتلقى عن هذا الشيخ حديثًا، فبالتالي أيضاً روايته عنه مرسلة، يعني منقطعة.

نأتي بقى يا شباب إلى إذا حدث بين الراوي ومن روى عنه معاصرة ولقاء وسماع، فعندنا هنا صورتان: الصورة الأولى: أن يكون الراوي ثبت أنه يدلس عمن روى عنه، يعني أحيانًا يروي عنه بواسطة ويسقط الواسطة، خلاص؟ هذا أيضاً نخاف من روايته بالعنعنة عن شيخه، لاحتمال أن يدلس.

باقي بقى عندنا بقى يا شباب صورة، وهي أن الراوي عاصر شيخه وتلقى منه العلم أو سمع منه ولم يدلس عنه كل هذا، فهذا يا شباب يحكم لها بالاتصال. الصورة التي نتحدث عنها هنا يا شباب كالتالي: أن هناك راوياً ثقة ليس موصوفاً بالتدليس، واضح؟ عاصر شيخاً واللقاء بينهما ممكن، يعني ليس هناك قرينة تؤكد لنا عدم اللقاء، لا، اللقاء ممكن، فهذا مثلاً في الكوفة وهذا في البصرة، أو الاثنين في الكوفة، وهذا الراوي يا شباب لم يأتِ في أي رواية أنه قال: حدثنا فلان، يعني لم يأتِ في رواية التصريح بالسماع ممن روى عنه، وتذكر أن هذا الراوي مش مدلس. فهل هذه الرواية التي ذكر فيها الراوي عن فلان نحكم لها بالاتصال، أم لا بد أن يصرح ولو في إسناد واحد بالسماع حتى نحكم في روايات العنعنة بالاتصال؟ هي دي المسألة بقى يا شباب اللي الإمام مسلم رحمه الله يعني توسع في الكلام عنها، واستوعبت قدراً كبيراً من مقدمته في الصحيح.

يبقى نعيد تاني المسألة باختصار يا شباب: شخص عاصر شيخاً، وهذا الشخص ليس مدلسًا وهو ثقة، واللقاء بينهما ممكن، فهل يجب أن يصرح ولو في إسناد واحد بأنه تلقى منه أو سمع منه كأن يقول حدثنا أو أخبرنا أو سمعته، أم أننا نكتفي بأن الراوي ليس مدلسًا واللقاء ممكن حتى نحكم للإسناد المعنعن بينهما بالاتصال؟ هذه المسألة يا شباب التي نقرأها الآن إن شاء الله.

طيب، قال: المذهب الأول يعني في الحديث المعنعن: قال: هو من قبيل المرسل والمنقطع، وهذا ذكره ابن الصلاح ولم ينسبه لأحد، وهو مذكور عن شعبة بن الحجاج، فقد قال: فلان عن فلان مثله لا يجزي، يعني لا يجزئ، وكان سفيان الثوري يقول: يجزئ، فلذا جاء عن شعبة أنه رجع عن قوله إلى قول سفيان. ورأيت ظاهر كلام ابن رجب الحنبلي عن المتأخرين يدل عليه. هذا يا شباب تجدونه موجوداً في كتاب الثقات للعجلي في ترجمة شعبة، هذه الفائدة، لكن هو لم يعزُها هنا، فجيد أن تعزوها، ترجمة شعبة في كتاب الثقات للعجلي تجد فيه هذا الكلام.

قال: وهذا مذهب مهجور، لا تساعد عليه طريقة النقلة في رواية الحديث ولا منهج الأئمة الكبار في الحكم بصحة الحديث. وقال ابن الصلاح: وقد ذكر الإسناد المعنعن الصحيح، والذي عليه العمل أنه من قبيل الإسناد المتصل، وإلى هذا ذهب الجماهير من المحدثين وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم فيه وقبلوه، وهذا بشرط أن يكون الذين أضيفت العنعنة إليهم قد ثبتت ملاقاة بعضهم بعضاً مع براءتهم من وصمة التدليس.

يبقى المذهب الذي يقول كل إسناد معنعن يرد هذا مذهب مهجور، يعني لم يقل به أحد من المعتبرين، نسب إلى شعبة، لكن قيل إنه رجع عنه، ولو نسب عنه فهذا يصعب جداً أن يكون نسب عنه، ولكن ربما كان له ظرف معين وقاله شعبة أو في حديث معين. والذي أعلمه في ترجمة شعبة من كتاب الثقات للعجلي أن شعبة رجع عنه، فهذا مذهب مهجور، اللي هو كل إسناد معنعن يرد.

المذهب الثاني يا شباب، ركزوا بقى، المذهب الثاني والثالث هذا هو محل الخلاف. قال: اشتراط ثبوت السماع أو اللقاء في الجملة ولو مرة، ثم جميع ما يرويه ذلك الراوي بالعنعنة من ذلك الشيخ فهو محمول على الاتصال، ما لم يعرف بتدليس. الجماعة التانيين دول يا شباب ماذا قالوا؟ قالوا: طيب، مش لازم إن هو يصرح في كل إسناد بالعنعنة، لكن لا بد أن يثبت اللقاء بينهما ولو مرة. كيف نعرف ثبوت اللقاء؟ إما أن يشهد الراوي بذلك، أو أن يأتي في بعض الأسانيد التصريح بينهما بإسناد صحيح: حدثنا أو أخبرنا أو قال لي أو سمعت، واضح؟ ولا يكون الراوي مدلساً. يبقى الجماعة دول يا شباب قالوا إيه؟ قالوا لازم ولو مرة واحدة يثبت بينهما السماع أو اللقاء على الأقل. فاهمين يا شباب؟ ده المذهب الثاني. أيضاً المذهب الثاني هذا فيه شيء من التشدد، يعني على الأقل إن هو بيشترط شروطاً زائدة على مجرد المعاصرة وإمكان اللقاء.

قال: وهذا يمكن أن يستفاد من طريقة شعبة بن الحجاج الذي عرف بتنقيبه عن السماع فيما أخذه عن شيوخه، إلى أن قال تلميذه يحيى بن سعيد القطان: كل شيء يحدث به شعبة عن رجل فلا تحتاج أن تقول عن ذلك الرجل أنه سمع فلاناً، قد كفاك أمره. يعني أن شعبة بن الحجاج كان لا يتلقى رواية عن راوٍ إلا ويتأكد أن ذلك الراوي سمع هذه الرواية ممن روى عنه.

قال الشيخ الجديع: قال: وهو مذهب كبار أئمة الحديث، فإنهم كانوا لا يثبتون الاتصال في محل العنعنة حتى يقوم الدليل عليه بين التلميذ والشيخ. قال: فهو قول ابن المديني والبخاري وجمهور المتقدمين، ومقتضى كلام أحمد بن حنبل وأبي زرعة الرازي وابن أبي حاتم الرازي وغيرهم من أعيان الحفاظ.

طبعاً يا شباب في عندنا كتاب مختص بهذه المسألة، وهو في رأيي أفضل كتاب وأقوى كتاب حرر هذه المسألة، هو للدكتور حاتم بن عارف العوني اسمه إجماع المحدثين، ينقض فيه كل هذا الكلام الذي اشتهر فيه أن مذهب الأئمة جميعاً كعلي بن المديني والبخاري وأحمد على ثبوت اللقاء حتى نحكم للحديث المعنعن بالسماع أو بالاتصال. الكتاب هذا يا شباب هو أفضل كتاب في رأيي، وإن كان بعض أهل العلم رد على هذا الكتاب، لكن في رأيي ليس الرد ينقض فكرة الكتاب. فيه كتاب اسمه الاتصال والانقطاع للدكتور إبراهيم اللاحم، أيضاً كتاب متميز، لكن كتاب الدكتور حاتم في هذه المسألة في رأيي هو أقوى كتاب.

بيّن أن هذا الأمر الذي اشتهر بين طلاب الحديث هو أن البخاري وعلي بن المديني والأئمة كانوا يشترطون اللقاء بين الراوي ومن روى عنه ولو مرة حتى نثبت صحة الرواية المعنعنة، بيّن الشيخ أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وبيّن أنه اشتهر بين الطلاب وليس سديداً، وأتى بقرائن كثيرة. حتى إحنا إن شاء الله يا شباب، حينما نقرأ مقدمة الإمام مسلم، سنستشعر أنه يصعب جداً أن يكون الإمام مسلم يتكلم عن البخاري أو علي بن المديني بهذه الطريقة؛ لأنه وصف أصحاب هذا المذهب بأنهم يعني قولهم منكر وكان الأولى ألا نذكره، وهم نكرات أو أشياء من هذا القبيل، فيصعب جداً أن يكون هو يتكلم عن البخاري أو ابن المديني أو أبي زرعة أو غيره يعني.

المهم يا شباب أن هذا الكلام الذي ذكره الشيخ هنا هو محل نقد، أن هو بيقول إن هذا القول الذي يشترط فيه ثبوت اللقاء أو السماع بين الراوي ومن روى عنه بالعنعنة، هذا هو قول جمهور العلماء، فهذا الكلام محل نقد.

قال: قلت: وحكايته عن علي بن المديني ذكره كثير من الأئمة ولم أقف عليه مسنداً. هو الشيخ بيبيّن لك إنه لم يقف عليه مسنداً أين هذا الكلام عن علي بن المديني، لكن في كلامه المعروف عنه ما يثبته ويدل عليه كما علمناه مذهباً للبخاري من خلال كتبه، إذ عليه بنى صحيحه.

وأيضاً هذا الكلام يا شباب محل نقد؛ لأن الإمام مسلم، يا شباب، ينقل الإجماع والاتفاق على غير هذا المذهب. الإمام مسلم يقول: إذا كان الراوي ليس مدلساً وهو عاصر شيخاً واللقاء بينهما ممكن، وأتى بينه وبين من روى عنه بصيغة العنعنة فهذا يحكم له بالاتصال، وحكى أن هذا هو مذهب العلماء جميعاً، علماء الحديث جميعاً. فهذا القول يا شباب لا يمكن أن ينقض بمثل هذه الظنون، يعني في رأيي إن هذا القول قوي جداً، وكل من انتقد هذا القول وقرأت لهم، يعني أنا قرأت نقداً كثيراً جداً لهذا القول، لم أرَ فيها نقداً واحداً يمكن أن يرد كلام الإمام مسلم.

قال: قال الشافعي في جواب قول من قال له: فما بالك قبلت ممن لم تعرفه بالتدليس أن يقول عن، وقد يمكن فيه أن يكون لم يسمعه فيما ذكر عن أهل العلم ممن مضى من أهل بلده؟ وكان قول الرجل سمعت فلاناً يقول سمعت فلاناً، وقوله حدثني فلان عن فلان سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه مما عناه بهذه الطريق قبلنا منه حدثني فلان عن فلان.

طيب، نرجع نقرأ الفقرة كده يا شباب عشان نشوف هل الشيخ هنا فهمها على وجهها أم لا؟ يقول: قال الشافعي في جواب قول من قال له: فما بالك قبلت ممن لم تعرفه بالتدليس أن يقول عن وقد يمكن فيه أن يكون لم يسمعه؟ يعني راجل بيقول للشافعي الشافعي، يا شباب، في كتاب الرسالة كان يناقش بعض أهل الرأي من فقهاء الكوفة وكان يعلمه كيف يقبل المحدثون الرواية، فراجل بيقول له: لماذا تقبل أنت الراوي الذي لا تعرفه بالتدليس أن يقول عن مع احتمال أن يكون لم يسمعه؟ قال فيما ذكر عن أهل العلم ممن مضى من أهل بلده، يعني الإمام الشافعي بيذكر عن العلماء علماء الحديث، عن سنة علماء الحديث، قال: وكان قول الرجل سمعت فلاناً يقول سمعت فلاناً، وقوله حدثني فلان عن فلان سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه مما عناه بهذه الطريق قبلنا منه حدثني فلان عن فلان.

الشيخ بقى هنا يا شباب، اللي هو مؤلف الكتاب، كأنه يقول إن هذا الكلام عن الشافعي يؤيد هذا المذهب وهو اشتراط اللقاء، وهذا ليس صحيحاً يا شباب؛ لأن هذا ليس مقصود الشافعي. الشافعي هنا يتحدث عن صورة عن حالة، والشيخ يتحدث عن حالة أخرى. نحن يا شباب نتحدث عن راوٍ ليس مدلسًا، راوٍ ثقة ليس مدلسًا، عاصر شيخًا واللقاء بينهما ممكن، فهل يحكم لعنعنته عنه بالاتصال أم لا؟ أما الصورة التي يتحدث عنها الشافعي فهي أن الراوي إذا ثبت لقاؤه بشيخ وهذا الراوي ليس مدلسًا فيحكم لعنعنته عنه بالاتصال، هذه صورة أخرى يا شباب في كلام الشافعي، هو يتكلم عمن لقي شيخه، لا يشترط اللقاء، يعني لو كان الشافعي يقول إيه: ما دام الراوي لقي شيخه نحكم لعنعنته بالاتصال، يبقى ده كلام صحيح، واضح يا شباب؟ لكن هنا الشافعي يتكلم عن تلك الحالة التي ثبت فيها لقاء أنه يقبل فيها العنعنة، ففي رأيي إن هذا النص ليس واضحاً في فكرة الكلام وهي اشتراط اللقاء أو ثبوت السماع.

طيب، وقال الخطيب بعد أن أورد عن بعض متأخري الفقهاء رد المعنعن بمجرد العنعنة، قال: أهل الحديث مجمعون على أن قول المحدث حدثني فلان عن فلان صحيح معمول به، إذا كان شيخه الذي ذكره يعرف أنه قد أدرك الذي حدث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدث ممن يدلس، ولا يعلم أنه يستجيز إذا حدثه أحد شيوخه عن بعض من أدرك حديثاً نازلاً فسمى بينهما في الإسناد من حدثه به، أن يسقط ذلك المسمى ويروي الحديث عالياً، فيقول: حدثنا فلان عن فلان، أعني الذي لم يسمعه منه؛ لأن الظاهر من الحديث السالم، رواية السالم، مما وصفناه الاتصال، وإن كانت العنعنة هي الغالبة على إسناده. يعني كأن كلام الخطيب البغدادي يقوي كلام الشيخ هنا، وهو اشتراط ثبوت اللقاء والسماع؛ لأنه قال: الإدراك، الإدراك هو المعاصرة، ولكنه قال: ولقيه وسمع منه، فكأن الخطيب البغدادي أيضاً يميل إلى هذا المذهب.

الشيخ هنا أحال إلى كتاب، هو كتاب موقف الإمامين لخالد الدريس، قال: فقد ساق فيه عبارات طائفة من كبار الأئمة المتقدمين في إثبات هذا المذهب. أنا أقول لكم يا شباب: أنت تحتاج أن تدرس هذه المسألة بشكل نقدي، فعندك أول كتاب وأهم كتاب هو مقدمة الإمام مسلم، وعندك كتب أخرى أبحاث معاصرة اهتمت بهذا المبحث، طبعاً بداية من الكتب المتقدمة لو هو شرح للكتب المتقدمة، هو شرح ابن رجب الحنبلي لعلل الترمذي، وهو أيضاً يؤيد هذا المذهب، يا شباب، أو هذه الفكرة. لكن من الكتب المعاصرة عندنا كتاب موقف الإمامين لخالد الدريس، وهو أيضاً بيتكلم فيه عن إيه؟ عن تقوية هذا المذهب المشهور، وهو اشتراط ثبوت السماع واللقاء، وعندنا كتاب إجماع المحدثين لحاتم العوني، وعندنا كتاب اسمه الاتصال والانقطاع للدكتور اللاحم، فالكتب دي جيدة لدراسة المسألة.

الذي أَمِيلُ إليه أنا يا شباب بعد بحث هذه المسألة: أن المذهب الصحيح هو ما ذكره الإمام مسلم، وهو الذي عليه إجماع المحدثين، أن الراوي إذا كان ثقة وليس مدلسًا وقد عاصر شيخًا واللقاء بينهما ممكن، يعني لم تأتِ قرينة تمنع اللقاء، فهذا يحكم لعنعنته بالاتصال، لكن الشيخ هنا يرجح المذهب الآخر، وهو لا بد من ثبوت اللقاء ولو مرة.

طيب، خلينا نقرأ الكلام يا شباب. طبعاً هذه المسائل خلافية يا شباب، مثل بالضبط المسائل الخلافية في الفقه أو في أصول الفقه أو في أي باب من أبواب العلم، تأتي بعض المسائل يسوغ فيها الخلاف، والإنسان يحاول أن يتخير بعد أن يجمع. يبقى الأول يا شباب عندك تصور، لازم تصور المسألة بدقة الأول؛ لأنك ممكن تتعب في غير محل البحث. يبقى عندنا المراحل يا شباب أربعة: التصور، ثم الجمع، ثم النقد، ثم الوصول إلى نتيجة. حتى لو وصلت إلى نتيجة لا يصح لك أن تقطع بها قد ثبت الخلاف قوياً، يعني يمكن أن يميل إليها قلبك وأن ترجحها، لكن أن تقطع بها بحيث لا يبقى للوجه الآخر أي معنى أو أي وجه، هذا في رأيي ليس صحيحاً وهو تعسف.

قال ابن عبد البر: تأملت أقاويل أئمة أهل الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول إسناد المعنعن، يعني لا خلاف بينهم في ذلك، إذا جمع شروطاً ثلاثة: وهي عدالة المحدثين، ولقاء بعضهم بعضاً مجالسة ومشاهدة، وأن يكونوا براء من التدليس. أيضاً هنا واضح موضوع اشتراط ثبوت اللقاء.

قال: وهذا هو الذي صححه طائفة من كبار متأخري الأئمة، كابن الصلاح، وابن رشيد الفهري، والنووي، والذهبي وغيرهم، وهو في التحقيق ما جرى عليه البخاري وعرف من منهجه. يعني يا شباب، البخاري لم يصرح ولكنه فُهِم، يعني هم فهموه من منهجه. قال: وفي التحقيق ما جرى، تمام، واللقاء وحده مع عدم التدليس كافٍ عند البخاري لإثبات الاتصال في الإسناد المعنعن، وكذلك كان شيخه علي بن المديني يرى.

طبعاً هذا الكلام يا شباب، أن هم يا شباب جعلوا ذلك من كلام البخاري وابن المديني، هذا اجتهاد منهم؛ لأن هذا لم يثبت لا عن البخاري ولا عن علي بن المديني تصريحاً، ولكن فُهِمَ من فعلهما. الشيخ هنا بيقول لك: المسألة تطول في الحاشية، فأنت لو عايز تراجع ارجع لهذا الكتاب اللي هو موقف الإمامين، اللي هو البخاري ومسلم يا شباب. يعني هم يا شباب تصوروا أن الإمام مسلم في كتابه حينما يتكلم عن نقد هذا المذهب، كأنه ينتقد البخاري وعلي بن المديني. وهذا في رأيي يا شباب غلط كبير جداً؛ لأن الذي يقرأ كلام الإمام مسلم بيشعر إن الإمام مسلم بيتكلم عن شخص لقيط في علم الحديث، يعني لا يفهم شيئاً في علم الحديث، فيتكلم الإمام مسلم عنه بتقليل من شأنه وأن قوله كان ينبغي أن يهجر... فكيف يقال إن هذا هو قول الإمام مسلم، والإمام مسلم يبجل البخاري والبخاري شيخه؟ كيف يتكلم الإمام مسلم عن قول يقول به عامة الأئمة بأنه قول مهجور ينبغي...؟ يعني هناك قرائن كثيرة جداً يا شباب تبين عندي أن الإمام مسلم لم يتكلم عن البخاري ولم يقصده في هذا الكتاب. لكن عموماً، أنت تحاول أن تسمع وتقرأ، لك بعد ذلك أن تحكم بما يميل إليه قلبك، لكن بعد أن يكون عندك قدر من الاطلاع جيد، أو ملكة نقدية تستطيع أن تميز بها الكلام.

قال: واللقاء يثبت بالسماع الصريح الثابت في رواية، أو بالرؤية والاجتماع، أو بما يقوم من القرائن دليلاً عليه، كقدم التلميذ وكونه من أهل بيئة الشيخ مع السلامة في كل ذلك من المعارض.

طيب، الأخيرة هذه التي ذكرها الشيخ، لما بيقول: كقدم التلميذ وكونه من أهل بيئة الشيخ مع السلامة في كل ذلك من المعارض، هذا بالضبط هو ما نقوله، هو أن يكون اللقاء بينهما ممكناً، وإمكان اللقاء معناه ألا تقوم قرينة تمنع من اللقاء. فإذا كان هناك راوٍ غير مدلس وهو ثقة، لقاؤه ممكن بمن روى عنه، فإننا لا نحتاج أن نشترط أن يثبت السماع بينهما. لكن هنا الشيخ ينقل عن هؤلاء أنهم اشترطوا، وفي بعض نقله نظر. بص الشيخ بيقول إيه: وحين ادعى مسلم الإجماع على ما ذهب...

فالقول بالإكتفاء بالمعاصرة قابله ابن رجب بأن ذكر أن مذهب الأئمة الكبار على خلافه وعلى اشتراط ثبوت السماع. طبعًا، يا شباب، مقابلة ابن رجب رحمه الله... ابن رجب رحمه الله، يا شباب، آه لما ذكر في شرح علل الترمذي، ميزة هذا الكتاب الرئيسية، يا شباب، ليست في تحليل ابن رجب الحنبلي، وإنما ميزة هذا الكتاب في جمع ابن رجب الحنبلي لنصوص الأئمة. أما كلام ابن رجب رحمه الله في تحليل هذه النصوص التي جمعها فهو محل إيه؟ آه هو محل نظر، يعني إيه؟ يعني لا يقبل بنفس قوة الأقوال التي جاء بها؛ لأنه في الآخر وجهة نظر.

واضح كده، يا شباب؟ فأنا في رأيي أن ما قابل به ابن رجب الإمام مسلِمًا في الإجماع هي مقابلة ليست دقيقة. كلام الإمام مسلم وإمامة الإمام مسلم وعلم الإمام مسلم بالحديث أقوى بكثير جدا من أن يُقبل قول ابن رجب الحنبلي في نقده. يعني الإمام مسلم، يا شباب، هذا يعني له قطعتان هما أهم في علوم الحديث: كتاب التمييز والمقدمة. فالإمام مسلم، يا شباب، ليس عالمًا محدثًا عاديًا، فلما يدعي الإمام مسلم إجماعًا على شيء ويسوق أدلته بهذه الطريقة وهذه القوة وهذا القطع، ثم تأتي أنت بعبارات متناثرة فهمت منها خلاف ما يقوله الإمام مسلم، ثم يُجعل كلامك هذا بقوة كلام الإمام مسلم أو يُسقطه، فهذا في رأيي خطأ كبير جدا وليس صحيحًا.

طيب، قال: قابله ابن رجب بأن ذكر أن مذاهب الأئمة الكبار على خلافه وعلى اشتراط ثبوت السماع، وقال: بل اتفاق هؤلاء الأئمة يقتضي حكاية إجماع الحفاظ المعتد بهم على هذا القول، أن القول بخلاف قولهم لا يُعرف عن أحد من نظرائهم ولا عمن قبلهم ممن هو في درجة حفظهم. ده كلام ابن رجب رحمه الله، يا شباب. وأقول: فيما أطلقه ابن رجب من أن مذاهب أولئك الأئمة على اشتراط ثبوت السماع لا يساعد عليه ما أورده دليلًا لما قال، وبيانه أنه استدل لذلك بأمثلة تطبيقية.

يعني نفس الشيخ، يا شباب، هنا، يعني الشيخ الجديع نفسه مش موافق على طريقة ابن رجب الحنبلي في النصوص التي انتقد بها الإمام مسلم. يعني هو نفسه بيقول إن الإمام... آه إن، أقصد، ابن رجب الحنبلي رحمه الله ذكر أمثلة ينقض بها آه إجماع الإمام مسلم. خلينا نركز كده، يا شباب، واحدة واحدة: عندنا الإمام مسلم نقل الإجماع على أن الراوي إذا لم يكن مدلسًا، وعاصر شيخًا، واللقاء بينهما ممكن، تمامًا، ولم تأتِ قرينة تمنع ذلك، فإجماع المحدثين على قبول عنعنة ذلك الراوي عمن روى عنه دون اشتراط ثبوت اللقاء ولا أي شيء.

فابن رجب الحنبلي انتقد هذا الكلام، مش موافق، بيقول له: بل العكس، ده إحنا ممكن نقول الإجماع العكس، يعني كمان مش ابن رجب كمان مش بيثبت الخلاف، لا ده بيقول إن إجماع على العكس. وابن رجب رحمه الله، يا شباب، حينما انتقد إجماع مسلم عمل إيه؟ أتى بروايات، الشيخ الجديع نفسه، يا شباب، مش موافق على أن هذه الروايات تنقض إجماع الإمام مسلم. خلينا نمشي مع الروايات. النهاردة معلش هنطول شوية في النقطة دي لأن دي من النقط المهمة جدا اللي هي لها واقع تطبيقي، وهي من أشهر المسائل الخلافية. تشبه كده، يا شباب، إيه؟ آه، الخلاف في مسألة الإيمان، دخول العمل في مسمى الإيمان بالنسبة للعقيدة، إيه ده؟ آه، وتشبه مثلا مسألة الاحتجاج بخبر الواحد في علوم الحديث. يعني هي مسألة كبيرة يعني. طيب، خلينا نمشي مع نصوص اللي جابها ابن رجب الحنبلي ونشوف كيف أخطأ في الاستدلال بها.

طيب، قال: المثال الأول، قال: جماعة رأوا النبي صلى الله عليه وسلم لكنهم لم يثبت لهم منه سماع، فروايتهم عنه مرسلة، كطارق بن شهاب. اثنين: جماعة ثبتت رؤيتهم لبعض الصحابة لكن حديثهم عنهم مرسل؛ لعدم السماع، كالأعمش، والرؤية... يعني الأعمش آه عاصر كثيرًا من الصحابة آه أو آه رأى بعض الصحابة ولم آه يثبت له سماع منهم. قال: والرؤية أبلغ في الاتصال من مجرد إمكان اللقاء. ثلاثة: وجود بعض من ثبت له اللقاء والسماع اليسير من شيخ، ولم يسمع أكثر ما روى عنه معنعنًا آه كسعيد بن المسيب عن عمر. وساق ابن رجب بعض عبارات الأئمة أحمد وأبي زرعة وأبي حاتم في ذلك، ثم قال: فدل كلامهم على أن الاتصال لا يثبت إلا بثبوت التصريح بالسماع، وهذا أضيق من قول ابن المديني والبخاري؛ فإن المحكي عنهما أن يعتبر أحد أمرين: إما السماع وإما اللقاء، وأحمد ومن تبعه عندهم لا بد من ثبوت السماع. هذه النصوص، يا شباب، التي ذكرها ابن رجب الحنبلي لا تدل على المسألة أساسًا. واضح يا شباب؟ آه خلينا نقرأ كلام الشيخ وبعدين آه نعقب.

قلتُ: والنقد لما استخلصه ابن رجب عن هؤلاء الأئمة من وجهين: الوجه الأول: ما ذكره من عباراتهم مستدلًا به الجميع لا يخلو من واحد من الأحوال الأربعة التالية: ما استدل به أن جماعة ثبتت لهم الرؤية ولم يثبت لهم السماع، فإن ذلك عرف بصغر سن أحدهم يوم إدراكه، وأنه لم يكن في عمر من يحتمل آه عنه ما روى عن ذلك الشيخ، كرواية ابن المسيب عن عمر، ورواية الأعمش عن أنس، مع ما ينضم إلى هذا الأخير مما عرف عنه من التدليس.

الثاني: عبارات لأحمد بن حنبل وغيره فيها التوقف عن القطع بالاتصال؛ لأنه لم يقف على ما يدل عليه، كقول أحمد وقد سئل: يحيى بن أبي سمع من أنس؟ آه قال: قد رآه، آه آه قال: رأيت أنسًا ولا أدري سمع منه أم لا. قلتُ: وهذا التوقف من جهة ما ورد من الريبة في الانقطاع من أجل صغر يحيى حين أدرك أنسًا. يعني، يا شباب، خلينا نأخذهم مثال مثال. بصوا، يا شباب، القصة عندنا كلها، يا شباب، في فكرة واحدة بس، وهي كلمة "إمكان اللقاء". كلمة "إمكان اللقاء" معناها إيه، يا شباب؟ إن كل إن امتنع أو جاءت قرينة ترجح عدم لقائه بمن روى عنه، فهذا خارج محل البحث أصلًا. فكل الأمثلة التي ذكرها ابن رجب ينتقد بها إجماع مسلم هي خارج محل البحث أصلًا، يا شباب.

ليه؟ هو بيقول هنا إن فيه بعض الصحابة آه آه عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم وروايتهم عنه مرسلة، يعني يسمعون بواسطة عنه، نعم ببساطة لأنهم كانوا غير مميزين في وقت حياة النبي صلى الله عليه وسلم، كان رضيعًا أو كان عنده آه سنتين أو ثلاث سنوات. فاهمين يا شباب؟ فلم يكن في سن يحتمل اللقاء، يبقى هذا أساسًا خارج محل البحث. نحن محل البحث عندنا في إمكان اللقاء الذي تصح به الرواية.

طيب، الأمر الثاني بقى إن هو أتى بروايات عن الإمام أحمد مثلًا أنه توقف في قبول السماع، آه، الإمام أحمد توقف في قبول السماع بنفس هذه العلة؛ لأنه حصل آه لقاء لكن كان اللقاء في سن لا تحتمل السماع، أو أن الراوي معروف بالتدليس كالأعمش. فاهمين يا شباب؟ فالأعمش مثلًا رأى أنسًا فلم يُحكم له بالاتصال؛ لأنه هو نفسه لم يسمع منه شيئًا وهو صرح به، أو جاء في بعض آه القرائن ما يدل على ذلك، والأعمش كذلك مدلس. فكل هذا، يا شباب، خارج محل البحث أساسًا، فاهمين؟

الإمام مسلم، يا شباب، يتكلم عن إمكان اللقاء، يعني لم تأتِ قرينة تمنع اللقاء. أما إذا أتيت أنت بصورة حصل فيها اللقاء أو المعاصرة وهناك مانع يمنع من ثبوت السماع، يبقى أنت كده بتتعب نفسك على الفاضي، يبقى أنت كده تأتي بمسألة خارجة عن الصورة التي نتحدث عنها. طيب، آه قال:

لا، خلينا نجيب الثالث: ما يوجد من نفي السماع في عبارات بعضهم في حق من عُرف لهم الإدراك وإمكان اللقاء، آه كقول أبي زرعة الرازي في أبي أمامة بن سهل بن حنيف: لم يسمع من عمر مع أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم، فليس في محل النزاع إذ لا نزاع أن الراوي... يعني هو، يا شباب، هنا كمان أتى بنص يستدرك به على الإمام مسلم، لكن استدراكه نص خطأ. ليه؟ أنت حينما تأتي بنصوص ثبتت فيها المعاصرة ولم يثبت السماع، أو ثبتت فيها المعاصرة واللقاء ولم يثبت السماع، هذه النصوص، يا شباب، خارج محل البحث. ليه؟ لأننا لا نقول إن كل من عاصر شيخًا لا بد أن يكون سمع منه، لا أبدًا، وإنما نقول إن الراوي إذا كان ثقة وغير مدلس وعاصر شيخًا واللقاء بينهما ممكن، يعني إن لم تقم قرينة على امتناعه، إذًا نقبل عنعنته عنه ولا نشترط ثبوت التصريح. هي دي المسألة، يا شباب، هذا هو حرف المسألة.

قال: الرابع: قيام شبهة في عدم الاتصال في محل العنعنة، مثل أن يروي الراوي عن رجل عاصره لكنهما قد تباعدت أرضهما ولا يُعرف لأحدهما... خلينا نصححها يا شباب، عندنا "لأحدها"، لا هي: "لأحدهما ارتحال إلى بلد آخر"، مثل قول أبي حاتم الرازي في رواية ابن سيرين عن أبي الدرداء: قد، ولا أظنه سمع منه، ذلك بالشام وهذا بالبصرة. يبقى ليه يا شباب؟ يبقى إذا هي هنا لم يتحقق إمكان اللقاء، معروف إن آه أبا الدرداء في الشام وابن سيرين في البصرة، وابن سيرين ما راحش الشام مثلًا، خلاص يبقى دي قرينة تثبت عدم إمكان اللقاء. كل النصوص، يا شباب، التي ذكرها ابن رجب رحمه الله وغيره في نقض إجماع الإمام مسلم آه هي إما خارج محل النزاع، أو لا تصح، أو لا يصح أن نتعقب بها على آه إجماع الإمام مسلم.

طيب، آه قال: ويشبه هذا في قيام الشبهة قول أحمد بن حنبل: ابن سيرين لم يجيء آه عنه سماع من ابن عباس، فإن أحمد قال في نص آخر: لم يسمع من ابن عباس شيئًا، آه كلها يقول: نُبِّئتُ عن ابن عباس. فالانقطاع بينهما فيما يقول فيه "عن ابن عباس" في بعض الرواية عنه لا يُحمل على الاتصال لمجرد الإدراك والمعاصرة، من أجل ما قام من شبهة التلقي بواسطة. صح يا شباب؟ ده كلام كويس، يعني إنه لا يصح أن تنقض كلام الإمام مسلم بهذا النص، ليه؟ لأن هنا قامت قرينة تبين أن آه ابن سيرين آه سمع بواسطة عن ابن عباس، أنه قال "نُبِّئتُ". يبقى هذا، يا شباب، خارج محل البحث أيضًا، واضح؟

قال: ومثله كذلك قول أحمد حين سئل: عبد الله البهي سمع من عائشة؟ قال: ما أرى في هذا شيئًا، إنما يروي عن عروة، يعني أخذ عن عائشة بواسطة. خلاص؟ طيب، الوجه الثاني، يعني الوجه الثاني من النصوص التي أتى بها ابن رجب ينقض إجماع مسلم، قال: ما ثبت عن هؤلاء الأئمة من اعتبار إمكان السماع قائمًا مقام السماع، فمن نصوصهم: قال أبو داود السجستاني: قيل لأحمد -يعني ابن حنبل-: أسمع الحسن من عمران؟ قال: ما أنكره! ابن سيرين أصغر منه بعشر سنين سمع منه، يعني بيقول هذا محتمل.

قال أبو داود: قلت لأحمد: عباس بن سهل أدرك أبا حميد؟ قال: عباس قديم. آه، عباس كبير، ممكن. وقال ابن هانئ لأحمد -وابن هانئ من تلامذة الإمام أحمد يروي عنه السؤالات والمسائل-: آه، ابن إسحاق سمع من عطاء؟ قال: نعم، ابن أبي ذئب أصغر من ابن إسحاق وقد سمع من عطاء بن أبي رباح. وقال الأثرم: سألت أحمد قلت: محمد بن سوقة سمع من سعيد بن جبير؟ قال: نعم، قد سمع من الأسود غير شيء، كأنه يقول إن الأسود أقدم، سئل الإمام أحمد. طيب، كل هذه النصوص في هذا الباب، يا شباب، وهو إيه؟ إمكان اللقاء.

قال: وأما ما ذكره... خلينا نجيب الرواية: قلتُ: أما قوله في الزهري عن أبان، فإنه علله بقوله: كيف سمع من أبان وهو يقول: بلغني عن أبان؟ فقامت شبهة تمامًا. وأما ما ذكره فهذا موافق للأصل. طيب، خلينا نقرأ المثال ده يا شباب، قال: وأما ما ذكره في رواية حبيب عن عروة وهو محل الشاهد، فمقتضى قوله أنه لولا اتفاق أهل الحديث على نفي سماع حبيب من عروة لكانت روايته عنه متصلة؛ من أجل أنه سمع ممن هو أكبر منه. وهذا موافق لأصل إجراء العنعنة على الاتصال ما لم يثبت ما ينافيه.

بصوا، يا شباب، محل المسألة عندنا للمرة الأخيرة: هل نحن نطلب دليلًا على ثبوت السماع أم أننا نقول إذا لم يقم دليل على نفي السماع فالعنعنة جارية على الاتصال؟ الصواب هو الثاني. يبقى هنا، يا شباب، هل اشترط العلماء ثبوت اللقاء والسماع أم أنهم فقط اشترطوا عدم المانع من اللقاء؟ الذي يقوله مسلم إن العلماء لم يشترطوا ثبوت السماع، وإنما يُكتفى ألا يقوم دليل على نفي السماع، لكن ابن رجب الحنبلي ينقل عنهم أنهم اشترطوا السماع، وهذا ليس صحيحًا.

قلتُ: ولعل الشبهة دخلت على عبد الله من جهة أن هذا واسطي. تمام. طيب، المذهب الثالث، خلاص إحنا ذكرنا إيه، يبقى الشيخ هنا يعني آه انتقد ما ذكره ابن رجب كحجة على تخطئة الإمام مسلم. المذهب الثالث: أن "عن" اتصالٌ بشرط المعاصرة، وهو الذي انتصر له مسلم بن الحجاج. طبعًا هذا ليس دقيقًا، يا شباب، الإمام مسلم بن الحجاج لم يقل إن "عن" بمجرد المعاصرة يثبت بها الاتصال، هذا الكلام من الشيخ ليس دقيقًا، الإمام مسلم يتكلم عن إمكان اللقاء وهو أقوى من مجرد المعاصرة، واضح، والنص آه الذي يعني آه آه سنقرأه الآن سيبين هذا الكلام.

قال: وهو الذي انتصر له مسلم، وحكى فيه إجماع من تقدم. وقد ذكر مسلم في صدر صحيحه مقالة لم يفصح عن قائلها، حاصلها أنه لا يكفي قول الراوي: "عن فلان" لإثبات اتصال ما بينهما، حتى وإن ثبت أنهما كانا جميعًا في عصر واحد، ومحتمل أن يكون الحديث الذي روى عن ذلك الشيخ قد سمعه منه وشافهه به، لكن لا نعلم له منه سماعًا، ولم نجد في شيء من الرواية أنهما التقيا قط أو تشافها، وإنما يثبت الاتصال إذا ثبت أنهما اجتمعا مرة فأكثر أو تشافها بالحديث. ثم رد مسلم هذه المقالة وأنكرها ووصفها بكونها مخترَعًا.

بصوا، يا شباب، الإمام مسلم بقى بيقول إيه بقى، ركزوا: ده كلام الإمام مسلم، عشان نحاول دائمًا، يا شباب، حاول إنك أنت تفهم الكلام بعيد عن أي سلطة، يعني لا تفهم الكلام لا مني ولا من الشيخ الشارح ولا... لا، افهم الكلام من صاحب الكلام، حاول أن تفهمه أنت، فخلينا نحاول نمشي مع الكلام اللي قاله الإمام مسلم واحدة واحدة. قال الإمام مسلم: القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديمًا وحديثًا -ركزوا بقى يا شباب-: أن كل رجل ثقة... واحد: ثقة... روى عن مثله حديثًا عن ثقة، وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد... بدأ يبين خطأ الشيخ وخطأ ابن رجب الحنبلي في فهمه، ليه يا شباب؟ لأن الإمام مسلم هنا لا يشترط مجرد المعاصرة، وإلا لكان يقول: كل راوٍ ثقة معاصر لا يدلس يُحكم لعنعنته بالاتصال. لا، هو لم يقل ذلك أبدًا، وإنما قال: كل -خلينا نمشي حرف حرف-: كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعًا كانا في عصر واحد، يبقى هذا أعلى من مجرد المعاصرة يا شباب، وإن لم يأتِ في خبر قط أنهما اجتمعا ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة والحجة بها لازمة، إلا أن تكون هناك دلالة بينة أن هذا الراوي لم يلقَ من روى عنه أو لم يسمع منه شيئًا.

كلام واضح جدا لا يحتمل تأويلًا. الإمام مسلم ببساطة، يا شباب، بيقول من الخطأ أن تظن أن مجرد المعاصرة تكفي في ثبوت السماع، لا، أو تستلزم السماع، لا، بيقول لا بد من إمكان اللقاء وعدم المانع. فحينما تأتي أنت بنصوص فيها آه حصلت معاصرة ولم يثبت السماع، أو انتفى السماع، أو حصلت معاصرة ولقاء فلم يثبت السماع، يبقى أنت كده خارج محل النزاع، يبقى أنت كده بتتعب نفسك على الفاضي. وهو ده بالضبط، يا شباب، اللي عملوه.

الأمر الثاني يا شباب، الإمام مسلم ده إمام كبير جدا، وعلى علم كبير جدا بمذاهب الأئمة، ومن قرأ كلامه في كتاب التمييز أو مقدمته يعرف إمامة الإمام مسلم، ويعرف كيف كان يتتبع كلام الأئمة قبله في تحرير أي مسألة، واضح؟ فحينما ينقل الإجماع، واضح، ويأتي بحججه، ويبين أن القول الآخر باطل منكر مخترع، ثم بعد ذلك تقول أنت: بل العكس، القول المنكر هذا المخترع هو الذي عليه الإجماع وهو المتفق عليه، وقول الإمام مسلم هو الذي خالف الإجماع، هذا، يا شباب، في رأيي كلام غلط تمامًا. في رأيي إن هذا الكلام الذي تتابع عليه كثير من المتأخرين والمعاصرين آه يعني تلقوه بغير تحرير، وكأنهم يعني لم ينتبهوا أن الإمام مسلم أنكر هذا، وتجاهل هذا الشخص الذي اخترع هذا الكلام. كيف يقال بعد ذلك إن هو كان يقصد البخاري وعلي بن المديني؟ هذا والله كلام غريب جدا يعني.

قال: وناقش مسلم المقالة السابقة ورد ما يمكن التعلق به لأجلها، وهو احتمال إرسال عدم السماع بين الراوي وذلك الشيخ الذي عنعن عنه.

يبقى، يا شباب، لو سمحت حاول تقرأ مرة ثانية كلام الإمام مسلم رحمه الله في مقدمته وتحاول أن تنتقي، أسقط منه آه الشروط أو الضوابط التي حكم بمقتضاها الإمام مسلم لرواية المتعاصرين بثبوت السماع.

طيب، قال: ثم أبطَلَ ذلك بأن الاحتمال عندئذٍ يرد على كل موضع عنعنة، آه حتى في رواية الراوي عمن سمع منه مرة أو أكثر؛ لجواز أن يكون روى عنه بالواسطة فأسقطها وأرسله عنه.

وقال مسلم -الإمام مسلم يا شباب بيرد بقى على إيه؟ بيرد آه على آه الذين اخترعوا هذا الشرط-، قال رحمه الله: وما علمنا أحدًا من أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها، مثل أيوب السختياني وابن عون ومالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ومن بعدهم من أهل الحديث، فتشوا عن موضع السماع في الأسانيد، وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته ويتفقدون ذلك منه كي تنزاح عنهم علة التدليس.

يبقى الإمام مسلم، يا شباب، يقول: الأئمة قبلي -وذكر أسمائهم، وطبعًا هؤلاء الأئمة أعيان يا شباب-، ليه؟ لماذا هم أعيان؟ لأنهم لم يكونوا ثقات فحسب، وإنما كانوا يتحرون في الرواية ويدققون في طلب صحة الرواية. فبيقول إن هؤلاء لم يثبت عنهم أبدًا التفتيش عن ثبوت السماع إلا إذا كان الراوي مدلسًا، أما إذا كان الراوي غير مدلس ولقاؤه ممكنًا بمن روى عنه، فإنهم يقبلون عنعنته ولا يشترطون فيه ثبوت سماعه.

قال: وذكر مسلم أمثلة... إن شاء الله، يا شباب، لما نقرأ مقدمة الإمام مسلم إن شاء الله سنحاول أن آه نعيد هذه المسألة مرة ثانية، لكن أرجو أن تكون اتضحت، وآه وأن أكون يعني بينت المذهبين فيها. قال: وذكر مسلم أمثلة عديدة لقبول أهل العلم الحديث وتصحيحه والاحتجاج به، مع أنه لم يأتِ إلا من جهة آه قد قال فيها الراوي "عن فلان"، ولم يثبت أنهما اجتمعا ولا تشافها في شيء من الرواية. يعني الإمام مسلم، يا شباب، أتى بروايات كثيرة آه لأئمة لم يثبت السماع بينهما ولو في رواية واحدة، ومع ذلك قبلها العلماء.

وقال الحاكم في المعنعَنات: هي متصلة بإجماع أئمة النقل، على تورع رواتها عن التدليس. بل الحاكم كمان ماشي على نفس المذهب، وطبعًا نقل الإجماع. وهذا الذي بينه مسلم ودل عليه ما ذكره الحاكم آه تفيده كذلك عبارات بعض المتقدمين؛ فقد قال الحميدي وهو يذكر صفة الحديث الثابت، فجعل ما يحدثه الراوي عن شيخ قد أدركه متصلًا بمجرد ذلك، قال: وإن لم يقل كل واحد ممن حدثه: سمعتُ أو حدثنا، حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإن أمكن أن يكون بين المحدث والمحدث عنه واحد أو أكثر؛ لأن ذلك عندي على السماع لإدراك المحدث من حدث عنه حتى ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولازمٌ صحيح يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا إذا كان صادقًا مدركًا لمن روى عنه.

أيضًا طبعًا كلام الحميدي، الحميدي هذا يا شباب كبير، الحميدي هذا هو تلميذ سفيان بن عيينة ومن الأئمة الكبار، واضح، ينقل عنه الخطيب البغدادي آه في آه كتابه الكفاية، الخطيب البغدادي ينقل عن الحميدي آه كلامه في آه في بعض علوم الحديث تجدها موجودة في كتاب الخطيب: الكفاية في أصول علم الرواية، هذا أيضًا نص قوي.

وقال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: بُسر بن سعيد لقي زيد بن ثابت؟ قال: وما يُنكر أن يكون قد لقيه؟ قلت: روى عن أبي صالح عن زيد بن ثابت -يعني فيه واسطة-، قال: قد روى شقيق عن رجل عن عبد الله. طب ما هو شقيق... شقيق بن عبد الله آه أيضًا روى عن عبد الله بن مسعود بواسطة وبغير واسطة، ومع ذلك نقبل عنعنته إذا عرفنا أنه ليس مدلسًا.

قلتُ: طرأت الشبهة لابن المديني من جهة وقوع رواية لبسر عن زيد بالواسطة ولم يُوقف له على رواية بالسماع منه، فرده القطان بكون الراوي قد يروي عن شيخه بالواسطة وليس بلازم منه وجودها في كل ما يرويه عنه. يعني إيه يا شباب؟ يعني ببساطة كده، علي بن المديني بيقول ليحيى بن سعيد -يحيى بن سعيد القطان، يعني علي بن المديني التلميذ، يحيى بن سعيد- بيقول له: بسر بن سعيد هل لقي زيد بن ثابت؟ فقال له: والله ممكن، اللقاء بينهم ممكن. قال له: إزاي؟ روى عن أبي صالح عن زيد، يعني فيه روايات بسر لم يروها عن زيد بن ثابت مباشرةً، جعل بينه وبينه، اللي هو أبو صالح. قال له: طب إيه المشكلة؟ طيب ما إحنا عندنا شقيق، شقيق بن سلمة -هو طبعًا آه أنا قلت شقيق بن عبد الله قبل ذلك، لا هو شقيق بن سلمة اللي هو أحد أكبر الرواة وأهم الرواة عن عبد الله بن مسعود-، فشقيق هذا، وطبعًا هو من كبار التابعين، شقيق هذا، يا شباب، روى عن رجل عن عبد الله، قال له: طيب ما هو شقيق أحيانًا بيروي عن رجل عن عبد الله، وأحيانًا يروي عن عبد الله مباشرة ونحن نقبله، لماذا؟ لأنه ثقة وليس مدلسًا. فهمنا يا شباب؟

طيب، قال: وتحرير محل النزاع أن الشرط المتفق عليه بين الجميع لتحقيق الاتصال أن يكون الراوي المعنعِن لم يثبت عليه في حديثه المعنعَن آه تدليس، آه وأن أخذه الحديث عمن عنعن عنه مترجحًا. فشرط البخاري ومن وافقه أن يكون... شوف الشيخ هنا بيقول: شرط البخاري ومن وافقه أن يكون قد عُرف بينهما اللقاء ولو مرة. أنا أقول: لم يثبت هذا عن البخاري، وإنما فهمه الناس عنه، والشيخ نفسه هنا قال: لم يأتِ نص عن البخاري يشترط فيه ذلك، وإنما فُهم من تطبيقه. فقول الشيخ "شرط البخاري ومن وافقه" هذا ليس صحيحًا وليس دقيقًا وهو خطأ منه، وكان الصواب أن يقول: الشرط الذي فهمته أنا من البخاري ومن وافقه، أما أن يكون هذا شرط البخاري فليس كذلك، ولم يصرح به.

طيب، قال: وشرط مسلم ومن وافقه أن يكونا تعاصرا، فثبوت المعاصرة مع عدم التدليس مظنة للقاء. هذا غلط أيضًا، الإمام مسلم لم يقل إن المعاصرة بمجردها تثبت السماع، خطأ، هذا لم يقله الإمام مسلم. الإمام مسلم كلامه واضح جدا، بيقول: كل راوٍ... كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا... إحنا في صفحة إيه؟ يعني رجعنا ثاني صفحة مئة وخمس وسبعين، يا شباب، حتى ندرك أن الشيخ لم يكن دقيقًا في نقله هنا، أو في قوله: "أن كل رجل ثقة"، يبقى دي أول شيء: ثقة، روى عن مثله حديثًا، روى عن ثقة -يعني عن مثله- حديثًا، وجائز ممكن له السماع منه... يعني إيه جائز ممكن؟ يعني هناك قرائن تدل على إمكان اللقاء، كأن يكون كبيرًا في السن، مشهورًا بالرحلة، آه يعيش في نفس البلد، آه سمع ممن هو أكبر منه، واضح يا شباب؟ آه لكونهما جميعًا في عصر واحد... فكونهما في عصر واحد، يا شباب، ليس وحده هو المناط، وإنما المناط مكون من مجموعة أشياء: ثقة الرجل، أنه ليس مدلسًا، عاشا في عصر واحد، اللقاء بينهما ممكن ولم تأتِ قرينة تدل على امتناع السماع. يبقى حينما تختصر أنت كل هذه الشروط في صفة واحدة وهي المعاصرة، يبقى هذا يعني آه تقصير كبير جدا.

قال: وما يشترط له البخاري ثبوت اللقاء مَندَفِعٌ عند مسلم؛ بعد ثقة الراوي بعدم تدليسه فهو لا يسقط واسطة بينه وبين شيخه، وألزم القائلَ بمذهب البخاري أن ما خشيه من مظنة عدم الاتصال في هذه الحالة أنه وارد كذلك في حال اشتراط ثبوت اللقاء ولو مرة، فإن مظنة عدم الاتصال واردة أيضًا، ويلزم عليه اشتراط ثبوت السماع في كل موضع عنعنَة. والبخاري ومن وافقه يقولون بما قال به مسلم من تصحيح للاتصال بالمعاصرة إذا ترجح اللقاء بالقرائن، ومسلم أطلق القول في الإكتفاء بها... غلط! طبعًا قوله: "ومسلم أطلق القول في الإكتفاء بها" ده غلط، يا شباب، للاسف، يعني هذا ليس تحريرًا من الشيخ، الإمام مسلم لم يطلق القول بأن كل معاصر فقد ثبت سماعه ممن عنعن عنه، هذا غلط على مسلم.

قال: آه فَأُخِذَتْ على صحيحه أسانيدُ أُعلَّت بالانقطاع، وليس كذلك في البخاري. يعني الشيخ بيقول بناء على ما قاله الإمام مسلم أُخذت عليه أحاديث أُعلت بالانقطاع، وهذا في رأيي ليس تحريرًا من الشيخ، وآه ليس هذا هو قول الإمام مسلم ولا قول البخاري آه وإنما هذا هو الذي فُهم من كلامهما. والذي أراه، يا شباب، بعد أطلاع على هذه المسألة واهتمام كبير جدا بها، أن قول الإمام مسلم هو المحكَّم هنا وهو الذي عليه كلام الأئمة، وكل النصوص أو الأحاديث أو الأمثلة التطبيقية التي انتقد بها قول الإمام مسلم أو ظُن منها أن المحدثين عليها إما أنها خارج محل النزاع أو أنها تؤيد كلام الإمام مسلم. فالإمام مسلم لا يقول إن الأئمة على إثبات الاتصال بمجرد المعاصرة، هذا غلط، وإنما قال: إذا كانت المعاصرة متحققة واللقاء ممكنًا وليس هناك قرينة تنفي السماع، فالحديث على السماع، فحينما تختصر أنت هذا فهذا ليس صحيحًا. طيب.

قال: وطريق البخاري أمكن وأرجح. الشيخ بيقول: إن هذا طريق البخاري، فنقول له: هذا إذا ثبت أن هذا هو طريق البخاري. قال: والمظنة التي أوردها مسلم مندفعة بشرط عدم التدليس أو ثبوت الإرسال في رواية معينة، وهو أوفق لما يوجبه مقتضى الاتصال كشرط للصحيح.

يعني الشيخ بيقول: الأمثلة التي ذكرها مسلم... الإمام مسلم بينكر على هؤلاء، يقول لهم: لو أنكم اشترطتم ثبوت السماع في رواية واحدة لا يجب عليكم أن تشترطوا السماع في كل رواية. ليه؟ لأننا سنبقى خائفين في تلك الرواية المعنعنة ألا يكون سمعها. فالشيخ بيقول له: لأ لأ، لأن إحنا اشترطنا أنه لا يكون مدلسًا. طيب، الشيخ بيقول عليه: فالراجح أن الإسناد المعنعن يحكم له بالاتصال فيما بين الراوي والراوي عنه بتلك الصيغة بشروط ثلاثة: أن يثبت اللقاء بينهما يقينًا أو غالبًا، أن يسلم التلميذ من التدليس، ألا يقوم دليل على عدم السماع. آه، طيب، آه، يبقى ده رأي الإيه؟ ده رأي الشيخ يا شباب.

الشيخ نفسه لما قال: أن يثبت اللقاء بينهما يقينًا أو غالبًا، كلمة أو غالبًا كده دي تنقض كلامه أساسًا. ليه؟ لأنه لما بيقول يقينًا... أو يقينًا يعني يثبت السماع: حدثنا أو أخبرنا أو أن الراوي يقول: أنا التقيت بالشيخ. لكن لما قال غالبًا يعني إيه؟ يعني توجد قرائن تدعم أنه التقى به. فقوله يقينًا أو غالبًا يبقى كده هو عايز يتوسط بين المذهبين، فهمنا يا شباب؟ فلو هو توسط بين المذهبين، هذا التوسط هو قول الإمام مسلم بالضبط. الإمام مسلم يا شباب لا يقول إلا هذا، يعني اللي هو ذكره في الآخر ده: أن يثبت اللقاء بينهما يقينًا أو غالبًا، أو أن يسلم التلميذ من التدليس، ألا يقوم دليل على عدم السماع، هو ده بالضبط كلام الإمام مسلم تمامًا.

الإمام مسلم لم يقل إلا هذا الكلام، لكنهم للأسف فهموا من كلامه أنه يقول إن المعاصرة وحدها تكفي في ثبوت السماع، وفهم من مخالفه أنه يشترط ثبوت السماع ولو مرة، فلا هم فهموا كلام مسلم ولا فهموا كلام من زعموا أنه... هم خالفوا الإمام مسلم، واضح يا شباب؟ إذاً خلاصة هذه المسألة بكلمة: أن كل راو ثقة عاصر شيخه ولم يكن هذا الراوي مدلسًا واللقاء بينهما ممكن ولم تقم حجة على انتفاء اللقاء أو السماع، فعنعنة الراوي عمن روى عنه محمولة على الاتصال.

طيب آه، نشوف يا شباب إحنا أخذنا وقت... طيب بقي لنا إن شاء الله وقت. قال: مسائل متفرقة في اتصال الإسناد، إحنا في صفحة مائة وتسعة وسبعين يا شباب. قال: المسألة الأولى: مما ينبغي مراعاته صيغ تلحق بالإسناد المعنعن وتأخذ أحكامه، بيانها فيما يلي: قول الراوي قال فلان، هذه الصيغة في التحقيق بمنزلة العنعنة، يحتمل معها السماع والانقطاع، لكن يستثنى منها من عرف أنه لا يقولها إلا في حديث مسموع له.

تمام، قال: مثل همام بن يحيى عن قتادة، آه فإنه قال: ما قلتُ -يعني الذي قلتُ- قال قتادة: فأنا سمعته منه. يعني يا شباب كلمة قال هي تشبه كلمة عن، ليس فيها تصريح بالسماع. لكن بعض الرواة يا شباب حتى العنعنة عنهم تحمل على الاتصال حتى لو كانوا مدلسين. يعني هناك رواة يا شباب مدلسون، هؤلاء الرواة ثبت أنهم وإن كانوا يدلسون لكنهم عن بعض الرواة لا يدلسون، مثل ابن جريج عن عطاء، ومثل كذلك أبي إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص، اللي هو عوف بن مالك بن نضلة. أحيانًا يكون الراوي يا شباب يدلس عن رواة كثيرين، ولكنه في بعض شيوخه لا يدلس لكونه سمع منهم أحاديث كثيرة لا يحتاج أن يدلس عنهم، مثل الأعمش؛ الأعمش مثلاً وإن كان مدلسًا لكنه لا يدلس عن أبي صالح ولا عن أبي وائل ولا عن إبراهيم النخعي، لأنه يعني أكثر من السماع عنهم فلا يحتاج أساسًا أن يأخذ حديثًا عن غيرهم، وهكذا.

طيب، وقال حماد بن زيد: إني أكرة إذا كنت لم أسمع من أيوب -يعني السختياني- حديثًا أن أقول: قال أيوب كذا وكذا، فيظن الناس أني قد سمعته منه. وكان حجاج بن محمد الأعور يقول: قال ابن جريج، وذلك فيما قرأه على ابن جريج وهو متصل. طيب، قول الراوي عن فلان أن فلانا قال؛ أن فلانًا قال يا شباب هذه أيضًا محتملة للاتصال ومحتملة للانقطاع. يعني أنا يا شباب حينما أقول آه أحكي واقعة: أن فلانًا قال فيها كذا، محتمل إن أنا أكون حضرت هذه الواقعة، ومحتمل أن أكون لم أحضر هذه الواقعة، خلاص؟ نقرأ وبعدين نشرحها يا شباب.

قال ابن عبد البر: جمهور أهل العلم على أن عن وأن سواء، وأن الاعتبار ليس بالحروف، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة، فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحًا كان حديث بعضهم عن بعض أبدا بأي لفظ ورد محمولاً على الاتصال، حتى تتبين فيه علة الانقطاع. يعني ابن عبد البر بيقول: إن كلمة أن وعن ممكن يستعملها الراوي عادي بينه وبين من روى عنه ما دام الراوي ده يعني ثبت لقاؤه أو اتصل بشيخه، إلا أن تأتي قرينة تدل على الانقطاع.

قال: وردّ قولُ من جعل أن ليس اتصالا بأن استدل بكون قول الصحابي: قال رسول الله أو أن رسول الله أو عن رسول الله أو سمعت رسول الله سواء عند أهل العلم، وهذا هو التحقيق ما دامت تلك الصيغة واقعة بين راويين قد ثبت اتصال ما بينهما. يعني يعني يا شباب إن حصل إن راويين اتصلا وذكر أحدهما أن، فإن هي بالضبط مثل عن، إذا كان اللقاء بينهما ممكنًا، أو حتى على القول الثاني إذا ثبت بينهما اللقاء، خلاص يبقى أن مثل عن يحكم لها بالاتصال. لكن استثنى منها صورة إيه بقى يا شباب؟ إذا كان الراوي روى بكلمة أن عن رجل لم يعاصره أو عن راو لم يعاصره أو لم يلتق به.

قال: إنما تستثنى صورة ما إذا حدث الراوي عن حدث لم يدركه، وفي سياق الحدث ذكرٌ لشيخه، ولم يبين إن كان قد أخذه عن ذلك الشيخ أم لا، كقول عروة... خليني أضربها لكم مثال يا شباب، خليني نقول إن في إنسان مثلاً... إن في شخص بيتعلم مع الشيخ أبو إسحاق الحويني مثلاً يا شيخ، خليني أضرب لكم مثال عشان يوضح المسألة لأنها شوية صعبة إنك تتصورها إلا بالمثال. اعتبروا إن في شخص يا شباب اسمه علي مثلاً، حضر دروس للشيخ أبو إسحاق الحويني، يبقى هو كده سماعه إيه؟ سماعه حصل من الشيخ أبو إسحاق -شفاه الله وعافاه وحفظه الله- فهو بيحكي بيقول: حدثنا أبو إسحاق، أو عن أبي إسحاق، تمام، كده الكلام ماشي كويس.

لكن لما يقول: إن أبا إسحاق كان يحدث الشيخ الألباني بكذا وكذا، وحدث بينهما كذا وكذا، يبقى هو هنا بيحكي موقف حدث بين أبي إسحاق والألباني -الشيخ الألباني رحمه الله- فهو لما حكى هذا الموقف يا شباب ولم يخبرنا أنه أخذ هذا الموقف عن شيخه أبي إسحاق، فهذا يا شباب يسمى بالإرسال. ليه؟ لأنه لم يحضر هذه الواقعة ولم يخبرنا أنه أخذها عن شيخه. فبالتالي يا شباب هذا هو صورة المرسل، أن يحكي الراوي موقفًا لم يحضره، هذا اسم المرسل، حتى لو كان في هذا الموقف شيخه موجودًا، لا مش مهم، المهم إن هو حكى موقفًا لم يحضره.

فهنا بيقول إيه؟ مثال كقول عروة بن الزبير: أن عائشة قالت يا رسول الله، طبعًا عروة سمع من عائشة نعم، ولكنه لم يحضر هذه الواقعة ولم يخبر أن عائشة رضي الله عنها حدثته. قال: فعروة سمع من عائشة، ولكنه في التحقيق هنا لم يحدث عائشة، إنما حدث عن حدث لها وقع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا صورته صورة المرسل. وقد قال أحمد بن حنبل: كان مالك زعموا يرى عن فلان وأن فلانا سواء. قال أبو داود السجستاني: سمعت أحمد قيل له إن رجلا قال: عروة أن عائشة قالت يا رسول الله وعن عروة عن عائشة سواء؟ قال: كيف هو سواء؟ أي ليس هو سواء. لأ مش سواء طبعًا، في فرق، في فرق يا شباب إن يكون عروة حدث عن عائشة بحديث يبقى هو تلقى هذا الحديث عنها رضي الله عنها، وإن يكون عروة يحكي موقفًا لم يحضره حدث لعائشة رضي الله عنها فهذا مرسل.

قال: ومن الصيغ ذكر فلان وذكره فلان صيغتان قليلتا الاستعمال، زعم فلان نادرة الاستعمال، وكذا فلان يأثر عن فلان، وتفيد احتمال الاتصال كمجرد العنعنة. قال ابن جريج: قلت لعطاء أترخص في أن أضع صدقة مالي في مواضعها أو إلى الأمراء لا بد؟ قال: سمعت ابن عباس يقول: إذا وضعتها مواضعها ما لم تعط منها أحدا شيئا تعوله أنت فلا بأس، سمعته مرة يأثره عن ابن عباس. قلت: فهنا اتصال. لكن ما رواه عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد يأثره عن ابن مسعود أنه قال: في كل معاهد مجوسي أو غيره الدية وافية، فهذا منقطع، مجاهد لم يدرك ابن مسعود. يعني يا شباب يقول إن كلمة فلان يأثر عن فلان هذه نرجع فيها إلى القرائن، قد تفيد الاتصال وقد تفيد الانقطاع وقد لا تفيد الاتصال وتأتي قرينة تدل على الانقطاع.

قال: فهذا منقطع تمامًا. ووقعت في رواية بعض الأحاديث القدسية فيما رواه النبي عن ربه تبارك وتعالى. ومن ذلك: فلان رد ذلك إلى فلان أو يرد إلى فلان، كقول محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن بشر بن مسعود: وردّ الحديث حتى رده إلى أبي سعيد، وذكر الحديث في العزل.

طيب، المسألة الثانية: رموز صيغ الأداء. اتفقنا يا شباب إن طرق التحمل هي الطريقة التي يتلقى بها الراوي الرواية عمن روى عنه، اللي هي مثلاً السماع أو القراءة على الشيخ أو الإجازة أو الوجادة، إنما صيغ الأداء هي الصيغة التي يذكرها الراوي بينه وبين من روى عنه، مثل حدثنا، أخبرنا، سمعت عنه، هكذا. قال: استخدام الاختصار في كتابة صيغ الأداء كان عليه عمل الكُتاب والنُساخ، مثلاً: حدثنا أو ثنا وربما كتبها بعضهم دثنا. يعني حدثنا، أخبرنا، دي سهلة يا شباب ممكن تقرأوها، اللي هي صيغ الإيه؟ اللي هو الاختصارات. مثلاً كلمة ح هي علامة تحويل الإسناد، يعني مثلاً الإمام مسلم يا شباب خلينا نأخذ حرف ح لأنه شوية هو اللي بيلخبط.

بصوا يا شباب، الإمام مسلم مثلاً عنده إسنادان للحديث، مثلاً قتيبة بن سعيد عن سفيان عن الزهري (ح)، ومثلاً محمود عن شعيب عن الزهري، يبقى هو كده إيه؟ عنده... أو خلينا نجيبها مثال واقعي: الإمام مسلم قال: حدثنا عمرو الناقد وقتيبة بن سعيد عن سفيان عن الزهري (ح)، وحدثنا يحيى عن مالك عن الزهري، يبقى كده الإمام مسلم عنده طريقان وصل بهما إلى الزهري. أول ما يوصل للزهري يبقى كده الإسناد أصبح واحدًا. معلش الناس اللي بتسأل عن السبورة، السبورة والله موجودة، والكاميرا الحمد لله ركبناها، والباقي بقى إن إحنا نشغلها فيديو، مش عارف أشغلها فيديو إزاي، حاولت أنا وأولادي نشغل الكاميرا فيديو ما عرفناش. في واحد صديقي هنا جاري بيفهم في الكاميرات إن شاء الله أوديها له عشان أنا عارف إنكم أنتم بتتعبوا لما أقعد أخليكم تتخيلوا كده، وإن السبورة كانت هتنجز معنا معلش، يعني أنتم اصبروا وإن شاء الله هنظبط الموضوع ده.

طيب، بنحاول نخلص الباب ده يا شباب. قال المسألة: يقول البخاري في تاريخه في كثير من التراجم: فلان سمع فلانا، فهل هذا إثبات منه لسماعه أم حكاية لما وقع في الإسناد من طريق ذلك الراوي؟ قال البخاري في ثعلبة بن يزيد الحماني: سمع عليًا، روى عنه حبيب بن أبي ثابت، يُعد في الكوفيين، فيه نظر. فقال ابن عدي: أما سماعه من علي ففيه نظر كما قال البخاري. قلتُ: فهو يفسر قول البخاري أنه أراد بقوله فيه نظر سماعه من علي، وهذا يعني أن البخاري لا يثبت سماعه من علي، إنما أراد بقوله سمع عليًا مجرد حكاية ما وقع في الإسناد. فهذا القول إن لم يظهر أن البخاري قصد به إنشاء العبارة في تثبيت السماع من جهة نفسه، فإنه لا يصح الاستدلال به على أنه قول البخاري، إنما العمدة حينئذ لتصحيح السماع على ثبوت الإسناد الذي حُكيت فيه تلك الصيغة.

يعني إيه يا شباب؟ يعني البخاري حينما يقول فلان سمع مثلاً... شوف خلينا نجيب المثال، سمع عليًا، يعني البخاري أحيانًا يأتي براوٍ في التاريخ الكبير يقول: سمع فلانًا، وفي الآخر يقول فيه نظر. هل كلمة فيه نظر دي كلمة نقد يا شباب؟ هل كلمة فيه نظر معناها أن البخاري يرفض ثبوت السماع هذا المذكور المدعى؟ هذا قال به بعض أهل العلم، والشيخ محمد عمرو رحمه الله كان يقول ذلك، كان يقول إن البخاري حينما يذكر أن فلانًا سمع فلانًا ثم يقول فيه نظر يقصد أنه رُوي بينهما صيغة السماع لكنها لا تثبت، لكن الشيخ هنا بيقول: لا بد أن نتحقق من ثبوت الإسناد وهكذا.

طيب، قال: وأما مثل قول البخاري في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود: سمع أباه، قاله عبد الملك بن عمير، فبيّن أنه إن ذكر سماعه من أبيه جاء في رواية عبد الملك عنه، وكثيرًا ما يقول البخاري مثل هذا: فلان وسمع فلانًا، قاله فلان، فهذا لو حكاه إنسان أنه قول للبخاري يكون قد أخطأ فيه. طبعًا هذا خطأ، لأن البخاري لم يقل إن فلانًا سمع، وإنما قال جاء سماعه عنه في رواية فلان، يبقى إيه؟ لا بد أن نتحقق منها.

طب آخر مسألة عندنا يا شباب اليوم، ونكون أنهينا الحديث عن الاتصال بفضل الله: المرسل إذا عُلمت فيه الواسطة وتبين أنها ثقة فهو صحيح جارٍ على مجرى المتصل. قال خالد الحذاء: كل شيء قال محمد -يعني ابن سيرين-: نُبئت عن ابن عباس، إنما سمعه من عكرمة، لقيه أيام المختار -المختار الثقفي يعني بالكوفة-. يبقى إيه يا شباب؟ يبقى عندنا محمد بن سيرين يقول نُبئت عن ابن عباس، دي رواية منقطعة، لكننا تأكدنا أن الراوي الساقط وهو عكرمة، يبقى هي متصلة. قال أحمد بن حنبل: قال شعبة: قال لي يا خالد: كل شيء رواه ابن سيرين عن ابن عباس فهو عن عكرمة، لقيه بالكوفة أيام المختار.

ووجدتُ بعض متأخري العلماء استدل باتصال ما أرسله إبراهيم النخعي عن ابن مسعود، وذلك اعتمادًا على ما جاء عن الأعمش، قال: قلتُ لإبراهيم النخعي: أسند لي عن عبد الله بن مسعود، فقال إبراهيم: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهو الذي سميتُ، وإذا قلتُ: قال عبد الله فهو عن غير واحد عن عبد الله. وليس هذا كالذي تقدم عن ابن سيرين، فإن الواسطة هنا لم يتبين إن كان ثقة لأنها مبهمة مجهولة، وإبراهيم عن أصحاب عبد الله بن مسعود وفيهم مجاهيل. يعني الشيخ هنا بيقول يا شباب: بعض المتأخرين قالوا إذا جاءتنا رواية فيها إبراهيم النخعي عن عبد الله بن مسعود... إبراهيم النخعي يا شباب من أئمة الكوفة، ولكنه لم يلتقِ عبدَ الله بن مسعود رضي الله عنه، وإنما أخذ عن تلامذته مثل عبيدة السلماني والأسود وعلقمة بن قيس، واضح؟

فبعض العلماء قالوا إيه؟ إذا قال إبراهيم النخعي عن عبد الله بن مسعود، يبقى نحكم لها بالاتصال، ليه؟ لأن في رواية بتقول إن إبراهيم النخعي قال: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهو الذي سميتُ، يعني لو قلت عن الأسود عن عبد الله يبقى هو الأسود، لكن لو قلت قال عبد الله فده عن أكثر من واحد عن عبد الله. فالشيخ هنا مش موافق بقى إن إحنا نحكم لده بالاتصال، ليه؟ لأن أحيانًا كان بيروي إبراهيم النخعي عن بعض الرواة المجاهيل عن عبد الله بن مسعود. وهذا أيضًا يا شباب جيد من الشيخ، وهو محل نظر، يعني إيه؟ يعني هي مسألة اجتهادية: هل قول إبراهيم النخعي هنا عن ابن مسعود نعتبر أنه عن ثقات عن ابن مسعود أم نتوقف فيه؟ هذا محل نظر، وإن شاء الله ندرس هذا حينما نأتي إلى رواية تطبيقية فيها إبراهيم النخعي عن عبد الله بن مسعود، وربما يظهر ذلك أيضًا بجمع الطرق إذا ظهر أن إبراهيم النخعي صرح في بعض الروايات بالواسطة التي أسقطها في هذا الحديث.

نقف هنا يا شباب، وإن شاء الله موعدنا ربما غدًا إن شاء الله في الحديث عن نقد النقلة، اللي هو علم الجرح والتعديل، هو من أهم أبواب علوم الحديث. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا. وأوصيكم ونفسي بتقوى الله والإكثار من الأعمال الصالحة، فإن طلب العلم إنما يشعر الإنسان بقيمته إذا كان يعني يستقيم على دين الله، يكثر من النوافل، طبعًا يحافظ على الفرائض، ويحافظ على الصلوات في جماعة، والسنن، يحافظ على ورد القرآن، يخلص النية لله، يحسن إلى الناس، يكون قلبه سليمًا، يحب الخير لإخوانه، يصل رحمه. يعني إن شاء الله قريبًا عندي محاضرة لمعهد آفاق إن شاء الله أيضًا أحاول أن يعني أسجلها لكم، سأتكلم فيها عن الاستقامة لطالب العلم، وأتكلم عن قواعد مهمة في تزكية النفس، وشعب الإيمان، ونحاول أن نضع برنامجًا نتواصى به في الخير، نتذكر فيه الأعمال الصالحة: الصيام، والنوافل، والصلاة، والصدقة، والذكر، والقرآن، وصلة الأرحام، والإحسان، وتربية الأطفال... يعني الأشياء التي نحاول أن نشعر فيها بثمرة العلم. فهذا العلم يا شباب هو مجرد معارف، إذا لم يتحول إلى واقع عملي يتحسن به دين الإنسان وخلق الإنسان وقلب الإنسان، فسيكون حجة عليه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ما نتعلمه حجة لنا لا علينا، وهو سبحانه المستعان، ربنا أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.