تسجيل الدخول

الدرس 15

عامر بهجتالشيخ عامر بهجت
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فمعنا اليوم درس من الدروس السهلة، وهو الدرس الخامس عشر بشرح الورقات لإمام الحرمين الجويني. هذا الدرس يتعلق بمبحث السنة النبوية الخبر، أيها الإوة الكرام، والمراد بالخبر هنا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن غيره عليه الصلاة والسلام.

والخبر تعريفه هو: ما يدخله الصدق والكذب، يعني ما يرد عليه التصديق أو التكذيب. وهذا معنى قول المؤلف: وأما الأخبار فالخبر ما يدخل الصدق والكذب. وليس المراد يدخله الصدق والكذب بالنظر إلى المتكلم، وإنما المراد أنه يقبل التصديق أو التكذيب بالنظر إلى السامع للخبر. وهذا حتى خبر الله سبحانه وتعالى يقبله المؤمن ويصدق به، ويكذب به الكافر، وإن كان هو لا يحتمل إلا الصدق في ذاته.

قال المؤلف: فالخبر ما يدخله الصدق والكذب. وهذا الخبر يخرج الإنشاء، فيخرج عندنا الأمر، ليس خبراً، لأن الأمر إما أن يمتثل أو يترك امتثاله، يعني إذا قال لك قائل: اجلس، ما يمكن تقول له: كذبت، وإنما تمتثل بالجلوس أو تترك الامتثال بعدم الجلوس. لكن إذا قال لك: جلس زيد، وهنا يحتمل أن يكون صادقاً تقول: صدقت، ويحتمل أن يكون كاذباً وتقول: كذبت.

والخبر أيها الإخوة الكرام، باعتبار طريق وصوله إلينا، ينقسم إلى قسمين. طبعا هذا واجب منزلي يقول: اذكر مثالاً للمتواتر. طيب، الخبر ينقسم إلى قسمين: آحاد ومتواتر، إذن القسم الأول هو المتواتر، والثاني الآحاد. ما هو المتواتر؟ قال المؤلف: فالمتواتر ما يوجب العلم، يعني أن الخبر المتواتر هذا يفيد العلم اليقين، ما في شك، ما يمكن يكون خطأ أبداً. طيب، ما هو ضابطه؟ قال: وهو أن يروي جماعة لا يقع التواطؤ على الكذب من مثلهم إلى أن ينتهي إلى آخره.

جاءك واحد وقال لك: جاك شخص واحد يقول: رأيت حادثاً في الطريق الفلاني اليوم سيارة كذا، هذا الرجل قد يكون صادقاً وقد يكون كاذباً، وحتى لو كان هو من أهل الصدق فإنه قد يكون مخطئاً وقد يكون واهماً. ثم جاءك شخص آخر وقال لك نفس الكلام، تجد أنه والله احتمال أن الأول يكذب صار احتمالاً أضعف، جاءك ثالث، رابع، خامس، إلى أن اكتمل عندك مثلاً أربعون، كلهم يذكر لك الحادث بتفاصيله في نفس التفاصيل، وهؤلاء الأربعون لا يعرف بعضهم بعضاً، فمن المستحيل أن يكونوا قد تواطؤوا على الكذب، يعني اتفقوا على الكذب، مستحيل. هذا يسمى الخبر المتواتر.

وهذا الخبر ينتهي إلى الإخبار بالحادث، وقد يكون التواتر باللفظ وقد يكون بالمعنى. فمثال الحادث هذا: هؤلاء يصفون حادثاً ويشتركون في المعنى، وأما ألفاظهم فمختلفة. وقد يكون التواتر لفظياً، وهذا أيضاً حتى في الأحاديث النبوية، فالتواتر المعنوي كتواتر حجة النبي صلى الله عليه وسلم. من الأمور المتواترة الثابتة قطعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم حج نعم، وإن كان الصحابة الذين نقلوا حجة النبي صلى الله عليه وسلم نقلوا بألفاظ مختلفة ووقائع مختلفة. والنوع الثاني هو التواتر اللفظي، هو أن ينقل اللفظ، ومن أمثلته قول النبي صلى الله عليه وسلم: من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار. فهذا اللفظ نقله جمع كبير من الصحابة، ونقله عنهم جمع كبير من التابعين إلى آخره.

المتواتر يشترط فيه -شوف الشرط الأول- أن يستند إلى شيء محسوس، وهذا معنى قول المؤلف رحمه الله: ويكون في الأصل عن مشاهدة أو سماع لا عن اجتهاد. مثاله: لو قال حنفي: الوتر واجب، وقال الآخر: الوتر واجب، حتى اجتمع عندنا قول مئة من علماء الحنفية أن الوتر واجب. قولهم بوجوب الوتر، هل ينسبونه إلى الشريعة بناء على السماع والمشاهدة أو بناء على الاجتهاد في فهم النص؟ بناء على الاجتهاد في فهم النص، فهذا لا يكون متواتراً في الشريعة، واضح؟ يعني لا تقل: وجوب الوتر أمر متواتر في الشريعة. لا، لأن هذا مبني على نظر واجتهاد وليس عن مشاهدة ولا سماع. لكن مثال الذي يكون مبنياً على سماع أو مشاهدة: أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، أو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل كذا.

هذا بالنسبة للمتواتر. والشرط الثاني -قد مر معنا استواء الطرفين والواسطة في شرطه هذا بغض النظر عن هذا التعبير- لكن هو التعبير هذا يقصد به أن يكون هذا العدد الكبير موجوداً في جميع طبقات الإسناد، يعني من شيخك وشيخ شيخ شيخك إلى المخبر عنه أو إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لابد أن يتحقق التواتر في جميع طبقات الإسناد. الأمر الثالث: أن يكون العدد، عدد أن يكون العدد عدداً يستحيل تواطؤه على الكذب.

ننتقل بعد ذلك إلى الآحاد. قال المؤلف رحمه الله: هو الذي يوجب العمل ولا يوجب العلم. الآحاد لا يوجب العلم اليقين في ذاته، لكن الآحاد اللي هو غير متواتر، يعني خبر جاءنا من طريق واحد من العلماء، ممكن واحد من رواة الحديث يخطئ؟ نعم، ممكن يخطئ، لكن في الثقة عدم الخطأ هذا هو الأصل، احتمال الخطأ احتمال مرجوح، فهذا يفيد الظن الغالب بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الحديث، لكن ما هو مئة بالمئة، لأنه ممكن يكون خطأ.

طيب، إذا احتفت القرائن بخبر الآحاد، يعني خبر من طريق واحد لكن اجمع العلماء عليه، نقول: هنا يفيد العلم بسبب هذه القرائن التي احتفت به. مثلاً قوله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات. هذا الحديث لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عمر، ولم يروه عن عمر إلا علقمة بن وقاص، ولم يرو عن علقمة بن وقاص إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يرو عن محمد إلا يحيى بن سعيد الأنصاري. طيب، الاحتمال العقلي بكون واحد منهم أخطأ هذا احتمال قائم، لأنه حديث آحاد، لكن هذا الاحتمال مندفع بإجماع العلماء على مضمون الحديث، وإجماع العلماء على البخاري ومسلم، والحديث مخرج في البخاري ومسلم. إذاً هنا خبر الواحد لا يفيد العلم اليقيني لذاته، وإنما أفاده لكونه محتفاً بالقرائن.

طيب، هذا الخبر خبر الآحاد ينقسم إلى مسند وإلى مرسل. المسند هو ما اتصل إسناده، عندك السند متصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، كل شيخ يقول: حدثني شيخي فلان، حدثني شيخ فلان، قال حدثني شيخ فلان، قال حدثني شيخ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا. هذا هو المسند. والمسند هذا قد يكون اتصال السند فيه مصرحاً به كقول الراوي: حدثني، وأخبرني، ويكون بالسماع أو بالقراءة على الشيخ أو بالإجازة، وهذا سيأتي إن شاء الله في الدرس القادم.

وقد يكون غير مصرح باتصال السند فيه، وهو الحديث المعنعن، أن يقول عن شيخ فلان عن شيخه فلان، فهنا لم يصرح بالسماع، وسيأتي حكمه في الدرس القادم. وأما النوع الثاني فهو المرسل. والمرسل عرفه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: والمرسل ما لم يتصل إسناده. إذا عندنا مسند اللي هو متصل إسناده، إذا كان هناك انقطاع في بعض طبقات الإسناد، يعني لو وجدنا أن التابعي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، الآن عندنا انقطاع لأن التابعي لم يلتق بالنبي صلى الله عليه وسلم، فهو لم يذكر شيخه الذي أخذ عنه الحديث، هذا يسمى مرسلاً.

طيب، هل المرسل حجة ولا ما هو حجة؟ يعمل به في الأحكام ولا ما يعمل به؟ بالنسبة للمؤلف، المؤلف يقول: هذا المرسل إذا كان من مراسيل غير الصحابة فليس بحجة. طب هذه عبارته، لكن مفهوم المخالفة في عبارته أن مراسيل الصحابة حجة. كيف مراسيل الصحابة؟ يعني عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما لو حدث عن قصة وقعت وهو لم يشهدها، وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يشهدها، ولم يذكر عمن يروي، يقول: من الذي حدثه بهذا؟ ما ندري، هذا يسمى مرسل الصحابي، وهو حجة لأن الصحابة كلهم عدول، والصحابي لا يأخذ إلا عن صحابي مثله، فصار المرسل إذا كان المرسل صحابياً -يعني إذا قال-.

ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث لم يحضره، ولكن رواه عن غيره من الصحابة فهذا حجة. وأما مراسيل غير الصحابة من التابعين ومن بعدهم، فالمؤلف يقول: ليست بحجة، تمام؟

فإن التابعي إذا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ممكن يكون أخذ عن تابعي آخر، إذا كان ممكن يأخذ عن تابعي، والتابعي من هو؟ ثقة وفيهم من فيه ضعف، ولهذا يرى أن المرسل ليس بحجة.

قال: إلا مراسيل سعيد بن المسيب؛ من كبار التابعين، فإن مراسيله فتشت فوجدت مسانيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني كل المراسيل التي يقول فيها سعيد بن المسيب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتش وتؤكد من أنه سمعها بسند صحيح إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والسند فيها متصل من طرق أخرى. واضح؟ هذا بالنسبة لمراسيل سعيد بن المسيب.

طبعا العلماء رحمهم الله اختلفوا في حجية المرسل، المؤلف يقرر أنه ليس بحجة، ومذهب الإمام أحمد أن المرسل إذا كان المرسل ثقة فإنه حجة. هذا بالنسبة لما يتعلق بمبحث اليوم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.