بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد مر معنا في الدرس الماضي ما يتعلق بالمخصصات المتصلة. وفي هذا الدرس بإذن الله عز وجل نفصل في أحد هذه المخصصات المتصلة، وهو التقييد بالصفة، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق، كالرقبة قيدت بالإيمان في بعض مواضع، وأطلقت في بعض المواضع، فيحمل المطلق على المقيد.
وكلام المؤلف رحمه الله تعالى هنا في المطلق والمقيد هو كلام مطلق يحتاج إلى تفصيل، وذلك أن اللفظ ينقسم إلى قسمين: مطلق ومقيد. فالمطلق ما دل على الحقيقة بدون قيد، كدلالة قول الله عز وجل في كفارة اليمين: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ على تحرير الرقبة دون أن تقيد بالإيمان أو بغير ذلك من القيود، فهذا المطلق يجب العمل بإطلاقه ويبقى على إطلاقه إلا إذا قيد في النصوص الشرعية.
طيب، إذا جاءنا مقيد، وهو ما دل على الحقيقة بقيد زائد عن مطلق الماهية، كقوله عز وجل في كفارة القتل: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، هل هذا المقيد يقيد النص الآخر المطلق، أو أن المطلق يبقى على اطلاقه والمقيد يبقى على تقييده؟ نقول: إن المقيد على نوعين؛ الحالة الأولى: أن يكون المقيد موافقا في الحكم، فانه يقيده.
ومعنى موافقته له في الحكم: نأخذ مثاله فنقول: إن الله عز وجل أمر بالعتق في القتل، كفارة القتل، إذاً الحكم هنا هو العتق. طيب، ما هو السبب؟ السبب هنا هو القتل. واما في آية كفارة اليمين فالسبب هو اليمين. إذاً، الحكم واحد ومتحد وهو عتق، ولكن السبب مختلف. فهل يحمل المطلق على المقيد؟ نقول: نعم، إذا اتفق الحكم فان المطلق يحمل على المقيد. إذاً، إذا كان المقيد موافقا للمطلق في حكمه فانه يقيده.
وأما إذا كان مخالفا للمطلق في الحكم فلا يقيده. مثال ذلك نقول: إن الله عز وجل أمر بقطع يد السارق، قال: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا، واليد هنا مطلقة لم يقيدها بالمرافق أو بغير ذلك من القيود، وجاءت في آية الوضوء الأمر بغسل اليد وقيدت إلى المرافق، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ. هل نقول يحمل المطلق على المقيد فتقطع يد السارق من المرفق؟ الجواب: لا. ليش؟ لأن الحكم مختلف، فالحكم في آية السرقة اللي هو القطع، والحكم في آية الوضوء هو الغسل، فلا يحمل المطلق على المقيد. هذا ما يتعلق بالمطلق والمقيد.
ننتقل الآن إلى المخصصات المنفصلة، كما سبق أن العام إما محفوظ يعمل بعمومه أو مخصص، وهو إما بمنفصل أو بمتصل. قد سبق معنا المخصص المتصل، وهو الاستثناء والشرط والتقييد بالصفة، والآن إلى المخصصات المنفصلة. من أمثلة المخصصات المنفصلة: تخصيص العموم بكتاب الله عز وجل، وتخصيص العموم بالقرآن. وتخصيص العموم بالقرآن قد يأتي القرآن مخصصا للقرآن، مثل ما سبق معنا في قول الله عز وجل: وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ، فان المشركات عام يعم جميع أصناف المشركات، جاء تخصيصه في قول الله عز وجل: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني حل لكم، فخصص من عموم المشركات أهل الكتاب، فيجوز نكاح المرأة الكتابية.
نعم، وقد يأتي القرآن مخصصا لعموم السنة، كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، فهذا عام يشمل من يجد الماء ومن لا يجد الماء، لكن هذا العام مخصص بكتاب الله عز وجل في قوله تعالى: وَإِنْ كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا. إذاً خصص عموم السنة بآية من القرآن.
وقد يكون المخصص المنفصل هو السنة، والسنة قد تخصص السنة وقد تخصص القرآن. فمثال تخصيص السنة للسنة ما جاء في الحديث: فيما سقت السماء العشر، هذا في زكاة الخارج من الأرض، العشر فيما سقى، لاحظ ماء من صيغ العموم اللي مرت معنا قبل درسين: ما سقت السماء فيه العشر، وهذا عام يشمل المكيل وغير المكيل، ويشمل ما كان فوق خمسة أوسق وما كان دون خمسة أوسق، يعني ما كان كثيرا أو قليلا. لكن الحديث الآخر، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، دل على أن القليل الذي دون خمسة أوسق ليس فيه زكاة. هذا من تخصيص السنة بالسنة.
ويجوز أيضا السنة للقرآن، يعني تأتي الآية عامة فتخصص بالسنة، مثل قول الله عز وجل: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ تشمل الولد المسلم والولد الكافر، لكنها خصصت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، فلا يدخل الولد الكافر للشخص المسلم، لأن السنة هنا خصصت عموم القرآن.
وقد يأتي أيضا تخصيص النص العام بالقياس. كيف نخصص عموم القرآن وعموم السنة بالقياس؟ نقول: لأن القياس في الحقيقة هو يستند لنص من القرآن أو نص من السنة، القياس ما يأتي بالعقل المجرد، إنما هو مستند إلى نص عرفت علته فقيس الحكم عليه. ولهذا نقول: القياس يخصص العموم من القرآن ومن السنة. ومن أمثلة ذلك نقول، من أمثلته: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ عام يشمل كل بيع كما سبق معنا، الاسم المفرد المعرف بال فيشمل كل بيع. طيب، هذا البيع العام يشمل كل بيع، طيب خرج من عمومه، وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ خرج منه بيع البر بالبر متفاضلا، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: البر بالبر مثلا بمثل، نعم. طيب هذا تخصيص عموم القرآن بالسنة.
لكن يقاس على البر كثير من الأصناف، مثل ايش؟ مثل الرز، فنقول: يخصص عموم وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ يخرج من عموم حل البيع بيع الرز بالرز مع التفاضل، وهذا ثبت بالقياس. هذا ما يتعلق بالمخصصات. والمؤلف بين معنى هذه المسألة فقال: يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، وتخصيص الكتاب بالسنة، وتخصيص السنة بالكتاب، وتخصيص السنة بالسنة، وتخصيص النطق بالقياس. ما معنى النطق؟ قال: ونعني بالنطق قول الله سبحانه وتعالى وقول الرسول صلى الله عليه وسلم. فيجوز تخصيص عموم قول الله عز وجل مثل ما ذكرنا عمومه: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ بالقياس أو بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. هذا ما يتعلق بالدرس اليوم، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
الشيخ عامر بهجت