تسجيل الدخول

الدرس 18

عامر بهجتالشيخ عامر بهجت
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد سبق معنا في الدرس الماضي ما يتعلق بمبحث الحظر والإباحة، وعرفة أن الأصل في الأشياء الإباحة، الأصل في الأشياء التي ليس فيها ضرر على الإنسان الأصل فيها الإباحة، وعرفة علاقة هذا بالاستصحاب. وبداية درس اليوم هو ما يتعلق بالاستصحاب، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومعنى استصحاب الحال أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي.

المسائل أيها الأخوة الكرام على نوعين؛ مسائل ورد فيها نص من الكتاب أو من السنة، أو ثبت فيها دليل من الأدلة الشرعية كالقياس وقول الصحابي، فهذه المسائل يعمل فيها بهذا الدليل. فإذا جاء في القرآن إباحة شيء، أو جاء في القرآن تحريم شيء، أو جاء في السنة نحو من ذلك، أو جاء ذلك في أقوال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم عند من يحتج بقول الصحابي، أو ثبت ذلك بالقياس، وجب العمل به.

فإن لم يوجد في النص الشرعي ما يدل على حكم هذه المسألة على وجه التحديد، فنقول: يستدل فيها بدليل الاستصحاب. وما معنى دليل الاستصحاب؟ قال: معنى دليل الاستصحاب أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي. وما هو الأصل؟ الأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في الأشياء براءة الذمة على ما بيناه في الدرس الماضي. فمن يقول إن الأصل في الأشياء الإباحة، يقول إننا إذا جاءتنا مسألة لم يرد فيها دليل شرعي فنحكم فيها بالإباحة، بناء على أن الله سبحانه وتعالى قال: خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، ودلت الأدلة الكثيرة على أن الأصل في الأشياء الإباحة، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وما سكت عنه فهو عفو، فدل ذلك على أن الأصل في الأشياء الإباحة. إذاً، هذا هو معنى الاستصحاب باختصار.

وقد عرفنا في الدرس الماضي ما هو الأصل في الأشياء؟ قيل: الأصل فيها الإباحة إلا ما حظره الشرع، وهذا هو المعتمد عند جماهير أهل العلم، وهو الذي جرى عليه العمل والفتوى وبناء الفروع الفقهية عند جماهير العلماء. والقول الثاني: أن الأصل في الأشياء الحظر إلا ما أباحته الشريعة، وقد عرفنا أمثلة ذلك في الدرس الماضي.

ننتقل الآن إلى مبحث آخر، وهو ترتيب الأدلة. سبق معنا ما العمل إذا تعارض نصان، أو إذا تعارض دليلان فما العمل؟ سبق معنا أن الأصل أنه يجمع بينهما. ومن طرائق الجمع إذا كان أحدهما خاصاً والآخر عاماً، فإن العام يخصص بدليل الخاص. وإذا تعارض وكانا خاصين أو كانا عامين ولم يمكن الجمع بينهما، فإننا ننتقل إلى النظر في التاريخ، فإن علم التاريخ فالمتقدم منسوخ والمتأخر ناسخ؛ مثل حديث: كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، ومثل التعارض الحاصل في قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ، مع قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، فالمقصود علم التاريخ بين هاتين الآيتين، فقلنا إن آية العدة حولاً كاملاً منسوخة باية العدة أربعة أشهر وعشرة أيام.

طيب، إذا لم نعلم التاريخ؟ نقول: إذا لم نعلم التاريخ، فإننا ننظر في ترتيب الأدلة الذي ذكره المؤلف في هذا الباب. قال رحمه الله: وأما الأدلة فيقدم الجلي منها على الخفي. إذاً، من جهة الوضوح والخفاء نقدم الدليل الجلي على الدليل الخفي، ونقدم النص على الظاهر، ونقدم الظاهر على ما دونه في الظهور، ونقدم الحقيقة على المجاز. نعم، فالاصل تقديم الدليل الجلي الواضح على الدليل الذي فيه خفاء.

وهناك نوع آخر من الترتيب، وهو من جهة القطع والظن، فما المقدم؟ قال: ويقدم الموجب للعلم على الموجب للظن، يعني يقدم الدليل القطعي على الدليل الظني، لو كان عندنا حديث متواتر تعارض بحديث حسن، فإننا نقدم القطع على الظن، واضح؟ نعم، طبعا هذا الكلام كله متى؟ إذا لم يمكن الجمع، أما إذا امكن الجمع بين النصين أو بين الدليلين فلا يلجأ الى النظر في ترتيب الأدلة.

أيضاً من طرائق ترتيب الأدلة من جهة قوة القياس، نعم من جهة قوة القياس، قال: ويقدم القياس الجلي على القياس الخفي. القياس الجلي الذي يقطع فيه بإلحاق الفرع بالأصل هذا مقدم على القياس الخفي الذي يحتمل إلحاق الفرع بالأصل ويحتمل عدم الإلحاق. ومن جهة النطق، فإننا نقدم النطق على القياس، قال المؤلف: النطق على القياس. فنقدم النص من الكتاب والسنة على دليل القياس، وإذا جاء القياس معارضا للنطق أي لدليل نصي من الكتاب والسنة، فإنه قياس فاسد يسمى فاسد الاعتبار.

وكذلك نقدم النطق على الاستصحاب، يعني الدليل المنقول هل يأتي آتٍ يقول والله هذه لا جاء تحريمها في الكتاب والسنة، يقول لا ولكنني أنا استدل على جوازها بالاستصحاب؟ نقول لا، الاستصحاب لا يعمل به عند وجود الدليل، لأنه سبق معنا أن دليل الاستصحاب هو أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي. أما إذا وجد الدليل الشرعي فلا معنى للقول بالاستصحاب، ولهذا قال: فإن وجد في النطق ما يغير الأصل وإلا فيستصحب الحال. يعني أننا نقدم النطق على الاستصحاب، فان لم يوجد في النطق ما يغير الأصل كالأصل في الأشياء الإباحة، فاننا نستصحب الحال، ويكون حينئذ الاستصحاب هو آخر الأذنين بالله، لا يصار إلى الاستصحاب مع امكان غيره من الأدلة. إذاً، هذا ما يتعلق بمبحث ترتيب الأدلة.

ننتقل الآن إلى الكلام عن شروط المكلف، أيها الإخوة الكرام، إما أن يكون مجتهداً، ملك آلة الاجتهاد وتمكن من فهم الآيات والاستنباط منها، وكذلك الأحاديث وإعمال القياس بشروطه إلى آخر الأدلة، وإما أن يكون مقلداً. المجتهد إما أن يكون مجتهداً مطلقاً أو مجتهداً جزئياً، فالمجتهد المطلق لابد أن يكون كامل الآلة في الاجتهاد عنده ملكة، وهذا معنى قول المؤلف رحمه الله كما سيأتي، قال: ومن شرط المفتي. وهذه الشروط التي سيذكرها المؤلف رحمه الله ترجع إلى أحد امرين؛ إما إلى الملكة والقدرة، أو إلى المعرفة.

هناك شروط تتعلق بالملكة، وهناك شروط تتعلق بالقدرة. أما الملكة فهو ما ذكره رحمه الله بقوله: أن يكون كامل الآلة في الاجتهاد. وأن النوع الثاني من الشروط وهي الشروط المعرفية التي ترجع إلى العلم، قال المؤلف رحمه الله: من شرط المفتي أن يكون عالماً بالفقه أصلاً فرعاً.

يعني الأمر الأول أن يكون عالماً بالفقه أصلاً، يعني عالماً بأصول الفقه، يميز العام من الخاص والمطلق من المقيد، ويعرف كلام العلماء في أصول الفقه، ويعرف كيف تستنبط الأحكام من الجهة النظرية ومن الجهة التطبيقية باكتساب الملكة. وكذلك أن يكون عارفا بفروع الفقه، قال رحمه الله: عالماً بالفقه أصلاً يعني أصول الفقه، فرعاً يعني فروع الفقه. ومعرفته بفروع الفقه وبأصول الفقه، هل يكفي أن يكون عارفاً بقول واحد؟ نحن نتكلم الآن عن رتبة الاجتهاد والفتوى، لا يكفي أن يكون عارفاً بقول واحد مقلداً له، بل لابد أن يكون عارفاً بالخلاف مذهباً. قال رحمه الله: أصلاً وفرعاً خلافا ومذهباً. نعم، هذا الكلام عن المجتهد المطلق.

ليش لابد يكون عارف بفروع الفقه؟ لأنه لا يمكن أن تكتسب الملكة، ولا يمكن أن يتكلم في المسائل الفقهية هكذا ابتداء وجزافاً دون النظر في كلام الفقهاء ممن قبله. الشرط الثالث أن يكون كامل الآلة في الاجتهاد، وهذا عرفنا أنه يرجع إلى الملكة كما سبق، وبالمناسبة فإن معرفة فروع الفقه، بعض العلماء يرى أن معرفة فروع الفقه ليست شرطاً في الاجتهاد، يقول لأن فروع الفقه هي نتيجة وثمرة للاجتهاد، فكيف نشترطها في كون الإنسان مجتهداً؟ وهذا وإن كان صحيحاً من جهة التنظير، إلا أنه من جهة التطبيق لا يمكن أن يحصل الإنسان الملكة الفقهية دون نظر ومعرفة بفروع الفقهاء، ولا يمكن أن يتم فهمه في الكتاب والسنة وفهمه في الفروع الفقهية ونظره الصحيح فيها إلا بمعرفة جملة من كلام الفقهاء وفروعهم، وإن كان لا يشترط أن يكون عارفاً بكل الفروع.

الشرط الثالث الذي يتعلق بالجانب المعرفي، قال رحمه الله: عارفا بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام من النحو واللغة. إذاً، الشرط الثالث من الجوانب المعرفية أن يكون عارفاً بالنحو واللغة، فلابد أن يكون متمكناً في علم النحو، ومتمكناً في لغة العرب، وإلا فلا يجوز له أن يجتهد.

لأن القرآن والسنة آه نزلت وجاءت باللغة العربية وبلسان العرب، فمن لم يكن عارفا بلسان العرب لا يمكن أن يفهم القرآن والسنة فضلا عن أن يجتهد ويستنبط دقائق الأحكام منهما.

قال من النحو واللغة أيضا لا بد أن يكون عارفا بعلم الرجال حتى يستطيع أن يحكم على الحديث بالصحة والضعف، فلابد أن يكون عالما بالجرح والتعديل وما يتعلق برجال الحديث من التوثيق والتضعيف.

وهذا بحر واسع، وهذا يدلنا على أن رتبة الاجتهاد المطلق رتبة بعيدة المنال، ورتبة عظيمة في الشريعة لا يصح الناس أن يدعوا ذلك حتى يحققوا الشروط، وإذا لم يكن عارفا بالرجال وبالجرح والتعديل وبالحديث فانه سيدخل عليه التقليد في أبواب الحديث، وحينئذ لا يكون الاجتهاد عنده اجتهادا بمعنى الاجتهاد المطلق باطلاق.

نعم، ومن الجوانب المعرفية التي لا بد من معرفتها تفسير الآيات الواردة في الأحكام، إذا لابد أن يكون عارفا أولا بآيات الأحكام، لابد يكون عارف الآيات الواردة في هذا الباب الذي يتكلم فيه، ولابد أن يكون عارفا بتفسيرها وبكلام المفسرين فيها وبخلافهم ووفاقهم في هذا الباب.

وهذا هو دأب الأئمة رحمهم الله الإمام أحمد الشافعي مالك حينما يتكلمون في مسائل الشرع كانوا يتكلمون وهم يستحضرون آيات الأحكام وأحاديث الأحكام وما قيل فيها من التفسير وما ورد فيها من الأحاديث، مع معرفة رجال ذلك الحديث وحفظ إسناده ومعرفة الثقة منهم من الضعيف، وهذه الرتب التي بلغها هؤلاء الأئمة رتب رفيعة عالية.

ينبغي للإنسان أن يعرف قدر نفسه حينما يتحدث عن أولئك الأئمة، ويعرف أنه آه يعني بينه وبينهم مفاوز، وبينه وبينهم بون شاسع، فينبغي للإنسان أولا أن يعرف قدر نفسه، ثانيا أن يعرف أقدار أولئك الأئمة وأن يجلهم ويعظمهم ويعرف قدر كلامهم، وأنهم ما يتكلمون في دين الله إلا بالنظر الدقيق والمعرفة الدقيقة الواسعة بالكتاب والسنة بعد استفراغ وسع، وأيضا دين متين وحرص عظيم على تلمس أحكام الشريعة.

ولهذا بعض الناس يتصور أن آه عنده من الحرص أكثر من حرص الأئمة، أو عنده من العلم والمعرفة لأن عنده المكتبة الشاملة أو عنده اه وسائل البحث المعاصرة أن عنده معرفة واستطاعة للوصول إلى المعلومة أكثر من الأئمة، وهذا غلط كبير.

نعم آه أيضا من الشروط المعرفية أن يكون عارفا بأحاديث الأحكام، قال والأخبار وتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار الواردة فيها، وقول المؤلف رحمه الله أخبار يعني أحاديث الأحكام وليس فقط أحاديث الأحكام، بل لابد أن يكون عارف بحديث الأحكام وفاهما لها، وأيضا لابد أن يستطيع أن يميز الصحيح منها من الضعيف والظاهر منها من المجمل.

وأيضا اه لابد أن يكون عارفا بفهم السلف لهذه الأحاديث، وهذا كما قلت لكم هو دأب الأئمة الإمام أحمد الإمام مالك الإمام الشافعي، أئمة الإسلام كانوا يتكلمون في اه أحاديث الأحكام، لا يتكلمون في الشريعة ليس فقط بالنظر في أحاديث الأحكام.

بعض الناس يتصور أنه إذا حفظ متنا في حديث الأحكام فقد حصل أكثر أدلة الشريعة وحصل جميع الأدلة الشرعية، هذا غلط كبير، أدلة الشريعة لا تنحصر في حديث الأحكام، بل لا بد من معرفة آيات الأحكام مع تفاسير السلف فيها، لابد أن أعلم معرفة أحاديث الأحكام مع كلام الصحابة والتابعين فيها.

الأئمة كانوا يتكلمون في الأحكام وهم يعرفون القرآن وتفسيره بالإسناد، يعرفون التفسير بالإسناد، ويعرفون أحاديث الأحكام بالإسناد، ويعرفون فهم السلف لها بالإسناد، ويعرفون كلام الصحابة فيها بالإسناد.

أما أن يأتي واحد يحفظ بضعة أحاديث أو يحفظ مئتين ثلاث مئة أربع مئة ألف حديث، ثم يعد نفسه في مصاف الأئمة، فلا شك أن هذا من الاغترار بالعلم، يكون الإنسان أحيانا كما قال بعضهم يكون جاهلا وجاهلا بكونه جاهلا والله المستعان.

طيب هذا ما يتعلق بدرس اليوم، ويبقى معنا إن شاء الله الدرس الأخير، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.