السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
فقد سبق معنا في الدرس الماضي ما يتعلق بمسائل النسخ، وقد ذكرنا من مسائل النسخ أنه لا يقال بالنسخ عند التعارض بين النصين إلا إذا تعذر الجمع بينهما. هذا اليوم بإذن الله تعالى سنبين هذه المسألة بشكل أوضح، ونبين الواجب عند تعارض النصوص.
وقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بالتعارض بين النصين في هذا الموضع، وفي موضع آخر في آخر الكتاب، يتبين بمجموعهما المسلك الذي يسلكه العالم المجتهد إذا تعارضت النصوص في نظره. وهنا نبين مسألة قبل الشروع، وهي أن التعارض بين النصين إنما يكون في ذهن المجتهد لا في حقيقة الأمر، فإن النصوص الشرعية جاءت من عند الله عز وجل محكمة ليس بينها تعارض في حقيقة الأمر وفي المراد بها.
لكن قد يشكل على المجتهد، قد يشكل على الفقيه، يشكل على العالم وجه الجمع بين النصين، أو يشكل عليه المراد بهذا النص والمراد بالنص الآخر فيظهر له تعارض بينهما. فهذا التعارض له عدة أحوال. قال المؤلف رحمه الله تعالى: إذا تعارض نطقان، والمراد بالنطقين النص من الكتاب أو من السنة، فلا يخلو: أما أن يكونا عامين أو خاصين، أو أحدهما عاما والآخر خاصا، أو كل واحد منهما عاما من وجه خاصا من وجه.
إذاً، هذا هو التقسيم، هذا هو التقسيم المتعلق بتعارض النطقين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فإن كانا عامين، هذا هو النوع الأول: أن يكون التعارض بين عامين. طيب، يندرج تحت هذا القسم أن يكون عامين عدة احتمالات:
الاحتمال الأول: أن يمكن الجمع بين النصين، فحينئذ يتعين الجمع بينهما، ويجب الجمع بين النصين. مثال ذلك، نقول: مثال ذلك ما جاء في الحديث: خير الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد، والحديث الآخر: شر الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد. هكذا ذكر هذا اللفظ في الشرح المحلي، ذكره في الشرح بهذا اللفظ.
فكيف نجمع بينهما؟ يقول: نجمع بينهما بأن نقول: الأول محمول على ما كان من له الشهادة عالما بها، والثاني إذا لم يكن الشخص الذي له الشهادة لم يكن عالما بها. طيب، المؤلف يقول أيضا في الشرح، يقول: الثاني رواه مسلم بلفظ: ألا أخبركم بخير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها. والأول متفق على معناه من: خيركم قرني ثم الذين يلونهم إلى قوله: ثم يكون بعد ذلك قوم يشهدون قبل أن يستشهدوا.
إذاً، إذا كان النصان عامين وأمكن الجمع بينهما فلا بد من الجمع. نعم، ننتقل بعد ذلك إلى الاحتمال الآخر، وهو: إن لم يمكن الجمع بينهما. إن لم يمكن الجمع بينهما، إذا علم التاريخ فيقال بالنسخ، ولهذا قال رحمه الله: فإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ. فإن علم التاريخ، الثاني ناسخ، وإن علم التاريخ ينسخ المتقدم بالمتأخر، مثل قول الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ. هذه آية عامة المتوفى عنها زوجها.
والآية الأخرى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، أيضا عامة. التعارض بينهما لا يمكن الجمع فيه، لكن يعلم التاريخ، وهو أن قوله: وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج، أن هذه متقدمة، وأن الآية الأخرى يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا متأخرة، فنقول بالنسخ، نقول: الأربعة أشهر وعشرا نسخت العدة سنة كاملة.
طيب، الحالة الثالثة وهي التي قال المؤلف: فإن لم يمكن الجمع يتوقف فيهما. لم يمكن الجمع بينهما إذا لم يمكن الجمع بينهما يقال يتوقف، ولكن المؤلف في آخر الكتاب ذكر مسألة وهي ترتيب الأدلة، وهي مسلك قبل مسلك التوقف، إذا لم يمكن الجمع بينهما قبل التوقف يرجح بينهما فينظر إلى الاقوى منهما فيقدم ما هو الأقوى؟ هذا ساذكره إن شاء الله عند الكلام عن ترتيب الأدلة في آخر الأبواب. إذا كان الأسهل أن يجمع البابان في موضع واحد، ونحن شهدنا كورونا إجمالا نقول الترجيح على حسب ما سيأتي في ترتيب الأدلة.
نعم، والتوقف هذا اللي هو المرتبة الرابعة: إذا لم يمكن الترجيح، تساوى النطقان من كل وجه، ولم يمكن الترجيح بينهما، فإن العالم يتوقف، يقول: لا أدري، يقول: الله أعلم. هنا ننبه طالب العلم وننبه المتفقه إلى أنه ينبغي أن يقول: لا أدري، لا ينبغي للإنسان أن يتسرع إذا كان العلماء مثل مالك والشافعي وأحمد يقولون في مسائل كثيرة: لا أدري، فكيف بطالب العلم الذي يكون في بدايات طلبه للعلم؟ ينبغي له أن يتعود على كلمة لا أدري، ويحفظها حفظا ويقولها في كل موضع لا يعرف فيه الحكم.
فيتوقف المجتهد، فضلا عن طالب العلم الذي لم يصل رتبة الاجتهاد. طيب، إذاً هذا بالنسبة لمراتب النظر. طيب، وإن كانا خاصين، قال لك: نفس الشيء، ماذا نقول؟ وإن كانا خاصين نفس الشيء: إن امكن الجمع يجمع، إن لم يمكن الجمع وعلم التاريخ يقال بالنسخ، إن لم يعلم التاريخ يرجح بينهما، إن لم يمكن الترجيح يتوقف فيهما، نفس المراتب الأربعة السابقة.
الحالة الثالثة في التعارض: أن يكون التعارض بين عام وخاص، وهو الذي قال عنه المؤلف رحمه الله: وإن كان أحدهما عاما والآخر خاصا، فيخصص العام بالخاص. إذاً يخصص العام بالخاص، مثاله: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فيما سقت السماء العشر. يعني الشيء في الزكاة، إذا بلغ الشيء الذي سقي بالسماء يجب فيه العشر، زكاة الخارج من الأرض. فيما سقت السماء العشر، وهذا نص عام يشمل ما كان مما دون الخمسة أوسق وما كان أكثر من الخمسة أوسق، لكن في الحديث، طبعا خمسة أوسق تساوي ثلاث مئة صاع.
لكن في الحديث الآخر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة. فهذا خصص حديث فيما سقت السماء العشر، وهذا معنى قوله رحمه الله: وإن كان أحدهما عاما والآخر خاصا فيخصص العام بالخاص.
وإن كان كل واحد منهما عاما من وجه خاصا من وجه، هذه هي الحالة الرابعة اللي هما عام من وجه وخاص من وجه، فيخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر. وإذا خصصنا عموم كل واحد منهما يخصص الآخر، يبقى عندنا اشكال يحتاج إلى دليل خارجي.
مثال ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا صلاة بعد العصر حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تغرب الشمس. لا صلاة، هذه نكرة في سياق النفي تفيد العموم، ويدخل فيها تحية المسجد. إذاً لا صلاة بعد العصر يشمل تحية المسجد وغيرها. طيب، قوله صلى الله عليه وسلم: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، أو فليركع ركعتين. هذا خاص بتحية المسجد، خاص بتحية المسجد.
هل نقول: لا صلاة بعد العصر إلا تحية المسجد؟ قال لك: نعم، هذا خاص بتحية المسجد، لكنه عام في الأوقات. لماذا لا نعكس ونقول: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين إلا بعد العصر؟ فنقول: إذا دخل أحدكم المسجد عام في جميع الأوقات، وحديث لا صلاة بعد العصر خاص في وقت العصر، فيخصص. إذا لاحظت الإشكال؟
إذاً نقول: يخصص كل واحد منهما بعموم الآخر، فنقول: لا صلاة بعد العصر إلا تحية المسجد، فيتوقف في حكمها. إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين إلا بعد العصر، فيتوقف في الحكم. فيكون عندنا موضع نعتبر أن النص لم يدل عليه؛ لأنه ليس التمسك بأحد النصين في محل الإشكال أولى من الآخر.
فنقول: تحية المسجد في وقت النهي، لا يصح أن تقول: لا صلاة بعد العصر مخصص لحديث تحية المسجد، ولا يصح أن تقول: حديث تحية المسجد مخصص بصلاة العصر، تخصص كل واحد منهما يخصص عموم الآخر، ويبقى الإشكال في صلاة تحية المسجد بعد العصر، نقول: نحتاج إلى مرجح. إذاً نتجه إلى الترجيح، كيف الترجيح يكون؟ نعم، أول، طبعا هذا ظهر أمامكم تخصيص أحدهما بالآخر.
هذا تخصص كل عموم كل واحد منهم بدليل آخر. طيب، تخصص عموم كل واحد منهما بالآخر، ثم تنتقل إلى الترجيح في محل الإشكال فتقول: نحتاج إلى مرجح؛ هل تحية المسجد في وقت النهي يترجح فيها النهي ولا يترجح فيها الأمر؟
هنا عندنا عدة مرجحات؛ المرجح الأول الذي يمكن أن نتمسك به أن نقول: إن النهي أقوى من الأمر، لقوله صلى الله عليه وسلم ما نهيتكم عنه فاجتنبوه. واضح؟ وبعض أهل العلم يرجح الحديث الآخر لمرححات مذكورة في محلها.
نعم، إذا كان أحدهما عاماً من وجه والآخر كذلك، وإذا كان كل واحد منهما عاماً من وجه وخاصاً من وجه، فنسلك ما يأتي: أول شيء نخصص كل عموم منهما بخصوص الآخر، نأتي في محل الإشكال فنرجح بين إلحاقه بعموم هذا الحديث أو بعموم الحديث الآخر، وتعمل بالحديثين في غير محل التعارض.
فتقول: لا صلاة بعد العصر؛ هذي تدخل فيها كل الأشياء ما عدا تحية المسجد نحتاج إلى نظر. وإذا دخل أحدكم المسجد؛ يشمل جميع الأوقات إلا بعد العصر ونحتاج فيه إلى النظر والترجيح. هذا ما يتعلق بمسائل التعارض.
انتقل المؤلف رحمه الله تعالى بعد ذلك إلى الإاجماع. الإجماع أيها الاخوة الكرام، طبعا هنا واجب منزلي أذكر مسألة إجماعية، وواجب منزلي آخر أذكر كتابا مستقلا في مسألة الإجماع.
طيب، الإجماع أيها الإخوة الكرام له أركان، تتبين هذه الأركان من تعريف المؤلف رحمه الله، يقول المؤلف: واما الإجماع فهو اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة، ونعني بالعلماء الفقهاء ونعني بالحادثة الحادثة الشرعية.
الركن الأول من أركان الإجماع: المجمعون، وأُخذ هذا من قول المؤلف علماء العصر وهم الذين يجمعون على المسألة، ويشترط فيهم أن يكونوا فقهاء، ولهذا قال المؤلف: نعني بالعلماء الفقهاء، فلا يعتبر في الإجماع العوام والجهلة.
كذلك لا يعتبر العلماء بغير تخصص الفقه، يعني مثلاً تقول والله المهندسون والأطباء؛ لا يعتبر إجماعهم في مسائل الشرع، وإنما يعتبر كلامهم في تخصصاتهم، لكن نحن نتكلم عن الفقه فلا بد أن يكون الشخص فقيهاً حتى يعتبر قوله في الإجماع.
الشرط الثاني: الكلية، وأنا أقصد بالكلية يعني أن يكونوا كل المجتهدين، وهذا معنى قول المؤلف علماء العصر، وهذا يعم جميع العلماء وسيبين أيضاً هذا فيما يأتي.
الأمر الآخر أو الركن الثاني من أركان الإجماع أو الشرط الثالث، عفواً، الشرط الثالث بالمجمعين: أن يكونوا معاصرين لحظة الإجماع أو لعصر الإجماع، وهذا سنبينه بشكل أوضح في الدرس القادم، لأن هذا من مقرر الدرس القادم، ولكننا أحببنا أن نجمع الكلام هنا.
وأما الواقعة فهي الركن الثاني من أركان الإجماع، وهي مأخوذة من قول المؤلف على حكم الحادثة، إذن لا بد من وجود واقعة، وهي الحادثة، وشرطها أن تكون حادثة شرعية، يعني يتعلق بها حكم شرعي كالتحريم والإباحة والكراهة، ولهذا قال: ونعني بالحادثة الحادثة الشرعية.
وأما الأمور الكونية التي لا تتعلق بأفعال المكلفين أو الأمور الذوقية فهذه لا يدخلها الإجماع الذي يحتج به. وأما الركن الثالث من أركان الإجماع فهو الحكم، وشرطه أن يكون شرعياً وهذا أخذناه من قول المؤلف الحادث الشرعي نفس الشيء.
وأما النوع والركن الرابع فهو صيغة الإجماع، وصيغة الإجماع نوعان. نعم، وصيغة الإجماع قسمان: إجماع صريح وإجماع سكوتي، وهذا ما سوف نذكره بإذن الله عز وجل في الدرس القادم بإذن الله سبحانه وتعالى.
طبعا المؤلف قبل أن نختم بين مسألة في غاية الأهمية، في غاية الأهمية، وهي أن الإجماع حجة، أن إجماع هذه الأمة حجة، ولهذا قال رحمه الله: وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها، لقوله صلى الله عليه وسلم: لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ، اخرجه الترمذي.
قال: والشرع ورد بعصمة هذه الأمة، وهذه قضية في غاية الأهمية. الإجماع هذا لا بد من اعتباره، الله عز وجل يقول: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ.
والإجماع هذا سور لا يجوز تجاوزه، ولا يجوز أن يفهم القرآن والسنة إلا وفق الإجماع، ولو فتحنا الباب لفهم الشريعة بما يخالف الإجماع لما بقيت قدسية للكتاب والسنة، كل واحد يفهمها بما يريد.
المقصود أن الإجماع من أهم الأدلة وهو الدليل الذي يحكم الفهم للكتاب والسنة، الإجماع ما هو معناه أن العلماء يشرعون لكن معناها أن فهم السلف وإجماعهم معتبر وحجة. هذا ما يتعلق بدرس اليوم، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما فيه الخير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت