السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فأهلاً وسهلاً بكم في هذا الدرس بشرح كتاب الورقات لأصول الفقه لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني. وكنا في الدرس الماضي قد بدأنا فيما يتعلق بالإجماع، واليوم بإذن الله عز وجل نواصل مسائل الإجماع.
قد مر معنا أن الإجماع له أركان، وهي المجمعون، وعرفنا أنه يشترط أن يكونوا فقهاء، وأن يكون الإجماع من كل الفقهاء، وأن يكونوا معاصرين للحظة الإجماع أو لعصره، وهذا سيأتي الآن بيانه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والإجماع حجة على العصر الثاني وفي أي عصر كان ولا يشترط انقراض العصر على الصحيح.
ها، شفتوا هذه المسألة؟ مسألة أخيرة نشرحها الآن، أول مسألة هنا قالها المؤلف أن الإجماع حجة، هذه قضية مهمة، حجية الإجماع. والإجماع من الأدلة المتفق عليها، يجب الأخذ به فالاتباع لمنهج السلف الاتباع لما أجمع عليه السلف، اتباع لما أجمع عليه العلماء، هذا أمر واجب وليس أمرا اختياريا، ولا يجوز لأحد أن يخالفه، والله عز وجل يقول: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ.
وقضية الإجماع قضية مهمة، قد ذكرت لكم أن الكتاب والسنة حصن سوره الإجماع، والمحافظة على الإجماع محافظة على الشريعة من الهجوم والعبث بها، لماذا؟ لأننا لو تركنا لكل أحد يريد يفهم القرآن والسنة على ما يريد، حتى لو خالف إجماع العلماء، ألن يبقى للقرآن قدسية؟ يأتينا واحد يقول: آه وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ هذا نهي يقتضي الكراهة مثلاً، نقول: لا، أجمع العلماء على تحريم الزنا فيغلق الباب.
واضح؟ قضية الإجماع قضية غاية في الأهمية، والتشكيك في الإجماع من أعظم الخطر، والتسويغ الخروج عن إجماع العلماء هذا يفتح أبواب الشر، وهذا الحاصل اليوم، تأتي للشخص تقول له: يا اخي، قال الله قال رسوله، بيقلك: يا اخي المسألة فيها خلاف. تأتيه في مسألة أخرى تقول: يا اخي، المسألة هذه اتق الله، أجمع عليها العلماء، يقول: لكن العبرة بالنص وليس بالاجماع.
الإجماع أيها الإخوة الكرام هو الذي يحكم فهم الشريعة، الإجماع إذا اجمع العلماء على شيء معناها كل من فهم من الشريعة خلاف هذا الفهم فهو مخطئ وقوله باطل، واضح؟ وليس معنى هذا أن العلماء معصومين، العلماء بافرادهم ليسوا بمعصومين، ولكنهم إذا أجمعوا على شيء فقد دل الشرع على أن إجماعهم حجة، لانه لا يمكن ان يجمعوا إلا وهو الحق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجتمع أمتي على ضلالة.
قال المؤلف: الإجماع حجة على العصر الثاني. إذا أجمع الصحابة على مسألة، فاجماع الصحابة هذا العصر الأول عصر الصحابة، حجة على العصر الثاني، يعني على عصر التابعين. طيب، هل يحتج بالإجماع من لحظة انعقاده أو ننتظر حتى ينقرض العصر؟ يعني إذا أجمع الصحابة في مسألة ولنفترض أجمعوا عليها في سنة عشرين للهجرة، جاء بعض التابعين بلغ رتبة الاجتهاد في سنة مثلاً ستين للهجرة، وبقي عصر الصحابة لم ينقرض، وبقى من الصحابة المجتهدين من بقي، هل يجوز لهذا التابعي أن يخالف ويقول: والله أنا نظرت في المسألة فأرى غير رأيكم، أو لا يجوز له المخالفة؟ المؤلف يقول: لا يجوز له أن يخالف، لأن الإجماع انعقد. وهذا معنى قوله: ولا يشترط انقراض العصر على الصحيح.
إذا، لا يشترط انقراض العصر، الإجماع في لحظة انعقاده يكون ملزماً، وقوله رحمه الله على الصحيح يفهمنا أن هناك قولا آخر، وهو اشتراط انقراض العصر، وهذا القول الآخر هو مذهب الحنابلة في المعتمد أنه يشترط انقراض العصر. وهذا يعطي الإجماع قوة خاصة في الإجماع السكوتي، لأنك إذا أعطيت فرصة للمجتهدين بالتراجع والنظر ثم حكمت بالإجماع بعد انقراض العصر خلاص، معناها هذا إجماع قوي، يعني نقول: الصحابة اجمعوا بحثوا تناقشوا في المسألة في سنة عشرين للهجرة، إذا أراد واحد منهم في سنة اثنين وعشرين للهجرة رأى ان يراجع المسألة مرة أخرى، هل له ذلك؟ أو نقول خلاص انعقد الاجماع وليس لك أن تراجع؟
من يقول لا يشترط انقراض العصر، كما هو اختيار المؤلف، يقول: لا، خلاص ما عاد فيها مراجعة. من يقول يشترط انقراض العصر يقول: لهم أن يراجعوا وينظروا ويتأملوا، وإذا بلغ بعض التابعين لرتبة الاجتهاد قبل انقراض العصر فله أن ينظر، أما بعد انقراض العصر، يعني إذا مات الصحابة الذين نظروا في الواقعة وحكموا فيها، إذا ماتوا فلا يجوز لأحد بعد ذلك أن يخالف. هذا على القول بأيش؟ باشتراط انقراض العصر.
قال المؤلف رحمه الله: فان قلنا انقراض العصر شرط، فما الذي يترتب على ذلك؟ إذا قلنا أن انقراض العصر شرط قال لك يترتب على ذلك ما يأتي: يعتبر قول من ولد في حياتهم وتفقه وصار من أهل الاجتهاد. إذا قول التابعي إذا ولد في حياة الصحابة وبلغ الاجتهاد في حياة الصحابة وصار فقيها في حياة الصحابة فله أن ينظر في مسألة أجمع عليها الصحابة قبل أن ينقرض عصر الصحابة، لكن بعد انقراض عصرهم وخلاص انتهى. لكن له أن ينظر ما داموا أحياء وموجودين، له أن ينظر، وقد يوافق وقد يخالف، واضح؟
فيُعتبر قوله. قال: ولهم أن يرجعوا عن ذلك الحكم. يعني أيضا من ثمرة مسألة انقراض العصر يجوز للصحابة أن يرجعوا عن ذلك الحكم، أو بعض الصحابة يرجع عن ذلك الحكم، يقول: والله أنا صحيح أني وافقتكم، ولكنني أرجع عن رأيي. هذا من يقول باشتراط انقراض العصر لانعقاد الإجماع، واضح؟
إذا، هذه مسألة انقراض العصر، طيب، ننتقل الآن عرفنا أن الواقعة يشترط أن تكون شرعية، وعرفنا أن الحكم لابد أن يكون شرعيا، الآن ننتقل إلى الصيغة، قال المؤلف: والاجماع يصح بقولهم وبفعلهم وبقول البعض وبفعل البعض وانتشار ذلك وسكوت الباقين عنه. هذه المسألة أيها الإخوة الكرام فيها بيان أنواع الإجماع، الإجماع نوعان: إجماع نطقي وإجماع سكوتي.
والإجماع النطقي: أن ينطق بالحكم وأن يحكم بهذا الحكم جميع الفقهاء المجتهدين، كلهم يقولون هذا مثلاً، فإذا جمعنا علماء المسلمين وفقهاء المسلمين كلهم في اجتماع، وعرضنا عليهم مسألة، قلنا: من يوافق؟ فاسألوا الجميع، وافقوا ووقعوا على القرار بمثلا بتحريم هذه المسألة، وكان الحضور كل المجتهدين، نقول: هذا إجماع نطقي، وهذا معنى قول المؤلف قال: الإجماع يصح بقولهم، إذا هذا هو الإجماع بالقول.
وقد يكون الإجماع بالفعل أيضاً في الأشياء التي يفعلها المسلمون كافة، مثال ذلك: صلاة المغرب، الأولى جهرية والثانية جهرية والثالثة سرية، كل العلماء وكل المسلمين يعملون بهذا الحكم ويسيرون عليه، نقول: أجمع المسلمون على أن المغرب الأولى جهرية والثانية جهرية والثالثة سرية، واضح؟
قال: ويصح بقوله وعرفناه، وبفعلهم وعرفناه، قال: وبقول البعض وبفعل البعض وانتشار ذلك وسكوت الباقين عنه. يقول أيضا: يصح أن يصدر الإجماع، وهذا هو النوع الثاني اللي هو الإجماع السكوتي، أن يصدر الحكم من بعض العلماء، العلماء في الأمة مثلاً مئتا عالم، فاجتمع في مجلس واحد خمسون منهم وحكموا في مسألة من المسائل النازلة بأنها من المحرمات، وصدر القرار وانتشر، نشر في وسائل الإعلام وفي الإنترنت ووصل إلى بقية المجتهدين ولم ينكروا ذلك سكتوا عن ذلك، فنقول: هذه مسألة إجماعية إجماع سكوتي.
هذا معنى قوله وبقول البعض وبقول البعض وانتشار ذلك وسكوت الباقين. وكذلك يمكن أن يكون بفعل البعض وانتشار ذلك وسكوت الباقين، فيعمل بعض المجتهدين عملاً ويجري العمل على ذلك ويصل الأمر إلى البقية ولا ينكروه، فهذا يعتبر إجماعاً سكوتياً أيضاً. إذا هذا ما يتعلق بالإجماع، إذا شرط الإجماع السكوتي هو انتشار ذلك القول أو ذلك الفعل وعدم إنكار بقية المجتهدين، وهذا ما يتعلق بالكلام عن الإجماع.
وانتقل المؤلف رحمه الله إلى الكلام عن قضية أخرى وهي قول الصحابي. أذكر، نعم، طيب، عندنا واجبات منزلية: لخص مذاهب العلماء في الاحتجاج بقول الصحابي، أذكر مثالاً للنوعين الأخيرين. سيأتي. هذا قول الصحابي أيها الإخوة الكرام حجة من الحجج في المسائل الشرعية على قول بعض أهل العلم، وعلى القول الثاني ليس بحجة. لكن قبل أن نعرف ما
اه هل قول الصحابي حجة أو ليس بحجة؟ والخلاف في المسألة، نريد أن نعرف محل البحث المراد بهذه المسألة؟ نقول: قول الصحابي على أنواع. النوع الأول: ما له حكم الرفع، وهو ما لا يقال بالرأي، وهذه السنة النبوية.
إذا قال الصحابي قولا في مسألة مما لا يدرك بالاجتهاد ولا يقال بالرأي، فهذا له حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيكون مرجعه إلى الاحتجاج بالسنة النبوية، واضح؟
هذا الأول ما مثاله؟ يعني بعضهم يمثل ذلك بفتوى الصحابة في مسألة الماء الذي خلت به المرأة، فإن هذا لا يقال بالرأي فيكون له حكم الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
الماء الذي خلت به المرأة هذه مسألة في الفقه، لكن ما ودنا نطيل في شرحها. طيب، النوع الثاني من قول الصحابي هو ما أجمع عليه الصحابة صراحة فكان نطقا من كل الصحابة، كإجماع الصحابة على تولية أبي بكر، وإجماع الصحابة على أن القرآن كلام الله، وعلى غير ذلك من قطعيات الشريعة، فهذا يعتبر إجماعا صريحا ويرجع إلى حجية الإجماع التي سبقت قبل قليل.
النوع الثالث: إذا انتشر القول لبعض الصحابة ولم ينكره أحد منهم، انتشر وممكن واحد منهم، فهذا إجماع سكوتي، فيرجع إلى حجية الإجماع السكوتي التي سبقت قبل قليل. والإجماع السكوتي حجة.
الإجماع السكوتي حجة أيها الإخوة الكرام، ما هو يعني؟ يعني مجموع السكوت دليل قوي يحتج به، وفيه تفصيل يعني من جهة قوته، فنقول: إجماع السكوت في المسائل التي جرى عليها العمل جيلا بعد جيل، خاصة مع انقراض عصر تلو عصر، وكونها من المسائل التي يحتاج إليها الناس وتعم بها البلوى، هذا إجماع السكوت في حجة قوية، بل إن السبكي يقول: هذا حجة بالإجماع ولا خلاف فيه. واضح المقصود أيها الإخوة أن قول الصحابي إذا انتشر بين الصحابة ولم ينكره أحد، فهذا إجماع سكوتي.
مثال ذلك؟ مثاله أن عمر رضي الله تعالى عنه خطب على المنبر وقال، أو قرأ آية السجدة في الجمعة الأولى وسجد ولم ينكر عليه أحد سجوده، وفي الجمعة الثانية قرأ آية السجدة وقال: إن الله لم يكتب علينا السجود إلا أن نشاء، ولم ينكر عليه أحد قوله اه بعدم وجوب السجود وتركه للسجود، فيدل على أن إجماع الصحابة على ذلك، لكن هذا إجماع سكوتي.
الرابع أيها الإخوة الكرام وهو محل البحث: إذا لم ينتشر قول الصحابي، إذا لم ينتشر ولم يعلم له مخالف. إذا انتشر فهذا إجماع سكوتي كما قلنا، إذا انتشر ولم يعلم أنه خالف هذا إجماع سكوتي، لكن إذا لم نعلم انتشاره، إذا لم نعلم انتشاره وكذلك لم يعلم له مخالف من الصحابة، فهذا حجة وهو محل البحث في المسألة، وفيه قولان. المؤلف رحمه الله تعالى ينسب إلى الشافعي رحمه الله أنه يرى في القول الجديد عدم الاحتجاج بقول الصحابي، وفي القول القديم يرى الاحتجاج بقول الصحابي، ومذهب الإمام أحمد مذهب الإمام هو الاحتجاج بقول الصحابي في هذه الحالة.
مثاله: قال ابن عمر رضي الله عنه: يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث في التيمم. هل يلزم التيمم لكل صلاة؟ ابن عمر يقول: يجب أن تتيمم لكل صلاة، ويقول: يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث، فهل يحتج به أو لا يحتج به؟ قولان بناء على الخلاف في حجية قول الصحابي، وقد عرفنا قول الصحابي الذي اختلف في الاحتجاج به، وليس كل أنواع قول الصحابي، واضح؟ نعم.
طيب، إذا علم أنه مخالف، هذا هو القسم الأخير، نقول: إذا علم له مخالف من الصحابة، إذا خالفه صحابي آخر، فهذا ليس بحجة بالاتفاق، لأنه ليس الأخذ بقول أحدهم أولى من الأخذ بقول الآخر. وهذا معنى قول المؤلف رحمه الله: وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة على القول الجديد، ليس بحجة على غيره على القول الجديد، وفي القديم حجة.
وقوله رحمه الله: وقول الواحد من الصحابة، ليس المقصود الواحد يعني أنه لو كان قول اثنين يختلف الأمر، وإنما المقصود قول الواحد يعني ما لم يجمعوا عليه. قول الواحد من الصحابة إذا لم ينتشر يقول المؤلف: ليس بحجة على القول الجديد وفي القول القديم حجة.
ما معنى القول الجديد والقول القديم؟ المقصود هنا أقوال الشافعي؛ لأن الإمام الشافعي رحمه الله كان له مذهب، فلما انتقل آآ إلى مصر غير بعض آراءه، وصار العلماء يسمون مذهبه في مصر المذهب الجديد. نعم، هذا هو، إذا الشافعي رحمه الله له قولان في المسألة.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا العلم الذي تعلمناه علما نافعا، وأن يكون لوجهه خالصا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت