تسجيل الدخول

الدرس 17

عامر بهجتالشيخ عامر بهجت
  • مدة الدرس:
  • قراءة

لله صلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فما زلنا في شرح الورقات لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني رحمه الله تعالى. وكنا قد درسنا في الدرس الماضي ما يتعلق بأنواع القياس، وعرفنا أن القياس منه ما هو قياس علة، ومنه ما هو قياس دلالة، ومنه ما هو الشبه.

واليوم بإذن الله عز وجل نأخذ درساً يتعلق بشروط القياس. شروط أيها الأخوة الكرام، كما عرفنا في الدرس الماضي، رد الفرع إلى الأصل لعلة تجمعهما الحكم، وعرفنا أن له أركان.

أركان القياس: الأول منها الأصل، وهذا الأصل كما مثلنا في الدرس الماضي بالخمر ومثلنا له بالمعازف، تمام. لابد أن يكون في حال المناظرة يعني إذا كانت هناك مناظرة بين فقيهين أو بين خصمين في مسألة فقهية، فلا يصح لأحد المتناظرين أن يلزم خصمه بقياس إلا إذا كان الأصل ثابتاً بدليل متفق عليه بين الخصمين.

مثال ذلك: إذا جئت لشخص تريد أن تناظره في آآ نفترض طلاق الغضبان، وتقول له إن طلاق الغضبان يقع، والدليل على وقوعه القياس على السكران. هل هذا القياس ملزم للخصم المقابل لك؟ نقول: إذا كان خصمك لا يسلم أصلاً بوقوع طلاق السكران، فلا يصح لك أن تلزمه بوقوع طلاق الغضبان قياساً على السكران، لأن الأصل الذي هو طلاق السكران غير ثابت بالاتفاق بين الخصمين، وهذا معنى قول المؤلف رحمه الله: أن يكون الأصل ومن شرط الأصل أن يكون ثابتاً بدليل متفق عليه بين...

كذلك لو اردت أن تثبت أصلاً تقيس عليه، وكان ثبوت الأصل بدليل لا يرى المخالف حجيته، كما لو اردت أن تستدل على سبيل المثال بقول صحابي، وكان الخصم المقابل لك لا يقر بحجية قول الصحابي، فانه لا يجوز حينئذ أو لا يصح من ناحية الصناعة الجدلية والمناظرة لا يصح لك أن تحتج بأصل لا يسلم هو به، فهو حينئذ يمنع ثبوت الأصل يقول لا أُسلم لك بهذا الأصل. طيب.

الركن الثاني من أركان القياس: حكم الأصل. وقد ذكر المؤلف حكم شرطاً، طبعاً أنا الآن لا أقرأ بالترتيب ما ذكره المؤلف لكني أرتبه بترتيب جديد. حكم الأصل قال المؤلف رحمه الله: ومن شرط الحكم أن يكون مثل العلة في النفي إثبات.

ما معنى هذا الكلام؟ معنى هذا أن الحكم لابد أن يدور مع العلة وجوداً وعدماً. فلو قلت إن الشرع حرم الخمر لعلة الإسكار، فلا بد أن تثبت أن الحكم الذي هو التحريم موجود عند وجود العلة ومنتفٍ عند انتفائها.

فإذا أتى لك الخصم في المناظرة بمثال ثبت فيه الإسكار ولم يثبت فيه التحريم، حينئذ ينتقض عليك هذا القياس. الركن الرابع وهو الفرع، قال المؤلف في أول مسألة وهو المفترض نبدأ بترتيبها لكن أنا رتبتها بحسب الترتيب الذي أمامكم.

قال المؤلف بالنسبة للفرع: ومن شرط الفرع أن يكون مناسباً للأصل، وهذا أحد شروط الفرع وهو أن يكون هناك مناسبة وعلاقة بين الفرع والأصل، فلا يصح أن تثبت فرعاً في القياس إذا لم يكن هذا الفرع مناسباً للأصل الذي تقول به. طيب، ننتقل بعد ذلك إلى الركن الرابع وهو العلة.

قال المؤلف: ومن شرط العلة أن تطرد في معلولاتها فلا تنتقض لفظاً ولا معنى. ما معنى أن تطرد في معلولاتها؟ يعني أن توجد العلة مع وجود الحكم وتنتفي العلة عند انتفائه. فإذا أتيت بمثال ثبتت فيه العلة ولم يثبت فيه الحكم فهذا هو النقض، نقض العلة وهذا لا يصح معه القياس، ولهذا قال المؤلف: فلا تنتقض لفظاً ولا معنى.

هذه المباحث أيها الأخوة الكرام مبحث النقض ومبحث اضطراب العلة وفيه مسائل أصولية مثل تخصيص العلة، ولكنها قد لا تناسب المبتدئة كثيراً ولهذا سأعرض عن ذكرها. قال المؤلف رحمه الله تعالى بعد ذلك: والعلة هي الجالبة للحكم والحكم هو المجلوب للعلة. وهذا التعبير انتقد، انتقده بعض الشراح ولا فلعلكم راجعتم شرح الشيخ عبد الله الفوزان في كلامه عن هذا المعنى والمقصود به أن العلة إذا وجدت وجد حكمه وأن الحكم يثبت بوجود العلة.

ننتقل إلى مبحث آخر هذا الدرس وهو الاستصحاب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأما الحظر والإباحة. طبعاً كلام المؤلف رحمه الله تعالى عن مبحث الحظر والإباحة هو جزء من الكلام عن دليل الاستصحاب الذي سنذكره، وقد ذكره المؤلف وسيأتي معنا في الدرس القادم.

الاستصحاب هو أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي. وآآ ما هو هذا الأصل الذي نستصحبه؟ هذا الذي ذكره المؤلف وقدمه هنا فقال: وأما الحظر والإباحة، فمن الناس من يقول إن الأشياء على الحظر إلا ما أباحته الشريعة، فإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة يتمسك بالأصل وهو الحظر.

ومن الناس من يقول بضده، وهو أن الأصل في الأشياء أنها على الإباحة إلا ما حظره الشرع. ومنهم من قال بالتوقف. إذاً ما هو الأصل في الأشياء؟

ذكر المؤلف رحمه الله ثلاثة أقوال، ووضعت أمامكم قولان قولين. القول الأول: أن الأصل في الأشياء الإباحة، إذاً عند تطبيق الاستصحاب نقول نستصحب الإباحة إلا ما دل الدليل على آآ حظره.

فإذا وجدنا حيواناً من الحيوانات لم يأت دليل بإباحته ولا بتحريمه، فهل الأصل جواز أكله أو تحريم أكله؟ نقول الأصل إنه يجوز أكله. واضح؟

هذا على القول بأن الأصل في الأشياء الإباحة وهذا هو المعتمد، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا. ومنهم من قال الأصل في الأشياء الحظر، والحظر معناه التحريم والمنع.

فإذا جئنا إلى هذا المثال وقلنا عندنا آآ حيوان من الحيوانات لم يأت دليل بإباحته ولا بتحريمه فهل نقول بإباحته؟ أصحاب هذا القول يقولون لا، الأصل أن نمنع ونقول بالحظر. ولكن المعتمد هو الأول، وهو أن الأصل في الأشياء الإباحة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ما تعلمناه علماً نافعاً ولوجهه خالصاً. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.