بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، هذا هو الدرس العاشر من شرح متن الورقات في أصول الفقه للإمام الجويني إمام الحرمين رحمه الله. وفي هذا الدرس نتكلم عن تقسيم الألفاظ. نحن الآن في دلالات الألفاظ، فنقول: دلالة اللفظ باعتبار قوتها، إما أن يدل اللفظ على معنى واحد لا يحتمل غيره، وهذا هو النص. ولهذا قال المؤلف رحمه الله: والنص ما لا يحتمل إلا معنىً واحداً، وقيل: ما تأويله تنزيله، وهو مشتق من منصة العروس وهو الكرسي. مثال ذلك قول الله عز وجل: مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ، فإن هذا اللفظ لا يحتمل إلا إثبات النبوة للنبي عليه الصلاة والسلام. ومثاله أيضاً الله عز وجل لما ذكر هدي التمتع والقرآن قال: فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ. هل ممكن يحتمل غير عشرة أيام؟ ممكن يحتمل مثلاً أنه إحدى عشر يوم، أو أنه تسعة أيام، أو ثمانية أيام؟ لا، ثلاثة في الحج وسبعة تلك عشرة كاملة، فهذا نص.
وقد عرفه المؤلف بقوله: ما لا يحتمل إلا معنىً واحداً، وقيل: ما تأويله تنزيله، يعني مجرد نزول الآية هو تفسير لها. ومن أين اشتق لفظ النص؟ قال رحمه الله: وهو مشتق من منصة العروس وهو الكرسي، الكرسي الذي تجلس عليه العروس. هل ممكن يجلس أحد يعني معها على الكرسي؟ لا، تكون منصة مرتفعة وجالسة عليها العروس، لا يحتمل شيء غيرها. نعم، إذاً هذا هو القسم الأول.
القسم الثاني: ما دل على أكثر من معنى، أحدها أرجح، وهو الظاهر. مثاله الأمر، فإننا نقول: مثاله ما دل على أكثر من معنى، أحدها أرجح، مثاله الأمر، فإن الأمر يدل على الوجوب وإن كان يحتمل معاني متعددة غير الوجوب، لكن الأصل أن الأمر يراد به إيش؟ يراد به الوجوب. ومثاله النهي، يعني الأمر والنهي. مثاله قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا. فإن هذا الحديث نهي، ويحتمل أن يكون النهي هذا على وجه الكراهة أو على وجه التحريم، لكن الارجح من المعنيين هل هو الكراهة أو التحريم؟ الارجح هو التحريم، فهذا ظاهر في التحريم.
إذاً، إذا احتمل النص أكثر من معنى، أحد هذه المعاني أرجح من غيره، يكون من باب الظاهر. وأما إذا احتمل أكثر من معنى لا مرجح لأحدها، فهذا هو المجمل، وهذا هو المجمل. وقد عرفه المؤلف رحمه الله بقوله: والمجمل ما افتقر إلى البيان. لأن المجمل لا يفهم إلا إذا جاء ما يبينه. طيب، ما هو البيان؟ قال: البيان إخراج الشيء من حيز الاشكال إلى حيز التجلي. وحكم هذا المجمل أنه يتوقف العمل به على ورود البيان، فلا يعمل به إلا بعد أن يبين.
مثال ذلك قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ. فإن كلمة قُرُوء جمع قَرْء، ويطلق في اللغة على الطهر، ويطلق أيضاً على الحيض. فهل المراد هنا الطهر أو المراد الحيض؟ معنيان متساويان، لا مرجح لأحدها على الآخر من نفس الآية، إنما نطلب المرجح من المبين المنفصل في الأدلة الأخرى. ولهذا اختلف العلماء في المراد بالقرء، هل هو الحيض أو المراد به الطهر؟ كذلك مثلاً قوله سبحانه وتعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ. فانه مجمل من حيث هيئة الصلاة، فانه يحتمل أن تكون الصلاة مفتتحة بالتكبير أو غير مفتتحة بالتكبير، فلا يمكن أن تنزل واقيموا الصلاة فيأتي الإنسان ويصلي دون هيئة الصلاة، فيتوقف ذلك على البيان، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هيئة الصلاة بقوله وفعله عليه الصلاة والسلام.
وهذه إعادة قلنا: إذا كان على معنى واحد لا يحتمل غيره فهو النص، وإذا كان على أكثر من معنى أحدها أرجح فهو الظاهر. والظاهر نوعان: النوع الأول من أنواع الظاهر هو الظاهر بنفسه. وقبل أن نشرح الظاهر بنفسه خلينا نقرأ كلام المؤلف، قال المؤلف: والمجمل مفتقر إلى البيان، وقد بينا ذلك، ثم قال: والبيان إخراج الشيء من حيز الاشكال إلى حيز التجلي. إذا نزل قول الله عز وجل لما نزل واقيموا الصلاة هذا مشكل، لا تعرف هيئة الصلاة بمجرده فيحتاج إلى بيان، فلما يبين النبي صلى الله عليه وسلم صفة الصلاة وهيئة الصلاة يكون قد أخرج ذلك من حيز الاشكال إلى حيز واضح.
وبينا أن النص ما لا يحتمل إلا معنىً واحداً في الشريحة السابقة وفي الصفحة السابقة وبينا معناه. أما بالنسبة للظاهر فهو ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر، وقد مثلنا له بإيش؟ بالنهي، فانه يحتمل الكراهة ويحتمل التحريم، ولكن التحريم فيه أظهر. طيب، الظاهر بنفسه مثل ما قلنا: لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، نهي، والأصل في النهي والارجح فيه أن يحمل على التحريم.
وأما الظاهر بغيره، وهو الذي سماه المؤلف المؤول، فهو النص الذي يكون ظاهره يدل على معنى، ولكن هذا المعنى غير مراد، ونترك هذا المعنى الذي دل عليه ظاهر النص بسبب الأدلة الأخرى، فالأدلة الأخرى بينت أن المراد بهذا النص ليس هو ظاهره. مثال ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: الشُّفْعَةُ لِلْجَارِ. الشفعة هي مسألة من مسائل المعاملات، لا نحب أن يعني نستطرد في بيان صورتها، يعني هي ثبوت حق انتزاع حصة الشريك، اثنان يتشاركان في أرض، فاذا باع أحدهما حصته ونصيبه من الأرض فيجوز للآخر أن ينتزع هذا النصيب من الشخص المشتري ويعطيه إيش؟ الثمن الذي دفعه.
طيب، هل الشفعة تثبت للجار؟ أو أنها تثبت فقط للشريك؟ هل تثبت للجار المجاور الذي لا يشترك معك أو أنها تثبت للشريك فقط؟ نقول: ظاهر الحديث الشفعة للجار، أن الشفعة تثبت للجار سواء كان شريكا أو كان مجاورا غير شريك. نقول: لكن هذا الحديث لا يراد به ظاهره، لا يراد به العموم، عموم الجيران في الشفعة، وإنما يراد به الجار الشريك فقط. طيب، لماذا تركنا ظاهره؟ نقول: هذا حديث مؤول، والدليل على تأويله هو حديث آخر، وهو ما جاء في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إيش؟ قضى النبي عليه الصلاة والسلام بالشفعة في كل ما لم يقسم، فاذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. طيب، الجار مع جاره الحدود بينهما واقعة أو لا؟ واقعة، إذاً لا شفعة لهم. وهذا هو المؤول، هذا هو المؤول.
طيب، هذا ما يتعلق بدرس اليوم، نسأل الله عز وجل أن يعلمنا العلم النافع وأن يوفقنا للعمل الصالح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
نعم، قبل أن نختم عفواً، الظاهر بنفسه يجب العمل بظاهره إلا إذا جاء الدليل يصرفه عن ظاهره، منه العام فظاهر العام شمول جميع الأفراد، سبق معنا قبل قليل في مبحث العام ظاهر العموم وشمول جميع الأفراد، لكن يحتمل إخراج بعض الأفراد ولا لا؟ يحتمل. كذلك الأمر، ظاهر الأمر الوجوب لكنه يحتمل الندب وهو الاستحباب، والنهي ظاهره التحريم ويحتمل الكراهة وغير ذلك. وأما بالنسبة للمؤول وقد ذكرنا مثاله: الشفعة للجار، وهنا مثال آخر وهو حديث: أوتروا يا أهل القرآن. أمر، والأمر ظاهره الوجوب، لكننا نترك هذا الظاهر ونقول الوتر غير واجب، مع أن ظاهر هذا الحديث الوجوب، نقول: هذا حديث مؤول ومصروف عن ظاهره، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع، فدل على أن الفرض هي الصلوات الخمس فقط.
الشيخ عامر بهجت