السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، ما زلنا في شرح كتاب الورقات لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني رحمه الله تعالى، وقد كنا في الدرس الماضي عرفنا انقسام الخبر إلى قسمين، ألا وهو المتواتر.
وعرفنا شروط التواتر، وهو أن يستند إلى شيء محسوس لا إلى نظر واجتهاد، وأن يكون العدد عدد التواتر موجوداً في جميع طبقات الإسناد إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه، والثالث أن يكون هذا العدد عدد كبير عدداً كبيرا يستحيل تواطؤهم على الكذب. وأما النوع الثاني فهو أخبار الآحاد.
وعرفنا أن خبر الآحاد منه ما هو مقبول ومنه ما هو مردود، وعرفنا أن منه ما هو مسند ومنه ما هو مرسل. والمسند أما أن يكون الإسناد فيه صريحاً، يعني اتصال السند فيه صريح، وأما أن يكون مرسلاً وهو المنقطع. المسند قلنا أما أن يكون هناك تصريح بالاتصال، باتصال السند، وأما أن يكون معنعناً.
خلونا نبدأ بالتصريح. التصريح أما أن يكون تصريح بالسماع، من يسمع التلميذ من الشيخ، وهذا معنى قول المؤلف رحمه الله: وإذا قرأ الشيخ يجوز للراوي أن يقول حدثني أو أخبرني. إذاً هذا هو التصريح الأول؛ أن يصرح بالسماع وأنه سمع من الشيخ، وهنا ماذا يقول؟ إذا سمع الراوي من شيخه، فانه يقول حدثني أو يقول أخبرني.
وقد يكون التلميذ لم يسمع من الشيخ، وإنما قرأ على شيخه، كما كان يعمل مثلاً في الرواية عن الإمام مالك، فيؤتى بالموطأ ويقرأ عليه الموطأ. فإذا قرأ التلميذ مرويات شيخه على شيخه، فانه يقول أخبرني. قال المؤلف: وإذا قرأ هو، يعني إذا قرأ التلميذ على الشيخ فيقول أخبرني ولا يقول حدثني. لأن لفظة حدثني في اصطلاح المحدثين يراد بها السماع من الشيخ، ولا تطلق على القراءة على الشيخ. قال: ولا يقول حدثني.
عندنا طريقة أخرى لاتصال السند، ألا وهي الإجازة، وهي أن يأذن الشيخ، أن يأذن الشيخ للتلميذ في الرواية عنه. فيأتي مثلاً الشيخ ويأخذ مروياته مكتوبة في كتاب ويعطيه للتلميذ ويقول: أجزتك وأذنت لك أن تروي هذا الكتاب عني. هو لم يسمع هذا الكتاب من الشيخ ولم يقرأه على الشيخ، ولكنه رصدت له إجازة فيه وأذن من الشيخ في الرواية.
فهنا لا يصح له أن يقول حدثني ولا يقول أخبرني، وإنما يقول، يقول المؤلف رحمه الله: وإذا اجازه الشيخ من غير قراءة فيقول أجازني، أخبرني إجازة، فيقول الراوي: أخبرنا أخبرني شيخي فلان إجازة، قال حدثه شيخه فلان بكذا إلى آخره. وهذا كله إسناد متصل يحصل به اتصال السند، سواء في ذلك، طبعا ليست سواء بمعنى متساوية لا، السماع من الشيخ أعلى رتبة من القراءة على الشيخ.
ثم القراءة على الشيخ أعلى رتبة من الإجازة، والإجازة أيضا أنواع بعضها أقوى من بعض، ولا نحب أن نفصل فيها؛ لأن محل ذلك هو علم الحديث، ولعلكم ستدرسون في هذا البرنامج شيئاً في علوم الحديث أو درستم، والله أعلم.
طيب، النوع الثاني من المسند ما كان معنعناً، وهو ما لم يصرح فيه الراوي بالسماع أو بالقراءة. والعنعنة تحتمل اتصال السند وتحتمل انقطاعه. فإذا قال الراوي عن فلان، فيحتمل أن يكون قد سمع من فلان ويحتمل أن يكون لم يسمع منه، لكنه يروي عنه بواسطة. يعني مثلاً يقول واحد يقول: قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله كذا وكذا. طبعا عن مقالة كلها حكم واحد، كلها ليست تصريحاً بالسماع.
فيقول هذا القائل يقول: قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، ويحتمل هنا أن يكون قد سمع من الشيخ ويحتمل أن يكون لم يسمع منه ولكنه ينقل بواسطة بعض طلابه. وكذلك هذا يقع في رواية الحديث؛ يقول الراوي: قال فلان، حدثنا فلان، أو قال فلان كذا وكذا، أو عن فلان أن فلاناً حدثه. فهل هذا محمول على اتصال السند أو على انقطاعه؟ قال المؤلف رحمه الله: والعنعنة تدخل على الأسانيد.
طيب، إذا دخلت العنعنة على الأسانيد، الأصل في ذلك حمله على اتصال السند إذا كان الراوي يروي عن شيخ سمع منه بلفظ يحتمل السماع وغيره، فالأصل حمل ذلك على السماع، وأن السند متصل، إلا إذا كان الراوي معروفا بالتدليس. هذا بعض الرواة معروفين بالتدليس، فتجد أنه يروي عن شيخه شيئاً لم يسمعه منه بكثرة ويكثر من ذلك، فهنا نقول: المدلس لا تقبل عنعنته، ولابد أن يصرح المدلس بالسماع. فإذا لم يصرح المدلس بالسماع فلا تقبل روايته، ويعتبر حديثه منقطعا. واضح؟ وتفصيل هذه المسائل وبسطها محله في كتب علوم الحديث.
ننتقل الآن إلى مبحث آخر. نعم، طبعا الآحاد منه مسند ومنه مرسل، والمرسل سبق معنا في الدرس الماضي وأن المؤلف رحمه الله يختار المرسل أنه لا يحتج به إلا مراسيل سعيد بن المسيب.
الكلام على القياس. ننتقل إلى الكلام على القياس؛ أولاً: ما تعريف القياس؟ عرف المؤلف رحمه الله تعالى القياس بقوله: وأما القياس فهو رد الفرع إلى الأصل في الحكم بعلة تجمعهما. وهذا التعريف يتضمن أركان القياس. ولنوضح ذلك بمثال: جاء الشرع بتحريم المعازف، جاء الشرع بتحريم المعازف كما في حديث: لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ.
طيب، إذاً هذه المعازف ثبتت بالنص فهي أصل. ظهرت اليوم بعض أنواع الإيقاعات باسماء مختلفة، وهي عبارة عن أصوات تشبه أصوات الموسيقى والمعازف، ولكنها تصدر من غير آلات المعازف المعروفة، أما بالأصوات البشرية التي يتم يعني تنقيتها وتضخيمها وأجراء عمليات صوتية عليها عن طريق الحاسب ودمج بعضها في بعض ونحو ذلك، أو غير ذلك من الطرائق.
طيب، عندنا أصل وهو تحريم، عندنا أصل وهي المعازف ثبت حكمه بالنص، وعندنا فرع وهي الإيقاعات الصوتية الشبيهة بالموسيقى ولم يأتي فيها نص بعينها باسمها، وعندنا علة تجمع بين هذا وهذا وهي أصول الطرب منهما، وعندنا حكم وهو التحريم ثابت للأصل فننقله أيضا من الفرع، وينتج لنا ذلك تحريم الإيقاعات الصوتية التي تماثل المعازف.
طيب، أركان القياس هنا: الأصل الموسيقى أو المعازف، والفرع الإيقاعات، والعلة الجامعة بينهما الطرب، والحالحكم التحريم. ولاحظ هنا: رد الفرع إلى الأصل، رددنا الفرع وهو الإيقاعات إلى الأصل وهو المعازف من العلة الجامعة.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله أنواع القياس فقال: وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ إلى قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه. قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه.
نبدا بقياس العلة. إذا كان الجامع، نحن قلنا رد الفرع إلى الأصل لعلة تجمع بينهما، إذا كان الذي يجمع بين الفرع والاصل هو العلة، فهذا يسمى بقياس العلة. مثاله: لو قلنا يجمع بين الموسيقى أو بين المعازف والإيقاعات بعلة الطرب، فهذا قياس علة. يقول المؤلف: ما كانت العلة فيه موجبة للحكم. يعني الذي أوجب القول بهذا الحكم هو هذه العلة. وقد انتقد التعبير بكون العلة موجبة للحكم، كما أشار إليه الشيخ عبدالله الفوزان في الشرح، لكن المقصود أن الجامع إذا كان هو العلة فهذا قياس علة.
مثال آخر: نقول الخمر علة تحريمها الإسكار، فإذا جاءنا مشروب كحولي عرفنا أنه مسكر، نقول هذا المشروب الكحولي نقيس على الخمر بجامع الإسكار فيعطى نفس الحكم وهو التحريم. هذا هو قياس العلة.
الثاني: قياس الدلالة، ما هو؟ قال المؤلف رحمه الله: وهو الاستدلال بأحد النظيرين على الآخر، وهو أن تكون العلة دالة على الحكم ولا تكون موجبة للحكم. ونقرب هذا الكلام بأن نقول: إذا كان الجامع بين الفرع والأصل هو دليل العلة لا نفس العلة. كأن نقول: يلحق هذا المشروب الكحولي بالخمر في التحريم بجامع وجود الكحول فيهما. وجود الكحول هل هو علة تحريم الخمر؟ لا، لكن علة تحريم الخمر هي الإسكار، ولكن وجود الكحول دليل على وجود العلة. فهنا لم ننظر في وجود العلة تعذراً أو لصعوبة تحقيق وجودها، فنظرنا في وجود دليلها وهو وجود الكحول.
نعم، النوع الثالث قال رحمه الله: وقياس الشبه، وهو الفرع المتردد بين أصلين فيلحق بأكثرهما شبها، ولا يسار إليه مع إمكان ما قبله.
يزال ذلك نقول مثال ذلك عندنا مثل ما ذكرنا، الإيقاعات التي تصدر من الأصوات البشرية، والمعازف التي تستعمل فيها الآلات الموسيقية. نأتي إلى الإيقاعات فنقول: الإيقاعات أصلها صوت آدمي، فهي مترددة بين المعازف من جهة الشبه، وبين صوت الآدمي. فنقارن بينها وبين صوت الآدمي وبينها وبين صوت آدمي وبينها وبين المعازف، فنجد أن شبهها بالمعازف أغلب، سنلحقها بالمعازف لغلبة الشبه.
فهذا يسمى قياس الشبه، هذا يسمى مقياس إيش الشبه، جمعت بين الفرع والأصل بالغالب من الأوصاف بغلبة الشبه، ويسميه بعضهم قياس غلبة الأشباه. إذا، هذه أنواع القياس، وقياس الشبه أضعفها، ولهذا المؤلف قال: لا يشار إليه مع إمكان ما قبله.
فلا تأتي إلى الخمر وتقول، فانت لا تأتي إلى المشروب الكحولي وتقول: المشروب الكحولي متردد بين شبهه بالخمر وشبهه بعصير العنب، فنقارن بينهما ونلحقه بأكثرهما شبهاً. لا، لا تستعمل هنا قياس الشبه؛ لأنه يمكن استعمال قياس العلة، والنظر في كونه مسكراً أو لا، فنقول هو مسكر إذا نقيسه على الخمر قياس علة.
هذا ما يتعلق بدرس اليوم، ونسأل الله عز وجل أن يجعله علماً نافعاً ولوجهه خالصاً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت