بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد سبق معنا في الدرس الماضي ما يتعلق بالأمر والنهي، وما يتعلق أيضا بمبحث العموم، وعرفنا ما هو العام.
آآ وعرفنا اه ألفاظ العموم. وفي هذا الدرس بإذن الله عز وجل، ننتقل إلى قضية أخرى تتعلق بمبحث العموم، ألا وهي تقسيم العام إلى عام محفوظ وعام مخصوص. ما المراد بالعام المحفوظ؟ العام المحفوظ هو العام الباقي على عمومه الذي لم يدخل عليه مخصص. وهذا النوع من أنواع الألفاظ العامة يجب العمل بعمومه؛ لأن الأصل أن العام يستغرق جميع أفراده، ولا يصح أن نخرج منه بعض الأفراد إلا بدليل مخصص.
إذاً، هذا هو العام المحفوظ، وهو العام الباقي على عمومه، ومن أمثلة ذلك: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. فانه لا يوجد شيء يخرج عن علم الله عز وجل، فهذا عام محفوظ لم يدخله التخصيص. والعمومات المحفوظة كثيرة وهي الأصل في العموم.
النوع الثاني من أنواع اللفظ العام هو العام المخصص، أو العام الذي دخله التخصيص، ويسميه بعض أهل العلم العام المخصوص. والعام المخصوص إما أن يكون تخصيصه بمنفصل، أو يكون تخصيصه بمتصل. المخصصات المنفصلة، معنى المخصص المنفصل يعني أن هذا الشيء الذي خصص العام هو دليل آخر منفصل عنه وخارج عنه وليس نفس الدليل. إذاً، من المخصصات المنفصلة: القرآن، فقد تأتي آية من القرآن تخصص عموم القرآن، وقد تأتي آية من القرآن تخصص عموم السنة. الثاني من المخصصات وهو السنة.
إذاً، عندنا المخصص الأول تخصيص العموم بالقرآن، وهذا يرد فيه أن يكون القرآن مخصصا للقرآن، ومن أمثلة ذلك ما جاء في كتاب الله عز وجل في كثير من الأحكام التي جاءت عامة في موضع ثم جاءت في موضع آخر مخصصة.
واذا أردنا أن نأخذ على ذلك مثلا، فاننا نذكر على هذا مثال قول الله سبحانه وتعالى بسورة النساء: وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم. لما ذكر المحرمات من النساء، قال الله عز وجل: أحل لكم ما وراء ذلكم. وقد جاء في كتاب الله عزوجل بعض المخصصات المنفصلة التي خصصت هذه الآية؛ كتحريم نكاح المشركة غير الكتابية: وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ، وغير ذلك من الآيات. نعم، هذا هو التخصيص بايش بمنفصل.
ومن أمثلته أيضا التخصيص بالقرآن، يرد تخصيص القرآن للقرآن وتخصيص القرآن للسنة، وهذا سيأتي معنا إن شاء الله في الدرس الآتي، ولكن نذكره الآن على وجه الإيجاز والاختصار. إذاً، تخصيص منفصل؛ قد يكون المخصص هو القرآن، وقد يكون المخصص هو السنة، وقد يكون المخصص لعموم النص هو القياس؛ يجوز تخصيص العموم بالقياس، وسيأتي ذكره في الدرس الآتي إن شاء الله. ومن المخصصات: مخصص متصل، وهو الاستثناء، وهذا الذي سنأخذه في هذا الدرس: الاستثناء، والشرط، والتقييد بالصفة.
وقبل أن نفصل هذه القضية، نريد أن نشير إلى المسألة التي هي بداية هذا الدرس، وهو أن محل العموم هو النطق وليس الفعل؛ الفعل لا عموم له. ولهذا سبق معنا في الدرس الماضي صيغ العموم وألفاظ العموم، وهذه ألفاظ. وأما الفعل النبوي الذي يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم أو من غيره عليه الصلاة والسلام، فهذا لا عموم له.
إذاً، الفعل لا عموم له، كما قال العمريطي في نظم الورقات: ثم العموم أبطلت دعواه في الفعل، بل وما جرى مجراه. ويمثلون هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في جوف الكعبة، والصلاة في جوف الكعبة لا يمكن أن تكون فرضا ونفلا وصلاة ضحى وصلاة وتر، لا يمكن أن تعم كل الصلوات، هو صلى صلاة واحدة، هل يصح أن نقول صلى كل الصلوات؟ لا؛ لأن هذا فعل، والفعل لا عموم له.
تقول مثلا: تكلم الرجل، هل معنى هذا تكلم بكل الكلام؟ لا، الفعل لا عموم له، واضح؟ وهذا معنى قول المؤلف رحمه الله: والعموم من صفات النطق، ولا تجوز دعوى العموم في غيره من الفعل وما يجري مجراها. وقد مثلنا لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في جوف الكعبة.
كذلك مثلا، النبي صلى الله عليه وسلم كانت تجلس معه أم حرام بنت ملحان رضي الله تعالى عنها، كان يأتي إلى بيتها وكانت تفلي له شعره. طيب، هذه واقعة عين مع امرأة محددة، فهل يصح أنه يقول أن هذا يعم المحرم وغير المحرم من النساء؟ نقول: لا، لا يجوز تعميمه، إنما يختص بصورة الفعل وهو ايش؟ كونها من محارمه عليه الصلاة والسلام.
ننتقل بعد ذلك إلى قضية أخرى، وهي ايش؟ الخاص. ما هو الخاص؟ قال: الخاص يقابل العام. وما هو التخصيص؟ قال: التخصيص تمييز بعض الجملة. إذاً، الخاص يقابل العام، وقد سبق معنا في الدرس الماضي أن العام هو ما عم شيئين فصاعدا بلا حصر. فما هو الخاص؟ هو ما لم يعم، ما اختص ببعض الأفراد.
وهناك خاص لا أخص منه، وعام لا أعم منه، وبينهما درجات. فأنت تقول مثلا: الإنسان؛ هذا عام، ولكن هناك ما هو أعم منه بأن تقول: الشيء؛ فإن الشيء يشمل الإنسان أو غير الإنسان. وكذلك هناك ما هو أخص منه بأن تقول على سبيل المثال: المسلمون؛ فإنهم أخص من عموم الإنسان.
والتخصيص: تمييز بعض الجملة عن سائرها، وهو بتعبير آخر: إخراج بعض أفراد العموم. وقد قسمه المؤلف رحمه الله إلى قسمين، قال: وهو ينقسم إلى متصل ومنفصل. وقد ذكرنا هذا التقسيم.
ما هو التخصيص بالمتصل؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: فالمتصل: الاستثناء، والتقييد بالشرط، والتقييد بالصفة. قال: الاستثناء، ومثاله قال الله عز وجل: إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا، هذا هو الاستثناء. والشرط، مثل له بعضهم بقوله: أكرم بني تميم إن جاؤوك. ومثاله أيضا: يقول المعلم: سأعطي كل طالب درجة إذا اجتهدتم في المذاكرة. والتقييد بالصفة؛ مثل: أكرم الطلاب المجتهدين؛ فإن التقييد بالصفة هنا خصص المجتهدين وأخرج غيرهم.
وقد عرف المؤلف رحمه الله تعالى الاستثناء بقوله: والاستثناء إخراج ما لولاه لدخل في الكلام، ويضاف هنا بـ (إلا) أو إحدى أخواتها، مثل ما تقول: أكرم الطلاب إلا زيدا.
طيب، ما هي شروط الاستثناء؟ ذكر المؤلف رحمه الله تعالى للاستثناء عدة شروط: الشرط الأول: أن يبقى من المستثنى منه شيء، فلا يصح أن تستثني الكل؛ فتقول مثلا: جاء الطلاب كلهم. ما يمكن: جاء عشرة من الطلاب إلا عشرة، هذا لا يصح عنده استثناء، لكن يصح أن تستثني ويبقى شيء.
طيب، هل لابد أن يبقى أكثر من النصف، أو سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى؟ نعم قال: وإنما يصح الاستثناء بشرط أن يبقى من استثنى منه شيء. وهي مسألة استثناء الأكثر، وفيها خلاف عند العلماء؛ بعض العلماء رحمهم الله تعالى يقولون: إنه يجوز استثناء الأكثر، وبعضهم يقول: لا يجوز استثناء الأكثر، وإنما الاستثناء يكون في النصف فأقل. وهذا هو المذهب عند الحنابلة: أن الاستثناء إنما يكون في النصف أو أقل، ولا يصح استثناء الأكثر.
إذاً، هذا الشرط الأول من شروط الاستثناء: أن يبقى من المستثنى منه شيء. الشرط الثاني: أن يكون الاستثناء متصلا بالكلام؛ فلو قال: أقر وأعترف بأن علي عشرة دراهم، ثم سكت سكوتا طويلا يمكنه الكلام فيه، أو تكلم بعد خمس دقائق قال: إلا خمسة، نقول: هذا استثناء لا يصح، وتلزمه العشرة كاملة. ومن الشروط أيضا، نعم، إذاً هذا الشرط الأول: أن يبقى من المستثنى منه شيء، والشرط الثاني: أن يكون متصلا بالكلام. طيب هل من الشروط؟
أن يكون المستثنى منه متقدماً على الاستثناء، أو يجوز أن تقدم الاستثناء على المستثنى منه. المؤلف يقول: يجوز أن تقدم المستثنى على المستثنى منه. مثال أن تقول: ما قام إلا زيداً أحد، والتقدير: ما قام أحد إلا زيد، لكن أنت قدمت وقلت: ما قام إلا زيداً أحد.
فهذا أيضاً جائز، ومما يجوز في الاستثناء -وهو ليس من الشروط- أن المؤلف رحمه الله يقول: ويجوز الاستثناء من الجنس ومن غير الجنس، مثل أن تقول: جاء القوم إلا حمارهم، جاء القوم إلا الحمار، فالحمار ليس من القوم وإنما هو استثناء من غير الجنس، وهذا محل خلاف بين العلماء: هل يجوز الاستثناء من غير الجنس أو لا؟ نعم.
طيب، ثم ذكر مسألة تتعلق الاستثناء المتصل الثاني أو التخصيص المتصل الثاني وهو التخصيص بالشرط، وقال: إن الشرط يجوز أن يتقدم على المشروط بأن تقول: إن جاءك بنو تميم فأكرمهم، ويجوز أن تقول: أكرم بني تميم إن جاؤوك.
نعم، ثم ذكر مسألة تتعلق بالثالث من المخصصات المتصلة وهو التقييد بالصفة، فبين أن المقيد بالصفة يحمل عليه المطلق. قال رحمه الله: والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق، كالرقبة قيدت بالإيمان في بعض مواضع، وذلك بأن يأتي في بعض النصوص الشرعية اللفظ مطلقاً، كقوله عز وجل في كفارة اليمين: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ.
وأطلقت الرقبة هنا، وفي كفارة القتل قيدها الله عز وجل بالرقبة المؤمنة. طيب، هل نحمل المطلق على المقيد ونقول إن الرقبة لابد أن تكون مؤمنة حتى لو في كفارة اليمين؟ الجواب: نعم، ولهذا قال المؤلف: والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق. ما مثاله؟ قال: كالرقبة قيدت بالإيمان في بعض المواضع، وأطلقت في بعض المواضع، فيحمل المطلق على المقيد.
هذا ما يتعلق بمسألة التخصيص بالمتصل، وفي الدرس القادم إن شاء الله نتناول ما يتعلق بالتخصيص بالمنفصل، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت