الحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، وقد سبق معنا الكلام في الدرس الماضي عن شروط المفتي، واليوم بإذن الله عز وجل نبدأ في الكلام في الدرس الأخير عن شروط المستفتي.
وذلك أن الفتوى لها طرفان، الطرف الأول المفتي، وقد سبق معنا أن المفتي لابد أن يكون من أهل الاجتهاد. وأما الطرف الثاني فهو المستفتي، ويشترط في المستفتي أن يكون مقلداً. إذاً، شرطه أن يكون من أهل التقليد. إذاً المفتي والمستفتي، فيقلد المستفتي المفتي في الفتوى. إذاً ما هو شرط المفتي؟ أن يكون من أهل الاجتهاد. ما هو شرط المستفتي؟ أن يكون من أهل التقليد، فيقلد المفتي في الفتية، يعني يأخذ بقول المفتي بالفتيا وإن لم يعرف دليله، ولا حرج عليه في ذلك، لأن الله عز وجل يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
والشخص الذي لم يبلغ رتبة الاجتهاد فإن التقليد، سواء كان تقليده عن طريق الاستفتاء والسؤال المباشر لأهل العلم، أو عن طريق الأخذ بمدونات فتاويهم، أو عن طريق التمذهب بمذهب من المذاهب الفقهية الأربعة والسير في التعبد والعمل على وفق هذا المذهب، وهذا كله جائز؛ سواء كان يستفتي شخصاً حياً، أو يأخذ بفتاوى شخص ميت، أو يتمذهب بأحد المذاهب الفقهية، كل هذا جائز وسائغ للمقلد، نعم، لأنه لم يبلغ رتبة الاجتهاد.
نعم، قال رحمه الله تعالى: وليس للعالم أن يقلد. إذاً الشخص الذي من أهل الاجتهاد، شخص إذا كان من أهل الاجتهاد، ليس له أن يقلد، ليس له أن يقلد بمعنى ليس له أن يعمل ويأخذ بالأقوال تقليداً، بل لابد من معرفة الدليل وتحقيق الدلالة وبذل الوسع في بلوغ الغرض، كما سيأتي إن شاء الله.
نعم، قال: وليس للعالم أن يقلد، وقيل: يقلد. ثم انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى تعريف التقليد، ما هو تعريف التقليد الذي يتعلق بالمقلد؟ قال: والتقليد قبول قول القائل بلا حجة. إذاً هذا هو التعريف الأول للتقليد؛ هو قبول قول القائل بلا حجة، فيذهب المستفتي إلى العالم من العلماء ويسأله عن الحكم فيقول له الحكم كذا وكذا دون أن يبين الحجة، فيأخذ هذا المستفتي بقول هذا المفتي، فهذا هو إيش؟ التقليد؛ قبول قول القائل بلا حجة.
يترتب على هذا أن قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم يسمى تقليداً. نواصل، آه قلنا إن تعريف التقليد عرف بتعريفين؛ التعريف الأول قبول قول القائل بلا حجة، وقد فرع المؤلف رحمه الله تعالى على هذا قال: فعلى هذا التعريف قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم يسمى تقليداً، لأنه قبول قول قائل بلا حجة، ولكن هذا التفريع يعني فيه شيء من البعد، والسبب في ذلك أن قول النبي صلى الله عليه وسلم حجة، فلا يصح حينئذ إدخاله في هذا العموم.
وأما تسميته تقليداً من باب الاصطلاح فهنا يكون هذا من باب التجوز، ولهذا صاحب مختصر التحريم قال إن تسمية قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم تقليداً يكون على سبيل التجوز، والحقيقة أن قبول قول النبي عليه الصلاة والسلام هو اتباع له، قد أمر الله عز وجل باتباعه.
التعريف الثاني للتقليد قال: ومنهم من قال التقليد قبول قول القائل وأنت لا تدري من أين قاله. إذاً هذا هو التعريف الثاني؛ قبول قول القائل وأنت لا تدري من أين قاله. إذا سألت عالماً وعرفت من أين قال هذا الكلام، على هذا التعريف لا يعتبر تقليداً. طيب، وأما إذا لم تعرف من أين قاله، فحينئذ يكون هذا من باب التقليد، وتوقيدنا قبول قول القائل من غير ذكر حجة للسائل، وقيل بل قبولنا ما قاله مع جهلنا من أين ذاك قاله.
طيب، على هذا الثاني قال: فإن قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بالقياس، فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليداً. طبعاً في مسألة عند الأصوليين، وهي هل النبي عليه الصلاة والسلام يجوز له أن يجتهد أولاً؟ فالمؤلف يقول: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد يجتهد، فيسمى قبول قوله تقليداً لأنك لا تدري من أين قاله، هل قاله اجتهاداً أو قاله وحياً؟ وكما قلت لكم إن تسمية قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم تقليداً لا يصح إلا من باب التجوز.
ننتقل الآن أيها الأخوة الكرام إلى الاجتهاد، المجتهد أيها الأخوة الكرام إما أن يجتهد في الفروع أو في الشخص، إما أن يجتهد في الفروع أو يجتهد في اصول الدين. بالنسبة للاجتهاد في اصول الدين هذا سيأتي معناه، أنه لا يصح، وأن اصول الدين لا يدخلها الاجتهاد.
طيب، في الفروع قال المؤلف: واما الاجتهاد فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض. يعني الاجتهاد هو أن يبذل الفقيه وسعه، يعني يبذل كل ما يملك لكي يصل إلى الحكم الشرعي. الغرض هنا هو الحكم الشرعي.
إذاً ما حكم هذا المجتهد؟ قال: فالمجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد، إذاً شرط الاجتهاد أن يكون الإنسان كامل الآلة في الاجتهاد، فإن كان كامل الآلة في الاجتهاد فإن اجتهد في الفروع فأصاب فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد. وهذا هو القول الأول.
القول الأول يقول إن المجتهد إذا اصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد، وبناء على هذا فالمجتهد قد يصيب وقد يخطئ. القول الثاني في المسألة يقول إن المجتهد إذا اجتهد فقد أصاب، يقولون كل مجتهد مصيب. وهذا الكلام كله في الفروع الفقهية، ويستدلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخّطئ أياً من الطائفتين في قصة: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة.
فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة. فبعضهم صلى في الطريق، وبعضهم صلى في بني قريظة وأخر الصلاة، ولم يعنف النبي عليه الصلاة والسلام أياً من الطائفتين. قالوا إن هذا يدل على أن كل مجتهد مصيب. والفئة الأخرى تقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد. فصوبه تارة وخطأه أخرى، فيدل على أنه يصيب ويخطئ، وأنه يوصف الاجتهاد بالخطأ.
وهناك من أهل العلم من قال: ليس كل، يقول كل مجتهد مصيب، وليس كل اجتهاد صواباً. يعني أن المجتهد إذا استفرغ وسعه في بلوغ الغرض ووصل إلى حكم شرعي فإنه يحكم على ذلك بأنه يحكم عليه حينئذ بأنه مصيب لكونه اجتهد، ولا تحكم على الاجتهاد، يعني على نتيجة هذا الاجتهاد، بأنه صواب، لاحتمال أن يخطئ فيكون له أجر واحد.
وأما بالنسبة للاجتهاد في الأصول، يعني في اصول الدين المقصود اصول الدين، فلنصيب واحد إجماعاً. ولهذا يقول المؤلف رحمه الله: المصيب واحد. يعني لو واحد اجتهد قال والله أنا نظرت وتأملت فوجدت النصرانية أقرب إلى، نقول: أعوذ بالله، هذا ضلال ولا يعذر فيه وليس له إلا الوزر، وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ.
ولهذا قال المؤلف رحمه الله: ولا يجوز أن يقال كل مجتهد في الأصول الكلامية مصيب، لأن ذلك يؤدي إلى تصويب أهل الضلالة من النصارى والمجوس والكفار والملحدين نعوذ بالله. ودليل من قال ليس كل مجتهد في الفروع مصيباً قوله صلى الله عليه وسلم: من اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد. متفق عليه.
وجه الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم خطأ المجتهد تارة وصوبه أخرى. والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. انتهى، ونختم الآن بخاتمة نريد أن نوصيكم ببعض الوصايا. الوصية الأولى: أوصيكم بحفظ هذا المتن، متن الورقات أن تحفظوه بإتقان.
وحفظ المتون مهم لطالب العلم، مهم جداً، والحفظ أولاها بالاهتمام، وهو طريق السلف الأعلام. لا تصغي يا اخي للارجاف ولتتبع مناهج الأسلاف، واسمع لما أسبده الخطيب في جامعه عن الإام الصيرفي: ليس بعلم ما هو القمطر، ما العلم إلا ما حوا الصدر. وقال عنه ابن أبي الحديد في أول نظم فصيح: فاعرفه، وبعد فالعلم إذا لم ينضبط بالحفظ لم ينفع.
من مارا غلط. الأمر الثاني: أوصيكم بمراجعة العلم ومذاكرته مع الأقران والزملاء، وعندكم التمارين أرسلت لمركز النماء على أساس أنه ايش؟ تراجع من خلال التمارين، تراجع، تتناقش مع زملائك، والعلم يدوم بهذه المذاكرة.
الأمر الثالث: المواصلة والاستمرار في طلب العلم، لا ينبغي لطالب العلم أن يتوقف عند حد معين؛ هذا متن للمبتدئ، فينبغي أن تنتقل بعد ذلك إلى المتون الأوسع منه، وتكمل بقية العلوم الشرعية.
والله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا. الأمر الأخير: أوصيكم بالعناية بالتطبيقات والتدريبات، ويوجد فيديو في لايضا في الإنترنت آآ شرح تطبيقي على الورقات للفقير إلى الله عز وجل.
فيفيد الطالب في الممارسة والتطبيق، ونسأل الله سبحانه وتعالى لكم التوفيق والسداد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت